← Фикх малики

Фикх малики · id 121378

التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات

أبو الطاهر ابن بشير

Полный текст (942 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وإن كان المريض يخاف أن يغلب على عقله فقولان: أحدهما: تقديم العصر، فيؤدي الصلاتين وقت الزوال، وتقديم العشاء ويؤدي الصلاتين عند مغيب الشمس. والثاني: أنه يؤخر فيجمع في آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية. وفي المذهب قول ثالث أنه يؤدي كل صلاة لوقتها، فإن فقد عقله عند وقت الثانية سقطت عنه. فرأى في القول الأول أن أداء الصلاتين في أول الوقت أولى حِذَاراً من تعذر أداء الثانية. ورأى في القول الثاني أنه يجوز له التأخير مع الصحة، فأحرى مع المرض. ورأى في القول الثالث أن الأولى أداء كل صلاة في وقتها، فإن غُلب على الثانية فهو غير مكلف بها. ... فصل (متي يجوز الجمع للسفر) ويجوز الجمع للسفر. وقد ثبت عنه ﷺ أنه جمع لذلك (١). وعند ابن شعبان من أهل المذهب جوازه للنساء وكراهيته للرجال. والصحيح جوازه لما قدمناه من ثبوته في الآثار. ومتى يجوز؟ لا يخلو المسافر من أن يكون له وقت يرتحل فيه لا ينزل بعده إلى وقت ثان وينزل فيه نزولا كلياً، أو تتساوى أوقاته. فإن كان له وقت يرتحل فيه ووقت ينزل فيه؛ فإن ارتحل قبل الزوال وكان ينزل قبل الاصفرار، أخر الظهر وجمع بينها وبين العصر في وقت نزوله. فإن كان ارتحاله في وقت الزوال وهو لا ينزل إلا بعد الاصفرار أدى الصلاتين عند ارتحاله. هذا هو المشهور من المذهب. وقيل بل يؤدي كل صلاة في وقتها، فإن كان ارتحاله بعد الزوال ونزوله قبل الاصفرار أدى كل صلاة في وقتها. وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان إذا ارتحل بعد الزوال جمع بين الصلاتين،

стр. 527

وإذا ارتحل قبله أخر الأولى إلى وقت الثانية (١). وهذا حجة المشهور (٢). وما روي عنه أنه كان يؤدي كل صلاة لوقتها (٣)، فلعله كان يخف عليه النزول بعد الارتحال، إذ لا ضرورة في تلك السفرة تُلجيء إلى دوام السير. وهل يجري حكم المغرب والعشاء على حكم الظهر والعصر؟ قال ابن القاسم في المدونة: "لم يذكر في المغرب والعشاء مثل ما ذكر في الظهر والعصر عند الرحيل من المنهل" (٤). وقال سحنون: الحكم متساو. واختلف الأشياخ هل قول سحنون ﵀ تفسير أو خلاف (٥). والفرق أن العادة الارتحال عند الزوال لا عند مغيب الشمس، وهذا محال على شهادة بعادة. فإن تساوت أوقات المسافر فإنه يجمع بين الصلاتين بتأخير الأولى إلى آخر وقتها وتعجيل الثانية في أول وقتها، فيدرك (٦) الوقت المختار للصلاتين. وبأي عذر يجوز له الجمع؟ أما إن جَد به السير وخاف فوات حاجته جاز له أن يجمع [بلا خلاف في المذهب] (٧)، وإن جدبه السير ولم يخف ذوات حاجته في المذهب قولان: أحدهما: جواز الجمع، والثاني: منعه. وهذا قد يرجع إلى خلاف في شهادة هل يجد [به] (٨) السير لعذر،

стр. 528

فيكون مبيحاً للجمع. أو يتفق من غير عذر، فلا يكون مبيحاً. ... فصل (جواز الجمع للخوف) ويجوز الجمع للخوف. قال ابن القاسم: لو أخذ (١) به أحد لكان مذهباً. وهو جواب متردد؛ لأنه لم يرد. وقد اختلف في القياس على الرخص. وإذا قلنا يجوز الجمع، فمتى يكون وقته؟ وقد يجري على حكم المريض والمسافر، فينظر هل يتصل به الخوف أو لا يتصل فيتفرع على ما قدمناه في حكم الجمع في العذر بين المتقدمين. ... باب في أحكام القصر في السفر (٢). والأصل فيه الكتاب والسنَّة وإجماع الأمة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٣). وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في القصر المشار إليه هاهنا، هل القصر في العدد للسفر (٤) وإن لم يكن خوف، أو القصر في الهيئة مع الخوف؟ والجمهور على أن المراد به قصر العدد. وقيده تعالى بالخوف. وقد قال بعضهم: إن الآية نزلت أولاً من غير ذكر الخوف، ثم بعد حين نزلت فقيدت بالخوف. وهذا إن (٥) صح، فإنه لا يفيد إطراح الشرط، بل قد يقتضي تأكيده. لكن بين الأصوليين خلاف في دليل الخطاب؛ هل يعول عليه أم لا؟ فإن قلنا

стр. 529

بالتعويل (١) عليه، فرأى هاهنا أن المقصود قصر الهيئة للخوف. وإن قلنا بعدم التعويل (٢) عليه فرأى هاهنا قصر العدد. وقد يترك القول بدليل الخطاب إذا كان خارجاً عن المعتاد غالباً. والغالب في زمن الرسول ﵇ خوفهم في الأسفار من فتنة المشركين. فيكون اللفظ وارداً على الموجود غالباً. فلا يكون فيه دليل على أن ما عداه يخالفه. وأما السنَّة فمنها ما أخرجه أهل الحديث الصحيح (٣) عن عائشة ﵂ قالت: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت الصلاة في السفر وزيد في الحضر (٤) "، وهذا نص. لكن أنكره أبو المعالي ﵀، وقال: لو ثبت هذا لنقل متواتراً؛ لأن الصلاة من أشرف معالم الدين، وأعدادها من أهم ما يعتنى به. وقد نقل الناس نقلاً متواتراً ما نسخ من الأحكام التي ليست لها مقدار الصلاة. وكيف ينفرد الآحاد بنقل ما نسخ من أعداد الصلاة بالزيادة والاقتصار؟ ويمكن أن يعتذر عن هذا بأن الأعداد نقلت بالفعل لا بالقول، فاكتفوا بنقلها بالفعل عن نقلها [بالقول] (٥) كيف كانت في الأصل، وانتقالها إلى الزيادة. ومما ردّ (٦) به حديث عائشة ﵂ هذا أنها كانت تتم في السفر (٧). وكيف تفعل ذلك مع روايتها أن الصلاة فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر. والظاهر من هذا الحديث كون القصر فرضاً، واعتذر عن هذا بأن قولها: أقرت صلاة السفر،

стр. 530

أي: أقرت على جواز الاقتصار على ركعتين للمسافر، بخلاف الحاضر فإنه لا يجوز له الاقتصار. وقد اعتذر عن إتمامها باعتذارات: فمنها أنها كانت تعتقد كونها أم المؤمنين، فلا تحل إلا بوطن لها. ومن لم يحل إلا في وطنه فلا يقصر. وهذا ليس بشيء؛ لأن النبي ﷺ كان يقصر وهو أمير كل بلد حلَّ فيه ومالكه. هكذا قيل في الاعتراض على هذا التأويل. ولا يلزم؛ لأن الوطنية بالأمومية آكد منها بالإمارة. فيمكن أن تتناول عائشة ﵂ ما قلناه وترى أنها مخالفة في ذلك للرسول ﵇ في حكم الوطنية. ومنها أنها كانت تعتقد التخيير بين القصر والإتمام فالتزمت أحدهما، وهو جائز في حق من يعتقد التخيير، وسنبين الخلاف في ذلك. ومنها: أنها كانت تخاف أن يراها الجاهل فيعتقد أن الصلاة في كل موطن ركعتان، إذ (١) كان ذلك الزمن فيه الأعاجم وأجلاف الأعراب وهم قريبوا العهد بالإسلام، ولم تستقر الشرائع عندهم، فأتمت خيفة أن يقتدي الجاهل بها. ومثل هذه التأويلات تأول على عثمان (٢) ﵁ في إتمامه بمنى وعرفة، فزيد إلى ما تقدم أنه كان متما متى كان له أهل بمنى. وكان يعتقد أن السفر من مكة إلى عرفة لا تقصر فيه الصلاة لقصره. وسيأتي [سبب جواز القصر في] (٣) مثل هذا في المسافة التي بين مكة وعرفة أو منى في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. وثبت عنه ﷺ أنه قصر الصلاة في السفر ثبوتا لا ريب فيه ولا إشكال، بل هو متواتر في المعنى.

