بالصلاة، فإن أرادوا أن يصلوا أفذاذاً فذلك (١) لهم إذا كان الموضع مما [لا] (٢) يشتمل عليه حكم الإمام. وهكذا لو أرادوا أن تصلي طائفة [بإمام وأخرى بإمام] (٣) جاز كما قدمناه. وإن أراد الإمام أن يصلي بالكل جماعة يفرقهم لطائفتين؛ فإن كانوا في سفر، فجمهور العلماء على جواز ذلك على الجملة، والأصل في ذلك فعل الرسول ﵇ وإقتداء الصحابة في بعده. وقد صلاَّها علي وغيره من الصحابة بطائفتين على ما سنذكره. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٤) الآية لا يقتضي عند الجمهور اختصاص الوصول ﵇ بذلك، بل خوطب بهذه الآية الإمام, وكل من كان إمامًا بعده فإنه حالٌّ محله في هذا المعنى. قال ابن القصار: المروي عنه ﷺ أنه صلاها في عشرة مواضع (٥) والذي عوَّل
стр. 632
عليه العلماء وثبت عندهم ثلاثة مواضع: ذات الرقاع (١) وعسفان (٢) وذات النخيل.
стр. 633
وهل يصليها إمام واحد بطائفتين في الحضر؟ في المذهب قولان: المشهور جوازه، والشاذ منعه.
وسبب الخلاف ما قدمناه من الخلاف في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١)؛ هل هو قصد عدد، أو قصد هيئة؟ فإن قلنا إنه قصد عدد جاء منه المشهور، وإن قلنا إنه قصد هيئة جاء منه اختصاص السفر بالصلاة والخوف كما في الشاذ. ويحتج هؤلاء بأن الرسول ﷺ لم يصليها كذلك يوم الخندق مع حاجته إلى صلاتها بطائفتين. وقد قدمنا ما قيل بأن ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف.
(كيفية الجمع في الخوف)
وإذا تقرر ما قلناه وأوجب [الخوف] (٢) منع الجمع إلا أن تكون طائفة مواجهة العدو، فكيف صورة أدائها؟ لا خلاف عندنا أن الإمام يقسم الجيش إلى قسمين فيصلي بالقسم الأول شطر الصلاة إن كانت ثنائية أو رباعية، وبالقسم الثاني شطرها. وإن كانت صلاة ثلاثية كصلاة المغرب صلىَّ الأول ركعتين وبالثاني (٣) ركعة. وإذا صلى بالأول كما قلنا فهل يتمون لأنفسهم أم ينصرفون قبل الإتمام؟ (٤) في المذهب قولان: المشهور أنهم يتمون لأنفسهم ثم ينصرفون وقد كملوا الصلاة. والقول الثاني أنهم ينصرفون قبل أن يكملوا فيكونوا مواجهة العدو وهم في حكم الصلاة.
وسبب الخلاف اختلاف الرواية في الحديث عن صلاته ﷺ -في ذات الرقاع، فروى ابن عمر أن الطائفة الأولى لم تكمل إلا بعد صلاة الإمام،
стр. 634
كالقول (١) الشاذ. وروى القاسم بن محمد (٢) ويزيد بن رومان (٣) أنهم أكملوا. والآية محتملة للقولين، فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ (٤) يحتمل أن يريد: سجدوا مع الإمام، ويحتمل أن يريد: سجدوا لأنفسهم. والعبارة بالسجود هاهنا عن إكمال الركعة، وآخر ما يفعل منها السجود.
ومن جهة المعنى لأنه لا بدّ من الوقوع في أحد المكروهين؛ إما السلام قبل الإمام وأصول الشريعة تقتضي منعه، وإما العمل من المشي والحراسة والانتظار وأصول الشريعة تقتضي منعه، والنظر إلى التغليب هو مثار الخلاف.
وإذا قلنا إنهم يكملون لأنفسهم فإن كانت صلاة [حضر] (٥) أو صلاة المغرب فهل يجلس الإمام حتى تأتي الطائفة الثانية بعد كمال هذه، أو يقوم فينتظرهم قائمًا؟ في المذهب قولان. وسببهما أيضًا تقابل مكروهين. ومنها زيادة جلوس مستغنى عنه أو وقوف كذلك.
وإذا قلنا إنه يقوم، فهل يقرأ أو يسبح أو يذكر الله تعالى؟ في المذهب قولان. وهما على ذلك الأصل أيضاً, لأن المشروع افتتاح الصلاة بالقراءة، ومتى فعل (٦) ذلك، فاتت الطائفة الثانية القراءة، ولا بد من الوقوع في أحد
стр. 635
المكروهين. وإن كانت صلاة سفر (١) أو الصبح قام بلا خلاف.
ويختلف هل يقرأ أو يسبح (٢) كما قدمنا؟ قال بعض الأشياخ: أما حيث لا تكون القراءة إلا بفاتحة الكتاب فينبغي أن يسبح، لأنه إن لم يفعل ذلك فاتت القراءة جملة. وأما حيث تكون القراءة بأم القرآن وسورة فيفتح بالقراءة, لأنهم يدركون بعضها.
وإذا قلنا إنهم لا يكملون، فمتى يكون قضاؤهم اختلف في التأويل عن (٣) أشهب وهو القائل بأنهم لا يكملون فقيل: تقضي الطائفتين إذا أكمل الإمام بالطائفة الثانية ويكون الإمام وحده [مواجهة العدو] (٤)، وقيل تقضي الطائفة الثانية ثم ينصرف فتأتي الأولى فتقضي. وهذا هو الصحيح، ولو لم يفعل ذلك واشتغلت الطائفتان بالقضاء، لخيف معرفة العدو ولم يكن للتفريق فائدة.
واختلف على القول بأن الطائفة الأولى تكمل الصلاة ثم تأتي الثانية فيصلي بهم هل يسلم عند انقضاء صلاته، أو ينتظرهم حتى إذا أكملوا سلم بهم؟
وسبب الخلاف اختلاف الروايتين رواية القاسم ورواية يزيد؛ ففي رواية القاسم أنه ﷺ عند إكمال صلاته (٥)، وفي رواية يزيد أنه
стр. 636
انتظرهم (١). والأصل السلام (٢) عند الإكمال، وأما الانتظار فلِيَحْصُلَ لهم من الفضل بسلام الإمام ما حصل للأولين بالإحرام.
(كيف يسجد للسهو في صلاة الخوف)
ولو طرأ في هذه الصلاة سهو؛ فأما على القول إنهم لا يكملون فيكون سجود الجميع بعد السلام (٣) إن كان السجود بعد السلام، فإن كان قبله فتتابعه الطائفة الثانية فيه، وتسجد الأولى إذا كملت لنفسها. وأما على القول بأنهم يكملون فتسجد الطائفة الأولى عند انقضاء صلاتها إن كان قبل، أو بعد السلام إن كان بعد. وأما الطائفة الثانية فعلى رواية القاسم يسجدون مع الإمام إن كان قبل [السلام] (٤) عند انقضاء صلاته، وإن كان بعد، كان حكمهم حكم المسبوق، ويسجد الإمام ولا يسجدون معه إلا بعد أن يكملوا ويسلموا.
وأما على رواية يزيد فإن كان السجود بعد السلام فإذا سلم بهم سجدوا، وإن كان قبل فالمنصوص أنه يسجد (٥) بهم عند إكماله. وأجراه أبو الحسن اللخمي على الخلاف في المسبوق المستخلف هل يسجد بهم عند انقضاء صلاة الإمام أو عند انقضاء صلاته؟ وهذا ليس من هذا الباب لأن الخلاف في مسألة المستخلف على تغليب حكم الإمام الأول وحكم الإمام الثاني، وهاهنا لا حكم إلا لإمام واحد، وإنما أخر السلام لتنال الطائفة الثانية فضل السلام معه، فكأنه إنما سلم بعد صلاته.
(بعض فروع هذا الباب)
هذا أصل الكلام في صلاة الخوف على المذهب وفاقاً وخلافاً. وينظر
стр. 637
بعده في فروع منها: لو خولفت (١) هذه الرواية (٢) فصلى المغرب بثلاث طوائف، صلت معه كل طائفة بركعة. أو صلى في الحضر الصلاة الرباعية بأربع طوائف بكل طائفة ركعة.
