← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

في نفسه (ومن) (١) كان يساوي فيه ألف درهم يحسب ذلك على الغريم الغائب وكأن سيده مات عن عبد قيمته ألف لما كان لا يمر يوم إلَاّ ومن حق الغريم الغائب أن يأخذ العبد فيه بدينه، ومن حقي الورثة أن يبيعوه ويسلموا ثمنه إلى الغريم، فما طرأ بعد ارتفاع قيمته من موت أو نقص سوق فهو محسوب على الغريم الطارئ كما تقدم بيانه فيما سلف. ولو بيع العبد وقُضي ثمنه ألف درهم للغريم الحاضر، وبقيت الألف الناضة فضاعت لحسبت على الغريم الطارئ كما حسب العبد، إذا بقي ثم هلك، على الغريم الطارئ. ولو بيع العبد للغريم (٢) الحاضر ودفع ثمنه إليه ثم رد بعيب البيع (٣) ثانية فما نقص من ثمنه من حق القابض لثمنه أن يرجع، على الغريم الطارئ إذا قبض الألف الناضة، بما ينوبه من الحصاص في مقدار ما نقصه العيب، وهذا الذي ذكره ها هنا من اعتبار أعلى قيمة مرت بالعبد من يوم مات سيده إلى يوم موت هو فحوى أحد القولين فيمن غصب عبدًا قيمته مائة دينار ثم صار بعد ذلك يساوي ألفا، ثم مات فإن الغاصب يضمن أعلى قيمة مرت به، لأنه كلَّ يوم مخاطب بأن يرد العبد على سيده، فيُعدُ كل يوم غاصبًا مبتدئًا للغصب فيمن (٤) قيمته التي هي ما مرّ به. وقد أشار بعض المتأخرين إلى أن هذه المسألة التي ذكرنا عن الموازية قول ابن المواز عزل العبد للغائب: إن ذلك لأجل أنه مال مفلس مات، وأنه بخلاف المفلس الحي. وقد قدمنا نحن فيما قبل مسألة مطرف وابن الماجشون وذكرنا أنهما يريان أن ما فضل بيد الورثة أو الغريم المفلس يحسب على الغريم

стр. 2732

الطارئ، وذكرنا مخالفة أصبغ لهما في الفلس خاصة، وأنه لا يحسب ما بقي في يديه بعد أن يغرم إليه الغريم الطارئ. وكذلك لا يحسب عليه ما وقف بعد قضاء الدين، فمتى طرأ غريم لم يعلم به على غرماء فإنه يطالب كل واحد منهم بمقدار ما ينوبه في الحصاص، ولو طرأ وارث على ورثة ففيه قولان: مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أنه كغريم طرأ على غرماء، إنما له أن يطالب كل واحد من أصحابه بما ينويه في الحصاص خاصة، ولا يرجع عليه بأكثر من ذلك ولو غاب بقية أصحابه. ومذهب أشهب وغيره أنه يقاسم الوارث القادم من وجد من الورثة فيما في يديه على مقتضى الفرائض التي فرضها الله تعالى في مال الميت لورثته، ثم يرجعان جميعهم على من لقياه من الورثة على هذا الأسلوب حتى يعتدلوا في المال الاعتدال التي (١) توجبه أحكام الفرائض والمواريث. وأما طروء غريم على وارث أو موسى لهم فإنه يستوفي حقه منه لكون البارئ سبحانه قدم حق أصحاب الديون عني الورثة والموصى لهم فقال ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢). وسنبسط هذا في كتاب القسم إن شاء الله تعالى. والجواب عن السؤال الثامن أن يقال: إقرار المريض بدين لرجل يقع على وجوه، منها أن يقر بدين لأجنبي أو يقر بدين لوارث أو صديق ملاطف أو يقر بدين لأجنبي ووارث أو لأجنبي وصديق ملاطف. وكان مقتضى الترتيب عندنا أن يجمع ذلك كله بعد ذكر فصل تذكر

стр. 2733

فروعه، ولكنا قدمنا العذر عن سبب الاخلال بالرتبة الواجبة عندنا في حكم التأليف، وأنا قد توخينا ترتيب المدونة. وقد تقدم كلامنا في كتاب التفليس على إقرار المريض بدين لوارث أو لأجنبي وصديق ملاطف. وذكر في المدونة في كتاب المديان حكم إقرار المريض بدين لأجنبي أو لوارث. فأما إقرار حكم المفلس الصحيح بعد الحجر فقد تقدم بيانه في كتاب التفليس. وكذلك إقراره بعد الحجر وقد تبين فلسه وأقرّ لمن لا يتهم أولمن يتهم في إقراره وذكرنا الخلاف في ذلك في المذهب. وكذلك ذكرنا قضاءه لبعض غرمائه دون بعض وقد أحاط الدين بماله. وأمّا المريض فإنه إذا قضى دينًا لبعض غرمائه ثم مات من مرضه، فالمنصوص في المذهب أن ذلك لا ينفذ لأن قضاءه حينئذ يحمل على التوبيخ (١) لمن قضاه دينه وإيثاره على من سواه من الغرماء. بخلاف قضاء من تبين فلسه فإنه يمضي على أحد القولين لأجل أن ذمته باقية يطلبها من لم يقض دينه من الغرماء ويضايقونه في طلب حقوقهم ولا يقصد التوبيخ (١) والإيثار إلا مع إضرار نفسه بطلب من لم يقض حقه من غرمائه. وأمّا المريض فإنه إذا قضى بعض كرمائه ثم مات ارتفع عنه بموته ضرر طلبهم فتقوم التهمة بقصده إيثار قوم من غير ضرر يلحقه من قوم آخرين. لكن ذكر سحنون في المدونة عقيب قوله: إن قضاء المريض لا يجوز، أن غيره قال: المريض لم يحجر عليه في بيعه وشرائه أو إقراره. فحمل هذا القول بعض الأشياخ على أن ظاهره يقتضي جواز قضائه لبعض غرمائه. وإنما أورد هذا القول استدلالًا بجواز معاملته وإقراره على جواز قضائه، فيكون على هذا في المدونة قولان في قضاء المريض الذي أحاط الدين بماله أيضًا.

стр. 2734

وإلى إمضاء قضاء دينه ذهب سحنون. وأما لو كان عنده ما يوفي سائر الديون التي عليه (وليس بتصريح في إجازة القضاء لبعض الغرماء دون بعض) (١). ويمكن أن يكون أراد التنييه على مذهب المخالف الذي يمنع إقرار المريض وعليه ديون استدانها في الصحة شهد بها عليه بينة. فإن هذه المسألة مما اختلف فيها فقهاء الأمصار: فمذهب مالك والشافعي أنه إذا أقر بدين في مرضه لأجنبي ليس بصديق ملاطف ولا تتطرق إليه تهمة في إقراره له فإنه يحاصّ الغرماء الذين داينوه في الصحة ولهم بديونهم بينة. ومنع ذلك أبو حنيفة ورأى أن الديون الثابتة عليه في الصحة ببينة مقدمة على حق هذا الذي أقر له كما لو أقر بعد الحجر والتفليس بدين لم يحاص هذا المقر له الغرماء الذين حجروا عليه بسببهم (٢)، بهذا الدين الذي أقر به بعد الحجر. لكنه يبقى للمقر له ذمة المفلس المحجور عليه حتى يكتسب ما يقضيه منه الذي أقر له به. والعلة في ذلك أن حقوق الغرماء المحجَّر على المديان بسبب ديونهم كأنها تعلقت بعين المال الذي حيل بينه وبينه، فليس له أن يتلفه عليهم بالإقرار. وكذلك إقرار المريض بدين وعليه ديون استدانها في الصحة تشهد بها بينة فإنه أيضًا إنما يكون للمقر له المطالبة فيما يطرأ للميت من مال لا فيما تعلق به حق الغرماء. ودافعه أصحابنا عن هذا القياس بأنه لو قامت بينة المقر له بعد التحجير بصحة ما أقر (له به الغريم) (٣) لقضي له بذلك وحاصّ به الغرماء الذين وقف

стр. 2735

لهم المال. ولو قامت بينة بأنه عامل بعد الحجر واستدان لم تنفع إقامة البينة هذه في وجوب المحاصة لهذا الذي عامله بعد الحجو. وأمّا المريض لو قامت بينة على معاملته في مرضه لقضي بصحة هذا الدين وحاص به مستحقه الغرماء الذين عاملوه في الصحة. فقد افترق حكم البينة إذا عامل المفلسُ المحجورُ عليه بينة (١) من حكم معاملة المريض بالبينة، فإذا ثبت أن البينة إذا قامت على معاملةٍ في مرضه واستدانتها وجب أن (٢) على حسب ما يقضى لمن داينه في الصحة. فإذا أقر لمن يتهم عليه وجب أيضًا أن يقضى له ذلك، ويقام (٣) البينة على إقراره كقيام البينة على معاملته في المرض، لأنه لا يمنع من الإقرار ولم يحجر عليه فيه. ويمكن أن يكون ما ذكرناه من (٤) غير ابن القاسم في المدونة إلى هذا المعنى أشار. وإن استدل المخالف على أن من ارتهن رهنا فإنه أحق بعين رهنه من غيره من الغرماء الذين لا رهن لهم، فكذلك يجب أن يكون غرماء الصحة إذا كانت ديونهم ببينة مقلَّمين على الدين الذي أقر به في المرض، ويرجح الدين السابق في الصحة على هذا الذي أقرّ به في المرض، لكون تصرف الصحيح في ماله أبسط وأمضى لأنه له أن يهبه وليس للمريض أن يهب جميع ماله مع كون غرماء الصحة قد تعلق حقهم بعين المال فوجب أفي يقدَّموا كما قُدم المرتهن في الرهن على غيره من غرماء صاحب الرهن. أجيب عن هذا بانا لا نسلم أن غرماء الصحة تعلق حقهم بعين مال المريض؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان ضياع مال المريض منهم، ولكان لهم أن يمتنعوا من أخذ ديونهم إلا من عين ما ترك. ولو بذل لهم أحد الورثة أو

