← Фикх малики

Фикх малики · id 121378

التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات

أبو الطاهر ابن بشير

Полный текст (942 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ولا يصلى فيه ولا في الكعبة السنن، فإن صلى فيها أو صلى فيه ركعتي الطواف فهل يكتفي بهما أو يعيدهما؟ في المذهب قولان. وهو على ما قدمناه في المصلي في الكعبة هل يعيد أبداً أم لا؟ ... فصل (حكم من صلى إلى غير قبلة) وقد تقدم أن من فروض الصلاة استقبال القبلة، وذكرنا حكم المريض العاجز. ولا خلاف بين الأمة في وجوب استقبال القبلة مع القدرة والإمكان. فإن صلى مصل إلى غير القبلة فهل يعيد؟ لا يخلو أن يكون اجتهد فأخطأ، أو تعمد، أو نسي، أو جهل؛ فإن اجتهد فأخطأ فلا يخلو أن يعيد (١) بعد المعرفة بخطئه (٢) إلى يقين أم لا يأمن الخطأ في الإعادة كما لو لم يأمنه في الأولى (٣)؟ فإن رجع إلى [اليقين في الاستقبال فإنه يعيد في الوقت (٥)، وهل يعيد] (٤) بعد الوقت؟ قولان. فظاهر الكتاب أنه يعيد في الوقت (٥)، ولأصبغ وغيره أنه يعيد وإن خرج الوقت، وهو على الخلاف في حصول العذر بالاجتهاد. وإن انتقل إلى الاجتهاد مع القدرة على طلب اليقين أعاد أبداً بلا خلاف.

стр. 457

قالوا: وهكذا يجري الحكم في مدينته ﷺ إذ كون قبلتها صحيحة مقطوعاً بها؛ لأن جبريل ﵇ أقامها (١) وألحق بهذا المتأخرون من أهل المذهب بيت المقدس. ولو اجتهد فتبين له أنه استدبر القبلة؛ فإنه يعود هاهنا إلى يقين كون القبلة في غير الجهة التي استقبلها. (كيفية الاجتهاد في معرفة القبلة) وكيف الطريق إلى الاجتهاد؟ أما العارف بأحكام الطوالع والمغارب وعروض البلاد ونسبتها إلى الكعبة فيحال إلى معرفته في حق هذا. والطريق إلى المعرفة في هذا أدق ويطول. ولكن يتوصل منها إلى اليقين، أو ما يقاربه. وأما غير هذا فقد قرب إليه بأن ينظر إلى نهاية الشمس في منتهى أرتفاعها في وسط النهار، فيقوم قائماً فينظر إلى ظله فيعلم أنه أخذ من القبلة إلى الدبور. وهذا لا يتحصل منه ما يقارب اليقين لاختلاف الظلال في البلاد وبالشتاء والصيف. وأوضح من هذا أن ينظر إلى القطب (٢) الشمالي وهو: نجم خفي يدور عليه بنات نعش (٣) وهو: وسط السمكة (٤) فيجعلها على كتفه الأيسر ثم يستقبل الجنوب فيكون وجهه إلى القبلة. فهذا صحيح في قطر الشام والمغرب (٥). فإن فقد هذا بوجود السحاب استدل بالجبال والرياح، فإن عميت عليه طرق الأدلة فهاهنا قولان: أحدهما: أنه يصلي أربع صلوات إلى الجهات الأربع لأنه لا يأمن الخطأ في أحدهما: والثاني: أنه يختار جهته فيصلي إليها. وهذا لأن الواجب في ذمته صلاة واحدة، وهو

стр. 458

معذور لخفاء الأدلة (١). وقد حمل على هذه الصورة قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢). ... فصل (حكم من أعاد الصلاة ولم يتيقن بالجهة) وإن كان لا يأمن الخطأ في الإعادة بأن يكون اجتهد في غير مكة والمدينة فأخطأ بأن شرَّق أو غرَّب، فالمنصوص من المذهب أنه لا يعيد إلا في الوقت؛ لأنه يرجع من اجتهاد إلى اجتهاد. وهذا أوضح في حق غير العارف. فأما العارف فكما قلناه. ويتصور في رجوعه إلى اليقين، لكن أحكام الشريعة لا تبنى على الالتفات إلى معرفة مثل هذا، وإنما تبنى على ما يذكره الجمهور. وفي المذهب (٣) قولان في الالتفات إلى نوادر بعض الصور. وأشار بعض البغداديين إلى أن من أدرك العلم برؤية الأهلة بحسابه أنه (٤) يصوم على حسابه. وهذا من ذلك القبيل. ومن استقبل غير القبلة ناسياً؛ فظاهر المذهب أنه يعيد وإن خرج الوقت، ولا شك في ذلك في العامد، وهكذا حكم الجاهل. وحكى أبو الحسن اللخمي قولين في الناسي (٥)، فكذلك [في] (٦) الجاهل هل يعيد كل واحد منهما في الوقت وبعده؟ ولا يوجد (٧) خلاف في ذلك، وإن ما يقع في هذا الباب محمول على المجتهد، وهكذا حمله أبو الحسن اللخمي (٨).

стр. 459

باب فى حكم وقت الضرورة وما يتعلق به من النظر في صلاة أهل (١) الأعذار وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ (٢)، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ" (٣)، ولا خلاف في تناول (٤) الحديث لأصحاب الضرورة. وهل يتناول أهل الاختيار؟ في ذلك قولان يأتي بيانهما. واختلف أيضاً في الركعة المشار إليها هل هي كمال الركعة بسجدتيها، وهو المشهور؟ أو مجرد الركوع، وهو مذهب أشهب؟ وهذا على الخلاف في الألفاظ الواردة هل تحمل على العرف الشرعي أو على مقتضاها لغة؟ فمن حملها (٥) على العرف الشرعي حصل (٦) منه المشهور، ومن حملها على مقتضى اللغة حصل منه القول الشاذ. ويلتفت (٧) هذا إلى الخلاف في حمل الألفاظ على الأقل أو على الأكثر. وقد قال المحققون في الانتصار (٨) للمشهور إن رسول الله ﷺ إنما جعل مُدْرَكَ الصلاة قبل الطلوع أو قبل الغروب بالركعة لأن الركعة صلاة كاملة؛ فيها تكبير وقيام وقراءة وركوع وسجود، وهذه (٩) جملة أحكام الصلاة. ثم الركعات بعدها تكرير لهذه الأفعال من غير زيادة، وإنما تكررت لحصول تأثيرها في النفس وهي في

стр. 460

معنى الأول قطعاً، فالمدرك للركعة حصلت له جملة الصلاة في الوقت، وتحصيل المقصود من التأثير بالتكرير بعد الوقت، ولا يكون ذلك مفيتاً للصلاة. ... [فصل] (١) (أصحاب الأعذار الخمسة) وأصحاب الأعذار [هم] (٢) خمسة: الحائض تطهر، والصبي يحتلم، والكافر يسلم، وفاقد عقله يفيق، والناسي يذكر. وهؤلاء إذا بقي لهم من الوقت الضروري الذي حددناه في أول الكتاب مقدار جملة الصلاة أو ركعة منها على ما حددناه من الاختلاف وجب عليهم القضاء (٣). وهل يقدر لهم للإدراك بعد كمال تحصيل شروط الصلاة؟ أما الحائض فيقدر لها ذلك بلا خلاف، وأما ما عدا ذلك (٤) ففي تقدير ذلك قولان. وقد اختلف المتأخرون هل يجري الخلاف في الحائض ويكون سببه في الجميع هل الطهارة شرط في الوجوب فلا يلزم هؤلاء الصلاة إلا لبقاء ركعة بعد كمال الطهارة، أو شرط في الأداء فيراعى زوال الأعذار دون أن تحصل الطهارة؟ أو لا يجري الخلاف فيها فيكون الفرق بين الحائض وبين من ذكر معها أن الكافر قادر على أن يشهد بالشهادة في أول النهار فلا يرخص له من جهة أنه متعذر. وهذا يجري على الخلاف فيه هل هو مخاطب بفروع الشريعة فلا يراعى إلا زوال عذره، أو هو غير مخاطب فيراعى كمال طهارته؟ والصبي كان ممن خوطب بالصلاة قبل البلوغ مخاطبة مثله إذ يؤدب على تركها. فمن التفت إلى هذا لم يراع إلا زوال عذره ووجود الاحتلام.

