← Фикх малики

Фикх малики · id 121378

التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات

أبو الطاهر ابن بشير

Полный текст (942 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قدمناه. فإن أبدل الإيماء بأن رفع إلى وجهه شيئاً، ففي الكتاب لا إعادة عليه (١). وقال أشهب: إنما ذلك إذا أومأ، فإن لم يومئ أعاد أبداً. وقد قدمنا هل يجب عليه كمال ما في وسعه من الإيماء أم لا؟ ... فصل وهذا حكمه إذا كان لم يدخل المرض على نفسه، فإن أدخله بأن قدح (٢) الماء من عينه حتى صار يصلي مستلقياً؛ ففي المذهب قولان: أحدهما: صحة صلاته ولا إعادة عليه، قاله أشهب وغيره من أهل المذهب، كالمسافر يطلب الأرباح لأنه يسافر طلباً لنماء المال وشق المفازات فينتقل إلى التيمم، فأحرى أن يجوز له الانتقال إلى الإيماء لطلب الصحة للجسم. ومذهب المدونة يعيد (٣) أبداً. ولعل هذا بناءً على أن الرخص لا يقاس عليها. وعلل بأن القادح لا يوقن (٤) بالبرء، والعادة جارية بذلك غالباً. فكأنه انتقل عن الكمال إلى أمر متردد في نجحه وعدم نجحه، بخلاف الأسفار في طلب الأرباح فإن الغالب وجودها. وقائل هذا الأمر لم يقف على حقيقة الأمر في القدح. والغالب وجود المنفعة به. والدواء فيه أظهر نجحاً من غيره فأحرى أن يجوز له أن ينتقل إلى الإيماء ليطلب الصحة. ومذهب المدونة أنه يعيد أبداً. وهل هذا بناء منه على أن الرخص لا يقاس عليها أو بناء منه على أنه لا ينجح في طلب المقصود، وأن العادة عنده جارية بذلك فلا يجوز له أن ينتقل إلى الإيماء وكذلك التيمم؟ ...

стр. 422

باب في الصلاة على الدابة ومن اضطر إلى الصلاة على الدابة لعدم القدرة على النزول إما لمرض أو لخوفه، صلى الفريضة عليها. فإن قدر على التحول إلى القبلة تحوّل، وإلا سقطت في حقه. فإن أمن الخائف في الوقت فهل يعيد؟ قولان: أحدهما: أنه يعيد في الوقت. وهذا لظهور الأمن في الوقت. وحقه أن يؤخر إليه. والثاني: أنه لا يعيد قياساً على الخائف من العدو. وإن قدر المريض على النزول إلى الأرض وكانت صلاته بالأرض أكمل من صلاته على الدابة، فلا خلاف أنه يجب عليه النزول. فإن لم يفعل بطلت صلاته. وإن تساوت حالاته وكانت صلاته على الدابة كصلاته على الأرض لأنه لا يمكنه الإيماء، فهاهنا قولان: أحدهما: أنه ينزل لقوله ﵇: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرضُ (١) مَسجداً وَطَهُوراً" (٢). والثاني: أنه لا ينزل لتساوي حالته. والحديث محمول على بيان جواز الصلاة (٣) بكل مكان من غير اختصاص بمكان مخصوص. وقد حمل أبو محمد بن أبي زيد على المدونة أنه متى تساوت حالته صلى على الدابة. وإنما تكلم في الكتاب على أنه مختلف الحالة، وحمل عليها غيره من الأشياخ أنه ينزل وإن تساوت حالته حتى يباشر الأرض ليظهر التواضع. وهذا الكلام في الفرض. وأما النافلة فلا يصلي عندنا على الدابة اختياراً في الحضر والسفر الذي لا تقصر فيه الصلاة، وقد ثبتت في رخص الشريعة. وهي على ثلاثة أقسام: قسم تقرر الإجماع أنه لا يختص بالسفر كأكل الميتة للمضطر ومسح الجبيرة، عند من أجازه. وقسم تقرر الإجماع على اختصاصه بالسفر كقصر الصلاة والفطر في رمضان. وقسم اختلف في اختصاصه وعدم اختصاصه كالمسح على الخفين. وقد تقدم الخلاف فيه. والتيمم تقدم الخلاف فيه

стр. 423

أيضاً. وتبديل هيئة الصلاة للخوف، وقد اختلف الناس فيه، وفي المذهب قولان. والجمع في السفر لا اختلاف في تخصيصه من حيث الجملة، لكنه اختلف المذهب هل (١) يختص بسفر القصر أو يعم كل سفر. وأما الجمع للمريض فإنه مما يعم السفر والحضر. والجمع للمطر (٢) اختلف الناس فيه (٣)، والمذهب جوازه. وإذا أجزناه عم الحضر والسفر. وأما ما نحن بسبيله هو التنفل على الدابة؛ فيختص عندنا بالسفر كما تقدم إذ لم يثبت في غير سفر وإنما ورد في السفر. فإذا ثبت جوازه فلا يتعدى به ما ورد. ولهذا لا يؤمر المصلي على الدابة بالركوع والسجود، بل يجزيه الإيماء. وإن أمكنه التربع في موضع القيام والتهيئ للإيماء والتورك في موضع الجلوس فعل، وإلا سقط عنه ذلك. ويصلي حيث ما توجهت به دابته، ولا يلزمه التوجه للقبلة للإحرام ولا في غيره إذا كان توجهه إلى غير القبلة. لكن يجعل المكان الذي توجه إليه كالقبلة في حقه فلا يلتفت عنه. وقد حمل قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٤)، على التنفل على الدابة. وله أن يضرب الدابة التي تحته أو غيرها إن احتاج إلى ذلك ويركض ما تحته، لكن يلزم ترك الكلام، وهذا لأنه يفعل ما هو من مصلحة سفره بحسب ما تدعو الضرورة إليه ويترك ما لا تدعو إليه الضرورة. ...

стр. 424

فصل (هل تقاس السفينة على الدابة) وقد (١) ثبت جواز صلاة النافلة إلى غير القبلة على الدابة. وهل يجوز ذلك في السفينة إذا دعت الضرورة إليه؟ فيه قولان: المشهور منعه، والشاذ جوازه. ومبناه على الخلاف في القياس على الرخص هل يقاس عليها أم لا؟ فمن منع منه جاء منه (٢) ما في المشهور، ومن أجازه جاء منه الشاذ. (جواز التنفل جلوساً) ولا خلاف (٣) في جواز ترك القيام في النافلة. وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يصليها جالساً مع القدرة على القيام، وأخبر أن صلاة الجالس على النصف من صلاة القائم (٤). لكن اختلف أهل المذهب هل انحطاط الأجر مختص بالقادر لأنه تارك (٥) لحظه من القيام، أو يعم القادر والعاجز لعموم الحديث؟ فهذا إذا افتتح الصلاة جالساً. ولو افتتحها قائماً ثم شاء الجلوس؛ ففي المذهب قولان: أجازه في الكتاب (٦)، ومنعه أشهب. وسبب الخلاف هل تمادي القيام كالعمل المتصل فيلزم تمامه على ما ابتدأ به قياساً على صلاة النافلة والصوم والحج، أو كل جزء من القيام

стр. 425

عبادة قائمة بنفسها فلا يلزمه تمامه على ما ابتدئ به إلا أن ينذره بلفظه؟ (١) ولا شك أن من افتتح الصلاة جالساً فله القيام، وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يفعله (٢). (الخلاف في التنفل للمضطجع) وهل يجوز التنفل مضطجعاً؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجوز على الإطلاق؛ لأنها صفة لم ترد. والثاني: جوازه على الإطلاق، قياساً على ترك فرض القيام، وأيضاً فلما ورد في بعض الطرق من أن صلاة القائم على النصف من صلاة الجالس (٣)، وصلاة المضطجع على النصف من صلاة الجالس (٤). لكن بين الأصوليين خلاف في زيادة العدل هل تقبل أم لا؟ والثالث: جوازه لمن لا يمكنه الجلوس دون القادر، قياساً على صلاة الفرض. وكذلك اختلف في جواز الإيماء في النافلة مع القدرة على الركوع والسجود؛ فقيل: يجوز قياساً على ترك القيام [في النافلة] (٥)، وقيل: يُمنع إذ لم يرد إلا في السفر على الدابة. وفي الكتاب لا بأس بالاحتباء في النوافل للجالس بعقب تربعه (٦).

