← Фикх малики

Фикх малики · id 121378

التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات

أبو الطاهر ابن بشير

Полный текст (942 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وضع يديه عليه (١). قال ابن حبيب: ثم يرفع يديه ويخففهما لينثر (٢) ما فيه من الأذى خيفة أن يتعلق (٣) بوجهه، ويفعل في الضربة لليدين كذلك. ... باب في حكم الحيض والنفاس وينفصل من الفرج دمان: أحدهما: لا يوجب حكماً، وهو دم علة وفساد، ويعبر عنه بالاستحاضة. وإنما يستحب منه الوضوء عندنا لكل صلاة. والثاني: دم الحيض والنفاس، وهما يمنعان من ثمانية أشياء، واختلف في تاسع: يمنع من وجوب الصلاة وأدائها، وأداء الصوم، والطواف، والاعتكاف، ومس المصحف، ودخول المسجد، والجماع، والطلاق. واختلف هل للحائض أن تقرأ القرآن ظاهرا؟ والمشهور من المذهب جوازه لأنها مضطرة وتخاف النسيان. وهل يمنع الجماع في الفرج وغيره؟ أما الفرج فلا خلاف في منعه. وأما ما فوق الإزار فلا خلاف في جوازه، أما تحت الإزار مما دون الفرج ففي المذهب فيه قولان: المشهور منعه، والشاذ جوازه. وسبب الخلاف قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٤) الآية. واختلف هل المراد به موضع الحيض أو زمانه؟ فإن قلنا المراد به موضعه اختص الفرج بالتحريم، وإن قلنا المراد زمانه اقتضى تحريم الجملة، لكن خص ما فوق الإزار بالحديث.

стр. 352

فإن انقطع دم الحائض ولم تغتسل بالماء ففي تحريم وطئها قولان: المشهور تحريمه تعويلاٌ على قراءة من قرأ (يَطَّهَّرْنَ) بالتشديد، وعلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾. والشاذ أنه لا يحرم. قاله ابن بكير تعويلاٌ على قراءة من قرأ ﴿يَطْهُرْنَ﴾ بالتخفيف، لكنه كرهه مراعاة للخلاف. ... فصل (في حد الطهر والحيض) ولا حد لكثير الطهر بإجماع. وكذلك لا حد عندنا ليسير الحيض فيما يرجع إلى العبادات. وأما ما يرجع إلى العادة (١)؛ فيسيره محدود بما بيانه (٢) محال على موضعه. وأما كثير الحيض فهو محدود. والمشهور حده إما بالرجوع إلى العادة وإما بخمسة عشر يوما. وقال ابن نافع (٣): تستظهر (٤) على الخمسة عشر يوماً بثلاثة أيام. وهذا يدل على أن أكثره ثمانية عشر يوماً. والصحيح هو المشهور. لقوله ﷺ : "أن (٥) النساء يتركن الصلاة شطر عمرهن (٦) "، وقد

стр. 353

خرج مخرج الذم، فيكون منبئاً على أكثر الحيض وأقل الطهر. وفي أقل الطهر قولان: أحدهما: حده بما يثبت بالعادات، والثاني: حده (١) بالأيام. وإذا حددناه بالأيام فما عددها؟ أربعة أقوال: أحدها: خمسة أيام، قاله ابن الماجشون. والثاني: ثمانية أيام، قاله سحنون واستقرأه أبو محمد بن أبي زيد من المدونة. والثالث: عشرة أيام، قاله ابن حبيب. والرابع خمسة عشر يوما، قاله محمد بن مسلمة. وهذه الأقوال لا أصل لها إلا الرجوع إلى العادة، وكذلك جميع ما اتفق فيه من مسائل الحيض والاستحاضة، وجميع ما اختلف فيه. فإنما يرجع الاتفاق إلى اتفاقهم في العادة، والاختلاف إلى اختلافهم فيها؛ لأن دم الحيض فضلات الغذاء يجمع في الرحم ثم ينفصل بعد الاجتماع. وذلك على عادة أجراها الله تعالى في النساء. ومتى استمرت على العادة فهو دم الحيض، ومتى خرجت عن العادة فهو دم الاستحاضة. وإنما يعول في ذلك على العوائد نفيًا وإثباتًا؛ فمرة يرد مالك الأمر إلى العادة من غير جزم، ومرة يجزم هو أو أحد أصحابه بحسب ما ثبت عندهم. فإن ثبتت عادة فلا إشكال فيما (٢) اتفقوا. وإن اختلفت شهد كل واحد بما ثبت عنده من العادة. وقد احتج لمذهب ابن مسلمة بأن الله سبحانه جعل عدة من تحيض ثلاثة قروء واليائسة ثلاثة أشهر، وهي بدل من (٣) القرء. والتقسيم يؤدي (٤) إلى أن الشهر يقوم مقام (٥) أكثر الحيض وأقل الطهر. وأيضاً فالحديث المتقدم يشهد لذلك. ...

стр. 354

فصل (في حكم الدم الخارج ممن لا تحيض أو ممن تحيض) وإذا رأت المرأة دماً فلا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن تكون ممن لا تحيض لصغر، وإما أن تكون ممن لا تحيض لكبر، وإما أن يكون سنها من من تحيض (١)؛ فالأولى لا حكم لدمها لأنه دم علة [وفساد] (٢)، والثانية فيها قولان فيما يرجع إلى العبادة (٣) لا إلى العِدَدِ: أحدها: أنه كدم الحيض. رواه ابن المواز عن مالك (٤) لأن ترك العبادة تنزيه عن (٥) قربها مع وجود دم، والكبيرة (٦) أولى بذلك. والثاني: أنه كدم العلة، قاله في كتاب العدة من المدونة، وبه قال ابن حبيب (٧). وهذا قياس على الصغيرة وعلى حكم العدة (٨). وهل تغتسل على هذا القول لانقطاعه؟ قال ابن القاسم: لا غسل عليها، وهذا هو الأصل. وقال ابن حبيب: عليها الغسل وهذا احتياط. وكم سن اليائسة؟ قال ابن شعبان (٩): خمسون سنة. محتجاٌ بقول عمر: بنت خمسين عجوزاً في الغابرين. وقالت عائشة: قل من تُجَاوِزُ الخمسين فتحيض إلا أن تكون فارهة (١٠) والثالثة: هي التي في سن من تحيض، فيحمل (١١) ما تراه من الدم على الحيض بإجماع، إلا أن يعرض ما

стр. 355

ينقله عن ذلك على ما نفصله. وإن حكمنا بكونه حيضاً (١)،وانقطع اغتسلت وصلت وكانت طاهراً. وكيف يعلم انقطاعه؟ لانقطاعه علامتان: الجفوف وهو أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة. والقَصَّة البيضاء وهي أن الدم يكون في أول الحيض أسوداً غليظاً ثخيناً، لا يزال يدق ويصفر حتى يكون في آخره كالقصة (٢) وهو الجير. وإن كانت المرأة معتادة لأحدهما فرأت عادتها حكمت بانقطاعه. وإن رأت غير عادتها فقولان: أحدهما: أن القصة أبلغ من الجفوف؛ فمن اعتادت بالجفوف طهرت بالقصة البيضاء، ومن اعتادت بالقصة لم تطهر بالجفوف، قاله ابن القاسم. والثاني: عكس هذا وهو أن الجفوف أبلغ، قاله ابن عبد الحكم. [وإن كانت غير معتادة فلا تطهر إلا بالجفوف، قاله ابن القاسم وابن الماجشون. وقال الباجي: وهو نزوع (٣) إلى قول ابن عبد الحكم] (٤). وكل هذا مبني على عوائد النساء كما قدمناه، ولكن إن رأت غير عادتها وقلنا لا تطهر بذلك فإنما معناه أن تنتظر الثاني، ما لم تخف فوات وقت الصلاة. وما هو الوقت؟ حكى أبو محمد عبد الحق عن أشياخه قولين: أحدهما: أنه الوقت المختار، والثاني: الضروري. وهذان وجههما (٥) كون أحد الأمرين يسد مسد الآخر. لكن طلب المعتاد (٦) من باب الأولى والأسَدِّ (٧) وعند الضرورة وخوف الفوات الكلي. ...

