الحميل المطالبة بما تحمل به وهو مذهب ابن المواز.
وسبب هذا الخلاف ما قد يعرض من إشكال في هذا السؤال، وذلك أن من له الحق إذا كان عالمًا بأن الحميل لم يتحمل إلا بعوض أخذه، ويعلم أن ذلك لا يجوز في الشرع، فكأنه باع بغير حمالة، لا (١) مطالبة له على الحميل.
أو يقال: فإن الحميل قد علم أن العوض الذي تحمك من أجله، يؤخذ من يديه، ومع هذا التزم الحمالة بالثمن، فكأنه تحمل بغير عوض أخذه، والحمالة بغير عوض تلزم، فَمَن التفت إلى أن من (٢) علم من له الحق بفساد الحمالة إسقاط لحقه في القيام به أسقط المطالبة عن الحميل. ومن التفت إلى أن (٣) علم بأن العوض الذي أخذه يؤخذ منه ومع هذا التزم الحمالة بالثمن، أثبت عليه المطالبة بالثمن.
وأما إن جهلًا جميعًا الحكم، فقد قال أصبغ: إن الحمالة ساقطة. وعلى مقتضى ما حكيناه عن ابن المواز: إن الحمالة ثابتة.
وسبب الخلاف في هذا أيضًا يلاحظ ما عللنا به إذا علمًا جميعًا. وذلك أن من له الحق إذا تيع بهذه الحمالة وهي لا تجوز، جهلًا منه بأنها لا تجوز، فكانه الجاني على نفسه إتلاف ماله، فلا. مطالبة له به على الحميل. والحميل أيضًا لما التزم الحمالة بعوض، وذلك لا يجوز، فكأنه بجهله أتلف مال من تحمل له غلطًا منه عليه، والخطأ والعمد في أموال الناس سواء. فهذا الحكم في هذه المسألة إذا علمًا جميعًا، أو علم أحدهما وخفي عن الآخر ما صنع باذل المجهل (٤).
وإذا تقرر أن الحمالة بعوض يأخذه الحميل ممنوعة، لأجل ما ذكرناه،
стр. 2942
وأن العوض مردود، ومطالبة الحميل وسقوطها فيه التفصيل الذي ذكرنا، فيبقى النظر في صحة البيع وفساده. وقد كنا قدمنا أن بعض الأشياخ أجرى حكم صحة البيع وفساده على بياعات الشروط فيمن تكفل بخلاص السلعة. ولكن ذلك أمر يعود إلى نفس المبيع ويتعلق بالمتعاقدين بكونهما دخلا جميعًا عليه، والحمالة يجعل ها هنا كأنه أمر خارج عن الثمن والمثمون وعن ما يشرك المتعاقدين جميعًا فيه، لا سيما إذا كان أحدهما غير عالم بما صنع الآخر من بذل العوض في الحمالة، فهذا مما ينظر فيه. ولو تحمل الحميل بعوض شرْطَ أن يأخذه غيره،
ولا يأخذه هو، لكان ذلك أيضًا ممنوعًا، لما ذكرناه من التعليل. لكن لو كان الغير الذي شرط ذلك له هو من تحمل عنه، لكان في ذلك قولان، مثل أن يحل دين على رجل فيقول له من له الدين: أنا أضع عنك -عددًا سماه- وتعطيني به حميلًا إلى أجل آخر، فإن هذا فيه ثلاثة أقوال: الجواز، والكراهة، والتحريم.
ففي الموازية عن مالك وابن القاسم جواز ذلك. وذكر عن أشهب أنه روى عن مالك الجواز، وروى عنه الكراهة. وفي العتبية لمالك أن ذلك لا يصلح، وشبّهه بحميل آخر (١) عوضًا عما تحمل به، فقال: لا يصلح ذلك، وهو كما لو قال له: اعطني عشرة دنانير من دينك وأنا أعطيك حميلًا. وهذا التشبيه يشير إلى التحريم.
وفي العتبية عن ابن القاسم: لو قال له: اعط غريمك عشرة دنانير، وأنا أتحمل لك بما عليه: إن ذلك جائز وعلى القول الآخر يحرم ذلك.
وكأنه في هذا القول قذر أن الحميل تحمل بعوض أخذه لنفسه ثم وهبه الغريمَ. وفي القول الآخر: أَن منفعة ذلك للغريم لا يتصور فيه ما صورناه في الحميل إذا أخذ عوضًا لنفسه، فيكون ذلك سلفًا بزيادة أو أكل المال بالباطل.
ولو كان الدين مؤجلًا ولم يحل أجله، فقال من له الدين للغريم: أعطني
стр. 2943
به حميلًا إلى الأجل نفسه، أو اعطني رهنًا، وأنا أحط منه، عددًا سماه، فإن
في ذلك قولين:
ذهب أشهب إلى الجواز. وذهب ابن القاسم إلى المنع.
وكأنه قدر أن الحميل إنما يؤخذ ها هنا خوفَ التفليس عند الأجل فتجب النظرة اليسيرة فإذا شرط استعجال ذلك ميب الحميل قضاءً عن الغريم، صار كأن الغريم عجّل دينًا قبل أجله، على أن وضع عنه من له الدين بعض دينه، وضعْ وتعجلْ لا يجوز، كما بيناه في كتاب البيوع.
ومما ينخرط في هذا المسلك الذي نحن فيه من أنواع الحمالة الفاسدة أن من سأل غريمه أن يعطيه حميلًا بما لَه عليه من دين فإن ذلك لا يخلو من ثلاثة أقسام:
إما أن يسأله أن يعطيه حميلًا بالدين إلى أجله الذي دخلا عليه، أو يعجله له قبل أجله، أو يؤخره عنه إلى أبعد من أجله.
فإن أخذ منه حميلًا قبل الأجل على أن يقضي الدين عند أجله الذي أجلاه، فإن ذلك جائز على الإطلاق، وهو إحسان من الغريم إلى من له الدين.
والقصد بهذا التوثق من الدين، ورفع ما يَخشى من له الدين من فلس الغريم أو غيبته، والحمالة من مصالح العقود في البساعات، ولهذا أجيزت.
فإن أعطاه حميلًا على أن يعجل الدهين قبل أجله، والدين من قرض عين أو عرض أو ثمن بيع، فإن ذلك جائز لأنه تضاعف إحسان الغريم إليه بأن وثقه من الدين وزاده مع ذلك إحسانًا بتعجيله إليه قبل أجله.
وأما إن كان الدين عوضًا من بيع فإن هذا لا يجوز لأن الغريم ليس له تعجيل ما عليه من حق العروض المؤجلة إذا كانت من بيع، لأن لمن له الدين عوضًا (١) في بقائها في الذمة لتضمن له إلى الأجل، فلم يقبل التعجيل من له
стр. 2944
الدين إلا بسبب الحميل الذي أعطاه، والمعاوضة على خط (١) الضمان لا تجوز، حسب تقدم في كتاب البيوع.
وأما إن أعطاه حميلًا بالدين يؤخره إلى أبعد من أجله، فإن ذلك لا يجوز، لكون التأخير عن الأجل المشترط كابتداء سلف، لأن من له الدين يستحق قبضه إذا حل أجله، فالتأخير إلى أجك ثان تطوعَّ به، كأنه قبض دينه ثم رده على من أعطاه له سلفًا منه بشرط حميل يوثق به قبل انقضاء الأجل الأول، فصار ذلك كسلف، وهو التأخير، جرّ منفعة وهو توثق الغريم بالدين قبلَ أن يحل أجله، مخافة أن يفلس الغريم قبل الأجل أو يتغيب. ولكن إذا وقع سقطت الحمالة، ولم يؤخذ الحميل بغرامة قبل انقضاء الأجل ولو فلس الغريم، لأن من له الدين أعطى ماله بغير حميل، فلم يغرّه الحميل في الأجل الأول ولا تلف (٢) عليه شيئًا، فلهذا سقطت الحمالة.
وأما إذا وقع الفلس في الأجل الثاني الذي اشترطاه عوض الحمالة، فإن ذلك مختلف فيه على قولين: هل تسقط الحمالة عن الحميل في الأجل الثاني، لكون أصلها فاسدًا حرامًا، والحميك لا يطالب في معاملة فاسدة، أو تلزمه الغرامة لأن رب المال إنما يسمح ببقاء ماله في الأجل الثاني ثقة بحمالة الحميل، فكأنه أخرج من يده ما لا ثقة بحمالته، ولولا ذلك ما خرج من يده ومن عن (٣) غيره حتى أتلف عليه مالًا لزمته غرامته؟ وفي الموازية سقوط الحمالة. واحد قولي ابن القاسم إثبات الغرامة عن الحميل.
وهذا يلتفت فيه إلى ما قدمناه قبل هذا من تعليل إثبات الغرامة أو نفيها عن الحميل إذا تحمل بجعل أخذه، وقوإنفرد بالعلم بالتحريم أو انفرد به
стр. 2945
المتحمل له أو علماه جميعًا على ما بسطنا القول فيه فيما تقدم.
ولو كان بذل الحميل في هذه المسألة رهنًا أخذه لكان ذلك أيضًا ممنوعًا، لأنه سلف جر منفعة، والسلف هو التأخير إلى الأجل الثاني، والمنفعة إعطاء الرهن في الأجل الأول، وقد كان ذلك غير لازم لمن عليه الدين، ولولا هذه المنفعة ما تطوع من له الدين بالتأخير. وإن وقع هذا ففي الموازية أن قابض الرهن يكون أحق به من الغرماء. بخلاف الحمالة فإنها ساقطة.
وأراه إنما فرق بينهما لكون حق المرتهن به تعلق بعين، وقد قبضها وحازها، فصار ذلك الفوت في المعاملة الفاسدة، (والحميل لم يجزه المتحمل له، ولا حقه فيه) (١) متعلق بعين استحقها عليه. وقد وقع في الموازية قولًا مطلقًا: إن الرهن والحميل جميعًا ساقطان، ولا يكون من بيده الرهن أحق به وقد قبضه. وهذا يبسط فيه القول في كتاب الرهون إن شاء الله تعالى في أحكام الرهان الفاسدة.
ولو كان الدين قد حك فأعطاه حميلًا على أن آخره به، فلا يخلو من عليه الدين أن يكون موسرًا به، ولو طلبه من له الدين لحكم له بجميعه، فإن ذلك الآمر كذلك جائز إعطاء الحميل والرهن بشرط التأخير إلى أجل آخر، ويقدر في هذا أنه لما ملك قبض جميعه صار كأنه قبضه ثم استأنف سلفًا إلى أجل بحميل أو رهن، فإن ذلك لا يتصور فيه وجه يوجب المنع. وهذا مذهب مالك وابن أبي سلمة وغيرهما.
وأما لو كان الغريم عليه ديون، أو تحاصّ من له الدين الذي سئل في التأخير بحميل لو (٢) يستوف إلا بعض دينه فأخره بشرط حميل، فإن هذا لا يجوز، لما ذكرناه من كون التأخير كابتداء سلف، واختصاص هذا الغريم دون الغرماء برهن يستوفي منه جميع دينه، أو بحميل، وقد كان لا يتمكن إلا
стр. 2946
من استيفاء بعضه، سلفًا جرّ منفعة وهي استيفاء جميع الدين من الرهن أو من الحميل.