فأما الطائفة الأولى في المغرب (٣) والطائفة الثانية في الرباعية فصلاتهم باطلة باتفاق أهل المذهب. وهذا لأنهم وجب عليهم أن يأتوا بالركعة الأخرى مقتدين فأتوا بها أفذاذاً من غير عذر يطرأ على إمامهم، وذلك مما يبطل الصلاة.
وأما الإمام والطائفة الثانية في المغرب وفي الصلاة الرباعية والرابعة في الصلاة الرباعية ففي صحة صلاتهم قولان: أحدهما: أنها صحيحة, لأنهم كالمسبوقين في صلاة الخوف. والثاني: أنها باطلة، لمخالفتهم سنة الصلاة.
ومنها: لو اجتمع على بعض القضاء والبناء، بأيهما يبدأ؟ وقد قدمنا ذلك مستوفياً في باب الرعاف، وذكرنا ما فيه من الخلاف. لكن اختلف في مدرك الركعة الثانية من المغرب أو من (٤) الصلاة الرباعية في الحضر هل يقوم للقضاء أو البناء (٥) إذا تمت الطائفة الأولى؟ أو يمهل بالقضاء حتى يفرغ الإمام من سائر صلاته، إذ لا يمكن القضاء إلا بعد سلام الإمام؟ في ذلك قولان.
ومنها: لو صلى بالطائفة الأولى فأحدث (٦) حتى افتقر إلى الاستخلاف، فإن كان قد كمل صلاة الطائفة الأولى فإنه لا يستخلف لأن حكم إمامته على (٧) المقتدين به قد انقضى، وإنما [يجدد] (٨) الإمام بالطائفة الثانية فلا
стр. 638
يستخلف قبل حصول كونه إمامًا. وإن كان لم يكملا صلاته بالطائفة الأولى فإنه يستخلف لبقاء حكم الإمامة.
ومنها: لو صلى بالطائفه الأولى مع وجود الخوف فذهب الخوف؛ فهل للطائفة الثانية أن يدخلوا معه لو بقي الخوف؟ في المذهب قولان: أحدهما: صحة دخولهم معه، ويكونون كالمسبوقين. والثاني: [أنهم لا] (١) يدخلون معه, لأنهم إنما عوَّلوا على الاقتداء به ما دام الخوف باقياً، فإذا ذهب الخوف فهو خلاف ما عوَّلوا عليه أولاً، ويتم بالطائفة الأولى إن كانت لم تفعل لأنفسها شيئًا, فإن فعلت أمهلت حتى يصلي الإمام لنفسه ما عليه (٢) ثم يقتدوا به إن كان بقي عليها (٣) من صلاتها شيء.
ومنها: لو طرأ (٤) الخوف ثم انكشف الغيب بعدمه فالمنصوص من المذهب صحة الصلاة وإسقاط الإعادة. واستحب ابن المواز الإعادة في الوقت؛ وقد يقال: يجري الخلاف في الإعادة بعد (٥) الوقت على الخلاف في الاجتهاد هل يرفع الخطأ أم لا؟ ولعلَّ هذا لم يقل به أحد من أهل المذهب, لأنهم ما صلوا الخوف إلا وهم مجوزون بالخوف فلا يأمنون عودته وإن انكشف خلافه. وعكس هذا لو صلى بهم صلاة أمن فطرأ الخوف وهم في الصلاة، فالحكم أن تنقطع طائفة فتكون بوجهة العدو ويصلي الإمام بالذين معه، ثم يصلي على ترتيب صلاة الخوف. وهذا إذا كان لم يشرع في النصف الثاني من الصلاة, وأما إن شرع فيه حتى ركع أو سجد فلا بد من قطع طائفة، ويتم بالأولى وتصلي الطائفة الثانية لنفسها إما أفذاذاً وإما بإمام آخر.
...
стр. 639
باب في صلاة الكسوف
(تعريف الكسوف)
وهي عبارة عن ظلمة أحد المنيرين (١)، الشمس والقمر، أو بعضهما (٢). وقد اختلف في لفظ الكسوف والخسوف، فقيل: هما مترادفان على معنى واحد، وقيل: هما مختلفان. وأختلف على القول بالاختلاف فقيل: الخسوف يختص بالقمر والكسوف بالشمس، وقيل: الخسوف ظلمة جميع الشمس والقمر. والكسوف ظلمة البعض. والتحاكم في هذا إلى [أهل] (٣) اللغة.
(حكم صلاة الكسوف)
ومقصودنا أحكام الصلاة المتعلقة بهذا الحادث. وقد ثبت عن رسول- ﷺ -أنه صلى عند الكسوف فقال:"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته. فإذا رأيتم ذلك بهما فافزعوا إلى الصلاة" (٤)، وفي حديث آخر:"فصلوا وادعوا وتصدقوا" (٥)، إلى ما في هذا المعنى. وقد قدمنا أن الصلاة عند كسوف الشمس سنة وعند خسوف القمر فضيلة. ولا خلاف في كسوف الشمس، وأما خسوف (٦) القمر فأكثر
стр. 640
أهل المذهب على ما قلناه. وقال أبو الحسن اللخمي إنه سنة (١). وقد قدمنا ما يؤخذ (٢) منه سبب الخلاف إن ثبت هذا الخلاف. وقد قال بعض أهل العلم: إن الشريعة أرادت إلحاق صلاة الكسوف وصلاة العيدين بالصلاة الرباعية. لكن قد يؤدي كونها في صفة الرباعية إلى أن يعتقد فرضيتها، فأتت بما يشعر بإلحاقها إلى الرباعية ومخالفتها لها ليعلم أنها مقصرة عن الفروض. ولهذا شرعت صلاة الكسوف ركعتين وجعلت في كل ركعة ركوعين. وشرعت في صلاة العيدين من التكبير عدد ما يستوفي عدد تكبيرات الصلاة الرباعية.
وهذا الذي قاله وإن كان يروق فهو حكاية عن مقصود صاحب الشريعة بما لم ينص عليه، وقد يكون غير مقصود وإنما من محكاة الشريعة حتى تنقاد القلوب إلى العبودية بفعل [ما] (٣) لم يعلم سببه [في صفة صلاة الكسوف] (٤).
(صفة صلاة الكسوف)
وصفة صلاة الكسوف عندنا أن يجمع الإمام الناس. واختلف في موضع الجمع؛ فقيل المسجد، وقيل يبرز لها كالعيدين والاستسقاء. فالأول: التفات إلى الاحترام بالمسجد, لأنها آية كبيرة ولا يؤمن ما يكون عقيبها. والثاني: قياسًا لها على العيدين والاستسقاء، فيفتتح (٥) بهم الصلاة.
واختلف هل يسر القراءة وهو المشهور، أو يجهر بها وهو الشاذ؟
وسبب الخلاف اختلاف الأحاديث؛ فثبت عنه ﷺ أنه جهر في أكثر الطرق، وأنه أسر. واستدلَّ على ذلك بكون الرواة يقدرون مقدار قراءته. ولو جهر لصرحوا بما قرأ به. ولا خلاف في المذهب عندنا أن القراءة
стр. 641
تكون أطول (١) منها في سائر الصلوات (٢). والذي نص في المشهور أنه يقرأ في القيام الأول بسورة البقرة أو نحوها، ثم يرتب [قراءته] (٣) على نحو ترتيب السور. والذي قاله القاضي أبو محمد يطيل طولا لا يضر بمن خلفه. وعدَّ هذا أبو الحسن اللخمي خلافا، (٤) والظاهر أنه ليس بخلاف. ولا ينبغي، أن يطيل إذا أضر (٥)، ولا يقصر إذا لم يضر (٦). وعلى أي حال كانت القراءة فإنه يركع الركوع الأول ويكبر به ثم يطيل ويجعل طوله [دون] (٧) طول قراءته ولا يقرأ في الركوع بل يسبح. وهل يدعو؟ يجري على ما قدمناه من الخلاف في جواز الدعاء في الركوع. ثم يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده، كما يفعل في سائر الصلوات. ويقول المقتدون: ربنا ولك الحمد.