стр. 356

فصل (حكم الدم المتمادي) وإن تمادى الدم فلم ينقطع فلا يخلو من أن تكون مبتدئة أو معتادة؛ فإن كانت مبتدأة ففي الكتاب أنها تمكث خمسة عشر يوماً ثم هي مستحاضة (١). وروى علي بن زياد وابن وهب عن مالك أنها تمكث أيام عادتها وهي أترابها (٢). وإذا قلنا بهذا فهل تستظهر وإن كانت معتادة؟ في الكتاب قولان: أحدهما: أنها تقيم خمسة عشر يوماً، والثاني: أنها تمكث أكثر عادتها. وهل تستظهر على ذلك؟ روايتان كما قلنا في المبتدئة. وهل تكون فيما بين أيام العادة (٣) وبين الخمسة عشر يوماً كالطاهر (٤) على الإطلاق أم لا؟ روايتان عن مالك ﵀: أحداهما: أنها طاهر مطلقاً، وهو مقتضى المدونة على ما سنذكره. والثاني: أنها تحتاط، تصوم وتقضي، وتصلي ولا تقضي، وتُمنع من وطء الزوج (٥). وإذا قلنا إنها تجلس أيام عادتها وتستظهر، فإن الاستظهار بثلاثة (٦) أيام ما لم تزد على خمسة عشر يوماً على المعروف من المذهب. وقد قدمنا قول ابن نافع. فإن انقطع عنها الدم عند الخمسة عشر يوماً فهل تعيد الغسل؟ أما (٧) على القول بأنها تحتاط فلا شك في وجوب الغسل، وأما على القول بأنها طاهر على الإطلاق فلا يلزم الغسل إلا مراعاة للخلاف. وقد اختلف (٨) في دم الاستحاضة ينقطع. وفي الكتاب قولان (٩):

стр. 357

إسقاط الغسل وهو الأصل؛ لأنه دم علة وفساد لا يوجب (١) غسلاً. والثاني: استحباب الغسل مراعاة للخلاف. وكل هذا الخلاف راجع إلى عوائد كما قدمناه مع (٢) الرجوع إلى أحد ثلاثة أصول (٣): إما إلى الاحتياط في لزوم العبادة (٤)، فلا تسقط مع الشك، وإما النظر إلى الأصل والأصل (٥) فقد دم الحيض. فمتى وقع الشك رجعنا إلى أصل الحقيقة (٦). وأما استصحاب وجود دم الحيض فلا يحكم بزواله إلا مع تيقن الزوال. فتصرف هذه الأقوال إلى هذه الأصول. ... فصل (حكم الدم الذي ينقطع ثم يعود) وإذا انقطع الدم ثم عاد نظرنا؛ فإن كان بين انقطاعه وعودته مقدار أقل الطهر على ما قدمناه من الخلاف حكمنا بأن الثاني حيض مستأنف. وإن كان ما بينهما أقل من ذلك (٧) حكمنا بأن الثاني مضاف إلى الأول. لكن إن كمل من الأول أكثر من [مدة] (٨) الحيض على ما قدمناه فالثاني استحاضة، وإن لم يكمل فالثاني تكميل للحيض الأول. فإن كانت المرأة ممن ترى الدم يوماً أو يومين والطهر يوماً أو يومين، فإن كانت أيام الدم أكثر من أيام الطهر فلا خلاف أنها مستحاضة لأن المرأة

стр. 358

لا تحيض أكثر من زمان طهرها. وإن كانت أيام الطهر كأيام الحيض أو أكثر، فهاهنا قولان: المشهور أنها مستحاضة، ومذهب محمد بن مسلمة أنها طاهرة حقيقة في أيام انقطاع الدم، وحائض حقيقية في أيام وجوده. وهذا راجع إلى عادة كما قدمناه. ... فصل (مدة الاستحاضة) وإذا حكمنا بالاستحاضة فإن حكمها مستصحب ما لم يتغير الدم. وإن تغير بعد زمن بينه وبين الحيض السابق أقل من الطهر لم يُلتفت إلى تغييره، وإن كان زمان مقدار الطهر فأكثر فالثاني حيض مبتدأ. وإذا حكمنا بأن الدم المتغير حيض وتمادى فعلى القول الأول بأن من تمادى بها الدم تجلس خمسة عشر يوماً فلا تستظهر (١) إلا على ما قاله ابن نافع. وعلى القول بأنها تجلس أيام عادتها فهل تستظهر؟ قولان: أحدهما: أنها لا تستظهر، قاله محمد بن مسلمة. والثاني: أنها تستظهر، قاله ابن عبد الحكم. وأشار الباجي إلى أن هذا الخلاف على القول بأن من لم يحكم [لها] (٢) بالاستحاضة تستظهر. وهذا لأن تلك إنما تستظهر لعل الدم زاد زيادة يسيرة فتستظهر رجاء أن ينقطع الدم، وإذا حكمنا باستحاضتها فالرجاء في ذلك ضعيف. ... فصل (حكم الدم المنفصل من الحامل) والذي تقدم حكم الحائل. وأما الحامل فالدم المنفصل من فرجها عندنا على حكم الحيض، فإن انقطع فكما قلناه في الحائل، وإن تمادى فلا تخلو إما أن تتغير عادتها بالحمل أو لا تتغير؛ فإن لم تتغير فحكمها حكم

стр. 359

الحائل، وإن تغيرت فهاهنا قولان: مذهب أشهب أنها بحكم الحائل لكون الحمل عندنا (١) يذهب الدم. ولهذا شبهه بالرضاع والمرض. ورواية ابن حبيب عن مالك وهو مذهب ابن القاسم وابن وهب أنه ليس كذلك، وإنما يجتمع الدم ثم يندفع وليس أول الحمل كآخره. وكم مقدار ما تجلس؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تجلس بعد الشهرين والثلاثة الأشهر خمسة عشر يوماً ونحوها. وإذا جاوزت الستة الأشهر فرأته فإنها تترك الصلاة ما بين العشرين أو نحو ذلك، قاله ابن القاسم. والثاني: إن رأته في أول شهور الحمل جلست قدر أيامها والاستظهار. وإن رأته في الثاني فمثلي ذلك ولا تستظهر. وإن رأته في الثالث فثلاثة أمثال ذلك. وفي الرابع أربعة (٢) أمثاله حتى تبلغ ستين يوماً فلا يُزاد عليها. قاله مالك عند ابن حبيب. والثالث: أنها في آخر الحمل تضعف أيام حيضتها ثم تغتسل لأن دمها أكثر من [دم]، (٣) الحيض. وكأن قول ابن القاسم وابن وهب مبنيان على أن الدم وإن اجتمع فهو ينقص باغتذاء الولد منه. وقول مالك عند ابن حبيب مبني على أن الدم يجتمع ثم يندفع. ولمالك قول رابع في المبسوط (٤) ينفي التحديد، لكن تجلس ما لم تسترب من طوله، ويرى أنه سقم حدث، وليس مما يعرض للنساء في الحمل، فإذا رأت (٥) ذلك حكمت بالاستحاضة. وهذا جواب من لم يثبت عنده عادة مستقرة (٦) فأحال على حال من اعتادت ذلك وما يظهر من أمره.