وأمّا إن كان معسرًا ليس عنده شيء، وعليه دين لهذا الرجل الذي أشرنا إليه (بما له في التأخير) (١) ويعطيه حميلًا إن آخره أجلا الغائب (٢) فيه أنه يجد ما يقضي منه الدين، ويكون موسرًا به كأصحاب الثمار والغلات المنتظرة، فإن ذلك جائز إذا كان أجل التأخير كأجل ما يتوقع من سير (٣) هذا الرجل. وكذلك لو كان التأخير يقصر زمنه عن الزمن الذي يسر (٤) إليه (هذا، فإن) (٥) أيضًا جائز لكونه في هذين الوجهين التأخير واجب علمه شاء أو لم يشأ. وأما إن كان الزمن الذي يتوقع فيه يسره متقدمًا على الأجل الذي آخره إليه، فإن ذلك ممنوع عند ابن القاسم لما يتصور فيه من سلف جرّ. منفعة، وتعود المسألة إلى المسألة المتقدمة، وهو إذا أعطاه حميلًا قبل الأجل أن يؤخره إلى أجل آخر أبعد من الذي دخلا عليه، لأن ما قابل زمن يسْره كالأجل المشترط، وما بعد زمن يسْرِه أجل غير مشترط تطوع فيه من له الدين بسبب ما أخذ من التوثق بالدين قبل أجل اليسر. وأجاز هذا أشهب. وأَرَاهُ لأجل أن اليسر مما لا يقع (٦) بوجوده عند الأجل المتوقعة (٧) فيه فالتهم فيه تضعف.
ولو حل الأجل ووجب الطلب فقال من عليه الدين لمن له الدين: أسلفني مائة أخرى غير المائة التي حلّ أجلها وأعطيك رهنًا أو حميلًا بالمائتين جميعًا، القديمة والحديثة، لمنع هذا؛ لأنه سلف جرّ منفعة، وذلك أن المائة الثانية إنما
стр. 2947
أسلفه إياها لأجل ما أعطاه من التوثق بالمائة الأولى بالرهن أو الحميل. فكذلك لو قال له قبل أجل المائة الأولى: أسلفني مائة دينار على أن أعطيك حميلًا أو رهنًا بالمائتين جميعًا إلى أجل المائة الأولى أو إلى أبعد مدني ذلك الأجل، فإن جميع ذلك يمنع لما صورنا فيه من سلف جر منفعة. ولكن إن وقع ذلك ففي الموازية أن الحمالة ساقطة في المائتين جميعًا، المتقدمة والمتأخرة. وأمّا الرهن فذكر أن بعض أصحابنا قال: يكون مفضوضًا، نصفه للمائة الأولى يكون بها رهنًا، ونصف المائة (١) الثانية، فيسقط كونه رهنًا لسقوط السلف والقضاء برده إلى صاحبه معجلًا، لأن السلف الذي يجرّ نفعًا يفسخ إذا وقع. فاختار ابن المواز أن جميع الرهن يكون بالمائة الأولى، وهو أيضًا المذكور في المدونة.
وهذا يبسط من كتاب الرهن إن شاء الله تعالى، وقد نبهنا ها هنا أن الرهن آكد من الحمالة في تعلق الحق بالحميل أو الرهن الفاسد لأجل ما قدمناه من التعليل. فذكر في الموازية ثبوت الرهن، والاختلاف في صفة ثبوته وإسقاط الحمالة، قال: لأن كل حمالة وقعت في معاملةٍ حرام، فإن الحمالة تبطل، وقد قدمنا نحن فيما سلف في إلزام الحميل المتحمل بالثمن في بيع فاسد هل تسقط عنه الحمالة أو يجب عليه الأقل من الثمن أو القيمة، وبَيّنّا وجه ذلك.
فإذا تحقق وجه الحمالة في هذه المسائل فلو حلّ الأجل ودفع الحميل رهنًا لمِؤخر بالدين إلى أجل آخر، فإن الرهن إن كان ملكًا للغريم، وهو قادر على أن يستبد بثمنه، فيأخذ منه جميع ذلك، كان ذلك جائزًا. ولو كان الرهن ملكًا لغيره استعاره من رجل ليرهنه من له الدين، جرى ذلك على حكم الحمالة، صحيحِها وفاسدِها، ويصير مالك الرهن كأنه حميل بالدين.
ولو كان الراهن اكترى ليرهن، لم يصح كراؤه، بخلاف أن يكتري ليلبس، أجلًا معلومًا، إن كان ثوبًا، لأجل أن هذا المكتري ليرهن إذا أجل الكراء أجلًا لم يصح الرهن، لأن الأجل. قد ينقضي قبل وصول الدين إلى
стр. 2948
مستحقه فيبطل بانقضاء الأجل كونه رهنًا، وإذا بطل كونه رهنًا عند انقضاء الأجل بطل كونه رهنًا من أصله. وإن كان. لم يضرب لذلك أجل فالكراء من غير أجك محدود غير لازم، فيصير ما يؤديه من الكراء كل يوم كزيادة أخذها عوض التأخير بالطلب، مع كونه غير منعقد، وإذن لم ينعقد كونه رهنًا.
ولو كان له عليه عشرة دنانير من ثمن مبيع، فأسلفه عشرة أخرى، على أن أعطاه حميلًا بالعشرين، لكان ذلك ممنوعًا لما يتصور فيه من سلف جر منفعة، وهو أن الحميل بالعشرة الأولى إنما تطوع به من هي عليه لأجل ما أسلفه مستحقها من العشرة الأخرى.
ولو كانت عشرة السلف هي المتقدمة فباع منه سلعة بعشرة أخرى، على أن يعطيه حميلًا بالعشرة الأولى التي هي السلف، وبالعشرة الثانية التي هي ثمن المبيع، فإن ابن القاسم يمنع ذلك لكونه كرهن بجعل وهو يمنع من الرهن من (١) الجعل. ويتضح تصور ذلك بأن تكون قيمة السلعة المبيعة عشرة، وإنما أسقط بائعها الدينار العاشر وباعها منه بتسعة على أن جعل الدينار الذي أسقطه من قيمتها عوضًا عقا أعطاه من الرهن، فصار رهنًا بجعكء وأشهب يجيز ذلك لأنه لا يمنع رهنًا بجعل.
ولو كانت الحمالة معلقة بجهالة، مثل أن يقول الحميل: أتحمل لك بدينك ما دام الغريم حيًا، أو ما دمت أنا حيًا، لم يحرم ذلك إذا كان في أصل سلف أو بعد (٢) عقد بيع. وأما إن كان في أصل بيع فإن ذلك يراه ابن القاسم غرِ جائز وتسقط الحمالة لكونها حرامًا.
وقال أصبغ: أجاب على غير تأمّل، بل ذلك جائز، والحمالة لازمة، لكون هذا الاشتراط بين الحميل والمتحمل عنه، وبائع السلعة خارج عن هذه المعاملة، فلم يَعُدْ ذلك بفساد البيع، ولا فساد الشرط. وهذا إذا كان البيع
стр. 2949
بحميلٍ أقلَّ ثمنًا منه إذا بيع بغير حميل صارت الحمالة لها حصة من الثمن، فإذا كانت فيها غرر صار العقد في بعض الثمن، ففسد البيع لكون الغرر قد عاد إلى نفس الثمن. وهذا وجه ما قال ابن القاسم. وقد تقدم الكلام على هذا المعنى، وسيرد أيضًا في كتاب الرهن ما يتضح بة بعض ما ذكرناه من أحكام الرهبان الفاسدة.
والجواب عن السؤال الخامس عشر أن يقال:
إذا دفع أحد الحملاء لصاحبه المتحقَل له سقط حق المتحمل له، وبقي النظر في رجوعهم بعضهم على بعض. وهذا إذا ثبت وصول الحق إلى صاحبه بشاهدين أو باعترافه. فأمّا إن لم يثبت ذلك إلا بشاهد واحد فإن الدافع للحق يحلف مع شهادته، ويسقط المتحمل له (١)، ويرجع الدافبم على أصحابه بما أدى عنهم. لكن لو لم يقم ذلك الشاهد إلا بعد موت الدافع فإن ورثته يحلون محله ويحلفون مع شهادته، ويسقط حق من له الحق، ويرجعون على شركاء أبيهم في الحمالة بما أدى أبوهم عنهم، فإن نكل الورثة (٢) اليمين فقد ذكر في المدونة: يحلفون مع الشاهد إذا مات أبوهم الذي ب فرع، فإن نكلوا حلف بائع السلعة أنه لم يقبض شيئًا، وطلب من شاء منهم بمالَه من (٣) له الحق. قال: ولا يحلف الشريكان، ويغرمان ما عليهما من ثلثي ثمن السلعة، إلا أن يقول: نحن أمرناه بالدفع، من مالنا دفع. فإنهم يحلفون ويبرأون.
وقد تأول الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد (٤) بعض ما وقع في هذا الجواب من إطلاق، وقيد مطلقه. ونحن نورده في أثناء كلامنا على هذه المسألة.
стр. 2950
فاعلم أن الشريكين (لا يخلوان من) (١) أن يزعما أن شريكهما الذي دفع وشهد له الشاهدين (٢) بذلك أنهما لم يدفعا إليه شيئًا وإنما دفع ذلك من مال نفسه. أو يزعمان أن المال الذي دُفع هما دفعا ذلك ببينة. فإن ذكر (٣) أنهما لم يدفعا إليه شيئًا، وإنما دفع ذلك من ماله فلا مدخل لهما في اليمين مع الشاهد، لأنهما مقران أن ثلثي الثمن باق في ذمتهما. فإذا كانا يغرمانه على كل حال ولا فرق بين أن يغرِما ذلك الورثة (٤) أو يغرماه إلى البائع. وإنما يحلف القائم بالشاهد فيما يجتلب بيمينه مع الشاهد له منفعة. أو يدفع مضرة. وثلثا الثمن ها هنا لا بد لهما من غرامته، فلا يجتلبان باليمين مع الشاهد بسقوط شيء من هذه الغرامة. ولهذا علل في المدونة قال: لا يحلفان لأنهما يغرمان.
لكن إن كان الشريك الدافع الذي مات معسرًا فإنهما يلحقهما مضرة إن لم يحلفا مع الشاهد، لكون البائع له أن يغرمهما ثلث الثمن الذي على الميت، فيمكنان ها هنا من اليمين مع الشاهد لينفيا عن أنفسهما غرامة هذا الثلث. وهكذا تأول الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد على المدونة، وحمل مطلق قوله: إن الشريكين لا يحلفان مع الشاهد لأنهما يغرمان: أَنَّ المراد غرامة هذا الثلث الذي على الميت، وقد مات معسرًا. وأما لو مات موسرًا فلا كبير فائدة لهما في اليمين مع الشاهد، لأن للبائع أن يأخذ ذلك من تركة الميت، ولو أخذه منهما رجعا به في ذمة التركة.
وهذا تأويل صحيح، وما قيد به من إطلاق المدونة ظاهرٌ وجهه. لكن ذكر الشيخ أبو محمَّد أنهما لا يُغرمان الورثة شيئًا، وإن كان قد قال: إن الميت في فرع ذلك من مال نفسه. وذلك إقرار منهما بأن الميت استحق طلبهما بما دفع
стр. 2951
عنهما. فحجة الشريكين بأنه لما دفع ذلك بغير إشهاد يستقل به القضاء صار دفعَ دفعًا لا يبرىء بشريكه (١). وبذا دفع من ماله قضاء عن شريكه (١) ما لا يَبْريان به فلا مطالبة له عليهما، ولا لورثته، لأنه كمن لا يدفع عنهما شيئًا. وهذا على أصل ابن القاسم يتضح، ولو كان قد دفع عنهما بأمرهما، لكون ابن. القاسم يرى أن الوكيل على دفع مال لغير من وكله يضمنه إذا دفعه بغير إشهاد، والذي وكله غير حاضر لدفعه حتى يكون راضيًا بترك الاشهاد.