стр. 426

ومن صلى فرضه جالساً وهو يقدر على القيام أعاد أبداً. وقد روي بعقب تربعه بالباء، وقد روي تعقب تربعه بالتاء المعجمة باثنتين (١). فالرواية الأولى تقتضي أنه يحتبي بعد التربع. والثانية: تقتضي أنه يتنقل من التربع إلى الاحتباء ومن الاحتباء إلى التربع. على أن معنى الروايتين متقاربة في التحقيق. ... باب صلاة الإمام أرفع مما عليه أصحابه (٢). وروي أن الرسول ﷺ نهى أن يصلي الإمام على شيء أرفع (٣) مما عليه أصحابه. وكأنه أشار بذلك إلى ما أحدثه بعده بنو أمية من التكبر عن مساواة الناس، وكانوا يتخذون موضعاً مرتفعاً عن محل من يقتدون (٤) بهم تكبراً وعبثاً. ولا خلاف في المذهب أن القصد إلى ذلك محرم، وأنه متى قصد ذلك (٥) بطلت الصلاة. وكذلك قالوا: لو صلى المقتدون على موضع مرتفع قصداً في التكبر عن المساواة فإن صلاة المقاصد إلى ذلك باطلة. فإن صلى الإمام غير قاصد إلى التكبر؛ فإن كان الارتفاع يسيراً صحت الصلاة بلا خلاف. وإن كان الارتفاع كثيراً فللمتأخرين قولان: صحة الصلاة أخذاً من قوله في تعليل البطلان "لأن هؤلاء يعبثون". وقيل بالبطلان لعموم النهي في الحديث المتقدم. ولو ساوى الإمام قوماً في الارتفاع وصلى غيرهم على موضع (٦)

стр. 427

مرتفع. فإن قصد المرتفعون التكبر بطلت الصلاة، وإن لم يقصدوا ذلك ففي إعادة الصلاة في الوقت قولان. وهكذا قال ابن حبيب في الإمام يصلي في السفينة يقوم قوم معه في مكان وقوم فوق السفينة أن المرتفعين يعيدون في الوقت. ويحتمل أن يريد بالإعادة أنهم لا يرون فعل الإمام. وقد اختلف قوله في المدونة في الإمام يصلي في المسجد ويصلي قوم فوق المسجد بصلاته فكرهه مرة وأجازه أخرى. وعلة الكراهية بالبعد عن الإمام وتفرقة الصفوف وعدم التحقيق لمشاهدة أفعال الإمام. فعلى هذا يكون الجواز إذا قرب أعلى (١) المسجد من أسفله، فيكون خلاف (٢) في حال. وكذلك كره في [الكتاب] (٣) الصلاة على أبي قبيس (٤) وقعيقعان (٥) بصلاة الإمام في المسجد الحرام (٦). واختلف الأشياخ في صلاة من فعل ذلك؛ فمنهم من قال: بالصحة، ومنهم من قال: بالبطلان، وهو خلاف في حال. فإن أمكنهم مراعاة فعل الإمام صحت الصلاة، وإن تعذر عليهم ذلك بطلت الصلاة، وهذا يعلم بالمشاهدة. وكره في الكتاب الصلاة بين يدي الإمام في دور محجورة (٧)، وأجازه إن كان في دور دبر القبلة إذا كانت هناك كوى ينظرون منها إلى أفعال الإمام. وفي هذا تفرقة الصفوف. وقد أجيزت إذا تقارب الموضعان (٨) نحوه كالنهر والطريق الصغير.

стр. 428

وأجازوا لمن في السفن أن يجتمعوا على الإئتمام بإمام في إحداهما؛ فإن استصحبوا الدوام أتموا صلاتهم، وإن فرقهم الريح كانوا كمن طرأ على إمامهم ما يمنعه الائتمام (١) فيستخلفون لأنفسهم. وإن صلوا أفراداً صحت صلاتهم، وإن اجتمعوا بعد التفريق والإمام لم يكمل فلا يرجعون إلى إمامته، ويجزيهم التمادي على ما هم عليه. [قالوا] (٢) بخلاف المأموم يظن أن إمامه أكمل فيقوم يقضي لنفسه، ثم تبين له أن الإمام لم يكمل فإن هذا لا يعتد بما فعله قبل إكمال الإمام ويرجع إلى اتباعه إن بقي له من الصلاة شيء. والفرق ظهور عذر من في السفن وتفريط الظان لإكمال الإمام. ... فصل (حكم الصلاة بالمسمع) وهل تجوز الصلاة بالمسمع؟ للمتأخرين ثلاثة أقوال: أحدها: صحة الصلاة لأنه نائب عن الإمام، فعله كفعله. وعمدتهم اقتداء أبي بكر ﵁ بالنبي ﷺ واقتداء الناس بأبي بكر وهو كالمسمع (٣). وهذا يدل على أن أبا بكر خرج عن الإمامة، ولأن العمل استمر في سائر الأمصار على تكرر الإعصار على الصلاة بالمسمع. والثاني: بطلان الصلاة لأنه إنما شرع الإقتداء بالإمام لا بعوض منه. والثالث: صحة الصلاة إن أذن الإمام للمسمع، فحينئذ يكون كوكيله، وبطلانها إن لم يأذن له إذ لا تصح الوكالة من غير إذن. وكذلك اختلفوا على هذا في صحة صلاة المسمع نفسه لنفسه. ...

стр. 429

باب في أحكام الإمامة (من الأحق بالإمامة) ويفتقر الإمام إلى صفتين بعد حصول البراءة عن النقص الذي نذكره بعد. والصفتان: العلم والورع؛ فبالعلم يحصل الأداء، وبالورع تحصل الشفاعة. وقد قال ﷺ : "أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون به" (١). فإذا وجد من فيه هاتين الصفتين قدم، وإن شاركه غيره فيهما نظر إلى غير ذلك من الفضائل الشرعية والخلقية والمكانية؛ فالشرعية كالشرف في النسب والسن، والخلقية ككمال الصورة، ويلحق به حسن اللباس، والمكانية كمالك رقبة الدار ومنافعها. وإذا اجتمع الأقرأ والأعلم، فالأعلم هو المقدم عندنا على الأقرأ. وما ورد عنه ﷺ من قوله: "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقرَؤُهُم" (٢)، محمول عند العلماء على أن الأقرأ في ذلك الزمان هو الأعلم إذ كانوا يتعلمون مع التلاوة ما يتعلق بها من الأحكام والمعاني. فإن اجتمع فقيه وصالح فالفقيه أولى، إذا لم يكن فيه مانع يمنع الإجزاء على ما نذكره. وإن اجتمع الأصلح والأفقه فلم أر في المذهب نصاً في هذه المسألة. وللشافعية قولان: أحدهما: تقديم الأفقه مراعاة لقدرته على مراعاة إصلاح ما يعرض له (٣) في الصلاة من المفسدات الشواذ. والثاني: تقديم الأصلح إذا كان قِبَلَهُ من الفقه (٤) ما يمكن به أداء الصلاة وإصلاح ما يعرض له فيها

стр. 430

من المفسدات المتكررة والتي (١) ليست شاذة جداً. وكان هذا التفاتاً إلى مراعاة الطوارئ البعيدة، وفي المذهب في مراعاتها قولان. وظاهر ما قدمناه أن من كان فقيهاً صالحاً شريفاً في نسبه (٢)، كبيراً في سنه، كامل الصورة، حسن اللباس، عارفاً بالقرآن، مالكاً للموضع إن كان الموضع مملوكاً؛ هو أولى بالإمامة. فإن نقص من هذه وكان أكمل من غيره قدم. ومتى اجتمع من تساوت صفاتهم فتشادوا على المتقدم أقرع بينهم إذا كان مطلوبهم حيازة فضل الإمامة لا طلب الرئاسة الدنيوية. ... فصل (النقص المانع من الإجزاء في الإمامة) وأما النقص المانع من الإمامة فهو على قسمين: نقص يمنع الإجزاء، ونقص يمنع (٣) الكمال. فأما ما يمنع الإجزاء فهو نوعان: نوع يرجع إلى الخَلْقِ، ونوع يرجع إلى الخُلُقِ. فأما ما يرجع إلى الخَلق فهو صنفان: صنف يمنع إكمال الفرض، وصنف لفقد الذكورية. وما يمنع إكمال (٤) [الفرض] (٥) قسمان: قسم يمنع أحد الأركان كعلة تمنع القيام أو الركوع أو السجود أو جميع ذلك، وقسم يمنع النطق بالقراءة على حقيقتها.