стр. 360

فصل (حكم دم النفاس المنقطع والمتمادي) وقد تقدم أن دم النفاس كدم الحيض وهو متى انقطع كان حكمه كحكم انقطاع دم الحيض (١)، فإن تمادى ففي المذهب قولان: أحدهما: أن أقصاه ستون يوما، فإن زاد على ذلك كان دم علة وفساد. وهذا لتقرر العادة عنده بذلك. والثاني: الإحالة على الرجوع إلى أهل المعرفة بالعوائد من النساء وغيرهن. وهو جواب من لم يتقرر عنده عادة [يجري عليها الحكم] (٢). وإذا عاد الدم بعد إنقطاع دم النفاس؛ فإن كان بين الانقطاع والعودة مقدار أقل الطهر على الأقوال المتقدمة عد الثاني حيضاً مؤقتاً، وإن كان بينهما أقل من ذلك [فإن] (٣) كمل دم النفاس بما قدمناه من الأجل فالثاني استحاضة، وإن لم يكمل أكملته من الثاني (٤). فإن انقطع عند الكمال فهو دم النفاس وإن زاد فهو دم استحاضة. وقد قدمنا القولين في خروج الولد نقياٌ عن دم. (حكم من ولدت وبقي في بطنها آخر) وما حكم من ولدت ولدا وبقي في بطنها آخر والدم ينبعث؟ في المدونة قولان: أحدهما: أن حكمها حكم الحامل تحيض لأن الحمل باق. والثاني: أن حكمها حكم النفساء (٥) لانفصال الولد (٦). ...

стр. 361

تنبيهات منها: اختلاف الأشياخ في مقتضى مذهب المدونة في حكم الأيام التي بين أيام الاستظهار والخمسة عشر؛ أما ابن وهب فلا شك أن مقتضى روايته الأخذ بالاحتياط، لقوله: تصلي (١) وليست عليها أحب إلى من أن تترك الصلاة وهي عليها. وأما رواية ابن القاسم في كتاب الطهارة فلا تدل تصريحاً على أحد أمرين (٢)، لكن في كتاب الحج إذا حاضت المرأة قبل الطواف حبس عليها كَرْيُهَا (٣) قدر أيامها والاستظهار. وأخذ أبو موسى ابن قناس من هذا كونها طاهراً مطلقاً؛ لأنها إذا طافت بعد أيام الاستظهار فأجزأها فهي لا شك طاهر مطلقاً. وذكر أبو محمد عبد الحق مخالفة غيره من الأشياخ لهذا التأويل. وقال: معنى حبس الكري (٤) هذه المدة لعل الدم ينقطع فإذا لم ينقطع فسخ الكري لأنه ضرر بالكري. ومنها: قوله في الكتاب في امرأة رأت الدم خمسة عشر يوماً ثم رأت الطهر خمسة أيام ثم رأت الدم أيامها (٥) ثم رأت الطهر (٦) سبعة أيام. قال: هذه مستحاضة (٧). فاستقرأ أبو محمد بن أبي زيد من هذا أنها لو رأت الطهر ثمانية أيام لم تكن مستحاضة. وإن أقل الطهر ثمانية أيام لاقتصاره على سبعة. وأنكر أبو عمران وغيره من الأشياخ هذا الاستقراء لأن ذكر السبعة [إنما] (٨) جرى في السؤال ولم يقصد به التحديد. وإنما يؤخذ من ذلك أن السبعة الأيام لا تكون طهراً.

стр. 362

واختلف المتأخرون أيضاً في قوله: هذه مستحاضة هل في الأيام التي أتاها فيها الدم بعد الخمسة؟ أو فيما بعد السبعة؟ ولا شك أنها مستحاضة في الجميع. ومنها: حكمه في الكتاب فيمن اختلط عليها الطهر والحيض لأنها مستحاضة، واختلف الأشياخ لو طلقها الزوج في أيام انقطاع الدم هل يكون طلاقه مباحاً ولا يجبر على الرجعة قاله غير واحد من الشيوخ الصقليين، أو يكون طلاقه محرماً (١) فيجبر على الرجعة؟ قاله غير واحد من القرويين. وهذا على (٢) الخلاف في تحريم الطلاق في الحيض هل ذلك خيفة تطويل العدة فيكون [على] (٣) هذا محرماً، أو شرع غير معلل فيكون هذا مباحاً. وعلى هذا اختلف متقدموا أهل المذهب (٤) في طلاق التي لم يدخل بها هل يجوز في الحيض إذ لا عدة يخاف تطويلها أو يحرم لأن ذلك غير (٥) معلل؟ ومنها: قول أشهب في الحامل لا تستظهر إلا أن تكون استرابت. وروي بإسقاط "لا" (٦). وأكثر الأشياخ على أن إثبات"لا" هو الصواب ولا معنى لإسقاطها. وحكى أبو محمد عبد الحق عن بعض القرويين أنه التمس لإسقاطها وجها فقال: معنى استرابتها أنها شكت في كون دمها دم حيض أو دم [نفاس] (٧) سقط. ومتى استرابت هذه الريبة فإنها تقيم أيامها وتستظهر عليها ولا تجلس أكثر من ذلك وإن كانت قد شكت. وتبقى على جلوس الحائض دون جلوس النفساء. وهذا بعيد عن مقصد أشهب. والصحيح إثبات "لا" لأنها متى لم تسترب كانت كالحائل كما قدمناه فتستظهر بناء على أحد القولين.

стр. 363

ومنها: قوله في الكتاب (وإذا جاوزت الستة أشهر من حملها. ثم رأته تركت الصلاة ما بين العشرين يوماً أو نحو ذلك) (١) فاختلف الأشياخ في حكم الستة الأشهر هل تكون كحكم ما بعدها؛ لأن الوضع (٢) قد يكون فيها، ولأن أفعال من بلغتها في الثلث كفعل من جاوزتها. وقيل: حكم الستة كحكم ما قبلها لأنه قيد في الكتاب مجاوزة (٣) الستة. والأول: مذهب ابن التبان (٤) وغيره من الصقليين. والثاني: مذهب ابن أبي زيد تم كتاب الطهارة بحمد الله وحسن عونه.

стр. 364

كتاب الصلاة

стр. 365

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الصلاة الأول (تعريف الصلاة) وهي في اللغة عبارة عن الدعاء، وفي الشريعة عبارة عن دعاء على صفة (١) مخصوصة (٢). ولهذا قال بعض أصحابنا: إن معنى لفظ الصلاة في الشرع كمعناه في اللغة. لكن تصرفت الشريعة فيه بالاستعارة والتخصيص، وهو تصرف لغوي. فسمت الدعاء ساجداً أو جالساً (٣) صلاة، وسمت القيام والركوع وسائر الأركان صلاة لما كان المقصود منها الطلب والسؤال كالمقصود من الدعاء. وقيل: سميت صلاة أخذا من الصَّلَوَيْن وهما عظمان (٤) ينحنيان عند الركوع. وقيل: سميت صلاة أخذاً من المصلي في الخيل، وهو ثاني (٥) السابق، وكذلك الصلاة في الشريعة ثانية الشهادتين بالأْلوهية [والرسالة] (٦).