стр. 461

ففي المذهب قولان في الصبي يبلغ بعد أن أدى الصلاة في أول الوقت ويكون بلوغه في الوقت. هل تجب عليه الإعادة أم لا؟ وإسقاط الإعادة يقتضي أنه مخاطب بالصلاة في أول الوقت؛ فمن التفت إلى هذا قال بمراعاة زوال العذر كما قدمنا، ومن التفت إلى حقيقة الوجوب وأنه لا يحصل إلا بعد البلوغ راعى تحصيل الغسل. وللفاقد للعقل قد قال بعض المخالفين يجب عليه القضاء، فمن التفت إلى هذا الخلاف لم يراع إلا زوال عذره. ولا خلاف في الحائض أنها غير مخاطبة بالصلاة في حال الحيض ولا تقضيها، فلهذا اتفق على مراعاة تحصيل الغسل. وإذا راعينا (١) ذلك فيراعى فيه القدر المأمور به دون مراعاة حال المتطهر في وسوسته وتطويله. ولا خلاف في الناسي يذكر، أنه لا يراعي إلا زوال عذره دون تحصيل الشروط. وظاهر حكم الصلاة الواحدة كالصبح أنه يراعى بقاء ركعة لطلوع الشمس. فإن كان في الذمة صلاتان كالظهر والعصر، أو المغرب والعشاء؛ فأما الظهر والعصر فاشترط أن يدرك جميع صلاة (٢) الأول، وركعة من الآخر. وذلك مقدار خمس ركعات للحاضر وثلاث ركعات للمسافر. وأما المغرب والعشاء؛ فإن أدرك جميع الأولى وركعة من الآخرة كان مدركا للصلاتين. وهذا كأربع ركعات في حق المسافر (٣). وأما الحاضر يدرك أربع ركعات والمسافر يدرك ثلاثاً ففي سقوط الأول من الذمة قولان. وسبب الخلاف هل يجعل الوقت الذي زال فيه العذر لأول الصلاتين أو لآخرتيهما؛ فإن جعلنا الوقت للآخرة سقط المغرب في حق الحاضر يدرك أربع ركعات ووجبت الصلاتان في حق المسافر يدرك ثلاثاً، وإن

стр. 462

جعلنا (١) الوقت لأول الصلاتين وجبت الصلاتان في حق الحاضر يدرك أربع ركعات وسقطت الأولى في حق المسافر يدرك ثلاثاً. فهو على الخلاف في الاشتراك لأصحاب الضرورات هل يقدر من أول وقتي الصلاتين أو بعد مضي زمان مقدار الأول. وعلى هذا الخلاف لو صلت العصر أولاً ثم حاضت وقد بقي مقدار أربع ركعات هل يسقط الظهر لأن هذا الوقت مستحق لها، أو تكون مقررة (٢) في ذمتها لأن هذا الوقت مختص بالعصر ووقوعها أولاً قبل الظهر كأنها وقعت في غير محلها؟ ... فصل (متى يجب على الحائض قضاء الصلاة) وقد قدمنا ما في المذهب من مراعاة تحصيل الشروط لأصحاب الأعذار. فلو حصل للحائض تطهير أو لغيرها التطهر ثم أحدثت، وكانت إذا أعادت الطهر فات وقت الصلاة، فالقضاء واجب عليها باتفاق. لأنها بعد التطهر مطلوبة بالصلاة. فإحداثها كإحداث من هو مطلوب بالصلاة، وقد تعينت عليها فيجب عليها العودة للتطهر (٣) وقضاء الصلاة. ولو تطهرت بماء نجس ثم علمت به بعد أن أكملت طهرها وكانت لو أخذت في الظهر لانقضى الوقت، فهاهنا قولان: أحدهما: وجوب القضاء في ذمتها. والثاني: نفيه وهذا على الخلاف في المخطىء مجتهداً هل يعذر بخطئه؟ وذلك إنما يتصور إذا لم يكن الماء متغير أحد الأوصاف أو كان متغيراً بنجاسة فظن أنه متغير لقراره (٤). ولو علمت بتغيره لم يكن إشكال في

стр. 463

وجوب القضاء عليها. ويجري على قول من حكم بطهارة الماء حلته النجاسة ولم تغير أحد أوصافه أن تصلي هذه (١) من غير إعادة. وعلى قول من جعله مشكوكا فيه أن تصلي به ثم تتطهر (٢) بغيره وتصلي إن وجدت. وإن لم تجد فيجري على الخلاف هل تصلي به وبالتيمم صلاة واحدة، أو بكل واحد منهما صلاة على ما قدمنا؟ ويظهر هاهنا أنها إذا ذكرت ذلك بعد التطهر به أنها تتيمم وتصلي (٣) صلاة واحدة لحصوله في الأعضاء. ... [فصل] (٤) (تعويل أصحاب الأعذار على التقدير) وأصحاب الأعذار يعولون على (٥) التقدير بغلبة الظن؛ فإن ثبت في ظنونهم أن الوقت بقي منه ما يدركون (٦) به الصلاتين جميعاً كما قدمناه عولوا على ما ثبت في ظنونهم، فإن قدرت الحائض مثلاً أن الوقت بقي منه مقدار خمس ركعات فعولت على صلاة الظهر والعصر، فلما صلت ركعة (٧) غربت الشمس، أنها تنصرف من صلاة الظهر وتصلي العصر. وهل الأولى انصرافها من شفع أو تقطع بعد وتر إن شاءت؟ في المذهب قولان. وهاهنا التمادي إلى الشفع مأمورة (٨) به لحق الابتداء، والقطع مأمورة (٩) به لحق الصلاة الواجبة حقيقة. وفي العصر فيمن تقابل

стр. 464

عنده الأمران خُيِّرَ، ومن ترجح عنده حكم الابتداء (١) وكان الانصراف على وتر عنده ممنوعاً أمر بالتمادي. ولو قدرت بالعكس فظنت أن الباقي من الوقت يسع الصلاة الثانية دون الأولى فبدأت بالثانية ثم ظهر لها اتساع الوقت للصلاتين فلا يخلو أن يظهر لها ذلك في الصلاة أو بعد كمالها؟ فإن ظهر في الصلاة انصرفت عنها وأتت بالأولى ثم بالثانية. وهل تنصرف على شفع؟ يجري على الخلاف الذي قدمناه. وإن ظهر (٢) ذلك بعد كمال العصر، أعادت الظهر. وهل تعيد العصر؟ قولان. وهذا على (٣) ما قدمناه في الوقت. وهل يقال إن أوله مستحق للأولى لا تشاركها الثانية فيه فيجب عليها هاهنا قضاء الصلاتين جميعاً، لأن الزمان الذي طهرت فيه مقدر بالزوال في حق المختار. فإذا أدت فيه صلاة العصر فكأنها أوقعتها في وقت الظهر المختص بها، فلا تجزيها. ويقال: إن الوقت يقع فيه الاشتراك من بدايته إلى نهايته، فصارت موقعة للصلاة في وقتها حقيقة فتجزيها وتعيد الظهر. فتكون كأنها صلت صلاة العصر وأكملته، ثم ذكرت ظهراً من يوم ثان ولم يبق من الوقت إلا مقدار ما يسع الصلاة المنسية، فإنها لا تعيد العصر. وأما لو صلت العصر ناسية الظهر ولا حيض بها أو غيرها من سائر الناس ثم ذكرت الظهر، ولم يبق من الوقت إلا ما يسع الظهر خاصة فهل تعيد العصر؟ قولان وهما على ما قدمناه أيضاً. ... فصل (هل يُبْتَدَأ بالحاضرة أو المنسية عند ضيق الوقت) ولو بقي من الوقت مقدار صلاة واحدة ثم ذكر أصحاب الأعذار صلاة منسية. فهل يبتدؤون بالحاضرة أو بالمنسية؟ قولان توجيههما محال على

