← Фикх малики

Фикх малики · id 121378

التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات

أبو الطاهر ابن بشير

Полный текст (942 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وإن قل صحت الصلاة وأجزأ عنه سجود السهو [بعد السلام] (١)، وإن كان جهلاً أجزأ على القولين في الجاهل هل حكمه حكم العامد أو حكم الناسي. وهل يتنزل التنحنح بمنزلة الكلام. أما إن كان بغلبة فلا خلاف في صحة الصلاة، وأما إن كان بغير غلبة، ففي المذهب قولان: أحدهما: أنه بمنزلة الكلام، ينظر (٢) في السهو والعمد إلى ما قدمناه. والثاني: أنه ليس بمنزلته، وهو خلاف في شهادة تصوره (٣) هل تتركب منه حروف كما تتركب (٤) من الكلام، أم لا يتركب ذلك؟ وهكذا اختلفوا في النفخ هل يتنزل منزلة الكلام، وهو على ما قدمناه. (حكم الضحك في الصلاة) وأما الضحك فإن كان قهقهة فلا خلاف في بطلان الصلاة بعمده. واختلفوا في سهوه وغلبته؛ فقيل: هما بمنزلة الكلام، وقيل: تبطل الصلاة بالقهقهة على الإطلاق وردها إلى الكلام لأن أعلى مراتبها أن يتركب منها حروف تشبه (٥) الكلام. والبطلان به مطلقاً؛ لأنها تناقض مقصود الصلاة وهو الخشوع. وإن كان تبسماً فلا يبطل الصلاة، وإن كان تعمداً فهل يسجد لسهوه؟ قولان: أحدهما: نفي السجود إذ ليس بزيادة قول ولا فعل. وقيل: بإثبات السجود. واختلف هؤلاء متى يكون محله؟ فقيل: قبل السلام لأنه نقص خشوع (٦)، وقيل: بعد لأنه زيادة حركات وإن قلت.

стр. 492

(حكم الإشارة في الصلاة) واختلف في الإشارة في الصلاة بالسلام وغيره؛ فالمشهور جوازها، والشاذ النهي عنها، إذ يحصل (١) بها ما يحصل بالكلام وهو الإفهام. ... فصل (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) وإذا اضطر المصلي إلى تنبيه الإمام أو غيره؛ فإن كان رجلاً يسبح، وإن كانت امرأة فقولان: أحدهما: أنها تسبح كالرجل، والثاني: أنها تنبه بالتصفيق. وفي الحديث لما صفق الرجال فقال النبي ﷺ "إِنما التَّصْفِيقُ لِلنسَاءِ" (٢). وتؤول على وجهين، أحدهما: أن معناه إنما التصفيق من شأن النساء، أي في غير الصلاة. والثاني: أن معناه هو المشروع (٣) للنساء في الصلاة، إذ أصواتهن عورة. وقد قدمنا الخلاف في القهقهة هل تتنزل منزلة الكلام أو تبطل الصلاة بكل حال، وإن قلنا بالإبطال؛ فإن كان المصلي فذاً قطع، وإن كان مأموماً فقولان: قيل يقطع، وقيل لا يقطع ويتمادى ويعيد مراعاة للخلاف. وإن كان إماماً فالقولان أيضاً في التمادي والقطع. وإذا أجزنا القطع فهل يستخلف أو يبطل ما تقدم من الصلاة؟ قولان: الاستخلاف لأنه مغلوب عند القائل به كغلبة الحدث، والبطلان لمناقضتها لمقصود الصلاة كما قدمناه. إذا قلنا بالتمادي فلا شك في إعادة من خلفه. وإذا تثاوب المصلي فقد قال في الكتاب: لا أدري ما فعله في الصلاة بعد أن كان حكى أنه رأى مالكاً ﵀ يضع يده على فمه، وينفث في غير الصلاة (٤). وفي غير المدونة أنه يضع يده على فيه في الصلاة أيضاً، وإن احتاج إلى النفث في الصلاة ففي طرف ثوبه.

стр. 493

فصل (حكم من اضطر للبصاق في المسجد) ويجب تنزيه المسجد عن كل ما يستقذر، ومنه البصاق. فإن اضطر الإنسان إلى البصاق وهو في المسجد؛ فإن كان في صلاة فالأولى أن يبصق في طرف ثوبه، فإن لم يفعل وكان المسجد محصباً بحيث يمكنه دفنه فلا يبصق أمامه، والأولى أن يبصق على يساره، وله أن يبصق على يمينه ثم يدفنه. وإن لم يكن المسجد محصباً فلا ينبغي أن يبصق فيه بحال وإن دلكه؛ لأن تدليكه لا يذهب أثره. ... فصل (أمر الصبيان بالصلاة لسبع) ويؤمر الصبيان بالصلاة لسبع سنين على جهة التمرين للصلاة؛ لأن الصلاة متكررة. فإن لم يعودوها في الصغر شق عليهم في الكبر ملازمتها. وهذا السن فيه مبادئ التميز (١) غالباً. وإذا بلغ عشر سنين تأكد أمرهم بها وعوقبوا على تركها معاقبة ناجزة بالضرب كما ورد في الحديث (٢). ويؤمرون بالتزام شروطها من الطهارة وستر العورة كما يؤمر بها البالغون. فإن صلوا بغير ذلك أمروا بالإعادة. وهل يعيدون أبداً كالبالغين؟ أو ما لم تطل الأيام؟ قولان: الإعادة أبداً إلحاقاً لهم بحكم الكبار البالغين، والقول الثاني أن الأمر بالصلاة ليس عليهم لأنهم مكلفون، بل للتمرين (٣). فإذا طالت الأيام فإنما يفتقرون إلى أداء صلاة الوقت لا قضاء ما فات.

стр. 494

وهل يؤمرون على التمرين بالصيام ويتعودونه قبل البلوغ؟ قولان: المشهور أنهم لا يؤمرون بذلك لأنه ليس بمتكرر، وإنما يأتي مرة في العام، بخلاف الصلاة. والشاذ أنهم يؤمرون بذلك قياساً على الصلاة. ومتى يفرق بينهم في المضاجع هل السبع أو العشر؟ قولان. وسبب الخلاف قوله- ﷺ : "مروا الصبيان بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع". وبين الأصوليين خلاف في المستثنى (١) والإحالة والضمائر. وهذه الجملة (٢) التي هي: "وَفَرَّقُوا بَينَهُم فِي المَضَاجِعِ"، ولم يذكر حد ذلك. وقد تقدم حدان (٣) وهل يعود على أقرب المذكورات أو على أبعدها (٤)، وبالله التوفيق. ... فصل (حكم قتل البرغوث والقمل في المسجد) وقد قدمنا أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس [بالموت] (٥) عندنا، والبرغوث من هذا القبيل. هذا إذا لم يجلب دماً فإن اجتلبه فقولان: فقيل هو طاهر نظراً إلى أصله، وقيل نجس نظراً إلى الدم الحاصل معه. وعلى هذا يجري حكم قتل البرغوث في المسجد. وأما طرحه فيه [حياً] (٦) فجائز؛ لأنه مما يعيش في التراب، فليس في إلقائه تعذيب له، ولا هو يثبت في مكان واحد فيتأذى به الغير. ولا يخاف موته فيكون نجاسة ألقيت في المسجد. وهو غير نجس كما قلناه بخلاف القملة؛ فإنها لا تقتل في المسجد إذ هي ميتة وهي نجسة. ولا تلقى فيه إذ في إلقائها تعذيب لها.