стр. 366

(أصناف الصلاة) والصلاة تنقسم إلى فروض وغير فروض. والفروض قسمان: فروض أعيان وفروض كفاية؛ ففروض الأعيان الخمسة الواجبة في اليوم والليلة. واختلف في عد صلاة الجمعة صلاة سادسة لأنها قائمة بنفسها أو ردّها إلى الخمس؛ لأنها ظهر مقصور. وسيأتي بيان ذلك، ونذكر فائدة هذا الخلاف إن شاء الله. وأما فرض الكفاية فصلاة الجنازة. وغير الفروض ثلاثة أصناف: سنن، وفضائل، ونوافل. فالسنن خمس وهي الوتر، وركعتا الفجر، وصلاة العيدين، وصلاة كسوف (١) الشمس، وصلاة الاستسقاء. ولا خلاف في عدّ أربعة من هذه [سنة] (٢). وأما ركعتي الفجر ففيهما قولان: أحدهما: إلحاقهما بالسنن، والثاني: عدّهما فضيلة. وقد قدمنا سبب ذلك في أول كتاب الطهارة. والفضائل خمسة وهي: صلاة قيام رمضان، وركوع الضحى، وتحية المسجد، وصلاة خسوف القمر، وسجود القرآن. وفي السجود قولان: أحدهما: عدّه فضيلة كما ذكرنا. والثاني: عدّه سنة، وسيأتي في أول كتاب الصلاة الثاني إن شاء الله تعالى. فما عدا هذا نافلة إلا ركعتي الإحرام (٣) بالحج، وركعتي الطواف فإنهما يلحقان بالسنن. (شروط الصلاة) وفروض الأعيان تجب بالعقل والبلوغ والإسلام ودخول الوقت. واشتراطنا البلوغ بعد ذكر العقل يجري على خلاف الأصوليين هل يوصف

стр. 367

غير البالغ بالعقل أم لا؟ فإن قلنا إنه موصوف (١) بذلك فيشترط البلوغ. وإن قلنا: إنه غير موصوف بذلك فيكتفى باشتراط العقل. وأما اشتراط الإسلام فيجري على الخلاف في الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ وإن قلنا: إنهم مخاطبون فلا يشترط الإسلام، وإن قلنا: إنهم غير مخاطبين فيشترط. وأما الأوقات فلا يتوجه الخطاب قبل دخولها بالإجماع. ... فصل (حكم تارك الصلاة) ومن ترك الصلاة فإن كان ذلك جحوداً فهو كافر بإجماع يحكم فيه بحكم المرتد. وإن أقر وامتنع من الصلاة ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يعدّ كافراً لأنه لا يكفر بالذنوب. وعدّه ابن حبيب كافراً (٢). وهذا لظواهر وردت بمقتضى تكفيره وجميعها لا يعوز (٣) تأويلها والعمدة الملجئة (٤) إلى التأويل قوله تعالى: (﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٥). وإذا لم نحكم بتكفيره فإنا نأمره بالصلاة في الوقت. فإن لم يصل حتى خيف فوات الوقت قتل، لكنا نقتله حداً لا كفراً. وما هو الوقت؟ في المذهب ثلاثة أقوال: المشهور المعروف في المذهب أن يبقى للصلاة مقدار من ركعة من الوقت الضروري، ومثاله: أن يبقى للظهر والعصر مقدار خمس ركعات في حق الحاضر، أو ثلاث في

стр. 368

حق المسافر قبل غروب الشمس. وحكى ابن خويز منداد (١) عن المذهب قولين آخرين: أحدهما: أن يبقى من الوقت الضروري مقدار الصلاة بجملتها، والثاني: أن يخاف فوات وقت الاختيار. وهذا بعيد عن الأصول جداً؛ لأن التأخير عن ذلك لا يحرم فكيف نريق دماً محقونا بارتكاب مكروه. ... باب في أحكام الأوقات (أوقات الصلاة من القرآن) وقد أجملها الله سبحانه في كتابه وبينها على لسان نبيه ﷺ وأجمل تعالى ذكر الأوقات في ثلاثة مواضع؛ منها قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ (٢)، فقيل المراد به صلاة المغرب والعشاء (٣)، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٤) المراد به صلاة الصبح ﴿وَعَشِيًّا﴾ (٥) المراد به صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ المراد به صلاة الظهر. ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ (٦)، فقيل: تناولت (٧) صلاة الصبح وهي طرف وصلاة المغرب

стр. 369

وهي طرف لأنها تؤدى عند الطرف. وصلاة العشاء وهي المراد بالزلف من الليل، وقيل: الطرف الثاني الظهر والعصر. فتتناول على هذا أربع صلوات. وقيل الزلف من الليل يتناول المغرب والعشاء فتتناول الآية على هذا خمس صلوات. وقال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (١) (٢)، فقيل المراد بالدلوك الظهر والعصر والمراد بغسق الليل العشاء الآخرة، وقيل: المراد به المغرب، وقرآن الفجر المراد به صلاة الصبح. وهذا الخلاف على خلاف بين الأصوليين في الأوامر هل تتعلق بوقت الكراهة عند إطلاقه أم لا؟ (أوقات الصلاة من السنة) فهذا ما يتعلق بالأوقات من القرآن. وأما ما يتعلق بذلك من السنَّة فيخرج عن الحصر، لكن تلقت الأمة بالقبول الحديث المروي عنه ﷺ أنه صلى به جبريل ﵇ عند البيت يومين، فبيّن في اليوم الأول أوائل الأوقات، وفي اليوم الثاني أواخرها إلا المغرب فإنه صلاها في اليومين في وقت واحد وذلك عند مغيب الشمس (٣). وكذلك بيَّن (٤) ﷺ للسائل فصلى

стр. 370

في اليوم الأول في أول الوقت وفي الثاني في آخره (١). (تفصيل أحكام الأوقات) ولنرجع إلى تفصيل أحكام الأوقات فنقول هي على قسمين: وقت أداء ووقت قضاء؛ فوقت الأداء على قسمين: وقت اختيار ووقت اضطرار؛ فوقت الاختيار على أربعة أقسام: وقت فضيلة، ووقت إباحة، ووقت رخصة، ووقت سنة. (وقت القضاء) فأما وقت القضاء فهو بعد مضي الاختياري والضروري. وذلك في الظهر والعصر بعد مغيب الشمس (٢). وفي المغرب والعشاء بعد طلوع الفجر. وفي الصبح بعد طلوع الشمس. (الوقت الضروري) وأما الوقت الضروري فهو في الظهر بعد مضي القامة الأولى في قول، وبعد مضيها ومضي مقدار أربع ركعات في قول ثان. وهو في العصر بعد مضي القامة الثانية في قول، وبعد اصفرار الشمس في قول ثان. وهو في المغرب بعد إكمال (٣) أدائها في قول، وبعد مغيب الشفق في قول. وهو

