ويرتبهم ويجعل الأفضل يليه ومن بعده قدامه إلى القبلة، هكذا ترتيب الفضل.
فإن كانوا ذكوراً وإناثاً وأحراراً وعبيداً بالغين وغير بالغين، قدم الذكور الأحرار البالغين، ثم الصغار [الأحرار] (١)، ثم الأرقاء، ثم أحرار النساء، ثم الصغار من النساء الأحرار من بعده على الترتيب الأول. والأصل تقريب الأفضل إلى الإمام، والأفضل في هؤلاء على ما رتبناه. فإن كان فيهم خنثى مشكل جعل بين الذكور والإناث.
وإن أفردت جنازة واحدة فإن كان ذكرًا قام عند وسط الجنازة، وإن كانت أنثى فقولان: قيل كالرجال، وفيه ستر لها ممن يليه. وقيل عند منكبيها، هذا حذار من تذكر ما يقدح في الصلاة. وقد تقدم الخلاف في الصلاة على الجنائز بعد الصبح وبعد العصر.
...
فصل (من أحق بالصلاة على الميت ؟)
ولا خلاف عندنا أن وصي الميت أولى بالصلاة عليه إذا قصد الميت الترغيب في الصلاح والخير، فإن قصد مراغمة (٢) الولي لم يلتفت إلى وصيته. والولي أولى في الأصل، وإنما تنفذ وصية الميت متى قصد ما ينتفع به من جهة الآخرة، فإن قصد غير ذلك رجع إلى الأصل.
وإذا اجتمع الولي والوالي، فالوالي أولى إذا كان الذي تؤدى إليه الطاعة، فإن كان ممن دونه كالمولى على الصلاة والقاضي ومن في معناهم فثلاثة أقوال: أحدها: أن الولي أولى [وغيره من الولاة، من حيث إنه يعصبه، وقد يجتهد له بالدعاء أكثر من غيره] (٣). والثاني: أن صاحب الصلاة [والقاضي أولى، من
стр. 667
جهة أنه جعله الحاكم لمثل هذه.] (١) والثالث: أن الولي أولى، إلا أن يكون صاحب الصلاة هو القاضي. وهو على الخلاف فيمن استحق أمراً من [باب] (٢) الولاية فنقله إلى غيره؛ هل ملكه ذلك كملك المال يتصرف فيه بالنقل، أو لا يكون له التصرف فيه بالنقل لأنه إنما ملك لمعنى فيه، فإذا نقله إلى من ليس فيه ذلك المعنى بطل نقله؟ ومن تؤدى إليه الطاعة هو المالك للصلاة لحق الولاية. وقد نقلها هنا إلى من جعل إليه الصلاة.
وأما التفرقة بين القاضي وغيره، فلأن القاضي مستحق النظر في الشريعه، فهو كالوالي الذي تؤدى إليه الطاعة.
وعلى هذا الخلاف اختلف في الوالي إذا قدم غيره ممن له ولاية، لكن في الحضور (٣) من هو أولى من المقدم؛ هل يكون الأقرب أولى أو المقدم؟ وعلى هذا الأسلوب الخلاف في التي تستحق الحضانة إذا سلمتها لغيرها، وثم من هو أقرب من المسلم إليه. وعليه الخلاف أيضًا في الوصي (٤) هل يكون أولى بالنكاح من الولي لأوليائه (٥)، أو يكون هو والولي سيان؟ في المذهب ثلاثة أقوال.
