← Фикх малики

Фикх малики · id 121378

التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات

أبو الطاهر ابن بشير

Полный текст (942 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فصل (حكم قضاء المستخلف إذا كان مسبوقاً ببعض صلاة المقتدين) وأما حكم [المسبوق من] (١) المقتدين والمستخلف إن كان مسبوقا، فإن المسبوق يقضي بعد إتمام (٢) هذا المستخلف. وهل يقضي بعد سلامه من جملة صلاته وإن كان مسبوقا؟ أو بعد إكمال صلاة الإمام؟ في المذهب قولان: أحدهما: أن المستخلف إذا أكمل صلاة الإمام أشار إلى المقتدين أن اجلسوا، فإذا أكمل صلاته قاموا (٣) لأنفسهم. والثاني: أنهم يقومون إذا أكمل صلاة الإمام. وسبب الخلاف أنهم لا يقضون إلا بعد تمام صلاة إمامهم، وقد حصل لهذا الثاني رتبة الإمامة، فهل يكون حكمه في كل الأحوال كحكم الإمام الأول فكأنه هو، فإذا أتم صلاته صار كالمقتدين فيقضون عند قضائه؟ أو تراعى حالته في نفسه لحصول الرتبة فلا يقضون إلا بعد تمام صلاته؟ فهذا مثار الخلاف. وإذا قلنا إنهم يقضون معه ولا يقتدون به لأنه إنما يقضي ما فاته من صلاة الإمام فحكمه أن يكون فيما يقضيه فذاً، فإذا اقتدوا به فهل يجزيه أم لا؟ في المذهب قولان: أحدهما: نفي الإجزاء، وهذا لما قدمناه من وجوب كونه فيما يقضيه فذاً (٤). والثاني: الإجزاء، وهذا بناء على أنه فيما يأتي به بَانٍ ,ومراعاة لحصول الرتبة له ومساواتهم له بما يأتي به في النية. وإن كان المستخلف مسبوقاً دون المقتدين أو دون بعضهم، فإنه إذا أكمل صلاة الإمام وقام للقضاء سلموا وانصرفوا. وهذا تغليب لحكم الإمام، وكأنه هو الموجود إلى آخر صلاته. وهذا قياس على أحد القولين

стр. 597

في صلاة الخوف. والمشهور في هذه أنهم لا يسلمون إلا بعد قضائه، وهذا مراعاة لحكم نفسه. (هل يجوز لإمام أن، يرجع للإمامة بعد زوال العذر ؟) ولو ناب الإمام ما أوجب الاستخلاف واستخلف ثم ذهب. فإن زال عذره ثم تمادى فأخرج المستخلف وأتم هو الصلاة. فقد اختلف المذهب في هذه الصورة هل تبطل الصلاة لأنّ الإمام قد يعزل باستخلافه، فإذا عاد صار كأن الإمام استخلفه بغير موجب فتبطل الصلاة. أو تصح لأن المستخلف وكيل الإمام فإذا عاد انعزل الوكيل ورجع الأمر إلى موكله؟ وقد احتج لهذا القول بما قدمناه من خروج أبي بكر وتقدم النبي- ﷺ . وقد اختلف هل ذلك من خصائصه أو متعد إلى غيره؟ وعليه يتخرج هذا الخلاف. ... فصل (إذا ذكر الإمام الأول أنه أسقط من الصلاة ما يوجب بطلانها) وإذا استخلف مسبوقاً فأكمل الصلاة التي استخلفه عليها فلما أكملها أتى الإمام الأول فذكر أنه أسقط من الأولى أو من الثانية ما يوجب بطلانها كالركوع والسجود، فأما المستخلف فلا علم عنده من صحة قوله، وأما غيره من المأمومين فلا يخلو من ثلاثة أقسام: أما إن تيقنوا سلامة صلاتهم وصلاة إمامهم فلا يلزمهم إتباعه فيما يقوله، وإما أن يشكو في سلامة صلاتهم وصلاته، ومثله أن يتيقنوا الآن بصحة قوله فيلزمهم التدارك، وإما إن تيقنوا سلامة صلاتهم دون صلاة إمامهم فقد قدمنا القولين في لزوم التدارك له. وإذا لزمهم التدارك فإنهم يتبعون المستخلف فيما يأتي به من إصلاح صلاة الإمام. وهل يكون فيما يأتي به من ذلك قاضياً فيقرأ بأم القرآن وسورة، أو

стр. 598

بانياً فيقرأ بأم القرآن خاصة؟ وقد قدمنا القولين في ذلك وهما منصوصان هاهنا. ومتى يكون سجوده؟ لا شك أنه يسجد قبل السلام لأنه أتى بالجلوس في غير موضعه، فكأنه لم يجلس فقد حصل نقص الجلوس. ومتى يكون سجوده هل بعد إكمال صلاة الإمام، أو بعد إكمال صلاة نفسه؟ في ذلك قولان. وهما على ما قدمناه من تغليب حكم الإمام، أو النظر إلى حصول الإمامة له. ... فصل (في المسبوق يقوم للقضاء ظاناً أن إمامه أكمل) وإذا قام المسبوق إلى القضاء ظاناً أن إمامه أكمل وسلم وانكشف الغيب (١) أنه لم يكمل. فإن كان إمامه لم يسلم رجع إلى صلاته (٢) وطرح ما فعله، وإن لم يشعر حتى سلم فلا خلاف أنه يطرح ما فعله ويبتدئ الآن في القضاء. وهل يلزمه سجود أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه يلزمه لما فعله من القضاء قبل سلام إمامه. والثاني: أنه لا يلزمه سجود. وهذا تغليب لانسحاب حكم الإمام عليه. وإذا قلنا إنه يلزمه السجود فأين محله؟ قولان: أحدهما: أنه قبل السلام، وعلَّل بأنه نقص النهضة التي حقه أن يأتي بها بعد سلام الإمام. والثاني: أنه بعد السلام إذا (٣) زاد في صلاته زيادة قد ألغاها. وإذا تقرر هذا رجعنا إلى ما نحن بسبيله من مسائل الاستخلاف فقلنا: لو استخلف الإمام مسبوقاً فقام للقضاء، ثم أتى الإمام فأخبره أنه أسقط من صلاته شيئاً يلزمه تلافيه، فإن كان موجب استخلافه [طريان ما أفسد صلاته اعتد هذا المستخلف بما فعله وقضى ما أسقط الإمام على نحو ما قدمناه،

стр. 599

وإن كان موجب استخلافه رعافاً] (١) فإن قطع الإمام صلاته فتعمد الكلام أو ما في معناه فهو بمنزلة ما قدمناه من اعتداد المسبوق بما فعله، وإن كان لم يقطع صلاته فإن أتى بعد أن طال المستخلف طولا يفوت الإمام به التلافي فإنه يقتدي بما فعله، وإن كان لم يطل لم يعتد بما فعله ورجع إلى تلافي ما يقضيه الإمام، فإذا أتى به رجع إلى قضاء ما سبق به. ... باب في أحكام التشهد والسلام (بعض أحكام التشهد) وقد قدمنا أن التشهد الأوسط سنة بلا خلاف عندنا. وذكرنا أن الآخر كذلك على المشهور، وما فيه من استقراء (٢) الوجوب. ولا شك أنه لا يتعين فيه لفظ، لكن الأولى التعويل على ما ثبت به النقل من تشهد عمر بن الخطاب ﵁، وهو معلوم فلا نطول بنقله. وقد أضاف إليه العلماء من الشهادة ما يعتقده أهل السنة. والمروي في الصلاة عن النبي- ﷺ ما حكاه ابن أبي زيد وغيره. وقد قدمنا أيضًا الخلاف في الصلاة على النبي- ﷺ هل هي من فروض الصلاة أو من سننها، وقد قدمنا أيضًا حكم من ترك التشهد وذلك في حق الإمام والفذ. فأما المأموم فإذا لم يتشهد حتى سلم إمامه [فمقتضى أهل المذهب أنه يسلم ويجزيه تشهد الإمام. وفي العتبية رواية ابن القاسم عن مالك ﵀ أنه يتشهد بعد سلام إمامه ولا يدعو بعده ثم يسلم] (٣) وهذا تدارك التشهد بعد سلام الإمام. وظاهره يقتضي وجوب التشهد عليه. وقد قدمنا متى يتدارك المأموم ما فاته به الإمام من الفروض. وعندنا في السلام قولان: هل يمنع من التدارك كعقد الركعة