стр. 431

وأما ما يرجع (١) إلى الخُلُق صنفان: صنف يرجع إلى الاعتقاد، وصنف يرجع إلى الجوارح. وقد يحصل من هذا خمسة أقسام: أحدها: ما يمنع كمال أحد الأركان أو جميعها. فإن منع القيام فهل تصح الإمامة أم لا؟ أما إن كان (٢) المقتدون به قادرون على القيام فالمشهور من المذهب أن الاقتداء به لا يصح. وهذا لما روي عنه ﷺ من قوله: "لا يؤم أحد (٣) بعدي جالساً" (٤). والشاذ: صحة الاقتداء به. ويفعل المقتدون به من القيام ما يقدرون عليه. وهذا لما روي من صلاته ﷺ في مرضه بالناس وهو جالس وهم قيام. لكن اختلف فيمن كان إماماً هل أبو بكر أو النبي ﷺ كما تقدمت الإشارة إليه. وإن كان المقتدون به عاجزين كعجزه فقولان: أحدهما: صحة الاقتداء به لتساوي الحالات ولا مخالفة، والثاني: عدم الصحة لقوله: "لا يؤم أحد بعدي جالساً". وإذا صححنا الإقتداء به فصح (٥) بعض المقتدين فما يفعل؟ قولان: قيل يقوم فيتم لنفسه فذا؛ لأنه افتتح الصلاة بوجه (٦) جائز، ولا يصح إتمامه مقتدياً. والثاني: أنهم يتمون معه الصلاة قائمين. وهذا تعويلًا على صحة الإقتداء به أولاً، ومراعاة (٧) لقول من يقول يجوز الاقتداء بالجالس وإن كان المقتدي به قائماً. ويجري فيه قول ثالث: أنه يقطع الصلاة كالأمة تعتق في الصلاة وليس عليها ما يستر عورة الحرة. وإن فقد الإمام عضواً من الأعضاء التي يسجد عليها كقطع اليد

стр. 432

فالمشهور من المذهب أن ذلك لا يمنع الإجزاء لأنه يكمل الفروض. وظاهر رواية ابن وهب أنه يمنع الإجزاء لأنه قال: لا يصلى وراءه، واحتج بالحديث: "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء" (١)، وذكر منها اليدين. فإن كان لا يقدر على الإيماء واضطجع (٢) فلا تصح إمامته بوجه. والقسم الثاني: ما يمنع النطق بالقراءة على حقيقتها، وهذا إن كان للجهل بها فلا تصح إمامته بوجه. ومن ائتم به بطلت صلاته لأن القراءة فرض، وهذا ممن لا يمكنه الإتيان بذلك. وهل يجب عليه في نفسه أن يأتم بمن يحسن القراءة؟ قولان: قيل يجب عليه ذلك إن قدر عليه؛ لأن قراءة الإمام قراءة له فعليه تحصيل الفرض في نفسه، أو تحصيل ما فيه النيابة عن هذا الفرض وهو الاقتداء. وقيل لا يجب عليه؛ لأنه خوطب بما قدر عليه من الفرض. وإن كان للكنة في لسانه فالمنصوص صحة الصلاة. وحكي عن إسماعيل القاضي أنه قال: إذا لم تكن اللكنة في القراءة. وهذا إن صح فيكون في المسألة قولان: صحة (٣) الإقتداء لأن اللكنة لا تغير المعنى [عندهم] (٤)، وعدم الصحة لأن المطلوب النطق بالحروف، وهو عاجز عن ذلك. وأما اللّحان في القراءة ففي صحة الصلاة وراءه أربعة أقوال: أحدها: أنها لا تصح تنزيلاً للحسن منزلة التبديل، وكذلك قال أبو الحسن ابن القابسي وأبو محمد ابن أبي زيد فيمن لا يميز الظاء من الضاد. والثاني: صحتها لأن البدل حركات لا أصل الحروف. والثالث: التفرقة بين أن يكون لحنه في أم القرآن فلا تصح الصلاة لأنها فرض، وبين أن يكون في غيرها فتصح الصلاة لأنه [سنة] (٥). وإن أخرجه اللحن إلى الكلام فهو كالذكر. والرابع:

стр. 433

الإبطال إن كان اللحن يغير المعنى لأنه حينئذ يصير كالكلام، والصحة إن كان لا يغير المعنى لأنه لم يخرج القرآن عن المعنى. والقسم الثالث: ما يفقد الذكورية. ولا تكون المرأة إماماً للرجال عندنا لنقصها، ولأن صوتها عورة، وقياساً على الخلافة فإن الأمة مجتمعة على أنها لا تكون خليفة، وقد قاس الصحابة الخلافة على الإمامة في الصلاة. وهل تصح إمامتها للنساء (١)؟ قولان: المشهور عدم الصحة طرداً للحكم الكلي، وروى ابن أيمن (٢) عن مالك أنها تؤم النساء (٣). وهذا لأنه عول على أن المنع من كون صوتها عورة، وهو مفقود هاهنا. وأما الخنثى فإن حكم له بحكم أحد الصنفين عول عليه؛ إما الذكورية وإما الأنوثية. فإن كان حكم عليه بالذكورية فللمتأخرين في إمامته قولان: المشهور صحتها قياساً على الميراث الذي بذلك الصفة يرث. والقول الثاني (٤) بالمخ للرجال؛ إذ يحتمل أن يكون أنثى. وإن أشكل الأمر فلا يصح أن يؤم الرجال ولا النساء على المشهور ويؤمهن على الشاذ. والقسم الرابع: ما يرجع إلى الاعتقاد؛ فإن كان كفراً فلا شك أن إمامة الكافر لا تصح، لكنه (٥) إن أم مستتراً بكفره فهل يجعل ذلك علماً على إسلامه؟ فإن تماد يُترك، وإن لم يتماد قتل بعد الاستتابة. أو لا يجعل علما على إسلامه؟ في ذلك قولان.

стр. 434

وسبب الخلاف اختلافهم هل أنزلت الشريعة الصلاة منزلة الشهادتين لقوله ﷺ : "أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتى يَشْهَدُوا أن لاَ إِلهَ إِلاَّ الله وَأَن مُحَمدًا رَسُولُ اللهِ وَيُقِيمُوا الصلاَةَ" الحديث (١)، فقد ساوى بين الشهادتين والصلاة. لكن بين الأصوليين خلاف في الواو هل يقتضي الاشتراك (٢) في الحكم كما يقتضيه في الإعراب أم لا؟ وإذا حكمنا بإسلامه وتمادى عليه، فهل يعيد من صلى خلفه؟ قولان: الإعادة لأنه يمكن أن يبتدئ الإيمان في ساعته بعد أن يصلي عبثاً (٣)، وترك الإعادة لأن الصلاة علم على الإيمان كالشهادتين وقد أقر بأنه مسلم. وإن كان بدعة، فقد اختلف الأصوليون في معتقد البدعة كالخوارج والمعتزلة؛ فللقاضي (٤) في تكفيرهم قولان. وكذلك اختلف قول الفقهاء؛ فعن مالك في ذلك روايتان، ومثلهما عن الشافعي. وقال أبو إسحاق التونسي وغيره من متأخري أهل المذهب: سبب الخلاف هل يكفرون بما آل القول إليه أم لا؟ ومعنى ذلك: أن المعتزلة والخوارج متفقون على نفي الصفات المعنوية في حق الباري؛ فينكرون كون الباري سبحانه عالماً بعلم وقادراً بقدرة إلى غير ذلك من الصفات. إلا أنهم لا ينكرون أنه عالم ولا قادر ولا حي ولا مريد. فمن رأى إنكارهم أن يكون عالماً يؤدي إلى نفي العلم عنه جملة، [وقوَّلهم] (٥) أما يؤدي إليه مبدأ أقوالهم كَفَّرهم. ومن لم

стр. 435

يقوِّلهم] (١) ما يؤدي إليه مبدأ قولهم، لم يحكم بتكفيرهم وحكم بتفسيقهم (٢). وقد سئل أبو المعالي (٣) عن هذه المسألة فحكى خلاف الأئمة فيها، ثم قال: وقد نبه الرسول ﷺ على وقوع هذا الخلاف بقوله في الخوارج "يَمْرُقُونَ مِنْ الدَّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهمُ مِنْ الرّمِيَّةِ" (٤)، وقال في آخر الحديث: "وَتَتَمَارَى في الفُوقِ" (٥). وهذه إشارة إلى خلاف الناس في تكفيرهم والمناظرة فيه؛ فلا شك أن من حكم بكفرهم حكم ببطلان الإقتداء بهم، ومن حكم بأنهم غير كفار فلا يحكم ببطلان الصلاة وراءهم كالزنديق. وفي المذهب في صلاة من اقتدى بهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعيد أبداً، وهذا على القول بتكفيرهم. والثاني: أنه يعيد في الوقت، وهذا على القول بعدم كفرهم، لكن يعيد في الوقت لنقصهم بالفسق. والثالث: أنه لا يعيد في وقت ولا غيره، وهذا بناء على ما بني عليه في القول الثاني، لكن فسقهم لا يسري إلى نقص في الصلاة.