стр. 371

في العشاء الآخرة بعد مضي ثلث الليل في قول، ونصفه في قول. وهو في الصبح بعد الإسفار (١) في قول، وفي قول لا وقت ضرورة (٢) لها. (وقت الرخصة) وأما وقت الرخصة فهو وقت الجمع للمسافر وللمريض والأئمة في المساجد ليلة المطر. (وقت السنة) وأما وقت السنَّة فهو عند الزوال في حق الحاج بعرفة، فإنه يجمع حينئذ بين الظهر والعصر [وبعد مغيب الشفق بمزدلفة فإنه يجمع حينئذ بين المغرب والعشاء] (٣). ولكل واحد من هذه الأوقات موضع من الكتاب يأتي بيانه فيه إن شاء الله تعالى. ... فصل (أوقات الاختيار والفضيلة) (الوقت الاختياري لصلاة الظهر) ولنبين وقت الاختيار ووقت الفضيلة منه. ولنبدأ بالظهر كما بدأ بها جبريل ﵇ في صلاته بالنبي ﵇، ولهذا سميت الأولى. وأول وقتها زوال الشمس والزوال يعرف بأن يقيم الإنسان قائماً (٤)، فإنه يكون ظله أول النهار مستطيلاً في جهة المغرب (٥) ثم لا يزال ينقص

стр. 372

وينقبض (١) إلى أن يقف في جهة (٢) دبر القبلة، مائلاً إلى المشرق وقوفاً تدركه الأبصار (٣) فإذا وقف على مقدار لا ينقص (٤) بعده كان ذلك وسط النهار واستوت الشمس في كبد السماء، فإذا زاد على مكان وقوفه زيادة تظهر للبصر (٥) فحينئذ كان الزوال ودخل وقت الظهر. وفيه صلى جبريل ﵇ بالنبي ﷺ في اليوم الأول. ثم لا يزال الظل يستطيل إلى جهة المشرق فيقاس من الموضع الذي وقف عليه فإذا كانت الزيادة على مقدار القائم فحينئذ خرج (٦) وقت الظهر المختار ودخل وقت العصر. (الوقت الاختياري لصلاة العصر) فإذا صارت الزيادة مثلي القائم فهاهنا قولان: أحدهما: أن ذلك آخر وقت العصر المختار (٧). والثاني: أن آخر وقتها ما لم تصفر الشمس على الجدران والأراضي. (الوقت الاختياري لصلاة المغرب) ووقت المغرب إذ غاب قرص (٨) الشمس في موضع لا جبال فيه. وأما موضع تغرب فيه خلف جبال فينظر إلى جهة المشرق؛ فإذا طلعت الظلمة كان دليلاً على مغيب الشمس. ثم اختلف المذهب هل يمتد وقتها كامتداد أوقات الصلوات أم ليس لها إلا وقت واحد؟ فإذا قلنا بامتداده فإنه يمتد إلى مغيب الشفق.

стр. 373

وما الشفق؟ المشهور المعروف من المذهب أن الشفق الذي يدخل لغروبه وقت العشاء الآخرة هو الحمرة. وعند ابن شعبان عن مالك أن أكثر جوابه في الشفق أنه الحمرة. وعنه أيضاً في سماع ابن القاسم أنه أرجو أن تكون الحمرة والبياض الذي (١) لا شك فيه. وأخذ أبو الحسن اللخمي من هذا قولاً ثانياً أن الشفق هو البياض (٢) كما يقوله أبو حنيفة. ويحتمل أن يكون كما قال، ويحتمل أيضاً أن يريد ابن شعبان عن مالك أن أكثر جوابه على التصميم من غير مراعاة الخلاف، ولا تردد أنه الحمرة. وقد يراعي الخلاف ويتردد كما في سماع ابن القاسم. واختلف في آخر وقت العشاء؛ فقيل إذا ذهب ثلث الليلِ الأولُ، وقيل إذا ذهب نصفه. (الوقت الاختياري لصلاة الصبح) ووقت الصبح إذا طلع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق- والأول وهو (٣) ذنب السرحان- وإنما سمي بذلك لأنه يظهر (٤) مستطيلا تأنس الأبصار به ثم يظهر أنه قد غاب، وليس كذلك؛ بل هو أول ما يطلع من نور الشمس إذا قرب دنوها (٥) من الأفق ثم إذا زاد الدنو كثر الضوء واستطال في الأفق، فسمي هذا المستطيل الفجر الصادق، وبه (٦) يتعلق حكم الإمساك عن الطعام (٧) وحكم الصلاة. والأول لا يتعلق عليه حكم. واختلف في آخر وقت الصبح؛ فقيل الإسفار الأعلى وهو قبل طلوع الشمس. وقيل آخر وقتها طلوعها (٨).

стр. 374

واختلف أيضاً في الظهر هل يشارك العصر بمقدار أربع ركعات من القامة الثانية أولاً يشاركها؟ ففي المذهب في ذلك قولان. كذلك اختلف في مشاركة المغرب للعشاء الآخرة في مقدار ثلاث ركعات بعد (١) مغيب الشفق. وهذا على القول بأن وقتها ممتد. فيتحصل من هذا أن أول الأوقات لا خلاف فيه إلا ما زاد (٢) أبو الحسن اللخمي في العشاء الآخرة. ولا خلاف أيضاً أن أوقاتها (٣) المختارة ممتدة إلا المغرب، ففي امتدادها (٤) قولان. وآخر أوقات الصلاة كلها فيه قولان. وسبب الخلاف اختلاف في آثار واعتبار؛ وأما الآثار فمنها صلاة جبريل بالنبي ﷺ وهو يقتضي أن الظهر تشارك العصر لأنه قال: "وصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله كوقت (٥) العصر بالأمس" (٦). ويقتضي أن آخر وقت العصر آخر القامة الثانية؛ لأنه قال: "فصلى بي العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه". ويقتضي أن المغرب لا يمتد وقتها؛ لأنه صلى به المغرب في اليومين حين غابت الشمس. ويقتضي أن آخر وقت العشاء ثلث الليل؛ لأنه حينئذ صلى به في اليوم الثاني. ويقتضي أن آخر وقت صلاة الصبح الإسفار؛ لأنه صلى به في اليوم الثاني حين أسفر. ومنها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (٧). وهو يقتضي عدم الاشتراك بين الظهر والعصر لأنه قال في وقت الظهر ما لم

стр. 375

يحضر وقت العصر، وقال في العصر ما لم تصفر الشمس. ويقتضي امتداد وقت المغرب لأنه قال في وقتها ما لم يسقط نور الشفق. ويقتضي امتداد وقت العشاء الآخرة إلى نصف الليل لأنه بذلك حدّه. ويقتضي امتداد وقت الصبح إلى طلوع الشمس لأنه بذلك حدّه أيضاً. وأما الخلاف في الشفق ما هو؟ فإن الشفق ينطلق على الحمرة والبياض. وقد ورد في الشريعة تعليق صلاة العشاء الآخرة بمغيب الشفق. وبين الأصوليين خلاف؛ هل يؤخذ بأوائل الأسماء فيحمل الأمر هاهنا على الحمرة، أو بآخرها فيحمل على البياض؟ وأما الاعتبار فمن ينفي الاشتراك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء يقيس على نفيه ماعدا ذلك من الصلوات، ومن يثبته فلما ثبت من الجمع بين هذه الصلوات بعرفة والمزدلفة وفي الأعذار كالسفر والمرض. ولولا إشراك الأوقات لم يجمع بينهما كما لم يجمع بين الصبح والظهر و [لا] (١) العصر والمغرب و [لا] (٢) العشاء والصبح. ... فصل (وقت الفضيلة لكل صلاة) وأما وقت (٣) الفضيلة [فهو] (٤) في الظهر بعد مضي ربع القامة هذا في حق الجماعة؛ لأن هذه الصلاة تدرك الناس في القائلة والاشتغال. فكان تأخيرها من المصلحة ليتأهب الناس لها ويدرك جماعتها الجمهور. وأما الفذ ففي وقت الفضيلة (٥) له قولان: أحدهما: كالجماعة، طرداً