стр. 600

الثانية لأنه ركن أو لا يمنع لأن المانع في عقد الركعة الثانية مخالفة الإمام وهاهنا لا يخالف؟ وإذا وجد الخلاف في منع سلام الإمام من التدارك للفروض فأحرى أن يمنع التدارك في التشهد. وقد قدمنا كراهية الدعاء قبل التشهد، وكذلك البسملة مكروهة عندنا أيضًا قبل التشهد. وإذا أكمل تشهد عمر بن الخطاب ﵁ في الجلسة الوسطى فهل يجوز الدعاء بعده كما يجوز في الجلسة الآخرة؟ في المذهب قولان: الكراهية، والجواز. فالكراهية إذ فيه تطويل لا سيما إن كان إماماً, والجواز لأن الصلاة مظنة الدعاء وقياساً على الجلوس الآخر. (معنى التحية) ويفتقر إلى تفسير لفظ التحية، والتحية تطلق على ثلاثة معان: السلام، والملك، والبقاء. وقد اختلف في معنى السلام فقيل هو: اسم من أسماء الله تعالى، وقيل: هو بمعنى السلامة. وإن قلنا بمعنى السلامة؛ فإن التحيات في التشهد قد يراد فيها الثلاثة معان التي ذكرناها، وإن قلنا اسم من أسماء الله تعالى كان المقصود بالتحية الملك والبقاء. ... فصل (حكم السلام في الصلاة وصفته) والسلام عندنا من فروض الصلاة وقد تقدم ذلك. والأصل في فرضيته قوله ﷺ :وَتَحْليلُهَا التَّسْليمُ" (١) واستمرار العمل [به] (٢). ولفظه متعين عندنا. وهل يجوز أن يؤتى به على جهة التنكير؟ المشهور من المذهب أنه لا يؤتى به إلا معرَّفا. والشاذ جواز تنكيره. وإذا نكره على المشهور فهل

стр. 601

يجزي من التحليل؟ قال ابن أبي زيد: لا يجزي. وقال ابن شبلون: يجزي. وفي المدونة: لا يجزي من السلام إلا السلام عليكم (١). وهذا يقتضي ما قاله ابن أبي زيد وقد تأول على أن القصد به تعيين السلام على الجملة تنبيها على خلاف أبي حنيفة القائل: إن كل فعل مضاد للصلاة ينوب مناب التسليم. ومقتضى المذهب تعيين لفظ السلام بالتعريف قياسًا على الإحرام. وهل يسلم الإمام والفذ واحدة أو اثنتين؟ في المذهب قولان: المشهور من المذهب الاقتصار على واحدة. واحتج مالك ﵀ بأن ذلك الذي اتصل به العمل من زمن الرسول ﷺ قال: وإنما أحدثت التسليمة الثانية في زمن بني هاشم. والشاذ أن الثانية مشروعة. وفي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه "كان يسلم تسليمتين" (٢). وهذا الأولى على مقتضى النظر لأن من حكى (٣) الثانية زاد، ومن زاد أولى ممن نقص (٤).

стр. 602

فإذا قلنا بالاقتصار على الواحدة فهيئة الإشارة بها أن يسلم قبالة وجهه ويتيامن قليلاً. ويقصد الإمام الخروج بها من الصلاة والسلام على الملائكة ومن معه من المقتدين. ويقصد الفذ الخروج من الصلاة والسلام على الملائكة. وأما المأموم فيسلم أولاً تسليمة يسير بها إلى يمينه. ثم اختلف (١) هل يبتدئ بعدها بالرد على الإمام أو السلام على من على يساره من الملائكة والمصلين. وإذا قلنا إنه يبتدىء بالرَّد على الإمام فلا يسلم عن يساره إلا أن يكون هناك أحد من المقتدين فيردّ عليه، وهذا راجع إلى النقل. ولا حرج في تخيير أحد الأمرين. وإذا كان المأموم مسبوقاً فهل يرد على الإمام ومن على يساره بعد قضائه. قولان (٢). وهما على النظر إلى مقصود السلام هل هو مجرد الرد، أو هو مشروع للصلاة؟ ولو ابتدأ المأموم (٣) بالسلام مشيراً به إلى جهة يساره ثم تكلم (٤) فهل تبطل صلاته أم لا؟ [في المذهب] (٥) قولان، [وهما على النظر إلى قصده] (٦)؛ فإن قصد بذلك التسليم (٧) التحليل من الصلاة صحت لأنه إنما (٨) خالف الهيئة، وإن قصد بها مجرد الرد لم تصح الصلاة لأنه تكلم قبل أن يتحلل. وهل ينسحب حكم النية على السلام أو يفتقر إلى نية مجددة؟ (٩) في المذهب قولان؛ فمن (١٠) سحبها رأى أن ركن النية متعلق (١١) بسائر

стр. 603

الأركان، ومن لم يسحبها نظر إلى كونه قطع للصلاة. والنية إنما تنسحب على ما هو من الصلاة دون ما يقطعها (١). والمشروع (٢) للإمام التنحية عن موضعه عقيب السلام. وقد اختلف في عله ذلك فقيل: إنه موضع فضيلة، وإنما استحقها برتبة الإمامة فإذا انقطعت صار كالمعزول عنها، فعلى هذا يزول عن موضعه فلا بد. وقيل: ليراه من لا يسمع تسليمه فيعلم انقطاع الصلاة. فعلى هذا لو قام أو تزحزح عن موضعه بحيث ما ينظر أجزأه. ... باب في صلاة الجمعة وأحكامها (حكم صلاة الجمعة) وهي واجبة بالكتاب والسنَّة وإجماع الأمة. فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣)، فأمر بالسعي ونهى عن البيع، وفي معناه كل شغل (٤). وإذا قلنا إن الأمر على الوجوب فلا يفتقر إلى غير الآية. وإن لم نقل بذلك فقرينة الوجوب هاهنا الإجماع. وهذا إذا قلنا إن صلاة الجمعة صلاة قائمة بنفسها. وإن قلنا إنها عوض عن الظهر كان الدليل أيضًا على وجوبها ما ورد في وجوب الصلاة من الآي. وقد قال بعض العلماء إنها المراد (٥) بالصلاة الوسطى. وأما السنَّة فقد ثبت عنه ﷺ -الأمر بها والمواظبة عليها، وفعله لها

стр. 604

متواتر النقل. ويكاد قوله أن يكون متواتر المعنى. وقد ثبت أنه ﷺ -توعد على تركها ثلاثًا بالطبع على القلب (١). وهذا مبالغة في تقرير الوجوب. واجتمعت الأمة على وجوبها في الجماعة، والجمهور أنها واجبة على الأعيان لا على الكفاية، إذ ما ورد من الآي [والاخبار] (٢) يقتضي ذلك، وهو مما شرع لإقامة أبهة (٣) الإسلام وتمكينه في النفوس وتفخيم أمره. ولهذا شرع فيها البناء المخصوص والخطبة والجهر بالقراءة وإن كانت صلاتها نهارية. وإذا تقرر ما قلناه فالنظر في هذا الباب ينحصر في ثلاثة أركان (٤): أحدها: شروط وجوبها، والثاني: شروط أدائها، والثالث: صفة الأداء وحكم الأعذار المبيحة للتخلف عنها. ... فصل (شروط الوجوب) فأما الفصل الأول في شروط الوجوب فإن عددها ستة وهي: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والذكورية، والحرية، والإقامة. فأما الإسلام فنعده شرطًا في الوجوب إن قلنا إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة. وإن قلنا إنهم مخاطبون، عددناه في شروط الأداء. وهكذا

стр. 605

عدَّه القاضي أبو محمد [عبد الوهاب] (١). ولا خلاف في عدّ البلوغ شرطا في الوجوب. وأما العقل فإن قلنا: إن من ليس ببالغ غير عاقل، فيكتفى بلفظ العقل عن ذكر البلوغ. وإن قلنا: إنه قد يكون عاقلاً، فلا بدّ من ذكرهما. وبين الأصوليين خلاف في ذلك. وأما الذكورية فلا خلاف عندنا في عدها شرطاً في الوجوب. وأما الحرية فالمعروف من المذهب عدَّها شرطاً ولا تجب الجمعة عندنا على العبد. وقد قدمنا الخلاف في سقوطها عنهم في الأصل ووجوبها. وإنما سقطت لحق السيد. وذكرنا ما في المذهب من إمامة العبد في الجمعة. وفي مختصر ابن شعبان: أن المشهور من مذهب مالك ﵀ سقوط الجمعة عن العبد. قال أبو الحسن اللخمي ﵀: يريد أنه اختلف قوله في ذلك (٢). وفي مختصر ابن شعبان أنه قال: يؤمرون بها ويقامون إليها. ويحتمل أن يكون ذلك في وجوبها عليهم، [أو] (٣) على جهة الندب. وقد قدمنا أن هذا الخلاف في دخول العبيد في خطاب الأحرار. وأما الإقامة فهي مشروطة في وجوب الجمعة، ولا نعلم في ذلك خلافاً. واستدل على سقوطها عن المسافر بأن الرسول ﵇ وقف يوم الجمعة بعرفة فصلى صلاة المسافر ولم يصلِّ صلاة الجمعة (٤). فإذا ثبت ذلك فهل يجزي المسافر إذا شهدها وتنوب له عن صلاة الظهر؟ في المذهب قولان: المشهور أنها تنوب عن ذلك قياسًا على نيابتها للعبد والمرأة، والشاذ أنها لا تنوب. وهذا على الخلاف هل دخل المسافر في ثبوت الوجوب ثم سقطت عنه لعذر السفر فإذا شهدها نابت له، أو لم يتوجه عليه الخطاب بها أصلاً؟ فينظر هاهنا هل هي صلاة قائمة بنفسها فلا تنوب، أو هي ظهر مقصورة؟ فيختلف في إجزائها عنه على الخلاف فيمن ترك السنن تعمدًا لأنه صلى ركعتين جهرية (٥) والواجب عليه في الأصل أن يُسِرَّ.