стр. 436

وفي الكتاب: في الإمام القدري أنه لا يصلى خلفه. قال: ولا الجمعة إن استيقنت ذلك (١)، وإن كنت تتقيه وتخافه على نفسك فصلها معه (٢) وتعيدها ظهراً أربعاً. وعقب المسألة قول ابن القاسم: ورأيت مالكاً إذا قيل له في إعادة الصلاة خلف أهل البدع يقف ولم يجب في ذلك (٣). وهذا كأنه مناقض للأول لأنه أجاب أولاً بإعادته ظهراً، ووقف بعد ذلك. وقد قال الأشياخ: إنما أعاد الأولى لأنه دخل على الصلاة تقية (٤) فهو كالمصلي بنية الإعادة، فتجب عليه. والثاني: صلى ولا علم عنده من حال الإمام فدخل على الإجزاء، فلهذا وقف مالك في إعادته لأنه أشكل عنده في تلك الحال الأمر في كفرهم أو فسقهم (٥). والقسم الخامس: ما يرجع إلى الجوارح؛ وهو الفاسق بجوارحه، كشارب الخمر وما في معنى ذلك من الكبائر. وفي صحة الصلاة خلف من هذه حاله قولان: أحدهما: أنها لا تصح الصلاة؛ لأنه إذا ارتكب كبيرة أمكن أن يترك ما يؤتمن عليه من فروض الصلاة كالطهارة والنية. والثاني: صحة إمامته؛ لأن فسقه غير متعلق بأحكام الصلاة. وهو خلاف في حال، وإنما ينبغي أن يعتبر حاله؛ فإن كان من أهل التهاون والاستجراء (٦) بحيث يمكن (٧) أن يترك بعض الفروض كما تقدم فلا تصح إمامته، وإن كان ممن اضطهره هوى غالب (٨) إلى ارتكاب كبيرة مع براءته من التهاون والجرأة صحت إمامته، وهذا يعلم بقرينة الحال.

стр. 437

وإمامة السكران في حال سكره ينظر فيها هذا النظر، وفيه زيادة إذ عرقه مختلف فيه هل هو نجس أم لا؟ وهذا إنما يصح في النشو (١). وأما السكران على الحقيقة فهو فاقد للتمييز (٢) فلا تصح صلاته في نفسه ولا إمامته. ولا شك أننا نمنع صحة الصلاة وراء المجنون والصبي والفاقد للتمييز. وأما الصبي المميز الذي يؤمر بالصلاة؛ ففي جواز إمامته في النوافل قولان: المشهور منعه إلا أن يكون بالغاً؛ لأنه لو قطع النافلة لم يأثم. والبالغ يأثم بقطعها بعد الدخول فيها. وكأن هذا التفاتاً إلى ما بعد الدخول. والإتمام فرض في حق الداخل، فصار المؤتم به كالمفترض وراء المتنفل. والشاذ جواز إمامته نظراً إلى ما قبل الدخول، وهي نافلة في حقهما. أما إمامة غير البالغ في الفرائض؛ وهو ممن يؤمر بالصلاة في الفريضة فلا تجوز ابتداء. فإن وقعت ففي بطلان الصلاة قولان: المشهور بطلانها لسقوط الفرض عن الصبي ووجوبه على البالغ. وقال أبو مصعب: تصح الصلاة. واحتج له بما في البخاري عن عمرو بن سلمة (٣) أنه كان يؤم قومه وهو دون البلوغ (٤). لكنه كان غائباً عن حضرة الرسول ﷺ . ويمكن أن يكون لم يبلغه ذلك، وإنما يكون حجة لو بلغه فأقره. وقال أبو الوليد الباجي: ويحتمل هذا القول أن يكون بناء على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، ويحتمل أن يكون بناء على المشهور لكون (٥) الصبي معتقداً للوجوب، فلم يكن اقتداء مفترض بمتنفل. ...

стр. 438

فصل (١) (النقص المانع من الكمال) وأما النقص المانع من الكمال على المشهور من المذهب فهو (٢) أربعة أقسام: عدم الحرية، وقد اختلف في جواز كون العبد إماماً راتباً في غير الجمعة؛ فالمشهور من المذهب كراهية ذلك التفاتاً إلى كونه (٣) لا يصلح للخلافة ولا تكمل في حقه الفروض، إذ (٤) تسقط عنه الجمعة عندنا والحج. والشاذ: جوازه، لتساوي حكمه وحكم الأحرار في فرضية الصلاة. والقسم الثاني: ما يلحق من نقص الأعضاء (٥) بالأنوثية كالخصي. وفي جواز اتخاذه إماماً راتباً قولان: المشهور كراهيته، التفاتاً إلى عدم الكمال في حقه. والشاذ جوازه، التفاتاً إلى حال الصلاة. والقسم الثالث: ما يحط المنزلة، ويسرع إلى صاحبه الألسنة كولد الزنا. وقد اختلف في جواز كونه إماماً راتباً؛ فالمشهور كراهيته، والشاذ جوازه، وهو كالخلاف المتقدم. وينخرط في هذا السلك كراهية الإتمام بالمأبون (٦) والأغلف (٧). والقسم الرابع: اختلف في تحديده (٨) هل يرجع إلى نقص الفروض أو إلى الجهل بالسنن. وهو ما كرهه في المدونة (٩) من اتخاذ الأعرابي إماماً

стр. 439

راتباً. وأبو الوليد الباجي يرى أن العلة في الكراهية كالعلة في كراهة العبد، هو مداومته على ترك بعض الفروض كالجمعة، وإكمال الصلاة (١) لكثرة أسفاره. وابن حبيب وغيره من أهل المذهب يعللون لجهله بالسنن (٢). ولو صح ما قالوه لمنعت إمامته؛ لأنه إذا جهل أحكام الصلاة كان الإتمام به معرضاً للبطلان. ... فصل (في العبد يكون إماماً راتباً في جمعة) ولا يجوز اتخاذ العبد إمامًا راتبًا في جمعة بلا خلاف في المذهب، لأنه ليس من أهلها. فإن حضرها فهل يجوز ابتداء الإتمام به؟ وهل تجزي الصلاة وراءه إن وقعت أو لا تجزي؟ في المذهب ثلاثة أقوال: المشهور أنها لا تجزي. ووقع لأشهب قولان: أحدهما: إجزاؤها إن وقعت، والثاني: جوازها ابتداء. فأما عدم الصحة فلأنها ليست فرضاً عليه. والنية (٣) وإن قارنت الافتتاح فلا بدّ من تقدمها عليه. ولا يصح أن ينوي الوجوب بحقيقته، فيصير العبد مخيراً بين أداء الجمعة بدلا عن الظهر الواجب في حقه وبين أداء الظهر. والحر تتعين عليه الجمعة من غير تخيير فلا يصح أن يأتم ملتزم بمتخير، وهو من باب اقتداء مفترض بالمتنفل. وأما الصحة إن وقعت فنظر إلى تعيين الوجوب بالدخول. وأما الجواز ابتداء فبناء على أن سقوط الفرض في حق العبد لتعلق حق السيد، فإذا حضر موضع الجمعة فلا حق للسيد في منعه من نفس الصلاة فتصير حينئذ واجبة عليه.