стр. 495

وما وقع له في بعض الروايات من جواز طرحها في المسجد فقد يكون لظن دوام حياتها، أو يكون صاحب هذا القول حكم لها بأنها لا تنجس بالموت. وقد بقيت علة أخرى وهي تقذير المسجد، إذ لو جوزنا ذلك لأدى إلى أن كل من يأتي إلى المسجد يلقي قملة وذلك يضر بالناس. ... فصل (حكم القنوت في الصلاة) وقد قدمنا أن القنوت من فضائل الصلاة، هذا هو المعروف من المذهب. وقال يحيى بن يحيى: إنه ليس بمشروع كما قاله أبو حنيفة. وسبب الخلاف أنه شرع دعاء (١) على قبائل الكفار. وبين الأصوليين خلاف في العلة هل إذا ارتفعت هل يرتفع حكمها أم لا؟ فمن قال بالارتفاع جاء منه الشاذ، ومن قال بعدم الارتفاع جاء منه المشهور. وإذا قلنا إنه مشروع فليس فيه دعاء مؤقت (٢)، لكن يستحب الابتداء بالدعاء المشهور فيه. فإن أبدله أو أضاف إليه غيره، فلا بأس. وإن تركه جملة هل يسجد أم لا؟ قولان: المشهور لا يسجد له بناء على أنه فضيلة. وقال سحنون: يسجد له، وهذا بناء على أنه سنة. وقال علي بن زياد: تبطل (٣) صلاة من تركه متعمداً. وهذا بناء على أحد القولين في تارك السنن متعمداً. وقد قنت الرسول ﷺ قبل الركوع وبعده (٤)، والمصلي مخير في

стр. 496

ذلك. ولكن استحبه مالك ﵀ قبل الركوع ليدرك المسبوق. وهل يقنت في الوتر في النصف الآخر من رمضان؟ قولان: المشهور أنه لا يقنت؛ لأنه لم يكن معمولاً به في زمن الرسول ﵇، والشاذ أنه يقنت، لما ورد عن السلف أنهم كانوا يلعنون الكفار في النصف الآخر من رمضان. ... فصل (حكم من انصرف بسبب رعاف أو حدث) ومن ظن بطلان تماديه برعاف (١) أو حدث فانصرف ثم تبين له بطلان ظنه؛ فأما في الرعاف إذا لم يتكلم ولم يمش على نجاسة فإنه ينظر، فإن كان بحيث يميز (٢) صحة ما في ظنه أو بطلانه (٣) قبل انصرافه فانصرف قبل التمييز بطلت صلاته بلا خلاف. وإن كان بحيث لا يمكنه التمييز؛ لأنه في ليل مظلم، واجتهد فأخطأ ففي بنائه قولان: أحدهما: أنه لا يبني، وهو المشهور. والثاني: أنه يبني، وهو الشاذ. وهما على ما قدمناه في المجتهد هل يعد (٤) باجتهاده أم لا؟ وأما في الحدث فإن لم يطل فعله بعد الظن كان كالرعاف، وإن طال فعله أو تكلم عامداً بطلت صلاته؛ لأن هذا انصرف (٥) على أن صلاته باطلة، والراعف انصرف على أنه يغسل الدم ثم يبني. ...

стр. 497

فصل (ما يلزم المصلي حين يعقد النية) واختلف المذهب هل يلزم المصلي في حين عقد النية التعرض (١) لعدد الركعات أم لا يلزمه ذلك؟ وعليه الخلاف فيمن افتتح ينوي القصر فأتم أو بالعكس، هل تجزيه الصلاة أم لا؟ وعليه أيضاً الخلاف فيمن أحرم للجمعة فلم تصح له شروط الجمعة، هل يتم عليها ظهراً أربعاً؟ وقد قدمنا الخلاف في ذلك. وذكرنا أن هذا يلتفت فيه إلى أصل ثان [وهو] (٢) هل الجمعة صلاة قائمة بنفسها؟ أو هي ظهراً مقصورة؟ وعلى هذين الأصلين يجري الخلاف فيمن دخل مع الإمام والإمام يصلي الجمعة فظنها الداخل الظهر، أو كان الإمام في الظهر فظنه الداخل الجمعة. في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: إنها لا تجزيه فيهما. والثاني: إنها تجزيه فيهما. والثالث: إنها تجزيه إن كان الإمام في الظهر فظن الداخل الجمعة ولا تجزيه إذا كان الأمر بالعكس. والقولان الأولان على ما قدمناه من الخلاف والتفرقة، لأن الجمعة تفتقر إلى شروط لا يفتقر إليها الظهر. وتجزيه إذا قصد الأكمل عن الأنقص ولا تجزيه بالعكس. وأصل مذهب مالك ﵀ تعلق صلاة المأموم بصلاة الإمام، ولهذا لا يجزي أن يقتدي المفترض بالمتنفل ولا من يصلي الظهر مثلاً بمن يصلي العصر. وقد قدمنا ما في تعليق صلاة المأموم بصلاة الإمام، وأن بعض الأشياخ كالباجي وأبي الحسن اللخمي يحكي الخلاف في ذلك في المذهب (٣). فعلى هذا يختلف في صلاة المفترض بالمتنفل، وفي الاقتداء بمن هو في صلاة غير ما ينويه المأموم. وإذا بنينا على المشهور، فذكر اثنان صلاتي ظهر مثلاً من يومين مختلفين، فهل لأحدهما أن يقتدي بالآخر؟ ذكر البغداديون قولين: أحدهما: على الخلاف،

стр. 498

هل يلزم التعريض في النية [لتعيين] (١) اليوم الذي ترك (٢) فيه الصلاة، فيقصد أحدهما: الأحد ويقصد الآخر مثلاً الخميس (٣) أو غيره من الأيام (٤). ... فصل (حكم المصلي يقرأ ما كتب بين يديه) وإذا نظر المصلي إلى مكتوب بين يديه [فقرأه] (٥)؛ فإن كان المكتوب قرآناً لم تبطل صلاته، وسواء نطق بالقراءة أو قرأها في قلبه. وإن كان غير قرآن فقرأ في قلبه ولم ينطق به (٦) لم تبطل صلاته، إلا أن (٧) يطول جداً فتبطل صلاته لاشتغاله عن الصلاة بالقراءة (٨). فإن نطق بلسانه كان كالمتكلم. فإن تعمد بطلت صلاته، وإن كان ناسياً لم تبطل إلا أن يطول ذلك كما قدمنا في الكلام. ويسجد بعد السلام. وحكم المنصرف من الركعتين يأتي في باب السهو مستوفياً (٩). ... فصل (الأمر بتسوية الصفوف) والتراص في الصفوف والاستواء مأمور به، ولا يجوز التقدم في

стр. 499

الصف ولا التأخر عنه. وقد كانت الصحابة رضوان الله عليهم تتقايس (١) في الصفوف بالمناكب والأقدام. واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ (٢)؛ فقيل: المراد صفوف الصلاة. وقيل: المراد صفوف الجهاد. ويحتمل أن يتناولهم اللفظ؛ لأن الكل جهاد إما الكفار وإما للشياطين من الجن والإنس. لكن من صلى وحده وترك الصف أجزأته صلاته عندنا، لأن التسوي (٣) في الصف مندوب إليه وليس بواجب. ولو لم يجد فرجة فإنه لا يجر إليه أحداً إذ الصلاة تجزيه وليس له التعدي بإخراج المستوي في الصف. (حكم الصلاة بين الأساطين) والصلاة بين الأساطين مكروهة إلا أن يضيق المسجد. واختلف في علة الكراهية فقيل: أنها محل الشياطين والنجاسات إذ كانوا يلقون هناك نعالهم، وقيل إنما كرهت لتقطيع الصفوف ولا تفسد الصلاة على هذا التعليل. وإن عللنا بنجاسة الموضع تفسد (٤) الصلاة. (حكم تقدم الرجال أو النساء على الإمام) ولا تفسد الصلاة عندنا مخالفة الترتيب في مقامات الإمام مع المأمومين. وقد قدمنا ذلك. ولو خالفت امرأة بأن صلت أمام الإمام أو بين الصفوف لم تفسد صلاتها (٥) عندنا، ولا صلاة من هي بين يديه إلا أن ثُمِرَ (٦) صلاتها هناك تذكر من (٧) هي بين يديه حتى يؤديه تذكره إلى نقض طهارته. وكذلك حكم الجماعة من النساء.