стр. 465

حكم قضاء الفوائت. وإذا قلنا بالابتداء بالحاضرة -وهو الشاذ- فلا شك أن هؤلاء يصلون الحاضرة ثم المنسية بعد الوقت. فإذا قلنا بالابتداء بالمنسية فضاق الوقت على قضائها فهل عليهم قضاء الحاضرة بعد الوقت؟ [قولان: أحدهما: وجوب القضاء لتوجبه الصلاة في] (١) الوقت، وإنما بدئ بالمنسية لحق الرتبة (٢) في الصلاة المنسية. والثماني: سقوط القضاء؛ لأن الوقت [مستحق للمنسية ولم يبق للحاضرة بعده شيء. وكان الأعذار إنما ارتفعت بعد خروج الوقت (٣). ... فصل (حكم المسافر يقدم والحاضر يسافر) وقد ألحق أهل المذهب بأصحاب الأعذار المسافرَ يقدُم وقد [بقي من النهار مقدار خمس ركعات فيؤدي الصلاتين حضريتين (٤). والحاضر يسافر وقد بقي من النهار مقدار ثلاث ركعات فيؤديها سفريتين؛ فهذا يقتضي تنزيل قوله ﷺ :"من أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة" الحديث (٥) كما تقدم على عمومه في أصحاب الأعذار. والاختيار يقتضي هذا من قولهم أن مؤخر الصلاة إلى أن يبقى من الوقت مقدار ركعة مؤد غير قاض. وحكى أبو الحسن اللخمي الاتفاق على تأثيم من فعل ذلك عمداً. وما قاله أهل المذهب في حكم الحاضر والمسافر يقتضي خلاف

стр. 466

قوله. وما قاله أيضاً يشبه قول أبي إسحاق التونسي أن من أخر صلاة العصر إلى الاصفرار يكون آثماً مع كونه مؤدياً. ولا يتفق الأداء والتأثيم؛ لأن معنى الأداء موافقة الأمر، والتأثيم إنما يحصل لمخالفته. فكان بعض الأشياخ (١) يقول: لو قيل إن مؤخر الصلاة عن الأوقات التي حددها جبريل ﵇ في صلاته بالنبي ﵇ يكون آثما لكان صواباً. وما ورد من الجمع بعرفة والمزدلفة، والجمع في السفر والمرض والمطر، فذلك يقتضي اختصاص هذه الأوقات بهذه الضرورات ولا يلحق بها غيرها. وإلى هذا يميل أبو الحسن اللخمي (٢). وهو مذهب الإصطخري (٣) من أصحاب الشافعي. ولكن الجمهور على خلافه، معولين على قوله ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر الحديث"] (٤). ... فصل (هل يحصل انعكاس الأمر بطرء الأعذار) وقد قدمنا حكم ارتفاع الأعذار. وهل يحصل (٥) انعكاس الأمر بطرء (٦) الأعذار؟ أما الحائض فظاهر انعكاس الأمر فيها بأن تكون طاهراً (٧) فتحيض أو حائضاً فتطهر. وكذلك العاقل يجن، والمجنون يفيق، والحاضر

стр. 467

يسافر، والمسافر يحضر، والذاكر ينسى. ويتصور في هذا الطردُ والعكسُ دون غيره، ولا يصح بعد الوقت. ولا يصح ذلك في الصبي يحتلم ولا ينعكس الأمر في حقه، ولا الكافر يسلم. وأما الناسي يذكر فيتصور انعكاس الأمر في حقه. لكن إن نسي بعد ذكره فلا يسقط عنه قضاء الصلاة، بخلاف الطاهر تحيض، والعاقل يفقد عقله. وما قالوا أيضاً في الطاهر والعاقل يقتضي كونهما مؤديين وإن أخرا الصلاة حتى لو لم يبق إلا [مقدار] (١) ركعة واحدة. لذلك ما وجبت الصلاة في ذمتيهما متى ظهرت أعذارهما ولو لم يبق إلا مقدار ركعة في حق الصلاة الواحدة أو صلاة كاملة، وركعة في حق الصلاتين جميعاً. ثم يجري الخلاف في هذين وفي المسافر يقدم والحاضر يسافر إذا بقي لطلوع الفجر أربع ركعات، أو ثلاث ركعات على ما قدمنا من الخلاف في جعل (٢) الوقت لآخر الصلاتين أو لأولهما. ولو أخرت الطاهر مثلاً العصر حتى لم يبق إلا مقدار ركعة واحدة فقامت تصليها، فلما أكملتها وغربت الشمس حاضت قبل إكمال الصلاة، فهل يجب عليها قضاء هذه الصلاة لأنها حاضت بعد (٣) وقتها أو لا يجب عليها قضاؤها؟ في ذلك قولان. ومثار هذا الخلاف في مدرك ركعة من الوقت هل يكون مؤدياً لجميع الصلاة؟ وهو مقتضى سقوط القضاء عنها، أو مؤدياً للركعة وقاضياً للثلاث (٤) الواقعة بعد الوقت، وهو مقتضى وجوب القضاء عليها. ...

стр. 468

باب في حكم ستر العورة وخصوصها بالصلاة (تعريف العورة لغة) والعورة في اللغة (١) هو ما يحاذر الإنسان التطرق إليه منه، والنظر إليه والتطلع عليه. قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ (٢)، ومعنى ذلك ما يحاذر الاطلاع عليه، وهو مقصودنا (٣)، وما يحاذر النظر إليه. والنظر في هذا الباب في ثلاثة أركان: أحدها: [ما هي] (٤) العورة؟ والثاني: متى يجب عليه سترها؟ والثالث: في المقدار الساتر لها. (ما هي العووة؟ وذكر الخلاف في تحديدها) فأما العورة ما هي؟ فإن المكلفين صنفان: رجال ونساء، والنساء قسمان: أرقاء وحرائر (٥). فأما الرجال فاجتمعت الأمة على أن السوأتين منهم عورة، واختلفوا في ما عدا ذلك. وفي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: لا عورة إلا ما ذكرناه. والثاني: العورة من السرة (٦) إلى الركبة، والسرة والركبة داخلتان في ذلك. والثالث: هذا التحديد، ولكن السرة والركبتين غير داخلتين. ومثار هذا الخلاف اختلاف ظواهر [الآثار] (٧) "فأجرى رسول الله ﷺ

стр. 469

فرساً (١) حتى بدا فخذه" (٢)، وكان جالساً بين جماعة من أصحابه وركبته مكشوفة حتى دخل عثمان بن عفان فغطاها، فأعلم أنه استحيت منه ملائكة السماء ﵁ (٣)، وهذا يدل على أنها ليست بعورة ولكن تغطيتها من باب الأولى. وقد قال ﷺ (٤) لجرهد (٥): "غط فخذك فإنه عورة" (٦)، وهذا نص. ولكن ذكر البخاري ﵀ أن سند الحديث الأول أقوى، وهو يحتمل أن يكون بدا منه فخذه ﷺ وهو غير عالم بذلك، ويحتمل الحديث الآخر أن يكون غافلاً عن كشف ركبته حتى دخل عثمان ﵁ فنبهه لذلك. لكن هذا الاحتمال فيه بعد. وكان ﷺ شديد التحفظ ومحفوظ من كشف ما لا يسوغ كشفه، ولما كشف عورته في حال الصبا يستعين بذلك على نقل الحجارة لبناء الكعبة سقط إلى الأرض وفتحت (٧) عيناه إلى السماء فلم ير بعد ذلك مكشوف العورة. فهذا يدل على أنه كان محفوظاً مما ذكرناه في تأويل الحديثين المتقدمين. وبالجملة فمثار الخلاف الترجيح بالنص (٨) الذي لا يحتمل التأويل أو

стр. 470

صحة (١) السند. وبين الأصوليين خلاف في أيهما يقدم. هذا النظر في الآثار, وأما الاعتبار فالرجوع فيه إلى العوائد؛ فما جرت العادة أنه يستر منه (٢) ويحاذر من انكشافه فهو عورة. فلا شك في المحاذرة من انكشاف السوأتين. وتختلف العوائد فيما عداهما مما ذكرنا من الخلاف. ولهذا قال أبو حنيفة: إن العورة على قسمين: مثقلة وهي السوأتان، ومخففة وهي ما عداهما. مراده أن الإعادة (٣) تجب في كشف السوأتين دون ما عداهما. وروى أبو الوليد الباجي أن المذهب يشير إلى ما قال أبو حنيفة. وقد قالوا في الرجل يصلي بادي الفخذ أنه يعيد في الوقت في قول، ولو كان بادي السوأتين أعاد أبداً. وفي الحرة تصلي بادية الشعر أو ظهور القدمين تعيد في الوقت، فإن بدا غير ذلك مما لا تبديه لذوي المحارم أعادت أبداً. وقالوا في الأمة تصلي بادية الفخذ إنما تعيد في الوقت، بخلاف الرجل فإنه لا يعيد. وهذا كله يقتضي انقسام العورة إلى ما قاله أبو حنيفة. وأما الأرقاء فحكمهم حكم الرجال الأحرار ذكوراً كانوا أو نساءً. وقد ذكرنا حكم الأمة. وأما ستر الحرائر؛ فيجب عليهن ستر سائر أجسادهن إذ كلهن عورة إلا الوجه والكفين؛ فلا يجب عليهن سترها في مقصودنا، وهو الصلاة. ... فصل (متى يجب ستر العورة ؟) وأما متى يجب عليه ستر العورة؟ فيجب عن أعين الإنسان بإجماع (٤).