стр. 531

وأما الإجماع، فقد اجتمعت الأمة على قصر الصلاة في السفر على الجملة وإن اختلفوا في التفاضل (١). (حكم القصر في الصلاة) وإذا تقرر ما قلناه فقد اختلف المذهب في حكم القصر في السفر، هل هو سنة أو فرض أو مستحب أو مباح؛ في المذهب أربعة أقوال. وسبب الخلاف [اختلاف] (٢) الآثار. واحتج من قال بالفرضية (٣) بحديث عائشة ﵂ المتقدم. وقد قدمنا ما فيه. واحتج من قال بأنه سنة بما ثبت من دوام (٤) رسول الله ﷺ مظهراً له في الجماعة. وبهذا تتبين السنن. واحتج من قال بالاستحباب بما قاله عمر وابنه ﵄ وغيرهما من الصحابة ﵃ من أن القصر رخصة. والرخص لا تلحق بالسنن. واحتج من قال بالتخيير بقول أنس بن مالك ﵁ أنهم كانوا يسافرون مع رسول الله ﷺ فمنهم المقصرون، ومنهم المتممون ولا يعيب بعضهم على بعض (٥). وهذا يقتضي التخيير. وقد قدمنا ما يعترض به على هذا القول في حكم السجودة هل الطمأنينة (٦) فيه فرض أو مندوب إليه. وذكرنا الانفصال.

стр. 532

(حكم من أتم في السفر) وإذا تقررت هذه الأقوال فما حكم من أتم؟ أما على القول بالتخيير وعلى القول بأن القصر مستحب فلا إعادة عليه، وأما على القول بأن القصر فرض فتجب الإعادة وإن ذهب الوقت إلا أن يراعى الخلاف، وأما على القول بأن القصر سنة فلا تجب الإعادة إلا في الوقت. لكن يتخرج على الخلاف فيمن ترك السنن متعمداً إذا أتم (١) [هذا] (٢) متعمداً. (هل يقتد المقصر بإمام متم ؟) وهل لمن حكمه القصر أن يقتدي (٣) بإمام حكمه الإتمام؟ أما على القول بالتخيير فجائز، بل (٤) الأولى إذا لم يجد غير الاقتداء به؛ لأنه تساوى على هذا القول القصر والإتمام، فيقتدي به متطلباً فضل الجماعة. وأما على القول بأن القصر مستحب فيقتدي به أيضاً؛ لأن الجماعة سنة وهي آكد من استحباب القصر على هذا القول. وأما على القول بأن القصر سنة ففي جواز الإقتداء به (٥) ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يقتدي به، والثاني: أنه لا يقتدي به، والثالث: إن كانت الجماعة كثيرة والإمام فاضل جاز الإقتداء وإلا فلا. وهذا الخلاف ترجيح بين مزيد (٦) الفضل. ورجح في القول الثالث بمزيد (٧) الجماعة، وفضل الإمام. وهو رأي ابن حبيب أن الجماعة يختلف حكمها بالفضل في القلة

стр. 533

والكثرة. وأما على القول بأن القصر واجب فلا ينبغي أن يقتدي بالإمام، وإن اقتدى به فهل يقتصر على الركعتين ويجلس حتى يسلم الإمام (١) ويسلم معه أو يتم معه؟ فقولان. وسببهما ترجيح واجبين: إما الإتمام لئلا يخالف الإمام، وإما الجلوس لأنه كمن زاد في صلاته ركعتين. ... فصل (إذا اقتدى مقصر بمتم هل يلزمه الالتفات إلى عدد الركعات في ابتداء صلاته أم لا ؟) وقد قدمنا حكم الالتفات إلى عدد الركعات في ابتداء الصلاة هل يلزم أم لا؟ ويجري على ذلك ما نحن بسبيله أن المسافر إذا قلنا إنه مخير بين القصر والإتمام، أو يستحب له القصر، فابتدأ بنية القصر فأتم، أو بنية الإتمام فقصر؛ فلا يخلو أن يكون فعل هذا عمداً، أو سهواً، أو جهلاً. فإن فعل عمداً ففيه قولان: أحدهما: أن صلاته باطلة؛ وهذا على القول بأن عليه القصد إلى عدد الركعات. والثاني: أن صلاته صحيحة؛ وهذا على القول بأنه لا يلزمه القصد إلى عدد الركعات، وإن قصد عدداً فله أن (٢) ينتقل عنه. وإن فعله سهواً فعلى القول بأنه تجزي العامدة فإنه يجزي هذا (٣) بلا شك. وعلى القول بأن العامد لا يجزيه؛ فإن كان هذا افتتح على الإتمام فقصر صار كأنه نقص من صلاته ركعتين، فإن كان قريبًا أتى بما نقص وسجد لسهوه، وإن بعد فإن لم يراع الخلاف ابتدأ الصلاة وإن ذكر في الوقت أو بعد الوقت، وإن راعى الخلاف فلا يعيد إلا في الوقت. وإن كان

стр. 534

ابتدأ على القصر فأتم فيصير هاهنا كأنه زاد في صلاته مثلها. وفي المذهب قولان فيمن زاد في صلاته؛ هل تبطل إذا كانت الزيادة مثل نصف الصلاة وكانت سهواً؟ أحدهما: تبطل، والثاني: أنها تجبر بالسجود، لكن هناك خلاف في الزيادة المتفق على منعها، وهذه زيادة مختلف فيها. وهكذا وقع في بعض الأقوال في هذه المسألة أن الصلاة تصح، وعلل بأنها زيادة غير مجمع عليها. فيكون الخلاف في مسألة المسافر أشهر منه في مسألة من زاد في صلاته مثلها. وإن كان فعل ذلك جهلاً فقد يظن هاهنا أنه يجري على الخلاف في الجاهل هل حكمه حكم العامد أم حكم الناسي؟ وليس كذلك؛ لأن الجاهل هاهنا يعذر فلا يختلف أن حكمه حكم الناسي. فإن كان فاعل ذلك إماماً وخلفه المسافرون فزاد على الركعتين فهاهنا قولان: أحدهما: أنهم يتبعونه، وهذا بناء على أن زيادته لا تبطل الصلاة. والثاني: أنهم لا يتبعونه، وهذا بناء على أن زيادته تبطل الصلاة. وإذا قلنا إنهم لا يتبعونه فإنهم يسبحون له ليرجع إليهم، فإن لم يرجع سلموا وتركوه. وعلى القول بأنهم يتبعونه هل يعيدون الصلاة في الوقت؟ في المذهب قولان: أحدهما: نفي الإعادة، وهو بناء على ما قدمناه من أن [تلك] (١) الزيادة لا تبطل الصلاة. والثاني: الأمر بالإعادة في الوقت، هذا إما مراعاة للخلاف، وإما على قول من أمر بالإعادة في الوقت. وفي المذهب [قولان] (٢) فيمن أتم الصلاة من المسافرين هل يعيد في الوقت؟ وهو على القول بأن القصر سنة، أو لا يعيد؟ وهو على القول بأن القصر مخير فيه أو مستحب. وقد تقدم ذلك. ...

стр. 535

فصل (تفصيل الكلام في أحكام القصر) وجميع ما ذكرناه في حكم توطئة الباب والمقدمة (١)، وها نحن نأخذ في تفصيله، فنقول: النظر في القصر في ثلاثة أركان؛ أحدها: سببه، والثاني: محله، والثالث: شرطه. (سبب القصر) أما سبب القصر فهو السفر، وينظر في السفر في ثلاثة فصول: أحدها: في صفته. والثاني: في مبدئه. والثالث: في منتهاه. (صفة القصر) فأما صفة السفر من الجواز وغيره، فإنه ينقسم إلى انقسام أحكام الشريعة من الوجوب والندب والتحريم والكراهية والإباحة. ويقصر عندنا في ثلاثة أقسام من هذه بلا خلاف؛ وهي السفر الواجب كحج الفريضة والغزو المتعين، والمندوب إليه كالجهاد إذا لم يتعين وغير الفريضة من الحج والعمرة، والمباح كالسفر لطلب الأرباح. وأما السفر المحرم كالسفر لإيذاء المسلمين أو ما في معناه، فهل يباح فيه القصر أو لا؟ المشهور أنه لا يقصر فيه. وكذلك الحكم في جميع الرخص التي تتعلق بالسفر كالفطر [وأكل الميتة] (٢) وما في معناه مما تقدم تنبيهنا عليه. وهذا لأن هذه الرخص جعلت معونة على السفر، فلا يستعين بها العاصي في سفره. والشاذ أنه يقصر كالمطيع، وهذا بناء على أن السفر لا يكتسب صفة من الطاعة والعصيان، وإنما يكفي في جواز الرخص وجود السفر فقد وجد.