стр. 440

وقد اختلف المذهب هل الجمعة واجبة في الأصل في حق العبد وإنما تسقط لحق السيد، أو هي ساقطة لكن العبد يأتي بها بدلاً عن الظهر. وهذا على الخلاف بين الأصوليين في تناول الألفاظ الواردة للعبد. ... فصل (في بيان موقف المأموم من الإمام) ومقامات المقتدين بالإمام تختلف؛ فإن كنَّ نساء فخلفه (١) أو خلف الرجال إن كان معه رجال، كانت امرأة (٢) واحدة أو أكثر. وأما الرجال فإن انفرد الواحد مع الإمام فمقامه (٣) عن يمينه، فإن قام عن يساره أداره عن يمينه، وتكون الإدارة من وراء الإمام، لان كانوا أكثر من واحد قاموا وراءه. ولا فرق بين البالغ وغيره إذا كان ممن يؤمر بالصلاة ويثبت فيها (٤). ... فصل (متى تجب نية الإمامة ؟) ولا يلزم الإمام عندنا القصد إلى اعتقاد الإمامة إلا في ثلاثة مواضع وهي: الجمعة؛ لأنها لا تجوز إلا بالجماعة، وصلاة الخوف لما يفعله الإمام من الانتظار للطائفة الثانية، ومخالفة الهيئة على ما نبينه في حكم صلاة الخوف، والموضع الثالث أن يكون مأموماً فيستخلف على الائتمام، فهذا يلزمه اعتقاد ما عاد إليه لتبدل حالته. وأما المأموم فيلزمه اعتقاداً الإقتداء لأنه مكلف بمراعاة فعل الإمام، بخلاف الفذ والإمام فإنهما لا يراعيان غير فعل أنفسهما.

стр. 441

باب في إعادة الصلاة في جماعة مذهب فقهاء الأمصار أن صلاة الجماعة سنة، فتجزي الفرد صلاته بلا خلاف عندهم. والدليل القاطع على ذلك قوله ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين (١) درجة أو سبع وعشرين درجة" (٢)، على ما وقع في الحديث. فقد ضاعف صلاة الجماعة بالنسبة لصلاة الفذ. ولو كانت صلاة الفذ غير مجزئة لما صح تضعيف الأجر بالنسبة إليها؛ لأن الباطل كلما نسب إليه وضوعف كان باطلًا مثله لكن ثبت عنه ﷺ أنه أمر من صلى وحده بإعادة الصلاة في جماعة (٣)، ليكمل ما فاته من الأجر. وكأن الإنسان أمر بأن يؤدي الصلاة على صفة يحصل له بها أجر صلاة واحدة، أو على صفة يحصل له بها أجر سبعة وعشرين صلاة؛ فإن حصل أجر الواحدة كانت له الإعادة لتحصيل سبعة وعشرين (٤). وعلى هذا النظر اختلف في الإعادة بأي نية تكون على أربعة أقوال: قيل: بنية النافلة لأن الفرض قد حصل، ومحال أن يعتقد تحصيله (٥) بعد أن

стр. 442

حصل، فيكون كأنه ابتدأ الفرض من نفسه، وذلك ليس إليه. وقيل: بنية الفرض لأنه إنما يطلب تحصيل أجر فرض مضعف، وذلك لا يحصل بنية النافلة. وهذان القولان مبنيان على صحة الرفض (١)؛ فمن صححه قال: يعيد بنية الفرض، ومن أبطله قال: يعيد بنية النافلة. لكن مدار (٢) الخلاف ومأخذه ما نبهنا عليه. والقول الثالث: أنه يفوض الأمر في ذلك إلى الله تعالى ليثبت له منهما ما شاء. وهذا مذهب المدونة. والقول الرابع: أنه يعيد بنية إكمال الفرض، قاله أبو الوليد الباجي. وهو جار على القانون الذي نبهنا عليه في وجه الإعادة. وفائدة هذا الخلاف لو أعاد ثم ذكر بطلان أحد الصلاتين لكونها عارية عن شرط كالطهارة (٣)، أو ركن كركعة، أو جزء منهما تبطل الصلاة بتركه. فإن قلنا: يعيد بنية النافلة راعينا صحة الصلاة الأولى دون الثانية، وبالعكس إن قلنا يعيد بنية الفرض فتلزمه المحافظة على الصلاة الثانية دون الأولى. كان قلنا يفوض الأمر إلى الله تعالى فيراعي صحة الصلاتين؛ لأنه لا يدري أيتهما المكتوبة. ولا شك على ما قاله أبو الوليد أنه إن بطلت الأولى لزمته الإعادة (٤)، وإن بطلت الثانية فهو مخير؛ إن شاء اكتفى بالأولى، وإن شاء طالب (٥) تكميل الأجر فأعاد. (الصلوات التي تعاد في الجماعة) وقد اختلف المذهب هل يعيد كل الصلوات على الإطلاق أو بعض الصلاة دون بعض على قولين: فالمشهور أنه يعيد كل الصلوات إلا المغرب

стр. 443

والعشاء إذا أوتر بعدها. وقال المغيرة (١): يعيد المغرب. وألزمه الأشياخ إعادة العشاء وإن أوتر. وكأن المغيرة التفت إلى عموم أمره ﷺ بالإعادة، لكنه عموم خرج على سبب لم تكن الصلاة المأمور بها بالإعادة شبها (٢) إلى صلاة المغرب. وبين الأصوليين خلاف في العموم الوارد على سبب هل يقصر عليه أو يتعدى إلى غيره، وأيضاً فوجه المشهور من حيث (٣) القياس أن أحد الصلاتين نافلة فلا بدّ أن [يشفعها] (٤). والنافلة لا تكون بثلاث ركعات ولا بركعة واحدة. على أنه قد اختلف لو أعاد العشاء الآخرة هل يعيد الوتر أم لا؟ وهو خلاف بالإعادة بأية نية تكون وإن قلنا بنية الفرض أعاد الوتر، وإن قلنا بنية النافلة لم يعده. واختلف أيضاً إذا أعاد المغرب على القول بأنها لا تعاد؛ فقيل: يعيدها ثالثة (٥)، وهو مذهب ابن وهب. فبذلك تحصل وتراً. وقيل: إن كان بالقرب أضاف إليها ركعة وإن تباعد لم يضف إليها شيئاً ولم يعد، وهذا هو المشهور وكأنه يرى أن إعادتها ثالثة تكثير النافلة (٦) بثلاث، ومن منع هرب من إعادتها (٧). وهذا إذا كان لم يعلم بقبح ما صنع إلا بعد كمال الصلاة؛ فإن علم بذلك (٨) وهو مع الإمام فهل يقطع بعد ركعة أو بعد ركعتين، أو يتمادى؟ قولان. وهما على تغليب أحد المكروهين لأن الإعادة عنده لا تجوز وقطع الصلاة فيه مخالفة للإمام وإبطال العمل.

стр. 444

فصل وقد قدمنا أن صلاته قد (١) تجزيه. ولا شك على هذا أن من صلى فذا فلا تلزمه الإعادة في جماعة. هذا ما لم يلزمه حكم الإمام بأن يدخل المسجد؛ فإن دخله لزمته الإعادة لأنها صلاة مأمور بها في حقه فأشبهت ما لم يصله من الصلوات؛ فإنه إذا أقيمت الصلاة التي لم يصلها حرم عليه الخروج من المسجد. (حكم من دخل في صلاة النفل وأقيمت الصلاة) فإن أقيمت الصلاة وهو في المسجد يصلي فذاً، فلا يخلو أن تكون الصلاة التي هو فيها نفلا أو فرضا؛ فإن كانت نفلا، فقال في الكتاب: إن لم يركع وكان ممن يخفف في (٢) إتمامها (٣) ويدرك الإمام أتمها، وإلا قطعها (٤). وإن صلى منها ركعة أضاف إليها أخرى، أو سلم ودخل مع الإمام. وهذا كله إذا علم أنه يدرك الإمام في الركعة الأولى. (حكم ذلك إذا كان في صلاة المغرب) فإن علم أنه لا يدركه قطعها. وهكذا في كل ما نذكره بعد من التفصيل، إنما يتمادى إذا علم أنه يدرك الإمام في الركعة الأولى. فإن كان في فرض وهي التي أقيمت عليه فلا يخلو أن يكون المغرب أو غيرها من الصلوات؛ فإن كانت المغرب فلا شك- على قول المغيرة- أنها كغيرها. وأما على المشهور فإنه إن لم يركع قطع، وإن ركع فقولان: المشهور أنه يقطع. والشاذ: أنه يضيف إليها ركعة أخرى. وهذا لتقابل

стр. 445

المكروهين: أحدهما: التنفل قبل المغرب. والثاني: الانصراف من ركعة واحدة. وإن صلى ركعتين فقولان: المشهور أنه يضيف إليهما ثالثة لينصرف. والشاذ أنه يسلم ويدخل مع الإمام. وهذا أيضاً لتقابل المكروهين: التنفل قبل المغرب، والمخالفة على الإمام بأن يصلي غيرها الإمام (١) ولا يتبعه. وإن قام إلى الثالثة فلا شك على المشهور أنه يتم (٢)، وعلى القول الثاني أنه يرجع إلى الجلوس ثم يسلم ويدخل مع الإمام. وإن ركع ولم يرفع رأسه، اختلف (٣) على القول بأنه يسلم من الاثنتين؛ هل يتم هاهنا (٤) أم يرجع إلى الجلوس. وهو على الخلاف في عقد الركعة هل هو وضع (٥) اليدين على الركبتين أو رفع الرأس منها. ... فصل (إذا أقيمت صلاة غير المغرب) وإن كانت غير المغرب، فإن لم (٦) يركع فقولان: أحدهما: أنه يكمل اثنتين ثم يدخل مع الإمام، ومذهب الكتاب أنه يقطع. وفرق بين الفرض والنفل، فقيل في الفرق وجهان: أحدهما: أنه في الفرض يقطع ليأتي بها على صفة الكمال، وفي النافلة إذا قطع لا يعود إليها. والثاني: أن التأثير إنما يكون بين متجانسين (٧) لا بين فرض ونفل، وأيضاً أنه في الفرض لا بدّ أن يقطع على أقل مما دخل (٨) عليه.