وإذا وجب على الشريكين غرامة الثلثين، وقد حلفا مع الشاهد لتسقط الحمالة بالثلث عنهما، فلمن يدفعان هذين الثلثين؟
قال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد: يدفعان (٢) ذلك للورثة، ويكون للبائع أن يطلب الورثة بثلث الثمن الذي على أبيهما، فيغرم الورثة ثلثي الثمن الذي أخذوه من الشريكين، لأنه كمال طرأ لأبيهم وعليه دين فلا يرثوه حتى يقضى منه الدين وأنكر الشيخ أبو إسحاق هذه الوجوه، ورأى أن الأصل غرامة هذين الثلثين لبائع السلعة، لأن يمينهما إنما كان لإسقاط غرامة الثلث عنهما الذي كان على الميت وتحمل به. وأمّا الثلثان فلا يصح أن يحلفا عليهما ليكونا ملكًا للورثة بيمينهم، لأن الورثة حرروا (٣) أن يحلفوا مع شاهدهم فأبوا ونكلوا، ونكولهم يقتضي رجوع هذه اليمين على البائع، فيحلف ويستحق هذين الثلثين على الشريكين. فلا يمكن، مع كون هذا هو الأصلَ، أن يكون يمين الشريكين إنما أفادهما تمليك الورثة لهذين الثلثين، إذ لا يحلف أحد ليستحق غيره بيمينه مالًا من غير أن يحلف (٤) الحالف بيمينه لنفسه مالًا ويدفع عنه مغرمًا.
стр. 2952
وأكد الشيخ أبو إسحاق هذا التعقب الذي تعقبه عن الشيخ أبي محمَّد بن أبي زيد بأن أشار إلى أن للبائع أن يطلب الورثة بالثلث الذي على أبيهم متى طرأ له مال كما لو حلفوا بأنفسهم مع الشاهد، فإن البائع يسقط طلبه عنهم. فكأنه رأى أن الشيخ أبا محمَّد أحل يمين الشريكين محل يمين الورثة في ملكهم لهذين الثلثين، ولم يحل يمين الشريكين محل يمين الورثة في إسقاط الطلب عنهم بهذا الثلث.
واعلم أن الذي قاله الشيخ أبو إسحاق من أن الأصل ألاّ يحلف أحد ليستحق آخر مالًا صحيح مسلم. ولكن إذا لم يكن للحالف فائدة في يمينه سوى أن يملّك رجك بيمينه رجلًا آخر مالًا، وهاهنا يمين الشريكين إذا مات الثالث عديمًا أفادَتْهم سقوط غرامة نصيبه بما حلفا: أللهما (١) يستفيدان بما نفي غرامة محنهما (وهي الغرامة عنهما) (٢) ويمينهما على الشاهد صدق يتضمن تصديقه في كون الورثة يستحقون هذا الثلث، وإن حلفا على ما يفيدهما، وتضمن ذلك ما يفيد غيرهما ضاعَت ها هنا اليمين، وانسحب يمينهما على ما يفيدهما، لأنهما أمران متلازمان، فإثبات أحدهما يقتضي ثبوت ما يلزم عنه. وقد وقع لهذا نظير تكلمنا عليه في كتاب البيوع في يمين أحد المتبايعين على ما القول قوله فيه، ويضيف إلى ذلك ما القول فيه قول خصمه.
لكن يفتقر في هذا الاعتذار عن الشيخ أبي محمَّد إلى اعتذار آخر عمّا نقضه به الشيخ أبو إسحاق وهو قوله: هلا أفادت يمينهما أيضًا إسقاط الطلب بالثلث عن الورثة كما أفادت تمليك الورثة الثلثين. والعذر أيضًا عن هذا بأن الورثة قدّروا أنفسهم أن يحلفوا مع الشاهد ويسقطوا الغرامة عن أنفسهم، فلما نكلوا صاروا ممكّنين للبائع من يمينه على ما نكلوا عنه، فإذا مكنوه من ذلك وحلف استحق طلبهم بالثلث بخلاف الثلثين، فإن إقرار الشريكين بأن الشريك
стр. 2953
الثالث دفع ذلك عنهما من ماله، وسقوط حق البائع بينهما يقتضي أن يؤخذا بمضمون ما حلفا عليه وهو كون هذين الثلثين صارا ملكًا للميت.
هذا حكم قبل (١) الشريكين: إنا لم ندفع لشريكنا مالًا. وأما لو قالا: دفعنا إليه المال ليدفعه عنه و (٢) عنه،؛ فإن الشريكين ذكر في المدونة أنهما يحلفان مع الشاهد، ويبريان مما عليهما من ثلثي الثمن، ويبقى طلب البائع على الورثة لأجل نكولهم عن يمين قدَروا على أن يبرئوا أنفسهم بها. ولكن من حق الشريكين أن يحلّفا الورثة أنهما لا يعلمان أنهما دفعا لأبيهما هذا الثلث الذي دفعاه إليه من مالهما ليدفعه عن نفسه إذا كان الورثة ممن يظن بهم علم ذلك، كمدع يدين على ميت طلب يمين ورثته على أنهم لا يعلمون ذلك.
وتعقب الشيخ أبو إسحاق أيضًا هذا الوجه، وأشار إلى أن اليد دليل الملك، وما دفعه الشريك الثالث الذي مات من يده هو ملك له. ولا يقبل قول الشريكين إن ذلك ملكًا لهما، كما لو كان حيًا. وأما ها هنا فالورثة الذين محل (٣) الميت الذي ورثوه فقد قدروا على أن يحلفوا ويكون ذلك ملكًا لمن ورثوه، فتكلموا (٤) عن ذلك، فصاروا بنكولهم كسقصي (٥) حقهم فيه، وإذا سقط حقهم فيه صاروا كحائز أقر بأن ما في يديه لا حق له فيه، أو كمالٍ ليس في يد حائز يدعيه.
ولكن مقتضى هذا التعليل أن يرجعوا إذا حلفوا على الورثة بالثلث الذي على أبيهم متى طرأ لهم مال, لأنهم حلفوا على تصديق الشاهد، والشاهد شهد بأنه دفع جميع الثمن، وثلثُ هذا الثمن إذا حكم يأنه من ماله كان للشريكين أن
стр. 2954
يرجعا به على ما يطرأ للميت من مال. وهكذا قال ابن أبي زمنين أنهبم إذا ادّعَوْا أنهم إنما دفعوا الثلثين خاصة بقي طلب البائع على الشريك الذي مات. وإن قالوا: دفعنا الجميع، وحلفوا على ذلك فقد أثبتوا يمينهم (١) على الميت استحقاقهم على الميت ثلث الثمن الذي عليه، فكان لهم مطالبته به.
والجواب عن السؤال السادس عشر أن يقال:
هذه المسألة مشتهرة بالست حملاء، ذكرها في المدونة، وذكر بعض تفصيل حساب التراجع بينهم، وأُفردت بتَواليف من جماعة من الأشياخ.
ونحن تقدم قبل الخوض فيها القول الضابط لما يوجب رجوع من دفع المال على من لم يدفعه منهم ومنعه من ذلك آخرًا. فالذي ينجر إليه الأمر في هذا اعتبار حكم اللفظ الواقع من الحملاء هل هو نصر صريح في كون بعضهم حملاء عن بعض أو في كون بعضهم ليس بحميل عن بعض، أو يقع اللفظ مشكلًا محتملَاّ؟ فإذا قال الحملاء، وهم جماعة،: نحن نتحمل بهذا الدين، وبعضنا حميل عن بعض فلا خفاء ها هنا بأنه إذا غرم جملة المال أحدهم كان له أن يرجع على أحدهم إذا لقيه بنصف المال حتى يساويه، لكون هذا الحق تعلق بذمة أحدهم على حسب ما تعلق بذمة الآخر، فكأن من أدى جميع الحق أداه عن نفسه وعن الرجل الآخر، إذا لقيه، من الحملاء.
ولو كان اللفظ وقع بأن قال: أيكم شئت أخذت بالدين الذي لي على فلان. ولم يزد على هذا اللفظ، لم يقتض هذا اللفظ كون الواحد منهم إذا غرم يرجع على صاحبه حتى يساويه.
ولو قال: كل واحد منكم حميل بجميع المال، لاقتضى هذا حمالة بعضهم عن بعض على ظاهر ما قيل في ذلك. وكأنه لما أتى بلفظة "كل" وهي
стр. 2955
من ألفاظ العموم، صار كل واحد منهم حميلًا بجميع المال، وكأنه تحمل بذلك عن صاحبه الذي شاركه في الحمالة.
ولو قال: أنتم حملاء بهذا المال، ومن شئت أخذت بحقي، لم تؤثر هذه الزيادة، ولم تغير الحكم الذي قلناه في التراجع. لكن يأخذ من شاء منهم بالحق، وإن كانت بقية أصحابه أملياء حضورًا. فإن لم يقل ذلك جرى على الخلاف في أخذ الحميل مع إمكان الأخذ من الغريم.
وقد ذكر هذه المسألة في المدونة في الست حملاء وساوى بين أن يقول:
على أن بعضهم حميل عن بعض، أو على أن كل واحد حميل بجميع المال عن واحد أو اثنين أو ثلاثة.
وفي كتاب ابن المواز: إذا كانوا أربعة فقال لهم: أنتم حملاء بالمال.
فلقي صاحب الحق أحدهم فأغرمه جميع المال، فإنه يرجع على من لقيه من الثلاثة الحملاء بربع الحق. والمشهور خلاف هذا، وأنه لا يرجع الغارم بما غرم على أحد من أصحابه الحملاء. وهكذا في الموازية في موضع آخر منها،
وكذلك في المدونة؛ لأن الشرط إنما كان ممن له الحق أن يغرم من شاء منهم، فإذا استغرم أحدهم جميع الحق فإنما ذلك غرامة عمّن تحمل عنه بأصل الدين، وليس غرامتَه عمّن تحمل معه حتى يغئر هذا اللفظ كقوله: بعضهم حميل عن بعض، لوجب أن يرجع على من لقيه بنصف الحق الذي أداه. والذي في الموازية أنه يرجع بربع الحق، وهذا لا يظهر له وجه، إلا أن يكونوا مشترين للسلعة، فعلى كل واحد منهم ربع ثمنها، فالغارم لجميع الحق يرجع بهذا الربع على مشتري ربعها فيكون لهذا وجه، أو يكون المراد أن كل واحد تحمل بربع الحق، ومع هذا فله أن يُلزم جميعَ الحق من شاء منهم. فإذا استغرم الحق أحدَهم رجع هذا بالربع على من كان تحمل به. فهذا الذي يظهر في تأويل هذا المذهب. وقد ذكر في المدونة في حمالة بعضهم عن بعض في مسألة الست حملاء. وفي الموازية ذكر مسألة الأربعة حملاء، وقال في تفصيل حساب
стр. 2956
تراجعهم الذي تركوه فيما بعد: سواء كان هذا الحق على الأربعة دينًا عليهم، أو حمالة تحملوا بها عن غيرهم.