ثم اختلف هل يفتح القيام الثاني بقراءة الفاتحة، أو يتركها ويقرأ السورة؟ فالمشهور أنه يقرأ الفاتحة لأنه قيام بعد ركوع فأشبه القيام إلى الركعة الثانية، والشاذ أنه يقتصر على السورة. وهذا لأن هذا القيام متصل بالقيام الأول، وهو في حكم القيام الواحد. والدليل على ذلك اتفاق أهل المذهب على أن من أدرك القيام الثاني تصح له الركعة ولا قضاء عليه للركوع الأول. ويجعل قراءته في القيام الثاني دون قراءته في القيام الأول. وهكذا يرتب في سائر الصلوات، ويطيل الركوع الثاني، [وهو] (٨) دون الركوع الأول. ثم إذا رفع من الركوع الثاني اعتدل كسائر الصلوات ولم يزد على ذلك ثم يخر للسجود.
واختلف هل يطيله كطول الركوع أو يسجد كسائر سجود النوافل؟ في
стр. 642
المذهب قولان: مذهب الكتاب أنه يطيل، (١) وفي مختصر ابن عبد الحكم لا يطيله.
وسبب الخلاف أن أكثر الأحاديث تقتضي عدم الطول في السجود، وفي بعضها أنه أطال. وقد ذكرنا الاختلاف في زيادة العدل هل يلزم العمل بها أم لا؟ ويفعل في الثانية كما فعله في الأولى، ولا يطيل الجلوس بين السجدتين بلا خلاف أعلمه.
وهذا (٢) الذي قلناه من أنه يفعل في الركعة الثانية ما فعله في الأولى إن بقي الكسوف لم ينجل. فإن انجلى بعد أن كمل الركعة [الأولى] (٣)، فهل يتم الثانية على سنة صلاة الكسوف، أم على سنة صلاة النوافل؟ [في المذهب قولان: أحدهما: أنه يتمها على سنة صلاة الخسوف [وفاقا لما دخل] (٤) عليه، والثاني: أنه يتمها على سنة صلاة النوافل] (٥)،لزوال سبب تغيرها عن حكم النوافل.
وهل يؤمر بهذه الصلاة كل مكلف لقوله- ﷺ "فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاَةِ" (٦)، فعم. أولاً يؤمر بها إلا من تلزمه الجمعة, لأن المقصود بها الاجتماع هكذا ورد في الشريعة الجمع لها في المذهب قولان (٧).
ومتى يجوز فعلها؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: ما لم تزل الشمس، قياساً على الاستسقاء والعيدين. والثاني: ما لم تصل العصر, كسائر النوافل. والثالث: ما لم تصفر الشمس. وقد قدمنا الخلاف في السنن هل تفعل بعد العصر أم لا؟
...
стр. 643
فصل (في صلاة الخسوف)
وأما خسوف القمر فالمذهب على أن الصلاة له كسائر النوافل من غير تغيير. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة تغير على حسب صلاة كسوف الشمس. ولم يثبت عنه ﷺ التغيير من طريق صحيح، لكن جمَعهما في اللفظ، وقال: "فافزعوا إلى الصلاة" كما تقدم. وبين الأصوليين خلاف في الجمع هل يقتضي التشريك في الحكم أم لا.
واختلف هل يجمع لخسوف القمر أو ينهى عن الجمع؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يجمع لاستمرار العمل عليه. والشاذ أنه يجمع قياساً على صلاة كسوف الشمس.
...
باب في صلاة الاستسقاء
ولا خلاف بين الأمة في جواز الاستسقاء بالدعاء إذا احتيج إليه، بل هو مشروع مأمور به. ويؤمر به في كل الأحوال إذا احتيج إليه. وقد استسقى رسول الله ﷺ -في خطبة الجمعة، واستصحى (١) في خطبة ثانية. وأما الاستسقاء بصلاة وخطبة فيختص به مذهبنا. ومذهب الشافعي أنه مشروع. وهو سنة على الجمله (٢). ويكون عند الحاجة إلى الماء للمشقة (٣)، أو يستسقى للثمار والزرع، ويطلب نزول الغيث [لملء العيون والأنهار] (٤)، ويجوز تكراره إن احتيج إلى التكرار.
стр. 644
(صفة الاستسقاء)
ونحن نذكر صفة الاستسقاء من مبتدئه إلى مختتمه [خلافاً ووفاقاً] (١)، وذلك أن الناس إذا افتقروا إلى الماء بما قدمناه فيستحب للإمام أو لمن إليه الأمر أن يأمرهم بالتوبة والنزوع (٢) عن الآثام.
وهل يقدم قبله صيام ثلاثة أيام؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يقدم. واستحبه ابن حبيب. ولا شك أن الصوم من أجلِّ القرب، وإنما كرهه في المشهور على عادته في كراهية التحديد في المواضع التي لم يثبت التحديد بها لئلا يظن أنها فرض أو سنة. فإذا فعل الناس ما أمروا به برز من إليه الصلاة بالناس إلى موضع يجتمعون فيه فيكون في غير المسجد، وهي السنة. ويبرز الناس والإمام على حالة التورع (٣) والسكينة والتضرع، لا مظهرين للزينة، بل بعكسها.
وهل يكبر الإمام في طريقه إلى الموضع الذي يصلي فيه؟ في المذهب قولان المشهور: أنه لا يكبر, لأن التكبير مشروع لإظهار شعار الإسلام، وذلك لائق بالعيدين لا بالاستسقاء. والشاذ أنه يكبر قياسًا على العيدين.
ولا خلاف في خروج من يكلف بالصلاة من الرجال. وأما الأطفال والنساء والبهائم فهل يؤمر بإخراجهم؟ قولان: المشهور أنهم لا يخرجون، إذ من سنتها الصلاة [وخروج غير المتجالة (٤) من النساء عورة] (٥) والشاذ الأمر بخروجهم توسلاً إلى الله تعالى بمن لا ذنب له، وهذا في غير النساء. وأما النساء فلا يختلف في منع خروج من يخاف الفتنة بخروجها.
стр. 645
(حكم استسقاء أهل الكتاب)
وهل يباح الاستسقاء لأهل الكتاب؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يباح، لافتقارهم إلى ما يفتقر إليه المسلمون، ولأن الله تعالى يدر (١) رزقه على المسلم والكافر. والثاني: أنه لا يباح خروجهم, لأنهم أعداء الله، ولا يتوسل إلى الله بهم. وإذا أجزنا خروجهم فهل ينفردون بيوم أو يخرجون مع الناس فيكونوا في ناحية؟ في المذهب قولان. وانفرادهم لما قدمناه من وجه خروجهم، ومنع انفرادهم لئلا يتفق [القدر بسقيهم فيفتتن ضعفاء المسلمين] (٢).
(حكم التنفل بموضع الاستسقاء)
وإذا وصل الناس إلى موضع الاستسقاء فهل يتنفلون قبل الصلاة وبعدها؟ في المذهب قولان: المشهور جواز التنفل، إذ لا مانع منه لا بمحل ولا بوقت. والشاذ كراهيته قياسًا على العيدين.
(صفه هذه العبادة)
وهل يبتدئ الإمام بالصلاة قبل الخطبة أو بالعكس؟ في المذهب قولان: المشهور أنه يبتدئ بالصلاة توسلا إلى الله تعالى بها، وقد روي ذلك عن النبي- ﷺ (٣). والشاذ الابتداء بالخطبة، وقد روي ذلك عن الرسول ﵇ أيضًا (٤)، وقياساً على صلاة الجمعة.
ومن صفة الخطبة؛ القيام والجلوس بين أثنائها كصفة الجمعة. وقد
стр. 646
قدمنا الخلاف في الجلوس في ابتدائها. لكن يكثر في هذه الخطبة من الاستغفار والتضرع. والأصل في الاستغفار قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (٢)، فجعل السقي جزءًا من الاستغفار.
ولا يدعو في هذه الخطبة إلا بكشف ما نزل بهم، لا لأحد من المخلوقين. ويحول رداءه بعد أن يستقبل القبلة بوجهه. ومتى يفعل ذلك؟ في المذهب ثلاثة أقوال (٣): أحدها: أنه بين الخطبتين لئلا يزيد خطبة ثالثة (٤)، [والثاني: أنه في أثناء الخطبة الثانية لا بعد تمام الخطبة، والثالث] (٥): أنه بعد إكمال الخطبتين لئلا يقطع خطبته بعمل ليس من جنسها.
ومن يحول رداءه؟ لا خلاف أن الإمام يفعل ذلك، والمشهور أن من وراءه من الرجال يفعلون ذلك. وقال الليث بن سعد (٦): يكتفي بذلك الإمام، لما روي أن الرسول ﷺ فعل ذلك في تحويل ردائه (٧).