стр. 500

فصل (لا يمنع النساء من حضور الجماعات إلا لسبب) ولا يمنع النساء من حضور الجماعات إلا أن يغلب (١) عليهن الفساد فيجب منعهن. فأما السنن (٢) كالعيدين والاستسقاء فلا تمنع منهما المتجالة (٣) التي لا حظ فيها للرجال. (حكم الاستماع للمخبر في الصلاة) ومن استمع لمخبر في الصلاة فإن طال جداً بطلت صلاته لأنه كالمشتغل عن الصلاة بالكلية، وإن خف جداً فلا بأس به. وإن كان بين ذلك أمرناه بالسجود بعد السلام لأنه أطال لغير مصلحة الصلاة. (حكم زخرفة المساجد) وقد قدمنا أنه يجب تنزيه المساجد عن كل ما يستقذر. وقد قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (٤) الآية. فقيل: معناها يرفع مقدارها عن المستقذرات. وقيل: ترفع بالبنيان والتشييد. وليس من هذا تزويقها بما يلهي المصلي ولا منفعة فيه. وفي ذلك أيضاً تشبيه بالكنائس والبِيَع وهو منهي عنه. وتجب صيانة المسجد عن كل من لم يعرف حقه (٥) وحرمته كالصغير والمجنون. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "جَنَّبُوا مَسَاجِدَكُم صِبيَانَكُم" (٦)، ولكنه يعارضه ما ثبت عنه مدوناً في الصحاح أنه حمل أمامة بنت ابنته وهو في الصلاة (٧)، فقيل: كانت صلاة فرض، وقيل: كانت نافلة.

стр. 501

وفي الكتاب في الصبي يأتي أباه وهو صغير في الصلاة المكتوبة إنه ينحيه عنه، ولا بأس بتركه في (١) النافلة. وهذا يقتضي تأويله للحديث على أن ذلك كان في النافلة. ولو اضطر الإنسان إلى حمل طفل وهو في الصلاة (٢) لحمله. وعلى الاضطرار تأول ما ورد (٣) في الحديث من حمل أمامة في الفريضة (٤). ... فصل (متى يفتح على الإمام ؟) وقد قدمنا أنه لا يفتح على من ليس معه في صلاة، وإن طلب منه الفتح، فإن فتح عليه فهل تبطل صلاة الفاتح؟ قولان. وهما على ما قدمناه في الخلاف في القرآن يقصد به إفهام الغير. وهل يفتح على من معه في صلاته؟ أما إن أخطأ الإمام في غير أم القرآن فإنه لا يفتح عليه إلا أن يغير المعنى أو يطلب منه الفتح. وإن أخطأ في أم القرآن فإنه يفتح عليه لأن الصلاة لا تجزي إلا بها. ولو ترك الإنسان آية من أم القرآن فحكى إسماعيل القاضي قولين: أحدهما: أنه يسجد لسهوه، والثاني: لا سجود عليه. وهذا لأنه رأى أن الأقل تبع للأكثر على مراعاة الإتباع في أنفسها أن تبطل صلاته. ...

стр. 502

فصل (حكم الالتفات في الصلاة) وقد قدمنا وجوب استقبال القبلة وحكم من صلى إلى غيرها. والنظر هاهنا في الالتفات في الصلاة، وهو (١) يفسد الصلاة إن خرج المصلي عن الاستقبال، ولا يفسدها إن لم يخرج عنه. ولو كان الالتفات بسائر الجسد لكان يكره جملة إذ هو كالتارك لأدب الوقوف بين يدي ملك الملوك. (حكم الصفد في الصلاة) وقد روي في بعض الأحاديث النهي عن الصفد (٢) في الصلاة وهو أن يصلي قارنا قدميه معتمداً عليهما. وقد عابه مالك ﵀ في المدونة واستحبه في غيرها. وعاب الوقوف على الرجل الواحدة (٣) معتمداً عليها. ولعله قال: هذا لما لم يثبت عنده الحديث، فكره التحديد بالاعتماد على الرجل الواحدة كعادته في الكراهة. ... فصل (حكم تحبيس المساجد وغيرها) واجتمعت الأمة على جواز تحبيس السقايات والمساجد؛ فمن بني مسجداً فلا يخرج عن ملكه بنفس البناء إلا أن يظهر منه قول أو فعل يدل على أنه قصد إخراجه عن ملكه وتحبيسه. ومن الفعل أن يخلي بين الناس وبينه. وسقف المسجد لاَحِقٌ به (٤) في تحبيسه. ولهذا لا يحل أن يملك ما فوقه، ويجوز ملك ما تحته إذ الأسفل لا يسري إليه حكم التحبيس.

стр. 503

(حكم سجود الشكر) وهل يجوز السجود عند البشرى بما يسر (١) به الإنسان. في المذهب قولان: المشهور كراهيتها، وهذا لأنه لم يثبت أن السجود مشروع (٢). والشاذ جوازه. وقد روي عنه ﷺ أنه فعله (٣). وروى ذلك عن جملة من الصحابة رضوان الله عليهم (٤).

стр. 504

كتاب الصلاة الثاني (حكم سجود التلاوة) وقد بدأ فيه بأحكام سجود التلاوة (١)، وأجمعت الأمة على أنها مشروعة (٢). واختلفوا هل هي واجبة أو مندوب إليها؟ ومذهب مالك ﵀ إسقاط الوجوب معولاً على قول عمر ﵁: "إِنَّ اللهَ لَمْ يَكتُبهَا عَلَينَا إِلاَّ أَنْ نَشَاءَ" (٣). وقد ترك السجود بحضرة الصحابة، وقال ما حكيناه عنه وهو على المنبر، ولم ينكر عليه أحد. وقد اختلف الأصوليون هل يعد قوله هذا إجماعاً لترك الإنكار أم لا يعد؟ وإذا تقرر أن المذهب إسقاط وجوبها فهل تلحق بالسنن، أو تنزل عنها إلى الفضائل؟ للمتأخرين قولان: أحدهما: عدها فضيلة، قاله القاضي أبو محمد. وهذا طريق أبي القاسم ابن الكاتب. واحتج بقول مالك رحمه الله تعالى في المدونة: يستحب له إن قرأها في أثناء الصلاة ألا (٤) يدع سجودها (٥) فأطلق عليها في الكتاب لفظة الاستحباب. وهذا يدل على أنها فضيلة.

стр. 505

والقول الثاني: أنها سنة، قاله أبو القاسم ابن محرز (١). واحتج بما في المدونة من أنه يسجد لها بعد الصبح ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس. وشبهها بالجنائز. وهذا التشبيه يقتضي أنها سنة كالجنائز. ولا يسلم هذا الذي قاله من الاعتراض لأنه يمكن أن يحمل التشبيه على جواز السجدة (٢). والأمر به في هذا الوقت، لا على أنها تشبه الجنائز في كل الأحكام. وقد قدمنا سبب الخلاف فيما يلحق بالسنن أو يعد من الفضائل، وهو ما يدوم من فعل رسول الله ﷺ لكن في غير الجماعات. وسجود التلاوة (٣) من هذا القبيل. وإذا تقرر هذا قلنا: أحكام السجود تنحصر في أربعة فصول: أحدها: أعداده . والثاني: مواضعه من الآي. والثالث: شروطه وصفاته ومن يؤمر به. والرابع: أوقاته. (أعداده) فأما أعداده فقد اختلف المتقدمون من أهل المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال: فالمشهور: أن أعداده إحدى عشرة [سجدة] (٤) ليس في المفصل منها شيء، أولها آخر الأعراف، وآخرها حم تنزيل (٥). والقول الثاني: أن أعداده خمس عشرة يضاف إلى ما سميناه سجود آخر الحج، وثلاثة في المفصل: آخر النجم، وآخر العلق (٦)، وسجدة في الانشقاق. ونذكر الخلاف في مواضعها بعده.