стр. 471

وهل يجب في الخلوة لحرمة الملائكة؟ حكى (١) أبو الحسن اللخمي استحبابه (٢). والذي سمعناه في المذاكرات القولين؛ الوجوب والندب. وقد قال ﷺ "إِياكم وَالتعَرَّيَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لاَ يُفَارِقُكُم"، (٣)، يعني الملائكة. ثم قال في آخر الحديث: "فَاستَحْيُوهُمْ وَأَكَرِمُوهُمْ"، هذا أمر. وبين الأصوليين خلاف في مقتضاه هل الوجوب أو الندب. وأيضاً فمن أوجب قاس على الإنسان، ومن أسقط الإيجاب رأى أن التزامه من المشقة التي تسقطها الشريعة السمحة. وأراد أبو الحسن اللخمي أن يجعل المذهب على قولين: هل يجب (٤) ستر العورة في الصلاة أو ليس (٥) كذلك، إذا كان المصلي في الخلوات حيث لا ناظر (٦). وإنما عوَّل على قول من قال من أهل المذهب: من صلى بادي العورة أعاد في الوقت، وليس كما ظنه". وإنما المذهب على قول واحد في وجوب الستر. لكن الخلاف في وجوب الإعادة في الوقت، أو فيه وبعده على الخلاف في ستر العورة هل هو من شروط الصحة أم لا؟ فإذا تقرر هذا قلنا: لا يخلو مريد الصلاة من أن يكون عاجزاً عن الستر أو قادراً. (حكم العاجز عن ستر العورة) فإن كان عاجزاً فلا يخلو أن يكون بحيث لا آدمي ينظر إليه، أو بحيث ينظر إليه. وهذا لا يخلو إما أن يكون في ليل أو نهار. فإن كان

стр. 472

عاجزاً أو لا ناظراً صلى على حالته باتفاق ولا يسقط عنه فرض من الفروض إلا ما عجز عنه من ستر العورة. وهذا (١) حكمه إذا كان في ليل مظلم يأمن النظر إليه. فإن كان هناك جماعة وأرادوا الجمع جمعوا وتقدمهم إمامهم إن علموا أن الظلام ساتر. وإن كان الأكمل في الستر أن يصلوا صفاً واحداً صلوا كذلك. وإن كان النهار أو الليل المقمر والناظر موجود، فإن أمكنهم التباعد حتى يصلوا بموضع لا ينظر بعضهم إلى بعض طلبوا ذلك الموضع، ولا يصلوا جماعة إن خافوا مع الجمع نظر بعضهم إلى عورة بعض. ولا فرق في هذا بين الرجال والنساء. وإن جمعهم موضع ولم يمكنهم التباعد، فهل ينتقلون إلى الجلوس والإيماء أو يصلون قياما ويؤمر كل واحد منهم أن يغض بصره؟ هاهنا للمتأخرين قولان. وسببهما تغليب أحد المكروهين؛ فالقيام والركوع والسجود فرض، والستر عن أعين المخلوقين فرض. فمن قال يصلون جلوساً إنما رأى ذلك أولى إذ ما انتقل (٢) عنه من فروض الصلاة فقد أتى بأبدالها، وهي تقوم مقامها عند الضرورة. ومن قال يقومون، نظر إلى كثرة المتروك من الفروض. وأيضاً فيقدروا على الستر بأن يغض كل واحد منهم بصره، فإن لم يفعل أثم الناظر منهم. وإذا أمرنا العاجز بالصلاة على حاله وافتتح كذلك ثم وجد وهو في الصلاة ما يستر به فهل يتمادى ويعيد؟ أو يقطع ويستأنف؟ قولان في المذهب: التمادي قياساً على طرء الماء في الصلاة في التيمم، والإعادة هاهنا في الوقت. ويجري على قول (٣) أنه لا يعيد قياساً على المتيمم. والقطع هاهنا إذ لا بدل- بخلاف المتيمم (٤) [إذ هناك وجود البدل

стр. 473

يقوم مقام الماء، وفي العورة لم يجزه ذلك إذ لا بدل لها بخلاف الماء] (١) فإنه يرجع فيه إلى البدل (٢) وهو ما أتى به من التيمم. ... [فصل] (٣) (القادر يلزمه الستر على كل حال) وأما القادر فيلزمه الستر، أما إذا كان بحيث لا يأمن النظر إليه فلا شك أنه فرض، وأما إن كان بحيث يأمن ذلك، فقد قدمنا أن المذهب على قولين (٤) في فرضيته، وما قاله (٥) أبو الحسن اللخمي في ذلك. وما حكيناه هو رأي أهل التحقيق من البغداديين ومن لقيناه من المشايخ. وذكر أبو القاسم بن محمد (٦) أن المذهب على قولين في ستر العورة: هل هو من فروض الصلاة، أو من سننها. ومراده أنه إن كان فرضاً فليس يشترط في الصحة (٧) على أحد القولين. وإن أراد ما قاله أبو الحسن فقد بينا ما فيه. لكن المذهب المشهور أنه لا يلزم إلا ستر العورة خاصة، وغير ذلك شرط في الكمال لا شرط في الإجزاء. وفي المذهب قول ثان أنه يلزم ستر سائر

стр. 474

الجسد (١) لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢). وقد اختلف ما المراد بالمساجد هاهنا؟ هل هو ظاهر ما يدل عليه، أو المراد به الصلاة؟ وهذا مقتضى القول الشاذ. وهذا أمر، وبين الأصوليين خلاف في حمله على الوجوب أو الندب؛ فإن حملناه على الوجوب جاء منه الشاذ. وإن حملناه على الندب جاء منه المشهور. وإذا أوجبنا ستر العورة فصلى باديها مع القدرة، هل يعيد أبداً أو في الوقت؟ قولان، وهما على ما حكيناه من الخلاف. والستر هل هو من شرط صحة الصلاة، أو هو فرضٌ، من تركه أثم لكنه ليس بشرط في صحة الصلاة؟ وقد قدمنا القولين في الرجل يصلي بادي الفخذين هل يعيد في الوقت، أو لا إعادة عليه؟ فأما الإعادة في الوقت فيحتمل أن يكون بناء على أن الفخذين ليسا بعورة ولكنه يعيد مراعاة للخلاف، أو على أنه عورة لكن يقتصر على الإعادة في الوقت مراعاة للخلاف. وأما ترك الإعادة فيحتمل أن يكون بناء على أن الفخذين ليسا بعورة وهو الظاهر أو على أنه عورة، لكنها عورة خفيفة. ولا شك أنه يجري فيه قول ثالث بوجوب الإعادة وإن خرج الوقت بناء على أنه عورة على ترك مراعاة الخلاف. وقد قدمنا أيضاً أن عورة الأمة كهي من الرجل. وأراد أبو الحسن اللخمي أن يجعل المذهب على قولين: أحدهما: ما قدمناه. والثاني: وجوب ستر سائر الجسد في الصلاة (٣). وعوَّل على ألفاظ وقعت في المدونة منها قوله: "لا تصلي الأمة إلا وعلى جسدها ثوب يستر جميع جسدها" (٤)، وهذا يحتمل أن يريد به الكمال لا الإجزاء. ولا شك أن من قال في الرجل يلزمه ستر جميع جسده في الصلاة يكون لزوم ذلك في الأمة أولى وأحرى عنده.