стр. 2736

أجنبي ديونهم لم يتعلق لهم حق في عين المال. وكذلك الرهن لا يتعلق الحق بعينه بدليل أن صاحبه له أن يدفع الدين من غير ثمن الرهن، وأنه إذا ثبت ضياعه يسقط حقه في ضمانه. وإنما للغرماء أن يمنعوا المريض من الإتلاف لماله المضرِّ بهم من غير معاوضة. وأمّا ما سوى ذلك من تصرفه فيه بالمعاملات والإنفاق منه فإنهم ليس لهم منعه. فالترجيح الذي ذكروه ما بين غرماء الصحة المقر له في المرض غير مسلم لهم بما ذكرناه. والجواب عن السؤال التاسع أن يقال: وأما ما ذكرناه من إقرار المريض لأحد ورثته وسقناه في خلال التقسيم فإنه أيضًا مما اختلف الناس فيه: فذهب أبو حنيفة إلى أن إقرار المريض بدين لأحد ورثته مردود على الإطلاق. وإطلاق القول فيه كما أطلقه في إقراره في موضعه بدين وعليه ديون ثبتت في الصحة ببينة. وأفا الشافعي، فالمشهور عند أصحابه أن مذهبه (١) إقرار المريض لأحد ورثته بدين. ومنهم من يحكي فيه قولين. ومن أصحابه من ينكر الخلاف عنه في هذا، ويرى أن مذهبه إمضاء هذا الإقرار على الإطلاق. وأما مذهب مالك وأصحابه فإنهم يعتبرون التهمة في هذا الإقرار، فمهما ظهر ارتفاعها مضى الإقرار، ومهما ظهر حصولها ووقوعها رد الإقرار. فكأن أبا حنيفة يرى أن المريض (٢) له أن يغيّر حدود الفرائض التي سماها الله سبحانه بين الورثة ولو صرح بأن مراده تغييرها لم يلتفت إلى قوله وقسم ماله على فرائض الله سبحانه بين ورثته. فإذا لم يصرح بها ولكنه قال قولًا

стр. 2737

يؤدي إلى تغييرها ردّ قوله. وإذا أمضينا إقراره بدين لأحد ورثته فقد صار ذلك تفصيلًا له فيما يأخذه من ميراثه على سائر الورثة، وهو ممنوع من التصريح بالتفضيل فكذلك إذا لم يصرح به، وقال قولًا يؤدي إليه. وكأن الشافعي رأى أنه لو أقرّ بدين لأجنبي لا يتهم في الإقرار به، ولا دين عليه لأحد، فإن إقراره ماض، وكذلك إذا أقر لأحد ورثته بدين فإنه ماض ولا يتحقق تهمة في هذا الإقرار، فيفارق حكم. الوارث حكم الإقرار للأجنبي ومن هو كالمنصرف عن الدنيا، ومقبل على الآخرة تبعد عنه التهمة، ألا تراه لو استلحق ولدًا لقبل ذلك منه، ولحق به، ولم يتهم على أنه قصد إلى إبطال حق من سواه من الورثة، فكذلك إقراره بالدين. ونحن نجيب عن هذا بأنه لو صرح بأن قصده أن يفضل وارثًا على وارث لم يتم مراده في ذلك، فكذلك إذا دلت قرائن الأحوال على قصده التفضيل. وأما استلحاق الولد فأحد القولين عندنا أنه يعتبر فيه التهمة. وعلى القول (١) الإعراض عن الالتفات إليها، فإن التهمة في استلحاق الإنسان تبعد ممن هو سائر إلى الآخرة عن قرب. فكذلك لا يبعد أن يفترق مع قوة التهمة من قصد التفضيل وتبعد التهمة في استلحاق نسب ليس هو منه. فإذا تقرر منشأ الخلاف، فاعلم أن المسطور في الروايات في هذه المسألة فيه اضطراب ولكن إنما يقع الاضطراب فيما التهمة فيه، وينبغي أن يعرض ما وقع في هذه المسألة من وقائع عند أصحابنا واختلاف على الالتفات إلى شهادة العوائد بالتهمة وحصولها في الإقرار، وشهادة العوائد في ارتفاعها. ومهما اضطربت العوائد وأشكل أمرها فإلى هذا يصرف منشأ الخلاف. فكأن من أمضى الإقرار اعتقد ارتفاع التهمة، ومن أصرفها (٢) اعتقد حصولها ووقوعها، فيفتقر

стр. 2738

حينئذ إلى النظر هل الأصل إمضاء الإقرار حتى يثبت ما يدفعه من التهمة، أو الأصل ردّه كما قال أبو حنيفة حتى يثبت ما يمضيه؟ وقد وقع في المدونة في هذا ما يوهم في هذا النوع تنافرًا. فقال في إقرار الرجل في مرضه بدين لزوجته وله ولد: إن إقراره لها نافذ إلا أن يعرف بالميل إليها، وإبعاد لولده، فيردّ إقراره. وهذا لأن في طباع البشر ومقتضى الجبلات الميل إلى الأبناء أكثر من الميل إلى الزوجات. فاستدل بالعوائد ها هنا على إمضاء الإقرار إلا أن يثبت الحال ما يناقض هذا الاستدل الذي كونه عوف منه ضد مقتضى العادات في هذه الزوجة وهذا الولد. ثم قيل له بعد ذلك: فغير الزوجة والولد من القرابات؟ فقال: لم أسمع من مالك في هذا شيئًا، وأشار إلى رد الإقرار مع التساوي في القرب. وقد اختلف في شهادة رجل لأحد ولديه على الآخر وهما متساويان في المنزلة عنده: هل تمضي شهادته لأن التهمة في المشهود له يدفعها بعد التهمة في المشهود عليه. ولم يذكر اختلافًا في إقراره بدين لأحد ولديه ويرث مع هذا الولد ولد آخر مساويه في المنزلة. ولا يبعد تخريج الخلاف في الإقرار بالدين من الشهادة لأحد الولدين على الآخر إلا أن يقال: إن الشهادة للولد مردودة من ناحية السنة والشريعة فلا ينفصل القول فيها. وقد اختلف في إقراره بدين لولد عاقّ، وله ولد سواه غير عاق، بإمضاء هذا الإقرار لارتفاع التهمة لأجل عقوق المقر له، ورُدّ لأجل أنه يمكن أن يكون يحنو على العاق ويرحمه، ويخشى عليه الفقر يعد موته لسبب سوء سيرته وتدبيره. وقد اختلف أيضًا في الإقرار إذا تطرقت إليه التهمة من جانب وارتفعت من جانب آخر. مثل أن يقر بدين لزوجته ووارثه ابن عمه، فإن العادات تشهد بإيثار الزوجة على ابن عمه .. ولو أقر لابن عمه لمضى ذلك له، لكون الزوجة آثر

стр. 2739

عنده من ابن عمه. فلو انضاف إلى هذ ابن ت للمقر فإنه اختلف في نفوذ إقراره لزوجته. فقيل: يرد إقراره لأن الإقرار لها ينقص ميراث ابن عمه فيتهم بقصده تفضيلها على ابن عمه. وقيل: بل يقضي هذا الإقرار لكون ابنته التي هي آثر عنده من زوجته يلحقها من هذا الإقرار انتقاص من حقها أيضًا ومن مقدار ميراثها. فما يلحقها من الضرر في هذا الجانب يرفع التهمة من الجانب الآخر وهو قصد الضرر بابن عمه. وكذلك لو أودع ولده وديعة ببينة ثم أقر في مرضه أنه أخذها منه من غير بينة تشهد للودد بالردّ، فإنه قد قيل: إقرار الأب مردود لأن دعوى ردّ الوديعة المأخوذ ببينة لا يقبل إلا أن يقيم الذي ردها بينة تشهد بردها فكانه أبرأه مما لا يصدقه الشرع في البراءة منه. وقيل: بل ينفذ هذا الإقرار لأن الولد لو ادّعى ضيعها لقبل ذلك منه بغير بينة، فترتفع التهمة في هذا الجانب الآخر أيضًا وإن ثبت من جانب سواه كما صورناه. وهذا على إحدى الطريقتين لأن قول المودع مقول (١) في الرد بغير بينة لقدرته على ادعاء الضياع فيصدق على ما يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى. وهذا كله يشير إلى إشكال في كون الأصل إمضاء الإقرار حتى يتضح ما يوجب ردّه، أو الأصل ردّه حتى يتضح ما يوجب إمضاءه. وقد ذكر في المدونة أن أصل قول مالك والذي يعتمد عليه في هذا اعتبار التهمة فإذا ظهرت ردّ الإقرار. وظاهر بعض الروايات كون الإقرار ماضيًا حتى تظهر تهمة فيه. وكذلك الإقرار في المرض بدين لصديق ملاطف تعتبر فيه أيضًا التهمة. وهي تتصور بأن يكون عليه دين ببينة لقوم أباعد من القرابات فيتَهم أيضًا أن يؤثر صديقه عليهم.