стр. 606

(حكم إمامة المسافر في صلاة الجمعة) وإذا قلنا بصحة النيابة فهل تصح إمامته فيها إذا حضرها؟ ثلاثة أقوال: أحدها: لا تصح بوجه ابتداء ولا استخلافاً. وهذا بناء على سقوطها أصلاً لكن نابت لأنها ظهر مقصورة. أو بناء على أنه لما خير في التزامها عدمه صار كالمتنفل مثلاً يؤم المفترض. والثاني: تصح ابتداء واستخلافاً، وهذا بناء على أنه مخاطب بها، لكن سقطت لعذر السفر. فإذا شهدها والتزمها صار كالمقيم. والثالث: أنها تصح إن استخلف بعد أن عقدها مع الإمام، ولا تصح قبل أن يعقدها, لأنه بعد الدخول وجب عليه إتمامها، وقبل الدخول مخير. (حكم الوالي الأعظم يمر بقريه يوم الجمعة) ولو مرَّ الوالي الأعظم بقرية تجب عليهم الجمعة وهو مسافر لكان له أن يجمع بهم لأن المولى على الصلاة في تلك القرية خليفته والنائب عنه فإذا حضر المستخلف فهو بالإمامة أولى. وإن كانت ممن لا تجب (١) فيها الجمعة لم يجمع بهم لأنه مسافر والقوم حاضرون والجمعة ساقطة عنهم. وإن جمع بهم فقولان: أحدهما: أنها لا تصح له ولا لهم، والثاني: أنها تصح له دونهم. قال الأشياخ: وهذا على الخلاف فيمن جهر في صلاته متعمداً هل تصح أم لا؟ لأن هذا الإمام مسافر، فصلاته ركعتان لكنها سرية وقد جهر. ويغلب على ظني أني رأيت في المنتخبة ليحيى بن عمر (٢) قولاً

стр. 607

ثالثاً أنها تجزيه وتجزيهم. فهذا مما ينظر فيه. فإن صح وظهرت صحته فهو إما بناء على أن الإمام وطنه حيث ما حل، وإما بناء على وجوب الجمعة في الأصل وإنما سقطت تخفيفاً عن المسافرين ومن في معناهم من القاطنين (١) بمكان (٢) [لا يمكنهم مداومة إلزامه (٣)، والاستغناء] (٤) عن غيره. ... فصل (الركن الثاني شروط الأداء) وأما شروط الأداء فهي خمسة: إمام، وجماعة، وموضع الاستيطان، وجامع، وخطبة. (الشرط الأول: الإمام) فأما الإمام فقد قدمنا في الركن الأول حكم من تجب عليه الجمعة عندنا في الأصل، ومن لا تجب عليه، والخلاف في صحة إمامته، ويشترط فيها ما يشترط في الإمامة لسائر الصلوات. وليس من شروطه عندنا أعلى المشهور] (٥) أن يكون إماماً تؤدى إليه الطاعة، أو مولىّ من قبل إمام. وقد قال مالك:"لله فروض في أرضه لا يسقطها، وليَهَا إمام، أو لم يَلِهَا، منها الجمعة" (٦). ومذهب محمد بن مسلمة ويحيى بن عمر اشتراط الإمام الذي تؤدى إليه الطاعة. قال يحيي بن عمر (٧): ويخاف جانبه. وقال محمد بن مسلمة: أو مولى من قبل الإمام.

стр. 608

والأصل في هذا الخلاف فيها أو في ما يأتي بعدها أن الجمعة وقعت في ابتداء الإسلام في مصر بإمام تؤدى إليه الطاعة وخطبة وجامع. وهذا يحتمل أن يكون اتفاقًا، ويحتمل أن يكون مقصودا إليه. وقد اختلف في أفعاله ﷺ هل تحمل على الوجوب إلا ما قام الدليل أنه ندب، أو تحمل على الندب إلا ما قام الدليل أنه واجب. (الشرط الثاني: الجماعة) وأما الجماعة فلا خلاف في اشتراطها على الجملة. وهل هي محدودة أم لا؟ في المذهب قولان: المشهور أنها غير محدودة بعدد، لكن لا يجزي منها اثنان ولا ثلاثة ولا أربعة وما في معنى ذلك. والشاذ أنها محدودة بعدد. وما هو؟ قولان: أحدهما: ثلاثون، وقد روي حديث في هذا التحديد (١) وإن لم تكن فيه شروط الصحة. والثاني: أنها خمسون (٢)، وهذا تحديد على مقدار تتقرى بهم القرية ويمكنهم فيها مداومة الثوى (٣)، ويستغنون عن غيرهم ويحصل بجماعتهم إقامة أبهة الإسلام في موضعهم. وهل يشترط في الجماعة المشار إليها كونهم فيمن تلزمهم الجمعة وتنعقد بهم وإن كانوا لا تلزمهم ابتداء لكن تنوب لهم كالصبيان والعبيد ومن في معناهم من المسافرين؟ في المذهب قولان. وهما على ما قدمناه من

стр. 609

سقوطها عنهم في الأصل ولا تنعقد بهم، أو تجب عليهم (١) لكن سقطت للأعذار، وهذا في غير الصبيان. ولعلَّ الخلاف في الصبيان على ما قدمناه في تعلق (٢) الوجوب عليهم بحسب حالهم، أو لأن المراعى وجود الجماعة في الجملة (٣). وهل يشترط بقاء الجماعة إلى إكمال الصلاة، أو يشترط انعقاد ركعة بهم؟ في المذهب قولان: المشهور اشتراط ذلك إلى الكمال, لأن شروط الصلاة إذا وجبت في الابتداء وجبت في الانتهاء كالطهارة وستر العورة واستقبال القبلة. والشاذ الاكتفاء بذلك في ركعة قياساً على المسبوق. (الشرط الثالث: موضع الاستيطان) وأما موضع الاستيطان فإنه شرط في الجمعة، وهل شرط ذلك الموضع أن يكون مصراً؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يشترط ذلك، بل يجمع في القرى إذا كانت على الصفة المتقدمة من إمكان الثوى والاستغناء لمراعاة العدد كما تقدم آنفًا. وهذا الخلاف على ما قدمنا في الالتفات إلى إقامة الرسول ﵇. وهل يحصل ذلك بالإقامة وإن لم يكن الاستيطان؟ حكى أبو الوليد الباجي قولين، ومثاله قرية خالية مرَّ بها جماعة تنعقد بهم الجمعة ونووا الإقامة شهرًا فهل يجمعون أم لا؟ قولان (٤). وحكى عن ابن القاسم أنهم يجمعون. ولا شك أن المعروف من المذهب أنهم لا يجمعون. وإذا صحَّ كون الموضع ممن تلزم أهله الجمعة، فهل يلزم ما قاربهم من القاطنين شهودها؟ أما من قرب حتى يكون ممن يسمع النداء غالبًا فيلزمه ذلك. وحَدَّه أهل المذهب بثلاثة أميال وما قاربها. ولا يلزم من بَعُد إلا أن