وهذا للإطلاق (١) المساواة بين الوجهين لا يصح، لأنها إذا كانت دينًا عليهم فلقي صاحب الحق أحدهم، فأخذه بجميع الحق، فأمّا ما ينوبه من هذا الدين إنما غرمه عن نفسه، ولا يرجع به على أحد، وإنما يكون التراجع بحق الحمالة فيما زاد على ما ينوبه عن نفسه. فإذا كانت حمالة عن غيرهم (٢) فليس على أحد الحملاء منهما في نفسه نصيب فيختص به ولا يرجع به على أحد.
فإذا لقي من له الحق أحَدَ الحملاء الذين تحملوا عن غيرهم، والدّين ست مائة، فلم يجد عنده إلا مائة، فأخذها منه، فإنه إذا لقي حميلًا آخر طلبه بالمشاركة في هذه المائة لكونهما تساويا في الحمالة بها عن غيرهم.
وإذا كانا مشتريين في سلعة فلقي من له الحق أحدهم أخذ منه هذه المائة لا يرجع بها على أحد هن الحملاء لكونه من نفسه أدّاها.
وظاهر قول ابن المواز يقتضي أنها إذا كانت حمالةً عن غيرهم فغرمها أحدهم فإنه إذا لقي حميلًا آخر فمن تحمل معه لا يرجع عليه بشيء من هذه المائة.
وهذا لا وجه له إلا أن يكون المفهوم من هذا اللفظ عندهم أن تحمل بعضهم عن بعض إنما يكون بما زاد على نصيب كل واحد منهم إذا قسم الدين عَليهم فيكون لهذا وجه، ولكنه بعيد ميت مقتضى اللفظ الضابط لما يوجب التراجع أَوْ لَا يوجبه.
وأمّا تفصيل حساب التراجع، فالقول فيه على الجملة إنهم إذا تحمل بعضهم عن بعض فإن الفكر إنما يتعب في هذا حتى تحصل المساواة بين من
стр. 2957
غرم من الحملاء وبين من لم يغرم منهم، ومن لقي منهم من غرم من لم يغرم طلبه بالمساواة حتى يعتدلا في الغرامة، وإذا لقي آخر طلبه بالمساواة حتى يعتدل معه، ويكون كل واحد منهم إنما يغرم مثل ما أغرم من لقيه.
ولو غرم أحدهم لرجل وساواه، ثم لقيه آخر فمن غرم فإن حقيقة المساواة أن يقول له: غرمت لصاحبك قبل أن تلقاني كذا وكذا، فأسقطها مما غرمت بالحمالة، ونساويك فيما فضل عن ذلك مما غرمته بالحمالة.
هذا القول الجملي في هذه المسألة. ولكن جرى رسم الأشياخ المؤلفين بسط حسابها في كتبهم، واجتهد بعضهم في ذلك، وبالغ حتى أفردها بالتأليف، ونحن نذكر مسألة المدونة وبسط حسابه في التراجع حتى ينتهي ذلك إلى اعتدال جميعهم.
قال: إذا كان لرجل منه (١) مائة درهم على ستة رجال على أن بعضهم حميل ببعضٍ بجميع المال، فإذا لقي أحدهم فليأخذه بست مائة درهم: مائة عن نفسه وخمس مائة بالحمالة، ثم إن لقي الغارم الست مائة أحدَ أصحابه أخذه بمائة أداها عنه، وبنصف الأربع مائة عن الباقين لأنه حميل معه بهم بجميع ما يأخذه منه، ثلاث مائة، وبقي له مما غرم ثلاث مائة. ثم إن لقي ثانيًا قال له: غرمت ثلاث مائة عن نفسي، ومائتان (٢) بالحمالة عن أربعة، أنت أحدهم، تلزمك، في خاصتك، خمسون، وتبقى مائة وخمسون، أنت معي بها حميل، عليك نصفها خمسة وسبعون. فجميع ما يأخذه منه مائة وخمسة وعشرون، فصار جميع ما يأخذ من صاحبيه أربع مائة وخمسة وعشرون (٣)، وبقي له مما أدى بالحمالة خمسة وسبعون. ثم إن لقي ثالثًا قال له: أديت بالحمالة خمسة وسبعين عن ثلاثة، أنت أحدهم، فادفع لي ثلثها: خمسة وعشرين، ونصفَ ما
стр. 2958
يبقى مما أديته بالحمالة، لأنك معي به حميل، فجميع ما يأخذ منه خمسون، وتبقى له خمسة وعشرين (١). ثم إن لقي رابعًا قال له: بقي ما أديت بالحمالة خمسة وعشرين، هي عليك، وعلى صاحبك السدس، فأعطني نصفها: اثني عشر (٢) ونصف ما بقي وذلك ستة وربعٌ، فجميع ما يأخذه منه ثمانية عشر وثلاثةُ أرباع، وبقي له مما غرم ستةٌ وربعٌ. ثم إن لقي السادس فيأخذ منه ستة وربع (٣) وهو باقي مما وذى بالحمالة. (هذا الملحق وعليه أسقطه من كتابه وأمر بطرحه.
قال: هكذا) (٤) قال اللخمي: إن غرامة هذه الستة وربع من أصل الدين. وخالفه في ذلك ابن يونس وقال: إنما يغرم من الحمالة. وهو الأرجح عندي على ما أصلوه في هذه المسألة فالسادس إنما يغرم هذه الستة وربع (٥) ميت أصل الدين عليه لا بالحمالة؛ لأنه لم يبق يعده حميل أدى الأولُ عنه.
هذا بيان أول الحملاء الذي عدم (٦) جميع الحق في أول مرة.
ونعود بعده إلى الذي يليه وهو الثاني الذي لقيه ثلاث مائة فإنه إذا لقى الثالث الذي كان غرم للأول أيضًا مائة وخمسة وعشرون (٧) فيقول له: إني قد أديت بالحمالة من هذه الثلاث مائة التي غرمت مائتين عن أربعة، نصيبك خمسون، فيأخذها منه، وتبقى مائة وخمسون أنت معي بها حميل. فيقول هذا الثلاث (٨) قد أديت أيضًا أنا بالحمالة للأول خمسة وسبعين، نساويك في مثلها،
стр. 2959
وتبقى لك خمسة وسبعين (١) فخذ نصفها: سبعة وثلاثين ونصفًا. فجميع ما يأخذه منه سبعة وثمانون ونصف. فجميع ما وَدَّى هذا الثالث للأول والثاني مائتان وأثنا عشر ونصف وبقي الثاني يطالب بمائة واثني عشر ونصف وهو ما أدى بالحمالة، لأنه ودّى ثلاث مائة، منها عن نفسه مائة، ومائتان بالحمالة، رجع إليه ما ودّى بالحمالة سبعة وثمانون ونصف، ومائتين (٢). فالباقي له مما أداه بالحمالة، وهو مائة واثنا عشر ونصف. ثم إن لقي أيضًا الرابع الذي كان غرم للأول خمسون (٣)، فيقول له: بقي لي مما أديت بالحمالة مائة واثنا عشر ونصف على ثلاثة، أنت أحدهم، يلزمك ثلثها في خاصتك، وهي سبعة وثلاثون ونصف، فيأخذها منه، ويقول له بقيت لي خمسة وسبعون أنت معي بها حميل، اعطني نصفها، فيقول هذا الرابع: قد وديت أنا بالحمالة الأولَ خمسةً وعشرين، ساويتكَ في مثلها، وبقيت لك خمسة (٤)، فخذ نصفها فجميع ما يأخذ منه: اثنان وستون ونصفٌ. فجميع ما ودى الرابع للأول والثاني مائة واثنا عشر ونصف، وبقي هذا الثاني يطلب ما أداه بالجمالة وهو خمسون.
ثم إن لقي الخامس، فيقول له: بقي لي مما أديت بالحمالة، أيها الخامس، عنك وعن السادس، خمسون عليك نصفها خمسة وعشرون، فيأخذها منه، ويقول له: بقيت لي خمسة وعشرون أنت معي حميل بها، فيقول له الخامس: قد وديت أنا أيضًا بالحمالة للأول ستة وربعًا، ساويتك في مثلها، وبقيت لك ثمانية عشر وثلاثة أرباع، عليَّ نصفها وذلك سبعة وثلاثة أثمان.
فجميع ما ودى له الخامس أربعة وثلاثون وثلاثة أثمان، وجملة ما ودّى هذا الخامس ثمانية عشر وثلاثة أرباع، وللثاني أربعة وثلاثون وثلاثة أثمان فجميع ذلك ثلاثة وخمسون وثمن، وبقي هذا الثاني يطلب الخمسة عشر وخمسة أثمان.
стр. 2960
ثم إن لقي السادس يأخذها منه.
ثم إن لقي الثالث الذي غرم للأول والثاني مائتين واثني عشر ونصفًا لقي الراببم فقال: بقي لي مما وديت بالحمالة مائة واثنا عشر ونصفًا عن ثلاثة، أنت أحدهبم، فأعطني ثلثها وهو سبعة وثلاثون ونصف، فيأخذها منه، ويقول له: بقي لي مما أديت بالحمالة خمسة وسبعون، أنت معي بها حميل، فيقول له هذا الرابع: قد وديت أنا أيضًا بالحمالة للأول خمسة وعشرين، وللثاني خمسة وعشرين، فذلك خمسون ساويتك بمثلها، وبقيت لك خمسة وعشرون فخذ نصفها اثني عشر ونصفًا فيصير جميع ما يأخذه منه خمسين، وجميع ما ودى هذا الرابع للأول وللثاني وللثالث مائة واثنان وستون نصف.
ثم إن لقي الخاص فيقول له: بقيت لي مما وديت يالحمالة اثنان وستون ونصف، عنك وعن السادس، عليك منها نصفها: أحد وثلاثون وربع، فيأخذها منه، ثم يقول له: بقي لي أحد وثلاثون وربع، أنت معي بها حميل، فيقول له عذا الخامس: قد وديت أيضًا للأول ستة وربعًا، وللثاني تسعة وربعًا وثمنًا،
وذلك خمسة عشر ونصف وثمن ساويتك فيها. وبقيت لك خمسة عشر ونصف وثمن أيضأ عليّ نصفها سبعة وثلاثة أرباع ونصف ثمن، فيدفعها إليه فيصير جميع ما أخذ منه سبعة وثلاتون ونصف ثمن، ويصير جميع ما ودّى هذا الخامس للأول وللثاني اثنين وتسعين وثمنًا ونصف ثمن.
ثم إن الثالث إن لقي السادس فيقول له: بقي لي مما وديت عنك بالحمالة ثلاثة وعشرون وربع ونصف ثمن، فيأخذها منه، فيذهب وقد غرم مائة.