стр. 506

والقول الثالث: أن أعداده أربعة عشر موضعاً فأسقط مما ذكرناه سجدة آخر الحج (١). وجمهور متأخري أهل المذهب يرون أن هذا خلاف، وأن المشهور ترك السجود فيما عدا الأحد عشر موضعاً. والقاضي (٢) أبو محمد يرى أن السجود مأمور به في جميع الخمسة عشر، لكنه في الأحد عشر آكد منه في الباقي. وعليه يتأول المشهور. ويحتج بقول مالك في موطئه:"عَزَائِمُ سُجُودِ القُراَنِ إِحدَى عَشرَةَ سَجدة" (٣). وهذا يدل على أن في القرآن سجودَ [غيرِها] (٤)، لكنه ليس من العزائمِ. فيصير المذهب عنده على أن السجود مشروع في الأحد عشر موضعاً متأكداً، وفي غيره من الأربعة مواضع غير متأكد. وهو غير مشروع في غير هذه المواضع. وسبب الخلاف على ما قاله الجمهور اختلاف آثار؛ فحكى زيد بن ثابت وابن عباس وغيرهما أن الرسول ﵇ لم يسجد بعد الهجرة في المفصل (٥). وحكى أبو هريرة وغيره أنهم سجدوا في المفصل خلف رسول الله ﷺ (٦) وروي عنه ﷺ أنه سئل هل في الحج سجدتان؟ فقال: نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأ (٧). وهذا يقتضي تأكيد السجود وثبوته في

стр. 507

آخر الحج. لكن هذا الحديث لم تثبت فيه شروط الصحة. والذي صوبه المحققون من المتأخرين ومن لقيته من الأشياخ ثبوث السجود في المفصل. لأن من حكى نفي حكم السجود إنما ذكر ما رأى، ومن أثبت أولى ممن نفى، ولا سيما وقد يترك (١) السجود ليبين أنه ليس بواجب ويسجد (٢) ليبين أنه مشروع. فإذا أمكن صرف الترك إلى هذا المعنى لم يكن فيه دليل على انحصار السجود في الأحد عشر موضعا. ... فصل (مواضعه من الآي) وأما مواضع السجود من الآي فاختلف فيه في ثلاثة مواضع: أحدها: سجدة ص، فقيل يسجد عند قوله جل ذكره ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ (٣)، وقيل: يسجد عند قوله ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٩)﴾ (٤). والثاني: سجدة ﴿حم (١) [تَنزِيلُ]﴾ (٥)، فقيل: يسجد عند قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ (٦)، وقيل: عند قوله : ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ (٧). والثالث: سجدة الانشقاق، فقيل: يسجد في آخر السورة، وقيل: عند قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ (٨). وسبب الخلاف هل النظر إلى سبب السجود فيسجد عند كمال الآية

стр. 508

بعد ذكر السجود، أو النظر إلى كمال الثناء على المطيع (١) والذم للعاصي، فيسجد عند كمال ذلك؟ ولم يختلف في محل السجود في غير ما ذكرناه، فيسجد في الأعراف عند ختمها. وإذا سجد وكان في الصلاة ثم قام فهو غير إن شاء أن يركع (٢) من غير أن يقرأ شيئاً من غيرها، وإن شاء قرأ ثم ركع. والسجدة في الرعد عند قوله تعالى: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (٣)، وفي النحل: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٤)، وفي سبحان: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٥)، وفي مريم: ﴿وَبُكِيًّا﴾ (٦)، وفي الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٧). وإن أثبتنا السجدة في آخرها فعند قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٨). وفي الفرقان: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ (٩)، وفي النمل: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (١٠)، وفي ألم السجدة: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (١١)، وفي النجم آخرها. وهو مخير بعد الرفع كما ذكرناه بين أن يركع أو يقرأ من غيرها. وكذلك في سورة القلم. وخيره ابن حبيب بين السجود والركوع فينوب له ذلك عن ركوع الصلاة وعن سجود التلاوة. وهذا كأنه ترك السجود. ...

стр. 509

فصل (شروط السجود) وأما شرط (١) السجود فهو جزء من الصلاة، فيشترط فيه عندنا جميع ما يشترط في الصلاة؛ من طهارة الحدث والخبث، وستر العورة، واستقبال القبلة. وهل يُحرِم له ويسلم منه؟ أما الإحرام الزائد على التكبير للهَوْيِ (٢) فلا يشترط عندنا. وكذلك لا يشترط السلام إذ لم يثبت، وإنما هو مجرد سجود. وهل يكبر له عند الإهواء والرفع منه؟ أما إن كان في صلاة فيكبر، وإن كان في غير صلاة ففيه ثلاثة أقوال: في الكتاب الأمر بالتكبير، وكراهيتها، (٣) وخيره ابن القاسم. وسبب الخلاف القياس على سجود الصلاة وسجود التلاوة إذا كان في صلاة، فعلى هذا يكبر، والقياس (٤) على الإحرام والتسليم، فلا يكبر. وأيضاً فإن التكبير مشروع في الصلاة الكاملة، وهذا ليس منها. والتخيير لتعارض ما قلناه. (من يؤمر بالسجود) ويؤمر به كل تال للقرآن في غير صلاة فريضة إذا مر بإحدى الآي التي قدمناها (٥). وهذا إذا كان في وقت يجوز فعله فيه على ما نبينه، وهو على الصفات التي قدمناها في شروط الصلاة. وهل يؤمر به مستمع القراءة؟ أما إن لم يقصد الاستماع فلا يؤمر، وإن قصد وكان الثاني ممن لا تصح إمامته فلا يؤمر، وإن كان ممن تصح إمامته وسجد الثاني أمر به، وإن لم يسجد فقولان: المشهور أن يؤمر به

стр. 510

لأن الاستماع كالتلاوة، وأصلها اكتفاء المأموم بقراءة الإمام (١). والقول الثاني أنه لا يؤمر، لما روي عنه ﷺ "أنه قرأ رجل عنده آية من القرآن فيها سجدة فسجد الرجل وسجد النبي ﷺ معه، ثم قرأ آية أخرى فيها سجدة وهو عند النبي ﷺ فانتظره النبي (٢) أن يسجد فلم يسجد فقال له في ذلك فقال النبي ﷺ : كنت إمامنا ولو سجدت لسجدت معك" (٣). وقال بعض الشافعية: إنما ترك رسول الله ﷺ السجود لينبه القارئ أنه أخطأ بتركه إياه، وإنما كان القارئ هو المأمور به أولاً والمستمع في حكم التبع. وهو غير واجب فلا يبعد تركه لقصد البيان. (كراهيه قراءة آية السجدة وحدها لأجل السجود) وقد كره في المدونة أن يقرأ الرجل السجدة وحدها ليسجد لها (٤). واختلف الأشياخ هل يريد لفظ السجدة خاصة وموضع السجود منها أو كل الآية؟ فلهم في ذلك قولان: أحدهما: أنه إذا قرأ الآية جميعها جاز، وجاز السجود لأنه حصل تالياً لذلك. والثاني: أنه لا يجوز له ذلك؛ لأن حكم التلاوة لم يحصل له، وإنما حصل لمن استمر على قراءة السورة (٥). (حكم قراءة السورة التي فيها السجدة في الصلاة) وهل تجوز قراءة السورة التي فيها السجدة في الصلاة؟ أما في صلاة النافلة فلم يختلف المذهب في جواز ذلك. وهذا إذا كان فرداً أو كان في

стр. 511

جماعة يأمن التخليط فيها فظاهر، وإن كان في جماعة لا يأمن ذلك فيها، فالمنصوص أيضاً جوازه لما ثبت من فعل الأولين في صلاة النفل في رمضان وهم مجتمعون فيمرون بالسجدة فيسجدون. وأما في الفريضة فإن كانت صلاة سر أو جهر وخاف أن يخلط على من خلفه، فلا يجوز له ذلك. لأنه قد يؤدي إلى بطلان الصلاة، وكل ما أدى إلى بطلانها فممنوع. وأما إن أمن التخليط وكانت صلاة جهر، أو كان فرداً ففيه قولان: المشهور النهي عنه، والشاذ جوازه. وقد علل المشهور بأنه إذا قرأ السجدة وسجد بها، كان زائداً في أعداد الفريضة، وذلك لا يجوز. والصحيح جوازه (١) لما ثبت عنه ﷺ من أنه كان يداوم على قراءة ألم تنزيل السجدة في الركعة الأولى من صلاة الصبح (٢). وعلى هذا كان يواظب الأخيار من أشياخي وأشياخهم. وإذا منعناه أن يقرأ بالسجدة في صلاة السر فإنه إذا قرأ ووصل إلى السجدة فينبغي له أن يجهر إذا عول على السجود لها ليعلم من خلفه أنه إنما سجد للتلاوة. وإن لم يجهر وسجد فهل يتبع في السجود؟ للمتأخرين قولان: أحدهما: أنه يتبع فيه للزوم متابعة الإمام، والثاني: أنه لا يتبع لجواز أن يكون سجد ساهيا ولم يقرأ آية السجدة. (حكم من نسي سجود التلاوة في الصلاة) وإذا أبحنا له أن يقرأ في النافلة بما فيه السجدة فقرأ ثم نسي أن يسجد في موضع السجود فلا يخلو من أن يذكر ذلك قبل التطاول (٣) أو بعده، وقبل أن ينحني للركوع أو بعد ما انحنى للركوع ولم يرفع رأسه، أو بعد ما رفع رأسه. فإن ذكر قبل أن يتطاول سجد عند ذكره ولم يؤمر بإعادة