стр. 536

وأما السفر المكروه كالصيد للهو، ففي جواز القصر فيه قولان أيضاً. وفي المدونة أنه لا يقصر (١). ولم يجب في المدونة على حكم السعاة في أخذ (٢) الزكاة وصرفها (٣)، فرآه سفرا منهيا عنه (٤). ولعل سكوته عن الجواب (٥) محاذرة من ولاة وقته. ولو ابتدأ السفر غير عاص به ثم عرضت له نية المعصية به لامتنع عن الرخص على المشهور من وقت قَصَدَ (٦) بسفره المعصية. ... فصل (مسافة القصر) وأما صفة السفر من الطول أو القِصر؛ فالمشهور من مذهب العلماء أنه لا يقصر في كل سفر بل في سفر يختص بالطول. وما حده؟ في المذهب خمس روايات: أحدها: أنه يقصر في مسيرة اليومين، والثانية (٧): [في] (٨) مسيرة اليوم والليلة، والثالثة (٩) [في] (١٠) مسيرة أربعة برد (١١) وهي

стр. 537

ثمانية وأربعون ميلا (١)، [والرابعة رواية أشهب يقصر في خمس] (٢) وأربعين ميلاً، [والخامسةً رواية أبي قرة (٣) عن مالك يقصر في اثنين وأربعين] (٤) ميلاً. فأما الروايات الثلاث الأولى فجمهور العلماء أنها ترجع إلى قول واحد. وأنه إنما قدر السير للقوافل بالمعتاد، وهو في اليوم أربعة وعشرون ميلاً. ثم رأى أن تحديد سيره باليوم والليلة أقرب إلى الحصر؛ لأن اليومين قد يطولان وقد يقصران. وإذا حد باليوم والليلة كان طول أحدهما في قصر الآخر، ثم رأى أن الحصر بالأميال أولى لاختلاف مسير الرفاق، فحد بالثمانية والأربعين ميلاً. وأما الروايتان الباقيتان فلا شك أنهما خلاف للثمانية والأربعين. ولعل وجهها التفاتاً للعوائد في مسير (٥) الرفاق في اليوم والليلة فرآه مرة ثمانية وأربعين ميلاً، ومرة خمسة وأربعين ميلاً، ومرة أربعين. واختلف قوله لما اختلفت العوائد [عنده] (٦) في مشي الرفاق. فليس

стр. 538

هذا التحديد راجعاً (١) إلى دليل ظاهر، وإنما عول فيه مالك ﵀ على آثار ابن عمر وغيره. واحتج أهل المذهب لهذا التحديد بقوله (٢) ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن باللهِ واليوم الآخر أن تسافر يوماً وليلة مع غير ذي محرم منها" (٣). قالوا فتحديده باليوم والليلة يدل على أن ما دون ذلك في حكم الحضر، لا في حكم السفر. وهذا إذا كان السفر في البر. فإن كان في البحر؛ ففي أكثر الروايات أن حكمه حكم البر. وفي المبسوط لمالك ﵀ أنه يقصر في مسيرة اليوم والليلة لأن الأميال (٤) لا تعرف فيه. وهذا عند الأشياخ ليس بخلاف. وأنما ينظر؛ فإن [كان مع السواحل بحيث يميز مقداره بالأميال فهو كالبر، وإن] (٥) كان في وسط البحر بحيث لا يميز الأميال فكما قال في المبسوط. فإن جمع السفر بين المسير في البر والبحر لفقهما. وكيف صورة التلفيق؟ فأما إن كانت البداية لسفر البحر فيقدر منه المقدار الذي قدمنا تحديده، وأما إن كانت البداية في البر؛ فإن كان إذا وصل إلى البحر سار بالريح وبغيره، فإنه يقصر في الأول، وإن كان ليس في سفر البر مقدار سفر القصر؛ فإن كان لا يسير إلا بالريح فقال ابن المواز: لا يقصر حتى يكون في سفر البر مقدار سفر القصر؛ لأنه رأى أن سفره بالريح قد (٦) يتعذر ولا يجد سبيلاً (٧) إليه، أو لا تطول إقامته فيكون غير عازم على سفر تقصر فيه الصلاة.

стр. 539

وإذا سافر أقل مما حددناه فقصر، هل تبطل صلاته أم لا؟ أما أن قصر في دون ستة وثلاثين ميلاً؛ فإنه يعيد وإن ذهب الوقت. قال في الراويات لأنه لم يختلف فيما دون ذلك، وإنما يعني (١) في أقوال أهل العلم المشهورين. وقال أبو الحسن اللخمي: يعني لم يختلف المذهب (٢). وليس كما قال، بل ما من أحد من أهل (٣) العلم يقول إنه يقصر فيما دون الأربعين ميلًا (٤). فإن قصر في الستة والثلاثين ميلاً، ففي وجوب الإعادة وإن خرج الوقت قولان: أحدهما أنه لا يعيد، والثاني؛ أنه يعيد. وهذا على الخلاف في مراعاة الخلاف. ... فصل (بعض أحكام مسافة القصر) ويشترط فيما قدمناه من المقدار أن يتعلق القصد بنهاية ويكون قصده

стр. 540

جزماً (١) لا تردد فيه، ولا يحتسب بالرجوع من ذلك السفر وإن لم يُقِم بعد وصوله إلا دون ما تحصل به الإقامة. بل يحسب تماديه على مسيرة واحدة إلى نهاية يقصدها. وإن كان في ذلك ما حددناه من الطول قصر وإلا فلا. فإن تخلل سفره إقامة؛ فلا يخلو أن يكون (٢) دون ما يوجب الإتمام، أو مقدار ما يوجب الإتمام. فإن كان دون ما يوجب الإتمام كاليوم واليومين والثلاثة، فلا خلاف أنه يحاسب بالمسير ويطرح الإقامة، فإن كان في جملة مسيره مقدار ما تقصر الصلاة فيه قصر وإلا فلا. وإن كانت الإقامة مما يوجب الإتمام كالأربعة الأيام وما فوق، فهل يطرح تلفيق المسير؟ في المذهب قولان: أحدهما: إطراحه وتلفيق المسير، لأنه يحصل منه مقدار يقصر فيه الصلاة وإن لم يتم إلا بنية العزيمة على السفر. والثاني: نفي التلفيق، لأن السفر الأول تعلق بنهاية لا تقصر فيه الصلاة، والعزيمة على السفر بعد الإقامة عزيمة ثانية، فيعطى لكل سفر حكمه. وهذا إذا لم تكن الإقامة في وطن، فإن كانت في وطن فلا يختلف في اطراح التلفيق ومراعاة الإقامة. ولو كان الأمر بالعكس؛ وهو أن يخلل إقامته سفر فهل يلفق الإقامتين (٣) أم لا؟ في المذهب قولان. ومثاله مسألة المدونة في الذي أوطن مكة ثم بدا له أن يتنقل عنها فيذهب إلى الجحفة (٤) ويعتمر منها ويعود إلى مكة ثم يخرج منها. فإنه لا شك بأنه يقصر في خروجه إلى الجحفة ورجوعه منها إذ ذلك مقدار تقصر فيه الصلاة.

стр. 541

وهل يتم في الأيام التي يقيم فيها بمكة بعد العودة إليها معتمراً؟ (١) في المدونة قولان (٢). وهما على ما قدمنا من الخلاف في تلفيق الإقامة. ومنه أيضاً من سافر في البحر من موضع، ثم ردته الريح [إلى الموضع الذي سافر منه] (٣) فهل يقصر فيه أو يتم؟ أما إن كان وطنه فلا خلاف أنه يتم، وإن كان غير وطنه ولم ينو فيه دوام الإقامة فهل يقصر؟ قولان، هما على ما قدمناه من الخلاف في تلفيق الإقامة. ولو خرج المسافر بنية أن يبلغ موضعاً لا تقصر في مثله الصلاة ينتظر أصحابه فيه. فلا يخلو من أن يكون عازماً على السفر من ذلك الموضع، سافر أصحابه أم لا؟ فهذا لا خلاف بأنه يقصر وإن لم ينو الإقامة في ذلك الموضع مدة توجب الإتمام، أو يكون لا يسير إلا يسير أصحابه. فإن لم يسر ورجع، فلا خلاف أنه لا يقصر إلا بعد انفصاله من موضعهم (٤)، ويكون مقدار سفره من ذلك الموضع مدة تقصر فيه الصلاة. أو يكون متردداً هل يسافر أم لا؟ فهذا يحكي الأشياخ فيه قولين: أحدهما: الالتفات إلى العزيمة الأولى، وهو عليها حتى يتيقن بالعودة. والثاني: الالتفات إلى أن الأصل الإقامة، فلا ينتقل عن حكمها إلا بيقين التمادي على السفر. ... فصل [في مبدأ السفر] (٥). وإذا بدأ (٦) السفر بحضرة الصلاة فمن أين يقصر؟ فلا يخلو إما أن