стр. 610

يشاء شهودها فتجزيه عن ظهره. وهل يشترط هذا المقدار من المنار أو من سور المصر؟ وقع في المذهب قولان. وإذا كان المعول على سماع الأذان فينبغي أن يحال على الوجوب (١) ويراعى موضع المنار. ويظهر أن المقصود شهود من يشتمل عليه (٢) حكم المصر، ويتكرر في حاجته حتى يكون كالساكن فيه. وهذا يحصل لمن كان على المقدار المذكور. ويراعى في ذلك بعده من السور لا من المنار. (حكم السفر يوم الجمعة) وهل يجوز للمخاطب بالجمعة أن ينشئ السفر قبل شهودها؟ أما ما لم يطلع الفجر من يوم الجمعة فذلك جائز له بلا خلاف. وأما إذا زالت الشمس فذلك ممنوع بلا خلاف في المذهب. وذكر أبو الحسن قولاً بالكراهية وعوَّل فيه على اختلاف الرواية كشأنه في الاستقراء من المحتملات. ويمكن تنزيل الرواية على ما قبل الزوال. وأما ما بين طلوع الفجر إلى الزوال فالمذهب على قولين: الكراهية، لما يفوته من فضيلة الجمعة، والجواز, لأنه حينئذ غير مخاطب. ولو أنشا السفر فحضر الوقت قبل أن يجاوز ثلاثة أميال فقال الباجي: مقتضى المذهب لزوم الجمعة؛ وفيه نظر لأنه رفض الإقامة وحصل له حكم السفر فعلاً ونية. وعكس هذا أن يكون مسافراً فيقدم إلى وطنه فهل يلزمه شهود الجمعة؟ أما من لم يصل الظهر فإنه يؤمر بشهودها بلا خلاف [إذا أدرك منها ركعة] (٣)، وأما من صلاَّها [ظهراً ثم دخل من سفره قبل صلاة الجمعة، فاختلف فيه على] (٤) ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يلزمه شهود الجمعة إذا أدرك منها ركعة. والثاني: أنه لا يلزمه، وقد أدَّى فرضه. والثالث: قول سحنون:

стр. 611

إنه إن صلاها وقد بقي بينه وبين موضعه ثلاثة أميال فأقل فإنه يلزمه شهود الجمعة، وإن كان فوق ذلك فلا يلزمه. فنظر في الأول إلى كونه مخاطباً بالإدراكة للجمعة، وفي الثاني إلى وقوع الصلاة في السفر وقد أدَّى فرضه. ويلتفت في هذين إلى تعلق الوجوب بأول الوقت أو بآخره. ونظر في الثالث إلى قدر المسافة؛ فإن كانت مما لا يسقط شهود الجمعة لم يكتف بالصلاة الأولى، وبالعكس فيكتفي. (الشرط الرابع: الجامع) وأما الجامع فهو من شروط الأداء. وحكى أبو الوليد الباجي نفي الخلاف في ذلك إلا ما ذكره القزويني (١) عن أبي بكر الصالحين (٢) من ذكر الخلاف في اشتراطه وأنكر هذه الحكاية، وذكر أن الصالحي هذا غير معروف. قال: وإنما عوَّل على ما في المدونة من حكايته ابن القاسم أن مالكًا ﵀ قال مرة في صفة القرية التي يجمع فيها, إنها المتصلة البنيان التي فيها الأسواق، ومرة لم يذكر الأسواق (٣). ولم يذكر في القولين المسجد، وذلك دليل على أنه غير مشروط وعول أبو الوليد الباجي على أن مقصده في هذه الرواية صفة القرية التي يجمع فيها، وهي من شروط الأداء. إلا أنه ذكر جميع الشروط، والجامع شرط [غير] (٤) متعلق بصفة القرية. وإذا ثبت اشتراط الجامع فمن شرطه (٥) البناء المخصوص. ويضاف

стр. 612

إلى ذلك كونه مما يجمع فيه. وأما المساجد التي لا تؤدى فيها الجمعة فلا تكون شرطا في الأداء ولا تقام الجمعة فيها. ولو طرأ على الناس ما يمنعهم إقامة الجمعة في المسجد المعتاد فلا تجزيهم إقامتها في غيره من المساجد إلا أن يعولوا على إدامة الإقامة فيه فحينئذ يحصل له حكم الجامع المشروط في الجمعة. ولا تؤدى في جامعين [في بلد واحد] (١) إلا أن يكون المصر كبيرًا [جداً بحيث يكون الجامع الواحد لا يسع الناس للصلاة، ويكون بينهم ثلاثة أميال] (٢). فظاهر المذهب فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كمصر صغير، والثاني: إجازة الإقامة في الجامعين، والثالث أنه إن كان ذا جانبين أو جوانب وبينهما نهر وما في معناه مما يتكلف فيه المشقة إذا قطع، جاز إقامتها في موضعين أو في مواضع بحسب الحاجة. وإن لم يكن كذلك فليس إلا كونه كالصغير. وهذا كله تجويز على غير احتياج إلى إقامتها في موضعين. فإن ظهرت ضرورة إلى ذلك جاز، وإلا منع. وإلى هذا ترجع الأقوال. وإذا اشترطنا إقامتها في موضع واحد وكان بالقرب من المصر موضع فيه قوم مستوطنون، لهم حكم الاستقلال بأنفسهم، وأرادوا أن يجمعوا في موضعهم؛ فإن كان بين الموضعين ثلاثة أميال فأقل رجع إلى ما حكيناه في المصر الكبير، فإن قلنا باتحاد موضع الجمع لم (٣) يجمعوا، وإن أجزنا الجمع في موضعين جمع هؤلاء. وإن كانت المسافة أكثر من ذلك كان لهم أن يجمعوا في جامعهم. وكم مقدار هذه المسافة؟ ثلاثة أقوال: أحدها: ما فوق الثلاثة أميال، وهذا نظر إلى كون الجمعة (٤) لا تلزمهم. والثاني: ستة أميال، وهذا نظر إلى أن

стр. 613

لكل مسجد مقداراً وهو كالحريم، فيلزم منه إتيان الجمعة وهو (١) ثلاثة أميال. فيحصل من تقدير ذلك للمسجدين (٢) ستة أميال. والثالث: أنه البريد، وهو (٣) التفات إلى حصول ما يشعر بانقطاع أحد المسجدين عن الآخر. وتحديد البريد تقريب [لذلك لا مسافة التحقيق. وهل تجزئ الجمعة على ظهر المسجد؟ في المذهب قولان: المشهور عدم الإجزاء، إذ ذلك] (٤) الموضع لا يحصل له البناء المخصوص. والشاذ الصحة، إذ حرمة أعلى المسجد كحرمة أسفله. ولا شك في عدم الإجزاء في المواضع المنقطعة من المسجد إذا لم تتصل الصفوف. فإن اتصلت وضاق المسجد بأهله ولم تكن تلك المواضع محجورة بالملك صحت صلاة من صلى بها. وإذا لم يضق المسجد واتصلت الصفوف وكان الموضع قريبًا كالأفنية، ففي المذهب قولان: المشهور صحة الصلاة، والشاذ عدم صحتها. وهذا على الخلاف فيما قرب الشيء هل له حكمه أم لا؟ وإن كانت المواضع محجورة ففي المذهب قولان أيضًا: نفي الصحة، وهو المشهور, لأنها بالحجر منقطعة عن المسجد. والشاذ الحكم بالصحة، للقرب والاتصال. واحتج قائل ذلك بما ثبت من صلاة الجمعة في حجر أزواج النبي- ﷺ -كعمرو وهي محجورة بالملك، ورأى في المشهور أن حكمها حكم المسجد، وعلى هذا بنيت. (الشرط الخامس: الخطبة) وأما الخطبة ففي كونها فرضاً قولان. فإن قلنا بفرضيتها كانت شرطاً في الأداء، وإن قلنا بنفي الفرضية كانت سنة وليست فرضاً. والخلاف في هذا على ما قدمناه من النظر إلى فعل الرسول ﵇. فإن قلنا بأنها

стр. 614

شرط فهل تشترط فيها الطهارة الصغرى؟ قولان. وهما على ما قدمناه؛ فمن نفى الاشتراط عوَّل على أنها ذكر وقراءة فلا يشترط الوضوء لذلك، ومن أثبته عول (١) على أنها بدل عن الركعتين في الظهر، وقد احتج لفرضيتها بقوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٢). قال الناقلون: إنه قائم في الخطبة فذمهم على الهروب عنه ﷺ -في حال الخطبة. وذلك يدل على وجوبها ولا يستقل [من] (٣) هذا دليل، إلا على أن (٤) الهروب حينئذ غير جائز. وأما وجوب الخطبة فلا يظهر منه. وهل من شرطها حضور الجماعة لها؟ قال القاضي أبو محمد وغيره من البغداديين: مقتضى المذهب اشتراطه مع عدم النص عليه. واستقرأه أبو الوليد الباجي من المدونة من قول مالك ﵀: ولا تجزئ الجمعة إلا بالجماعة والإمام يخطب (٥). ولا شك أن مقتضى هذا اللفظ في اللسان ما قاله, لأن قوله: والإمام يخطب، معناه: الحال. فيكون بجماعة في حال خطبة الإمام. وهذا لو عوَّل عليه من كلام صاحب الشرع لكان له وجه. ولا يخفى أن ألفاظ المدونة لا يعول فيها على مثل هذا. على أن ظاهر المسألة من أولها يشهد بخلاف ما قال، ولأنه قال في الإمام يخطب فيهرب الناس عنه ولا يبقى معه إلا الواحد أو الاثنان وما لا عدد له من الجماعة وهو في خطبته أو بعد ما فرغ منها: أنهم إن لم يرجعوا إليه [فيصلي بهم (٦) الجمعة، صلى ظهراً أربعاً. قال: لأن الجمعة لا تكون إلا بالجماعة والإمام يخطب. فظاهر هذا أنهم إن لم يرجعوا إليه] لم يصل بهم الجمعة. فهذا يشهد بأن الجماعة مشروطة في الصلاة لا في الخطبة، على أننا لا ننازعه في أن اللفظ محتمل لما قال.