стр. 512

آية السجدة (١). وإن ذكره بعد التطاول أمر بإعادة قراءة الآية التي فيها ذكر السجود [وسجد] (٢). وإن ذكر بعد أن خر للركوع فهل يتمادى على ركوعه ويترك السجدة، أو يخر إلى السجدة؟ فيه قولان. وهما على الخلاف في عقد الركعة ما هو؟ هل هو وضع اليدين على الركبتين؟ أو رفع الرأس منها؟ فإن قلنا عقد الركعة وضع اليدين على الركبتين، تمادى على ركوعه. وإن قلنا عقدها رفع الرأس منها، خر للسجود ساجدا. وعكس هذا أن يريد السجود فيركع فهل يجزيه هذا الانحطاط على الانحطاط إلى الركوع فيه قولان (٣). وهما على الخلاف في الحركة إلى الأركان هل هي مقصودة فلا يجزيه، أو غير مقصودة فيجزيه. وإن ذكر السجدة وقد رفع رأسه من الركوع فلا يسجدها في الحال، لكن إن كانت هذه الركعة هي الأولى من النافلة قرأها في الركعة الثانية ويسجد لها. ومتى يقرأها هل قبل أم القرآن أو بعدها؟ للمتأخرين قولان: أحدهما: أنه يقرأها قبل أم القرآن؛ لأنها قضاء عن الركعة (٤). وإنما يكره أن يقدم على أم القرآن غيرها إذ لم يكن له سبب مثل هذا، وإذا ظهر له السبب جاز له التقدم. والثاني: لا يقرأها إلا بعد أم القرآن، إذ أصل المذهب (٥) أن المشروع أنه يأتي بها عقيب التكبير من غير فاصل. فإن كانت الركعة هي الثانية من النافلة، فإن كان يركع بعدها نافلة أخرى قرأ بها وسجد، وإلا فقد فات موضع السجود. ... فصل (أوقاته) وأما أوقات السجود؛ فإنه يجوز في كل وقت يجوز فيه أداء النوافل. ويجوز بعد طلوع الفجر، وقبل صلاة الصبح، وبعد مغيب الشمس قبل

стр. 513

صلاة المغرب. وهل يجوز بعد صلاة الصبح إذا لم يسفر، وبعد صلاة العصر إذا لم تصفر الشمس؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه لا يجوز، قاله في الموطأ. والثاني: جوازه، وهو مذهب الكتاب (١). والثالث: التفرقة، فيجوز بعد الصبح ولا يجوز بعد العصر، قاله ابن حبيب. وقد قدمنا ما قاله أبو القاسم ابن محرز من [أن] (٢) السجود بعد الصبح وبعد العصر يقتضي كونه سنة، ولهذا شبهت بصلاة الجنائز. وعلى هذا يكون النهي في السجود في هاذين الوقتين يقتضي كونه فضيلة. وأما تفرقة ابن حبيب فلأن النهي عن الصلاة بعد العصر أشد من النهي عنها بعد الصبح. إذ (٣) اختلف المذهب هل تأخير الفريضة إلى الاصفرار محرم أو مكروه. وتأخيرها إلى الإسفار لم يختلف أنه غير محرم. وإنما اختلف هل هو جائز أو مكروه. ... فصل (وجوب الوضوء عند لمس القرآن) ولا خلاف في الأمر بالوضوء لمن أراد مس القرآن. وهل ذلك الأمر واجب؟ المشهور من مذاهب العلماء وجوبه. وروى مالك ﵀ في موطئه أن في الكتاب الذي كتبه الرسول ﵇ لعمرو بن حزم (٤) أن لا يلمس القرآن إلا طاهر (٥). واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا

стр. 514

الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ (١)؛ فقيل: هو على ظاهره من الخبر، والمراد بالمطهرين الملائكة، وهو رأي مالك ﵀ في موطئه. وأكثر أهل المذهب على حمل الآية على الأمر، وإن كان ظاهرها الخبر. ويكون موافقاً للحديث المتقدم. فإذا أوجبنا الوضوء (٢) لمس المصحف، فهل ذلك في حق كل مريد لمسه؟ أما غير المتعلم والمعلم فذلك واجب في حقه بلا خلاف، إلا أن يمسكه مع أشياء كثيرة ولم يقصد إلى حمله. وإنما قصد حمل ما معه كالرحل يكون فيه المصحف. فإن قصد إلى حمل المصحف منع إلا بطهارة. وأما المتعلم فلا خلاف في المذهب في جواز مسه للمصحف بغير طهارة، لأنه مضطر إلى مسه ويشق عليه تكرار الوضوء. وأما المعلم ففيه قولان: أحدهما: أنه كالمتعلم. والثاني: أنه لا ضرورة به إلى ذلك كسائر الناس. وهذا ينبغي أن يكون خلاف في حال. فإن كان حافظاً يستغني عن مطالعة المصحف فهو كغير (٣) المتعلم. وإن كان مفتقراً إلى مطالعته لقلة حفظه وهو يحتاج إلى العلم لأَجَلٍ (٤) معجل أو مؤجل، فهو كالمتعلم. وإذا منعنا غير المتوضئ من مس المصحف فأحرى أن يمنع من على غير الإسلام من مسّه. وقد قدمنا الكلام على قراءة [الجنب] (٥) القرآن طاهراً، ومن يجوز له ومن لا يجوز له. ... باب في أحكام السترة في الصلاة وأجمعت الأمة على وجوب السترة في حق المصلي على الجملة.

стр. 515

وقد ثبت عنه ﷺ أنه متى صلى في غير الجدار ركزت له الحربة [أو العنزة] (١) فيصلي إليها. وكان يصلي إلى بعيره (٢). ونهى عن المرور بين يدي المصلي، وقال: "لَوْ يَعلَمُ المار بَينَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيهِ لَكَانَ أن يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْراً لَه" (٣). وشك الراوي هلَ أراد أربعين سنة، أو أربعين يوماً، أو أربعين شهراً. فأمر بدفع من يمر بين يدي المصلي، وقال: "فَإِنْ أَبَى فَليُقَاتِلهُ فَإنمَّا هُوَ شَيطَان" (٤). واختلف في معنى المقاتلة هاهنا فقيل: هي على ظاهرها، والمراد أوائلها وهو الدفع بعنف ما لم يؤد إلى العمل الكثير في الصلاة. وقيل: معناه اللعنة، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٥). أي يلعنهم الله. فإذا ثبت ذلك فالنظر في السترة ينحصر في أربعة فصول: أحدها: من يؤمر بها ؟ وما المقدار المجزي عنها؟ وكيف صورة الاستتار فيها؟ وحكم المصلي والمار في الإثم والدفع [عن المرور] (٦). (من يُؤمر بها؟) وأما من يؤمر بها فكل مصل في موضع لا يأمن المرور بين يديه إذا كان فذاً أو إماماً، فإن أمن المرور ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يؤمر بالسترة إلا أن يشاء، والشاذ أمره بها. وسبب الخلاف هل جعلت السترة حريما للمصلي حتى يقف عندها