стр. 2740

ولكن ذهب ابن عبد الحكم إلى إمضاء إقراره للصديق الملاطف وإن كان ورثته أباعد. وذهب أحمد بن ميسر في هذه المسألة إلى اعتبار حال المقرّ في اعتقاده ودِينه: فإن كان يعتقد التأثيم في ذلك فقصده التوليج (١)، وهو من أهل الدين والصلاح، فإن إقراره نافذ. ولو كان من (٢) الأباعد بنت لهذا المقر لجرى ذلك على الاختلاف الذي قدمناه من كون التهمة تتصور من جانب هروبه بماله من عصبته الأباعد، وترتفع من جهة ما يلحق ابنته من انتقاص فرضها. وقد اختلف في أحد الأبوين إذا. أقر بدين لصديق ملاطف: هل يتهم لإيثار الصديق عليهما بماله، على حسب ما ذكرناه في كتاب الوصايا الأول من المدونة أو لا يتهم في ذلك، كما ذكره في الموازية، وهو الأشبه في مقتضى العادات. وإذا رددنا إقراره لصديقه الملاطف لتصور التهمة التي بناها (٣) فإنه يجري في ذلك مجرى اختلاف من وجه آخر وهو ارتفاع التهمة يكون ما أقرّ به للصديق الملاطف يقدر على أن يعدل عن الإقرار به ويجعله وصية له، فلا يكون لأحد رذه. فإذا تصورت التهمة من جانب وارتفعت عن هذا الجانب اللاحق وهو قدرة المقر على أن يجعل ذلك وصية لصديق فلا ترد. وهذا كما ذكرناه في المكاتب إذا أقر في مرضه أنه قبض كتابته واتهم في ذلك فإنه إذا كانت الكتابة تخرج من ثلثه نفذ إقراره، وعجل عتقه، لارتفاع التهمة في هذا الإقرار بالقبض، أن يجعله وصية فلا يرد.

стр. 2741

ويتخرج أيضًا على قول آخر: إن هذا الإقرار، وإن لم يحمل جميعَه الثلث، فينفذ منه مقدار ما حمله الثلث. ويكون ذلك على التخريج الأول من رأس المال لأن الديون إنما تقضى من رأس المال. وهذا التخريج الثاني مما ذكره في المدونة في كتاب العتق في إقراره بتعيين من أعتق أن فضلة قيمته تكون في الثلث، فلا يخرج هذا إلا من الثلث. وجميع ما صورناه من التهمة في إقرار بدين في المرض يتصور في إبراء المريض من ديون له أيضًا وجميع أيضًا (١) ما ذكرناه مما يوجب رده التهمة فإنه إذا ظهر ما يدل على صدق المقر له على الجملة دون التفصيل نفذ الإقرار، كما قال في الأخت المقرَّ لها بدين فرد إقراره، قال: ألا يعلم أنها كانت تقتضيه منه في صحته. والجواب عن السؤال العاشر أن يقال: إذا أقر أحد ولدي الميت على أبيه بألف درهم، ولم يترك الميت الألفي (٢) درهم ولا وارث له سوى ولده المقر بهذا وولد آخر وهو منكر لهذا الإقرار، فعن مالك في هذا روايتان: إحداهما أن هذا المقر لا يلزمه إلا إذا (٣) نصف هذا الدين الذي أقر به، يدفع ذلك للمقر له مما ورثه عن أبيه، وقد ورث ألف درهم، وورث أخوه الألف الآخر. فماذا سقط الدين على الألفين ناب كل ألف منها خمس مائة درهم، والمقر إنما في يده نصف التركة وهو ألف درهم، فعليه منها نصف الدين وهو خمس مائة درهم، ويبقى في يده خمس مائة درهم يرثها، ويُحيل

стр. 2742

المقر له على أخيه فيستحلفه على الخمس مائة درهم التي بقيت من دينه إن تمادى على جحوده. هذه رواية ابن القاسم عن مالك وبها أخذ ابن القاسم وإليه ذهب أبو حنيفة. وروى أشهب عن مالك أن المقر له يأخذ جميع دينه من الألف التي هي جميع ما ورثه المقر. وبهذه الرواية أخذ أشهب. وإليه ذهب الشافعي. ومشاهد (١) الخلاف اعتبار الموجود من هذه التركة الذي أخذه الولد المنكر للدين: هل يقدر ذلك كالجوائح التي تطرأ على بعض التركة، كغصب بعضها، أو ذهابها بأمر من الله سبحانه. فإن الدين ينحصر إلى ما بقي منها، فلا ميراث إلا ما فضل عن الباقي منها بعد الجوائح. فيقدر أن ما أخذ الولد المنكر للإقرار لما ظلم في أخذه، صار كذهاب بعض التركة بالغصب، فتعين قضاء الدين مما فضل عن الغصب، ولا يستحق أحد فيها ميراثًا إلا بعد قضاء الدين كله. ألا ترى أنه لو قامت بينة بالدين، ووجد الغريم الذي له الدين بعض التركة في يد بعض الورثة، وبقيتها قد أتلفه من أخذه من الورثة، وهو فقير، فإنه لا خلاف أن يؤخذ الدين كله من جميع الموجود في يد الوارث الحاضر، ويصير ما أخذه الوارث الآخر كأن الميت لم يتركه، فيتعين قضاء الدين من الموجود الذي اختص به الوارث الحاضر المليء. فكذلك يجري حكم الإقرار مجرى حكم إقامة البينة. وأما الرواية الأخرى فقد أشار إلى تعليلها بأنه لو أخذنا المقر بجميع الدين، ونزعنا جميع ما في يديه، لم يقر أحد من الورثة بدين على أبيه، لأجل أنه يؤخذ منه جميع ميراثه فيه ويبقى بلا ميراث دون غيره من الورثة. فاقتضت

стр. 2743

المصلحة على هذا المذهب تسهيل باب الإقرار بالحقوق على الورثة، فإذا علم الوارث أنه لا يؤخذ منه إلا مقدار ما ينوب ميراثه من الدين إذا قسط الدين على ما في يد المقر ويد غيره خف عليه الإقرار وانتصل (١) من هذا الحق. وإذا علم أنه يؤخذ من يديه ما يُستحق عليه منه وما يستحق على بقية الورثة هرب من هذا الإقرار وكان هذا من الدواعي المعينة على جحد الحق. وهذا كما يقال: إن شاهد الزور إذا أقر أنه شهد بالزور لم يعاقب، إذ لو عوقب لم يرجع أحد عن شهادة شهد فيها بالزور، فكانت المصلحة تقتضي رفع حق الله سبحانه ها هنا في العقوبة على شهادة الزور، كما كانت المصلحة تقتضي ألا يؤخذ المقر من الورثة إلا بما ينوبه ويسقط حق المقر له لأجل هذه المصلحة أيضًا. وإن كان الموجود من المال بيد الوارث الذي يعتقد أنه ليس بغاصب له ولا ظالم في جحوده الدين، على ظاهر ما يقول يقدر كأنه موجود لم يقسم فيكون قضاء الدين مقسطا على جميع المال، وعلى ما في يد كل وارث إذا كان جميعهم حضورًا أملياء. وإذا وجد التقسيط كان الجاحِد من الورثة كأنه انفرد بالظلم من إمساك حق هذا المقرّ له. وقد اعتمد بعض البغداديين من أصحابنا على القياس على الوصية فقال: اتفق على أن أحد الورثة إذا أقر بوصية من أبيه لرجل فإنه لا يؤخذ بجميعها مما في يديه، بل من ثلث ما في يديه، حتى كأن التركة حاضرة لم تقسم، فيكون الثلث مقسطًا على جميعها. وسنتكلم نحن إن شاء الله تعالى على طروء موصىً له على أحد الورثة وكيف تكون مقاسمته له في كتاب القسم. وعلى هذا الاختلاف جرى الأمر بين ابن القاسم وأشهب في مسألة وارثين شهدا بأن أباهما أعتق عبدًا له معيَّنًا، وهو مقدار ثلث التركة، فردّت شهادتهما للتهمة في جرّ ولأنه، إن كان ممن يرغب في ولأنه، وجازت شهادة الأجنبيين