ولا يحول النساء أرديتهن، إذ فيه كشف (٨) لهن. وهذا التحويل تفاؤلاً
стр. 647
بالانتقال من الجدب إلى الخصب. وصفة التحويل؛ يخفض (١) الحاشية التي على رأسه أو على كتفه ويود ما يلي جسده من ردائه إلى جهة السماء، وبالعكس ما يلي السماء. فإذا فعل ذلك فقد أكمل الاستسقاء.
(ماالعمل إذا اجتمع الخسوف والاستسقاء والعيد والجمعة)
وإن افتقر إلى إعادته أعيد لما تقدم. وقد نزل (٢) أبو محمد عبد الحق حكم اجتماع الخسوف والاستسقاء والعيد وصلاة الجمعة. وهذا الذي ذكره في الخسوف تأباه العادة عند من تعلق بحساب المنجمين، لأن خسوف الشمس لا يكون على استمرار العادة إلا في يوم تسعة وعشرين من الشهر، وهذا واضح عند أهل الحساب العارفين بهذا الشأن وهذا الذي قاله نزل مثله الشافعي، واعتذر عنه أبو حامد الغزالي بوجهين: أحدهما: أنه تكلم على ما يقتضيه الشرع والعقل غير ملتفت إلى ما يقتضيه حساب المنجمين. والثاني: أنه عرف العادة في ذلك، لأنه تكلم على ما يقتضيه الفقه لو كان يتأتى الوقوع (٣). وذكر أبو محمد عبد الحق في حكم الاجتماع الابتداء بصلاة الخسوف (٤) لئلا تتجلى الشمس، ثم بالعيدين، ثم بالجمعة، ويترك الاستسقاء إلى الغد. لأن حكم العيدين والجمعة إظهار الزينة والمباهاة، وحكم الاستسقاء بالعكس، ولا يجمع بينهم.
(وقت الاستسقاء)
واختلف هل يجوز الاستسقاء بعد الزوال وبعد الغروب؟ والمشهور (٥) من المذهب أنه لا يجوز قياساً على العيدين، والشاذ جوازه في كل وقت
стр. 648
[تجوز فيه الصلاة؛ لأنه صلاة] (١) ودعاء فيجوز في كل وقت على ما ذكرناه
...
باب في صلاة العيدين وما يتعلق بهما
(حكمها)
وهي سنة عندنا لا فرض كفاية. وقد قيل: إنها المراد بقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ (٣). ولا يبعد أن يقال إنها فرض على الكفاية، لأنها إظهار لشعائر الإسلام وإقامة أبهته. وإذا قيل إن الأذان فرض لإظهار شعائر الإسلام، فكذلك تكون هذه, لأن المذهب كما قدمناه. وإذا ثبت ذلك فمن يؤمر بها؟ أما من تلزمه الجمعة فلا خلاف أنهم مأمورون بها. وأما من لا تلزمهم؛ ففي المذهب قولان: أحدهما: أنهم مأمورون بها لأنها نافلة اليوم، والثاني: أنهم غير مأمورين بها لأن معناها لا يحصل إلا بالجمع كالجمعة. وإذا قلنا بأنهم غير مأمورين بها فهل يستحب لهم فعلها أم يكره؟ في المذهب قولان: أحدهما: استحبابه, لأن أقل أمورها أن تكون كالنافلة. وإنما فيها زيادة تكبير. والثاني: أنه مكروه, لأنها صلاة معتبرة تحصل فائدتها مع الجماعة لا للفذ، فيكره فعلها كما تمنع صلاة الجمعة إلا مع الجماعة. والكراهية في هذه لأنها سنة، والمنع في ذلك لأنها فرض.
(مكان إقامتها)
وإذا توجه الأمر بها فهل تقام في المسجد أو في خارج البلد؟ أما
стр. 649
سائر أهل الآفاق فسنتهم أن يقيموها (١) خارج البلد إلا من ضرورة, لأنها أبهة [الإسلام ومحاسن الشريعة] (٢). وأما أهل مكة فيقيمونها في المسجد لئلا يخرجوا عن الحرم. والحرم أفضل من خارجه.
وسنتها أن تقام في موضع واحد من المصر، ولا تقام في موضعين ولا أكثر, لأن المطلوب بها المباهاة وإظهار شرف الإسلام وقوة شوكته كالجمعة. وإذا خرج الناس إليها فالمستحب لمن يدرك الصلاة بخروجه بعد طلوع الشمس ألا يخرج قبلها. والمستحب للإمام أن يخرج لها بقدر ما إذا بلغ موضعها حلَّت الصلاة.
وإذا صليت خارج البلد فلا يتنفل قبلها ولا بعدها. وإن صليت في المسجد فثلاثة أقوال: أحدها: منع التنفل، قياساً على المصلى. والثاني: جوازه, لأنه محل النافلة. والثالث: جوازه بعد لا قبل، محاذرة من تطويل النافلة حتى يفوت وقت الصلاة المستحب.
(بعض أحكام سنة صلاة العيدين)
ومن خرج بعد طلوع الشمس أكثر في طريقه تكبيراً يسمع نفسه ومن يليه، ليقتدى به، فإن خرج قبل الطلوع فهل يكبر؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يكبر إن خرج قبل صلاة الفجر, لأن المشروع التكبير في الطريق إليها. والثاني: أنه يكبر إذا أسفر بعد لا قبله، اقتداء بأهل المشعر الحرام. والثالث: أنه لا يكبر إلا بعد طلوع الشمس, لأنه الوارد عن السلف.
ويخرج الإمام من طريق ويرجع في ثان، وهكذا يستحب لغيره من الناس. وقد كان الرسول- ﷺ يفعله (٣)، وقيل في تأويل ذلك معان كثيرة:
стр. 650
منها أنه يقصد التهيب للكفار، ومنها أنه يقصد مساواة الطريقين فلا فضل سيره فيهما، ومنها أنه يقصد التصدق على أهل الموضعين، ومنها أنه كان ﷺ يسأل في طريقه عن الشرائع فأراد حصول العلم إلى أهل الطريقين، إلى غير ذلك من التأويلات التي في معنى هذا. ويحتمل أن يقصد أحدها أو جميعها.
والمستحب في هذه والاستسقاء والجمعة أن يمضي ماشياً، لأنه قاصد إلى الله تعالى. فإذا عاد، فله أن يركب. وإذا وصل وحلَّت الصلاه بدأ بها قبل الخطبة، وهي السنة. وإنما بدأ بالخطبة بنو أمية لمعان قصدوها لسنا لذكرها. وقد أنكرها أبو سعيد الخدري (١) على مروان (٢) والقصة مشهورة (٣).
والمستحب أن يأتي الصلاة (٤) إذا طلعت الشمس وابيضت، ولا ينبغي
стр. 651
تأخيرها عن ذلك. ويقطع الناس التكبير بخروج الإمام. واختلف المتأخرون هل بخروجه في محل العبد ماضياً إلى الصلاة، أو بعد حلوله في محل صلاته؟ وقد قدمنا الخلاف في قطع النافلة يوم الجمعة، وهذا نحوه.
وإذا استوى الإمام في محله الذي يصلي فيه افتتح الصلاة كما يفتتح سائر الصلوات, فيكبر (١) في الأولى سبعاً بتكبيرة الإحرام، والثانية ستاً بتكبيرة القيام، ويوالي بين التكبير بحسب ما يكبر المقتدون به، ثم يقرأ في الأولى بـ (سبح) ونحوها، وفي الثانية بـ (الشمس وضحاها)، بعد قراءة أم الكتاب (٢) فيهما. وقد روي عن الرسول ﵇ أنه كان يقرأ بذلك (٣) وروي عنه أنه كان يقرأ في الأولى بعد أم القرآن بـ (ق)، وفي الثانية بـ (اقتربت الساعة) (٤). ولا بأس [بذلك إن لم يخش] (٥) التطويل.
فإن لم يكبر حتى قرأ، فإن ذكر [قبل أن يركع] (٦) أعاد التكبير. وهل يعيد القراءة؟ في المذهب قولان. وقد تقدما، وإذا أعاد التكبير، فهل يسجد أم لا؟ قولان. فإن لم يذكر حتى ركع ولم يرفع رأسه، جرى على الخلاف في عقد الركعة ما هو؟ وإن رفع رأسه تمادى، وجرى سجوده على الخلاف في ترك الأقوال قبل السلام، ويكبر المقتدون به.