стр. 376

لهذه القاعدة الكلية. والثاني: أنه يختص بأول الوقت، لفقدان العلة في التأخير. والمبادرة إلى أداء العبادات أفضل لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١)، وقوله ﷺ وقد سئل عن أفضل الأعمال فقال: "الصلاة لِأَوَّلِ وَقْتِهَا" (٢). وهو في العصر بعد تحقيق دخول الوقت. ولا خلاف فيه في المذهب (٣) ويستوي في ذلك الفذ والجماعة؛ لأن هذه الصلاة تأتي على الناس وهم متأهبون لها. وهو في المغرب عند سقوط الشمس ومغيبها عن الأبصار. ولا خلاف بين أهل السنَّة في ذلك. واختلف في وقت الفضيلة في العشاء الآخرة؛ فقيل هو أول الوقت لما ذكرناه من الظواهر. وقيل آخره لما ورد (٤) عنه ﷺ لقوله: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَرْتُ [صَلاَةَ الْعِشَاءِ] (٥) إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ" الحديث (٦). (معنى الإسفار بالفجر) وهو في الصبح أول الوقت إذا تحقق دخوله ولم توجد ريبة. ولا شك في الامتناع من الأداء مع وجود الريبة. وقد قال ﷺ : "أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنهُ

стр. 377

أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ" (١). وإنما أراد الإسفار بمعنى الكشف والوضوح. ومنه أسفرت المرأة أي أبدت عن وجهها (٢) وكشفت عنه النقاب. وهي صلاة يؤذن لها قبل وقتها ليأتي أول الوقت والناس متأهبون لها. وقد كان ﷺ يصليها فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس (٣). ... فصل (معنى الإبراد بالظهر) وإذا اشتد الحر [كان] (٤) الأولى الإبراد بالظهر؛ وهو أن يُؤَخَّرَ (٥) ربع القامة. وهل ينتهي تأخيرها بذلك (٦) إلى آخر الوقت أو إلى وسطه، في المذهب قولان. وهما خلاف في حال؛ فمن البلاد ما يُفتقر فيه إلى التأخير لآخر وقتها لشدة حرها، ومنها ما لا يفتقر فيه إلى ذلك، فكذلك اختلف في الإبراد بالعصر وهو خلاف في حال (٧) أيضاً على حسب شدة (٨) الحر وخفته. ...

стр. 378

باب في أحكام الأذان (سبب ثبوت الأذان) ولنقدم مقدمة في سبب ثبوته ثم نعقد أركانه؛ أما المقدمة فإن المسلمين لما كثروا وافتقروا إلى علم [على (١) أوقات الصلاة والدعاء إليها وتشاوروا فذكروا النار والناقوس، فذكروا مشابهة النصارى والمجوس، فافترقوا عن غير رأي مبرم. فرأى عبد الله بن زيد وهو بين المستيقظ والنائم كأن ملكاً نزل من السماء وفي يده ناقوس فقال عبد الله: تبعني (٢) هذا. فقال الملك: وما تصنعون به؟ فقال نجعله علماً على أوقات الصلاة. فقال ألا تؤذنون؟ فقال: ما صفة الأذان؟ ثم أذن واستأخر قليلاً فأقام. فأتى عبد الله بن زيد النبي ﷺ فأخبره، فأمره أن يلقيه على بلال لأنه أندى (٣) صوتاً. قال عبد الله: فاستأذنته أن أؤذن مرة واحدة، فأذنت بإذنه فجاء (٤) عمر يجر رداءه فأخبر الرسول ﷺ أنه رأى كتلك (٥) الرؤيا، ثم تتابع بضعة عشر من الصحابة يخبرونه بذلك (٦)، فاستمر الأذان في الشريعة. وهذا وإن

стр. 379

كان أصله رؤيا فإن إثبات الرسول ﷺ له إما لأنه أوحي إليه بصحته، أو لأن اجتهاده أداه إلى ذلك (١) على خلاف الأصوليين هل له أن يحكم باجتهاده أم لا؟ (حكم الإقامة والأذان) ولا خلاف في المذهب أن الإقامة سنة في حق الرجال، وأما الأذان فهل هو من السنن أو من فروض الكفاية؟ ووقع لمالك في الموطأ فإنما يجب الأذان في مساجد الجماعة، فحمله أبو محمد بن أبي زيد وغيره من المتأخرين من أهل المذهب على ظاهره في الوجوب. وتأوله القاضي أبو محمد عبد الوهاب على أن مراده وجوب السنن لا وجوب الفرائض. قال أبو الوليد الباجي: الأولى حمله على ظاهره. ويجب الأذان على وجهين (٢): أحدهما: [في مساجد الجماعات] (٣) لأنه شعار الإسلام، ويجب إظهار الشعار. وقد كان ﷺ يستمع فإن سمع أذانًا (٤) أمسك وإلا أغار (٥). والوجه الثاني: أنه عَلَمٌ على الأوقات في

стр. 380

مساجد الجماعات. ولا يجوز (١) إهمال الأوقات ولو تمادى أهل بلد على إهمالها لقوتلوا (٢) عليها (٣). (أركان الأذان) فإذا تقررت هذه المقدمة قلنا بعدها أحكامُ الأذان تنحصر في أربعة أركان: أحدها: صفته. والثاني: وقته. والثالث: من يؤمر به. والرابع: في صفة المؤذن. فأما صفة الأذان فهي معلومة. لكن اختلف (٤) في ثلاث مسائل: أحدها: هل يبتدئ بالتكبير بصوت مرتفع ثم يخفض الصوت يسيراً في التشهدين (٥)، أو يبتدئ مخفض الصوت؟ للمتأخرين في ذلك قولان. وسبب الخلاف الاعتماد على النقل. والصحيح الابتداء برفع الصوت وهو مقتضى النقل. لأن سبب الخفض في الشهادتين أن أبا محذورة كان في جاهليته كثير الأذى لرسول الله ﷺ ، وفي بعض الروايات أنه كان في الجاهلية إذا سمع الأذان يستهزئ به. فلما أسلم أمره ﷺ بالأذان فخفض صوته بالشهادتين (٦) حياء من قومه وما كانوا يعلمون منه في الوحدانية (٧) والرسالة من الطعن قبل الإسلام (٨). فأمره النبي ﷺ بأن يعود إلى الشهادتين رافعا صوته فعاد فرفع، فشرع ذلك في الأذان. وهذا يقتضي أنه كان الأذان في بدئه يُرفع الصوت به بالابتداء. وهذا لا يُنكِر أيضاً في الجاهلية (٩)

