← Фикх малики

Фикх малики · id 121378

التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات

أبو الطاهر ابن بشير

Полный текст (942 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

يجوز ابتداء السلام عليه لأنه بين أن يترك الرد فيأثم أو يتكلم رداً فيفسد (١) نظم الأذان، فإذا تعدى المسلم فسلم عليه قوبل على عدوانه بترك الرد عليه. ولا يؤذن جالساً لأن المقصود الإبلاغ، وهو غير كامل من الجالس. ويؤذن راكبًا. ولا يقيم إلا نازلاً لئلا يفرق بين الإقامة والصلاة بالنزول، إلا أن يكون ممن يصلي على الراحلة للضرورة فيقيم على راحلته. وهل يجوز أذان الجنب والصبي؟ في المذهب قولان: الكراهية، والجواز؛ فأما الكراهية فلأن المؤذن داع إلى صلاة وهذان ليسا ممن يستحق الدعاء إليها. والجواز لأنه ذكر وهذان من أهله. وأعداد المؤذنين بحسب سعة الوقت وضيقه. ولهذا نأمر في المغرب بأن يجتمع جميعهم في أذان واحد. (هل يجوز أخذ الإجارة على الأذان) وهل يجوز أخذ الإجارة على الأذان؟ في المذهب قولان: المشهور جوازه، والشاذ كراهيته؛ فالجواز لما يتكلف من مراعاة الأوقات، والكراهية لأنه ذكر. وكذلك أمره ﷺ بأن يتخذ مؤذناً لا يتخذ (٢) على أذانه الأجرة (٣). ولا تجوز الإجارة على صلاة الفرض على المشهور من المذهب.

стр. 387

لكن تجوز الإجارة على الأذان والصلاة جميعاً فتكون الصلاة بالأجرة على حكم التبع. واختلف المتأخرون لو طرأ عليه ما يمنعه الإمامة هل يسقط نصيبها من الأجرة أو لا يسقط؟ وهو على الخلاف في الأتباع هل لها قسط من الثمن أم لا؟ فصل (في حكاية الأذان) ويؤمر سامع الأذان بحكايته، لكن اختلف في منتهى ما يحكي السامع؛ فالمشهور أنه إلى آخر التشهدين (١). وهل يكرر التشهدين لتكرار المؤذن، أو يكرر إذا تكرر الأذان؟ في ذلك قولان: [أحدهما: التَّكرار في جميع ألفاظه، وبه تحصل الحكاية كما (٢) يفعل المؤذنون، والقول الثاني: أنه يكفيه حكايته إلى التشهدين. وكذلك الخلاف في المذهب أيضاً هل يحكي جماعة من المؤذنين أو يكفيه واحد؟ فيه قولان في المذهب. ينشأ (٣) على مسألة أصولية وهي أن الألف واللام هل للجنس أو للعهد؟ في ذلك قولان] (٤)، وقد مر عليه الكلام في سؤر الكلاب. والشاذ أنه يحكيه إلى آخر الأذان لما روى عمر عن النبي (٥) من وصفه لما يحكيه السامع إلى أن يبلغ "فقال السامع لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة"، ويعوض عن الحيعلتين بالحوقلتين (٦). وإنما ذلك لأن سائر ألفاظ الأذان ذكر وهو يفيد

стр. 388

الحاكي، وأما قول المؤذن "حي على الصلاة حي على الفلاح" فمعنى ذلك هلموا إلى الصلاة هلموا إلى الفلاح فلا يفيد الحاكي قولها فيما بينه وبين نفسه، فيعوض عن ذلك بأن يقول كلاماً يناسب قول المؤذن ويكون جوابًا له بأن يبرأ من الحول والقوة على إتيان الصلاة والفلاح إلا بحول الله تعالى وقوته. (هل يحكي الأذان من كان في الصلاة) وهل يحكي الأذان من كان في صلاة؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يحكيه (١) في الفرض ولا في النفل. والثاني: أنه يحكيه فيهما. والثالث: أنه يحكيه في النفل دون الفرض (٢)، وهو المشهور. وهاهنا عبادتان: إحداهما ما هو فيه من الصلاة، والثانية [ما أمر به من حكاية قول] (٣) المؤذن؛ فمن غلب حكم الصلاة، قال لا يحكي، ومن التفت إلى أنه ذكر- والصلاة محل الأذكار- قال يحكيه (٤)، ومن فرق فلتأكيد الفرض وخفة الأمر في النفل. وإذا قلنا يحكيه في الصلاة فإنما يبلغ إلى آخر التشهدين. ولو قال في الصلاة حي على الفلاح (٥) فإنها تبطل، وهذا إذا كان عامداً وأما الناسي فلا تبطل. والجاهل يجري على القولين (٦) في الجهل هل حكمه هو حكم

стр. 389

العمد أم حكم النسيان؟ ولاشك أن من أمر بالأذان فتركه لا تبطل صلاته. وأما من أمر بالإقامة فتركها فإن كان سهواً لم تبطل صلاته. وأما العامد ففيه قولان: المشهور أنها لا تبطل، والشاذ أنها تبطل، وهو على الخلاف في تارك السنن متعمداً هل يعد عابثاً فتبطل عبادته أم لا يعد كذلك؛ لأنه غير مأثوم في الترك فلا تبطل؟ ... باب في ذكر فروض الصلاة وسننها وفضائلها (فروض الصلاة) ولنذكر ما قال الناس في ذلك جملة ثم نأخذ في تفصيله. وأما الفروض فهي قسمان: أحدهما: ما ليس من نفس الصلاة، والآخر: من نفسها؛ والذي ليس من نفس الصلاة قسمان: قسم سابق، وقسم مقارن؛ فالسابق ثلاثة: طهارة الحدث، وطهارة الخبث، وستر العورة. والمقارن ثلاثة: استقبال القبلة، والنية، وترتيب الأداء. والذي هو من نفس الصلاة عشرة أشياء وهي: تكبيرة الإحرام، والقيام لها، وقراءة أم القرآن، والقيام لها، والركوع، والرفع منه، والسجود، والرفع منه، وقدر ما يوقع فيه [السلام] (١) من الجلسة الآخرة، والسلام. (سنن الصلاة) وسننها عشرة: وهي ماعدا تكبيرة الإحرام من التكبيرات، وقول الإمام سمع الله لمن حمده، وقراءة السورة التي مع أم القرآن، والقيام لها، والجهر فيما يجهر فيه، والإسرار فيما يسر فيه، والتشهد الوسط، والجلوس له. والزائد على مقدار الفرض من الجلوس الآخر، والتشهد فيه. وفي

стр. 390

الطمأنينة، والصلاة على النبي ﷺ قولان: قيل هما من الفروض، وقيل: من السنن. (فضائل الصلاة) وفضائلها سبع: وهي رفع اليدين في الافتتاح، وترتيب القراءة بأن يطيل (١) في الصبح، ويقصر في المغرب (٢)، والظهر تلي الصبح، والعشاء الآخرة تليها، والعصر تلي العشاء الآخرة، وقول المأموم آمين، وقوله ربنا ولك الحمد، والتسبيح في الركوع، والدعاء في السجود، والقنوت. وهذه الفروض والسنن والفضائل منها مجمع عليه، ومنها مختلف فيه؛ فأما الطهارة من الحدث فقد تقدم أنها من المجمع عليه، وأما الطهارة من الخبث فقد تقدم الخلاف في فرْضيتها. وأما ما عدا هاتين (٣) فنبين حكمه عند أبوابه على محاذاة (٤) ترتيب الكتاب. ... باب في أحكام التكبير وقد قدمنا أن تكبيرة الإحرام فرض من فروض الصلاة وما عداها سنة (٥) كما يحكي جميع أهل المذهب. وقال أبو الوليد الباجي: مقتضى مسائلهم وجوب التكبير جميعه. وإنما عول على أن السجود يجب عوضاً عن تركه (٦). فمتى (٧) ترك السجود بطلت الصلاة على قول. وهذا يأتي بيانه في باب السهو إن شاء الله.