стр. 542

يكون سفره من مصر من الأمصار، أو من قرية، أو من بيوت العمود (١). فإن كان سفره من مصر من الأمصار ولا بناء حول المصر ولا بساتين، فهل يقصر الصلاة لمفارقته [السور] (٢)، أم لا حتى يجاوز ثلاثة أميال وهو المقدار الذي يجب منه إتيان الجمعة؟ في المطب قولان: المشهور أنه يقصر بالمفارقة (٣) لأنه قد خرج عن حكم الحضر، وقال ابن الماجشون: "لا يقصر حتى يجاوز البلد بثلاثة أميال". ورأى أن هذا المقدار لما وجبت الجمعة على من فيه كان في حكم البلد. ولم يلتفت إلى ذلك في المشهور؛ لأن الجمعة إنما وجبت علي من (٤) كان في مثل هذا المقدار، لأن النداء أبلغ إليه. وإن كان حول المصر بناء معمورة وبساتين؛ فإن اتصلت به وكان في حكمه فلا يقصر حتى يجاوزها [بثلاثة أميال] (٥)، وإن لم تتصل به وكانت قائمة بأنفسها قصر وإن لم يجاوزها. فإن كان الموضع [الذي سافر منه] (٦) قرية لا تقام فيها الجمعة ولا بناء متصل بها ولا بساتين، [قصر إذا فارق بيوت القرية بلا خلاف، وإن كان متصلاً بها بنيان (٧) أو بساتين] (٨) فكما قدمناه في المصر. وإن كان السفر من بيوت العمود، فإذا فارق البيوت التي سافر عنها قصر بلا خلاف في المذهب. ...

стр. 543

فصل (في منتهى السفر) وأما منتهى السفر فهو العودة منه. ففي كل موضع يجوز له القصر بمفارقته فيجوز له القصر إذا عاد إليه. ويختلف إذا كان بينه وبين المصر ثلاثة أميال على الخلاف الذي قدمناه. ... فصل (في محل القصر) وأما الركن الثاني: فهو محل القصر. [ومحل القصر] (١) في الصلاة الرباعية، فلا تقصر المغرب ولا الصبح بإجماع الأمة. (شروط القصر) وأما الركن الثالث: وهو شرط القصر، فإن السفر إذا حصل على الصفات التي قدمناها جاز القصر، كان متكلِّفاً للمشقة بسفره أو مترفِّهاً. وقد قال مالك ﵀ في النواتية (٢) يسافرون [في البحر] (٣) معهم الأهل والولد أنهم يقصرون (٤). وكذلك لو سافر في البر (٥) بأهله وولده فكان على غاية الرفاهية والتنعم لجاز له القصر. فإن وصل إلى موضع إقامة؛ فإن كان وطناً له أتم به ولو لم يقم فيه إلا مقدار صلاة واحدة. وبأي شيء يحصل الوطن؟ أما إن كان بموضع فيه زوجته أو سريته فهو وطنه. وإن كان ولده وخدمه وما في معناهم فلا يكون وطناً بمجرد

стр. 544

ذلك حتى يتخذه موضع الاستيطان. وكذلك لو لم يكن له بالموضع أحد واستوطنه لكان حكمه حكم الوطن. وإن كان الموضع ليس بوطن له فلا يزال يقصر (١) وإن طالت إقامته به إذا لم يعول على إقامة أربعة أيام، وإن عول على إقامتها فلا خلاف عندنا أنه يتم. وهذا لأنه ﷺ نهى المهاجرين عن الإقامة بمكة واستبدالها بالمدينة، فأجاز لهم إقامة ثلاثة أيام (٢). فأخذ أصحابنا من هذا أن ثلاثة أيام في حكم السفر، ولا يحصل به الاستيطان. وأن ما زاد على ذلك في حكم الإقامة الموجبة للإتمام. وهل (٣) يراعى مقدار صلاة الأربعة أيام، أو يراعى كمالها؟ في المذهب قولان: أحدهما: مراعاة الصلاة وهو المعول عليه، والحكم متعلق بها. والثاني: أن المراعى كمال الأيام لأنها المنصوص عليها في الحديث الذي جعلناه أصلاً. ومثال هذا أن يدخل في يوم وقد صلى الصبح والظهر مثلاً وينوي الخروج في اليوم الرابع بعد أن يصلي الصبح والظهر فهاهنا قولان: أحدهما: الإتمام، والثاني: القصر. وتحصل الإقامة بالنية لأنه الأصل، بخلاف السفر فإنه لا يحصل إلا بالنية والفعل؛ لأن الأصل الإقامة والسفر طارئ، فلا يكفي فيه مجرد النية. وهذا كما قالوا في السلع (٤) إنما تعود إلى القنية بمجرد النية ولا تعود (٥) إلى التجارة بمجرد النية. لأن الأصل في السلع (٦) القنية لا التجارة (٧).

стр. 545

فإذا نوى المسافر الإقامة فإن كان في غير صلاة أتم من وقت نيته، وإن كان في صلاة افتتحها على اثنتين. فهل له إتمامها أربعاً؟ في المذهب قولان. وهما جاريان على ما قدمناه من الالتفات إلى عدد الركعات في ابتداء الصلوات. فإذا قلنا لا يتمها، فهل تجزي الركعتان لأنه افتتحها بوجه جائز؟ في ذلك قولان. وإذا قلنا لا تجزيه، فهل يقطع ويبتدئ الصلاة أو يتمها بنية النافلة؟ فيه قولان. وسبب الخلاف أنه هاهنا لا بدّ من القطع. إما في الفعل أو في النية، فأيهما يغلب؟ هذا موضع الخلاف [للمتقدمين من الأصحاب] (١). فإذا قلنا إنه يقطع ويبتدئ؛ فإن كان إماماً استخلف من يتم بالقوم. قال في الرواية: "ويرجع هو وراء المستخلف فيقتدي به بعد أن يقطع الأول، وإذا قلنا بأنه يتمها أربعاً فهل يجتزي بها أو يعيد؟ في ذلك قولان. والإعادة لمراعاة الخلاف. ... فصل (علة قصر الحاج إذا خرج من مكة للوقوف بعرفة) وقد قدمنا من كان في نهاية سفره دون ما تقصر فيه الصلاة، فإنه لا يقصر. وإن عول على العودة من غير إقامة فلا يضيف إلى ذلك مسافة العودة. والمذهب بلا خلاف أن المكي إذا خرج للوقوف بعرفة وأفعال الحج قصر، وليس بينه وبين عرفة من المسافة ما تقصر فيه الصلاة. وقد قيل في علة قصر هذا (٢) ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يتردد في أفعال الحج تردداً لازماً لا يجوز له قطعه. ومسافة تردده أكثر مما تقصر فيه الصلاة. وهذا يحسب تردده [من مكة إلى عرفة، ومن عرفة إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى، ومن منى إلى مكة.

стр. 546

وهذا تردد] (١) لازم (٢) له شرعاً، بخلاف غيره من الأسفار التي يجوز قطعها متى شاء. والثاني: لا يصل إلى عرفة إلا بعد اليوم والليلة، واليوم والليلة مما تقصر فيه الصلاة، وإقامته أيضاً في السفر هذه المدة إقامة لازمة في هذا السفر، فكان كالقطع للطريق (٣) في ذلك. والثالث: أن العودة هاهنا لازمة شرعاً فاحتسب بها، بخلاف ما لا يلزمه فيه (٤) العودة. والفرق بين هذا وبين الوجه الأول، أن الأول راعى فيه تصرفاته في المسير، وهذا راعى فيه المسير والعودة. على أن الأوجه الثلاثة تتداخل على الحقيقة. وقد اختلف المذهب في المدني والمكي يصليان في المحصب (٥)، هل يقصران هناك أم لا؟ وخرج أبو الوليد الباجي هذا على الخلاف في التحصيب؛ وهو النزول بالمحصب، هل هو مشروع فيقصران للزوم الصلاة فيه، أو غير مشروع فلا يقصران؟ ... فصل (في المسافر يحضر وفي ذمته الظهر والعصر وقد ضاق الوقت) وقد قدمنا أن المراعى في الخطاب بالصلاة بقاء الوقتين الاختياري والضروري. وعلى هذا من حضر من المسافرين وقد بقي في الوقت للظهر