стр. 2744

بالوصية بالثلث، فأخذ الثلث الموصى له بثنث المال، وصار العبد بالمقاسة إلى الوارثين. فمذهب ابن القاسم أنه يعتق ثلثا العبد عليهما، وثلثه الباقي قد طرأ الغصب عليه فيه، وقد أخذ المشهود له بثلث المال بناء على أن الموجود من المال كأنه باق لم يقسم. وذهب أشهب إلى أنه يعتق عليهما جميع العبد، بناء على أصله الذي قدمناه من وجوب أخذ الدين كله من يد المقِرّ من الورثة. وسنبسط الكلام على هذه المسألة في موضعها إن شاء الله تعالى. وهذا الذي ذكرناه من إقرار أحد الولدين على أبيه، والولد الآخر منكر، إنما يكون الحكم فيه ما ذكرناه إذا كان المقر غير مقبول الشهادة، لعدم العدالة، أو لكونه سفيها في ماله لكنه عدل، على أحد القولين في منع قبول شهادة السفيه وإن كان عدلًا. وأما على القول بقبول شهادة السفيه إذا كان عدلًا في غير ما فيه إتلاف ماله فإن المقر له يحلف مع شهادة الولد، ويستحق جميع الدين، لأن من قام له شاهد بمال على ميت حلف مع شهادته واستحق جميعه. وإذا كان الشاهد سفيهًا لكنه عدل، وقُضي بأحد القولين في قبول شهادته، فإنه ها هنا إذا حلف المقرّ له مع شهادة المقر أخذ جميع دينه من الأخ الجاحد للدين، ويصير ذلك كالدين: إذا ثبت ببينة فإنه لا يختلف في أخذ الدين كله مما في يد أحد الورثة، سواء كان جاحد للدين أو مقرًا به. فكذلك ها هنا إذا حلف مع شهادة الولد العدل السفيه استحق جميع الدين. ولكن لا يؤخذ ذلك من يد هذا الشاهد السفيه العدل؛ لأنه كالإتلاف لماله بإمضاء إقراره لما يؤدي إلى تلفه. واليمين ها هنا مع شهادة المقر تتضح فائدته (١) عندي على طريقة ابن القاسم في أنه لا يؤخذ من المقر إذا كان مردود الشهادة إلا مقدار ما ينوبه من الدين، وإذا كان

стр. 2745

ممن تقبل شهادته أفاد المقرَّ له اليمينُ مع شهادة المقر بأن يأخذ دينه كله ويرجع على الوارث الجاحد. وأما على طريقة أشهب، الذي يرى أنه يأخذ الدين كله مما في يد المقر فإن هذا مما ينظر فيه لكون هذا المقر له لا فائدة في يمينه إذا وجد طريقًا إلى أخذ جميع دينه من يد المقر. فكانه إنما يحلف لإفادة غيره، وهو هذا المقرّ يفيده أن يرجع إلى أخيه، وينفي عن نفسه المطالبة بما وجب عليه. وهذا بيان الحكم في إقرار أحد الورثة بدين في ذمة أبيه. وأمّا لو أقر باستحقاق رجل عرضا من تركة أبيه مثل أن يترك عبدًا فيقول أحد الولدين: هذا العبد لفلان وليس لأبي .. فإن نصيب هذا المقر يُقضى به للمقر له، لكون المقر يعتقد أنه لا يحلِ له أن يرثه عن أبيه لكون هذا المقر له يستحقه. ولا يقضي إقراره هذا في نصيب أخيه إذا لم يكن عدلًا ممن يحلف المقر له مع شهادته، ويصير العبد نصفين بين الولد الجاحد لهذا الإقرار، وبين المقر له. ولو كان الأب ترك عبيدًا جماعة، فقد قيل: الحكم ما ذكرناه، وليس للمقر له سوى نصف العبد المقر له به. وهو ظاهر كتاب الوصايا في المدونة، لأنه ذكر أن الميت ترك عبيدًا كثيرة، وأطلق الجواب بما ذكرناه. وقيل: إذا لم يسلم المنكر لهذا الإقرار فإنه يكون جميعه له، ويرجع المقر له على المقر بمقدار ما زاد نصيبه في القسمة، عوضًا عن نصيبه في هذا العبد سلم، ويصير كمن باع عبدًا لغيره، فإن عوض العبد المبيع عليه العبد وإن صار بالقسمة إلى المقر أخذ جميعه المقر له لاعتراف من صار له بالقسمة أنه قد صار إلى يديه جميع العبد، وليس لأبيه فيه ملك ولا شركة في ملك، وإنما ملك جميعه هذا المقر له) (١).

стр. 2746

ولا يلزم أن يتخرج في هذا الخلاف المشهور فيمن فدى من أيدي اللصوص شيئًا أنه يستحق على مالك الشيء المفدى ما فداه به، إن شاء ربه أخذه، لأنه لولا الفداء ما وصل إليه رَبُّه إن (١) الفادي لمال غيره دخل في ذلك باختياره، وقدر أنه من حسن النظر لرب المال، وهذا الولد المقر إذا صار إليه جميع العبد الذي أقر أنه لغير أبيه فنصفه الذي يستحق ميراثه أخوه المنكر لهذا الإقرار، وإن كان هذا المقر قد دفع عنه عوضًا من ماله حتى خلص جميعه إليه فإنما هذا إنما هو بالجرّ، وحكم الشرع يوجب القسمة ولم يدفع عوضًا باختياره ليفديه لصاحبه، بل أخوه عنده في حكم الغاصب الذي غصبه نصف هذا العبد بدفعه لأخيه المقر، وأخذ من مال أخيه عوضه. والغاصب إذا غصب للإنسان سلعة، ودفع إليه سلعة أخرى عوضها، وجبره على ذلك كله، فإن السلعة المدفوعة لهذا المغصوب منه سلعة يستحقها صاحبها إذا كانت مغصوبة أيضًا من غير أن يدفع عنها عوضًا، فيبعد الخلاف في هذا الذي يقدر أنه فدى لما كان بالجبر والإكراه، ويحسن الخلاف فيما كان بالاختيار. ولو فدى فاد شيئًا مما كان في يد أهل الحرب، وأخذوه في غنائم المسلمين، لرجع بما فداه لأنه كالمشتري له من قوم يستحلون في شرعهم تملكه، على ما بسطنا حكمه في كتاب الجهاد. والجواب عن السؤال الحادي عشر (٢) أن يقال: إقرار الوصي على من في ولأنه بحق فيما تولى المعاملة لهم فيه، فيقبل قوله فيما أخذه من غرمائه أو باع منهم أو اشترى؛ لأن الشرع أقامه مقام أبيهم، وأبوهم أقام الوصي مقام نفسه. وكذلك أقام الشرع آباءهم مقام أنفسهم، لو كانوا بالغين رشداء لعجزهم عن النظر لأنفسهم، فجعل ذلك لأبيهم، وليس لأبيهم ولا لوصيهم أن يدعي على أحد بدعوى توجب لليتامى مالًا لم يثبت.

стр. 2747

والوصي والأب كالأجنبيين لا علاقة بينهما وبين اليتامى. لكن ما تولى الوصي المعاملة فيه فله المطالبة به والدعوى، لأن فعله يقوم مقام فعل اليتامى بأنفسهم. ولو ادعى اليتامى لأنفسهم، وهم رشداء لمكنوا من ذلك. وكذلك من أحله الشرع في محفهم ونائبًا عنهم. فلو قال الوصي: قبضت مالًا من الغريم لليتامى من سلف أسلفه أبوهم في حياته، أو ثمن سلعة باعها في حياته، لم يقبض بذلك على اليتامى، وإنما يكون شاهدًا لمن عليه الدين، من سلف أو بيع، فإن كان عدلًا حلف معه الغريم، وبرىء من الديون التي كانت للأب. وإن لم يكن عدلًا، وردت شهادته، لم يبرأ الغرماء من الديون التي كانت للميت عليهم. وكذلك لو كان الوصي عدلًا، ونكل الغرماء على اليمين مع شهادته، لم يبرأوا أيضًا من الدين. واختلف هل يلزم الوصي إذا قبض هذا المال من الغرماء لليتامى أن ينظر فيه كما ينظر في غير ذلك من أموالهم أم لا؟ فقال: ليس ذلك عليه، لاعتقاده أنه أخذ ظلمًا وعدوانًا، ممن هو برىء منه. فمقتضى قوله: يبرأ الغريم، أنه لا يحل له النظر لليتامى فيما أخذلهم من ذلك. وقيل: بل يَنظر فيه كما ينظر فيما سواه من أموالهم التي هي على ملكهم بالوجه الواضح، لأنه قد التزم النظر في مإل هؤلاء اليتامى وصيانة مالهم فليس له التخلص من ذلك بعد التزامه وموت أبيهم الموصي عليهم، بل يتهم في هذا الاعتراف ببراءة الغريم أن يكون أراد التخفيف عن نفسه، وإسقاط المشقة عنه، في تكلف صيانة هذا المال وحفظه والنظر فيه. وأما إقراره بأنه باع لهم سلعة كذا واشتراها، وأخذ أثمان ما تولى بيعه من أموال اليتامى فإن قوله في ذلك مقبول ما دام اليتامى في ولايته لم يرشدوا ويكون هذا الإقرار كإقرار اليتامى على أنفسهم وهم رشداء كما قدمناه. وأما لو كان إقراره بقبض هذه الديون التي عامل بها من أموال اليتامى، فإن المذهب على قولين في الاكتفاء بمجرد إقراره:

стр. 2748

ففي الموازية أنه لا يكتفي بذلك دون أن يحلف الغرماء الذين أبرأهم الوصي مع شهادتهم بإبرائهم إن كان عدلًا. وهذا كنحو ما ذكر في المدونة في إقرار أحد الشريكين المتفاوضين بعد موت شريكه وانقطاع المعاوضة بالموت: أن السلعة التي في يد فلان رهناها في كذا وكذا دينًا استدناه، فإنه جعل الشريك ها هنا شاهدًا أيضًا، مع كونه أضاف هذا الإقرار إلى من كان مقبول القول فيه على شريكه، ولكنه وقت إيقاع هذا القول لم يكن مصدقًا على شريكه. وهذا على نحو ما اختلف في شهادة الحميل وعلى نحو ما اختلف في الوكيل على بيع سلعة إذا أقر بعد بيعها بفساد البيع، لأنه أضاف هذا الإقرار وأسنده إلى زمن كان فيه وكيلًا، ولكنه لم يُسمع منه إلا الآن في زمن انقطعت وكالته فيه. وكذلك الوصي وقع منه هذا القول مسندًا إلى زمن كان مقبول القول فيه، ولكنه وقع منه هذا القول في زمن صار غير مقبول القول فيه. وذهب سحنون إلى أن الوصي مصدق في ذلك. هذا المذهب بناء على إحدى الطريقتين اللتين ذكرناهما. وقد اختلف في العامل بالقراض إذا قال بعد المعاملة: نسيتُ النفقة. هل يصدق أم لا؟ وهو لو قال ذلك في زمن لم ينفصل فيه من رب المال لصُدِّق أيضًا (١). وإذا ادعى الوصي أنه دفع ما على الأيتام من ديون وخالفه مستحقوها، وأنكروا أن يكون دفع إليهم شيئًا، فإن القول قولهم، إذ لا يبرأ من عليه دين بمجرد قوله: إني قضيته، إلَاّ ببيّنة أو دلالة عادة. ويضمن ذلك لليتامى، لكونه فرض (٢) إذا قضى ديونهم بغير إشهاد على مستحقها. فإن اعتذر بأنه قد أشهد ولكن الشهود غابوا أو ماتوا أو قسموا (٣). فإن أشهب لم يقرره (٤)، ورأى أن الأصل عدم الإشهاد، وإنما يبرأ الوصي بالإشهاد. فظاهر فعله التعدي، ودعواه رفع التعدي لا يقبل منه بإثباتٍ

стр. 2749

استصحابًا لحال الأصل في عدا (١) الشهادة. ورأى سحنون أن الزمن إذا طال حتى يمكن ما قال، فإن قول الوصي مقبول. ورأى أن الأصل براءة الذمة فنحن نستصحب حال براءة ذمته ولا نعمرها بالشك، هل صدق أم لا؟ وإذا كان الوصي عالمًا بان على الميت دينًا وخفي، له أن يقضيه ويسدده من غير أمته (٢)، إذ لا بينة تشهد بصحة الديون سواه، فإنه يجوز له فيما بينه وبين الله تعالى أن يفعل ذلك فإن شهد به عدول عند قاض وحكم به، وجب عليه الدفع، وإن أراد الاقتصار على سماع الشهادة بنفسه وقبولها لتحققه عدالة الشهود دون الرفع إلى القاضي، فإن أشهب يسوغ له ذلك، قال: والثقة أن يرفع إلى القاضي. وهذا لأن اليتامى لو بلغوا وجرحوا الشهود وسقطت شهادتهم، ووجب لهم استرجاع هذا المال، كان للوصي أن يسترجعه أيضًا إن ضمنّوه إياه. وبعض الأشياخ مال إلى أنه لا يجب على الوصي ضمان في هذا المال؛ لأن القاضي لو رفعت إليه الشهادة لم يعذر فيها إلا الوصي، فإن سلمها أنفذ القضاء إذا كان الشهود عدولًا. فلأجل انحصار هذا الأمر إليه، وإن رفع إلى القاضي، ينبغي ألاّ يتعلق به ضمان ما دفعه على هذا الوجه. وقد ذكرنا في كتاب المديان مسائل تتعلق بأحكام الهبة واشتراط الحوز في إمضائها، وذكر منها أنه من استقرض دنانير ثم وهبها قبل قبضها لآخر، وذكر الخلاف في هذا إذا وقع الموت قبل الحوز. وسبب الخلاف كون هذه الهبة يتعلق بها حق لغير الموهوب. كما اختلف فيمن وهب سلعة فلم تقبض منه حتى باعها الموهوب له ثم مات الواهب: هل تبطل أم لا؟ وسبب الخلاف كون هذه الهبة يتعلق بها حق المشتري بها (٣) بعوض، والمعاملات بعوض لا يبطلها عدم الحوز. وكذلك لو

стр. 2750

كان الأول مستقرها (١) والثاني مستقرضًا أو كان الأول موهوبًا له والثاني موهوبًا له، فإن الخلاف جار على ما ذكرناه. لكن في فروع هذا الباب ما ينبغي أن يلتفت فيه إلى حلول القرض بموت من هو عليه وإن كان مؤجلًا، حتى يؤخذ من تركته، إلى غير ذلك مما سنبسط أصوله في كتاب الهبة إن شاء الله تعالى وذكر في المدونة أيضًا أن من ضمن عن ميت دينًا لزمه الضمان. قال: وإن علم أنه فقير ثم طرأ له مال فإنه لا يرجع عليه". لأن الضمان عن هذا المعتقد فقده على جهة الحسبة. ولو كشف الغيب أن له مالًا خفي عن الضامن، فإن بعض الأشياخ اختار تمكينه من الرجوع فيه، لأنه لو علم به لما ضمن ذلك عنه على أن لا يرجع عليه به. ولو أتى المديان من عليه (٢) الدين ببعض دينه، وهو معسر ببقيته، للزم صاحب الدين قبوله منه. ولو كان موسرًا فامتنع من له الدين من أخذه إلا كاملًا، فإن ظاهر إطلاق قول مالك في هذه المسألة خير (٣) من له الدين على قبول ذلك. وقال ابن القاسم: إنه لا يجبر على ذلك. وهذا يلتفت فيه إلى هذا التبعيض في القضاء: هل يلحق من له الدين فيه ضرر أم لا؟ ويلتفت أيضًا إن ثبت الضرر إلى ما جرت به العادة في مثل هذا. والله أعلم. تم كتاب الحجر والتفليس بحمد الله تعالى.

стр. 2751

شرح التلقين للإمام أبي عبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري ٤٥٣ - ٥٣٦ ١٠٦١ - ١١٤١ الجزء الثالث المجلد الثاني تحقيق سماحة الشيخ محمَّد المختار السّلامي دار الغرب الإِسلامي تونس

стр. 2752

دار الغرب الإِسلامي جميع الحقوق محفظوظة الطبعة الأولى- ٢٠٠٨ م دار الغرب الإِسلامي العنوان: ص. ب: ٢٠٠ تونس ١٠١٥ جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسحيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.

стр. 2753

شرح التلقين للإمام أبي عبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري الجزء الثالث المجلد الثاني

стр. 2754

كتاب الإقرار

стр. 2755

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وصلى الله على سيدنا محمَّد وسلم قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب ﵀: المقَرّ به ضربان: حق الله (١) تعالى، وحق الآدمي. فأما حق الآدمي. فليس للمقِر الرجوع فيه. وفي حقوق الله تعالى كالزنى والسرقة وشرب الخمر روايتان، إلا (٢) أن يكون رجوعًا إلى الشبهة (٣) أو أمر يشبه فإنه يقبل. وإذا أقرّ بدراهم أو دنانير، أو جمع من أي الأصناف كان، لزمه ثلاثة، إلاّ أن يفسره بزيادة عليها. وسواء أورده بصيغته أو بصيغة التصغير، كقوله: دريهمات. وإن أقر بمال لزمه ما يفسره به، [إلا] (٤) ما لا ينطلق [عليه] (١) في العرف اسم مال لندارته. وفي وصفه بالكثرة والعظم تلزمه زيادة على ما يلزمه بمطلقه (٥).

стр. 2756

ويصح استثناء الكثير من القليل، والقليل من الكثير، ومن الجنس وغيره. والتهمة مؤثرة في منع الإقرار. وذلك في حالين: حال المرض والإفلاس (١). ففي الموض يقبل إقراره للأجانب أو من لا يتهم عليه من صديق (٢) ووارث. ويردّ فيما تقوى فيه التهمة من ذلك. وفي الإفلاس لا يقبل إقراره لغريم سوى غريمه (٣)، وإذا أقر أحد، إلابنين بثالث لم يثبت نسبه، وأعطاه (٤) ثلث ما في يده. وكذلك الإقرار بزوجة أو بدين أو بوصية. وفي ثبوت الحكم بلفظ الإقرار على وجه المدح والشكر خلاف. قال الفقيه الإِمام ﵀: كان الترتيب عندنا يقتضي أن شرح كلام القاضي عبد الوهاب على هذا الترتيب الذي أوردناه عنه، ولكن قدمنا العذر مرارًا عن مخالفة هذا الرأي عندنا، وهو أنّا سئلنا أن نتوخى رتبة المدونة وإن خالف رتبة كحّاب التلقين. فاعلم أن هذا الفصل يتعلق به اثنان وعشرون سؤالا. منها أن يقال. ١) ما الضابط لمن يجوز إقراره؟ ولمن لا يجوز إقراره؟ ٢) وما الضابط لمن يجوز الإقرار له؟ ٣) وما الحكم في الإقرار إذا سيق مساق الاعتذار؟