فإن أتى المسبوق (٧) بعد أن أكمل التكبير، فهل التكبير في حال قراءة
стр. 652
الإمام؟ قولان: أحدهما: أنه يكبر في حال قراءة الإمام، إذ لا (١) مخالفة للإمام في ذلك، وإن لم يفعل فاته التكبير. والثاني: أنه لا يكبر بل يشتغل بالسماع، قياسًا على ما يفوته من أفعال الإمام وأقواله، فإنه لا يشتغل بتلافيها. وإن أدركه في التشهد كبر وجلس (٢). فإذا قام بعد سلام الإمام، فهل يكبر ستًا لأنه كبّر للإحرام، أو سبعًا لأنّ المشروع في [غير] (٣) صلاة العيد أن يقوم بتكبير؟ في المذهب قولان.
فإذا أكمل الصلاة صعد الإمام على المنبر إن كان هناك منبر. والأولى في الاستسقاء أن يخطب على الأرض لقصد الذلة والخضوع. ولا بأس في العيدين باتخاذ المنابر كما فعله عثمان ﵁ (٤) , لأن المقصود فيها إقامة أبهة الإسلام. ويفتتح الخطبة بالتكبير. وهل هو محصور؟ لا خلاف أنه لا يلزم حصره، لكن في المستحب منه قولان: قيل لا عدد له، وقيل بل عدده سبع. ثم يكبر في أثناء خطبته. وهل يكبر الناس بتكبيره أم لا؟ قولان: أحدهما: أنهم يكبرون كما يفعلون في دبر الصلوات في أيام التشريق. والثاني: أنهم لا يكبرون، بل يشتغلون بالسماع كخطبة الجمعة. وتكون الخطبة بعد حمد الله والصلاة على نبيه مشتملة على تعليم أحكام العيد، وما يشرع فيه من واجب ومستحب.
وإن خطب قبل الصلاة استحب له الإعادة. فإن لم يعد أجزأ وبئس ما صنع في تركه السنة.
وإن زالت الشمس ولم يصل العيد فلا تقضى غدًا, لأن القضاء يفتقر إلى أمر ثان على الصحيح عند الأصوليين، ولم يرد. وأيضاً قياسًا على صلاة الجمعة إذا ذهب وقتها.
...
стр. 653
فصل (مشروعية التكبير في أيام التشريق)
والتكبير مشروع في أيام التشريق، وهي أيام النحر. أما لأهل منى ففي سائر الأوقات. وأما لغيرهم فمشروع دبر الصلوات. وفي جوازه في سائر الأوقات قولان: المشهور: أنه غير مشروع، لاستمرار العمل في ذلك. والثاني: أنه مشروع، اقتداء بأهل منى. ولا خلاف عندنا أن أوله صلاة الظهر [يوم النحر] (١). واختلف في آخره؛ فقيل: صلاة الصبح من اليوم الرابع من يوم النحر. وقيل: صلاة الظهر. وهذا راجع إلى النقل، وقد استمر العمل في المدينة [بالأول] (٢). وإذا نسي صلاة من أيام التشريق فذكرها، فهل يكبر بعدها أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه يكبر على حسب ما كان (٣) يؤديها. والثاني: أنه لا يكبر، إذ أوان التكبير فات.
وصفة التكبير إن شاء أن يقول الله أكبر، ثلاثًا. وإن شاء أضاف إلى ذلك التهليل والتحميد، فكل ذلك لا يمنع (٤)، ولم ترد سنة بتحديده. ولنحل الصلاة بعرفة على كتاب الحج.
стр. 654
كتاب الجنائز
قال الإمام الفقيه الجليل أبو الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير مؤلفه رحمة الله عليه (١):
وقد كانت الرتبة أن يبتدأ بما يفعل في حق الميت من حين احتضاره إلى حين إكمال مواراته، لكن نترك ذلك لمحاذاة مسائل الكتاب ما أمكن.
(حكم توجيه الميت إلى القبلة وتلقينه الشهادة والقراءة عليه)
وقد اختلف المذهب في توجيه الميت إلى القبله عند الاحتضار؛ فأستحب، وكره. ولا معنى لكراهية ذلك إلا خوف (٢) التحديد خوفاً أن يظن أنه من الفروض أو من السنن. وإذا قلنا بالتوجيه فهل يوجه على ظهره أو على جنبه الأيمن؟ قولان كما قدمناه [فى صلاة المضطجع المريض. ويستحب تلقينه الشهادة لقوله ﷺ :لقنوا موتاكم شهادة ألا إله إلا الله" (٣)، ولقوله: "مَن كَانَ آخِرُ كلاَمِهِ لاَ إِلهَ إلاَّ اللهُ دَخَل الْجَنَّةَ" (٤). وهل يستحب
стр. 655
أن يقرأ عند (١) المحتضر شيئاً من القرآن كسورة (يس)، أو ما في معناها؟ قولان أيضًا: الجواز، والكراهة لما قدمناه من] (٢) كراهية التحديد.
وإنما بدأنا بهذا لما كان غير مذكور في الكتاب. ولنأخذ في أحكام الصلاة على الميت، وهي تنحصر في مقدمة وثلاثة فصول.
(حكم الصلاة على الميت)
أما المقدمة؛ فقد اختلف المذهب في الصلاة على الميت هل هي فرض كفاية أو سنة؟ وسبب الخلاف أمره ﷺ بالصلاة وفعله (٣). وقد اختلف الأصوليون هل يحملان على الوجوب أو على الندب. واحتج محمد بن عبد الحكم لوجوب الصلاة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ (٤). وإذا حرمت الصلاة على غير المؤمنين وجب ضدها، وهو الصلاة على المؤمنين, لأن النهي عن الشيء أمر بضده. وتعقب هذا أبو الحسن اللخمي بأن النهي عن الشيء أمر بضده (٥) إذا كان له ضد واحد، وإلا متى كانت له أضداد فلا يكون النهي أمر بالضد. قال: وترك الصلاة على غير المؤمنين لها أضداد. وعدَّ من أضدادها إباحة الصلاة على المؤمنين، والندب إلى ذلك، والوجوب. وإذا ثبت النهي في حق غير المؤمنين أمكن أن يكون محمولاً على أحد أضداده في حق المؤمنين. إما الندب أو الإباحة أو الوجوب (٦). فهذه غلطة فاحشة لأن الضد في (٧)
стр. 656
الحقيقة إنما هو الأمر، فإن كان النهي مقتضيًا للتحريمِ كان الأمر مقتضياً لضده، وضد التحريم الوجوب (١). وإن كان النهي مقتضياً للكراهة كان الأمر مقتضيًا للندب. ولو قال إن النهي [عن الصلاة] (٢) على غير المؤمنين ضدها الأمر في حقهم لكان مصيباً. على أن الصحيح عند أبي المعالي ﵀ ومن حقق تحقيقه، أن الأمر بالشيء لا يكون نهيًا عن ضده، ولا بالعكس. وتحقيق هذا محال على [فن الأصول] (٣).
واحتج من قال بإسقاط الوجوب يكون الصلاة على الجنازة جزءًا من أجزاء الصلاة، فلم يكن واجبًا قياسًا على سجود السهو والتلاوة. وهذا قياس شبه، وبين الأصوليين في قبوله خلاف.
وإذا تقررت هذه المقدمة قلنا بعدها: النظر في الصلاة على الموتى ينحصر في ثلاثة فصول: أحدها: من يصلى عليه، والثاني: صفة الصلاة، والثالث: من أحق بها.
فصل (من يصلى عليه ومن لا يصلى عليه)
فأما من يصلى عليه؟ فإن الآدمي على الجملة تشرع الصلاة عليه، إلا أن يمنع منها مانع. والمانع قسمان: كمال، ونقص.