стр. 391

ولا خلاف في وجوب تكبيرة الإحرام في حق الفذ والإمام. وأما المأموم ففي حمل الإمام لها عنه قولان: المشهور أنه لا يحملها قياساً على الركوع والسجود. والشاذ أنه يحملها قياساً على القراءة. (حكم العاجز عن لفظ التكبير) وأما لفظ التكبير عندنا فمتعين لا يجزي غيره من الأذكار؛ لأنه الوارد به والموضع موضع عبادة فيقتصر على ما ورد. ولا يجزي أن يؤتى من التكبير بلفظ سوى اللفظ المعلوم ولا يعوض بـ "الأكبر" ولا بـ "الكبير" لما قلناه من وجوب التعيين، هذا في حق القادر. وأما العاجز عن التكبير لامتناع (١) الكلام عليه فلا شك أنه يدخل في الصلاة بالنية، وإن كان عجزه لأنه (٢) لا يحسن العربية ففي المذهب قولان: أحدهما: يعوض بلسانه الذي يحسنه؛ لأن المعنى هو المطلوب في حقه. والثاني: أنه لا يعوض بلسانه الذي يحسنه جموداً على ما ورد. ولا خلاف أنه لا يعوض عن القراءة بلسان غير عربي؛ لأن الإعجاز في اللفظ العربي. لكن اختلفوا هل يعوض أذكاراً أم لا على قولين؟ وسبب (٣) الخلاف ما ورد في بعض الطرق عنه ﷺ في تعليم الأعرابي الذي لم يحسن الصلاة فإنه أمره بالقراءة أو بذكر الله تعالى إن لم يحسنها (٤) ولم يرد ذلك في أكثر الطرق. وبين الأصوليين خلاف في زيادة العدل هل تقبل أم لا؟ ...

стр. 392

فصل (تكبيرة الإحرام للمأموم) وإذا قلنا بوجوب تكبيرة الإحرام في حق المأموم، فإن كبر للركوع [ناوياً للإجزاء عن تكبيرة الإحرام] (١) صح له ذلك، وإن كبر ولم ينو فلا يخلو من أن يعلم أنه لو عاد (٢) إلى القيام أمكنه تكبيرة الإحرام وإدراك الإمام، أو يعلم أنه لا يدركه؛ فإن علم أنه لا يدركه فهل يعود إليه؟ فيه قولان. وسببهما هل يراعى الخلاف فلا يعود- لأن أحد قولي مالك أنه يجزيه- أو لا يراعي فيعود. وإذا قلنا إنه يعود فهل يسلم أم لا؟ قولان: وجوب السلام - وهو مقتضى الأخذ بالمذهب- ومراعاة قول من اجتزى بالأول. وتركه هو بناء على ترك مراعاة الخلاف بالجملة. وإذا قلنا إنه يتمادى ولا يعود أو قلنا بالتمادي لأنه خاف فواتها مع الإمام فإنه يتم الصلاة ويعيد. وهل الإتمام هو الواجب والإعادة احتياطاً أو بالعكس؟ للمتأخرين قولان. وفائدة الخلاف لو بطلت الصلاة التي تمادى عليها وصحت الأخرى (٣)، أو بطلت المعادة وصحت التي تمادى عليها ففي الإجزاء بالصحيحة قولان (٤). وهو على ما قدمنا من كون الإعادة واجبة والتمادي أحتياط أو بالعكس. وإن لم يكبر للركوع فعلى المشهور يقطع متى علم، وعلى رواية ابن وهب تجزيه الصلاة. هذا في حق المأموم، وأما الإمام فلا يجزيه إلا تكبيرتان: أحدهما: للإحرام، والثانية: للركوع، وهذا هو المعروف (٥) من

стр. 393

المذهب. وقال أبو الفرج: هذا على القول بأن القراءة فرض في كل ركعة يريد (١)، وعلى القول بأنها ليست بفرض (٢) في كل ركعة (٣) يكون الإمام والمأموم بمنزلة واحدة تجزيهما تكبيرة الركوع إذا قصد بها تكبيرة الإحرام. (حكم القيام لتكبيرة الإحرام) وهل يجب القيام لتكبيرة الإحرام؟ (٤) أما الفذ والإمام فيجب ذلك في حقهما، وهذا يظهر على القول بأن قراءة أم القرآن عليهما فرض في كل ركعة. وأما المأموم؛ ففي المذهب فيه قولان: فمذهب المدونة أنه لا يجب القيام في حقه لتكبيرة الإحرام (٥) لأن القيام يجب عنده للقراءة وهذا لا تجب القراءة في حقه. وفي كتاب ابن المواز وجوب القيام لها قياساً على الإمام والفذ. (ما يفعل من شك في تكبيرة الإحرام) وما يفعله من شك في تكبيرة الإحرام؟ أما الفذ فإن شك [قبل] (٦) أن يركع كبر (٧) من غير سلام وأجزى. وإن ركع ففي قطعه وابتدائه قولان كالإمام. وأما المأموم فلا يقطع. وقد تقدم حكمه إذا أيقن بترك [تكبيرة] (٨) الإحرام. ولا شك مع شكه في الإتيان بها أنه يتمادى ويعيد. وأما الإمام ففيه قولان: أحدهما: أنه يتمادى ويعيد هو ومن خلفه إذا شكوا كشكه. والثاني: أنه يقطع ويقطعون ولا يصح استخلافه هاهنا؛ لأنه إذا لم يكبر لا تجزيهم الصلاة. وأيضاً فقد يمكن أن يكون كبر فيصير كالقاطع عمداً

стр. 394

بخلاف استخلافه إذا ذكر أنه على غير طهارة (١). وأبو الحسن اللخمي يجعل حكمه (٢) كحكم الطهارة (٣). وقد فرقوا في الروايات بينهما، ولعل الفرق أن التكبيرة [ركن] (٤) من نفس الصلاة والطهارة لست كذلك. فإذا ترك التكبير فقد أسقط ركنا من الصلاة وهو الموجب (٥) لانعقادها. فإذا لم تنعقد في حقه فلا يصح الاقتداء به بخلاف إن سقط شرط لها وهو يظن أنه لم يسقطه. على أن قياس الشك في التكبير هو قياس الشك في الطهارة. وبالجملة فقد فرقوا بين الطهارة وبين التكبير، والفرق ما ذكرت. وإذا سلم الشاك ثم ذكر أنه كان كبر ففي إجزائه قولان: أحدهما: الحكم بالإجزاء. حكاه ابن المواز عن مالك وأصحابه. وهذا لأنه ابتدأ الصلاة بنية جزمًا والحكم للابتداء (٦). والثاني: أنه لا يجزيه لأنه أتم الصلاة على تردد فتبطل ويجب عليه ابتداء صلاة لا شك فيها. ... فصل (حكم مسابقة الإمام ومساواته في تكبيرة الإحرام) ومن حكم الإمام أن يتقدم في تكبيرة الإحرام، فإن كبر المأموم من قبله فلا تجزيه الصلاة عندنا. ومتى علم بذلك قطع وابتدأ. وهل يقطع بسلام؟ قولان: مذهب الكتاب أنه يقطع بغير سلام (٧) وهذا جواب من لا يراعي الخلاف (٨). وقال سحنون: يقطع بسلام. وهو جواب من يراعي

стр. 395

الخلاف. وألزمه أبو الحسن اللخمي أن يقول بصحة صلاته لنفسه لو (١) تمادى على (٢) ذلك الإحرام. وحكي عنه أنه قال: لا تصح الصلاة. قال أبو الحسن: وهذا اختلاف قول، أو أنه بني على مذهب مالك؛ (٣) يعني أنه يقطع بغير سلام. وهذا الذي قاله غير صحيح، وإنما مذهب سحنون أن ذلك التكبير لا يجزي كما قاله جميع أهل المذهب. لكنه يقطعه بسلام، ليس لأنه صحيح في نفسه ولكن مراعاة لمذهب الشافعي القائل بصحته. وإن تساوى الإمام والمأموم في تكبيرة الإحرام ففي صحة صلاته في المذهب قولان. والقول بالصحة قياساً على سائر أركان الصلاة، فإنه لو ساواه فيها لم يقل أحد من أهل المذهب ببطلان صلاته. والبطلان هو الصحيح؛ لأن حكم الإمامة يقتضي التقدم. فإذا كبرا معاً لم يحصل التميز الذي يوجبه حكم الإمامة. على أن المساواة في سائر الأركان إنما لم تفسد به الصلاة لأنهم سحبوا حكم السبق في التكبير على سائر (٤) الأركان، وإلا فالقياس يقتضي نفي الصحة. ولو سبق المأموم الإمام في الأركان كالركوع والسجود، فإن المنصوص في المذهب أمر المأموم بالعودة إلى ما فعله قبل إمامه حتى يكون فاعلاً بعده. فإن لم يفعل (٥) فالمنصوص صحة (٦) الصلاة، وهذا مما ألزمت فيه بعض الأشياخ (٧)، البطلان. لأنه لم يحصل الاقتداء به في الأركان، فالتزموه على القول بأن الحركة إلى الأركان مقصودة. قال: وعلى