стр. 516

البصر فلا يتعداها؟ أو جداراً من مرور مار، فيشتغل به عن صلاته. فإن قلنا إنها جعلت حريماً للصلاة وجبت السترة وإن أمن المرور، وإن قلنا إنها جعلت جدارا من الانشغال بالمار لم يجب مع الأمن. فإن صلى في موضع مرتفع- على القول بأنها [لا] (١) تجب مع الأمن - فإن كان من يمر لا يظهر من أشخاصهم شيء للمصلي لم تجب السترة، وإن كان يظهر منها شيء وجبت السترة. ولا يؤمر بها المأموم بلا خلاف. وقد ثبت عن ابن عباس أنه مر بين يدي الصفوف راكباً حماره أتاناً، فلم ينكر عليه أحد، وكان النبي ﷺ إماماً والمقتدون الصحابة (٢). واختلفت ألفاظ أهل المذهب في علة سقوط السترة عن المقتدين؛ فقال بعضهم: لأن سترة الإمام سترة لهم، وقال بعضهم: لأن الإمام سترة لهم. واختلف المتأخرون هل العبارتان بمعنى واحد، أو يختلف معناهما. فيكون معنى أولى أن السترة التي جعلها الإمام بين يديه هي سترة للمأموم، وإذا سقطت صار حينئذٍ مصلياً إلى غير سترة. ومعنى الثانية أن الإمام هو الساتر للمأموم. فإذا سقطت سترته كان المأموم باقياً على حكم الاستتار، وإن ذهبت سترة الإمام. ... فصل (ما المقدار المجزئ فيها ؟) وأما المقدار المجزي من السترة فأقله مقدار عظم الذراع في غلظ الرمح إذا كان يثبت ولا يقع. وكره مالك ﵀ السوط؛ لأنه لا يثبت.

стр. 517

ولا تنفع السترة بالخط. وفي الحديث الخط باطل (١). وتجوز السترة بكل ظاهر ثابت غير متنقل لا يخاف منه مضرة ولا يؤدي إلى بطلان الصلاة. وهذه التحرزات من الاستتار بالنجاسة كقصبة (٢) المرحاض وما في معناها، أو الصلاة إلى حلقة المتحدثين المستقبل وجوهَهم، أو المرأة غير ذات المحرم. وهل تجوز الصلاة إلى الحلقة الدائرة؟ في المذهب قولان: الجواز، لأنه يستقبل ظهر الجالس. والكراهة؛ لأنه يستقبل وجه المقابل (٣) للجالس. ومن ذلك الصلاة للنائم والمجنون. وبالجملة غير المميز لأنه لا يُؤمَن ما يحدُث من هؤلاء من ريح ونحوه. [وكذلك الصبي الجميل الصورة والمخنث، فإنهما يلحقان بالمرأة] (٤). وبالجملة كل من لا يؤمن معه التذكر فيما يفسد الصلاة، فإنه لا يجوز الاستتار به. وقد أجازوا الصلاة إلى الطائفين (٥) لأنهم في حكم المصلين. ...

стр. 518

فصل (صورة الاستتار بالسترة) وأما صورة الاستتار فإن كانت السترة شيئاً منفردًا كحجر أو عود، فينبغي أن يجعل على اليمين. ولا يصلي منتصباً إليه، محاذرة من التشبه بالأصنام. وقد كان رسول الله ﷺ إذا صلى إلى شيء من هذا النحو جعله عن يمينه أو عن يساره ولا يصمد له صمداً (١)، ويؤمر المصلي بالدنو من (٢) سترته. وقد اختلفت الأحاديث في المقدار الذي كان بينه ﷺ وبين سترته فروى بلال ثلاثة أذرع (٣)، وروى سهل بن سعد ممر الشاة (٤). واختلف في الجمع بين الحديثين؛ فقال أكثر الأشياخ: معنى الحديث الأول أنه كان بينه وبين سترته مقدار ثلاثة أذرع عند القيام. فإذا سجد كان بين رأسه وبين سترته قدر ممر الشاة. وروى أبو الطيب بن خلدون أن معنى الحديثين أنه كان ﵇ إذا قام دنا من سترته حتى يكون بينه وبينها ممر الشاة. فإذا أراد الركوع بعد عنها حتى يكون بينه وبينها مقدار ثلاثة أذرع. وكان أبو الطيب هذا المذكور يفعل ذلك ويرى أنه عمل يسير من مصلحة الصلاة، لأن الدنو من السترة أحفظ للبصر (٥) وأجمع للقلب.

стр. 519

فصل (حكم من ترك السترة ومن مر بين يديه) فأما حكم تعلق الإثم بمن صلى إلى غير السترة، وبالمار بين يدي المصلي؛ فإن صلى إلى غير سترة بحيث لا يؤمن المرور، وللمار مندوحة عن مروره، فقد أثما جميعا. وإن كان بحيث يأمن المرور وليس للمار مندوحة عن مروره فمر لم يأثما (١). وإن كان بحيث لا يأمن المرور وليس للمار مندوحة أثم المصلي. وإن كان بالعكس أثم المار. ومن المرور بين يدي المصلي مناولة الشيء من بين يديه وأخذ ما هو هناك. ومنه تحدُّث من على (٢) جانبه. وينبغي للمصلي أن يمنع المار بين يديه بالإشارة، فإن فعل وإلا دفعه إن كان قريباً، دفعاً لطيفاً. وإن كان بعيداً اكتفى بالإشارة، ولا يفرط في دفعه. وقد روي أنه رفع إلى عثمان ﵁ إنسان دفع ماراً وهو في الصلاة فكسر أنفه. فقال: لو تركته لكان أهون من هذا (٣)، ولم يذكر في الآثار أنه ألزمه الدية. وقال أهل المذهب: لو دفعه فسقط فمات لكان كقتل الخطأ، وتكون ديته على العاقلة. وأجراه أبو محمد عبد الحق على الخلاف في من عض إنساناً، فأخرج المعضوض يده فكسر سن العاض؛ ففيه قولان: هل يكون على الكاسر ديته أم لا؟ وهذا أصل مختلف فيه في المذهب. وهو في كل من أُذِنَ له إذن خاص في فعل يفعله فأدى إلى الإتلاف؛ ففيه قولان: هل يرفع الإذن ما كان عنه من الإتلاف (٤). ...

стр. 520

باب الجمع للأعذار وهي أربعة: المطر والمرض والسفر والخوف. وقد قدمنا أحكام الأوقات وأوقات الفضيلة منها، وإلى أي زمن يمتد وقت الاختيار. فمن شاء الجمع بأن (١) يؤخر أحد الصلاتين المشتركتي الوقت كالظهر والعصر، والمغرب والعشاء. فيؤدي الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها جاز ذلك له. وإن كان تاركا للفضيلة في أداء الظهر في أول الوقت المستحب. وأما المغرب فهل له أن يؤخرها؟ يجري على الخلاف هل يمتد وقتها فيجوز التأخير، أو لا يمتد فلا يجوز؟ وأما الجمع بتقديم الصلاة الثانية إلى وقت الأولى، وتأخير الأولى إلى وقت الثانية، فهذا لا يجوز إلا مع الأعذار على ما نبينه. واجتمعت الأمة أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين المتباينتين؛ كالصبح والظهر، والعصر والمغرب، والعشاء والصبح. ... فصل (الجمع للمطر) وإذا تقرر ما قلناه، فهل يجمع للمطر أم لا؟ المشهور جواز الجمع على الجملة، والشاذ أنه لا يجمع إلا في مسجد الرسول ﵇ حيث ورد الجمع. والتفت في المشهور إلى علة الجمع وهو المطر، وذلك مما تتساوى فيه البقاع والأوقات. والتفت في الشاذ إلى أن الجمع لتحصيل فضيلة الجماعة في بقعة مخصوصة يختص بمزيد فضيلة لا توجد في غيرها، فقصر الجمع عليها. (هل يجمع بين الظهر والعصر أم لا ؟) وإذا قلنا بالجمع فهل يجمع بين الظهر والعصر كما يجمع بين المغرب

стр. 521

والعشاء؟ المنصوص في المذهب أنه لا يجمع بين الظهر والعصر. وقد ثبت عنه ﷺ أنه جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر (١). قال مالك ﵀: أراه كان في المطر. وقد أخذ من هذا أبو القاسم (٢) ابن الكاتب وأبو الوليد الباجي جواز الجمع بين الظهر والعصر لعلة المطر. وهو مقتضى تأويل مالك ﵀. وفرق في نصوص المذهب لأن المغرب والعشاء يختص بوقت يقل التصرف فيه إلا لإدراك الجماعة فجاز مع وجود العذر تحصيلها في وقت يخف التصرف فيه ولا تدرك به مشقة. والظهر والعصر [لا تختص بذلك] (٣). وأيضاً فإن تقديم العشاء فيه فائدة الانصراف في الضوء. وهذا حاصل في وقتي الظهر والعصر، إذا لم يقدم أحدهما إلى الآخر. أو راعى في القول المُخَرَّج مشقة التصرف إلى المسجد، وهي تحصل بالتكرار إلى محل الصلاة. ... فصل (في وقت الجمع) وإذا تقرر حكم الجمع فالنظر فيه في ثلاثة فصول: أحدها: وقته، والثاني: صفته، والثالث: سببه. فأما وقته في المغرب والعشاء فاختلف المذهب فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أداء المغرب في أول وقتها ثم العشاء بعدها من غير تأخير. والثاني: تأخير المغرب يسيراً ثم أداء العشاء بعدها. والثالث: تأخير المغرب إلى آخر وقتها وأداء العشاء حينئذ.