стр. 446

وفي النفل إذا أتمها اثنتين فقد أتى بما استفتح عليه. وإن ركع ركعة أتم اثنتين (١). وإن أتم الركعتين سلم ودخل مع الإمام. وإن قام إلى الثالثة رجع إلى الجلوس وسلم ودخل مع الإمام. وإن ركع في الثالثة ولم يرفع رأسه فيجري على القولين في عقد الركعة ما هو. وإن رفع رأسه أتم أربعاً ودخل مع الإمام. ويقطع في جميع ما ذكرناه بسلام. فإن لم يسلم بطلت صلاته لأنه أضاف صلاة إلى صلاة. ولو تكلم عامداً لكان بمنزلة السلام. وإن أقيمت (٢) غير التي هو فيها فإنه (٣) محال على [حكم] (٤) قضاء الفوائت من كتاب الصلاة الثاني. ... فصل (لا إعادة لمن صلى في جماعة) ولا يعيد عندنا من صلى في جماعة؛ لأن الإعادة لما قدمناه من التلافي لما فاته من الأجر بصلاته وحده. وإذا كانت الصلاة في جماعة فلا فائت يتلافى. قال ابن حبيب: إلا أن تكون الصلاة الأولى في غير المساجد الثلاثة: الكعبة ومسجد الرسول ﷺ ومسجد بيت المقدس، ثم يدرك الجماعة في أحد هذه المساجد؛ فإنه يعيد لعظم الأجر في هذه بخلاف غيرها (٥). وألزمه أبو الحسن اللخمي أن يعيد في هذه المساجد فذاً، وإن صلى

стр. 447

أولاً في غيرها في جماعة لتفاوت فضل الجماعة والانفراد في غيرها (١). وألزمه ذلك من طريق القياس (٢) إلا أن يقال: إنما ورد الأمر بإعادة الفذ في جماعة، وهذا عكسه. والموضع موضع عبادة فلا يتعدى به ما ورد. ويتساوى الأمر في الصلاة الأولى بين أن تحصل فيها الجماعة وجوباً ويحصل ذلك بالواحد فأكثر، أو حكماً ويحصل ذلك بالإمام يصلي في الموضع الذي عادته الإمامة فيه، ولا يصلي معه غيره فله حكم الجماعة. (حكم من صلى معه صبي أو صلى بأهله) واختلف الأشياخ في صورتين حولهما؛ لو صلى إنسان (٣) واقتدى به صبي صغير، هل يعيد البالغ في جماعة لأن المقتدي به غير مفترض عليه فهو في حكم العدم، أو لا يعيد لأن الجماعة حاصلة؟ وقد قدمنا تردد الباجي في صلاة الصبي هل ينظر فيها إلى مقصده وهو يقصد الفرض، أو إلى حكم العدم. أو لا يعيد لأن الجماعة حاصلة. والصورة الثانية (٤): لو صلى في داره بأهله هل يعيد إذا أتى المسجد لعموم قوله ﷺ "صل معنا وإن كنت قد صليت في أهلك" (٥)، أو لا يعيد لأنه صلى في جماعة؟ ...

стр. 448

فصل (لا يقتدي مفترض بمتنفل) وإذا صلى وحده فلا يؤم عندنا غيره في تلك الصلاة، لإمكان أن تكون الثانية نفلاً؛ [فيكون قد أتم بمن ينوي فرضاً وهو ينوي نفلاً]، (١). وقد يلزم من قال إنه يعيد بنية الفرض [أن تصح إمامته. وقد أشار أبو القاسم بن الجلاب وغيره إلى خلاف في المسألة. وهذا راجع] (٢) إلى صحة الرفض أن يؤم فيها، هذا (٣) إذا لم يراع الخلاف، فإن أم فيها على القول بأنه لا يجوز فيعيد من ائتم به. قال ابن حبيب: ويعيدون أفراداً؛ وهذا لأن الصلاة الأولى تجزيهم عند الشافعي وغيره، فإذا أعادوها في جماعة صاروا عند هؤلاء كمعيد في جماعة بعد أن صلى في جماعة، فراعى في الإعادة مذهب المخالف لا مذهب نفسه. ... باب في تكرار الجمع في المسجد الواحد ولا خلاف أن ذلك ممنوع إذا كان للمسجد إمام راتب، واختلف في علة منعه؛ هل حماية من تطرف أهل البدع للجمع بإمامهم والامتناع من الصلاة بأئمة العدل؟ أو حماية من الأذى للأئمة بأن يترك أهل البدع أو غيرهم الاقتداء بهم إظهاراً لبغضهم (٤). وينتج من هذا الخلاف أن الأئمة متى أذنوا في الجمع هل يجوز أم لا؟ فعلى التعليل الأول لا يجوز إلا أن يعلم براءة من يرى الجمع من كونهم مبتدعين، وعلى التعليل الثاني يجوز مع إذن الأئمة. ويستوي في هذا

стр. 449

حكم وجود الجماعة الراتبة بالصورة أو بالحكم كما قدمنا، مثاله إذا صلى فيه الإمام ولم يقتد به أحد، فإن كان المسجد لا إمام له راتب فأجازوا الجمع في نصوص المذهب، وذلك بيِّن إذا عللنا بإذاية الإمام (١). وإذا عللنا بالجماعة من تطرف المبتدعين، فينبغي أن يمنع الجمع ثانياً، إلا مع العلم بالسلامة من الابتداع. ولو كان المسجد مما يجمع فيه بعض الصلوات دون بعض فهل يجوز [فيه] (٢) تكرار الجمع فيما ليس العادة أن يجمع فيه؟ في المذهب قولان: أحدهما: الجواز؛ لأنه في تلك الصلاة كمسجد ليس له إمام راتب. والثاني: المنع؛ لأنه له إمام راتب في بعض الصلاة [دون بعض] (٣)، فإذا جمع في غيرها فليس لمن أتى بعده الجمع. وكأنه مبتدئ الترتيب فيما جمع فيه. وللإمام الراتب أن يجمع إذا تعدى غيره فجمع قبله (٤) إذ لا حرمة للمتعدي. ... فصل (للأئمة حرمة يلزم مراعاتها) وينخرط في هذا السلك النظر إلى مراعاة حرمة الأئمة في حكم لزوم الاقتداء بهم لمن أقيمت عليه الصلاة وهو في المسجد. وسواء كان لم يصل تلك الصلاة أو صلاها فذاً على ما قدمناه، فإن صلى في جماعة جاز له الخروج. ومنه أيضاً المخالفة على الإمام (٥) بأن يجلس أو يصلي وهو غير مقتد

стр. 450

به. وقد نهى ﷺ عن ركعتي الفجر بعد الإقامة، فقال: "أَصَلَاَتانِ مَعاً" (١). ولهذا قال أهل المذهب إنه لا يركع الفجر (٢) إذا كان الإمام يصلي الصبح في المسجد، ولا في رحابه وأفنيته المتصلة به. ومن هذا القبيل أيضاً تعدي المسجد المجاور إلى غيره، ولا يجوز ذلك إلا إذا كان إمامه ممن لا يجوز الاقتداء به؛ فإن فعل فلا تبطل الصلاة عندنا وقوله ﷺ : "لاَ صَلَاةَ لِجَارِ المَسْجدِ إِلاَّ فِي المَسْجِدِ" (٣)، محمول عند فقهاء الأمصار على نفي الكمال لا نفي الإجزاء. ... باب في المواضع التي تكره فيها الصلاة وفي الترمذي وكتاب ابن سحنون عن ابن عمر أن النبي ﷺ "نهى عن الصلاة في سبع مواضع: المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام ومعاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله الحرام" (٤). والأحكام في هذه تختلف. (حكم الصلاة في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق) فأما المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق النهي عن الصلاة فيها؛ لأن