стр. 615

ولا خلاف أن الخطبة إذا اشتملت على حمد الله تعالى [والثناء عليه] (١) والصلاة على نبيه ﵇ وشيء من الوعظ ومن تلاوة القرآن أنها مجزية. ولا يوجد في المذهب نص على اشتراط خطبتين حتى لا يجوز دونهما. وحكى أبو الحسن اللخمي في ذلك قولين (٢). وهذا لو ساعدته الروايات لكان له وجه, لأن الرسول ﵇ خطب خطبتين، فيجري على ما قدمناه من الالتفات إلى أفعاله. وإن أتى منها بما لا بال له، مثل أن يقول الحمد لله وشبهَه فهل يجزي؟ قولان. والرجوع في ذلك إلى لسان العرب، ولا شك أن مثل هذا المقدار لا يسمى خطبة. فصل (الركن الثالث: صفة الأداء، والأعذار المبيحة للتخلف عنها) وأما الركن الثالث وهو صفة (٣) الأداء وحكم الأعذار، فنذكر ما يفعل في الجمعة (٤) من فاتحة أمرها إلى خاتمته. (حكم الغسل يوم الجمعة) أجمعت الأمة على أن الغسل والطيب مشروعان لها. وأن الغسل آكد من الطيب. وقد ثبت عنه- ﷺ أنه قال:"غُسْلُ الجمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلمِ" (٥)، وفي بعض الطرق: "عَلَى كُلِّ مُسلِم" (٦). وهذه الألفاظ صريحة في الوجوب. والمذهب كله على أنه سنة لا واجب. وحكى أبو الحسن اللخمي عن أبي جعفر (٧)

стр. 616

أنه حكى (١) اختلاف أصحابنا في غسل الجمعة فقال بعضهم: سنة مؤكدة لا يجوز تركها إلا بعذر، وقال بعضهم: مستحب. وعوَّل على أن المذهب مختلف في وجوبه، أخذا من حكاية أبي جعفر هذه (٢). وليست صريحة في الوجوب كما ظنه، بل ظاهرها على غير الوجوب. وإنما يؤخذ من هذا أن المذهب على قولين: أحدهما: أن الغسل سنة، والثاني: مستحب. وهكذا قال أبو الحسن اللخمي في كتاب الطهارة. وقد يقال: إن ما حكاه أبو جعفر يقتضي الوجوب. وقوله: سنة، أي مما علم (٣) وجوبه بالسنة، كقول سحنون (٤) إن الوضوء من البول سنة، يريد: مما علم وجوبه بالسنة، وليس من قبل المندوبات. ولا شك أن ذلك محتمل، لكن الأظهر الأول. وإنما خرج فقهاء الأمصار عن ظواهر تلك (٥) الألفاظ المتقدمة المقتضية للوجوب بما ثبت من قوله ﵇ في الجمعة:"لَوِ اغْتَسَلْتُمْ" (٦). وهذا لفظ يشعر بنفي الوجوب، إذ لا يقال في الواجب لو فعلت. ولقوله ﵇:"مَنْ تَوَضأَ لِلْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أَفْضَلُ" (٧). وهذا نص صريح في إسقاط الوجوب، وهو أيضاً يقصده القائل بالاستحباب. وبما ثبت من قول عمر ﵁ للداخل وهو يخطب "أي ساعة هذه؟ فقال ما زدت على أن توضأت، فقال عمر ﵁:

стр. 617

الوضوء أيضًا، وقد علمت أن الرسول ﵇ أمر بالغسل" (١) ثم لم يأمره بالخروج ليغتسل. وكان ذلك والصحابة متوافرون ولم ينكر منهم أحد. وهذا عند بعض الأصوليين كالإجماع. واختلفوا في الداخل من هو؟ فقيل عثمان، وقيل غيره. وإذا قلنا إن الغسل سنة فمتى يُفعل؟ لم يختلف المذهب أنه إذا اغتسل قبل الفجر أنه لا يجزيه، وإذا اغتسل [بعد الفجر] (٢) ثم راح إلى الصلاة فلا خلاف أيضًا أنه يجزيه. وإن اغتسل بعد الفجر وأخر رواحه إلى الزوال فهل يجزيه أم لا؟ في المذهب قولان: نفي الإجزاء وهو المشهور، والشاذ إثباته. وهو خلاف في حال هل يزول الغسل في هذا المقدار من الزمان أم لا؟ وأراد أبو الحسن اللخمي أن يجعل المذهب على ثلاثة أقوال: [القولان اللذان تقدما] (٣)،والثالث: أن الغسل لا يجزي إلا أن يتصل بالرواح إذا راح بعد الزوال لا في أول النهار (٤).وهذا الذي قاله في الرواح لا يجزيه، وإنما أخذه من قول مالك: إن المشي إلى الجمعة لا ينبغي أن يكون أول النهار. وهذا الذي قلناه في الرواح إذا كانت مسافته إلى الجامع قريبة، فإن بعدت حتى يزول أثر الغسل فعلى المشهور من المذهب أنه يؤمر بإعادته، وعلى مذهب ابن وهب القائل بالإجزاء أنه بعد الفجر يجزيه. واختلف هل يغلب على غسل الجمعة حكم النظافة فلا يفتقر إلى نية ويجزئ بالماء المضاف إلى الرياحين والطيب، وهذا هو الشاذ. أو يغلب

стр. 618

عليه حكم العبادة ويفتقر إلى النية ولا يجزي إلا بالماء المطهر (١)، وهذا هو المشهور. ولا شك أن المقصود الأول من هذا الغسل النظافة، لكنه مشروع وإن كان المكلف أنظف الناس بدناً وأطيبهم ريحاً. فالالتفات إلى أصله يقتضي تغليب النظافة وإلى استرساله إلى سائر المكلفين يقتضي [تغليب] (٢) العبادة. (استحباب التبكير للجمعة) وقد ثبت عنه ﵇ أنه قال: "من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه" الحديث كما ورد (٣). واختلف المذهب هل أراد الساعة السادسة (٤) فيكون الرواح من أول النهار؟ أو هي ساعة قدرها الشرع عقيب الزوال؟ وهذا هو المشهور من المذهب. والأول قول ابن حبيب. ولفظ الرواح يقتضي القول المشهور لأن المشي (٥) قبل الزوال لا يسمى رواحاً. وقوله:"الساعة الأولى" يقتضي قول ابن حبيب. ولا بد من التجويز في أحد اللفظين. وقد احتج فيها للمشهور بأن قول ابن حبيب يقتضي أن تكون الصلاة قبل الزوال لأن الرسول ﷺ -جعل آخر الرواح الساعة السادسة؛ قال:"إذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" والساعة السادسة هي قبل الزوال لا بعده. وهذا الذي قلناه في الرواح بعد الزوال جاز في

стр. 619

حق من يمكنه إدراك الجمعة إذا راح حينئذ. وأما من لا يمكنه إلا بالرواح قبل ذلك، فيجب عليه الرواح متى علم أنه لو أخر لفاتته الجمعة. ولا تفوت عندنا إلا بأن يرفع الإمام رأسه من الركعة الثانية، ولكن لا يجوز لكل الناس التراخي إلى هذا المقدار. ولا بدّ من افتتاح الصلاة بجماعة تنعقد بهم الجمعة وقد قدمنا حكم اشتراط الجماعة في حضور الخطبة. (تحريم البيع وقت تعين السعي للجمعة) وإذا تعين السعي حرم البيع وما في معناه من الاشتغال على كل من تجب عليه الجمعة. فإن وقع البيع حينئذ هل يقضي أو يفسخ؟ في المذهب قولان، وهما على الخلاف في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ وإذا قلنا يفسخ [فإن فات] (١) فهل يمضي بالثمن أو تكون فيه القيمة؟ في المذهب قولان. ومضيه بالثمن إذ لا فساد في ثمنه ولا مثمونه، وإنما يرجع إلى القيمة لأنها عوض من عينه، فالرجوع إلى ما تراضوا به من الثمن أولى من مضيه بالقيمة, لأنه متى أمضيناه بالثمن [كانا متممين العقد] (٢) الفاسد. والقيمة جعلتها الشريعة عوضا من ردّ العين. وإذا قلنا: إن فيه القيمة فمتى تكون؟ قولان: أحدهما: وقت القبض، وإن وقع في وقت يحرم فيه البيع ويقدر جواز البيع حينئذ. والثاني: أنه بعد انقضاء الصلاة، إذ لا قيمة شرعية في وقت النداء إلى انقضاء الصلاة. وثمرة هذا الخلاف لو اختلفت الأسواق فيما بين الوقتين. وهل تنزل سائر العقود كالنكاح والصلح والخلع وما في معنى ذلك منزلة البيع في التحريم؟ لا شك في نزولها منزلته لأنها مشغلة، والمفهوم من الآية قطعًا تحريم المشغلات، وذكر البيع لأنه السبب الذي نزلت فيه الآية وهو الشغل في الأكثر.