стр. 547

والعصر مقدار خمس ركعات، فإنه يصليهما حضريتين. وإن كان مقدار أربع [ركعات] (١) فأقل صلى الأولى سفرية وإذا وقتها فات فيقضيها على نحو ما وجبت. والثانية حضرية. فلو بقي للثانية مقدار الركوع خاصة فهل يكون مدركاً لها؟ يجري على القولين اللذين قدمناهما في الحائض تطهر. ولو خرج لراعى في وقتي الصلاتين كما يراعيه إذا دخل، لكن الخارج يحسب كل (٢) صلاة ركعتين. وأما المغرب والعشاء فقد قدمنا الخلاف هل يجعل الوقت لآخر الصلاتين أو لأولهما، فيفرع على ما هناك. ولو صلى المسافر مثلاً العصر ناسياً للظهر ودخل، وقد بقي من الوقت مقدار صلاة واحدة، فهل يصلي (٣) التي في ذمته (٤) سفرية أو حضرية؟ فيه قولان. وهما على الخلاف في الاشتراك، هل هو من الزوال، أو من بعد مضي مقدار الصلاة الأولى؟ وقد استوفينا هذا في حكم أصحاب الضرورات. وهكذا لو دخل ولم يبق إلا مقدار إحدى الصلاتين، فإنه يختلف هل يبتدئ بالأولى لحق الترتيب -وهو المشهرر- أو بالثانية لحق الوقت. ويلحق أيضاً هذا الخلاف في الاشتراك متى يقع. ويختلف عليه هل يصلي الأولى إذا بدأ بها سفرية أو حضرية؟ فإن بدأ بالثانية صلى الأولى سفرية بلا خلاف؛ لأنها قد استقرت في ذمته. ولنقبض (٥) عنان البيان عن هذا المكان، وقد خرجنا في هذا الباب عن مقصود الكتاب. ...

стр. 548

فصل (جواز ركوب البحر) وركوب البحر للأسفار مباح على الجملة، ما لم يعرض عارض ما، يمنع من الركوب. ومن الأعراض الإخلال بالصلاة بالميد (١)، فمن يعلم من حاله أنه يميد حتى تفوته الصلاة في أوقاتها، أو لا يقدر على أدائها جملة، فإن المنصوص من المذهب أنه لا ينبغي له ركوبه إلا إلى حج أو جهاد. وهذا لأنه يطلب فرضاً فيعطل فروضاً آكد منه. وإن كان لا يقدر على الأداء إلا بإخلال فرض من الفروض والانتقال منه إلى بدل، كمن يعلم أنه لا يصلي قائما، فهذا إن وجد عنه مندوحة لم يركب، وإن لم يجد فقد يختلف فيه على الخلاف في القياس على الرخص؛ فمن قال بالقياس أجاز الركوب، كما له أن ينتقل عن طهارة الماء إلى طهارة التراب في السفر في المفازات والقفار، وإن حمله على ذلك طلب الدنيا. ومن لم يقل بالقياس عليها منع الركوب إذا كان يؤدي إلى إخلال ببعض الفرائض (٢). وإن شك في أمره هل يسلم من الميد أم لا؟ فقد قالوا: يكره له الركوب ولا يمنع؛ لأن الأصل السلامة والقدرة على الأداء. وقد قدمنا حكم الصلاة في السفينة الواحدة والسفن في الجمع. وإذا فرقت الريح السفن فهاهنا في الكتاب في قوم يكونون في السفينة إن صلوا جمعوا وحنوا (٣) رؤوسهم، وإن صلوا على ظهرها لم يمكنهم الجمع، إن الصلاة على ظهرها أفذاذاً أولى (٤). وهذا محمول على أن الانحناء كثير، وأما لو كان يسيراً لكان الجمع أولى. وإن أمكن من مكان في السفينة الخروج إلى الشاطئ خرج إليه وإن أدى الصلاة في السفينة على الكمال؛ لأن الصلاة على الشاطئ أقرب إلى الخشوع والأمن من طريان المفسدات. فإن صلى

стр. 549

في السفينة [وكمل] (١) أجزته صلاته. وإن أخل بفروض مع قدرته على الخروج بطلت صلاته، وإن لم يقدر صحت. وقد قدمنا حكم صلاة النافلة في السفينة هل يلزم فيه التوجه إلى القبلة أم لا؟ ... فصل (في حكم ركعتي الفجر) وقد قدمنا كثيراً من أحكام ركعتي الفجر منها؛ هل هي سنة أم لا؟ وحكم من صلاها أو لم يصلها ثم أتى المسجد. ولا خلاف أن وقت ركعتي الفجر بعد طلوع الفجر وإن صلاهما قبله عامداً (٢) أو ناسياً لأعادهما، وإن تحرى فأخطأ الوقت هل يعيد؟ قولان: المشهور: أنه يعيدهما، والثاني: الاجتزاء بهما. فقاسهما في الأول على الفرائض، وعده في الثاني بالخطأ في الاجتهاد؛ لأنه مأذون له في التحري. وبأي شيء يقرأ فيهما؟ استحب مالك ﵀ في المشهور الاقتصار على أم القرآن في كل ركعة، لما روي عن عائشة ﵂ من أن رسول الله ﷺ كان يخففهما حتى أقول هل قرأ فيهما بأم القرآن أم لا؟ (٣) وفي مختصر ابن شعبان: يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة في كل ركعة من قصار المفصل. وهذا لما روي عنه ﷺ : أنه قرأ في الأولى بقل يا أيها الكافرون (٤)، والثانية بقل هو الله أحد (٥). وروي عنه ﷺ أنه قرأ في الأولى:

стр. 550

﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية (١)، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية (٢)، وهذا يدل على أن جميع هذا جائز. ولا شك أن القراءة إذا لم تتعين في الفرائض فلا تتعين في النوافل، يعني القراءة الزائدة على أم القرآن. وروي عنه ﷺ أنه كان يضطجع ضجعة خفيفة بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح (٣). واختلف هل هي مشروعة أم لا؟ المشهور أن رسول الله ﷺ إنما فعلها على جهة الراحة لا للتقرب فتكون [غير] (٤) مشروعة. وبين الأصوليين خلاف في أفعاله كلها هل يقتدى به فيها أو يختص الأمر بالاقتداء بما يظهر منه قصد القربة؟ فهذا مذهب جمهورهم وهو موافق للمشهور في هذه المسألة. ... باب في أحكام الوتر (حكم الوتر) والمنصوص من المذهب أنه غير واجب، والدليل على ذلك قوله ﷺ : "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة" (٥)

стр. 551

الحديث، وقوله ﷺ للأعرابي وقد ذكر له فرض الخمس صلوات، فقال: "هَلْ عَلَيَّ غيرُهُنَّ؟ فقَال: لاَ إِلاَّ أَنْ تَطوَّعَ" (١) الحديث. وأيضاً فإن من خصائص الفرائض الواجبات ألا تؤدى على الراحلة. ومن يخالفنا في هذه المسألة يجيز أداء الوتر على الراحلة، فدل ذلك على إلحاقه بغير الفرائض. وفي المذهب لسحنون أنه يجرم تاركه، ولأصبغ أنه يؤدب. فاستقرأ أبو الحسن اللخمي من هذا الوجوب (٢). فيحتمل ما قال، ويحتمل أن يريد أن من تركه متهاونا بعد معرفته أن النبي ﷺ كان يواظب عليه دل تركه إياه على تهاونه وعلى فساد حاله. وقد قال ابن خويز منداد في تارك السنن: إنه يفسق. ولا يظهر له وجه إلا ما قلناه. واختلف الأصوليون أيضًا هل يجب الأمر بالمعروف فيما طريقه الندب، أو يكون الأمر بذلك مندوبا إليه ككون (٣) الشيء في نفسه. ولعل أصبغ بني التأديب على أحد القولين في وجوب الأمر بالمعروف، وإن كان المأمور به من قبل المندوبات. (وقت الوتر) وإذا تقررت هذه المقدمة قلنا: النظر في الوتر ينحصر في فصلين؛ أحدهما: في أوقاته، والثاني: في صفاته. فأما وقته فأوله لا خلاف فيه، وهو إذا صليت العشاء الآخرة في وقتها المشروع، احترازا من الجمع قبل الشفق. وأما آخر وقته، فالاختيار منه ما لم يطلع الفجر. وهل يكون له وقت ضرورة وهو ما بعد الطلوع إلى أن يصلي الصبح؟ في المذهب قولان؛ المشهور أنه يصلي الوتر ما لم يصلي الصبح. والشاذ أنه لا يصليه بعد طلوع الفجر، وهذا لقوله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح فليصل ركعة توتر له ما قد