стр. 396

القول بأن [الحركة إلى الأركان] (١) غير مقصودة تصح الصلاة. وهو معنى ما وقع في الروايات (٢). ... فصل (ما قيل في رفع اليدين في الصلاة) واختلف في رفع اليدين في الصلاة على خمسة أقوال: فقيل: لا يرفع في تكبيرة الإحرام ولا في غيرها. وهذا في مختصر ابن شعبان. وتأوله بعض الأشياخ على المدونة لقوله: وكان رفع اليدين عند مالك ضعيف (٣). لكنه قد نص على ضعفه في غير تكبيرة الإحرام. والقول الثاني: أنه يرفع في تكبيرة الإحرام خاصة. والقول الثالث: أنه يرفع فيها، وفي الرفع من الركوع. والرابع: أنه يرفع فيهما وفي القيام إلى الثالثة (٤). والخامس: أنه يرفع في ذلك وفي الانحطاط إلى الركوع. وقد وردت أحاديث تقتضي هذه الأقوال. وقد قدمنا أن الرفع من الفضائل. وسببه إما تأهب (٥) لما يقدم عليه من الصلاة ورهبة، وإما نبذ للدنيا على ما نذكره في صفة الرفع. فيمكن أنه ﷺ كان يرفع بحسب ما يكون عليه من الأحوال من رغبة أو رهبة، أو ما يخطر بباله من نبذ الدنيا وطرحها. وهذا (٦) خير ما تأولت عليه هذه الأحاديث الواردة المختلفة في صفة الرفع.

стр. 397

(ما ورد في صفه الرفع) وإذا قلنا بالرفع ففي صفته قولان: أحدهما: أنه يبسط يديه فيجعل ظهورهما مما يلي السماء وبطونهما مما يلي الأرض، وهذه صفة الراهب. والثاني: أنه يرفعهما منتصبتين فيجعل أصابعهما مما يلي السماء (١)، وهذه صفة النابذ للدنيا وراء ظهره. واستحسن هذه الصفة المتأخرون؛ لأنه يمكن بها الجمع بين الأحاديث الواردة على منتهى الرفع. وقد اختلف المذهب في منتهاه على قولين: أحدهما: إلى الصدر، والثاني: إلى المنكبين (٢). فقد روي عنه ﷺ : "أنه كان يرفع يديه حذو صدره" (٣). وروي "حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ" (٤). وروي عنه "حذو أذنيه" (٥). وقد جمع بين هذه الأحاديث مالك ﵀ فقال: يكون الكوع حذو الصدر وطرف الكف حذو المنكبين والأصابع حذو الأذنين. وهذا إنما يعم على القول بأن الرفع صفته نصب الكفين كما تقدم. ...

стр. 398

فصل (ماذا يفعل بعد التكبير) وإذا كبر فما يفعل؟ (١) المشهور من المذهب كراهية الدعاء وغير ذلك من الأذكار بين التكبير وأم القرآن، وكذلك لا يقرأ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (٢)، ولا يقول: "سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلهَ غيرُك" (٣)، ولا يقرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في الفريضة سراً ولا جهراً. وقد رويت أحاديث تقتضي الفصل بين التكبير والقراءة ببعض هذه، فأنكرها مالك خيفة أن يُظن وجوب قراءتها (٤) كما تجب قراءة الفاتحة (٥). لما (٦) روي عنه [من] (٧) أنه كان يقول بعضها. وقوله (٨) في المبسوط إن من جهر بالبسملة (٩) لا شيء عليه، ليس بخلاف كما ظنه أبو الحسن اللخمي، بل نهى في المبسوط (١٠) حرصاً على النفوس من أن تعتقد ذلك

стр. 399

فرضاً (١)، ولم ير بأساً على قائله لأنه (٢) ذكر والصلاة محل الأذكار. ... باب في أحكام القراءة في الصلاة والمعروف من المذهب وجوب القراءة في الصلاة. وقد وقع لابن زياد (٣) ما يؤخذ منه أنها لا تجب، لكن كلامه على صلاة من لم يقرأ. ويمكن (٤) أن يحكم بالصحة مراعاة للخلاف. وروي عن عمر ﵁ أنه صلى فلم يقرأ، فقيل له في ذلك، فسأل عن الركوع والسجود هل أكملت؟ فقيل له أكملت، فقال: لا بأس إذاً. وقد تأول المالكية ذلك على أنه أعاد. وهذا بعيد؛ لأنه يبطل معنى سؤاله عن الركوع والسجود. وتأوله الشافعية على أنه ترك الجهر ولم يترك القراءة جملة. وهذا أقرب من التأويل الأول. وإذا قلنا بوجوب القراءة فهي (٥) متعينة عندنا فلا يقوم مقام أم القرآن غيرها. (ذكر الخلاف في قراءة الفاتحة في الصلاة) وهل تجب في كل ركعة (٦)؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تجب في كل

стр. 400

ركعة. والثاني: أنها تجب في ركعة واحدة. والثالث: أنها تجب في الجل دون الكل؛ فأما تعينها على الجملة فلقوله ﷺ : "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام" (١). وقوله ﷺ : "لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقرَأ بِأُم القُرْآنِ" (٢). وبين الأصوليين خلاف في النفي هل يقتضي [الإجمال] (٣) ويقتضي نفي الصحة أو نفي الكمال (٤) على أقوال بيِانها محال على موضعه. لكن قوله: "لاَ صَلَاة" يحتمل أن يريد به جملة الصلاة فتكون القراءة (٥) في كل ركعة [واحدة] (٦) لازمة (٧). ويحتمل أن يريد الركعة الواحدة لأنها تسمى صلاة. وأما القول بالإجزاء إذا قرأ في الجل؛ فهو بناء على أن الأتباع تقتضي (٨) حكم متبوعها لا حكم نفسها. وفي حديث جابر: "كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصليها إلا وراء الإمام" (٩). فقد اختلف في رفعه إلى النبي ﷺ والصحيح إيقافه على جابر. وبين الأصوليين خلاف في قول الصحابي هل هو حجة أم لا؟

стр. 401

فإذا صلى وترك أم القرآن في جميع الصلاة فقد قدمنا ما في ذلك من الخلاف وبطلانها على المشهور. وإن تركها في ثلاث ركعات أيضاً من الرباعية فالمشهور أيضاً أنها لا تجزيه. وعلى القول بالإجزاء بالأقل (١) تجزيه، وقد نص عليه علي بن زياد. وإن تركها في ركعتين فلا شك على قول ابن زياد في الإجزاء. [وأما على] (٢) المشهور، إن ذكر ذلك بعد الإكمال أعاد بعد أن يسجد لسهوه قبل السلام. والسجود مراعاة لقول (٣) من يقول إنها تجزيه. وإن ذكر ذلك وهو في الصلاة فهل يلغي الركعتين اللتين تركهما فيهما ويبني على ما قرأ فيه أو يتمادى ويعيد. في المذهب قولان؛ فالإلغاء بناء على فرضيتها في الكل أو الجل (٤) وترك مراعاة الخلاف، والتمادي والإعادة بناءً على مراعاة الخلاف. وإن تركها في ركعة من الصلاة الرباعية ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يلغي تلك الركعة المتروكة فيها. والثاني: يسجد لسهوه ويكتفي بصلاته. والثالث: أنه يسجد لسهوه ويعيد. والسجود (٥) نص عليه في كتاب ابن المواز. والإلغاء بناء على فرضيتها في كل ركعة من غير مراعاة للخلاف. والاجتزاء بها بناء على فرضيتها في الجل. والتمادي [والإعادة] (٦) بناء على مراعاة الخلاف. لكن يحتمل أن يكون مذهبه في هذا القول أنها تجزيه، ولكن يراعى قول من يقول بعدم الإجزاء فيؤمر بالإعادة، أو يكون مذهبه أنها غير مجزية (٧). لكن يتمادى مراعاة لقول من يقول إنها مجزية (٨). (ثمرة الخلاف) ويكون ثمرة الخلاف لو تبين له بطلان إحدى الصلاتين هل يكتفي