стр. 620

ولكن اختلف في فسخ هذه العقود على القول بفسخ البيع على قولين: أحدهما: أنه يفسخ قياساً على البيع، والثاني: لا يفسخ لأنها مشبهة به، والمشبه بالشيء دونه في المرتبة. قال الأشياخ: هكذا يجري الأمر في الصلوات وغيرها من العبادات إذا تعيَّن وقتها واشتغل عنها ببيع أو غيره. وهذا فيه نظر, لأن الشريعة شأنها الالتفات إلى الكليات وحماية الذرائع ومنع المشغلات وهذا يظهر في الجمعة. وأما ما سواها فصوره نادرة. والصور النادرة لا يعلق (١) عليها مثل هذه العقوبات كفسخ البيع وما في معناه. قال الأشياخ أيضًا: ومما ينخرط في مثل البيع الشرب من السقاء بعد النداء إذا كان بثمن، وإن لم يدفع إليه الثمن في الحال. وهذا الذي قالوه ظاهر ما لم تدع إلى الشرب ضرورة. (النداء للجمعة) وللجمعة نداء وهو المشروع في زمان الرسول ﵇، وهو عند جلوس الإمام على المنبر. ولما كثرت العمارة في أحوال المدينة أمر عثمان ﵁ بالنداء عند الزوال ليأخذ الناس في الأهبة إلى الصلاة والسعي إليها. والأحكام تتعلق بالنداء الثاني لا بالأول. وإذا خرج الإمام فلا خلاف أن [المشروع له] (٢) يسلم على الناس عند خروجه من المقصورة. وإذا صعد على المنبر فهل يسوغ له أن يسلم على الناس؟ في المذهب قولان: المشهور: أنه لا يسلم لاشتغاله بما هو أهم مما صرف إليه. والثاني: أنه يسلم لأنه بموضع يبصره من لا يبصره أولاً، ويسلم على الجميع ثم يجلس. ولا خلاف في الجلوس الأول في خطبة الجمعة، وأما غير ذلك من الخطب كالاستسقاء والعيدين ففيها قولان: أحدهما: الأمر بالجلوس قياساً على الجمعة. والثاني: نفيه؛ لأن الجمعة إنما جلس في أول الخطبة انتظاراً للفراغ من الأذان، وهاهنا لا أذان ينتظره. لكن الجلوس أولى إذ به تسكن

стр. 621

حواس الخطيب (١) ويمكنه المقصود من الوقار (٢). (حكم النافلة وتحية المسجد بعد صعود الخطيب المنبر) ولا خلاف عندنا أن النافلة تمنع بصعود الخطيب على المنبر، وفي المذهب قولان: هل تمنع بخروجه من موضعه قاصد إلى الصعود، فلا شك أن امتناعها قبل أخذه في الخطبة حماية للذريعة. والظاهر أن (٣) الحماية للذريعة لا تتعدى إلى خروجه، وإنما يمكن أن يتعلق على صعود المنبر. فإذا صلى فصل النافلة في الوقت الذي ذكرنا أنه ممنوع فهل يقطع أو يتمادى؟ في المذهب قولان، وهما على مراعاة الخلاف؛ فمن لم يراعه أمر بالقطع، ومن راعاه أمر بالتمادي. وقد كان الشيخ أبو القاسم السيوري [﵀] (٤) يقول (٥) إن الأولى جواز الركوع لداخل المسجد (٦) وإن كان الإمام في الخطبة، لما ثبت عنه ﷺ -أنه [أمر] (٧) الداخل وهو يخطب بالركوع (٨)،وما ذكره أصحابنا من أن الداخل [كان صعلوكاً وهو رجل] (٩) فقير رث الهيئة فأراد رسول الله ﷺ -أن يبصر (١٠) حاله فيتصدق عليه [يرده ما وقع في بعض الطرق من قوله ﵇: "إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس وإن كان الإمام يخطب", لكن هذا لم [يقطع

стр. 622

به] (١) في بعض الطرق (٢) وبين الأصوليين خلاف في انفراد العدل بالزيادة هل تقبل أم لا؟ (حكم الكلام بعد افتتاح الخطبة) ولا يمنع الكلام بصعود الإمام على المنبر حتى يفتح الخطبة، فإذا افتتحها حرم الكلام إلا أن يكون مجاوبة للإمام. والأصل في ذلك قوله- ﷺ :" إذا قال أحدكم لصاحبه أنصت والإمام يخطب فقد لغا" (٣).وهذه مبالغة في منع الكلام, لأن المراد بالإنصات أمر بالمعروف، فإذا عُدَّ لغواً فأحرى أن يعد غيره من الكلام لغواً. وإذا تقرر ذلك قلنا بعده: لا يخلو أن يتكلم الإنسان في حال الخطبة بالقرآن والذكر أو بغيرهما؛ فإن كان كلامه قرآناً أو ذكرًا وطال فإنه ممنوع لأن فيه اشتغال عن الإنصات للخطبة، وإن لم يطل فإنه جائز، والأولى تركه [خوفاً من أن يستدرجه إلى ما هو أكثر ويشغله ذلك عن الخطبة. وهذا إذا أسر به] (٤) ,وإن جهر فقولان: الكراهية, لأن فيه اشتغالاً عن السماع واشتغالاً بغيره. والجواز، ليسارته وهو من جنس المسموع. وإن كان كلامه بغير هذين فإنه ممنوع على كل الأحوال. وينسحب حكم المنع على حالة جلوس الإمام بين الخطبتين، إذ لو أبحنا (٥) الكلام حينئذ لأمكن تماديه إلى قيام حال الإمام إلى الخطبة الثانية. فإذا لغا الإمام بسب (٦) أحد وذكر ما لا يجوز ذكره له، فهل يحرم الكلام

стр. 623

حماية للذريعة، أو يجوز لأنه أخذ فيما لا يلزم (١) استماعه؟ في المذهب قولان. ويلزم من لا يسمع الخطبة من الصمت ما يلزم سامعها لانسحاب حكم السماع عليه. فإن تكلم أحد فلا يأمره من سمعه بالصمت نطقاً. وفيه ورد الحديث. وله أن يشير إليه بذلك. ويستحب للإمام في حال خطبته أن يتوكأ على قوس أو عصا وما في معنا ذلك. وبه استمر العمل. وفيه شغل عن العبث باليدين. ويخطب قائمًا وإن جلس عصى (٢). وقد قدمنا ما يجزئ من الخطبة. ولا تقع الخطبة قبل الزوال، فإن فعل كان كمن لم يخطب. وقد قدمنا القولين هل هي فرض أو سنة فيجري إجزاء الصلاة بعد الخطبة قبل الزوال على ما تقدم من ذلك؟ ولا تقدم الصلاة عن الخطبة، فإن فعل كان أيضاً كمن لم يخطب. ولو أكمل الخطبة ثم وصله كتاب عزله قبل الصلاة فهل يعيد المولى الخطبة؟ أو يجتزي بما تقدم؟ في المذهب قولان. خرجه (٣) أصحابنا على الخلاف في النسخ متى يكون؛ هل وقت النزول والحصول، أو وقت البلاغ (٤)؟ فإن قلنا: إن النسخ وقت النزول أعاد الخطبة، وإن قلنا: إنه وقت البلوغ لم يعد. وإذا حققنا هذا التعليل وقلنا بطرده لزم إعادة الصلاة وإن أكملها على القول بأن النسخ من وقت النزول. وإنما حقيقة الأمر في هذه المسألة أن يجري على كون الخطبة كالجزء من الصلاة فلا يصح أن يخطب إمامًا ويصلي غيره إلا عند الضرورة التي توجب الاستخلاف، أو يقال إن الخطبة ذكر منفصل عن الصلاة فكيفما حصل أجزى. وإذا قلنا بإعادة الخطبة فلم يعدها حتى صلى؛ فإن لم يراع الخلاف كان بمنزلة من صلى بغير خطبة، ولو راعينا الخلاف صحت الصلاة.