стр. 522

وقال المتأخرون: الصواب القول الأول، ولا معنى لتأخير المغرب يسيراً [ثم أداء العشاء بعدها] (١)؛ إذ في ذلك خروج الصلاتين عن وقتهما. أما (٢) المغرب ففي (٣) وقتها المستحب، وأما العشاء ففي وقتها الواجب [لولا الضرورة المجيزة للجمع حيث ينصرف الناس بعد الفراغ من غير حرج ولا ظلام يشق عليهم] (٤)، ولا معنى لتأخيرها إلى آخر وقتها أيضاً؛ لأن في ذلك تركاً لوقتها المستحب مع عدم الفائدة في الجمع؛ لأنهم متى فعلوا ذلك أدى إلى انصرافهم في الظلمة من غير أداء المغرب في وقتها المستحب. ... فصل: في صفة الجمع وأما صفة الجمع فقد قدمنا الخلاف في الأذان لصلاتين جميعاً، فإن المذهب فيه على ثلاثة أقوال. فإذا قلنا بالآذان في العشاء فأين محله؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه داخل المسجد إذ لا يقصد به الإعلام في خارجه. والثاني: أنه خارجه مع خفض الصوت يسيراً لأن المشروع في الأذان أن لا يكون داخل المسجد. وهل يجوز التنفل فيما بين المغرب والعشاء إذا اتسع ما بينهما لذلك؟ في المذهب قولان: المشهور ترك التنفل إذ كذلك ورد، وأيضاً فقد يؤدي التنفل إلى مخالفة الإمام بأن يتنفل وهو يصلي العشاء. وأجازه ابن حبيب لأنه وقت النافلة إذا اتسع ولم يؤد إلى مخالفة الإمام، فلا معنى لمنع النفل.

стр. 523

وهل يجوز الجمع وإن [لم] (١) يقصد قبل أداء المغرب؟ في المذهب قولان: أحدهما: جوازه؛ لأنه جائز لعلة الضرورة، فإذا وجدت جاز. والضرورة هاهنا إنما هي في تقديم العشاء، وإلا فالمغرب على حالها. والثاني: منعه؛ لأن الجمع يشعر بجمع الصلاتين وإلحاق أحدهما بالآخر. فإذا لم يقصد من الأول فلا يجوز، فتظهر ثمرة الخلاف في فرعين: أحدهما: لو صليت المغرب ثم وجد سبباً يقتضي الجمع، فعلى القول الأول يجوز تقديم العشاء. وعلى القول الثاني لا يجوز. والثاني: لو دخل المسجد من صلى في بيته المغرب فوجدهم في صلاة العشاء، هل له أن يجمع أم لا؟ يجري على القولين. ويجمع كل من لزمه حكم المسجد، ولهذا يجمع المعتكف. وهل يجوز للمرأة والشيخ الكبير أن يصليا في بيوتهما الجمْعَ بالمسمع (٢)؟ للمتأخرين قولان: أحدهما: جوازه لإدراك الصلاة في جماعة. والثاني: منعه لأن الجمع ورد لمشقة الخروج إلى المسجد فهاهنا منتفية. ... فصل (سبب الجمع) وأما سبب الجمع ففي (٣) ثلاثة أشياء: مطر، وطين، وظلمة. فإذا اجتمعت أو اثنان منها جاز الجمع بلا خلاف على رأي من حكم بالجمع. وأن انفرد واحد منهما؛ فأما المطر بانفراده [فيبيح الجمع بلا خلاف، وأما الظلمة بانفرادها فلا تبيح الجمع بإجماع، وأما الطين بانفراده] (٤)؛ فإن كان

стр. 524

معه وحل جاز الجمع، وإن لم يكن فقولان. وهما على خلاف في شهادة هل يكون مع انفراد الطين مشقة التصرف في وقت العشاء الآخرة أو لا؟ وذلك يختلف باختلاف الأماكن والبقاع. ... فصل (هل يتنفل في المسجد بعد الجمع) ولا يتنفل في المسجد بعد أداء الصلاتين من جمع (١) بينهما ولا يوتر، بل يؤخر التنفل والوتر (٢) إلى محله في غير الجامع (٣). ولو (٤) جاز الجمع لعذر المطر فلما صليت المغرب ارتفع. وقال المتأخرون: يجوز (٥) التمادي على الجمع؛ لأنه لا يؤمن عودته. وهذا إحالة على شهادة. فينبغي أن ينظر هل تؤمن عودته أم لا؟ ... فصل (جواز الجمع للمريض) ويجوز الجمع للمريض باتفاق أهل المذهب؛ لأن المشقة تلحقه (٦) بأداء الصلاتين في وقتهما، وهي أشد من مشقة المطر والسفر. ومتى وقع (٧) الجمع لا يخلو أن يكون الجمع أرفق به، ولا يخاف أن يغلب على عقله، أو يخاف أن يغلب على عقله. فإن كان الجمع أرفق به خاصة فقولان:

стр. 525

المشهور أنه يجمع بينهما بتأخير الظهر وتقديم العصر على وقتها. والشاذ أنه يجمع بينهما أول الوقت كالمغلوب على عقله. وهذا قياس على جمع الصلاتين بعرفة، وهو مما شرع للرفق. والأول مبني على أن صلاة عرفة مختصة بما ورد فيه إلا أن تدرك (١) الضرورة التي يخاف معها من الغلبة على الصلاة الثانية، أو على وقتها. وإذا قلنا بتأخير الظهر، فإلى أي وقت تؤخر؟ في المذهب قولان: في المدونة أنها تؤخر إلى وسط وقتها، وأمر سحنون بطرحه [من المدونة] (٢) وأثبت في موضعه أنها تؤخر إلى آخر وقتها (٣). وكذلك عند ابن حبيب (٤). واختلف المتأخرون في مراده في المدونة ب "وسط الوقت" فقيل ربع القامة، وقيل نصفها. وهذا على ما قدمناه من الخلاف في تقدير ظهور الظل. وقد تقدم في أول كتاب الصلاة الأول. والظاهر قول سحنون وابن حبيب لأنه يكون (٥) حينئذ قد أدى (٦) كل صلاة في وقتها المختار. ويمكن أن يكون وجه ما في المدونة أنه أبقى الصلاة الأولى على وقت الفضيلة منه، وأمر بتقديم العصر إلى ذلك الوقت لا سيما على قول من قال: وسط الوقت ربع القامة، ولكنه لم يقل في المغرب والعشاء ذلك، بل قال تؤخر المغرب إلى مغيب الشفق، فيجمع حينئذ. وهذا يشهد بصحة قول سحنون وابن حبيب. إلا أن يقال إنما جاز تقديم العصر قياساً على ما ورد من تقديم العصر يوم عرفة، ولم ير ذلك في العشاء بوجه.