стр. 402

بالأخرى (١) أو تكون الإعادة في الوقت أو فيه وبعده؟ وعلى القول بالإلغاء هل يكون سجوده قبل السلام أو بعده؟ ينظر؛ فإن جلس بعد ركعتين صحيحتين قرأ فيهما بأم القرآن [وسورة] (٢) فسجوده (٣) بعد السلام لأنه تمخضت له الزيادة بما ألقاه، وإن لم يحصل له الجلوس بعد ركعتين صحيحتين [قرأ فيهما بأم القرآن] (٤) فقد اجتمعت له الزيادة- وهي الركعة الملغية والنقص وهو الجلوس- فيكون سجوده قبل السلام. فهذا أخصر ما قيل [فيه] (٥) من التطويل. وكل (٦) هذا إذا لم يذكر ما ترك من القراءة حتى ركع فرفع رأسه من الركوع. وإن لم يرفع رأسه فهل يعود إلى القيام ويقرأ؟ يجري على القولين في عقد الركعة [ما هو] (٧)؟ هل هو وضع اليدين على الركبتين فلا يعود؟ أو رفع الرأس فيعود؟ وأما إن لم يركع وذكر ذلك بعد ما قرأ السورة فإنه يعود ويقرأ أم القرآن. وهل يعيد قراءة السورة [لوضعها في غير موضعها أو لا إعادة عليه لأنه قرأها؟ قولان. وإذا قلنا يعيد قراءتها هل يسجد أم لا؟ قولان أيضاً. قال سحنون: يسجد لطول القيام (٨). فإذا قلنا لا يعيدها فهل يسجد] (٩) ويعد كالتارك لقراءة السورة لوضعها في غير موضعها أو لا سجود عليه لأنه قد قرأها؟ قولان. فإن ترك أم القرآن في ركعة من الصلاة الثنائية كالصبح وصلاة المسافر وصلاة الجمعة، في المذهب قولان: أحدهما: أنه كالتارك لقراءتها في شطر

стр. 403

الصلاة الرباعية لأن نسبة الواحدة من الثانية كنسبة اثنتين إلى [اثنتين] (١) من الرباعية. والثاني: أنه كالتارك لقراءتها في ركعة من الرباعية. والاختلاف في هذا اختلاف في النظر إلى الركعة في نفسها، أو نسبتها إلى ما معها من الركعات؛ فإن نظر إليها في نفسها فهي يسيرة (٢) وإن نظر إليها بالنسبة إلى ما معها فهي كثيرة (٣). ... فصل (فيمن ترك السورة في الركعتين الأوليين) وأما السورة التي مع أم القرآن في الركعتين الأوليين فقد تقدم أنها من السنن. وحكى أبو الحسن اللخمي عن المذهب قولين آخرين: أحدهما: أنها واجبة. والثاني: أنها مستحبة (٤). وهذا لا نجده في المذهب، وإنما عوَّل في الوجوب على ما نذكره من إعادة الصلاة لتركها عمداً، وإن كان بعد الوقت. والاستحباب على سقوط السجود في تركها. وتركها (٥) لا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن يكون عمداً؛ ففي المذهب ثلاثة أقوال: المشهور: صحة صلاته ولا سجود عليه، بل يؤمر أن يستغفر لينوب (٦) له ثواب الاستغفار على ما فاته من تركها. والقول الثاني: أنه يعيد وإن خرج الوقت. وهذا بناءً على أن من ترك السنن عامداً يجب عليه الإعادة أبداً. والقول الثالث: أنه يسجد قبل السلام كالتارك لها ناسياً (٧). وهذا لأنه يرى أن السجود ورد في

стр. 404

الناسي تنبيهاً على أن العامد أحرى وأولى أن يتدارك الترك بالسجود. وإما أْن يكون سهواً فالمشهور الأمر بالسجود قبل السلام. وفي مختصر ابن شعبان: لا سجود عليه. ومنه أخذ أبو الحسن اللخمي الاستحباب. ويحتمل أن يكون بناء على ما قاله [أولاً] (١) أو لأن السجود لم يرد في ذلك، ولا يتعدى به ما ورد فيه. وهذا هو الظاهر، وهو قول [مالك] (٢) والشافعي. وإما أن يكون جهلاً. وفي الجاهل قولان: هل هو كالعامد أو كالناسي؟ والمشهور أن قراءة غير أم القرآن في الركعتين الآخرتين لا تستحب. ومن قرأ بغير أم القرآن فيهما لم يكن عليه السجود ولا غيره. ووقع لمحمد بن عبد الحكم ما يقتضي استحباب القراءة. ولعله يرى أن الصلوات محل الأذكار، والقراءة من أفضل الأذكار. وتكثيرها في الصلاة مأمور به ما لم يؤد إلى التطويل المخرج للصلاة عن بابها. ... فصل (هل يؤمن الإمام) ويؤمر (٣) الفذ والمأموم عند ختم أم القرآن بأن يقول: "آمين" بلا خلاف. وهل يؤمن الإمام؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يؤمن، والشاذ أنه يؤمن. وسبب الخلاف اختلاف ظواهر [الآثار] (٤). وثبت عنه ﷺ أنه قال: "فإذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين" (٥). وهذا يقتضي ظاهره أن الإمام

стр. 405

لا يؤمِّن. وثبت عنه ﷺ أنه قال: "إِذَا أَمَّنَ الأِمَامُ فَأمَّنُوا" (١). وظاهره أن الإمام يؤمَّن. وقد تؤول الأول على أن المقصود به بيان محل تأمين المأموم. وأنه بعد قول الإمام "ولا الضالين" لا بعد تأمين الإمام. فعلى هذا لا تكون فيه حجة على أن الإمام لا يؤمن. وتؤول الثاني على أن معناه إذا بلغ الإمام التأمين لا أنه يؤمن (٢). والصحيح عند المتأخرين أن الإمام يؤمن لقول ابن شهاب: "وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: آمِينَ" (٣). هذا وإن كان من المراسيل، فإن الصحيح عند الأصوليين القول بها لا سيما مراسيل مثل ابن شهاب. (ما يقول المصلي عند الرفع من الركوع) وينخرط في سلك هذا الخلاف في قول: "رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ". ولمالك في ذلك قولان. وقد روي أن الرسول ﷺ كان يقول ذلك (٤). وفي كتاب مسلم عنه ﷺ أنه كان يقول إذا رفع رأسه من الركوع يقول: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملئ السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (٥). وما وقع لمالك من كراهية أن يقول المصلي: "حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه" (٦). فإنما كرهه لئلا يعتقد أنه من فروض الصلاة أو من فضائلها. وما ورد لابن شعبان من أن

стр. 406

قائل ذلك تبطل صلاته لا معنى له، لما ثبت عنه ﷺ من الثناء، على قائل ذلك. وهل يقول المأموم والفذ والإمام على أحد القولين: "ربنا لك الحمد"، أو "ربنا ولك الحمد" بزيادة الواو، أو هو مخيّر في ذلك؟ واختلفت الروايات عن مالك في ذلك أيهما المستحب؟ فاستحب في رواية ابن القاسم زيادة الواو، وفي رواية إسقاطها. وهو على الخلاف في معنى قول الإمام: سمع الله لمن حمده؛ هل هو دعاء فيكون المستحب إضافة الواو لأن معنى ذلك: اللهم استجيب لنا ولك الحمد على استجابتك، [أو كأنه خبر] (١) فكانه يقول الله سامع لمن حمده فلا يضاف الواو؛ لأن معنى ذلك مجرد التحميد من غير دعاء ولا حمد على الاستجابة (٢). ... باب في حكم من جاء والإمام راكع والمطلوب في حق هذا إدراك الركعة والوصول إلى الصف. وقد اختلف المذهب إذا لم يمكنه الإتيان بهما أيهما الأوْلى؟ فقيل إدراك الركعة هو المقدم، فيركع حيث انتهى. وقيل: إدراك الصف هو المقدم، فلا يركع إلا أن يدرك الصف. وإذا أمرناه بالركوع فهل يدب إلى الصف؟ أما إن بعد فلا يدب إليه، وأما إن قرب دب إليه. ومتى يفعل ذلك هل في حالة الركوع أو بعد رفع رأسه منه؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يدب راكعاً كي (٣) لا يرفع الإمام رأسه وهو غير مستو في الصف. والثاني: أنه يدب بعد رفع رأسه؛ لأن فعل ذلك راكعاً مما يشق، وقد يشوش المشي على حالة الركوع. وما حدّ القرب في المذهب روايتان (٤): إحداهما: أنه الصفان.