стр. 624

وإذا أكمل الإمام الخطبة وأقيمت الصلاة لم يحرم الكلام حينئذ عندنا، لأن منعه من حين الخطبة لاشتغاله عن الاستماع. (عدد ركعات الجمعة) ومعلوم أن صلاة الجمعة ركعتان، فإن صليت أربعاً فإن كان عمداً فلا شك في بطلانها، وإن كان سهواً جرى على القولين فيمن زاد على الصلاة الثنائية مثلها. وإن تصور أن يكون جاهلاً جرى على القولين في الجاهل؛ هل حكمه حكم الناسي، أو حكم العامد؟ (ما يقرأ في الجمعة وحكم الإسرار به) والقراءة فيها جهراً، فإن أسر جرى على ما قدمناه في حكم من أسر في الصلاة الجهرية. واستحب أن يقرأ فيها في الركعة الأولى (سورة الجمعة) بعد (فاتحة الكتاب) لما فيها من أحكام الجمعة، فإن لم يفعل فلا شيء عليه. وأما الركعة الثانية فاستحب مالك ﵀ مرة: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، ومرة (سورة الأعلى). وحكي أن قوما يقرأون (سورة المنافقين). وقد روي ذلك عن رسول الله ﷺ (١). وبالجملة لا تحديد (٢) في ذلك.

стр. 625

(وقت الجمعة) وأول وقت الجمعة عند فقهاء الأمصار إذا زالت الشمس. وما روي أن الصحابة كانوا يقيلون قائلة الضحى بعد صلاة الجمعة (١) لا يقتضي أنها تؤدى قبل الزوال. بل معناه أنهم كانوا يؤخرون القائلة المعتادة في سائر الأيام حتى يأتون بها بعد صلاة الجمعة. والمستحب أن تصلى بعد الزوال من غير تأخير اقتداء بالرسول ﵇. فإذا اشتد الحرّ فهل يبرد بها كسائر الأيام؟ في المذهب قولان. وسبب الخلاف النظر إلى فعله ﵇، ولم يرو أنه كان يبرد. والنظر إلى عموم قوله- ﷺ : "إِذا اشتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْردُوا بِالصَّلاَةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ من فَيْح جَهَنَّم" (٢). واختلف في آخر وقتها التي تفوت لفواتها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الوقت المختار للظهر، والثاني: آخر وقت الضرورة للظهر, والثالث: أنه ما لم يبق بعد كمالها أربع ركعات للعصر. ومرَّ بنا على ما قدمناه من الالتفات إلى فعل الرسول ﵇. ولا شك أنه لم يأت بها بعد القامة [أو] (٣) قياساً على الظهر في سائر الأيام. وهو يرجع أيضًا إلى الخلاف؛ هل هي صلاة مستقلة بنفسها، أو بدل عن الظهر. وأما النظر إلى بقاء أربع ركعات للعصر، فيكاد أن (٤) يكون لا وجه له إلا أن يقال هي صلاة تفتقر إلى خطبة وجماعة (٥)، وفي ذلك بعض التطويل. وإذا أخرت عن هذا المقدار لم يكن أداؤها على هيأتها المشروعة. والمستحب إيجاز الخطبة واختصارها وإكمال الصلاة، وفي الحديث

стр. 626

أن ذلك [من فقه الإمام] (١). (الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة) وقد قدمنا حكم شروط الوجوب والأداء ولا شك أنها متى تعذرت (٢) أو أحدها: سقطت الجمعة. وقد تسقط لغير ذلك من الأعذار. ويجمعها الخوف (٣) على النفس أو على المال أو الاشتغال بما يتوجه (٤) الاشتغال به. ومثال الخوف على النفس أن يخاف في سعيه أو حضوره من غاصب ولصوص وما في معناهم. ومتى تحقق الخوف على نفسه بذلك سقطت الجمعة عنه بإجماع. وكذلك إن خاف منهم على ماله أو مال غيره. وإما الاشتغال بما يتوجه عليه كاشتغاله بالقيام على مريض يقرب منه ويحاذر أن يموت في غيبته. وقد اختلف في مسائل هل [تنتهض] (٥) عذرا أم لا؟ منها مسألة العروس، تأتي الجمعةُ وهو في أسبوعه؛ فالمشهور من المذهب أنه يخرج إليها، والشاذ إسقاطها عنه. وأراد أبو الحسمن اللخمي أن يجعل القول بالسقوط على القول بأن الجمعة فرض على الكفاية لا على الأعيان (٦). وهذا لا يقوله أحد من أهل المذهب، وإنما يقوله أهل الظاهر وبعض

стр. 627

أصحاب الشافعي، وجمهور الأمة على خلافه. والخلاف في التخلف على مقابلة لزوم حق المرأة ولزوم فرض الجمعة. ومنها: إذا اشتدّ المطر وكثر الوحل هل تسقط الجمعة لذلك أم لا؟ قولان. وهما على خلاف في حال؛ فإن أكثر ذلك وبعدت الطريق حتى يكون السعي إليها حرجاً سقطت، وإن كان الأمر بالعكس لم تسقط. ومنها: اتفاق العيد والجمعة. واختلف هل للإمام أن يأذن لمن شهد العيد ممن بعدت داره عن محل الجمعة وإن كانت تلزمه فيكتفي بشهود العيد. والمشهور أنه لا يأذن في ذلك ولا ينتفع بإذنه [إن فعل. والشاذ] (١) صحة إذنه. وقد أذن عثمان بن عفان ﵁ لأهل العوالى في التخلف (٢). وهو أيضًا خلاف في حال هل يؤدي رجوعهم إلى أمكنتهم ثم عودتهم إلى الجمعة إلى مشقة أم لا؟ ومنها: أن يقيم الحاج بمكة مدة يحصل بها حكم إتمام الصلاة فتأتي الجمعة يوم التروية؛ ففيه قولان: المشهور وجوب شهود الجمعة، والشاذ أنه يخرج فيصلي ظهراً. وهو خلاف في مقابلة الجمعة بما أمروا به من المناسك. فإن لم يقم (٣) ما يوجب إتمام الصلاة، فلا خلاف أنه لا يلزمه شهود الجمعة. ووقع لسحنون فيمن خاف إن شهد الجمعة أن يحبس في دين عليه إنه لا يسقط عنه شهود الجمعة، وسواء كان مليئاً بالدين أو فقيراً (٤). واعترض أبو الحسن اللخمي قوله في الفقير (٥). ولعلَّ سحنون [إنما] (٦) تكلم على

стр. 628

صورة ولم يظهر (١) فقره فيها، وإذا ظهر ترك. أو على صورة يتوجه عليه الحبس لأنه مظهر للفقر. وأما لو تحقق فقره وعلم أنه لو ظهر تحققه لم يترك فلا شك في سقوط الجمعة عنه, لأن هذا من الضرر البيَّن. وألحقوا بالأعذار أن يفقد الأعمى قائداً ولا شك أنه إن لم يمكنه السعي إلا بمن يقوده أو كان عليه في الانفراد مشقة كبيرة فتسقط عنه الجمعة. (حكم من فاتتهم الجمعة) وأما إذا فاتت صلاة الجمعة فهل لمن فاتتهم أن يجمعوا ظهراً؟ إن شئت قلت المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم يجمعون مطلقًا لإدراك فضل الجماعة. والثاني: أنهم لا يجمعون حماية للذريعة لئلا يتخلف أهل البدع فيظهرون أعذارًا ثم يجمعون لأنفسهم. والثالث: أنهم يجمعون إن ظهر العذر، ولا يجمعون إن لم يظهر العذر. لأنهم متى ظهر لم يكن في ذلك تطرقاً لأهل البدع. وإن شئت قلت إن لم يظهر العذر فقولان: [المشهور أنهم لا يجمعون، والشاذ أنهم (٢) يجمعون. وإن ظهر العذر فقولان] (٣): المشهور هاهنا عكس المشهور الأول. (حكم من صلى الجمعة ظهرًا قبل إقامتها) وإذا صلَّى الظهر من تجب عليهم الجمعة قبل إقامتها فقولان: المشهور من المذهب بطلان صلاته ووجوب الإعادة، والشاذ الاكتفاء بها. ويمكن إجراء هذا على الخلاف في النهي؛ هل يدل على (٤) فساد المنهي