ثم إن الرابع الذي غرم للأول وللثاني وللثالث مائة واثنين وستين ونصفاَّ لَقي الخامس فيقول له: بقيت مما وديت بالحمالة اثنان وستون ونصف عنك وعن السادس عليك نصفها: أحد وثلاثون وربع، فيأخذها منه ثم يقول له: بقيت لي أحد وثلاثون وربع، وأنت معي بها حميل. فيقول له الخامس: فقد وديت أنا أيضًا بالحمالة للأول والثاني والثالث ثلاثة وعشرين وثلاثة أثمان
стр. 2961
ونصفَ ثمن، ساويتك فيها، وبقيت لك سبعة وستة أثمان ونصف ثمر، علي نصفها: ثلاثة وسبعة أثمان وربع ثمن، فيأخذها منه، فيصير جميع ما يأخذه الرابع من الخامس خمسة وثلاثون وثمن وربع ثمن، وجميع ما ودى الخامس للأول والثاني والثالث والرابع مائة وسبعة وعشرون وثلاثة أرباع ثمن. وبقي الرابع يطلب سبعة وعشرين وربعًا وثلاثة أرباع ثمن.
ثم إن لقي السادس فيأخذها منه، فيذهب وقد أخذ مائة.
ثم إن الخامس لقي السادس وقد كان ودى للأول والثاني والثالث والرابع مائة وسبعة وعشرين وربعًا وثلاثة أرباع ثمن، عليه منها مائة، بقي يطلب سبعة وعشرين وربعًا وثلاثة أرباع ثمن، فيأخذها من السادس، فيذهب وقد غرم مائة.
فيذهب السادس وقد غرم مائة: للأوّل ستة وربع، وللثاني خمسة عشر وخمسة أثمان، وللثالث ثلاثة وعشرون وثلاثة أثمان ونصف ثمن، وللرابع سبعة وعشرون وربع وثلاثة أرباع ثمن، وللخامس مثلها، جميعُ ذلك مائة.
فقد خلص من ذلك أن كل واحد منهم إنما غرم مائة وكمل حسابها. وقد ذكرنا عن المدونة أن قوله: كل اثنين حميلان بجميع المال عن أصحابهما، أو عن اثنين، أو عن واحد، أو على أن كلّ واحد حميل بنصف جميع المال، فذلك كله سواء. فإن لقي رب المال اثنين منهم أخذ كل واحد منثهم بثلاثمائة، وإن لم يلق إلا واحدًا أخذه بثلاثمائة وخمسة (١): مائة منها عليه من أصل الدين، ومائتان وخمسون بالحمالة, لأنه بنصف ما بقي كفيل.
ولو قال: على أن كل ثلاثة حميل بجميع المال، فإن لقي واحدًا أخذه بمائة عن نفسه وبثلث ما بقي.
ولو لقي ثلاثة وأخذ منهم جميع المال، فلقي أحدهم واحدًا من الذين لم يغرموا فإنه يقول له: أديتُ بالحمالة مائة عن ثلاثة، أنت أحدهم، فأعطني ثلثها
стр. 2962
عن نفسك، ونصفَ باقيها بالحمالة عن الباقين. ثم إن لقي الآخرَ لذلك أخذ الثلاثة الغارمين معه رجل عليه بنصف ما فضله حتى يكونا في الغرم سواء. فإن اقتسما ذلك ثم لقيا الثاني الذي غرم معهما. أوّلًا دخل معهما فيما في أيديهما من قِبَل الثالث المرجوع عليه حتى يصير ما أخذ الثالث بينهم أثلاثًا.
وهذا يوضح لك ما تقدم أن محصول الأمر متى لقي إنسان منهم إنسانًا آخر أن يساويه فيما أدّى وفيما أخذ من غيره من جملة الحملاء.
والجواب عن السؤال السابع عشر (١) أن يقال:
ذكر في المدونة في رجل له على رجل ألف درهم من قرض وألف دينار من حمالة، فدفع له ألفًا ثم اختلفا بعد دفعها، فقال القابض: هي الكفالة، وقال الدافع: إنها من القرض. يذكر عن مالك أنها تقسم بين الحقين نصفين. وذكر عن غيره أن القول قول المقتضي مع يمينه؛ لأنه هو ثمن (٢) مدعى عليه.
فاعلم أن هذه المسألة أو ما يُيدَأ فيها بذكر فائدة اختلافهما في ذلك.
وهذا تظهر فائدته إذا كان الغريم المتحمَّل عنه، والحميل الذي تحمل به موسرين؛ لأنه يقول القابض: إنها إنما أخذتها من الكفالة كرامة منه في مطالبته المكفول به، وخفة طلب الكفيل بما عليه من قرض. وقد صرح ابن المواز باسم الغير الذاهب إلى أن القول قول القابض، فقال: هو مذهب عبد الملك، واحتج بأنه مؤتمن. وذكر عن أشهب أنه ذهب إلى ذلك أيضًا، وقال: القول قول المقتضي، لكنه خالف عبد الملك في الحجة، واعتلّ بأن الدافع (٣) قضاء ما ذكر أنه قضاه من الحقين، والقابض منكر لأخذ هذا الحق، فصار القول قول المنكر
стр. 2963
المدعى عليه. واختار ابن المواز تعليل ابن الماجشون. وهذا يُلتَفت فيه إلى ما قدمناه مرارًا في كتاب البيوع وفي غيرها من أصل ابن القاسم، وأصل أشهب في تبعيض حكم الإقرار، كالقائلَ: لك عندي فائة دينار وديعة، وقد ضاعت، فهي منك. ويقول الآخرة بل سلفًا أخذتَها مني فضياعها منك. فإن ابن القاسم يبعض حكم الإقرار، ويراه مقرًّا لإنسانٍ يقال، وخصص إقراره بأحد الأحوال التي يؤخذ عليها المال، فقال: أخذت منك مائة دينار وديعة، والوديعة وصف من أوصاف هذه المائة، فاقتضاؤها على هذا الوصف دعوى منه. وأصل أشهب أنه لا يؤخذ بأكثر مما أقرّ به على الصفة التي أقر بها، والتقييد الذي قيد قوله به، فكذلك ها هنا القابض يقول أخذها من الكفالة أو من القرض، فصار تقييده لا يؤخذ فيه بأكثر مما أقرّ به.
وأمّا مالك ﵁ وابن القاسم فذهبا في هذه المسألة إلى أن كل واحد منهما يحلف، فإذا حلفا قسم المقبوض بين الكفالة والقرض، ورأيا أن ليس أحدهما أحرى بالتصديق من الآخر لأن الدافع كان المال في يديه، ولا يخرج من يده إلا على الصفة التي يقول: إني أخرجت هذا المال عليها, ولا يؤخذ بغير ما أقرّ به. وكذلك القابض يقول: أخذته على صفة كذا فلا يؤخذ أيضًا بأكثر مما أقر به. فإذا تساويا في ابدعوى على هذا الأصل، ولم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر وجب قسم هذا المال بينهما كما (١) ليس في يد أحد، ادعاه رجلان فإنه يقسم بينهما. وهذا إذا ادعى كل واحد منهما (٢) قد بيّن حين الدفع الوجه الذي دفع عليه من قضاء دين أو قضاء ما وجب بالحمالة. فأما إن اتفقا على أن كان الدفع منهما (٣) ولم يقع بيان لارتفع الخلاف الذي قدمناه بين مالك وبين عبد الملك وأشهب على ما ذكره ابن المواز، وذلك لما أشرنا إليه من كون ما ادعاه أحدهما وحلف عليه ليس بأرجح مما ادعاه الآخر وحلف
стр. 2964
عليه فإذا تحالفا لما زعم كل واحد منهما أن البيان قد وقع حين الدفع وجبت التهسمة، فكذلك أيضًا إذا اتفقا على الإبهام المانع من اليمين وجبت أيضًا القسمة.
وكأن أشهب وعبد الملك رأيا أنه إذا زعم كل واحد منهما أنه قد بين حين الدفع تصور في المسألة مدع ومدعى عليه، والمدعى عليه هو القباض، فقيل (١) قوله مع يمينه. وإذا اتفقا على الإبهام خين الدفع واستحال في المسألة مدع ومدعًى عليه، والدفع محتمل فوجب القسمة بين محتملين.
وتعليل عبد الملك بأن القول قول القابض لأنه مؤتمن، فلاحظ أحد أقوال مالك ﵁ في اختلاف المتبايعين في الثمن: إن القول قول المشتري إذا قبض السلعة وبان بها, لأنه رآه كالمؤتمن على ما يدفع من الثمن، وكأن البائع لما دفع السلعة للمشتري من غير إشهاد، وهو يجوّز مخالفته في مقدار الثمن، صار ذلك كالتصديق له فيما يدعيه من الثمن.
وإن كان هذا التعليل عندي في هذه المسألة ضعيفًا, لأنه يقتضي أنهما لو اختلافا في جنس الثمن لكان المشتري أيضًا مصدَّقًا فيه لأنه كالمؤتمن، وهذا لم يقله مالك ﵁.
هذا الحكم إذا اتفقا على البيان حين الدفع واختلفا في صفته، واتفقا (٢) على الإبهام وعدم البيان.
فأمّا لو اختلفا في ذلك فقال: أحدهما: لم يقع بيان حين الدفع، وقال الآخر: بلِ وقع البيان. فإن ابن المواز حكى عن أصبغ أن القول قول من ادعى البيان. قال ابن المواز وهذا خلاف لابن القاسم وهو مذهب أشهب وعبد الملك. فأشار بعض الأشياخ إلى معنى المخالف (٣) من أصبغ لابن القاسم أن مقتضى أصل ابن القاسم أن تجري المسألة على حكم التداعي فيما يحوزه
стр. 2965
رجلان، كثوب حائز به، قال أحدهما هو لي كله، وقال الآخر: بل نصفه. فإن مذهب ابن القاسم أن المدعي في النصف قد سلم النصف الآخر لمدعي الكل، وبقي النصف، فمدعي الكل يدعي جميعه، ومدعي النصف يدعيه ولا يدعي أكثر منه، فوجب أن يقسم بينهما جميعًا، فيكون ثلاثة أرباع الثوب لمدعي الكل، وربعه لمدعي النصف. فكذلك من يزعم ها هنا أن الدفع وقع مبهمًا، فإنه يسلّم أن الحكم يقتضي كون المال يقسم نصفين بين الحقين، فقد سلم أحدَ النصفين لمدعي البيان، والنصفُ الآخر يشتركان في الدعوى فيه، فمدعي البيان يدعيه ويقول: شرطت حين الدفع أنه أحد الحقين وسميتُه، والذي زعم أنه وقع مئهمًا إنما استحقه بمقتضى حكم الإبهام، فيقسم بينهما نصفين.
وهذا التخريج مما يتأمل, لأن (يدعي الكل ومدعي النصف تصريح) (١) كل واحد منهما قد صرح بدعواه، وهاهنا مدعي الإبهام لم يصرح بأنه لا يستحق إلا النصف، وأن الاسم (٢) الآخر مسلم لمدعي البيان، وإنما الأحكام على قوله أوجبت قسمة المقبوض نصفين، فهو غير مسلم إلى مدعي البيان أنه يستحق النصف قطعًا بل الأمر عنده محتمل، ولأجل احتماله أوجبت الأحكام القسمة فلا يكون مصرحًا بتسليم النصف لمدعي البيان فهذا مِمّا ينبغي أن يتأمل.