стр. 407

والثانية: أنه ثلاثة صفوف. وظنه أبو الحسن خلافاً، وليس كذلك؛ بل المقصود جواز الندب إذا كان قريباً، والاثنان (١) من الثلاثة قريب، ولا أصل للتحديد إلا ما يعد قريباً. ... باب في أحكام الركوع والسجود والجلوس . وقد قدمنا الخلاف في الطمأنينة في أركان الصلاة هل هي فرض أو سنة. وسبب الخلاف تعارض قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٢). وقوله ﷺ للأعرابي: "ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً واجلس حتى تطمئن جالساً فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك" (٣). وبين الأصوليين خلاف في الألفاظ هل تطلق على أوائل الأسماء أو على أواخرها؛ فإن قلنا بانطلاقها على أواخر الأسماء كانت الآية والحديث متفقين. وإن قلنا بانطلاقها على الأوائل فيجزي أقل (٤) ما يقع عليه اسم ركوع بظاهر الآية ويعارضها نص الخبر، وهو من أخبار الآحاد. وبين الأصوليين خلاف في المقدم منها. وكذلك الخلاف في الاعتدال في الرفع من الركوع والسجود هل يجب أم لا على هذا؟ وإذا قلنا بوجوب الطمأنينة فما مقدارها؟ هو أن تستقر الأعضاء في أماكنها وتسكن (٥). وإذا حصل ذلك وزاد المكلف عليه فهل تعد الزيادة

стр. 408

فرضاً لأنها من جنس الفرض ولا فاصل أو تعد نفلاً لأن الفرض ما لا يسوغ تركه؟ وهذا مما لو تركه لم يأثم في ذلك، قولان. وهذا النظر في المقدار المجزي من الركوع والسجود والاعتدال منهما. ويسجد على الأنف والجبهة جميعاً، فإن اقتصر على أحدهما ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجزي إلا السجود عليهما جميعاً لقوله ﷺ : "أُمِرْتُ أَن أَسجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ" (١). فذكر الجبهة، وأشار إلى الأنف. والثاني: إجزاء أحدهما عن الآخر. والثالث: إجزاء الجبهة عن الأنف دون الأنف عن الجبهة. والقولان مبنيان على أن الأمر هل ينطلق على المندوب؟ وقوله ﷺ : "أُمِرْتُ" يحتمل أن يريد [أمرت] (٢) ندباً، والذمم على البراءة فلا تعمر إلا بيقين (٣). لكن التفرقة لأن الوجه (٤) على الجملة به تحصل حقيقة السجود. وفي الحديث: "عفر وجهك (٥) في التراب" (٦). وتخصيص الجبهة يدل على أن السجود على الأنف غير واجب. وأما مقدار الكمال في الركوع والسجود فهي (٧) في الركوع انتصاب الظهر بعد انحنائه ومساواة الرأس حتى لو مُدَّ خيط مستقيم على الظهر والرأس لمُدَّ. ووضع اليدين على الركبتين. وهو في السجود أن يسجد على الرجلين والركبتين والكفين والأنف والجبهة، ويفرج بين بطنه وفخذيه، ويجافي بضبعيه وهما عضداه ومرفقاه عن جنبيه. ومن أهل المذهب من لا يستحب التفريج للمرأة لأن تركه لها (٨) أستر بخلاف الرجال. وأين يضع يديه في سجوده؟ لم يحد مالك في ذلك حدّاً. وروي عن

стр. 409

رسول الله ﷺ أنه كان يسجد بين كفيه، واستحب ذلك المتأخرون من أهل المذهب. ... فصل (في هيئة الجلوس) وهيئة الجلوس (١) عندنا على صفة واحدة في الجلسة الوسطى والآخرة وبين السجدتين. وهو التورك فيفضي بإليتيه إلى الأرض وينصب رجله اليمنى ويجعل باطن إبهامها (٢) مما يلي الأرض، ويثني اليسرى، ويضع يديه على ركبتيه. أما في جلوسه بين السجدتين فيضعهما مبسوطتين. وأما في جلوسه للتشهدين فيبسط اليسرى ويقبض اليمنى. وصورة ما يفعل أن يقبض ثلاثة أصابع وهي الوسطى والخنصر وما بينهما، ويبسط المسبحة، ويجعل جانبها مما يلي السماء، ويمد الإبهام على الوسطى، وهذا كالعاقد (٣) ثلاثة [وعشرين] (٤). وهل يشير بالمسبحة أو يمدها غير محرك لها؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه يشير بها. فقيل المراد بذلك طرد الشياطين وقمعها. وهذا أيضاً تحقيق معناه أنه يقرر (٥) على نفسه

стр. 410

ما يذكر من التشهد (١). ويذكرها بالتقصير عن معاني ما يذكره ويمنعها أيضاً من الغفلة عن ذلك. والقول الثاني: أنه [يبسط (٢) مسبحته (٣) غير محرك (٤) لها. قيل المراد بذلك الإشارة إلى الوحدانية. والقول الثالث: أنه] (٥) يبسطها موحداً إلى أن يبلغ قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله" فيشير بأصبعه مقرراً على نفسه جميع ما يلزمه الإيمان به. وهذا كله لا ينبغي أن يعد خلافاً، وإنما يعد هيئات (٦). وهي عنوان على ما في الباطن فيعتقد (٧) الإنسان منها بقدر ما يكون في باطنه في تلك الحالة من التقرير على النفس، والإشارة إلى التوحيد أو تنبيه النفس على الغفلة عن الذكر. ... باب في أحكام الناعس والغافل والزاحم (٨) وقد قدمنا أن المشروع متابعة (٩) الإمام لا مسابقته ولا مقارنته. وذكرنا حكم المسابقة والمساواة في تكبيرة الإحرام، وحكمها فيما عدا ذلك من الأركان. والمتابعة (١٠) أن يفعل المأموم الأركان عقيب فعل الإمام. فإن لم يمكنه ذلك لأنه نعس نعاساً لا ينقض وضوءه أو زوحم أو غفل، فلا يخلو أن يطرأ له ذلك بعد أن عقد الركوع وعند أخذ الإمام في السجود، أو قبل

стр. 411

أن يعقد مع الإمام الركوع؛ فإن طرأ له بعد أن عقد الركوع فهاهنا يتبع الإمام في السجود ما لم يعقد الإمام الركعة الثانية. وفي عقدها قولان: أحدهما: أنه رفع الرأس منها. والثاني: أنه وضع اليدين على الركبتين. وإن طرأ له ذلك قبل أن يعقد معه الركوع؛ فأما الناعس والغافل ففي تلافي ما فاته من الركوع ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يتلافى بوجه، صحت له مع الإمام ركعة أو لم تصح. لأن المشروع أن يفعل عقيب الإمام، وهذا قد تأخر عنه. وانشغاله بتلافي ما مضى مخالفة عليه. وإنما يشتغل باتباعه فيما يأتي به. والقول الثاني: أنه يتبعه، صحت له مع الإمام ركعة أم لا. وهذا بناء على أن المتابعة (١) إنما تلزم مع القدرة عليها. فإن (٢) لم يتبعه فيصير زائداً في صلاته زيادة مستغنى عنها. وكأن هذين القولين مبنيان على تقابل مكروهين: أحدهما: مخالفة الإمام، والثاني: محاذرة زيادة مستغنى عنها. والقول الثالث: أنه إن عقد مع الإمام ركعة بسجدتيها اتبعه لأنه بانعقادها تنسحب عليها حرمة الجماعة. وإن لم يعقد معه ركعة [بسجدتيها] (٣) فلا يتبعه؛ لأن حرمة الجماعة غير حاصلة. وهذا مذهب الكتاب. وإذا قلنا إنه يتبعه فإلى أي مكان؟ في المذهب قولان: أحدهما: ما لم يرفع رأسه من السجود. والثاني: ما لم يعقد (٤) الركعة الثانية. وسبب الخلاف هل القيام فرض في حق المأموم وإنما يسقط عنه إذا كان مسبوقاً للضرورة (٥) فيتبعه هاهنا ما لم يرفع رأسه من السجود؟ أو القيام