стр. 552

صلى" (١). فظاهر الحديث حصر وقته على ما قبل طلوع الفجر، لكن ثبت عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أنهم قضوه بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح. وبين الأصوليين خلاف في قول الصحابي هل هو مما يعتمد عليه؟ وإذا قلنا بالاعتماد حملنا الحديث على ما هو الأولى، ولا شك أن الأولى أن يؤدى قبل الفجر. وقد قال ابن الجهم (٢): إن قضاء الوتر بعد طلوع الفجر إنما هو على الخلاف في الزمان الذي هو بين طلوع الفجر وبين طلوع الشمس؛ هل هو من الليل، أو من النهار، أو زمان (٣) قائم بنفسه؟ وهذا إشارة إلى أن قضاءه بعد طلوع الفجر يجري على (٤) الخلاف الذي ذكرناه. وإذا قلنا: إنه يصلي بعد الفجر ما لم يصل الصبح، فإن لم يصله حتى افتتح الصبح (٥)، فهل يتمادى أو يقطع؟ في كل واحد من الفذ، والإمام، والمأموم، قولان: أحدهما: أنه يقطع، والثاني: أنه يتمادى على صلاته، وقد فات الوتر. وإن جمعت الثلاثة قلت: أربعة أقوال: أحدها: أنهم يقطعون، والثاني: أنهم لا يقطعون، وقد فات الوتر، والثالث: أن الفذ والإمام يقطع والمأموم يتمادى، والرابع: أن الفذ يقطع خاصة والإمام والمأموم لا يقطعون.

стр. 553

وسبب الخلاف ترجيح الأمر [بالوتر] (١)، وهو إذا تمادى فاته. والأمر بالتمادي على العمل الذي هو فيه، وهو منهي عن قطعه. ومن فرق بين الفذ ومن هو في جماعة فلِتَأَكُّدِ ما دخله من العمل بمزيد (٢) فضل الجماعة. ومن قصر التمادي على المأموم فلأنه تابع لغيره والإمام ليس بتابع وهو في حكم الفذ. وأيضاً فإن الإمام إذا قطع أمكنه أن يصلي في جماعة والمأموم لا يمكنه ذلك. وهذا الذي حكيناه من الخلاف فيما إذا عقد ركعة من الصلاة أو لم يعقدها، في بعض الروايات التفرقة بين أن يعقد ركعة أم لا؟ وقد قدمنا الخلاف في تكبيرة الإحرام هل هي من الأركان التي يحافظ على التمادى بسببها أم لا؟ وإن أكمل الصلاة فلا خلاف عندنا أن وقته فات ولا يصليه بعد الصبح، إذ لا يؤدى شيء هناك من النوافل، وهو وتر لنافلة الليل، وقد انقطع حكمها فلا يقضيه بعد ذلك؛ لأن القضاء- على الصحيح من مذاهب الأصوليين- بأمر ثان، ولم يرد القضاء فيه. وإن اعترض هذا بما في المدونة من جواز قضاء ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس (٣). فقد قال الأبهري: إن القضاء هاهنا يجوز وإنما يصلي ركعتين، ولعل أجرهما ينوب عما فاته من أجر ركعتي (٤) الفجر. والوتر ركعة واحدة فلا يجوز أن يتنفل بركعة تنوب له عن ذلك. ولو صلى الوتر ثم تنفل بعده قبل طلوع الفجر لكان في الأمر بإعادته قولان. وسبب الخلاف حديثان: أحدهما: لما روي عنه ﷺ أنه قال: "لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ" (٥)، وهذا يقتضي نفي الإعادة. والثاني: قوله ﷺ :"صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما قد

стр. 554

صلى" (١)، وهذا يقتضي أن الوتر ينبغي أن يكون آخر صلاته، فإذا صلى ثم تنفل أوتر ثانية ليكون آخر صلاته. ولو صلى العشاء الآخرة ثم أوتر فذكر بعد وتره أنه صلى العشاء على غير وضوء فأعادها لوجب عليه إعادة الوتر وإن صلاه على وضوء؛ لأن وقت الوتر بعد (٢) العشاء الآخرة، وهي إذا وقعت على غير وضوء كالعدم. وإذا قلنا بجواز الوتر بعد طلوع الفجر ما لم يصل الصبح، فإن ذكر الوتر- وقد ضاق وقت صلاة الصبح- فإن أمكن أن يؤدي ركعتي الفجر والوتر بشفعه وصلاة الصبح جميعاً قبل طلوع الشمس فعل جميع ذلك، فإن لم يمكنه إلا ركعة من صلاة [الصبح] (٣) خاصة ترك الوتر وركعتي الفجر وصلى الفرض، وإن أمكنه أن يؤدي ركعتي الفجر وركعة الوتر (٤) من غير شفع وجميع صلاة [الصبح] (٥) قبل طلوع الشمس، فهل يركع بدل ركعتي الفجر ركعتي الشفع أم لا؟ لا يخلو أن يكون تنفل بعد العشاء الآخرة أو لم (٦) يتنفل؟ فإن كان لم يتنفل أسقط ركعتي الفجر وصلى ركعتي الشفع وأوتر وصلى الصبح، فإن تنفل فهاهنا قولان: قيل يجزيه الشفع وإن لم يكن متصلاً بالوتر فيركع ركعتي الفجر، وقيل: لا يجزيه إلا متصلاً به فيركع بدلهما ركعتي الشفع. وإن كان لو اشتغل بركعتي الشفع لم يمكنه أن يصلي من الصبح قبل طلوع الشمس إلا ركعة واحدة، فهل يوتر بواحدة ويصل جميع صلاة الصبح

стр. 555

[قبل طلوع الشمس] (١)، أو يشفع ويوتر وإن أدى الركعة الثانية بعد طلوع الشمس؟ في ذلك قولان. ويلتفت فيه إلى حكم من أدرك ركعة من الصلاة قبل الطلوع أو قبل الغروب، هل يكون قاضياً أو مؤدياً؟ وقد قدمنا ما في ذلك. لكن أحد القولين هاهنا بأنه يشفع يدل على أن مؤخر الصلاة إلى أن لا يبقى من الوقت إلا مقدار ركعة ليس بآثم، كما حكى أبو الحسن اللخمي الاتفاق على ذلك. لأنه لو كان آثماً لما قدم عليه ركعتي الشفع. وأعلى أمرهما أن يكونا سنة. وإن لم يمكنه إلا ركعة الوتر وركعة من صلاة الصبح فهل يركع للوتر وإن أدى الركعة الثانية من الصبح بعد طلوع الشمس؟ المنصوص أنه يركع الوتر. ويجري على القول (٢) بتأثيم مؤخر الصلاة إلى هذا الوقت أنه يسقط الوتر إذ لا يلزمه أن يشتغل بسنة فيقع في ممنوع (٣). ... فصل (صفة الوتر) وأما صفة الوتر؛ فمنه عدده. والمذهب كله على أنه ركعة واحدة قائمة بنفسها. وأبو الحسن اللخمي حكى عن المذهب قولين: أحدهما: هذا، والثاني: أنه ثلاث ركعات لا يفصل بينهما (٤). ويعوِّل في ذلك على ألفاظ وقعت في المذهب مطلقة؛ أنه يوتر بثلاث ركعات. والمراد (٥) أن الوتر لا يؤتى (٦) به وحده، بل يشفع قبله. ولو سئل عن الفصل بينه وبين الشفع لأمكن أن يجيب يالفصل كما وقع له صريحاً.

стр. 556

وإذا ثبت أنه ركعة واحدة، فهل يكتفي به المعذور (١) من غير تقديم نافلة بعد العشاء الآخرة؟ في ذلك قولان. ومثار الخلاف، هل هي وتر للنفل المختص بالليل فيتقدم قبلها شفع ولا يجزي الاقتصار عليها؟ وفي الحديث أنه ﷺ "نهى عن البتر" (٢)، وهي الركعة الواحدة من غير شفع قبلها. أو هي وتر لصلاة العشاء الآخرة، فيكتفي بها؟ وإنما يؤمر بالتنفل قبلها مع الاختيار. وإذا قلنا بتقديم شفع فلا بد. فهل يلزم اتصاله بالوتر؟ أو يجوز وإن فرق بينهما بالزمان الطويل؟ في المذهب قولان: أحدهما: لزوم الاتصال، لقوله ﷺ : "مَثْنَى مَثْنَى" الحديث (٣)، فظاهر هذا، الأمرُ بالاتصال. والقول الثاني جواز الانفصال؛ لأنها ركعة مستقلة بنفسها فأشبهت صلاة المغرب التي هي وتر الفرائض. فلا يفتقر إلى تقدم شيء متصل بها. وإذا كان من حكمها الشفع فهل يلزم أن يوتر بشفع يختص (٤) بها، أو ينوب منابه (٥) كل نافلة؟ في المذهب قولان. والصحيح أنه مخير إن شاء