стр. 475

فإن افتتحت الأمة الصلاة على حالها التي تؤمر بها ثم طرأ عليها العلم بالعتق في أثناء الصلاة؛ فلا يخلو العتق الطارئ من أن يكون سابقاً للدخول في الصلاة لكنها إنما علمت (١) في أثنائها، أو يكون غير سابق وإنما وقع حيث علمت به. فإن سبق لها افتتاح الصلاة فهاهنا قولان: قيل تقطع (٢)، وقيل تتمادى. وسبب الخلاف هل يعد النسخ واجباً من حين البلوغ، فتكون هذه كالمعتقة في أثناء الصلاة؟ أو يعد من حين النزول والوجود، فتكون هذه كالحرة تدخل في الصلاة غير ساترة لما يجب عليها فيلزمها القطع؟ وإن كان العتق غير سابق، وإنما وقع في أثناء الصلاة؛ فإن قلنا تتمادى في الصلاة في المسألة الأولى (٣) فأحرى أن تتمادى هاهنا؛ لأنها دخلت في الصلاة بوجه جائز وهي أمة حقيقة في الظاهر والباطن، وإن قلنا تقطع [في] (٤) تلك، ففي هذه قولان: هل تقطع، أو تتمادى؟ وسبب الخلاف هل كل جزء من الصلاة قائم بنفسه، أو أولها موقوف على كمالها؟ وإذا قلنا في الصورتين: تتمادى، فذلك ظاهر إذا وجدت ما تستر به في الصلاة، فإن لم تجد فهاهنا قولان: أحدهما: أنها تتمادى لدخولها (٥) بوجه جائز قياساً على المتيمم يطرأ عليه الماء في أثناء الصلاة، والثاني: أنها تقطع مراعاة للأجزاء الباقية، والمتيمم معه بدل فهاهنا لا بدل. ... فصل (حكم من انكشفت عورته في الصلاة) وينخرط في هذا السلك لو انكشفت عورة المصلي في الصلاة؛ فإن ترك الستر وهو قادر عليه كان كمفتتح الصلاة بادي العورة، وإن تستر في

стр. 476

الحال فهاهنا قولان: أحدهما: [وجوب] (١) القطع نظراً إلى الحالة التي انكشفت فيها العورة. وهذا لما قدمناه في ذكر النجاسة في الصلاة. والثاني: التمادي، نظراً إلى كونه معذوراً (٢) في حال كشف عورته. ووقع لسحنون في هذه المسألة بطلان صلاة من نظر إلى عورة المنكشف. فاعترضه الأشياخ فقالوا: يلزم على قياس قوله: أن تبطل (٣) صلاة كل من عصى في حال صلاته. فلا يبعد أن يلزم ذلك سحنون متى تصورت المعصية في أثناء الصلاة. ... فصل (المقدار الساتر للعورة) وأما المقدار الساتر فله صفتان: صفة إجزاء وصفة كمال؛ فأما صفة الإجزاء فقد تقدم حكمها، وأن المذهب على قولين: أحدهما: وجوب ستر العورة لا غير، والثاني: وجوب ستر سائر الجسد في حق من جسده غير عورة. ومن (٤) صفة الساتر أن يكون صفيقاً [كثيفاً] (٥) بحيث لا يشف ولا يصف. وإن كان خفيفا يشف فإنه كالعدم مع الانفراد، وإن كان خفيفاً بحيث يصف ولا يشف فهو مكروه، ولا يؤدي إلى بطلان الصلاة. وقد كره مالك ﵀ الصلاة بالسراويل منفرداً (٦) وخصه بالكراهة دون الإزار. وقيل في وجه الكراهية إنه من لباس الأعاجم. والظاهر أن مراده بذلك أنه

стр. 477

يصف، وإلا فقد صلى رسول الله ﷺ في جبة شامية ضيقة الأكمام، وهي من لباس الأعاجم (١). وأما صفة الكمال فأن يأخذ الإنسان الهيئة المعتادة من كمال الزي. وكره مالك ﵀ للأئمة الصلاة بغير رداء، والرداء مستحب في غير (٢) الأئمة إذا كان ذلك زيهم المعتاد. ومن الكمال حل الشعر إن كان معقوصا (٣)، وإرسال الثياب إن كانت مشمرة. ويكره كفت (٤) الشعر والثوب لأجل الصلاة- والكفت هي التشمر (٥) - لكن إن شُمَّرت الثياب وسُتِر (٦) الشعر لأنه من الزي المعتاد عندهم، أو الحالة (٧) التي أدركته الصلاة عليها، فلا يكره ذلك. والإكمال إرسال (٨) الثياب والشعر كما قدمناه، وروي عنه ﷺ أنه قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء ولا أكفت (٩) شعراً ولا ثوباً" (١٠).

стр. 478

وعنه ﷺ أنه نهى عن الصلاة والشعر معقوص (١). وقيل في هذا: إن الشعر يسجد (٢). والإشارة بذلك [إلى] (٣) الاسترسال وملاقاة محل الصلاة بما يكره الإنسان من شعر وثوب؛ لأن في سترهما (٤) رفاهية وكبرا عن ملاقاة محلَّ السجود بهما، وأيضاً ففعل ذلك خروج عن حالة المتذلل الخاضع. ومن صفات الكمال إبراز اليدين حتى يلاقي بهما محل السجود. وفي الحديث النهي عن اشتمال الصَّماء (٥). وصورتها أن يشتمل بالثوب الواحد من غير أن يبرز يديه للسجود أو غيره، وهي مكروهة بالاتفاق لو (٦) لم يكن عليه إزار يستر به عورته، فإن كان عليه إزار حتى يمكنه إبداء يديه من تحت ثوبه في حين السجود ففيه قولان: الكراهية والجواز. والكراهية لعموم النهي، والجواز لقدرته على إبراز اليدين. ولا يقدر على ذلك من ليس عليه إزار؛ لأنه إن فعل ذلك بدت عورته. وعلل النهي عن اشتمال الصماء بوجهين: أحدهما: ما أشرنا إليه من ستر اليدين عند السجود، والثاني: لأنه قد يعرض للإنسان ما يفتقر إلى مدافعته بيديه ولا يمكنه ذلك مع سترهما. وعلى هذا التعليل يكره اشتمال الصماء في الصلاة وفي غيرها. ولو بدت أحد اليدين لكان مكروهاً أيضاً، وهو من باب الاشتمال. فالأكمل (٧) إذا لم يكن على المصلي سوى ثوب أن (٨) يتوشح به ويعقده على صدره إن افتقر

стр. 479

إلى عقده. وقد صلى رسول الله ﷺ كذلك بهذه الصفة التي تسمى في العرف حراثية (١) وبالله التوفيق. ... باب في حكم المسبوق وقضائه بعد إكمال إمامه وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون (٢) وأتوها وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" (٣)، وفي طريق آخر: "وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا" (٤). وقوله: "فَأَتِمُّوا" يقتضي ظاهره أن ما أدرك أول صلاته وأن الذي يقضي هو آخرها، ويحتمل أن يريد بالتمام إكمال الصلاة فلا يكون فيه دليل على أن الذي يأتي به بعد سلام الإمام هو آخرها. وقوله: "فَاقضُوا" يقتضي ظاهره أن ما أدرك هو آخر الصلاة، وما يأتي به هو أولها. ويحتمل أن يعبر بالقضاء عن التمام والوفاء كما تقول: قضيت الحج وقضيت الدين إذا أديت ووفيت. (اختلاف المذهب في المدرَك هل هو أول الصلاة أم آخرها) وإذا تقرر هذا قلنا بعده؛ اختلف المتأخرون في مقتضى المذهب على ثلاثة طرق: أحدها: أن المذهب كله على قول واحد، وهو البناء في الأفعال والقضاء في الأقوال. وإذا أرادوا حكمه في القراءة قالوا: إن الذي أدرك هو آخر صلاته ويقضي ما فاته على نحو ما فاته. فإذا أرادوا حكمه في الجلوس قالوا: إن الذي أدرك هو أول صلاته فيكون مؤديا. وهذا معنى