стр. 412

في حقه غير فرض للاتفاق على إدراك المسبوق فيتبعه هاهنا ما لم يعقد الركعة الثانية؟ وإذا قلنا إنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من السجود فهل المراد بذلك السجدتان جميعاً أو السجدة الأولى؟ الظاهر من المذهب أنهما جميعاً. وقال بعض المتأخرين من الأندلسيين المراد السجدة الأولى؛ لأنه إذا رفع رأسه منها حال بينه وبين الاتباع فرض كامل وهو أحد السجدتين. وإذا قلنا إنه يتبعه ما لم يعقد الركعة الثانية فهل عقدها وضع اليدين على الركبتين أو رفع الرأس منها؟ قولان متقدمان (١). (حكم الزاحم) وأما الزاحم ففيه قولان: أحدهما: أنه معذور كالغافل والناعس، بل عذره أظهر إذ لا مبدأ (٢) تفريط عنده. والثاني: أنه غير معذور فلا يتبعه بوجه. وهذا بناء على ما قدمناه من أن الحاضر العقل المتلقي للخطاب لا يتعذر الفعل عليه وهذا إشارة إلى جواز تكليف ما لا يطاق. وقد قدمنا الخلاف فيمن أهريق ماؤه، هل يكون بمنزلة الناسي أو بمنزلة العامد؟ وكذلك المفرق ناسياً إذا ذكر فطال طلبه للماء. ... باب في صفة أداء الصلاة ويؤمر المصلي بالخشوعِ باطناً وظاهراً، وإكمالِ (٣) الأركان، وتحسينِ السنن (٤) والفضائل، وملازمةِ الهيئات. على أن مالكاً كثيراً ما كان يهرب من التحديدات التي لم يشتهر كونها فضيلة أو سنة (٥). ويحاذر أيضاً من ظهور

стр. 413

الخشوع على الظاهر دون الباطن. ولهذا لم يحد أين يضع [المصلي] (١) بصره. وأنكر وضع اليدين إحداهما على الأخرى في القيام في الفرائض، وأجازه فيما إذا طال القيام في النوافل. ولم يحد في البداية عند الانحطاط إلى السجود حدّاً. وحكي في كتاب ابن حبيب أن ابن عمر كان يبتدئ (٢) بوضع ركبتيه على الأرض ثم يديه (٣). وفي المبسوط استحباب الابتداء باليدين قبل الركبتين. قال الأشياخ: وهو أقرب إلى الخشوع. وقد وقع في المذهب أيضاً خلاف؛ هل يستحب الاعتماد على اليدين عند القيام إلى الثانية والرابعة لأنه أقرب إلى الخشوع، أو لا يستحب ذلك إذ لا تحديد ثابت فيه يقتضي كراهية غيره. ومن التواضع وضع أعز الأعضاء على الأرض وهي الجبهة والأنف. وفي معنى الأرض كل ما تنبته مما لا يقصد به الترفه. وقد اختلف في ثياب الكتان والقطن، هل يكره وضع الجبهة والكفين عليهما لأنهما خرجا بالصنعة عما تنبته الأرض، أو لا يكره ذلك التفاتاً إلى أصلهما؟ وقال المحققون من المتأخرين: إذا كان الأصل كراهية الرفاهية فكل ما فيه ترفه ولو كان مما تنبته الأرض كحصر السمان فإنه يكره، وكل ما لا ترفه فيه فإنه لا يكره. وإن كان مما لا تنبته الأرض كالصوف وما يصنع منه مما لا يخرج إلى ما يقصد به الترفه. وهذا إنما يكره في حق الوجه والكفين، وأما غيرهما من الأعضاء فيجوز أن يضعه على كل طاهر. والفرق أن الخشوع والتذلل يحصل بوضع الوجه واليدين على الأرض وما في معناها. وأما غير ذلك من الأعضاء فالرجلان مما لا خشوع (٤) في وضعهما على الأرض. والركبتان مما شرع سترهما، وعلى هذه الأعضاء السجود. والأصل في هذا المعنى الذي قدمناه كون المسجد الحرام محصباً من غير حائل بين المصلي وبين الأرض. وقوله ﷺ :"عفر وجهك (٥) في

стр. 414

الأرض" (١). ويكره ستر اليدين بالكمين في السجود إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة من حر أو برد. ... فصل (حكم السجود على كور العمامة) ويكره السجود على كور العمامة؛ وهو طاقتها. فإن سجد عليها فلا تبطل صلاته إلا أن تكثر الطاقة جداً بحيث تكون كالحائل بين الوجه وبين الأرض، فيصير كأنه أومأ، وفرضه السجود فتبطل صلاته. ... فصل (في حكم من اعتمد على حائط أو عصا) ومن صفة الأداء أن لا يعتمد (٢) على حائط أو عصا في قيامه وجلوسه، فإن اعتمد على ذلك فإن كان اعتماده بحيث لو أزيل المعتمد عليه لسقط بطلت صلاته. لأنه لم يأت بحقيقة القيام ولا الجلوس. وإن كان بحيث لو أزيل لم يسقط صحت صلاته على كراهية (٣) فيها. وهذا في حق من يفرض عليه القيام؛ وهو القادر عليه في صلاة (٤) الفرض. وأما من يعجز عن القيام أو الجلوس إلا معتمداً ففرضه الاعتماد، وله الجلوس مع الاختيار في النافلة (٥)، فأحرى أن يجوز له القيام معتمداً. لكن في المذهب قولان: هل يجوز له الاضطجاع في النافلة مع القدرة على الجلوس؟ فعلى

стр. 415

القول بجواز ذلك لا شك في جواز الاعتماد في الجلوس، وعلى القول بمنع الاضطجاع مع الاختيار قد يمنع الاعتماد في الجلوس. إلا أن يقال إن النافلة محل الرخص وهذا منه. وإنما الخلاف في جواز الاضطجاع، فيه (١) خلاف في وروده على ما سيأتي بيانه. ... باب في أحكام المريض وقد قدمنا تحديد الفروض جملةً وتفصيلاً، وذلك في حق القادر. وأما العاجز فقد ذكرنا حكمه في التكبير والقراءة، وأما غير ذلك من الأركان فإن عجز عن جميعها بالمرض أو ما في معناه، فلا يخلو من أن يقدر على حركة بعض أعضائه، كرأسه أو يديه أو حاجبه أو غير ذلك من الأعضاء، فهذا لا خلاف أنه يصلي، ويؤمر بما قدر على حركته. وإن عجز عن جميع الحركات ولم يبق له سوى النية بالقلب فهذه الصورة لا نص فيها في المذهب. وأوجب الشافعي عليه إيجاب القصد إلى الصلاة بقلبه لأن روح الصلاة القصد [وبه تتم] (٢). فمقصودها حالة تحصل بالقلب. وأسقط أبو حنيفة الصلاة عن من وصل إلى هذه الحالة. لأن الصلاة أقوال وأفعال، والنية قصد إلى التقرب بالأقوال والأفعال. فإذا عجز عن التقرب بها فلا مقصود هاهنا يتميز بالنية. وقد طال بحثنا عن مقتضى المذهب في هذه المسألة. والذي عولنا عليه في المذاكرات موافقة مذهب الشافعي مع العجز عن نص يقتضيه في المذهب. فالمسالة في غاية الإشكال من [جهة أن التكليف لا يمكن إلا متمكناً ولا يقع التكليف إلا بممكن (٣). ولكن] (٤) الاحتياط مذهب الشافعي،