стр. 629

عنه، أو على الخلاف في صلاة الجمعة هل هي عوض عن الظهر. فإذا رجع إلى الأصل أجزأه؟ أو هي صلاة قائمة بنفسها فإذا أدَّى الظهر قبل فوات الجمعة كان مصليًا لغير ما وجب عليه؟ وقد نجز (١) غرضنا من أحكام الجمعة بقدر هذا المجموع، ولعل ما قدمنا يأتي على مسائلها تصريحًا وتلويحًا. وبالله التوفيق. ... باب في أحكام صلاة الخوف ولا خلاف أن للخوف تأثيراً في الصلاة على الجملة، وعندنا أنه يؤثر في الهيئة لا في العدد. والمسافر يصلي ركعتين، والحاضر على ما نبيّنه يصلي أربعاً. والخوف على قسمين: (الخوف الذي يمنع من الجمع وأداء الصلاة على هيئتها) قسم يمنع الجمع، ويعجز (٢) عن إكمال الصلاة على هيئتها المعهودة. وذلك بأن يكون من وجب عليه إكمال الصلاة في حال المطاعنة والمضاربة وما في معناه، فهذا يمهل المكلف عندنا حتى إذا خاف فوات الوقت صلى بحسب ما أمكنه، ولا يشترط استقبال القبلة إن لم يمكنه الاستقبال للركوع والسجود، ولا القيام، ولا لزوم موضع واحد، ولا ترك فعل يحتاج إليه من الطعن والضرب والكر والفر، أو قول يفتقر إليه من التنبيه لغيره والتحذير لعدوه إن افتقر إلى ذلك بالجملة بقولِ أو فعلِ كل ما يضطر إليه. ويترك من أحكام الصلاة كل ما هو مضطر إلى تركه، وتجزيه صلاته. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣) ,وما

стр. 630

روي عنه ﷺ -أنه أخَّر الصلاة في يوم الخندق حتى غربت الشمس (١)، فإنما ذلك قبل نزول حكم صلاة الخوف. ويستوي في هذا حكم الحاضر والمسافر. [ولا أعلم بين المتأخرين] (٢) خلافاً في حكم هذه الصلاة على الجملة، وأن الخوف الذي هو صفته مؤثر في الصلاة، وإن اختلفوا في التفاصيل. فإذا افتتحت الصلاة على هذه الصفة لوجود الخوف، ثم ارتفع في أثنائها ولم يبق ما يخاف ولا ما يطلب، فإنهم يتمونها على حالة الكمال وتجزي. ويكون ذلك بمنزلة من افتتح صلاته جالساً (٣) أو مضطجعاً ثم صحَّ في أثنائها. وإن انهزم العدو في أثناء الصلاة فهل يباح إكمالها مع الاشتغال والطلب، أو يشتغل بإكمال الصلاة على هيئتها من غير خوف؟ في المذهب قولان. والظاهر أنها خلاف في حال لا في فقه؛ فإن علم انهزام العدو وأمنت عودته وكان إن ترك لا يخشى [مضرته (٤) في أثناء حال الاشتغال بإكمال الصلاة (٥) وإن لم تؤمن] (٦) عودته أو خيف إن لم يستأصل عودته ومضرته جاز طلبه مع مخالفة هيئة الصلاة. (الخوف الذي يتوقع فيه مضرة العدو) والقسم الثاني خوف يتوقع فيه مضرة (٧) العدو إن اشتغل (٨) الكل

стр. 631

بالصلاة، فإن أرادوا أن يصلوا أفذاذاً فذلك (١) لهم إذا كان الموضع مما [لا] (٢) يشتمل عليه حكم الإمام. وهكذا لو أرادوا أن تصلي طائفة [بإمام وأخرى بإمام] (٣) جاز كما قدمناه. وإن أراد الإمام أن يصلي بالكل جماعة يفرقهم لطائفتين؛ فإن كانوا في سفر، فجمهور العلماء على جواز ذلك على الجملة، والأصل في ذلك فعل الرسول ﵇ وإقتداء الصحابة في بعده. وقد صلاَّها علي وغيره من الصحابة بطائفتين على ما سنذكره. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٤) الآية لا يقتضي عند الجمهور اختصاص الوصول ﵇ بذلك، بل خوطب بهذه الآية الإمام, وكل من كان إمامًا بعده فإنه حالٌّ محله في هذا المعنى. قال ابن القصار: المروي عنه ﷺ أنه صلاها في عشرة مواضع (٥) والذي عوَّل

стр. 632

عليه العلماء وثبت عندهم ثلاثة مواضع: ذات الرقاع (١) وعسفان (٢) وذات النخيل.

стр. 633

وهل يصليها إمام واحد بطائفتين في الحضر؟ في المذهب قولان: المشهور جوازه، والشاذ منعه. وسبب الخلاف ما قدمناه من الخلاف في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١)؛ هل هو قصد عدد، أو قصد هيئة؟ فإن قلنا إنه قصد عدد جاء منه المشهور، وإن قلنا إنه قصد هيئة جاء منه اختصاص السفر بالصلاة والخوف كما في الشاذ. ويحتج هؤلاء بأن الرسول ﷺ لم يصليها كذلك يوم الخندق مع حاجته إلى صلاتها بطائفتين. وقد قدمنا ما قيل بأن ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف. (كيفية الجمع في الخوف) وإذا تقرر ما قلناه وأوجب [الخوف] (٢) منع الجمع إلا أن تكون طائفة مواجهة العدو، فكيف صورة أدائها؟ لا خلاف عندنا أن الإمام يقسم الجيش إلى قسمين فيصلي بالقسم الأول شطر الصلاة إن كانت ثنائية أو رباعية، وبالقسم الثاني شطرها. وإن كانت صلاة ثلاثية كصلاة المغرب صلىَّ الأول ركعتين وبالثاني (٣) ركعة. وإذا صلى بالأول كما قلنا فهل يتمون لأنفسهم أم ينصرفون قبل الإتمام؟ (٤) في المذهب قولان: المشهور أنهم يتمون لأنفسهم ثم ينصرفون وقد كملوا الصلاة. والقول الثاني أنهم ينصرفون قبل أن يكملوا فيكونوا مواجهة العدو وهم في حكم الصلاة. وسبب الخلاف اختلاف الرواية في الحديث عن صلاته ﷺ -في ذات الرقاع، فروى ابن عمر أن الطائفة الأولى لم تكمل إلا بعد صلاة الإمام،

стр. 634

كالقول (١) الشاذ. وروى القاسم بن محمد (٢) ويزيد بن رومان (٣) أنهم أكملوا. والآية محتملة للقولين، فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ (٤) يحتمل أن يريد: سجدوا مع الإمام، ويحتمل أن يريد: سجدوا لأنفسهم. والعبارة بالسجود هاهنا عن إكمال الركعة، وآخر ما يفعل منها السجود. ومن جهة المعنى لأنه لا بدّ من الوقوع في أحد المكروهين؛ إما السلام قبل الإمام وأصول الشريعة تقتضي منعه، وإما العمل من المشي والحراسة والانتظار وأصول الشريعة تقتضي منعه، والنظر إلى التغليب هو مثار الخلاف. وإذا قلنا إنهم يكملون لأنفسهم فإن كانت صلاة [حضر] (٥) أو صلاة المغرب فهل يجلس الإمام حتى تأتي الطائفة الثانية بعد كمال هذه، أو يقوم فينتظرهم قائمًا؟ في المذهب قولان. وسببهما أيضًا تقابل مكروهين. ومنها زيادة جلوس مستغنى عنه أو وقوف كذلك. وإذا قلنا إنه يقوم، فهل يقرأ أو يسبح أو يذكر الله تعالى؟ في المذهب قولان. وهما على ذلك الأصل أيضاً, لأن المشروع افتتاح الصلاة بالقراءة، ومتى فعل (٦) ذلك، فاتت الطائفة الثانية القراءة، ولا بد من الوقوع في أحد

стр. 635

المكروهين. وإن كانت صلاة سفر (١) أو الصبح قام بلا خلاف. ويختلف هل يقرأ أو يسبح (٢) كما قدمنا؟ قال بعض الأشياخ: أما حيث لا تكون القراءة إلا بفاتحة الكتاب فينبغي أن يسبح، لأنه إن لم يفعل ذلك فاتت القراءة جملة. وأما حيث تكون القراءة بأم القرآن وسورة فيفتح بالقراءة, لأنهم يدركون بعضها. وإذا قلنا إنهم لا يكملون، فمتى يكون قضاؤهم اختلف في التأويل عن (٣) أشهب وهو القائل بأنهم لا يكملون فقيل: تقضي الطائفتين إذا أكمل الإمام بالطائفة الثانية ويكون الإمام وحده [مواجهة العدو] (٤)، وقيل تقضي الطائفة الثانية ثم ينصرف فتأتي الأولى فتقضي. وهذا هو الصحيح، ولو لم يفعل ذلك واشتغلت الطائفتان بالقضاء، لخيف معرفة العدو ولم يكن للتفريق فائدة. واختلف على القول بأن الطائفة الأولى تكمل الصلاة ثم تأتي الثانية فيصلي بهم هل يسلم عند انقضاء صلاته، أو ينتظرهم حتى إذا أكملوا سلم بهم؟ وسبب الخلاف اختلاف الروايتين رواية القاسم ورواية يزيد؛ ففي رواية القاسم أنه ﷺ عند إكمال صلاته (٥)، وفي رواية يزيد أنه
следующие страницы →