стр. 381

قول (١) "الله أكبر" وإنما يُنكر الوحدانية [والرسالة] (٢). المسألة الثانية: هل يثني قوله في أذان الصبح "الصلاة خير من النوم" قياساً على سائر ألفاظ الأذان، أو يفرده قياساً على قوله:"قد قامت الصلاة" لأنه تنبيه على معنى زائد على ألفاظ الأذان فأشبه الإخبار بقيام الصلاة؟ والمشهور تثنيته، ولابن وهب إفراده. والمسألة الثالثه: هل يفرد قوله "قد قامت الصلاة" -وهو المشهور- أو يثني ذلك -وهو رواية المصريين عن مالك ﵀؟ وسبب الخلاف ما ثبت عنه ﷺ أنه "أَمَرَ بِلَالاً أَنْ يَشْفَعَ الأذان وَيُوتِرَ الإِقَامَة" (٣). وفي بعض الطرق ويوتر الإقامة. وبين الأصوليين خلاف في زيادة الراوي العدل هل تقبل أم لا؟ ولو أراد أن يؤذن فأخطأ فأقام فإنه يعيد. وإن أراد الإقامة فأخطأ فأذن؛ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يعيد قياساً على الأول، والثاني: أنه لا يعيد. وهذا مراعاة لقول من يقول أن الإقامة مثناة. ... فصل [وقت الأذان] وأما (٤) وقت الأذان فإنه عند دخول وقت (٥) الصلاة. ولا يؤذن لصلاة قبل وقتها إلا الصبح. فعندنا يؤذن لها قبل وقتها لقوله ﷺ : "إِنَّ بِلَالاً يُنَادِي

стр. 382

بِلَيْلِ فَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ (١) ابْنُ أُمْ مَكتُومِ" (٢). ومتى يجوز الأذان لها؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدهما: إنما يؤذن لها في سدس الليل الآخر لأن المقصود التأهب لها، وذلك يحصل في هذا الوقت. والثاني: أن يؤذن لها بعد خروج الوقت (٣) المختار للعشاء الآخرة. والقول الثالث: أنه يؤذن لها بعد صلاة العشاء الآخرة، وإن صليت في أول وقتها. والصحيح هو الأول، ولا يحصل الغرض من التأهب على هذين القولين. ولعلهما يتعلقان بقوله ﷺ : "إِن بلاَلاً يُنَادِي بِلَيلٍ" ولم يعين، فكان الليل جميعه محلاً للأذان إلا أن تكون العشاء لم تصل فيمتنع لئلا يختلط أذان الصبح مع أذان العشاء، وهذا رأي الوقار (٤). وألا يكون (٥) وقت العشاء لم يخرج، إذ لا ينادى للصلاة في (٦) وقت غيرها، وهذا رأي ابن حبيب (٧). ... فصل (من يؤمر بالأذان) وأما من يؤمر بالأذان فكل من يؤمر بالدعاء إلى الصلاة. وذلك يختص بالأئمة حيث كانوا، أو بمساجد الجماعة. وأما الفذ والجماعة

стр. 383

المجتمعون بموضع ولا يريدون دعاء غيرهم إلى الصلاة فوقع في المذهب لفظان: أحدهما: أنهم إن أذنوا فحسن. والثاني: أنهم لا يؤذنون. فأراد (١) أبو الحسن اللخمي أن يجعل المذهب على قولين، (٢) وليس كذلك. بل لا يؤمرون بالأذان كما يؤمر به الأئمة وفي مساجد الجماعات. فإن أذنوا فهو ذكر، والذكر لا ينهى عنه من أراده، لا سيما إذا كان (٣) من جنس المشروع. (استحباب الأذان للمسافر) واستحب متأخرو أهل المذهب الأذان للمسافر وإن كان فذاً، لما روي عنه ﷺ أنه أمر أبا سعيد الخدري بالأذان إذا كان في غنمه أو باديته (٤). ولما قاله سعيد بن المسيب (٥) من أنه إذا أذن وأقام صلى خلفه أمثال الجبال من الملائكة (٦). وهذا لا يمكن أن يقوله إلا على توقيف لأن القياس لا يتسلط على مثل هذا. وإذا صح ذلك صار الأذان في حق هذا دعاء إلى الجماعة وهم الملائكة. ...

стр. 384

فصل (يقام للفوائت ولا يؤذن لها) ولا يؤذن عندنا للفوائت لأن الجماعة غير مشروعة فيها، ولأن الأذان يزيدها فواتا. ولا يؤذن إلا للفرائض الوقتية. وأما الإقامة فإنها مشروعة لكل مصل صلاة فرض وقتية (١) أو فائتة، لكن حكمها في الجماعة آكد منها في الانفراد، وحكمها على الرجال آكد منه على النساء. وفي الكتاب في المرأة إن أقامت فحسن (٢). والفرق بين الأذان والإقامة أن الأذان إعلام بحضور وقت الصلاة، والإقامة إعلام للنفس للتأهب للصلاة. فلهذا اختص الأذان بما ذكرناه وشرعت الإقامة للجميع. وإذا جمع الإمام الصلاتين فهل يؤذن لكل واحدة منهما؟ في المذهب في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: الأذان والإقامة لكل واحدة (٣). والثاني: أن يكتفي بالأذان الأول والإقامة لكل صلاة. والثالث: أنه يستغني عن الأذان وتكفيه الإقامة. وسببه اختلاف (٤) الأحاديث في جمعه ﷺ بعرفة، هل كان بأذانين وإقامتين؟ أو بأذان وإقامة؟ (٥) [أو بإقامتين] (٦). وروى ابن عمر (٧) عنه أنه كان بإقامة واحدة للصلاتين جميعاً وبه أخذ (٨). ...

стр. 385

فصل (صفة المؤذن) وأما صفة المؤذن فالمقتدى به في الأوقات يجب أن يكون ذا دين (١)، عارفاً بالأوقات. ومن كماله أن يكون بالغ (٢) الصوت، حسنه؛ لأن الأذان لغة وشرعاً للإعلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٣)، أي أعلمهم. وإذا كان المقصود الإعلام فالبالغ (٤) بالصوت أكمل في ذلك، والنفوس مجبولة على الميل إلى حسن الصوت. فلذلك قلنا من كماله أن يكون حسناً. (أمور ينبغي للمؤذن مراعاتها) ويستحب للمؤذن أن يستقبل القبلة عند التكبير والتشهد (٥). وأما دورانه ووضع أصبعيه في أذنيه فإن قصد بذلك المبالغة في الإبلاغ (٦) فهو مشروع. ويكره التطريب المخرج عن باب الأذان إلى باب الأغاني. ولا يتكلم في أذانه إلا أن يضطر إلى الكلام بأن يخاف هلاكاً على نفسه (٧) أو على غيره أو على ماله. فإن تكلم بنى إلا أن يطول الكلام (٨) طولاً يخرج الأذان عن بابه. وهل يرد السلام إشارة؟ قولان: المشهور أنه لا يرده. والشاذ أنه يرده كالمصلي. والفرق بينه وبين المصلي على المشهور أن المصلي ممنوع من الكلام فجاز له الانتقال إلى الإشارة، والمؤذن غير ممنوع كالمصلي، فلا

стр. 386

يجوز ابتداء السلام عليه لأنه بين أن يترك الرد فيأثم أو يتكلم رداً فيفسد (١) نظم الأذان، فإذا تعدى المسلم فسلم عليه قوبل على عدوانه بترك الرد عليه. ولا يؤذن جالساً لأن المقصود الإبلاغ، وهو غير كامل من الجالس. ويؤذن راكبًا. ولا يقيم إلا نازلاً لئلا يفرق بين الإقامة والصلاة بالنزول، إلا أن يكون ممن يصلي على الراحلة للضرورة فيقيم على راحلته. وهل يجوز أذان الجنب والصبي؟ في المذهب قولان: الكراهية، والجواز؛ فأما الكراهية فلأن المؤذن داع إلى صلاة وهذان ليسا ممن يستحق الدعاء إليها. والجواز لأنه ذكر وهذان من أهله. وأعداد المؤذنين بحسب سعة الوقت وضيقه. ولهذا نأمر في المغرب بأن يجتمع جميعهم في أذان واحد. (هل يجوز أخذ الإجارة على الأذان) وهل يجوز أخذ الإجارة على الأذان؟ في المذهب قولان: المشهور جوازه، والشاذ كراهيته؛ فالجواز لما يتكلف من مراعاة الأوقات، والكراهية لأنه ذكر. وكذلك أمره ﷺ بأن يتخذ مؤذناً لا يتخذ (٢) على أذانه الأجرة (٣). ولا تجوز الإجارة على صلاة الفرض على المشهور من المذهب.