стр. 416

والرجوع إلى براءة الذمة هو مقتضى مذهب أبي حنيفة. ولا يبعد أن يختلف المذهب في هذه المسألة [وإن وجد فيها نص] (١). وإن قدر على بعض الأركان دون بعض أتى بالمقدور عليه وسقط عنه المعجوز عنه. لكن اختلف الأشياخ في من قدر على القيام فإن ركع وسجد لم يقدر على النهوض إلى القيام في باقي الركعات، وإن أومأ استمر على القيام؛ فقال بعضهم: يركع ويسجد ويسقط عنه القيام في باقي الصلاة؛ لأن الركوع والسجود فرض وله حق السبق في الحال، فلا يسقطه (٢) القيام. وفيه خلاف هل هو فرض لنفسه أو للقراءة. وفي القراءة خلاف هل هي فرض أم لا؟ وقال بعضهم: بل يكمل صلاته إيماء لأنه يأتي بالبدل عن الركوع والسجود وهو الإيماء، والقيام لا بدل عنه, لأن الجلوس حالة من أحوال الصلاة، وليس من جنس القيام بسبيل. وعلى هذا الرأي يركع ويسجد في الركعة الآخرة لأنه لا يجب عليه القيام فيعود إليه. ولو قدر على القيام والجلوس ولم يقدر على الركوع والسجود جملة؛ فإنه يومئ للركوع والسجود. وكيف صفة إيمائه؟ قال الأشياخ: يومئ للسجدة الأولى (٣) من القيام وللسجدة الثانية من الجلوس إن أمكنه ذلك. وهذا لأنه يخر إلى السجدة الأولى من قيام، فيفعل في الإيماء ما كان يفعله في السجود. وهل عليه أن يبلغ في الإيماء منتهى وسعه؟ ظاهر المذهب على قولين: أحدهما: أنه ليس عليه ذلك. وأخذ من قوله في الكتاب: ويجعل إيماؤه للسجود أخفض منه للركوع (٤) والثاني: عليه استيفاء ما في وسعه. وأجرى أبو الحسن اللخمي هذا الخلاف على الخلاف في الحركة إلى الأركان. وهل هي مقصودة أم لا؟ وفي ذلك نظر لأن المطلوب هاهنا

стр. 417

إيماء يكون (١) عوضاً عما عجز عنه. وقد عجز عن كمال السجود فيطالب بكمال الإيماء. وكماله هو المعنى المفروض كنفس السجود، وليس هو في حق هذا كالحركة إلى الأركان، بل هو الركن في نفسه. والذي في الكتاب إنما ذكر فيه أن يفرق فيه بين الإيماء للركوع وبين الإيماء للسجود. فيمكن أن يريد أنه يبلغ وسعه في إيمائه إلى السجود ويقصر عن ذلك في الركوع للفرق بين الركعتين مما كان في المنزلة [لو كان صحيحاً] (٢). ... فصل (في المريض يصلي حسب ما تيسر له) ويصلي المريض بحسب ما يمكنه ويتدرج في إسقاط الفروض والسنن والفضائل بحسب ما تدعو الضرورة إلى إسقاطها. فإن قدر على القيام لكن عجز عن تطويل القراءة (٣) في الصبح والظهر مثلاً، فيصلي بأم القرآن وسورة [من] (٤) القصار (٥) أو بأم القرآن خاصة. فإن عجز عن كمال القيام بأم القرآن (٦)، فهاهنا مقتضى الروايات أنه ينتقل إلى الجلوس. وهذا ظاهر على القول بأن قراءة أم القرآن فرض في كل ركعة. وأما على القول بأنها فرض في ركعة واحدة فإنه ينبغي أن يقوم بمقدار ما يمكنه إلا في ركعة (٧) واحدة فإنه يجلس ليأتي بأم القرآن. لكن اختلف المذهب هل القيام مقصود لنفسه وعليه يتخرج ما قلناه، أو هو مقصود للقراءة فإذا لم يمكن (٨) الإتيان بها سقط؟ وهكذا يجري الأمر

стр. 418

إن قلنا إن القراءة فرض في الجل فيختلف في الأقل على حسب ما بيناه (١). ولو عجز عن القيام إلا متوكئاً ففرضه (٢) التوكؤ. فإن جلس أعاد أبداً ولو عجز عن الجلوس إلا مستنداً ففرضه الاستناد. فإن اضطجع أعاد أبداً (٣). وفي الكتاب لا يستند بحائض ولا جنب (٤)، فإن فعل أعاد في الوقت. واختلف في علة ذلك. فقال أبو محمد بن أبي زيد إنما هذا إذا (٥) كان في ثيابهما وأبدانهما نجاسة. وعلى هذا لا فرق بين الحائض والجنب وغيرهما. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: إنما ذلك لأنهما معينات للمصلي. فيستحب أن يكون المعين على أكمل الأحوال، كما يؤمر حامل الجنازة بأن يتوضأ ليكون على (٦) أكمل الأحوال. وألزم على هذا ألا يستند إلا إلى متوضئ. والظاهر أنه خص الجنب والحائض بالكراهية لمخالفتهم حالة (٧) المصلي. فإن استند بهما فقد صار مرتكباً لنهي الكراهية. فيتلافى (٨) ارتكابه لذلك بأن يعيد في الوقت استحباباً. وأجاز أشهب الاستناد إلى الحائض والجنب. وعلى طريقة (٩) أبي محمد ابن أبي زيد لا يعد خلافاً لأن معنى الإجازة إذا لم تكن معهما نجاسة، وعلى الطريقة الأخرى يكون خلافاً.

стр. 419

(كيف يستلقي المريض في صلاته) وإن لم يقدر إلا على الاستلقاء بالأرض فيصلي مستلقياً. وكيف صفته؟ فيه قولان: فقيل يبدأ بجنبه الأيمن تعويلاً على قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (١)، وحمل الذكر هاهنا على الصلاة، وقياساً على الدفن. وقيل يبدأ بالاستلقاء على الظهر ويجعل رجليه مما يلي القبلة حتى لو أقيم لكان مستقبلاً. وهذا لأنه يشير برأسه ويديه. وبهذه الصورة تحصل الإشارة إلى القبلة. ويحمل قائل هذا الذكر (٢) [في الآية] (٣) على أنه في غير الصلاة لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ (٤)، وظاهره ذكر بعد انقضاء الصلاة. وإذا قلنا إنه يبتدئ بالجانب الأيمن فإن لم يستطع فهل يصلي مستلقياً على ظهره لما قلنا من حصول الإشارة إلى القبلة أو على الجانب الأيسر لاشتمال الآية في أحد التأويلين عليه؟ في ذلك قولان. ومتى افتتح الصلاة على صورة الكمال فطرأ له العجز أو بالعكس أتم على حسب ما عادت إليه حالته بلا خلاف عندنا. وإن عجز عن استقبال القبلة بنفسه حُوِّلَ إليها، فإن عجز عن تحويله سقط حكم الاستقبال في حقه كالمسايف. وفي الكتاب إذا صلى إلى غير القبلة أعاد ما دام في الوقت بمنزلة الصحيح (٥). فأما من صلى (٦) وهو قادر على التحويل أو التحول فينبغي أن يعيد أبداً. وأما من لم يقدر على ذلك لفقد من يحوله فينبغي أن يختلف في إعادته كما اختلف في [إعادة] (٧) المريض يعدم من يناوله الماء فيتيمم ويصلي ثم يجد من يناوله. وقد مر الخلاف في ذلك.

стр. 420

(صفة جلوس المريض) وإذا قدر المريض على الجلوس ولم يقدر على التخيير (١) في صفته صلى بحسب ما يمكنه. فإن قدر على التخيير؛ فالمشهور من المذهب فيه وفي المتنفل جالساً أنه يتربع في موضع القيام. وعوَّل في ذلك على فعل ابن عمر. وقد كان يتربع، وهو كثير الاقتداء بأفعال الرسول ﷺ . وحكى محمد بن عبد الحكم أن الأولى أن يجلس في موضع القيام كجلوسه في موضع الجلوس، واستحبه (٢) المتأخرون؛ لأنه أقرب إلى التواضع والمتربع مخالف لصفة المتواضع. وقد قيل: إن ابن عمر إنما كان يجلس كذلك لعلة كانت برجله تمنعه من التربع. لكن هذا الذي حكاه محمد بن عبد الحكم لا يحصل به الفرق بين جلوس القيام وجلوس التشهد. وحكى الشافعي في الاختيار في الجلوس ثلاثة أوجه: أحدها: ما حكاه ابن عبد الحكم. والثاني: أنه يجلس ويضم ركبتيه إلى صدره كالمحتبي. والثالث: أنه يجلس ضاماً لركبته اليمنى إلى صدره وثانياً لركبته اليسرى، كالجالس بين يدي أستاذه. وبالجملة فالمقصود صفة تفرق بينهما وبين الجلوس للتشهد وتكون صفة تقتضي التواضع، ومتى خولفت لم تبطل الصلاة بلا خلاف (٣). ... فصل (إذا تعذر عليه السجود) وإذا امتنع [السجود] (٤) لعلة بالوجه، فإن المشروع (٥) الإيماء كما