(تفصيل في الصلاة على الشهداء)
فأما الكمال فهو الشهادة في حرب الكفار. وقد ثبت عنه ﷺ أنه لم يصل على شهداء أحد (٤). وقيل في علة ذلك: إن الله تعالى أخبر أن
стр. 657
الشهيد حي يرزق. فترك الصلاة عليه تحقيق لكونه حيًا، إذ لا يصلى على الحي. هذا إذا كان المسلمون هم الفائزون. وأما إن غزا المشركون بلاد (١) المسلمين واستشهد بعض المسلمين، فهل يصلى عليهم؟ في المذهب قولان: المشهور (٢) أنهم كالأولين لا يصلى عليهم لتساويهم في معنى الشهادة. والشاذ أنه يصلى عليهم. ووجهه أن هؤلاء يدافعون عن أنفسهم، فلم يلحقوا في الفضيلة بمن غزا الكفار مختاراً. فإن احتج على هذا القول بأن غزوة أحد كان المشركون هم الغازون لهم، فالجواب أن الرسول- ﷺ ومن معه من المسلمين لم يقيموا في أوطانهم، بل خرجوا منها إلى ملاقاة العدو. وقيل: إن قاتلوا فقتلوا حكم لهم (٣) بالشهادة، وإن وجدهم الكفار نياماً فقتلوهم لم يحكم لهم بالشهادة.
وهذا إذا مات القتيل في المعترك فلم تكن له حياة بعده، فإن حيي بعده حياة متيقنة ولم تنفذ مقاتله كان كحكم من يصلى عليه من غير الشهداء، وإن أنفذت مقاتله فلم يحي حياة متيقنة كان كالشهداء في المعترك، وإن أشكل أمره ففيه قولان: أحدهما: أنه يصلى عليه, لأن الأصل الأمر بالصلاة، إلا أن يثبت الموت من الشهادة، وهذا مشكوك في حكمه. والثاني: أنه لا يصلى عليه, لأن الظاهر موته من الطارئ عليه في المعترك حتى يثبت خلافه. وفي المذهب قول ثالث أنه لا تترك الصلاة عليه، إلا أن يموت في المعترك. وأما إن بقيت به حياة بعده فإنه يلحق بسائر الموتى. ويمكن أن يرى هذا أن الحديث إنما جاء فيمن مات في المعترك خاصة، أو يرى أنه لا يقطع بالموت من الشهادة إلا لمن مات في المعترك دون غيره. فيرجع إلى التقسيم الأول، وهذا إذا لم يكن جنبا.
فإن كان جنباً فهل يغسل؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه لا
стр. 658
يغسل، لقوله ﷺ :"زَمّلُوهُمْ فِي ثيَابِهِمْ" (١)، والثاني: أنه يغسل لإخباره ﷺ عن حنظله بن أسيد (٢) أن الملائكة غسلته، وكان يعرف بنوه ببني غسيل (٣) الملائكة. وسئل عن علة غسله فقيل: إنه كان جنبًا (٤).
(تحريم الصلاة على الكفار وتفصيل القول في أبنائهم)
وأما النقص المانع من الصلاة فهو على أربعة أقسام أحدها: ما يرجع إلى الاعتقاد. ولا يصلي على الكفار بالإجماع. وأما أولاد الكفار، فإن كان معهم أباؤهم ألحقوا بهم، [فإن لم يكن معهم الآباء حكم لولدهم الذين لم يعقلوا دينهم (٥) بالإسلام] (٦).وإن أسلم الأب حكم لولده الذي لم يعقل دينه بالإسلام. وأما إن أسلمت الأم فهل يحكم لهم بالإسلام؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يحكم لهم بذلك لأن الدين معناه التعصيب، ولا تعصيب للأم. والشاذ أنه يحكم لهم بالإسلام، لأنها أحد الأبوين، فأشبهت الأب, وقياساً على الحرية والرق.
فإن لم يكن معهم آباؤهم وولدوا في ملك أهل الإسلام، فهل يحكم بإسلامهم؟ قولان: أحدهما: أنه يحكم بإسلامهم لقوله ﷺ "كُلُّ مَوْلُودِ
стр. 659
يُولَدُ عَلَى الْفِطرَةِ فأَبوَاهُ يهَودانِهِ أَوْ يُنَصَّرَانِه" (١)، وقيل: لا يحكم بإسلامهم. والفطرة في الحديث معناها السلامة (٢) من دين من الأديان [الرديئة] (٣). ويكون معنى الحديث على هذا أن كل مولود فهو مهيأ لقبول كل دين. وعلى القول الأول المراد بالفطرة الملة الحنيفية.
فإن ولد بين أبويه فاشتراه مسلم، فهل يحكم له بالإسلام بملك المسلم له؟ في المذهب قولان: المشهور: أنه لا يحكم له بذلك حتى تظهر منه علامة تدل على قبوله الإسلام، والشاذ رواية معن (٤) بن عيسى (٥) في بعض رواية المدونة: يحكم له بالإسلام. فالأول نظر إلى أنه [غير] (٦) متدين بدين، فلم يحكم بإسلامه (٧)، وهو غير مسلم قطعًا. والثاني: نظر إلى مالكه (٨) , لأنه إذا لم يعقل دينه فمعلوم بالعادة تدينه بالإسلام. وهكذا يحكم في كبار المجوس من الأعاجم الذين يعلم بالعادة تدينهم بدين ملاكهم.
وعكس هذا لو ارتد أحد من أولاد المسلمين قبل البلوغ، ففي الحكم له بما ارتد إليه قولان: أحدهما: أنه لا يحكم له بذلك, لأنه يجبر على الرجوع إلى الإسلام بمآله إليه، والثاني: أنه يحكم له بذلك نظرًا إلى
стр. 660
الحال. وقد يلتفت إلى هذا على خلاف الأصوليين في الصبي قبل البلوغ فهل يحكم له بالعقل أم لا؟
ولو أسلم بعض أولاد الكفار قبل بلوغهم وهم بين أبويهم، ففي قبول إسلامهم قولان، وهما عكس ما قدمناه. وكل من حكمنا بإسلامه أجريناه على حكم المسلمين في الصلاة عليه، وأكل ذبيحته [ووطء الأمة] (١) إلى غير ذلك من أحكام الإسلام.
وأما الخوارج، فقد قدمنا خلاف المذهب في كفرهم أو فسقهم. فإن حكمنا لهم بالكفر لم يصل عليهم وجروا على حكم الكفار، وإن حكمنا بفسقهم أمرنا بالامتناع من الصلاة عليهم تأديباً لهم. فإن خيف أن يضيعوا صلي عليهم وفعل بهم ما يفعل بالمسلم.
(الصلاة على العصاة ومن قتل حدّاً)
والقسم الثاني ما يرجع من النقص إلى الجوارح وهي المعاصي، فينبغي لأهل الفضل أن يجتنبوا الصلاة على مظهري الكبائر ليرتدع بذلك أمثالهم. وأما من قتله الإمام في حدّ فإن كان حده دون القتل لكنه مات منه جازت الصلاة عليه، ولا يجتنب إلا أن يكون مظهراً للكبائر فيرجع إلى ما قدمناه. وإن كان حده القتل فهل يجوز للإمام المتولي حده الصلاة عليه؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يصلي عليه. وقال محمد بن عبد الحكم يصلي عليه. واحتج بأن الرسول ﵇ صلى على ماعز والغامدية وقد قتلهما في حد الزنا (٢). وعلل المشهور بأن الصلاة عليهم للإمام مناقضة للحكم بقتله [ويشفع فيه] (٣).
(حكم الصلاة على السقط)
والقسم الثالث ما يرجع إلى عدم الحياة وهو السقط، فلا يصلى عليه
стр. 661
إذا لم تعلم حياته بعد خروجه، فإن علمت صلي عليه. وهذا لأنه إذا لم تعلم حياته [لا يحكم له بالموت، ونحن إنما نصلي على الموتى.
وبأي شيء تعلم حياته؟] (١) أما الصراخ فيحكم بحياة من وجد منه. وأما الحركة؛ فإن قلت فكانت كالاختلاج فلا يحكم بالحياة لمن وجدت منه، وإن كثرت فظاهر المذهب على قولين. وكذلك اختلف في العطاس والرضاع. وأصل هذا أن كل حالة يقطع بها أنها لا تكون إلا من حي، فلا يختلف فيها. وكذلك كل حالة قد تكون من غير الحي، فلا يحكم بحياة من وجدت منه. ومع الإشكال فالأصل عدم الحياة. والخلاف فيما قدمناه خلاف في حال؛ هل يوجد بعضه من غير حي، أو لا يوجد إلا من حي؟
(حكم الصلاة على بعض أجزاء الميت)
القسم الرابع نقص الجسد بأن يوجد بعضه؟ فإن وجد جله صلي عليه بلا خلاف، إلا عند ابن حبيب أنه قال لو كان مقطعاً فإنه لا يصلي عليه. وعلَّل بأن الصلاة لا تكون إلا بعد الغسل، وهذا لا يمكن غسله.