стр. 557

أتى بشفع مختص (١) بها إذ كان ﷺ يفعل ذلك. وإن شاء أتى بها بعد نافلة غير مختصة لقوله ﷺ : "صلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى" الحديث. وهل يجوز له أن يوتر بركعة افتتحها بنية الشفع أو يشفع ركعة (٢) افتتحها بنية الوتر؟ في المذهب قولان. وهما على ما قدمناه من الخلاف في أعداد الركعات هل تراعى في ابتداء الصلاة. ومن شك هل هو في الركعة الأولى من الشفع أو في الثانية، فإن كان سالم الخاطر بني على يقينه وأتى بركعة ثانية وسجد بعد السلام، وقام وأتى بركعة الوتر. وإن كان موسوَساً بني على أول خاطره كما قدمناه في كتاب الطهارة. ويأتي في باب السهو. وإن شك هل هو في ثانية الشفع أو في الوتر سجد بعد السلام وبنى على أنها ثانية الشفع. واختلف في علة سجوده على ثلاثة أقوال: أحدها: أن السجود (٣) لإمكان الزيادة، وأنه لم يسلم بين الشفع والوتر. والثاني: أن السجود أتى به ليكون شافعاً لركعة الوتر، إن كانت هي التي هو فيها، لئلا يؤتى بالوتر بعدها مكرراً فيكون شفعاً. والثالث: أن السجود على أحد الأقوال في الشاك أنه يسجد بعد السلام. وسيأتي تمامه. ومن صفات الوتر القراءة، واختلف المذهب هل يقتصر بمعين زائد عن أم القرآن؟ فقيل يختص بالإخلاص والمعوذتين. وقيل لا يختص. والصحيح اختصاصه بثلاث سور. ويحمل (٤) القول الثاني على كراهية التحديد، من غير أن يثبت في الشريعة كونه فرضاً أو سنة. وهذا شأن مالك ﵀ في مثل هذا. وهل يختص الشفع بقراءة أم لا؟ إن قلنا إن الوتر لا يختص بشفع

стр. 558

معين، فلا شك أنه لا يختص. وإن قلنا إنه يختص بشفع معين فالأولى أن يقرأ في الشفع بعد أم القرآن بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾. وإن اقتصر في الوتر على أم القرآن؛ فإن فعله ساهياً سجد لسهوه قبل السلام، وإن فعله عامداً فعلى القولين فيمن ترك السنن متعمداً هل تبطل صلاته أم لا؟ ولو زاد في الوتر ركعة ناسياً لكان في بطلان وتره قولان، بمنزلة من قرأ في صلاته مثلها. لكن الركعة يسيرة إن أعتبرت في نفسها، وكثيرة (١) إن إعتبرت بالنسبة إلى ركعة الوتر، إذ هي مثلها. وقد قدمنا ذلك في تارك أم القرآن في ركعة من الصبح. وحكم الوتر الجهر بالقراءة إن كان منفرداً، فإن كان مع جماعة، فإنه يصلي سراً لئلا يخلط عليهم. وإن أسرَّ ناسياً سجد لسهوه قبل السلام، وإن كان عامداً فقولان: أحدهما: صحة الوتر، والثاني: بطلانه، قاله الإبياني. وهو بناء على بطلان صلاة من ترك السنَّة متعمداً. ... باب في قضاء [الصلاة المنسية] (٢). والأصل في قضائها الكتاب والسنَّة؛ والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣) الآية، وإن احتملت فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (٤)، فإن الله تعالى: يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ". [وهذا يقتضي

стр. 559

أن المراد بالآية إذا ذكرتك إياها، وقيل في تأويل الآية: إن معناها أقم الصلاة لتذكرني فيها، وقيل؛ لنذكرك بها. وقراءة ابن شهاب: ﴿أقم الصلاة للذكرى﴾ (١) يحتمل هذه الأوجه] (٢). وأما السنَّة فمنها الحديث المتقدم آنفاً. وقد ثبت عنه ﷺ أنه نام عن صلاة الصبح ثم قضاها بعد طلوع الشمس (٣). وأما الإجماع فقد اجتمعت الأمة على وجوب قضاء المنسية من الصلوات إذا كانت خمساً فدون. ومذهب فقهاء الأمصار وجوب القضاء وإن زادت على الخمس قياساً على المجمع عليه ووجوب قضاء ما تعمد تركه؛ لأنهم رأوا أن الآية تقتضي العموم [في العمد] (٤) وغيره إذا حملناها على موافقة ما ورد في الحديث من التأويل، ولأن القضاء إذا ثبت في

стр. 560

المنسية والتي نام عنها - وإن كان الإثم ساقطاً- فأحرى أن يجب في المتعمد تركها بثبوت الإثم في الترك [عامداً] (١). واقتصاره في الحديث على ذكر المنسيات والتي نام عنها من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. وإذا ثبتت هذه المقدمة فإن النظر في هذا الباب ينحصر في ثلاثة فصول: أحدها: أوقات القضاء، والثاني: لزوم الترتيب، والثالث: حكم المنسيات في ترتيب بعضها على بعض. وإذا اعترى الشك في أيامها وأعيانها وأعدادها (٢). (أوقات قضاء المنسيات) فأما أوقات المنسيات فهي متى ذكرت من ليل أو نهار، وإن بدا حاجب الشمس أو غرب بعضها. وهذا لقوله ﵇: "فليصلها إذا ذكرها" (٣)، فإن ذلك الوقت وقتها، وهو يقتضي عموم سائر الأوقات. ... فصل (حكم الترتيب في القضاء بين المنسية والوقتية) وأما لزوم الترتيب الذي يحكيه البغداديون من أهل المذهب ففيه قولان: أحدهما: أن الترتيب بين المنسية وبين الوقتية واجب، والثاني: أنه مستحب. وتحقيق المذهب في هذا يؤخذ مما نقوله في التفصيل. وهو أن الذاكر للصلاة المنسية لا يخلو أن يذكرها قبل التلبس بالوقتية أو بعده؛ فإن ذكرها قبل التلبس بالوقتية فلا يخلو أن تكون كثيرة جداً أو يسيرة جداً أو متوسطة بين ذلك، فإن كانت كثيرة جداً بدأ بالوقتية، ولا يلزمه (٤) الاشتغال بقضاء هذه الكثيرة في فور واحد. وهذا كالخمسة عشرة صلاة فصاعداً.

стр. 561

وقال محمد بن مسلمة: يبدأ بالمنسية وإن كانت كثيرة مثل (١) صلاة شهرين. فهذا يقتضي وجوب الترتيب، ويلزم عنده أداء هذا المقدار في فور واحد. وإن كانت يسيرة جداً بدأها ما لم يخف فوات وقت الحاضرة الاختياري [والضروري] (٢). وإن خاف فواته فهاهنا قولان: المشهور الابتداء بالفائتة وإن فات وقت الحاضرة. وهذا يشعر بوجوب الترتيب في هذا المقدار. والشاذ الابتداء بالحاضرة. وهذا يشعر بأن الترتيب مستحب فيؤمر به ما لم يخف ذوات الحاضرة. ولأشهب قول ثالث أنه مخير بين الابتداء بالمنسية أو بالوقتية. وهذا لتقابل حق (٣) الترتيب وحق الوقت. وكم عدد اليسير؟ أما الأربعة فدون فلا خلاف في كونها يسيرة، وأما الستة فلا خلاف في كونها كثيرة، وأما الخمس ففيها قولان: أحدهما: إلحاقها بالكثيرة؛ لأنها صلاة يوم كامل. والثاني: إلحاقها باليسيرة، إذ لا تكرر فيها. وأما المتوسطة مقدار عشر صلوات، فإنه يبدأ بها ما لم يخف فوات وقت الحاضرة. وهل يراعي فوات وقتها الاختياري أو الضروري؟ في المذهب قولان. وهذا يشعر باستحباب الترتيب لكن قدمنا الخلاف في مؤخر الصلاة إلى الوقت الضروري، هل يتعلق به الإثم أم لا؟ وهذا في التأخير إلى الاصفرار. فمن علق الإثم راعى فوات الوقت الاختياري. ومن لم يعلقه (٤) راعى فوات الوقت الضروري. (حكم من ذكر صلاة بعد التلبس بأخرى) وإذا ذكرها بعد التلبس بالصلاة فلا يخلو إما أن يكون مما لا يجب تقديمها على الوقتية أو مما يجب؟ فإن لم يجب تقديمها فلا تأثير للمذكورة