стр. 2757

٤) وما حكم الشك في المقَر له؟ ٥) وما حكم الشك في المقَر به؟ ٦) وما حكم الإضراب عن الإقرار الأول وصرفه إلى الثاني؟ ٧) وما حكم الإستثناء في الإقرار؟ ٨) وما حكم الاستثناء إذا تكرر؟ ٩) وما حكم تقييده بالمشيئة أو بالظن؟ ١٠) وما الحكم في الإقرار بشيء يتعلق به غيره: هل يدخل ما تعلق به في الإقرار أم لا؟ ١١) وما الحكم في الإقرار بما لا يكون دعاء (١) للمقَرّ به؟ ١٢) وما الحكم فيمن قال: أخذت كذا من كذا؟ ١٣) وما الحكم في الإجمال والإضمار في ألفاظ الإقرار؟ ١٤) وما الحكم في الإقرار إذا دخل فيه حرف الابتداء وحرف الغاية؟ ١٥) وما الحكم في الإقرار على جهة الكناية؟ ١٦) وما الحكم في الإجم الذي مقادير الأجناس؟ ١٧) وما الحكم فيما أطلق من عموم الإقرار؟ ١٨) وما الحكم في الإقرار على جهة المجاوبة والاستفهام؟ ١٩) وما الحكم في الإقرار بشرط الخيار فيه؟ ٢٠) وما الحكم في تكرار الإقرار؟ ٢١) وما الحكم في الإبراء من الديون؟ ٢٢) وما الحكم في إقرار أحد الورثة؟

стр. 2758

والجواب عن السؤال الأول أن يقال: قد تقرر أن الناس نوعان: منهم من لا يتوجه عليه التكليف. ومنهم من يتوجه عليه التكليف. فالذي لا يتوجه عليهم ذلك (١) لم يبلغوا الحُلُم، ومن فقد عقله بجنون أو إغماء أو سكر، على اختلاف في السكران. فأما من لم يبلغ الحلم ولا بلغ كمالِ التمييز، كالأطفال الذين لا يميزون المصالح من المضار ولا يكفون عما يضرهم ولا يعلمون ما ينفعهم، فإن إقرارهم لا يختلف في أنه غير لازم. وأما المراهق منهم، ومن استقلّ بتدبير نفسه، فكذلك أيضًا عندنا، وعند الشافعي أنه لا يلزمه إقراره، قولًا مطلقًا. وألزمه أبو حنيفة إقراره بشرط أن يأذن له وليه في ذاك. وتعلق أصحابه بما روى (ابن عمر: أن أبا سلمة) (٢) قال له النبي ﷺ "قم يا غلام فزوج أمّك" الحديث (٣). وقد قيل: إنه كان عمره ست سنين أو سبع سنين. وأجيبوا عن هذا بأنهم غلطوا بين اسم واسم، فإذا قيل: إن عمر المخاطَب الذي ظنوه ابن ست سنين ونحوها هو عمر بن سلمة كان يصلي بقومه وهو صغير، وبه يحتج الشافعي على جواز إمامة الصبي الصغير في الفرائض. وأما من خاطبه النبي ﵇ بأن يزوج أمه فيمكن أن يكون بالغا. وقد علم أن إقرار الوصي لما لم يتولّ المعاملة فيه له لا ينعقد، ولا يلزم

стр. 2759

اليتيم. فإذا كان قوله عن يتيمه لا يلزم اليتيم. فأحرى أن لا يلزم ما أقرّ به اليتيم في أن يقول ما يؤدي في الظاهر إلى ماله. وأما المجنون والمغمى عليه فواضح ردّ إقرارهما؛ لأن الواقع منهما من القول إنما ينبعث عن النفع (١) الذي يحركها الطبع، لا على النفس التي يحركها العقل والقصد. فأما السكران فقد بسطنا القول فيه في موضعه مما سلف، وذكرنا أن في طلاقه في المذهب قولين. الأشهر منهما إلزامه الطلاق. ولكون الطلاق من ناحية الحدود يلزمه. وفي إلزامه بيعَه وشراءَه قولان أيضًا. وهذا لأن في بيعه وشرائه، يجريان (٢) في إقراره، فيكون المذهب على قولين في سقوط إقراره قياسًا على المجنون لفقد عقله، وإمضاء اقراره لكونه عاصيًا في شربه ما أذهب العقل. وأما من خاطبه الشرع وكلفه، وهو البالغ الرشيد، فالأصل إلزامه إقرارَه. ودليل ذاك الكتاب والستة وإجماع الأمة. فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٣) فنص ها هنا على التقرير على الإقرار فنبّه بذلك على إلزام المقرّ ما أقر به. وكذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٤). وكذلك قوله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا

стр. 2760

لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (١). وكذلك قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ (٢) وهذا تنييه أيضًا على تأكيد إلزام المعترف باعترافه وأنه حكم عليه بما اعترف به من ذنب. وكذلك قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٣) والمعترف شاهد على نفسه. فلولا أن شهادته على نفسه تقبل ما كان لهذا الأمر فائدة. وقد قال تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (٤)، فأمر ولي اليتيم أن يملي في إثبات الشهادة على من في ولأنه. وهذا يتضمن جواز إقرار وليه عليه. وقد علم أن تصرف الإنسان في مال نفسه (أو بيع من تصرفه في مال غيره) (٥)؛ لأنه يتصرف في مال نفسه بالمجاملات والهبات، ولا يتصور (٦) في مال اليتيم بالعطايا والهبات. فإذا جاز إقراره على من في ولأنه، فأحرى أن يجوز إقراره على نفسه. وأما السنة فقد قال ﷺ : "واغدُ يا أنيس على امرأة الآخر فارجمها" (٧) فأباح ﷺ القتل بالاعتراف بما يوجبه مع أكيد حرمة النفس ودرء الحد بالشبهات، فأحرى في المال أن يكون الاعتراف قد يقضى به على المعترف.

стр. 2761

وكذلك رجم ماعز لما اعترف. وأمّا الإجماع فلا خلاف في إلزام المقر به عن نفسه ما لم يمنع من ذلك مانع. والموانع ها هنا سفه المقر: فإقراره لا يلزمه وإن كان بالغا مليئا؛ لأنه إنما حجر عليه صيانة لماله، فلو ألزمناه إقرارهْ في ماله لأتلفه، وهذا نقض لحكمة الشرع في منع الله سبحانه أن يؤتى السفهاء أموالهم. وإنما وجب رد إقراره في حال سفهه لم (١) يلزمه ولو (٢) رشد؛ لأن ذلك لم (٣) ألزمناه إياه بعد رشاده لم يفد الحجر عليه. وأما لو أقرّ السفيه بحق يتعلق ببدنه لا بماله، كاعترافه بشرب خمر فإنه يضرب الحد، ويؤخذ باعترافه. وكذلك اعترافه بالزنى وبالسرقة، فإنه يؤخذ باعترافه أيضًا بما يتعلق ببدنه. والفرق بين اعترافه بما يوجب الحد عليه أو القصاص أنه إذا كان عاقلًا فلا يتهم العاقل أن يوقع نفسه في قتله، أو قطع عضو من أعضائه، أو ضرب يؤلمه، ويتهم في المال أن يتلفه بهواه في نفسه وعمايته، من كون فقده يضرّبه. وهذا في حق من حجر عليه لحق نفسه. وأمّا من حجر عليه لحق غيره كالمفلس. فقد ذكرنا حكم إقراره بعد استقرار الحجر عليه، وأن ذلك لا يوجب أخذ شيء مما وجب عليه فيه من ماله. ولكنه يبقى في ذمة (٤) المقرّ له. وذكرنا إقراره قبل الحجر عليه وقد أحاط الدين بما له لمن يتهم عليه ومن لا يتهم عليه.

стр. 2762

وكذلك المريض تعلق به حجرٌ ما لِحق ورثته. فقد تكلمنا على إقراره في مرضه بدين لأجنبي، وعليه دين ببيّنة. وكذلك إقراره بدين لوارث. وذكرنا في كتاب المديان ما بين فقهاء الأمصار: مالك والشافعي وأبي حنيفة من الاختلاف، في هذا، وما وقع فيه أيضًا في المذهب من الاختلاف، فيستغنى بمطالعته هناك عن إعادته ها هنا. وأمّا من حجر عليه لحقّ سيده، فسنتكلم على إقراره في كتاب المأذون له في التجارة إن شاء الله تعالى. وقد أوضحنا حكم الإقرار بحقوق الخلق مجردة من حق الخالق، وحقوق الخالق مجردة من حق الخلق. وقد يقع ما هو مشترك بين هذين الحقين مثل الإقرار بأنه سرق مالًا، فإن السفيه والعبد يؤخذان بإقرارهما فيما يتعنق بأبدانهما من قطع أيديهما إذْهما عاقلان، ولا يتهم العاقل في اقراره باطلًا بما يوجب قطع يده، ويتهم في المال، فيقطعان، ولا تلزمها غرامة لما ذكرناه، وإن كان للشافعية قولان في إلزامهما الغرامة: أحدهما: ما حكيناه عن مذهبنا من أن الغرامة لا تلزمهما. والثاني أن ذاك يلزمها لكون هذا الإقرار بلفظ واحد يتضمن شيئين أحدهما مرتبي بالآخر. فإذا وجب أحدهما وهو القطع ارتبط به الآخر الذي لا ينفك عنه في الشرع وهو غرامة المال. وأمّا تمكين المقرّ من الرجوع عن إقراره في حقوق الله سبحانه، على خلاف فيه، إذ لم يتعذر (١) عن إقراره (٢) يجب قبوله، فإن ذلك مبني على أن حقوق الله مبنية على المسامحة، إذ هو سبحانه يتقدس من أن يلحقه الضرر