وأما قول ابن المواز إنه مذهب أشهب وعبد الملك فهذا أشد إشكالًا مَن الأول، فإن كان مدعي الإبهام هو القابض فمقتضى ما حكيناه عنهما أن القول قول القابض فيصح ما قال ابن المواز, لأن أشهب وعبد الملك يزعمان أن القول قول القابض. وأما إن كان مدعي الإبهام هو الدافع ومدعي البيان هو القابض فمقتضى ما حكيناه عنهما أن القول قول القابض، ولا يتصور ها هنا، على أصلهما، قسمة المال، كما أشار إليه أصبغ. وقد ذكرنا في صدر هذه المسألة فائدة اختلافهما في هذا، وهو اختلاف الأغراض في طلب الدين الذي هو قرض
стр. 2966
أو الحق الذي هو بالحمالة. وكذلك أيضًا إنما يفيد تصور القسمة واختلافهما إذا كان الغريم المتحمل بالدين الذي عليه موسرًا الآن، ومعسرًا حين الدفع، على القول بأن من له الحق لا يمكّن من طلب الحميل إلا عند تعذر استيفاء الحق من الغريم. فإن، ها هنا، يقول الدافع: إنما دفعتها مما وجب لك عليّ.
وأما إذا كان الغريم الذي تحملت بما عليه موسرًا يوم دفعى إليك، فلم تجب لك عليّ حينئذٍ المطالبة بالحمالة، وكذلك هو موسر الآن، فلا تجب عليّ أيضًا المطالبة بالحمالة الآن. فإنه ها هنا لا يقسم المال، ويكون القول قول الدافع.
وأمّا على القول بأن الحميل يُطلب مع إمكان أخذ الحق من المتحمَّل عنه، فإن القسمة (١) ها هنا تصح لكون الحقين جميعًا قد وجب أداؤهما ..
وأما لو كان الغريم المتحمَّل عنه موسرًا حين الدفع عنه، ومعسرًا الآن، فلا فائدة في القسمة ها هنا, لأنه يجب عنه الآن الأداء لعسره، فلا فائدة للدافع في كون ما دفع مقسومًا لوجوب قضاء الحقين عليه.
وإن كان الغريم موسرًا يوم (٢) الدفع ومعسرًا الآن، لم تفد القسمة لوجوب الحقين جميعًا على الرجل الذي عليه القرض، وعليه: أي ما تحمل به لكون من تحمل به معسرًا.
ولو كان (يعكس بذلك يكون) (٣) الغريم معسرًا يوم الدفع وموسرًا الآن، وقلنا: إن المتحمل (٤) له مطالبة الحميل.
وإن كان الغريم موسرًا فإنه أيضًا لا فائدة في القسمة لأن القابض يقول للحميل: لي طلبك بالحمالة، وإن كان من تحملت عنه حاضرًا موسرًا.
وما ذكرناه من القسمة أيضًا إنما يصح إذا كان القرض والحمالة قد حلاّ
стр. 2967
جميعًا ولم (١) يحلا، وأصلنا لو حل أحدهما دون الآخر فإنه لم يختلف أيضًا وأن القول قول من زعم أن المقبوض مِمّا حل لا مما لا يحل, لأن ما حل قد وجب فيصرف القضاء إليه، وما لم يحل لم يجب، فلا يصرف الدفع إليه.
فتلخص من هذا أن مَن له الحق إذا استحق طلب كل واحد من المدينين لم يجر اختلافهما في النوع الذي قصد في القضاء، ومتى لم يستحق الطلب بأحد النوعين حمل ما دُفع على ما استحق أخذه لأنه يدعي عليه أنه يتطوع بما لم يلزم، فيكون القول قولَه في أنه لم يتطوع.
وعلى هذا أيضًا يجري ما قلناه: إن الحقين إذا حلاّ فقد وجبا جميعًا، وإذا لم يحلا فقد تساويا أيضًا في نفي الوجوب، وإن حل أحدهما، فالذي حل قد وجب والذي لم يحل لم يجب، فلا يحمل بما دفع على التطوع وقضاء ما لم يجب.
هذا هو المنصوص في الموازية، كما قدمناه، وقد سلمه بعض أشياخي.
ولكنه قدح في كون الحقين لم يحلا، ورأى صرف القضاء إلى القرض، لكون الحمالة لم تجب، فيقول الدافع: تطوعت بقضاء ما عليّ دون ما ليس على.
وهذا الذي قاله لا يتضح, لأنه متطوع بالتعجيل في الحقين جميعًا.
ومما يلحق بهذا الذي نحن فيه (أن رجلًا لو) (٢) كان له ذكر حق على رجلين وقد شرط: أيهما شاء أخذه بحقه. فقال: لم يبق لي عليهما حق، فإن وصل هذا الكلام بأن قال: لأن فلانًا منهما أخذته بجميع الحق، وهو دفع جميعه إليّ. واتفق الغريمان على أنهما لم يقبض منهما سوى مائة دينار واحدة، وهي جميع الحق لأن الدفع كان بمحضرهما جميعًا، فقد أسقطا عنه المطالبة، والادعاء عليه، وصارت الدعوى مترددة بينهما. فإن كان واحد منهما يقول
стр. 2968
لصاحبه: أما (١) كنت الدافع إليه. فيقبل إقراره أن فلانًا منهما هو الدافع إليّ، وإن لم يكن عدلًا, لأنه لو أنكر الدفع أصلًا لكان القول قوله. فإذا أقر به لأحدهما فقد سقط حقه عنهما وسقط حقهما عنه في أن لا يطالباه في إقرارهما في أنه ما أخذ أكثر مِمّا وجب له، فتبقى الدعوى مترددة بين الغريمين، فيحلف المقر له بأنه هو الدافع لصاحبه، وأن صاحبه لم يدفع من الحق، فيستحق بيمينه الرجوع بنصف ما دفع على صاحبه, لأن الدفع ثبت له بإقرار المقر له وصار صاحبه مدعيًا عليه أنه قد سقط عنه ما قضى عنه، فلا تقبل دعواه إذا حلف المقَر له. فإن نكل المقَر له، وحلف الآخر، كان هو المستحق الرجوع بنصف الحق على المقَر له, لأنه يقول: أنت تعلم أني أنا الدافع، والمقِر لك أقر بباطل، فإذا لم تحلف على دعواي، فقد رددت اليمين عليِّ فيحلف (ويستحق ما تقتضيه دعواي عليك) (٢). وكذلك لو كان المقر نسقًا (٣) قولَه: فأبقى (٤) لكما عليَّ شيء، بقوله: وفلان منكما هو الدافع إلى فلان، فإن القول قوله في أن الآخر لم يدفر إليه شيئًا. ولكن إذا لم يحضرا جميعًا الدفع ولا عِلْم عند أحدهما ببطلان ما ادعاه صاحبه، فإنه لا يصح أن يكون ها هنا شاهدًا لمن أقر له, لأن الآخر مدعًى عليه بأنه دفع إليه فأنكره، فلا يكون إنكاره شهادة على من ادعى عليه، ولكن يحلف له على أنك لم تدفع إلى شيئًا. فإذا حلف له سقطت دعواه، ووجب أن يرجع المقَر له بنصف ما دفع على صاحبه هذا الذي ادعى الدفع وحلف له جاز ادعى ذلك عليه.
ولو نكل المقرُّ صاحبُ الحق عن اليمين لهذا الذي ادعى عليه أنه دفع إليه لأخذ منه المائة دينار التي ادعى عليه، ودفر منها خمسين إلى صاحبه الذي أقر له صاحب الحق بأنه هو الذي دفع جميع الحق إليه.
стр. 2969
وأمّا لو قال: ما بقي لي عليهما شيء، ثم قال، بعد ذلك، لما سئل: فلان منهما هو الذي دفع ذلك إليّ، فإن ابن القاسم أطلق الجواب فقال: صاحب الحق شاهد، فإذا كان عدلًا حلف معه من أقرَّ له، واستحق الرجوع على صاحبه. ولم يقتد قولَه هذا يكون المقِر عيَّن مَن دفع إليه متصلًا بقوله الأول أو منفصلًا. فكأنه أشار بهذا إلى أن قوله ما بقي لي عليهما شيء. ظاهر هذا القول يقتضي أنهما جميعًا دفعا إليه, لأن أصل الدين عليهما جميعًا وإنما شرط الطالب لهما أن يطلب من شاء منهما فكأنه إذا أخذ منه الجميعَ فقد أخذ نصف ذلك عن الدين الذي على الدافع إليه والنصف الآخر بالحمالة عن صاحبه، والأصل أن الإنسان إنما يُطلب بما عليه في نفسه. وقوله بعد الانفصال من قوله الأول: فُلانٌ منهما هو الدافع، فكأنه كالرجوع عن مقتضى قوله الأول، وقد اقتضى قوله الأول كونَ الدفع منهما جميعًا، فيكون على مقتضى هذا التعليل بريان جميعًا من طلبه إذا لم يكن يعينه لأحدهما نسقًا بقوله الأول. فإذا لم يحضر كل واحد منهما دفع صاحبه وحلف لمن أنكر أن يكون هو الدافعَ إليه، وحلف أيضًا هذا الذي أنكرهُ أن يكون دفع إليه على أنه دفع إليه ما ينوبه بحسب ما اقتضاه كلامه الأول. (ويرى ولا رجوع لأحد الغريمين على صاحبه إذا وقعت الأيْمان بينهما) (١) وإذا كان الكلام والتعيين متصلًا بقوله الأول، ولم يكن عدلًا، حلف كل واحد من الغريمين لصاحبه. وإن كان عدلًا قُبلت شهادته في التعيين لارتفاع التهمة عنه في شهادته إذا اتفقا على أنه لم يقبض سوى مائة واحدة. فصار محصول قوله أنه شهد يكون أحدهما استحق أن يرجع على صاحبه بنصف الذي قضاه عنه. وإذا لم يتفقا على ذلك صار كل واحد منهما مدعًى عليه فلا تقبل شهادته عليه. وإذا لم يكن الكلام منسوقًا أعطى الجملة الأولى وهي قوله: ما بقي لي عليكما شيء أظهر محتمليها عنده وهو كون الدفع منهما جميعًا.
стр. 2970
وإذا عين بعد ذلك من دفع إليه، ولم يتفقا على إبرائه، طلباه بمقتضى قوله الأول، وكان الحكم ما ذكرناه.
ويتخرج على أصل المذهب قول آخر أنه يقبل قوله في التعيين كان ذلك منه متأصلًا (١) بكلامه الأول، أو منفصلًا عنه, لأن اللفظ المحتمل يُقبل تفسير قائله له، فسره متصلًا أو منفصلًا.
وهذا هو التحقيق على مقتضى الأصول، إلا أن يكون أحد محتمَليْ الكلام أظهر من الآخر فينظر في قبوله (٢) تفسيره إذا لم يكن متصلًا.
ومما يلحق بهذا اختلاف من له الحق مع الحميل في الجنس الذي تحمل به، مثل أن يقول الحميل: تحملت لك بألف درهم، ويقول المتحمَّل له: بل تحملت لي بخمس مائة دينار. ويكون الفتحمل عنه صدّق مَن له الحق، فإنه ها هنا يكلف الحميل إخراج الألف درهم من ذمته التي أقر بها للطالب، ويشتري بها ما يدعيه الطالب. فإن وفت بخمس مائة دينار سقط حق الطالب، وبرِىء الحميل، وتبقى المطالبة بين الحميل وبين من تحمل عنه. فإذا غَرِم المتحمل عنه ما أقرّ به من الخمس مائة دينار، التي ادعاها الطالب عليه، بيعت أيضًا واشتري بها الألف درهم التي غرمها الحميل عنه. فإن وفّتْ برىء كل واحد من طالب ومطلوب وحميل، وإن زادت لم يستحق الحميل هذه الزيادة لأنها أكثر مما أداه عن المتحمل عنه، وترجع للغريم. وإن انقضت (٣) عن الألف درهم التي أداها الحميل حلف المتحمل عنه أنك لم تتحمل عني بالألف درهم التي أديت عني، بل بما أقررتُ به وبرىء من النقص. وإن نكل حلف الحميل واستحق وطالب بهذا النقص من أداه عنه.