стр. 451

الغالب نجاستها. ومن صلى فيها؛ فإن تيقن بوجود النجاسة جرى على ما قدمناه من الخلاف فيمن صلى بنجاسة أو عليها، فإن لم يتيقن بوجود النجاسة فهل يكون كالمتيقن نظراً إلى الغالب؟ هذا مذهب عبد الملك بن حبيب (١). أو يرجع إلى الأصل، والأصل عدم النجاسة. ولا يعيد إلا في الوقت عامداً كان أو غيره. هذا هو المشهور. وهو على ما قدمناه من النظر إلى الأصل أو إلى الغالب. (حكم الصلاة في المقبرة) وأما المقبرة؛ فإن كانت غير منبوشة وأمن في موضع الصلاة من شيء من أجزاء المقبورين (٢)؛ ففي المذهب قولان: الجواز، وهو المشهور. والكراهية، وهو الشاذ. وكأن الكراهية التفاتاً إلى عموم النهي، ولأن أصل عبادة الأصنام اتخاذ قبور الصالحين مساجد. والجواز للأمن من ذلك على هذه الأمة، وحمل الحديث على توقي النجاسة. فإن كان في موضع الصلاة شيء من أجزاء المقبورين، فيجري حكم الصلاة فيها على الخلاف في الآدمي هل ينجس بالموت أم لا؟ فإن قلنا بنجاسته كان المصلي فيها مصلياً على نجاسة، وإن قلنا بطهارته لم يكن كذلك. ولكنه تكره الصلاة هناك كراهية لوطء أعضاء الميت. هذا في مقابر المسلمين. وأما مقابر الكفار فكره عند عبد الملك بن حبيب الصلاة فيها (٣). وعلل بأنه حفرة من حفر النار. ولكن من صلى فيها وأمن من النجاسة فلا تفسد صلاته وإن لم يأمن كان جارياً على ما قدمناه في المصلي على نجاسة.

стр. 452

(حكم الصلاة في الحمام) وأما الحمام فتكره الصلاة فيه ابتداء؛ لأنه محل الأوساخ. وفي المذهب خلاف في [البخار] (١) المتصعد إلى أعلاه هل يكون ما يقطر منه نجس أم لا؟ وهو على الخلاف في رماد الميتة وما في معناه. وقد قدمنا سبب الخلاف في ذلك. فإن التجأ إلى الصلاة فيه، وسلم موضعه من النجاسة، صحت الصلاة. وأما معاطن الإبل؛ فقد وقع في الحديث النهي عن الصلاة فيها ونهى عنها أهل المذهب. ولكن اختلفوا في علة النهي على أربعة طرق: أحدها: أن الناس يستترون بها عند البراز؛ فعلى هذا إن أمن من نجاسة الموضع جازت الصلاة، وإن تيقنت النجاسة لم تجز. وإن لم يتيقن فكان الغالب وجودها جرى على ما قدمنا من الخلاف التفاتاً إلى الأصل والغالب. والطريقة الثانية أن العلة كونها خلقت من جان، وهذا لا يؤدي إلى منع الصلاة بل إلى كراهيتها (٢) إن صحت. والثالثة: لزفور (٣) رائحتها. والمستحب في الصلاة النظافة والبعد عن الأقذار، وهذا أيضاً لا يؤدي إلى المنع. والرابعة: شدة نفورتها (٤) فلا يأمن أن يثبت على جسمه (٥)، وإن لم يثبت فسدت الصلاة. وهذا قد يؤدي إلى المنع. وقد اختلف المذهب هل يعيد من صلى في معاطنها عامداً وإن ذهب

стр. 453

الوقت، ومثله الجاهل، وهذا رأي ابن حبيب. ولا يعيد إلا في الوقت استحباباً. وهذا الخلاف يجري على التعليل الأول بالالتفات إلى النجاسة. وجمع القاضي أبو محمد في بعض كتبه هذا التعليل فقال: لا يصلي في معاطنها، وذكر العلل الأربعة فساقها مساقاً واحداً. ... فصل (في الصلاة فوق الكعبة وفي جوفها) وأما الصلاة فوق الكعبة فالنهي عنها لمعنى آخر، وهو أن المذهب اختلف هل المقصود سمت (١) الكعبة أو عينها؟ وقد اختلف المذهب في الصلاة على ظهر الكعبة هل هي منهي عنها على الإطلاق؟ أو يشترط ألا يجعل عليها [بين يديه] (٢) قائماً يقصده المصلي، والأول: رأي الجماعة، والثاني: تأويل القاضي أبي محمد على المذهب، فكأنه يرى أنه متى أقيم عليها قائم يستقبله المصلي صار كالمصلي إلى فنائها (٣) فتكون الصلاة هناك إلى الفناء (٤) لا إلى السمت، فهذا وإن صح له حكم الاتصال فإنه يكون المصلي إليه قد ترك بعض سمت القبلة (٥) وراء ظهره فأشبه المصلي في الكعبة. وفي المذهب خلاف في المصلي في الكعبة هل تبطل صلاته فيعيد وإن ذهب الوقت أو تصح صلاته فلا يعيد؟ أو يعيد في الوقت دون غيره؟ وقد رواه بلال عن النبي ﵊ أنه صلى النافلة في الكعبة (٦).

стр. 454

وروى ابن عباس أنه لم يصل (١)، وهي دخلة واحدة. لكن بناء الحديثين على أن بلالاً حكى ما رأى وشهد، وقد دخل معه ﷺ . وحكى ابن عباس ما ظنه, لأنه ﷺ لم يطل الجلوس، ولقرب خروجه ظنه لم يصل. وقيل: وفيه معنى قول بلال صلى يعني صلاة لغوية وهي الدعاء؛ فمن عول على رواية بلال تأول ما حكاه ابن عباس، ورأى أن الفريضة كالنافلة في وجوب الاستقبال في الحضر مع الاختيار لم (٢) يؤمر بالإعادة. وتأول أبو الحسن اللخمي على [رواية] (٣) أشهب جواز الصلاة ابتداء (٤) وهو مقتضى [هذا] (٥) الذي ذكرناه، ومن عول على رواية ابن عباس وتأول ما حكاه بلال قال بمنع الصلاة وأوجب الإعادة بعد الوقت لوجود (٦) الاقتصار عن استقبال القبلة. ومن صلى في جوفها لم يستقبل حقيقة. ومن ترجح الأمر عنده أمر بالإعادة في الوقت. ويحتمل أن يبني على المنع لكن إذا صلى أوقع ما اختلف الناس فيه، ولا (٧) تجب الإعادة إلا في الوقت، أو يبني على الصحة ولكن يؤمر بالإعادة ليخرج من الخلاف احتياطاً. هذا الالتفات إلى الآثار. وأما الاعتبار فقد سلك أهل المذهب في تعليل المنع طريقين: أحدهما: أن المصلي في الكعبة مستدبر لبعضها، وقد أمر باستقبال جميعها، وهذا تعليل متقدمي أهل المذهب. والثاني: أن المصلي في الكعبة يستحيل في حقه التكليف؛ لأنه حيثما أدار وجهه كان إلى جدار الكعبة، وإنما يصح

стр. 455

التكليف متى كان المكلف قادراً على الامتثال وتركه، وهاهنا (١) لا يقدر على الترك. وهذا مذهب عبد المنعم ابن خلدون (٢). وهذا الذي قاله لا يشترط على أصلنا في التكليف، وأيضاً فإن المصلي في الكعبة قادر على الخروج منها جملة إلا أن يمنع الخروج. فيتصور ما قاله ابن خلدون. وحكم الحِجر حكم البيت وهو ما في فناء الكعبة. أصله منها (٣)، عجزت الجاهلية عن إدخاله فيها لما بنتها بعد أن هدمها السيل. وقد أعاده عبد الله بن الزبير (٤) إلى ما كان عليه قديماً من اشتمال الكعبة عليه لما سمعه من قول النبي ﷺ لعائشة ﵂: "لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم ﵇" (٥). فلما استولى عليه الحجاج (٦) هدم ما بناه وأخرج الحجر فأعاده على ما بنته الجاهلية.