стр. 2763

والأذى بمعصية العاصي إذا. وجب حده. وحقوق المخلوقين يلحقهم الضرر في تمكين المقرّ من الرجوع عن إقراره، فلهذا اتفق على أن المقرّ بحق المخلوقين لا يقال فيه ولا يفيده الرجوع عنه. والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: إذا أقرّ الرجل بمال لمن يستحيل أن يكتسب المال ويضاف إليه، كقوله: لهذا الحجر عندي مائة دينار، فإن هذا الإقرار ساقط، بإسناد الملك لمن يستحيل أن يملك على حال من الأحوال، لكن لو أسند ذلك إلى من يصح أن يملك على صفة، ويستحيل أن يملك على صفة أخرى، كقوله: لهذا العمل عليّ مائة دينار، فإن ذلك لا يخلو من أن يقيد هذا الإقرار بصفة يصح أن يضاف الملك إلى العمل، كقوله: لهذا العمل عليّ مائة دينار من وصية أوصي له بها، أو سبب ميراث. فإنه إن قيد الإقرار بذلك صحّ؛ لأنه العمل يصح أن يملك الوصية بمال وبالميراث. وإن أطلق ذلك، ولم يذكر سبب إضافة هذا الملك إليه، وتعذر استفساره، فهل يمضي هذا الإقرار أم لا؟ ذكر ابن سحنون أن هذا الإقرار يمضي، ولو أضافه إلى سبب يستحيل، كقوله: لهذا العمل عندي مائة دينار. أسلفها لي. وتعد هذه الزيادة ندما. وهكذا ذكر ابن عبد الحكم أن الإقرار يلزم فيمن قال: لهذا العمل عندي مائة دينار، ولم يذكر سببا. وهكذا قال أصحاب أبي حنيفة: إن هذا الإقرار (١) بالحمل لا يلزم. لكنهم قالوا: يلزمه إذا أقرّ له حين ولد. قال محمَّد بن عبد الحكم: ولا فرق بينهما.

стр. 2764

ذكر هذا في مناقضته لهم. وللشافعي قولان في لزوم هذا الإقرار إذا أطلقه ولم يذكر سببا. وعندقي أن الذي يتخرج من المذهب إبطال الإقرار مع الإطلاق؛ لأن في الموازية فيمن قال: لرجل عليّ مائة دينار، أو على فلان، أن هذا الإقرار لا يلزم، ولا يوجب غرامة على المقرّ؛ لأنه لا يتحقق غرامة ذمته بشيء لهذا المقرّ له، وإنما شك في ذاك فلا تعمر ذمته بشك. قال ابن المواز: إلا أن يكون تشكك المقر بين نفسه وبين صبي ابن شهر بأن يقول: لك عندي مائة دينار، أو عند هذا الطفل، الذي هـ وابن شهر، فإن المائة تلزمه لكون ابن شهر ممن لا يصح أن يُمَلِكّ ولا يكتسب. فإذا رأى ابن المواز هذا التردد في الإقرار بين المقرّ وبين رجل آخر يصح أن يملِكّ يُبِطل الإقرار، ورأى أن ابن شهر بخلاف ذلك، وأنه كالقائل: لك عندي مائة دينار أو عند هذا الحجَر. فدل ذلك على أن ابن المواز يحمل إطلاق هذا القول على نفى اللزوم. وإذا قال ذلك في ابن شهر وراَه، كالحجَر مع خروجه إلى وجوب وتيقنِ حياته. فأحرى أن يقول ذلك فيمن كان حملًا لا يدرى أحيّ هو أم ميت. هذا الذي يتخرج عندي من المذهب، وإن كان قد اختلف في إطلاق قول له وجهان: أحدهما يصححه والآخر يفسده. على ماذا يحمل منهما؟ كمن أكرى داره سنة بثوب معين، فإن شرَط انتقاده صح الكراء. وإن شرط تأخيره إلى انقضاء السنة بطل الكراء، وإن أطلق القول، ولم تكن عادة تقتضي أحد الوجهين، فإن ظاهر المدونة حمل هذا الإطلاق على الفساد، وأن الكراء فاسد حملا لمطلق هذا القول على الوجه الذي يفسده. وفي كتاب ابن حبيب إن الكراء صحيح حملا لمطلق هذا القول على الوجه الجائز الصحيح في الشرع، وهذا قد ينظر إلى ما نحن فيه. وأمّا لو قيد هذا الإقرأر بوجه يستحيل عقلا، كقوله، لهذا العمل عندي مائة دينار من معاملة عاملني بها. ومعلوم قطعا استحالة معاملة العمل. فهذا إن

стр. 2765

قلنا: إن الإقرار المطلق يفسد، فأحرى أن يفسد هذا بلا خلاف، على هذا القول؛ لأنه إذا فسد القول مع إطلاقه، واحتماله لأن يراد به الوجه الصحيح فأحرى أن يفسد مع تقييده بما يحيله ويفسده. وإن قلنا: إن القول المطلق يُحمل على ما يصح ويثبت، فإن ابن سحنون ها هنا ألزم هذا الإقرار، ورأى أن ذكر ما يستحيل كالعدم على ما قدمناه عنه. ومذهب الشافعية هذا على قولين، وذلك في كل إقرار صدر من المقر، ولكنه أضاف إليه المقر من القول ما يفتضيه ويرفعه، حتى طرد ذلك في مسألة ليحر عندنا فيها اختلاف. منصوص. وهو إذا قال الإنسان لرجل آخر: لك عندي مائة دينار، وقضيتك إياها. فإن هذا لا يقبل منه دعواه القضاء إذا لم يكن على جهة الشكر أو الذم، بل في مجلس الخصام. وأما نحن فلا يبعد أن يكون هذا مما يجري على قولين: أحدهما أن هذا الإقرار لا يلزم لأنه لفظ واحد آخره يحيل أوَّلَه ويرفعه، فكأن المقر لم يحصل منه إقرار، ولا يؤاخذ بأكثر مما أقرّ به. وعلى طريقة ثانية يكون الإقرار لازمًا، ويتعلق الحكم بصدر الكلام الذي ليس فيه إحالة، وَيعد ما أضاف إليه، بعد استقلال معناه، كالندم منه، واستدراك رفع ما يلزم بإقراره. وعندنا خلاف فيمن قال: أنت طالق إن شاء هذا الحجر، فقيل: إن ذلك لا ينفعه فيه هذا الشرط، والطلاق واقع، ويعد نادما بهذا الشرط الذي اشترط بعد صدور الكلام منه مفيدٍ مستقبلٍ (١) بنفسه، وهو قوله: أنت طالق. فكأنه لما ثب عليه الطلاق بهذا القول ندم على وقوعه منه فأراد أن يرفعه بقوله: إن شاء هذا الحجر.

стр. 2766

وكذلك اختلف عندنا فيمن قال لرجل: تسلفت منك مائة دينار، وكنت لم أبلغ، أو كنت سفيها لم أرشد، على ما يبسط القول فيه بعد هذا، إن شاء الله تعالى. فقد قيل: إنه يعدّ هذا الاستدلال منه: كنت صبيًا، أو سفيهًا، كالندم على ما أوجبه عليه إقراره بالدين. فإذا تقرر الحكم فيمن أقر لحمل بمال، وتبين الحكم في تقييده بما يمكن أن يسند الملك فيه إلى العمل، وما يستحيل أن يسند إليه، وتبين إطلاق القول من غير تقييد، فإنه يجب أن ينظر وضع هذا العمل: فإن خرج ميتًا لم يثبت الإقرار؛ لأن الميت كالعدم، ولا يُدرى هل كان حيّا في البطن حين هذا الإقرار، أو حين السبب الذي أضيف إليه الإقرار، أو لم يكن حيّا. هكذا ذكر ابن سحنون. وإن خرج حيّا في زمن يعلم فيه أنه كان موجودًا حين ثبت الملك له، وذلك أن يولد حيّا في دون ستة أشهر، علمنا أن هذا الملك صادف كونه مخلوقا، فإن وُضع بعد سنين تجاوز أقصى العمل، وهو أربع سنين، أو أكثر منها على الخلاف المعلوم، علمنا أنه لم يكن مخلوقا حين ثبوت هذا الملك، فلا يصح أن يحكم له بهذا الملك. وإن كان ما بين هذين الوقتين اللذين هما أقلّ أمد العمل وأقصاه، وكانت الحامل ليست بذات زوج، ولا سيد يطأها، فإن ذلك يحمل على أنه كان مخلوقا، إذ يحل إضافة الزنى لها، وكون هذا الولد زنت به. ولو ولدت ولدين: أحدهما حي، والآخر ميت، لكان المال كله للحي منهما خاصة. وإن وضعتهما جميعًا حيّين لقسم المال بينهما نصفين، ذكرين كانا أو أنثيين أو أحدهما ذكر والآخر أنثى. إلا أن يذكر المقر سبب استحقاق هذا المال: صار إليهما عن مال لأبيهما عندي. فيكون للذكر سهمان وللأنثى سهم واحد، على حسب ما توجبه الفرائض. ولو قال: وجب لهما عن أخيهما الذي من الأب، لقسم أيضًا للذكر مثل ما للأنثيين.