ولو اختلف الثلاثة فقال الحميل: تحملت بألف درهم، وقال الطالب: بل
стр. 2971
بخمسمين دينارًا، وقال الغريم المتحمَّل (عنه ابنا علي) (١) مائة إردب قمح، فإن القول قول الغريم، فيما يقر به فيؤخذ منه القمح، ويباع، فإن وفّى الخمسين دينارًا التي ادعاها الطالب، وإذا سقط حقه برىء الحميل لسقوط حق الطالب لهما، وسقطت الأيْمُنُ عن جميعهم. وإن كان القمح إذا بيع لم يبلغ ثمنه الخمسين دينارًا التي ادعاها الطالب، ولكنه بلغ الألف التي أقر بها الحميل، أُخّرت يمين الحميل رجاء أن ينكل الغريم عن اليمين فيغرم للطالب ما ادعاه إن كان موسرًا. وإذا حصل الطالب على من (٢) ادعاه سقطت اليمين عن الحميل.
فإن لم يحلف ونكل عن اليمين، أو كان معسرأوحلف، فهاهنا ينتقل الحكم في النظر فيما بين الطالب وبين الحميل، فيكون القول قول الحميل فيما تحمل به، فمن حق الطالب أن يحلفه عن بقية ما قصرت عنه الألف درهم إذا أشترى بها دنانير فلم تبلغ الخمسين دينارًا التي أدعاها الطالب، ومن حق الحميل أن يحفف الغريم أيضًا إذا قصر (عن ما أخرجه عن ما أداه الطالب) (٣). والغرض من هذا أنه متى قدر على رقع الأيمان وتقليلها برىء من ذلك متى قدر عليه، كما تقدم في كتاب الدعاوي والأيمان.
ومما يلحق باختلاف الحميل والمتحمَّل له: رجل تحمل لرجل بدنانير له على رجلين، فأتاه بأحد الدينين ليقضيه عن أحد الغريمين، فقال المتحمل له: لا أقبضه إلا على الغريم الآخر، فقال في الموازية: القول قول المتحمل له، إلا أن يكون المطلوب مخوفًا (٤) فيكون الذي أتى به الحميل مقسومًا. ولم يبيّنْ عن ما مراده بقوله: المطلوب، هل أراد به الحميل أو أراد به أحد الغريمين؟ ولا
بيّن أيضًا هل الحميل موسرٌ بالدينين جميعًا، أو ليس هو موسرًا إلا بأحد الدينين الذي للمتحمّل له. قد حمل بعض الأشياخ على ابن المواز مراده بالمطلوب أحد
стр. 2972
الغريمين، وأن مراده أيضًا كون الحميل غير موسر إلا بأحد الدينين: فأما تأويله أن المراد أنه غير موسرٍ إلا بأحد الدينين فإن الحميل إذا كان موسرًا بالدينين جميعًا، والغريمان معسران، لم يكن لاختلافهما عمّن يكون القضاء فائدة, لأنه إذا قبضه (١) المتحمل له عن الغريم الذي قال: لا أقبض منك إلا عنه، طلبه بالقضاء عن الآخر. وإن كان الغريمان موسرين، فكذلك أيضًا، إذا قلنا بأحد قولي مالك أن له طلب الحميل مع يسر الغريم. فيصح ها هنا أيضًا أن القول قول من له الدين: إني لا أطلبك إلا عمّن شئتُ أنا دون من شئتَ أنت.
وكذلك إذا كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا وقلنا: له مطالبة الحميل بالقضاء عن الموسر، صار في حقه كأنهما معسران. وإن قلنا: ليس له مطالبته فمن دعا منهما إلى كون القضاء عن المعسر، قبل ذلك منه. وبالجملة فإن الذي له الدين يجب أن يكون هو المبدَّأ في قبول القول لأنه حق له يطلبه ممن شاء.
لكن إن ظهر غرض وفائدة في اختلافهما فيمن يقضى عنه من الغريمين فكأن لمن له الدين فائدة فيمن اقترح أن يكون القضاء عنه، وللحميل فائدة فيمن اقترح أن يكون القضاء عنه، كان العدل بينهما قسمةَ المال بين الغريمين كما يقسم الم الذي التفليس بين الغرماء.
وإذا اشترى الغريمان في الزمن الذي ينتظر يسيرهما إليه لم تظهر فائدة أيضًا للحميل فيما دعي (٢) إليه. لكن إذا ادعى (٣) إلى كون القضاء عن أقربهما يُسْرأ، فقد يكون له في ذلك غرض أن يصرف له الآن مما في يديه مقدار ما يترك للمفلس من الإنفاق على استبعاد هذا الغرض.
ومما يلحق بهذا أيضًا: إذا غاب الغريم فقضى الحميل عنه الدين بعد حلول أجله، ثم قدم الغريم فأثبت ببينة أنه كان قضاه أيضًا قبل سفره فإن رجوع
стр. 2973
الحميل ها هنا بما قضاه إنما يجب له على من قضاه له، وهو المتحمل له، لا على من فضاه عنه, لأن دفع الحميل يعد قضاء الغريم خطأ منه على نفسه، وأداء ما لا يلزمه أداؤه، ولا تكون له مطالبة على الغريم لأنه أدى عنه ما لا يلزمه، وقد سقط بأداء الغريم له. وإن ثبّت الحميل دفع (١) بعد حلول الأجل، قبل أن يدفع الغريم كان له الرجوع بما دفع على الغريم، لكونه دفع عنه مالًا يلزمه، والغريم هو الذي غلط على نفسه فدفع ما لا يلزمه.
وأما إن عُلم بالدفع منهما وجُهلت التواريخ لم يجب للحميل رجوع على الغريم مع الشك في كونه يستحق الرجوع عليه أو لا يستحق، إلا أن يكون دفعه بقضية من سلطان فيرجع على الغريم.
وهذا الذي ذكره في الرواية من كونه يرجع على الغريم مع الشك إذا كان الدفع بقضية من السلطان لا يتضح وجهه إلا أن يكون قدّر أن السلطان، لما قضى عليه بالدفع لمن له الدين، تضمنت قضيته هذه أنه قضى له بالرجوع عن الغريم، فلا تنتقض قضية السلطان بالشك، بخلاف إذا لم تكن هناك قضية وإنما تطوع الغريم بالدفع.
والجواب عن السؤال الثامن عشر (٢) أن يقال:
إذا حل الدين فأخّر من له الدين غريمه الذي عليه الدين، فلا يخلو أن يكون الغريم عند التأخر (٣) معسرًا أو موسرًا.
فإن كان الغريم معسرًا لم يكنَ ذلك إسقاطًا لحمالة الحميل الذي تحمل بالدين, لأنه أخّر به من لم يجب له عليه بعسره وهو الغريم، وقد وجب له أخذ الدين من الحميل فلا يكون عدوله عن طلب ما لا يفيده طلبه وهو الحميل
стр. 2974
الموسر. وأمّا إن كان الغريم حين التأخير موسرًا، فهل يكون تأخيره إسقاطًا لحمالة الحميل أم لا؟ في هذا قولان: فذهب اين القاسم في المدونة أن ذلك لا يكون إسقاطًا لحمالة الحميل. وقال غيره: بل هو إسقاط لحمالة الحميل ..
واعلم أن هذا الاختلاف إنما هو راجع إلى اختلاف في شهادة العوائد وما تقتضيه. فلو نص من له الدين حين تأخير الغريم على أنه أسقط الحمالة عن الحميل لم يكن له رجوع عن ذلك.
ولو نصر على أنه بتأخير الغريم غيرُ مسقط لحمالة الحميل لم تسقط الحمالة مع اشتراطه ما اشترط.
فإذا لم ينص عن هذا ولا عن هذا، وإنما أخر الغريم تأخيرًا مجردًا، فذلك عند ابن القاسم أمر محتمل للقسمين جميعًا، فلا يسقط حقه في الحمالة مع الشك. ورأى الغير أن ذلك في العادة إنما يكون مع إسقاط الحمالة لكونه قَدَر على أخذ دينه من الغريم فأخذه (١)، وقد علم أن ذلك مما يضر بالحميل، لجواز أن يُفلَّس الغريم قبل حلول الأجل الثاني فيطلب الحميل بالغرامة، وقد كانت ساقطة عنه على أحد القولين، أَوْلَه بها مرجع فدل ذلك على أنه قصد بتأخير الغريم رفع هذا الغرر عن الغريم.
ومن أشياخي مَن تأول هذا الخلاف على أن الغريم لم تتغير حالته، بلَ كان موسرًا يوم تأخيره، وموسرًا عند الأجل الثاني عند استحقاق الطلب.
وأما لو كان موسرًا عند التأخير ثم أفلس، فإنه يبعد الخلاف في ذلك، لأنه كمُتلفٍ مالَه بنفسه فلا مطالبة له عن الحميل.
وعلى الطريقة الأولى التي عللت بها وهي طريقة بعض أشياخي أيضًا لا يفتقر إلى هذا التأويل الذي ذكرته عن بعضهم. وَهذا إذا لم يعلم الحميل بالتأجيل فرضيه.
стр. 2975
وأمّا لو علم به فأنكره لكان من حقه ذلك ويقال للمتحمَّل له: إما أن تُسقط الحمالة فيصح لك التأخير. وإمّا أن تتمسك بها فلا يُمكن من التأخير لحق الحميل ونفي الضرر عنه بالتأخير ولو لم يعلم الحميل بالتأخير حتى حل الأجل الثاني لم تسقط الحمالة عنه، ولكنه يحلف عند ابن القاسم: أنه ما كان ذلك منه رضي بإسقاط الحمالة، إذا أنكر ذلك الحميل بعذر التأخير. وأوجب اليمين عليه أشهب: أنه لم يقصد بتأخير الغريم إسقاط الحمالة. وهذه يمين تهمة فإذا قويت التهمة قوي الاستحلاف، وإذا ضعفت ضعف الاستحلاف. وأمّا إن أخر الحميلَ فليس ذلك بتأخير للغريم, لأنه لو أسقط عنه الحمالة بالكلية لبم يسقط الدين على الغريم.
فكذلك إذا أخر عن الكفيل الطلب لم يكن ذلك تأخيرًا للغريم لأنه يتصور ها هنا إلى الرفق بالحميل والإحسان إليه بالتأخير لما أحسن هو بتحمل ما لا يلزمه، لكنه يحلف أيضًا: لم يرد بتأخير الكفيل تأخير الغريم. فإن نكل عن هذه اليمين لزمه تأخير الغريم أيضًا، بناء على الأصل في أيمان التهم: أن النكول عنها يوجب غرامة ما نكل عنه. وقد وقع لمالك ما يشبه ما نحن فيه: في رجل عليه دينان لرجل، أحد الدينين بحميل والآخر بغير حميل، فمات الذي عليه الدين، وترك مَا لَا يفي بالدينين، فإن الذي ترك يقسم بين الدينين، ويُطلب الحميل بما بقي عليه من الدين الذي تحمل به بعد ما أُخِذ من التركة ما أسقط عنه بعضَ ما تحمل به. فسأل بعضُ الورثة من له الدين أن (يحال إلى) (١) الميت مما بقي عليه من الدين، ففعل، فإن ذلك ليس بإسقاط عن الحميل ما بقي من الحمالة، بعد أن يحلف أنه لم يرد بما فعل إسقاط الحمالة. وهكذا حكى ابن المواز أيضًا عن أشهب عن مالك في ورثة سألوا من له الدين أن يحالل الممت بما عليه، أن ذلك لا يكون إسقاطًا للحمالة عن الحميل بهذا الدين، إذا حلف من له الدين أنه لم يرد إسقاط الحمالة، قال ابن المواز في هذا. وفي موضع آخر قال: في هذا
стр. 2976
شيء. فأشار إلى قدح في هذا الجواب.