стр. 562

في الصلاة التي هو فيها، فإن كانت مما يجب تقديمها فلا يخلو الذاكر لذلك من أن يكون مأموماً، أو فذاً، [أو إماماً] (١). فإن كان مأموماً تمادى على أتباع إمامه ولم يقطع، وهل تبطل عليه هذه الصلاة التي تمادى فيها؟ في المذهب قولان جاريان على الخلاف في الترتيب هل يجب أو يستحب؟ وإن كان فذاً فلا يخلو أن يكون قبل الركوع أو بعده (٢)، فإن كان قبل الركوع (٣) فقولان: أحدهما: أنه يقطع، والثاني: أنه يتم ركعتين نافلة. وهذا على الخلاف في تكبيرة الإحرام، هل هي ركن يحافظ على ثبوته أم لا؟ وإن لم يرفع رأسه كان على الخلاف في عقد الركعة ما هو؟ فإن قلنا وضع اليدين على الركبتين أتم ركعتين نافلة، وأن قلنا رفع الرأس كان بمنزلة من لم يركع، وإن صلى ركعتين جعلهما نافلة وقطع، وإن صلى ثالثة فقولان: أحدهما: أنه يتمادى إلى أربع ثم يصلي المنسية ويعيد التي كان فيها، والثاني: أنه يقطع من الثلاث. وهذا الخلاف في وجوب الترتيب؛ فمن أوجبه ورأى أن تحقيق أثره ألا يتم الصلاة المذكورة فيها أمر بالقطع، ومن لم يوجبه أو راعى الخلاف أمر بالتمادي. وأذا أمرنا بالتمادي هل يجب عليه إعادة الصلاة التي كان فيها أو يستحب؟ قولان. وهما على وجوب الترتيب واستحبابه. وإن كان إماماً فهل يقطع أو يتمادى؟ قولان. وهما على ما قدمناه من وجوب الترتيب. وإذا قلنا بالقطع فهل يلزم ذلك من خلفه أو له أن يستخلف من يتم بهم وتصح لهم؟ قولان. فمن التفت إلى وجوب القطع ولم يراع الخلاف قال بالاستخلاف قياساً على الحدث، ومن راعى الخلاف أمرهم بالقطع لأنه يصير كالمتعمد في الإبطال عند من (٤) أوجب التمادي.

стр. 563

وإذا قلنا بالتمادي فهل يعيد واجباً أو استحباباً؟ قولان. وهما على ما قدمنا في حكم الترتيب. وإذا أعاد فهل يلزم المقتدين (١) الإعادة؟ قولان. وهما على الخلاف في تعلق صلاة المأموم بصلاة الإمام. وهذا الذي قلنا جار فيما كان [من] (٢) صلاة اليوم أو مما فاته وقته. قال ابن حبيب: أما لو كانت صلاة اليوم كمن يذكر الظهر مثلاً في يومه وهو في العصر فإنه يقطع ولو كان وراء الإمام فينصرف وأن كان على وتر. وعلل ذلك بأن التمادي يفوت صلاة يومه وهي مستحقة الترتيب. والوقتية (٣) بخلاف المنسية فإنها وأن استحقت الترتيب فإنها لا تستحق الوقت. ورأى في المشهور أن التمادي يلزم لمتابعة الإمام ولأنه دخل بوجه جائز. فإن كانت الصلاة التي هو فيها نافلة وذكر صلاة لا يخلو من أن يكون عقد [ركعة] (٤) من التي هو فيها أم لا. وإن عقد ركعة أضاف إليها أخرى وسلم، وإن لم يعقد ركعة فقولان: أحدهما: القطع، والثاني: أنه يضيف إليها ثانية. وهما على الخلاف المتقدم في المحافظة على الإحرام (٥). وقد أحلنا في باب إعادة الصلاة في جماعة بيان حكم من أقيمت عليه الصلاة وهو في صلاة أخرى على هذا الباب. واختلف المذهب في ذلك على قولين: أحدهما: أنه يتمادى على التي هو فيها ولا يقطعها، فإذا أكملها مخففا نظر؛ فإن بقي من صلاة الإمام شيئاً دخل معه وإلا صلى لنفسه، وهذا هو الشاذ. والثاني: أن الصلاة التي أقيمت (٦) تؤثر في التي هو فيها. ويختلف في صفة التأثير على قولين: أحدهما: أنه يريد من أقيمت

стр. 564

عليه الصلاة التي هو فيها، وقد تقدم بيانه. والثاني: أنه يتمادى على التي هو فيها ما لم يخف فوات جملة الصلاة مع الإمام. فأما الخلاف في التأثير وعدمه فلتقابل مخالفة الإمام بأن يكون في صلاة وهو في صلاة أخرى لوجوب التمادي- على ما افتتحه- واستحقاق الترتيب، وكونه يدخل مع الإمام فيما لا يعتد به. والثاني: بالتمادي (١) ما لم يخف فوات صلاة الإمام مراعاة لقول من يقول يتمادى جملة. والقطع إذا خاف ذوات ركعة مع الإمام بتقديم وجوب اتباع الإمام وقد قدّمنا أن ذكر صلوات كثيرة لا يؤثر ذكرها في الصلاة التي هو فيها، فلو ذكر صلوات كثيرة فقضاها حتى لم يبق منها إلا اليسير فنسي فدخل في صلاة وقتية لكان بمنزلة من ذكر صلوات يسيرة، لأن ما قضاه كأنه أوقعه في وقته، وكأنه ليس في ذمته إلا ما بقي. وهكذا يكون حكمه لو ذكر هذا الباقي اليسير وهو في ضيق من وقت الصلاة الحاضرة لابتدأ بالمنسية على المشهور. (حكم من ذكر صلاة منسية وهو في الجمعة) ولو ذكر صلاة منسية وهو في الجمعة فالمنصوص أنه إن طمع بإدراك ركعة من الجمعة بعد قضاء المنسية قطع وقضى ثم عاد إلى الجمعة، فإن لم يطمع تمادى، فإذا أكمل الجمعة صلَّى المنسيَّة خاصة. وهذا يجري فيه الخلاف على ما قدَّمنا التنبيه عليه (٢). فإن قلنا بأن الترتيب واجب فينبغي أن يتمادى لحق الإمام ثم يعيد الجمعة بعد قضاء المنسية، ويعيدها ظهراً أربعاً. ويلتفت في الإعادة أيضاً إلى الخلاف في الجمعة؛ هل هي صلاة قائمة بنفسها أو بدل عن الظهر؟ فإن قلنا إنها صلاة قائمة بنفسها فيقوى نفي الإعادة، وإن قلنا هي بدل عن الظهر فيقوى وجوب الإعادة. وقد تقدم الخلاف فيمن صلى الجمعة [بنجاسة] (٣) ناسياً ثم علم

стр. 565

في الوقت هل يعيد ظهراً أربعاً أم لا؟ وإذا صلَّى الوقتية ثم ذكر المنسيَّة فصلاَّها فإنه يعيد الوقتية ما بقي من وقتها شيء. وهل يُراعي في ذلك وقت الاختيار أو وقت الضرورة؟ في المذهب قولان. [وهما] (١) على الالتفات إلى وجوب الترتيب، فيعيد ما لم تفت جملة الوقت، واستحبابه فيعيد ما لم يفت الوقت الاختياري. ... فصل (بأي صلاة يبدأ في قضاء المنسيات) وإذا ذكر صلوات منسية فلا خلاف أنه مأمور بترتيبها (٢) الأولى فالأولى، لكن اختلف في الأمر هل هو واجب أو ندب، وبأي صلاة يبدأ؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يبدأ بصلاة الظهر؛ لأنها التي ابتدأ بها جبريل ﵇ بالرسول ﵇، وبهذا سميت الأولى. والثاني: أنه يبدأ بالصبح؛ لأنها صلاة أول اليوم. وهذا على الخلاف في الزمن الذي بين طلوع الفجر وبين طلوع الشمس هل هو من الليل أو من النهار؟ فإن قلنا إنه من الليل بدأ بالظهر، وإن قلنا إنه من النهار بدأ بالصبح. ثم يرتب الأولى فالأولى. فإن شك في عدد الصلوات أو في أيامها أو في أعيانها. فقد أطال الناس الأنفاس في هذا الباب وصوَّروا من شوَّاذ النوازل ما يفتقر إلى ذكر دقيق الحساب. ونحن نذكر مبادئه بحسب ما يليق بهذا المجموع فنقول: اختلف المذهب هل يلزم تعيين الأيام في الصلوات أو لا يلزم ذلك، وإنما يلزم القصد إلى صلاة الوقت من غير التفات إلى اليوم. وقد قدمنا أيضاً الخلاف في القصد هل هو مُباح أو مأمور به؟ وهل الأمر واجب أو ندب؟ فإذا تقرر ذلك قلنا: من نسي صلاتين من يومين ظهراً أو عصراً
следующие страницы →