стр. 456

ولا يصلى فيه ولا في الكعبة السنن، فإن صلى فيها أو صلى فيه ركعتي الطواف فهل يكتفي بهما أو يعيدهما؟ في المذهب قولان. وهو على ما قدمناه في المصلي في الكعبة هل يعيد أبداً أم لا؟ ... فصل (حكم من صلى إلى غير قبلة) وقد تقدم أن من فروض الصلاة استقبال القبلة، وذكرنا حكم المريض العاجز. ولا خلاف بين الأمة في وجوب استقبال القبلة مع القدرة والإمكان. فإن صلى مصل إلى غير القبلة فهل يعيد؟ لا يخلو أن يكون اجتهد فأخطأ، أو تعمد، أو نسي، أو جهل؛ فإن اجتهد فأخطأ فلا يخلو أن يعيد (١) بعد المعرفة بخطئه (٢) إلى يقين أم لا يأمن الخطأ في الإعادة كما لو لم يأمنه في الأولى (٣)؟ فإن رجع إلى [اليقين في الاستقبال فإنه يعيد في الوقت (٥)، وهل يعيد] (٤) بعد الوقت؟ قولان. فظاهر الكتاب أنه يعيد في الوقت (٥)، ولأصبغ وغيره أنه يعيد وإن خرج الوقت، وهو على الخلاف في حصول العذر بالاجتهاد. وإن انتقل إلى الاجتهاد مع القدرة على طلب اليقين أعاد أبداً بلا خلاف.

стр. 457

قالوا: وهكذا يجري الحكم في مدينته ﷺ إذ كون قبلتها صحيحة مقطوعاً بها؛ لأن جبريل ﵇ أقامها (١) وألحق بهذا المتأخرون من أهل المذهب بيت المقدس. ولو اجتهد فتبين له أنه استدبر القبلة؛ فإنه يعود هاهنا إلى يقين كون القبلة في غير الجهة التي استقبلها. (كيفية الاجتهاد في معرفة القبلة) وكيف الطريق إلى الاجتهاد؟ أما العارف بأحكام الطوالع والمغارب وعروض البلاد ونسبتها إلى الكعبة فيحال إلى معرفته في حق هذا. والطريق إلى المعرفة في هذا أدق ويطول. ولكن يتوصل منها إلى اليقين، أو ما يقاربه. وأما غير هذا فقد قرب إليه بأن ينظر إلى نهاية الشمس في منتهى أرتفاعها في وسط النهار، فيقوم قائماً فينظر إلى ظله فيعلم أنه أخذ من القبلة إلى الدبور. وهذا لا يتحصل منه ما يقارب اليقين لاختلاف الظلال في البلاد وبالشتاء والصيف. وأوضح من هذا أن ينظر إلى القطب (٢) الشمالي وهو: نجم خفي يدور عليه بنات نعش (٣) وهو: وسط السمكة (٤) فيجعلها على كتفه الأيسر ثم يستقبل الجنوب فيكون وجهه إلى القبلة. فهذا صحيح في قطر الشام والمغرب (٥). فإن فقد هذا بوجود السحاب استدل بالجبال والرياح، فإن عميت عليه طرق الأدلة فهاهنا قولان: أحدهما: أنه يصلي أربع صلوات إلى الجهات الأربع لأنه لا يأمن الخطأ في أحدهما: والثاني: أنه يختار جهته فيصلي إليها. وهذا لأن الواجب في ذمته صلاة واحدة، وهو

стр. 458

معذور لخفاء الأدلة (١). وقد حمل على هذه الصورة قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢). ... فصل (حكم من أعاد الصلاة ولم يتيقن بالجهة) وإن كان لا يأمن الخطأ في الإعادة بأن يكون اجتهد في غير مكة والمدينة فأخطأ بأن شرَّق أو غرَّب، فالمنصوص من المذهب أنه لا يعيد إلا في الوقت؛ لأنه يرجع من اجتهاد إلى اجتهاد. وهذا أوضح في حق غير العارف. فأما العارف فكما قلناه. ويتصور في رجوعه إلى اليقين، لكن أحكام الشريعة لا تبنى على الالتفات إلى معرفة مثل هذا، وإنما تبنى على ما يذكره الجمهور. وفي المذهب (٣) قولان في الالتفات إلى نوادر بعض الصور. وأشار بعض البغداديين إلى أن من أدرك العلم برؤية الأهلة بحسابه أنه (٤) يصوم على حسابه. وهذا من ذلك القبيل. ومن استقبل غير القبلة ناسياً؛ فظاهر المذهب أنه يعيد وإن خرج الوقت، ولا شك في ذلك في العامد، وهكذا حكم الجاهل. وحكى أبو الحسن اللخمي قولين في الناسي (٥)، فكذلك [في] (٦) الجاهل هل يعيد كل واحد منهما في الوقت وبعده؟ ولا يوجد (٧) خلاف في ذلك، وإن ما يقع في هذا الباب محمول على المجتهد، وهكذا حمله أبو الحسن اللخمي (٨).

стр. 459

باب فى حكم وقت الضرورة وما يتعلق به من النظر في صلاة أهل (١) الأعذار وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ (٢)، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ" (٣)، ولا خلاف في تناول (٤) الحديث لأصحاب الضرورة. وهل يتناول أهل الاختيار؟ في ذلك قولان يأتي بيانهما. واختلف أيضاً في الركعة المشار إليها هل هي كمال الركعة بسجدتيها، وهو المشهور؟ أو مجرد الركوع، وهو مذهب أشهب؟ وهذا على الخلاف في الألفاظ الواردة هل تحمل على العرف الشرعي أو على مقتضاها لغة؟ فمن حملها (٥) على العرف الشرعي حصل (٦) منه المشهور، ومن حملها على مقتضى اللغة حصل منه القول الشاذ. ويلتفت (٧) هذا إلى الخلاف في حمل الألفاظ على الأقل أو على الأكثر. وقد قال المحققون في الانتصار (٨) للمشهور إن رسول الله ﷺ إنما جعل مُدْرَكَ الصلاة قبل الطلوع أو قبل الغروب بالركعة لأن الركعة صلاة كاملة؛ فيها تكبير وقيام وقراءة وركوع وسجود، وهذه (٩) جملة أحكام الصلاة. ثم الركعات بعدها تكرير لهذه الأفعال من غير زيادة، وإنما تكررت لحصول تأثيرها في النفس وهي في

стр. 460

معنى الأول قطعاً، فالمدرك للركعة حصلت له جملة الصلاة في الوقت، وتحصيل المقصود من التأثير بالتكرير بعد الوقت، ولا يكون ذلك مفيتاً للصلاة. ... [فصل] (١) (أصحاب الأعذار الخمسة) وأصحاب الأعذار [هم] (٢) خمسة: الحائض تطهر، والصبي يحتلم، والكافر يسلم، وفاقد عقله يفيق، والناسي يذكر. وهؤلاء إذا بقي لهم من الوقت الضروري الذي حددناه في أول الكتاب مقدار جملة الصلاة أو ركعة منها على ما حددناه من الاختلاف وجب عليهم القضاء (٣). وهل يقدر لهم للإدراك بعد كمال تحصيل شروط الصلاة؟ أما الحائض فيقدر لها ذلك بلا خلاف، وأما ما عدا ذلك (٤) ففي تقدير ذلك قولان. وقد اختلف المتأخرون هل يجري الخلاف في الحائض ويكون سببه في الجميع هل الطهارة شرط في الوجوب فلا يلزم هؤلاء الصلاة إلا لبقاء ركعة بعد كمال الطهارة، أو شرط في الأداء فيراعى زوال الأعذار دون أن تحصل الطهارة؟ أو لا يجري الخلاف فيها فيكون الفرق بين الحائض وبين من ذكر معها أن الكافر قادر على أن يشهد بالشهادة في أول النهار فلا يرخص له من جهة أنه متعذر. وهذا يجري على الخلاف فيه هل هو مخاطب بفروع الشريعة فلا يراعى إلا زوال عذره، أو هو غير مخاطب فيراعى كمال طهارته؟ والصبي كان ممن خوطب بالصلاة قبل البلوغ مخاطبة مثله إذ يؤدب على تركها. فمن التفت إلى هذا لم يراع إلا زوال عذره ووجود الاحتلام.
следующие страницы →