وإن كان أقله [أو بعضه] (٢). ففي المذهب قولان: أحدهما: أنه يصلى عليه وينوى بها الجميع. والثاني: لا يصلى عليه, لأنه قد يوجد الباقي فيؤدي إلى تكرار الصلاة عليه. وقد اعترض بعض الأشياخ ترك الصلاة على الشطر, لأنه يؤدي إلى ترك الصلاة جملة. وينخرط في هذا السلك الصلاة على الغريق ومن أكلته السباع ومن في معناه. وفي المذهب قولان: أحدهما: لا يصلى عليهم, لأن الصلاة إنما شرعت في حق الحاضرين الأبدان (٣). والثاني: يصلى عليهم، لئلا يتركوا بلا صلاة. وإنما يصلى على الحاضر مع القدرة.
стр. 662
(حكم الصلاة على الغائب)
وإذا فقد (١) جازت الصلاة وإن كان غائبا، كما فعله ﷺ في صلاته على النجاشي (٢). وفي المذهب في الصلاة على الغائب قولان أيضًا. واعتذر القائلون بنفي الصلاة بأن النبي- ﷺ زويت له الأرض حتى كان مشاهداً له وإن كان غائباً عن موضعه. ومن هذا المعنى [تكرار] (٣) الصلاة على القبر (٤). والمشهور من المذهب أنه لا يصلى عليه، إذ لو جاز ذلك لكررت (٥) الصلاة على النبي- ﷺ والشاذ أنه يصلى عليه قياسًا على صلاة النبي- ﷺ -على قبر السوداء (٦). هذا إذا صلي عليه قبل الدفن.
فإن دفن بغير صلاة أو بصلاة ناقصة فهل يصلى عليه؟ قولان. وإذا قلنا لا يصلى عليه فهل يخرج؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يخرج إلا أن يخاف تغيره. والثاني: أنه لا يخرج. والثالث: أنه إن طال لم يخرج، وإن لم يطل أخرج. ويلحق بهذا حكم من دفن معه ما يعز ثمنه أو تمس الحاجة إليه.
وقد اختلف فيه هذا الاختلاف؛ فإجازة الصلاة ابتداء مراعاة للخلاف، ولأنه أهون من إخراجه. ومنعها لئلا يتطرق بها إلى الصلاة على القبر. وأما
стр. 663
الخلاف في إخراجه؛ فمن منع فللخوف أن يطلع من حاله على أمر يسوء من يخلفه فيغتمون (١) به. وقد حكي ذلك عن جماعة أنهم أُخرِجوا فوجدوا على حالات من أنواع العذاب. ومن لم يصحح هذا ورأى أن الغالب عدمه نظر إلى تغيره وعدم تغيره. وكأن القول بالنظر إلى الطول (٢) يرجع إلى مراعاة التغيير.
...
فصل (صفة الصلاة على الميت)
وأما صفة الصلاة فتبتدئ بالتكبير. وهن عندنا أربع، لما ثبت عنه ﷺ من أنه صلى على النجاشي وكبر عليه أربعاً (٣). فإذا زاد الإمام تكبيرة فهل ينتظر حتى يسلم أو يسلم المأموم؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه ينتظر، لأنه زاد ما اختلف الناس في ثبوت زيادته. والتكبير لا يبطل الصلاة على الجملة. والثاني: أنه لا ينتظر, لأن هذه التكبيرات صارت شعاراً لأهل الشيعة، فيجب أن تحمى الذرائع في موافقتهم.
وإن سلم من ثلاثة؛ فإن لم يَطل كبر الرابعة وسلم، وإن طال أعاد الصلاة ما لم يدفن. فإن دفن جرى على الخلاف؛ هل يصلى عليه، أو يخرج، أو يترك. وأحرى هاهنا [بالاتفاق] (٤) أن تترك الصلاة لقول من قال بالاكتفاء بالثلاث.
وهل يرفع يديه في تكبيره في الصلاة على الجنازة؟ ثلاثة أقوال:
стр. 664
أحدها: ترك الرفع في الجميع، وهو شاذ، ذكره ابن شعبان في مختصره. والرفع في الجميع. والرفع في الأول خاصة. هذان القولان في المدونة (١). وقد قدمنا الخلاف في رفع اليدين في تكبيرة الصلاة. وينخرط في هذا السلك إذا أتى المسبوق في جنازة فوجد الإمام يكبر دخل معه بلا خلاف. وإن وجده في الدعاء بين التكبيرتين؛ فهل يدخل حينئذ، أو ينتظر حتى يكبر؟ يجري على الخلاف في التكبيرة هل هو كالركعات فلا يدخل، أو كتكبير الصلاة فيدخل؟ وهذا فيه نظر, لأن المشروع دخوله مع الإمام وإن كان في أثناء الركعة. فلعل من قال لا يدخل هاهنا رأى أن الدعاء لا يستقل الاقتداء به (٢) إلا بعد انعقاد التكبير مع الإمام، أو عقيبه. ولا خلاف أن المقصود الأول من صلاة الجنازة الدعاء.
وهل يستحب أن يفتتح بتحميد ثم بالصلاة على الرسول ﵇؟ في المذهب قولان: أحدهما: استحبابه، لما ورد في بعض الطرق من إثباته، ولأنه أمر ذو بال. وفي الحديث أن كل أمر ذي بال لم يفتتح بحمد الله فهو أبتر (٣). والثاني: الاقتصار على الدعاء خاصة, لأنه الثابت عن الرسول ﷺ .
وهل يدعو بعد التكبيرة الرابعة أو يسلم عقبها من غير دعاء؟ في المذهب قولان. والدعاء قياسًا على سائر التكبيرات، ونفيه لأن التكبيرات جعلت في هذه الصلاة كالركعات [من غيرها] (٤). فلو دعا بعد الرابعة لافتقر إلى تكبيرة يختم بها بعد الدعاء.
ولا خلاف أنه لا يستحب دعاء معين. وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه
стр. 665
صلى على جنازة فدعا بدعاء مخصوص، فجمعه أهل العلم، واستوفاه أبو محمد بن أبي زيد في رسالته، ورتبة (١) فلا نطول بذكره.
وهل يقرأ قبل الدعاء بأم القرآن؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يقرأ, لأن المقصود الدعاء، ولأن هذا جزء من الصلاة المفروضة، فلا يقرأ فيها بأم القرآن قياسًا على سجود التلاوة. وقال أشهب: يقرأ فيها بأم القرآن، وهذا لعموم قوله- ﷺ : "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" (٢)، ولأن ابن عباس ﵁ صلى على جنازة فقرأ بأم القرآن فقال: "إنما فعلته لتعلموا أنها سنة" (٣). وبين الأصوليين خلاف في الصحابي إذا قال: من السنَّة كذا، هل يضاف إلى رسول الله ﷺ ويكون سنته؟ أو يكون كقول الصحابي يختلف فيه هل يكون حجة أم لا؟
وقد قدمنا الخلاف في صفة السلام من الصلاة على الجنازة هل يجهر به أو يسر؟ [وإذا قلنا إنه يسر] (٤)، فيعلم المقتدون كمال الصلاة بانصراف الإمام.
ومن صفة الصلاة حكم وضع الجنائز. والفضل عندنا في القرب إلى الإمام. فإن كانت الجنائز من جنس واحد كالرجال أو النساء (٥) فالإمام بالخيار بأن يجعل صفا واحدا ويلي الإمام أفضلهم، أو يقوم وسط الصف ويجعل قيامه عند أفضلهم، ويجعل الذي يلي الإمام من يليه في الأفضل،
стр. 666
ويرتبهم ويجعل الأفضل يليه ومن بعده قدامه إلى القبلة، هكذا ترتيب الفضل.
فإن كانوا ذكوراً وإناثاً وأحراراً وعبيداً بالغين وغير بالغين، قدم الذكور الأحرار البالغين، ثم الصغار [الأحرار] (١)، ثم الأرقاء، ثم أحرار النساء، ثم الصغار من النساء الأحرار من بعده على الترتيب الأول. والأصل تقريب الأفضل إلى الإمام، والأفضل في هؤلاء على ما رتبناه. فإن كان فيهم خنثى مشكل جعل بين الذكور والإناث.