стр. 526

وإن كان المريض يخاف أن يغلب على عقله فقولان: أحدهما: تقديم العصر، فيؤدي الصلاتين وقت الزوال، وتقديم العشاء ويؤدي الصلاتين عند مغيب الشمس. والثاني: أنه يؤخر فيجمع في آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية. وفي المذهب قول ثالث أنه يؤدي كل صلاة لوقتها، فإن فقد عقله عند وقت الثانية سقطت عنه. فرأى في القول الأول أن أداء الصلاتين في أول الوقت أولى حِذَاراً من تعذر أداء الثانية. ورأى في القول الثاني أنه يجوز له التأخير مع الصحة، فأحرى مع المرض. ورأى في القول الثالث أن الأولى أداء كل صلاة في وقتها، فإن غُلب على الثانية فهو غير مكلف بها. ... فصل (متي يجوز الجمع للسفر) ويجوز الجمع للسفر. وقد ثبت عنه ﷺ أنه جمع لذلك (١). وعند ابن شعبان من أهل المذهب جوازه للنساء وكراهيته للرجال. والصحيح جوازه لما قدمناه من ثبوته في الآثار. ومتى يجوز؟ لا يخلو المسافر من أن يكون له وقت يرتحل فيه لا ينزل بعده إلى وقت ثان وينزل فيه نزولا كلياً، أو تتساوى أوقاته. فإن كان له وقت يرتحل فيه ووقت ينزل فيه؛ فإن ارتحل قبل الزوال وكان ينزل قبل الاصفرار، أخر الظهر وجمع بينها وبين العصر في وقت نزوله. فإن كان ارتحاله في وقت الزوال وهو لا ينزل إلا بعد الاصفرار أدى الصلاتين عند ارتحاله. هذا هو المشهور من المذهب. وقيل بل يؤدي كل صلاة في وقتها، فإن كان ارتحاله بعد الزوال ونزوله قبل الاصفرار أدى كل صلاة في وقتها. وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان إذا ارتحل بعد الزوال جمع بين الصلاتين،

стр. 527

وإذا ارتحل قبله أخر الأولى إلى وقت الثانية (١). وهذا حجة المشهور (٢). وما روي عنه أنه كان يؤدي كل صلاة لوقتها (٣)، فلعله كان يخف عليه النزول بعد الارتحال، إذ لا ضرورة في تلك السفرة تُلجيء إلى دوام السير. وهل يجري حكم المغرب والعشاء على حكم الظهر والعصر؟ قال ابن القاسم في المدونة: "لم يذكر في المغرب والعشاء مثل ما ذكر في الظهر والعصر عند الرحيل من المنهل" (٤). وقال سحنون: الحكم متساو. واختلف الأشياخ هل قول سحنون ﵀ تفسير أو خلاف (٥). والفرق أن العادة الارتحال عند الزوال لا عند مغيب الشمس، وهذا محال على شهادة بعادة. فإن تساوت أوقات المسافر فإنه يجمع بين الصلاتين بتأخير الأولى إلى آخر وقتها وتعجيل الثانية في أول وقتها، فيدرك (٦) الوقت المختار للصلاتين. وبأي عذر يجوز له الجمع؟ أما إن جَد به السير وخاف فوات حاجته جاز له أن يجمع [بلا خلاف في المذهب] (٧)، وإن جدبه السير ولم يخف ذوات حاجته في المذهب قولان: أحدهما: جواز الجمع، والثاني: منعه. وهذا قد يرجع إلى خلاف في شهادة هل يجد [به] (٨) السير لعذر،

стр. 528

فيكون مبيحاً للجمع. أو يتفق من غير عذر، فلا يكون مبيحاً. ... فصل (جواز الجمع للخوف) ويجوز الجمع للخوف. قال ابن القاسم: لو أخذ (١) به أحد لكان مذهباً. وهو جواب متردد؛ لأنه لم يرد. وقد اختلف في القياس على الرخص. وإذا قلنا يجوز الجمع، فمتى يكون وقته؟ وقد يجري على حكم المريض والمسافر، فينظر هل يتصل به الخوف أو لا يتصل فيتفرع على ما قدمناه في حكم الجمع في العذر بين المتقدمين. ... باب في أحكام القصر في السفر (٢). والأصل فيه الكتاب والسنَّة وإجماع الأمة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٣). وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في القصر المشار إليه هاهنا، هل القصر في العدد للسفر (٤) وإن لم يكن خوف، أو القصر في الهيئة مع الخوف؟ والجمهور على أن المراد به قصر العدد. وقيده تعالى بالخوف. وقد قال بعضهم: إن الآية نزلت أولاً من غير ذكر الخوف، ثم بعد حين نزلت فقيدت بالخوف. وهذا إن (٥) صح، فإنه لا يفيد إطراح الشرط، بل قد يقتضي تأكيده. لكن بين الأصوليين خلاف في دليل الخطاب؛ هل يعول عليه أم لا؟ فإن قلنا

стр. 529

بالتعويل (١) عليه، فرأى هاهنا أن المقصود قصر الهيئة للخوف. وإن قلنا بعدم التعويل (٢) عليه فرأى هاهنا قصر العدد. وقد يترك القول بدليل الخطاب إذا كان خارجاً عن المعتاد غالباً. والغالب في زمن الرسول ﵇ خوفهم في الأسفار من فتنة المشركين. فيكون اللفظ وارداً على الموجود غالباً. فلا يكون فيه دليل على أن ما عداه يخالفه. وأما السنَّة فمنها ما أخرجه أهل الحديث الصحيح (٣) عن عائشة ﵂ قالت: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت الصلاة في السفر وزيد في الحضر (٤) "، وهذا نص. لكن أنكره أبو المعالي ﵀، وقال: لو ثبت هذا لنقل متواتراً؛ لأن الصلاة من أشرف معالم الدين، وأعدادها من أهم ما يعتنى به. وقد نقل الناس نقلاً متواتراً ما نسخ من الأحكام التي ليست لها مقدار الصلاة. وكيف ينفرد الآحاد بنقل ما نسخ من أعداد الصلاة بالزيادة والاقتصار؟ ويمكن أن يعتذر عن هذا بأن الأعداد نقلت بالفعل لا بالقول، فاكتفوا بنقلها بالفعل عن نقلها [بالقول] (٥) كيف كانت في الأصل، وانتقالها إلى الزيادة. ومما ردّ (٦) به حديث عائشة ﵂ هذا أنها كانت تتم في السفر (٧). وكيف تفعل ذلك مع روايتها أن الصلاة فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر. والظاهر من هذا الحديث كون القصر فرضاً، واعتذر عن هذا بأن قولها: أقرت صلاة السفر،

стр. 530

أي: أقرت على جواز الاقتصار على ركعتين للمسافر، بخلاف الحاضر فإنه لا يجوز له الاقتصار. وقد اعتذر عن إتمامها باعتذارات: فمنها أنها كانت تعتقد كونها أم المؤمنين، فلا تحل إلا بوطن لها. ومن لم يحل إلا في وطنه فلا يقصر. وهذا ليس بشيء؛ لأن النبي ﷺ كان يقصر وهو أمير كل بلد حلَّ فيه ومالكه. هكذا قيل في الاعتراض على هذا التأويل. ولا يلزم؛ لأن الوطنية بالأمومية آكد منها بالإمارة. فيمكن أن تتناول عائشة ﵂ ما قلناه وترى أنها مخالفة في ذلك للرسول ﵇ في حكم الوطنية. ومنها أنها كانت تعتقد التخيير بين القصر والإتمام فالتزمت أحدهما، وهو جائز في حق من يعتقد التخيير، وسنبين الخلاف في ذلك. ومنها: أنها كانت تخاف أن يراها الجاهل فيعتقد أن الصلاة في كل موطن ركعتان، إذ (١) كان ذلك الزمن فيه الأعاجم وأجلاف الأعراب وهم قريبوا العهد بالإسلام، ولم تستقر الشرائع عندهم، فأتمت خيفة أن يقتدي الجاهل بها. ومثل هذه التأويلات تأول على عثمان (٢) ﵁ في إتمامه بمنى وعرفة، فزيد إلى ما تقدم أنه كان متما متى كان له أهل بمنى. وكان يعتقد أن السفر من مكة إلى عرفة لا تقصر فيه الصلاة لقصره. وسيأتي [سبب جواز القصر في] (٣) مثل هذا في المسافة التي بين مكة وعرفة أو منى في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. وثبت عنه ﷺ أنه قصر الصلاة في السفر ثبوتا لا ريب فيه ولا إشكال، بل هو متواتر في المعنى.
следующие страницы →