стр. 480

ما وقع في المذهب من اختلاف الألفاظ وهي طريقة أبي محمد بن أبي زيد وجل المتأخرين. والثانية: أن المذهب على قولين في القراءة خاصة وعلى قول واحد في الجلوس. وعلى أحد القولين أن ما أدركه آخرُ صلاته، ويقضي ما فاته على نحو ما فاته في (١) القراءة. والقول الثاني: إن ما أدرك هو أول صلاته ويقرأ فيما يأتي بعد سلام الإمام على نحو ما كان يقرأ مع إمامه لو كان حاضرا. وهذه طريقة بعض القرويين. والطريقة الثالثة: أن المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بان في الأقوال والأفعال فيكون ما أدركه هو أول صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإمام وهو آخرها. والثاني: أنه قاض فيهما، فيكون ما أدرك فهو آخر (٢) صلاته، وما يأتي به فهو [أولها] (٣). والثالث: أنه قاض في القراءة بان في الأفعال كما قاله في المدونة وفي غيرها من الكتب المشهورة، فهذه طريقة أبي الحسن اللخمي (٤). فأما الأولون فاعتمدوا على ما في المدونة والكتب المشهورة من أن المدرك لركعة (٥) من الصلاة الرباعية إذا سلم الإمام قام وأتى بركعة بأم القرآن [وسورة ثم يجلس ثم يقوم ويأتي بركعة بأم القرآن وسورة] (٦)، ولا يجلس. ثم يقوم ويأتي بركعة بأم القرآن وحدها خاصة ويجلس ويسلم. فقد جعله بان في حكم الجلوس، فجعل ما أدرك أول صلاته، وقاض في حكم القراءة، وجعل ما أدرك في ذلك آخر صلاته. وأما من جعل المذهب على قولين فيعتمد على نص الخلاف فيمن

стр. 481

فاتته سجدة مع الإمام حتى وجب عليه قضاء ركعة وكانت الأولى أو الثانية. فإن أصحاب مالك اختلفوا فيما يأتي به من تلك الركعة هل يقرأ فيها بأم القرآن خاصة. وهذا يقتضي أنه بان، أو بأم القرآن وسورة وهذا يقتضي أنه قاض. ولا فرق عند هؤلاء بين هذا وبين المسبوق لتساويهما في وجوب القضاء بعد سلام الإمام. وقد فرق (١) الأولون بين المسألتين بأن هذا التارك للسجدة (٢) قرأ بأم القرآن وسورة مع الإمام أو حضر قراءتها، فلا يعيد إلا المقدار الواجب خاصة في قول (٣)، وهي أم القرآن. والمسبوق لم يقرأ ولم يحضر [القراءة] (٤). فأمر بتلافي ما فاته من القراءة. وأما أبو الحسن اللخمي فاعتمد على ألفاظ وقعت في المذهب؛ منها قول القاضي أبي محمد عبد الوهاب في تلقينه ما أدرك هو آخر صلاته وما يأتي به هو أولها، (٥) وحكى في الإشراف قولين هذا أحدهما، والقول الثاني أن ما أدرك هو أول صلاته وما فاته هو آخرها. فأما ما احتج به مما (٦) في التلقين فلا حجة فيه لأنه في المدونة قال: ما أدرك هو أول (٧) صلاته، إلا أنه يقضي بمثل الذي فاته. وقد جعل ما أدرك أول الصلاة، وإنما يريد في حكم الجلوس، وجعل يقضي مثل الذي فاته، فإنه يريد (٨) في القراءة. وأما ما احتج به من القولين اللذين في "الإشراف" فيحتمل أن يكون في القراءة خاصة، ويكون ذلك حجة من جعل المذهب على قولين. لكن

стр. 482

هذه المسألة نزلت قديماً فطال بحثنا (١) عن روايات المذهب فيها، وخالفني بعض أشياخي ودافع ما قاله (٢) أبو الحسن كل المدافعة. وإنما اعتمدت له على أن ما قاله القياس، إذا لا بالروايات (٣). فأخرجت من كتاب "الإملاء" لابن سحنون أن من أدرك ركعة من المغرب يقوم فيأتي بركعتين بأم القرآن وسورة في كل واحدة منهما يجهر بالقراءة ولا يجلس بينهما، وهذا نص في صحة طريقة أبي الحسن اللخمي إذ جعل في هذه الرواية أن ما أدرك آخر صلاته في القراءة والجلوس جميعاً. ولم يكن عند من خالفني (٤) في هذه المسألة أكثر من قوله لبعض تلامذته (٥): الكتب لا تقوم بأنفسها. والمشكل في هذه المسألة مذهب المدونة في تفريقه بين الأقوال والأفعال، ولا يتخرج له معنى إلا أن يقال إن ما أدرك هو أول صلاته حقيقة، فلهذا يبني عليه [في] (٦) الجلوس. لكنه يزيد فيما يأتي به بسورة مع أم القرآن، إذ لا تفسد الصلاة ولا ينقص كمالها بزيادة السورة، بل ينقص الكمال (٧) نقصها. فيأتي بالسورة ليتلافى ما فاته من الكمال. وقد قدمنا في باب الرعاف حكم اجتماع القضاء والبناء وتفصيل ذلك مستوفى (٨). ... [فصل] (٩) (هل يقوم المسبوق بتكبيرة أو بغير تكبيرة) والنظر في هذا الباب هل يقوم المسبوق بتكبير أو بغير تكبير؟ أما

стр. 483

كل من حصل له ركعتان مع الإمام فإن جلوسه (١) في موضع الجلوس، فيقوم بتكبير. وإن حصل له أقل من ركعتين أو أكثر (٢) فها هنا جلس (٣) في غير موضع جلوسه. وفي قيامه بالتكبير قولان: المشهور أنه يقوم بغير تكبير؛ لأنه ليس موضع جلوسه (٤) وإنما جلس لئلا يخالف الإمام. والشاذ أنه يقوم بتكبير؛ لأن التكبير (٥) جعل متى وجب حركة من ركن إلى ركن فها هنا قد وجب (٦). وقد استقرأه بعض أشياخي (٧) من المدونة [في قوله] (٨) فيمن أدرك الإمام في التشهد الآخر أنه يقوم بتكبير، وهو في جلوسه تابع للإمام وليس بجلوس [له] (٩) كما قال حيث قال: موضع جلوس [له] (١٠). ...

стр. 484

باب في أحكام النوافل (صفة النوافل) والنظر في هذا الباب في فصلين: أحدهما: في صفة النوافل، والثاني: أوقاتها. وأما صفاتها فمنها العدد. (عدد النوافل) والنوافل عندنا ركعتان ولا مزيد عليها في ليل ولا نهار، فإن زاد ثالثة في نهار فلا خلاف في المذهب نعرفه أنه يؤمر بإكمال الرابعة. وهذا إذا انعقدت له الثالثة على اختلاف في عقدها هل هو وضع اليدين على الركبتين أو رفع الرأس من الركوع؟ وإذا أكمل فإنه يسجد لسهوه إذا زاد سهواً. ومتى يكون السجود؟ ففيه قولان: أحدهما: أن يكون قبل السلام لنقصه التسليم بعد الاثنين. والثاني: أنه بعد السلام لزيادة ركعتين (١)، وسيأتي بيانه في باب السهو. وإن كانت الزيادة في ليل فهل يكمل الرابعة؟ قولان: المشهور (٢) أنه يكملها مراعاة للخلاف، إذ من المخالفين من يقول إن النافلة أربع ركعات في الليل والنهار، وهو قول مشهور. والشاذ أنه لا يكملها لقوله ﷺ : "صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى" (٣). وهذا القول يقتضي كون الشاذ في الدليل لا يراعي القول المشهور في نفسه وهو في مقابلة الحديث فالتفت هذا إلى الحديث لا إلى شهرة (٤) القول. ولو زاد على أربع ركعات ركعة أخرى أو أكثر من ذلك؛ فإنه يرجع

стр. 485

متى ذكر ثم يجلس ثم يسلم ويسجد بعد السلام للزيادة. وهذا ترك مراعاة قول من يقول إن النافلة أكثر من أربع ركعات. (حكم الجهر والإسرار بالنافلة) ومن صفاتها الجهر بالقراءة والسر. والجهر غير مكروه فيها بالليل بلا خلاف. واختلف في كراهية الجهر بالنهار على قولين، والقول بالكراهة قياساً على الفريضة. ولقوله ﷺ : "صَلاَةُ النّهَارِ عَجْمَاء" (١). وهذا عموم يتناول النافلة والفرض. ومن قال بالجواز يقصر عنده الحديث على الفريضة، وقياساً على جوازه في الليل. وهذا ما لم تعرض له حالة تمنع من الجهر، وهي فساد النية معه. ولا خلاف في جواز السر ليلاً ونهاراً. وقد كان الصديق ﵁ يسر في تنفله بالليل، وكان الفاروق يجهر فسألهما رسول الله ﷺ عن موجب فعلهما، فقال الصديق ﵁: أُسمع من أناجي، وقال الفاروق ﵁: أوقظ الوسنان (٢) وأطرد الشيطان (٣). فاستحسن رسول الله فعلهما. ومتى كان فعل المتنفل وقصده يناسب هذا المقصود جاز له السر والجهر بالليل والنهار.