стр. 421

قدمناه. فإن أبدل الإيماء بأن رفع إلى وجهه شيئاً، ففي الكتاب لا إعادة عليه (١). وقال أشهب: إنما ذلك إذا أومأ، فإن لم يومئ أعاد أبداً. وقد قدمنا هل يجب عليه كمال ما في وسعه من الإيماء أم لا؟ ... فصل وهذا حكمه إذا كان لم يدخل المرض على نفسه، فإن أدخله بأن قدح (٢) الماء من عينه حتى صار يصلي مستلقياً؛ ففي المذهب قولان: أحدهما: صحة صلاته ولا إعادة عليه، قاله أشهب وغيره من أهل المذهب، كالمسافر يطلب الأرباح لأنه يسافر طلباً لنماء المال وشق المفازات فينتقل إلى التيمم، فأحرى أن يجوز له الانتقال إلى الإيماء لطلب الصحة للجسم. ومذهب المدونة يعيد (٣) أبداً. ولعل هذا بناءً على أن الرخص لا يقاس عليها. وعلل بأن القادح لا يوقن (٤) بالبرء، والعادة جارية بذلك غالباً. فكأنه انتقل عن الكمال إلى أمر متردد في نجحه وعدم نجحه، بخلاف الأسفار في طلب الأرباح فإن الغالب وجودها. وقائل هذا الأمر لم يقف على حقيقة الأمر في القدح. والغالب وجود المنفعة به. والدواء فيه أظهر نجحاً من غيره فأحرى أن يجوز له أن ينتقل إلى الإيماء ليطلب الصحة. ومذهب المدونة أنه يعيد أبداً. وهل هذا بناء منه على أن الرخص لا يقاس عليها أو بناء منه على أنه لا ينجح في طلب المقصود، وأن العادة عنده جارية بذلك فلا يجوز له أن ينتقل إلى الإيماء وكذلك التيمم؟ ...

стр. 422

باب في الصلاة على الدابة ومن اضطر إلى الصلاة على الدابة لعدم القدرة على النزول إما لمرض أو لخوفه، صلى الفريضة عليها. فإن قدر على التحول إلى القبلة تحوّل، وإلا سقطت في حقه. فإن أمن الخائف في الوقت فهل يعيد؟ قولان: أحدهما: أنه يعيد في الوقت. وهذا لظهور الأمن في الوقت. وحقه أن يؤخر إليه. والثاني: أنه لا يعيد قياساً على الخائف من العدو. وإن قدر المريض على النزول إلى الأرض وكانت صلاته بالأرض أكمل من صلاته على الدابة، فلا خلاف أنه يجب عليه النزول. فإن لم يفعل بطلت صلاته. وإن تساوت حالاته وكانت صلاته على الدابة كصلاته على الأرض لأنه لا يمكنه الإيماء، فهاهنا قولان: أحدهما: أنه ينزل لقوله ﵇: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرضُ (١) مَسجداً وَطَهُوراً" (٢). والثاني: أنه لا ينزل لتساوي حالته. والحديث محمول على بيان جواز الصلاة (٣) بكل مكان من غير اختصاص بمكان مخصوص. وقد حمل أبو محمد بن أبي زيد على المدونة أنه متى تساوت حالته صلى على الدابة. وإنما تكلم في الكتاب على أنه مختلف الحالة، وحمل عليها غيره من الأشياخ أنه ينزل وإن تساوت حالته حتى يباشر الأرض ليظهر التواضع. وهذا الكلام في الفرض. وأما النافلة فلا يصلي عندنا على الدابة اختياراً في الحضر والسفر الذي لا تقصر فيه الصلاة، وقد ثبتت في رخص الشريعة. وهي على ثلاثة أقسام: قسم تقرر الإجماع أنه لا يختص بالسفر كأكل الميتة للمضطر ومسح الجبيرة، عند من أجازه. وقسم تقرر الإجماع على اختصاصه بالسفر كقصر الصلاة والفطر في رمضان. وقسم اختلف في اختصاصه وعدم اختصاصه كالمسح على الخفين. وقد تقدم الخلاف فيه. والتيمم تقدم الخلاف فيه

стр. 423

أيضاً. وتبديل هيئة الصلاة للخوف، وقد اختلف الناس فيه، وفي المذهب قولان. والجمع في السفر لا اختلاف في تخصيصه من حيث الجملة، لكنه اختلف المذهب هل (١) يختص بسفر القصر أو يعم كل سفر. وأما الجمع للمريض فإنه مما يعم السفر والحضر. والجمع للمطر (٢) اختلف الناس فيه (٣)، والمذهب جوازه. وإذا أجزناه عم الحضر والسفر. وأما ما نحن بسبيله هو التنفل على الدابة؛ فيختص عندنا بالسفر كما تقدم إذ لم يثبت في غير سفر وإنما ورد في السفر. فإذا ثبت جوازه فلا يتعدى به ما ورد. ولهذا لا يؤمر المصلي على الدابة بالركوع والسجود، بل يجزيه الإيماء. وإن أمكنه التربع في موضع القيام والتهيئ للإيماء والتورك في موضع الجلوس فعل، وإلا سقط عنه ذلك. ويصلي حيث ما توجهت به دابته، ولا يلزمه التوجه للقبلة للإحرام ولا في غيره إذا كان توجهه إلى غير القبلة. لكن يجعل المكان الذي توجه إليه كالقبلة في حقه فلا يلتفت عنه. وقد حمل قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٤)، على التنفل على الدابة. وله أن يضرب الدابة التي تحته أو غيرها إن احتاج إلى ذلك ويركض ما تحته، لكن يلزم ترك الكلام، وهذا لأنه يفعل ما هو من مصلحة سفره بحسب ما تدعو الضرورة إليه ويترك ما لا تدعو إليه الضرورة. ...

стр. 424

فصل (هل تقاس السفينة على الدابة) وقد (١) ثبت جواز صلاة النافلة إلى غير القبلة على الدابة. وهل يجوز ذلك في السفينة إذا دعت الضرورة إليه؟ فيه قولان: المشهور منعه، والشاذ جوازه. ومبناه على الخلاف في القياس على الرخص هل يقاس عليها أم لا؟ فمن منع منه جاء منه (٢) ما في المشهور، ومن أجازه جاء منه الشاذ. (جواز التنفل جلوساً) ولا خلاف (٣) في جواز ترك القيام في النافلة. وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يصليها جالساً مع القدرة على القيام، وأخبر أن صلاة الجالس على النصف من صلاة القائم (٤). لكن اختلف أهل المذهب هل انحطاط الأجر مختص بالقادر لأنه تارك (٥) لحظه من القيام، أو يعم القادر والعاجز لعموم الحديث؟ فهذا إذا افتتح الصلاة جالساً. ولو افتتحها قائماً ثم شاء الجلوس؛ ففي المذهب قولان: أجازه في الكتاب (٦)، ومنعه أشهب. وسبب الخلاف هل تمادي القيام كالعمل المتصل فيلزم تمامه على ما ابتدأ به قياساً على صلاة النافلة والصوم والحج، أو كل جزء من القيام

стр. 425

عبادة قائمة بنفسها فلا يلزمه تمامه على ما ابتدئ به إلا أن ينذره بلفظه؟ (١) ولا شك أن من افتتح الصلاة جالساً فله القيام، وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يفعله (٢). (الخلاف في التنفل للمضطجع) وهل يجوز التنفل مضطجعاً؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجوز على الإطلاق؛ لأنها صفة لم ترد. والثاني: جوازه على الإطلاق، قياساً على ترك فرض القيام، وأيضاً فلما ورد في بعض الطرق من أن صلاة القائم على النصف من صلاة الجالس (٣)، وصلاة المضطجع على النصف من صلاة الجالس (٤). لكن بين الأصوليين خلاف في زيادة العدل هل تقبل أم لا؟ والثالث: جوازه لمن لا يمكنه الجلوس دون القادر، قياساً على صلاة الفرض. وكذلك اختلف في جواز الإيماء في النافلة مع القدرة على الركوع والسجود؛ فقيل: يجوز قياساً على ترك القيام [في النافلة] (٥)، وقيل: يُمنع إذ لم يرد إلا في السفر على الدابة. وفي الكتاب لا بأس بالاحتباء في النوافل للجالس بعقب تربعه (٦).
следующие страницы →