وصرح بعض المتأخرين بما أشار إليه ابن المواز فقال: تسقط الحمالة عن هذا الحميل إذا حالل من له الدين الميتَ, لأن معنى التحليل ها هنا إسقاط الدين على كل، سقطت (١) الحمالة بما سقط, لأنها فرع عن ثبوت الدين في الذمة، فإذا بطل الأصل بطل الفرع.
وهذا الذي أشار إليه ابن المواز من القدح، وصرح به بعض المتأخرين، يسبق إلى النفس صحته، وأنه لا وجه لما وقع في الرواية. لكن عندي المخرج من هذا أن الناس يعتقدون أن من له الدين يطالب به من له عليه في الآخرة، ويؤكد اعتقادَهم هذا قوله ﵇: "نفس المؤمن مرتهَنة بديْنه حتى يُقضى عنه" (٢) فأشار إلى أحكام الآخرة، وأن مَن مات وعليه دين كان الأمر فيه هكذا، وامتنع من الصلاة عليه حتى يقضَى دينه، كما تقدم ذكر هذا الحديث وما يتعلق به من مسائل الخلاف مبسوطًا.
فإذا تقرر هذا وأمكن أن يريد من له الدين لما سئل في أن يحلل الميت الذي عليه الدين أن يؤيد بتحليله أن لا مطالبة عليه في الآخرة، وأسقط إثم المطل عنه إن كان مَطَله. وهذا مما يختص بالغريم الذي قد صار إلى الآخرة دون الحميل الذي هو حي، ويقضى عليه في الدنيا بأحكام المعاملة، حلف من له الدين أنه لم يرد إلا أحد الوجهين وهو التباعة في الآخرة دون الدنيا، وبقي الحميل مطلوبًا بما تحمل به، فلا يسقط عنه بالشك والاحتمالِ أمرٌ قد كان وجب عليه بيقين.
والجواب عن السؤال التاسع عشر (٣) أن يقال:
стр. 2977
إذا تحمل رجل لرجلين بدينين لا شركة بينهما فيه، فقضى أحدَهما، فلا مدخل للغريم الآخر معه، إذا كان الغريم مليئًا بجميع الدينين (١).
وإن قضى أحد الغرماء وقد أحاط الدين نجماله، فقد قدمنا اختلاف قول مالك.
وتأول بعض الأشياخ أن هذا الاختلاف إذا قضى جزءًا من ماله، ويبقى (٢) في يده جزء، بخلاف أن يقضي جميع ما في يديه لغريم، ويبقى فقيرًا.
وأما إن كان الدين مشتركًا بين رجلين فاقتضى أحدهما دون الآخر، فهل لصاحبه أن يشاركه فيما اقتضى؟ تقدم بيان ذلك مبسوطًا في كتاب البيوع، وأن المشهور من المذهب مشاركة من لم يقبض لمن اقتضى، على تفصيلَ في صفة المشاركة، تقدم أيضًا بيانه، وأن هذا إذا كان اقتضى أحد الشريكين دون استئذان صاحبه وإعلامه. وأما إذا رفع أمره إلى السلطان فأمَرَ شريكه بالاقتضاء معه،
فلم يفعل، فإنه لا يشاركه، ويصير ذلك كحكم القاضي بينهما بالقسمة لهذا الدين، وتمييز أحدهما من الآخر.
وذكر في المدونة أن الإشهاد على شريكه بأنه امتنع من الاقتضاء معه ينوب مناب الرفع إلى القاضي. وتعقبه بعض الأشياخ وأشار إلى أنه يمكن أن يكون المراد: الرفع إلى القاضي يتعذر، فقام الإشهاد مقامه للضرورة إلى ذلك. وهذا كله قد مضى مبسوطًا. لكن ذكر في المدونة في هذا الكتاب أن الحميل إذا تحمل بدينٍ مشترك بين رجلين، فأتى أحدهما فدفع إليه الحميل ما ينوبه من الدين، والحميل موسر، في يديه ما يقضي منه الشريك الآخر الذي لم يقبض لغيبته، فإن القضاء صحيح جائز. وإنما يبقى النظر في مشاركة الغائب إذا قدم من اقتضاء (٣) وهذا الخلاف الذي أشار إليه إذا لم يرفع المقتضي أمره إلى القاضي، فإن رفع الأمر إليه، والحميل موسر بجميع دين الشريكين، فإن
стр. 2978
القاضي يقضي لهذا الدافع إليه بجميع حقه، ولا يتعرض لحق الغائب بل يبقيه في الذمة على حسب ما كان.
وأمّا إذا لم يكن في يد الحميل إلا نصف الدين الذي عليه فإن القاضي إذا قضى لهذا الحاضر بحقه عليه كان قضاؤه باطلًا، والدفع إلى أحد الغريمين فاسد. فلم يختلف المذهب ها هنا بأن الشريك القديم يشارك الشريك الحاضر فيما اقتضى. فإذا كان جميع الدين مائة دينار، وهي بين الحاضر المقتضي والغائب نصفان، فرفع الأمر إلى القاضي، فلم يجد في يد الغريم سوى خمسين دينارًا، فقضى بجميعها للشريك الحاضر لأنها منتهى جميع دينه، فإن الشريك الغائب إذًا قدم يقاسم المقتضي للخمسين , التي أخذ، نصفين، لكون قضية القاضي له بجميع الخمسين خطأً وغلطًا يجب أن يُنقض الحكم فيه. ولو وقع الغلط في مقدار ما ينوب في المحاصة، مثل أن يكون الدين مائهّ (١) دينار، وهي بين الشريكين نصفين، ولم يوجد في يد الحميل سوى خمسين دينارًا، فقضى له القاضي بجميعها، فإن الغلط ها هنا إنما وقع في أن زاده عشرة دنانير على ما ينويه في المحاصة، فإن من الأشياخ من ذهب إلى أنه يمضي له القاضي بأربعين دينارًا، وهي التي تنوبه في المحاصة ولم يقع فيها غلط في الحكم فلا مشاركة فيها وإنما الغلط في زيادة عشرة دنانير وهي التي ترد إلى الشريك الغائب.
ومنهم من ذهب إلى أن المشاركة تقع في جميع الخمسين دينارًا وكأن الغلط لما وقع في (٢) سرى ذلك إلى كلها لأنها قضية واحدة , فإذا ظهر الغلط فيها وجب نقض الحكم غير ملتفَتٍ فيه إلى ما كان منه صوابًا, لأن الصواب لم يقصد إليه، فكأنه لم يقع الحكم به.
واحتج هؤلاء بما قيل في القاسم إذا غلط أن حكمة ينقض.
وتأول الآخرون هذه الرواية على أن المراد غلطُه فيما تختلف فيه
стр. 2979
الأغراض كالرباع وغيرها، وتختلف أجناسه، وأما الدنانير فجنس واحد فغلطه في بعضها لا يسري إلى ما أصاب فيه منها, لكونها لا تختلف فيها الأغراض، ولا يمكن ذلك في الرباع التي تختلف فيها الأغراض, لأن الغلط (١) بعضها يصيّر ما بقي مغلوطًا فيه لاختلاف الأغراض فيه.
وأما لو قضى القاضي لهذا الحاضر الدافع إليه بمقدار نصيبه في المحاصة، ووقف نصيبَ الغائب، فإن هذه القضية ماضية، ولا مشاركة للغائب، إذا قدم، فيها (٢) قبفحه الحاضر من الحميل، لكون ما وقفه القاضي كأنه قبضه، ومصيبته منه.
وأما إن لم يوقف القاضي نصيب الغائب، ولا بقاءه (٣) في ذمة الحميل، وليس عند الحميل سواه، فإن ظاهر كلام ابن القاسم أن ما أخذه الحاضر بحكم هذه القسمة يمضي له ولا يشاركه فيه. وعلى هذا تأول يحيى قول ابن القاسم في المدونة: إن القاضي فعل ذلك ولم ينتزع من يد الحميل نصيب الغائب. وقال غير ابن القاسم في المدونة: بل هذه القضية خطأ تُنقض كما لو قضى للحاضر بحقه كله. واعتذر الشيخ أبو محمَّد (٤) بن القاسم بأن القاضي لم يقصد سوى التمسمة بين الشريكين فمضى للحاضر ما قسم له، لكون ذلك هو المقصود بالقضاء، ولم يردّ ذلك لأجل غلطه على الغائب. واعترض هذا بأنه يجري مجرى التفليس للغريم، فيجب ألاّ يبقى في يديه من غاب، فلو لم يكن ذلك كالتفليس على هذا التعليل لاقتضاء هذا أنه لو قبض الحاصر نصيبه كله لمضى ذلك كله له، لكون من أحاط الدين بماله له أن يقضي غريمًا دون غريم.
وبالجملة فإن في كلام ابن القاسم احتمالًا، وإنما يلتفت في هذا إلى كون هذا كالتفليس فتجري فيه أحكام التفليس، أَوْ لَا يكون كالتفليس فتجري فيه أحكام
стр. 2980
المديان لقوم من الغرماء دون قوم.
والجواب عن السؤال العشرون (١) أن يقال (٢):
قد تقرر أن من له دين على غريم وأخذ به حميلًا فإن دينه متردد بين ذمتين، فإذا دفع الغريم أو الحميل فلا خفاء في جواز ذلك. وأن غير ما عليه تغييرًا في الصفة أو تغييرًا في النوع (٣) في الجنس فإن ذلك إذا كان من (٤) عليه الدين فقد مضى ذلك في كتاب البيوع، بتنا فيها ما تجوز المعاوضة به وما لا
تجوز، دينًا كان أو غيره.
وإن كان ذلك من الحميل فشرى لنفسه ليملك بما دفع من الدين الذي على الغريم، وتبرأ ذمة نفسه منه، فإن ذلك أيضًا أصوله مفردة في كتاب البيوع، فيلتفت في ذلك إلى كون ما يفعله الغريم من تغيير الصفة والجنس في قضاء الدين قد عري من الوجوه الممنوعة، المذكورة فيما تقدم في شراء الديون والسلم فيها.
وإن كان يقضي ذلك عن الغريم لا ليملك ما عليه، فهاهنا أيضًا تفاصيل جملتها ترجع إلى ما قدمناه من الممنوعات في المعاوضات من غرر أو وقوع في وعلى هذه الأصول يعرض صلح الكفيل لمن له الدين عن نفسه أو عن الغريم، وبيان هذا، على التفاصيل في صلح الكفيل، أنه لو تكفل بمائة دينار عن رجل مؤجلة عليه، فأراد، قبل الأجل، الكفيلُ أن يصالح من له الدين