стр. 486

(حكم الجماعة للنافلة) ومن صفاتها الانفراد والجماعة، ولا خلاف في جواز الانفراد مطلقاً. وأما الجمع فلا خلاف في جوازه في نافلة رمضان، لكن الانفراد عند مالك ﵀ أفضل. وأما غير ذلك من النوافل فإن كان الجمع في الموضع الخفي والجماعة يسيرة جاز. وقد تنفل (١) ﷺ في بيته واقتدى به ابن عباس (٢). وصلى ﵇ في بيت (٣) من بيوت أصحابه واقتدى به الصبي والرجل والمرأة (٤). وإن كان الموضع مشهوراً والجماعة كثيرة فكرهه عبد الملك بن حبيب وهو مقتضى المذهب. ومنه ما يفعل في بعض البلاد من الجمع ليلة نصف شعبان وليلة عاشوراء. ولا يختلف المذهب في كراهيته. وينبغي للأئمة [والفقهاء] (٥) أن يتقدموا في النهي عنه ولا يرخصوا فيه لأحد من الناس فإن فعل النبي ﷺ في نافلة البيوت إنما كان ليتبرك به (٦) في صلاته ولا يعتقد المعتقد أنه يفعل ذلك في المساجد أو عند كثرة الجماعة في البيوت فإن ذلك بدعة (٧). ...

стр. 487

فصل (أوقات النوافل) وأما أوقات النوافل فإنه يحرم أداؤها عند طلوع الشمس وعند الغروب بإجماع. واختلف الناس فيما عدا ذلك، ولسنا للاختلاف، ولكن نذكر ما في المذهب فنقول: النافلة تمنع لثلاثة أشياء: أحدها: مخالفة (١) الإمام، فمتى كان الإمام في جماعة وأقيمت (٢) الصلاة امتنعت النافلة حيث (٣) الإمام. وقد قدمنا حكم من افتتح النافلة ثم أقيمت عليه الصلاة. والثاني: المحاذرة من ذوات وقت الفضيلة في المغرب والصبح، فلا يجوز عندنا التنفل قبل صلاة المغرب وإن غربت الشمس ولا بعد طلوع الفجر، لكن أجاز مالك ﵀ أن يتلافى [من فاته] (٤) حزبه من ليل فيصلي في هذا الوقت إن كان مغلوباً على الفوات. [حكم تحية المسجد بعد طلوع الفجر] واختلف المذهب في الداخل في المسجد قبل صلاة الصبح وبعد (٥) طلوع الفجر هل يؤمر بالتحية للمسجد قبل ركعتي الفجر، أولاً (٦) يفعل إلا ركعتي الفجر خاصة؟ وجمهور أهل المذهب أن لا يؤمر بذلك لما روي عن النبي ﵇ من قوله: "إما طلع الفجر فلا ركوع إلا ركعتي الفجر" (٧)، وانفرد القابسي ﵀ بتحية المسجد، ولقوله ﷺ :" إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ

стр. 488

المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَينِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ" (١). وإن ركع في بيته للفجر ثم أتى المسجد فهاهنا قولان مشهوران: أحدهما: أنه يركع في المسجد ركعتين للأمر بالتحية. والثاني: أنه لا يركع للحديث المتقدم في نفي الركوع بعد الفجر. وإذا قلنا بأنه يركع فهل ينوي بركوعه النافلة، أو إعادة ركعتي الفجر؟ فيه قولان للمتأخرين. ونية النافلة تعويلاً على الأمر بتحية المسجد، ولأن ركعتي الفجر قد أديتا فلا معنى لإعادتهما. ونية الإعادة بناء على القول بصحة الرفض، وقدمنا القول في صحته. والثالث: المحاذرة من تمادي الركوع حتى يقع في الوقت المنهي عنه بإجماع، ولهذا يمنع من النافلة بعد صلاة الصبح إلى الطلوع وبعد صلاة العصر إلى الغروب. وقد ثبت عن النبي ﷺ النهي عن ذلك (٢). (حكم النافلة عند الزوال) وهل تكره النافلة عند الزوال (٣)؟ قولان: المشهور جوازها قياساً على اتصال العمل بالتنفل في هذا الوقت يوم الجمعة. وروي عن مالك كراهية ذلك لما ثبت عنه ﷺ أن الشمس تطلع على قرني الشيطان، وقال في الحديث: "فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا" (٤)، ونهى عن الصلاة حينئذ. ولكن هذا

стр. 489

الحديث في بعض (١) طرقه لم يذكر الاستواء وذكره في بعضها. وبين الأصوليين خلاف في انفراد العدل بزيادة هل تقبل أم لا؟ (حكم النافلة عقب صلاة الجمعة) ومما يلحق بهذا القسم كراهية التنفل عقيب صلاة الجمعة فهو للأئمة أشد كراهية. فلم يكن ﷺ يتنفل بعدها. وعللت الكراهية بالمحاذرة من التطرق إلى إظهار صلاة الجمعة وقصد (٢) صلاة الظهر، وهذا يقصده أهل البدع إذا صلوا مع أئمة الحق ويقصده (٣) الإمام إن كان مبتدعاً. (حكم الصلاة عقب الوتر) ومنه أيضاً [كراهية] (٤) الصلاة عقيب الوتر، والمستحب أن يكون الوتر آخر صلاة الليل لقوله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح فليصل ركعة توتر له ما قد صلى" (٥). واختلف المذهب فيمن تنفل بالليل بعد أن أوتر؛ المشهور أنه لا يعيد الوتر؛ لأنه متى أعاده صار شفعاً. وقال ابن نافع: يعيده، وهو مقتضى ظاهر الحديث. وبالله التوفيق. ... باب في حكم الأفعال [والأقوال] (٦) الواقعة في الصلاة من غير جنس أقوالها وأفعالها ومن فعل فعلاً في الصلاة- فإن كثر- أفسدها، عمداً كان أو سهواً أو

стр. 490

جهلاً. وإن قل جداً ولم تدع إليه ضرورة وليس من مصلحتها كره، ولا يفسدها. وإن دعت إليه الضرورة كقتل ما يحاذر منه أو إنقاذ نفس أو مال فلا يكره، وتصح الصلاة. وإن لم يكن يسيراً جداً كالمشي اليسير إلى ذلك والمدافعة اليسيرة إن احتاج (١) إليها. وإن كان من مصلحة الصلاة كمشي المسبوق إلى ما يستتر به بعد سلام إمامه؛ فإنه لا يكره أيضاً إذا كان لا يفسد نظام الصلاة. ... فصل (تفصيل في الكلام يقع في الصلاة) (حكم الكلام إذا كان قرآناً أو ذكراً) وأما الكلام يقع في الصلاة؛ فإن كان قرآناً أو ذكراً ولم يقصد به إفهام مخلوق، بل قصد به الواجب أو المندوب إليه في الصلاة فهو مشروع فيها، وإن قصد به إفهام مخلوق كمن يسبح أو يتلو قرآناً ليفهم عنه الغير حاجته (٢)، ففي جوازه قولان. ومنه فتح المصلي على من ليس معه في الصلاة. (حكم الكلام من غير القرآن والذكر) وإن كان الكلام غير القرآن والذكر فلا يخلو وقوعه في الصلاة من أربعة أقسام: إما أن يقع عمداً لغير إصلاح الصلاة، أو عمداً لإصلاحها، أو سهواً، أو جهلاً؛ فإن وقع عمداً لغير إصلاح الصلاة، فلا خلاف في بطلانها. وإن وقع عمداً لإصلاحها، ففي المذهب ثلاثة أقوال، وسيأتي بيانها في باب السهو إن شاء الله. فإن وقع سهواً فكثر جداً أبطل الصلاة،

стр. 491

وإن قل صحت الصلاة وأجزأ عنه سجود السهو [بعد السلام] (١)، وإن كان جهلاً أجزأ على القولين في الجاهل هل حكمه حكم العامد أو حكم الناسي. وهل يتنزل التنحنح بمنزلة الكلام. أما إن كان بغلبة فلا خلاف في صحة الصلاة، وأما إن كان بغير غلبة، ففي المذهب قولان: أحدهما: أنه بمنزلة الكلام، ينظر (٢) في السهو والعمد إلى ما قدمناه. والثاني: أنه ليس بمنزلته، وهو خلاف في شهادة تصوره (٣) هل تتركب منه حروف كما تتركب (٤) من الكلام، أم لا يتركب ذلك؟ وهكذا اختلفوا في النفخ هل يتنزل منزلة الكلام، وهو على ما قدمناه. (حكم الضحك في الصلاة) وأما الضحك فإن كان قهقهة فلا خلاف في بطلان الصلاة بعمده. واختلفوا في سهوه وغلبته؛ فقيل: هما بمنزلة الكلام، وقيل: تبطل الصلاة بالقهقهة على الإطلاق وردها إلى الكلام لأن أعلى مراتبها أن يتركب منها حروف تشبه (٥) الكلام. والبطلان به مطلقاً؛ لأنها تناقض مقصود الصلاة وهو الخشوع. وإن كان تبسماً فلا يبطل الصلاة، وإن كان تعمداً فهل يسجد لسهوه؟ قولان: أحدهما: نفي السجود إذ ليس بزيادة قول ولا فعل. وقيل: بإثبات السجود. واختلف هؤلاء متى يكون محله؟ فقيل: قبل السلام لأنه نقص خشوع (٦)، وقيل: بعد لأنه زيادة حركات وإن قلت.