وإن أفردت جنازة واحدة فإن كان ذكرًا قام عند وسط الجنازة، وإن كانت أنثى فقولان: قيل كالرجال، وفيه ستر لها ممن يليه. وقيل عند منكبيها، هذا حذار من تذكر ما يقدح في الصلاة. وقد تقدم الخلاف في الصلاة على الجنائز بعد الصبح وبعد العصر.
...
فصل (من أحق بالصلاة على الميت ؟)
ولا خلاف عندنا أن وصي الميت أولى بالصلاة عليه إذا قصد الميت الترغيب في الصلاح والخير، فإن قصد مراغمة (٢) الولي لم يلتفت إلى وصيته. والولي أولى في الأصل، وإنما تنفذ وصية الميت متى قصد ما ينتفع به من جهة الآخرة، فإن قصد غير ذلك رجع إلى الأصل.
وإذا اجتمع الولي والوالي، فالوالي أولى إذا كان الذي تؤدى إليه الطاعة، فإن كان ممن دونه كالمولى على الصلاة والقاضي ومن في معناهم فثلاثة أقوال: أحدها: أن الولي أولى [وغيره من الولاة، من حيث إنه يعصبه، وقد يجتهد له بالدعاء أكثر من غيره] (٣). والثاني: أن صاحب الصلاة [والقاضي أولى، من
стр. 667
جهة أنه جعله الحاكم لمثل هذه.] (١) والثالث: أن الولي أولى، إلا أن يكون صاحب الصلاة هو القاضي. وهو على الخلاف فيمن استحق أمراً من [باب] (٢) الولاية فنقله إلى غيره؛ هل ملكه ذلك كملك المال يتصرف فيه بالنقل، أو لا يكون له التصرف فيه بالنقل لأنه إنما ملك لمعنى فيه، فإذا نقله إلى من ليس فيه ذلك المعنى بطل نقله؟ ومن تؤدى إليه الطاعة هو المالك للصلاة لحق الولاية. وقد نقلها هنا إلى من جعل إليه الصلاة.
وأما التفرقة بين القاضي وغيره، فلأن القاضي مستحق النظر في الشريعه، فهو كالوالي الذي تؤدى إليه الطاعة.
وعلى هذا الخلاف اختلف في الوالي إذا قدم غيره ممن له ولاية، لكن في الحضور (٣) من هو أولى من المقدم؛ هل يكون الأقرب أولى أو المقدم؟ وعلى هذا الأسلوب الخلاف في التي تستحق الحضانة إذا سلمتها لغيرها، وثم من هو أقرب من المسلم إليه. وعليه الخلاف أيضًا في الوصي (٤) هل يكون أولى بالنكاح من الولي لأوليائه (٥)، أو يكون هو والولي سيان؟ في المذهب ثلاثة أقوال.
وإذا اجتمع الأولياء فأولاهم أقعدهم (٦) بالتعصيب. فالابن وابنه أولى من الأب، والأب أولى من الأخ، [والأخ أولى من ابن الأخ] (٧) وابن الأخ أولى من الجد، والجد أولى من العم، والأقرب من كل هؤلاء أولى ممن بعده. فإن تساووا في القعدد فأولاهم أهل الفضل. ومعرفة الفضل مما قدمنا، لا في استحقاق الإمامة. هذا نص في المذهب. وولاية النكاح
стр. 668
تستحق عندنا بالتعصيب. وقد اختلف في المذهب هل ابن الابن مقدم على الأب، أو بالعكس؟ وهل الجد مقدم على الأخ أو بالعكس؟ المشهور هناك تقدمة الابن والأخ. والشاذ تقدمة الأب والجد. ولا يبعد أن يجري الخلاف هاهنا على الخلاف في ولاية النكاح.
وإذا اجتمعت جنائز ولها أولياء؛ فإن كانت الجنائز جنسا واحدا قدم الأفضل، فإن تساووا في الفضل فلهم الاقتراع. وكذلك إن كان للميت الواحد أولياء يتساوون في القعدد والفضل. فإن كان أحد الجنازتين ذكرا والآخر أنثى؛ فهل ينظر إلى الفضل في الأولياء ويقدم ولي الذكر وإن كان ولي الأنثى أفضل منه؟ في المذهب قولان. وتقدمة ولي الرجل نظرًا إلى الفضل من جهة الميت, لأنه بسببه يستحق الصلاة. وتقدمة الأفضل نظراً إلى جهة الأولياء ولهم الولاية، فينظر (١) إلى الأفضل منهم.
وقد قدمنا الخلاف في نجاسة الميت وطهارته، وعليه ينبني القولان في الصلاة عليه في المسجد.
...
باب في أحكام الغسل
(حكم غسل الميت)
والخلاف في وجوبه أو كونه سنة كالخلاف في الصلاة. وقد أمر رسول الله ﷺ (٢). وبين الأصوليين خلاف في أمره كما تقدم. والنظر فيه
стр. 669
أيضًا ينحصر في ثلاثة فصول: أحدها: من يغسل، والثاني: صفة الغسل، والثالث: من يستحقه.
فأما من يغسَّل؛ فإن كان ممن يصلى عليه يستحق الغسل على الجملة، ومن لا يصلى عليه فإنه لا يغسل، سواء كان المانع للصلاة نقص أو كمال.
(موانع تغسيل الميت)
وقد تعرض معان تمنع من الغسل فينتقل إلى بدله إن أمكن. ومن المعاني أن يكون الجسد مقطوعًا. وقد قدمنا الخلاف، هل يمنع ذلك من الصلاة كما يمنع من الغسل، أو (١) يكون ذا علة تمنع من الغسل. ومنها أن يكون الميت ذكرًا وهو مع نساء من ذوات محارمه [أو غيرهن؛ فإن كن من ذوات محارمه] (٢) فهل يغسلنه أو يقتصرن على التيمم؟ قولان. [وهما] (٣) على الالتفات إلى تقابل مكروهين؛ إما ترك الغسل، وإما الاطلاع على ما لا يحل النظر إليه. فإن قلنا بالغسل غسلنه من فوق الثوب، وقيل من تحته، وتستر عورته [وإن كن (٤) غير ذوي محارمه يممنه، مخافة أن يطلعن علي ما لا يحل النظر لهن إليه. هذا إن كان بالغاً.
وأما الصغير الذي لا حظ للنساء في مثله فيغسلنه. وما حده؟ قيل: إذا كان ممن لا يمكنه الوطء. وقيل: إذا كان ممن لا يؤمر بستر عورته] (٥). وكأن هذين يرجعان إلى معنى واحد، وهو النظر إلى عدم الشهوة من النساء في رؤية جسده.
ومنها أن تكون المرأة مع رجال ليس معهم نساء من ذي محارمها ولا
стр. 670
من غيرهن؛ فإن كانت مع ذوي محارمها [من الرجال] (١) فهل يغسلونها أو ييممونها؟ ثلاثة أقوال: أحدها: وجوب الغسل، والثاني: الانتقال إلى التيمم، والثالث: التفرقة بين أن تكون الحرمة من النسب فيغسلونها، أو من الصهر فلا يغسلونها. والقولان على ما قدمنا أولاً. وأما التفرقة فلأن النفس مجبولة على احترام ذوي الأنساب، والصهر مشبه بهم. وإنما شبهته الشريعة لضرورة الاختلاط، فهو في هذا كالأجنبي.
وأما إن كانوا غير ذي محارمها ييممونها إلى الكوعين (٢) في اليدين، لأن ما عدا ذلك عورة.
وأما النساء فيممن الرجل [الأجنبي] (٣) إلى المرافق، إذ ليس بعورة ولا موضع يشتهى منه.
فإن كانت صغيرة جدًا فهل تكون كالكبيرة؟ في المذهب قولان: أحدهما: إنها كالطفل الصغير في حق النساء يغسلها الرجال، والثاني: أنها تيمم كالكبيرة. وهذا خلاف في شهادة؛ هل تتحرك دعاوى الشهوة [إلى من كان في هذا الحد؟] (٤). ولا يختلف فيمن كانت (٥) في المهد مثلاً، إذ دواعي الشهوة لا تتحرك إليها. وكذلك لو كانت فوق هذا المقدار باليسير. ولا يختلف فيمن كانت تطيق الوطء أنها كالكبيرة.
...
فصل (صفة الغسل)
وأما صفة الغسل؛ فإنها صب الماء والتدلك على حكم غسل الجنابة.