стр. 2767

ولو قال: عن أخيهما، ومات ولم يبين، فذكر محمَّد بن عبد الحكم في هذه المسألة قولين: أحدهما: أنه يقسم على السواء. والثاني أن ينقسم أثلاثا، فيكون لكل واحد منهما سهم. ويبقى السهم الثالث، فيعلم أن الأنثى تسلم نصفه للذكر فيعطاه، ويبقى النصف من هذا السهم الثالث فيدعيه كل واحد منهما، فيقسم بينهما نصفين فتصح الفريضة من اثنى عشر: للذكر سبعة أسهم وللأنثى خمسة. ومما ينخرط في هذا السلك قول القائل لرجل: لك على مائة دينار، زورا وباطلا. فإن المقر له إن صدّقه في كونها باطلا وأن القول كذب، لم يختلف في سقوط هذا الإقرار، وإن كذبه في قوله: إنها باطل، وطلبه كلامَه، قال (١) فإن المنصوص أيضًا أن المقر لا يصدق في هذا، ويقضى عليه بما أقرّ به، ويعد قوله باطلًا كالندم ورفع ما ثبت عليه من الإقرار. وحكى بعض أصحابنا أن هذا متفق بيننا وبين المخالف. وإسناوإلاتفاق على هذا مما ينظر فيه. ولو قال له: لاحق لك على، وصدّقه المقَرّ له، ولكنه بعد القول كما قال: لا حق لك عليّ، وصدقه المقر له، أشهد لي على نفسك بمائة دينار. فإن ذلك يحمل على أن ذلك هبة، إنما يقضى بها على المقر ما لم يمت أو يفلس أو يمرض لا تفاقهما على أنه لاحق عليه، يقتضي أن قوله بعد هذا: لك عليّ مائة دينار، المراد به الهبة، والمخالف أسقط هذا القول ولم يقض به على حال، وكأنه يرى أنه لم يلفظ بلفظة الهبة، وقد تقدم من اتفاق المقرّ والمقرّ له: أَلَّا حق له عليه إبطال هذا الإقرار أصلًا، كما لو قال: لك عندي مائة دينار باطلًا وزورا، واتفقا على تصديق هذا القول، فإن هذا القول لا يقضى به. وكذلك لو أقر أنه باع منه داره، ووصل اقراره فإن (٢) ذلك توليجا زورا (٣)

стр. 2768

فإن الحكم فيه ما قدمناه من تصديق المقَر له وتكذيبه لقوله: إنه توليج وزور. والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: اعلم أن الإقرارات الأصل فيها أن تؤخذ على ظواهرها وما تفيده في اللغة أو العرف. لكن ربما اقتضت قرينة الحال ونساق المقال، ما يخرجها عن مقحضاها وينقلها عن هذا الحكم الذي أصلنا فيها. فقد كنّا قدمنا في كتاب الشهادات فيمن أقرّ لرجل بدين ووصل إقراره بأنه قضاه إياه، وأورد ذلك في (أنثى دحته الرجل وشطره أو أنثى ذمه له) (١). وذكر تسلطه وتعايظه (٢) في الحقوق، وهو من هذا السلك الذي نحن فيه. ولكن ما يرد أيضًا من الإقرار مورد الاعتذار فإنه يسقط حكمه. وقد روى أشهب عن مالك فيمن اشترى سلعة فسأله البائع في أن يقيله فقال له: تصدقت بها على ابنتي. ومات الأب فقامت الابنة تطلب هذه السلعة بمجرد اعتذار الأب وإقراره بأن الملك لها. فقال مالك: لا يقضى لها بذلك. وليس بقاطع. وكذلك روى أيضًا عن مالك فيمن سئل أن يكري داره فقال: هي لابنتي حتى أشاورها، فقامت الابنة طالبة بهذا الإقرار، فإن ذلك لايقضى به. وكذلك سئل مالك: من يسأله أحد من بني عمه أن يسكنه دارا، ثم سأله ثان من بني عمه، فقال: هي لزوجتي، ثم سأله ثالث من بني عمه، فقال: هي لزوجتي، فقامت هذه الزوجة بهذا الإقرار والتكرر، فإنه لا يقضى عليه به. وكذلك لو أضاف الملك إلى أجنبي، فقال: الدار لفلان، معتذرا بذلك لمن سأله في بيعها منه، ووافق أصبغ مالكا وأصحابه على هذا. وسواء طلب المقرّ له أخذ هذه الدار بدعواه أنه يملكها، (فربما قبل هذا الإقرار، أو أراد

стр. 2769

طلبها بمجرد هذا الاعترإف فإنه لا يقضى بها) (١). ولكن أصبغ ألزم المقر اليمين على أنه لاحق للمقَر له فيها. فإن نكل عن هذه اليمين نظرت في المقَر له: فإن كان يدعي ملكها بحق قديم قبل وقوع هذا الإقرار من المقر، فإنه يحلف ويستحقها. وإن كان إنما أراد أن يملكها بهذا القول، فإنه لا يقضى بهذا القول إذا أنكر (٢) المقر عن اليمين. وظاهر ما نقلنا، عن مالك وما رواه الأكثر من أصحابه يقتضي أن هذا المقر لا يستظهر عليه باليمين بناء على أن هذه قرينة حال تقوم مقام الشهادة على أنه لم يقصد التمليك وإنما أراد الاعتذار ومدافعة من سأله. وكأن أصبغ رأى أن هذه قرينة لا تفيد القطع ولكنها أفادت الظن، فأكدها باليمين على صحتها. ولكن ظاهر كلامه تعلق اليمين في دعوى المقر له أنه يملكها قبل الإقرار وطلبه بملكها بمجرد الإقرار. لكن قوله لا يقضى على المقر بالنكول عن هذه اليمين إذا طلب المقر له تملكها بمجرد الإقرار يقتضى ألا تجب اليمين أولًا في هذا الوجه لأن اليمين الذي إذا نكل الإنسان عنها لم توجب عليه شيئًا لم يتعلق عليه ابتداء. وكأنه إذا قال: ملكتها قديما صحّ رجوع اليمين لدعوة اليقين. فإذا أراد طلبها بمجرد هذا القول فإنه لا يتيقن ملكها فلهذا لم ترجع اليمين عليه. وكذلك أيضًا قال أصبغ لو سليم (٣) سلعة ليبيعها فقال: كنت بعتها من فلان بكذا أو كذا، أو كنت تصدقت بها عليه أو وهبتها له، فإنه يؤاخذ بهذا الإقرار. بخلاف قوله: هي ملك لفلان. واعتذر بأنه إذا قال: كنت بعتها من فلان أو وهبتها له فقد أقرّ بفعل يجب امضاؤه وهو البيع والهبة، وإذا قال: هي ملك لفلان، فلم يقر بفعل. وهذا الذي فرق به لا يتضح، لأنه أيضًا يجب أن يقضى على المقر

стр. 2770

بإقراره، سواء أقرّ بفعل أو أقر بملك. وقد حكينا عن مالك في صدر هذه المسألة فقال: تصدقت بها على ابنتي وماتت (١)، فإن الابنة لا يقضى لها بذلك إذا طلبت القضاء به. قال: وليس هذا بقاطع. وهذا ظاهره يخالف مذهب أصبغ، وان الاعتذار بالاقرار بالملك أو بالاقرار بالبيع والهبة سواء في كونه لا يلزم المقَز له ما قاله من هذا وهو الأصل إذا كانت قرينة الحال تدل على أنه إنما قصد بهذا الإقرار المدافعة، وقال الكذب والعذر. لكن ما حكيناه عن مالك وقع فيه أن السائل لمالك ذكر له أن هذا الناطق بالاعتراف بالتهمة مات. وقد يدافع أصبغ عن هذا بأن يقال: فإن البطلان ها هنا لأجل عدم الحوز في الهبة، ولا يكون ذلك حجة على تفرقتي بين اعتذاره بأنه باع أو وهب وبين اعتذاره بأن الملك لفلان. لكن ظاهر قول مالك ﵁ أنه أبطل الإقرار لكونه خرج مخرج الاعتذار لا يكون الحوز لم يثبت، ألا تراه قال: وليس هذا بقاطع، ولم يعلل يعدم الحوزة ولكنه مع هذا ليس كالنص الجلي وكذلك قال أصبغ: ولو سأل رجل رجلًا أن يزوجه ابنته، فقال: زوّجتها من فلان، فقام فلان طالبا لهذا المقر بأنه زوجه ابنته فإنه يقضى له بتزويجها، سواء قال هذا المضاف إليه التزويج: إني كنت تزوجتها قبل أن يقول أبوها هذا المقر ما قال، أو طلب كونها زوجا بمجرد هذا الإقرار الخارج مخرج الاعتذار. واعتل بأن الهزل واللعب يثبت في النكاح والطلاق والعتاق، كما ورد في الأثر "ثلاث هزلهن جد ... " (٢). وهذا الاعتلال منه بعيد على أصله، لأنا قدمنا عنه أن الاعتذار بأنه باع أو وهب يقضى به عليه. ولا يرجع حكم هذا الإقرار مخرجه مخرج الاعتذار.
следующие страницы →