стр. 492

(حكم الإشارة في الصلاة) واختلف في الإشارة في الصلاة بالسلام وغيره؛ فالمشهور جوازها، والشاذ النهي عنها، إذ يحصل (١) بها ما يحصل بالكلام وهو الإفهام. ... فصل (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) وإذا اضطر المصلي إلى تنبيه الإمام أو غيره؛ فإن كان رجلاً يسبح، وإن كانت امرأة فقولان: أحدهما: أنها تسبح كالرجل، والثاني: أنها تنبه بالتصفيق. وفي الحديث لما صفق الرجال فقال النبي ﷺ "إِنما التَّصْفِيقُ لِلنسَاءِ" (٢). وتؤول على وجهين، أحدهما: أن معناه إنما التصفيق من شأن النساء، أي في غير الصلاة. والثاني: أن معناه هو المشروع (٣) للنساء في الصلاة، إذ أصواتهن عورة. وقد قدمنا الخلاف في القهقهة هل تتنزل منزلة الكلام أو تبطل الصلاة بكل حال، وإن قلنا بالإبطال؛ فإن كان المصلي فذاً قطع، وإن كان مأموماً فقولان: قيل يقطع، وقيل لا يقطع ويتمادى ويعيد مراعاة للخلاف. وإن كان إماماً فالقولان أيضاً في التمادي والقطع. وإذا أجزنا القطع فهل يستخلف أو يبطل ما تقدم من الصلاة؟ قولان: الاستخلاف لأنه مغلوب عند القائل به كغلبة الحدث، والبطلان لمناقضتها لمقصود الصلاة كما قدمناه. إذا قلنا بالتمادي فلا شك في إعادة من خلفه. وإذا تثاوب المصلي فقد قال في الكتاب: لا أدري ما فعله في الصلاة بعد أن كان حكى أنه رأى مالكاً ﵀ يضع يده على فمه، وينفث في غير الصلاة (٤). وفي غير المدونة أنه يضع يده على فيه في الصلاة أيضاً، وإن احتاج إلى النفث في الصلاة ففي طرف ثوبه.

стр. 493

فصل (حكم من اضطر للبصاق في المسجد) ويجب تنزيه المسجد عن كل ما يستقذر، ومنه البصاق. فإن اضطر الإنسان إلى البصاق وهو في المسجد؛ فإن كان في صلاة فالأولى أن يبصق في طرف ثوبه، فإن لم يفعل وكان المسجد محصباً بحيث يمكنه دفنه فلا يبصق أمامه، والأولى أن يبصق على يساره، وله أن يبصق على يمينه ثم يدفنه. وإن لم يكن المسجد محصباً فلا ينبغي أن يبصق فيه بحال وإن دلكه؛ لأن تدليكه لا يذهب أثره. ... فصل (أمر الصبيان بالصلاة لسبع) ويؤمر الصبيان بالصلاة لسبع سنين على جهة التمرين للصلاة؛ لأن الصلاة متكررة. فإن لم يعودوها في الصغر شق عليهم في الكبر ملازمتها. وهذا السن فيه مبادئ التميز (١) غالباً. وإذا بلغ عشر سنين تأكد أمرهم بها وعوقبوا على تركها معاقبة ناجزة بالضرب كما ورد في الحديث (٢). ويؤمرون بالتزام شروطها من الطهارة وستر العورة كما يؤمر بها البالغون. فإن صلوا بغير ذلك أمروا بالإعادة. وهل يعيدون أبداً كالبالغين؟ أو ما لم تطل الأيام؟ قولان: الإعادة أبداً إلحاقاً لهم بحكم الكبار البالغين، والقول الثاني أن الأمر بالصلاة ليس عليهم لأنهم مكلفون، بل للتمرين (٣). فإذا طالت الأيام فإنما يفتقرون إلى أداء صلاة الوقت لا قضاء ما فات.

стр. 494

وهل يؤمرون على التمرين بالصيام ويتعودونه قبل البلوغ؟ قولان: المشهور أنهم لا يؤمرون بذلك لأنه ليس بمتكرر، وإنما يأتي مرة في العام، بخلاف الصلاة. والشاذ أنهم يؤمرون بذلك قياساً على الصلاة. ومتى يفرق بينهم في المضاجع هل السبع أو العشر؟ قولان. وسبب الخلاف قوله- ﷺ : "مروا الصبيان بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع". وبين الأصوليين خلاف في المستثنى (١) والإحالة والضمائر. وهذه الجملة (٢) التي هي: "وَفَرَّقُوا بَينَهُم فِي المَضَاجِعِ"، ولم يذكر حد ذلك. وقد تقدم حدان (٣) وهل يعود على أقرب المذكورات أو على أبعدها (٤)، وبالله التوفيق. ... فصل (حكم قتل البرغوث والقمل في المسجد) وقد قدمنا أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس [بالموت] (٥) عندنا، والبرغوث من هذا القبيل. هذا إذا لم يجلب دماً فإن اجتلبه فقولان: فقيل هو طاهر نظراً إلى أصله، وقيل نجس نظراً إلى الدم الحاصل معه. وعلى هذا يجري حكم قتل البرغوث في المسجد. وأما طرحه فيه [حياً] (٦) فجائز؛ لأنه مما يعيش في التراب، فليس في إلقائه تعذيب له، ولا هو يثبت في مكان واحد فيتأذى به الغير. ولا يخاف موته فيكون نجاسة ألقيت في المسجد. وهو غير نجس كما قلناه بخلاف القملة؛ فإنها لا تقتل في المسجد إذ هي ميتة وهي نجسة. ولا تلقى فيه إذ في إلقائها تعذيب لها.

стр. 495

وما وقع له في بعض الروايات من جواز طرحها في المسجد فقد يكون لظن دوام حياتها، أو يكون صاحب هذا القول حكم لها بأنها لا تنجس بالموت. وقد بقيت علة أخرى وهي تقذير المسجد، إذ لو جوزنا ذلك لأدى إلى أن كل من يأتي إلى المسجد يلقي قملة وذلك يضر بالناس. ... فصل (حكم القنوت في الصلاة) وقد قدمنا أن القنوت من فضائل الصلاة، هذا هو المعروف من المذهب. وقال يحيى بن يحيى: إنه ليس بمشروع كما قاله أبو حنيفة. وسبب الخلاف أنه شرع دعاء (١) على قبائل الكفار. وبين الأصوليين خلاف في العلة هل إذا ارتفعت هل يرتفع حكمها أم لا؟ فمن قال بالارتفاع جاء منه الشاذ، ومن قال بعدم الارتفاع جاء منه المشهور. وإذا قلنا إنه مشروع فليس فيه دعاء مؤقت (٢)، لكن يستحب الابتداء بالدعاء المشهور فيه. فإن أبدله أو أضاف إليه غيره، فلا بأس. وإن تركه جملة هل يسجد أم لا؟ قولان: المشهور لا يسجد له بناء على أنه فضيلة. وقال سحنون: يسجد له، وهذا بناء على أنه سنة. وقال علي بن زياد: تبطل (٣) صلاة من تركه متعمداً. وهذا بناء على أحد القولين في تارك السنن متعمداً. وقد قنت الرسول ﷺ قبل الركوع وبعده (٤)، والمصلي مخير في
следующие страницы →