стр. 387

لكن تجوز الإجارة على الأذان والصلاة جميعاً فتكون الصلاة بالأجرة على حكم التبع. واختلف المتأخرون لو طرأ عليه ما يمنعه الإمامة هل يسقط نصيبها من الأجرة أو لا يسقط؟ وهو على الخلاف في الأتباع هل لها قسط من الثمن أم لا؟ فصل (في حكاية الأذان) ويؤمر سامع الأذان بحكايته، لكن اختلف في منتهى ما يحكي السامع؛ فالمشهور أنه إلى آخر التشهدين (١). وهل يكرر التشهدين لتكرار المؤذن، أو يكرر إذا تكرر الأذان؟ في ذلك قولان: [أحدهما: التَّكرار في جميع ألفاظه، وبه تحصل الحكاية كما (٢) يفعل المؤذنون، والقول الثاني: أنه يكفيه حكايته إلى التشهدين. وكذلك الخلاف في المذهب أيضاً هل يحكي جماعة من المؤذنين أو يكفيه واحد؟ فيه قولان في المذهب. ينشأ (٣) على مسألة أصولية وهي أن الألف واللام هل للجنس أو للعهد؟ في ذلك قولان] (٤)، وقد مر عليه الكلام في سؤر الكلاب. والشاذ أنه يحكيه إلى آخر الأذان لما روى عمر عن النبي (٥) من وصفه لما يحكيه السامع إلى أن يبلغ "فقال السامع لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة"، ويعوض عن الحيعلتين بالحوقلتين (٦). وإنما ذلك لأن سائر ألفاظ الأذان ذكر وهو يفيد

стр. 388

الحاكي، وأما قول المؤذن "حي على الصلاة حي على الفلاح" فمعنى ذلك هلموا إلى الصلاة هلموا إلى الفلاح فلا يفيد الحاكي قولها فيما بينه وبين نفسه، فيعوض عن ذلك بأن يقول كلاماً يناسب قول المؤذن ويكون جوابًا له بأن يبرأ من الحول والقوة على إتيان الصلاة والفلاح إلا بحول الله تعالى وقوته. (هل يحكي الأذان من كان في الصلاة) وهل يحكي الأذان من كان في صلاة؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يحكيه (١) في الفرض ولا في النفل. والثاني: أنه يحكيه فيهما. والثالث: أنه يحكيه في النفل دون الفرض (٢)، وهو المشهور. وهاهنا عبادتان: إحداهما ما هو فيه من الصلاة، والثانية [ما أمر به من حكاية قول] (٣) المؤذن؛ فمن غلب حكم الصلاة، قال لا يحكي، ومن التفت إلى أنه ذكر- والصلاة محل الأذكار- قال يحكيه (٤)، ومن فرق فلتأكيد الفرض وخفة الأمر في النفل. وإذا قلنا يحكيه في الصلاة فإنما يبلغ إلى آخر التشهدين. ولو قال في الصلاة حي على الفلاح (٥) فإنها تبطل، وهذا إذا كان عامداً وأما الناسي فلا تبطل. والجاهل يجري على القولين (٦) في الجهل هل حكمه هو حكم

стр. 389

العمد أم حكم النسيان؟ ولاشك أن من أمر بالأذان فتركه لا تبطل صلاته. وأما من أمر بالإقامة فتركها فإن كان سهواً لم تبطل صلاته. وأما العامد ففيه قولان: المشهور أنها لا تبطل، والشاذ أنها تبطل، وهو على الخلاف في تارك السنن متعمداً هل يعد عابثاً فتبطل عبادته أم لا يعد كذلك؛ لأنه غير مأثوم في الترك فلا تبطل؟ ... باب في ذكر فروض الصلاة وسننها وفضائلها (فروض الصلاة) ولنذكر ما قال الناس في ذلك جملة ثم نأخذ في تفصيله. وأما الفروض فهي قسمان: أحدهما: ما ليس من نفس الصلاة، والآخر: من نفسها؛ والذي ليس من نفس الصلاة قسمان: قسم سابق، وقسم مقارن؛ فالسابق ثلاثة: طهارة الحدث، وطهارة الخبث، وستر العورة. والمقارن ثلاثة: استقبال القبلة، والنية، وترتيب الأداء. والذي هو من نفس الصلاة عشرة أشياء وهي: تكبيرة الإحرام، والقيام لها، وقراءة أم القرآن، والقيام لها، والركوع، والرفع منه، والسجود، والرفع منه، وقدر ما يوقع فيه [السلام] (١) من الجلسة الآخرة، والسلام. (سنن الصلاة) وسننها عشرة: وهي ماعدا تكبيرة الإحرام من التكبيرات، وقول الإمام سمع الله لمن حمده، وقراءة السورة التي مع أم القرآن، والقيام لها، والجهر فيما يجهر فيه، والإسرار فيما يسر فيه، والتشهد الوسط، والجلوس له. والزائد على مقدار الفرض من الجلوس الآخر، والتشهد فيه. وفي

стр. 390

الطمأنينة، والصلاة على النبي ﷺ قولان: قيل هما من الفروض، وقيل: من السنن. (فضائل الصلاة) وفضائلها سبع: وهي رفع اليدين في الافتتاح، وترتيب القراءة بأن يطيل (١) في الصبح، ويقصر في المغرب (٢)، والظهر تلي الصبح، والعشاء الآخرة تليها، والعصر تلي العشاء الآخرة، وقول المأموم آمين، وقوله ربنا ولك الحمد، والتسبيح في الركوع، والدعاء في السجود، والقنوت. وهذه الفروض والسنن والفضائل منها مجمع عليه، ومنها مختلف فيه؛ فأما الطهارة من الحدث فقد تقدم أنها من المجمع عليه، وأما الطهارة من الخبث فقد تقدم الخلاف في فرْضيتها. وأما ما عدا هاتين (٣) فنبين حكمه عند أبوابه على محاذاة (٤) ترتيب الكتاب. ... باب في أحكام التكبير وقد قدمنا أن تكبيرة الإحرام فرض من فروض الصلاة وما عداها سنة (٥) كما يحكي جميع أهل المذهب. وقال أبو الوليد الباجي: مقتضى مسائلهم وجوب التكبير جميعه. وإنما عول على أن السجود يجب عوضاً عن تركه (٦). فمتى (٧) ترك السجود بطلت الصلاة على قول. وهذا يأتي بيانه في باب السهو إن شاء الله.
следующие страницы →