وإذا اجتمع الأولياء فأولاهم أقعدهم (٦) بالتعصيب. فالابن وابنه أولى من الأب، والأب أولى من الأخ، [والأخ أولى من ابن الأخ] (٧) وابن الأخ أولى من الجد، والجد أولى من العم، والأقرب من كل هؤلاء أولى ممن بعده. فإن تساووا في القعدد فأولاهم أهل الفضل. ومعرفة الفضل مما قدمنا، لا في استحقاق الإمامة. هذا نص في المذهب. وولاية النكاح
стр. 668
تستحق عندنا بالتعصيب. وقد اختلف في المذهب هل ابن الابن مقدم على الأب، أو بالعكس؟ وهل الجد مقدم على الأخ أو بالعكس؟ المشهور هناك تقدمة الابن والأخ. والشاذ تقدمة الأب والجد. ولا يبعد أن يجري الخلاف هاهنا على الخلاف في ولاية النكاح.
وإذا اجتمعت جنائز ولها أولياء؛ فإن كانت الجنائز جنسا واحدا قدم الأفضل، فإن تساووا في الفضل فلهم الاقتراع. وكذلك إن كان للميت الواحد أولياء يتساوون في القعدد والفضل. فإن كان أحد الجنازتين ذكرا والآخر أنثى؛ فهل ينظر إلى الفضل في الأولياء ويقدم ولي الذكر وإن كان ولي الأنثى أفضل منه؟ في المذهب قولان. وتقدمة ولي الرجل نظرًا إلى الفضل من جهة الميت, لأنه بسببه يستحق الصلاة. وتقدمة الأفضل نظراً إلى جهة الأولياء ولهم الولاية، فينظر (١) إلى الأفضل منهم.
وقد قدمنا الخلاف في نجاسة الميت وطهارته، وعليه ينبني القولان في الصلاة عليه في المسجد.
...
باب في أحكام الغسل
(حكم غسل الميت)
والخلاف في وجوبه أو كونه سنة كالخلاف في الصلاة. وقد أمر رسول الله ﷺ (٢). وبين الأصوليين خلاف في أمره كما تقدم. والنظر فيه
стр. 669
أيضًا ينحصر في ثلاثة فصول: أحدها: من يغسل، والثاني: صفة الغسل، والثالث: من يستحقه.
فأما من يغسَّل؛ فإن كان ممن يصلى عليه يستحق الغسل على الجملة، ومن لا يصلى عليه فإنه لا يغسل، سواء كان المانع للصلاة نقص أو كمال.
(موانع تغسيل الميت)
وقد تعرض معان تمنع من الغسل فينتقل إلى بدله إن أمكن. ومن المعاني أن يكون الجسد مقطوعًا. وقد قدمنا الخلاف، هل يمنع ذلك من الصلاة كما يمنع من الغسل، أو (١) يكون ذا علة تمنع من الغسل. ومنها أن يكون الميت ذكرًا وهو مع نساء من ذوات محارمه [أو غيرهن؛ فإن كن من ذوات محارمه] (٢) فهل يغسلنه أو يقتصرن على التيمم؟ قولان. [وهما] (٣) على الالتفات إلى تقابل مكروهين؛ إما ترك الغسل، وإما الاطلاع على ما لا يحل النظر إليه. فإن قلنا بالغسل غسلنه من فوق الثوب، وقيل من تحته، وتستر عورته [وإن كن (٤) غير ذوي محارمه يممنه، مخافة أن يطلعن علي ما لا يحل النظر لهن إليه. هذا إن كان بالغاً.
وأما الصغير الذي لا حظ للنساء في مثله فيغسلنه. وما حده؟ قيل: إذا كان ممن لا يمكنه الوطء. وقيل: إذا كان ممن لا يؤمر بستر عورته] (٥). وكأن هذين يرجعان إلى معنى واحد، وهو النظر إلى عدم الشهوة من النساء في رؤية جسده.
ومنها أن تكون المرأة مع رجال ليس معهم نساء من ذي محارمها ولا
стр. 670
من غيرهن؛ فإن كانت مع ذوي محارمها [من الرجال] (١) فهل يغسلونها أو ييممونها؟ ثلاثة أقوال: أحدها: وجوب الغسل، والثاني: الانتقال إلى التيمم، والثالث: التفرقة بين أن تكون الحرمة من النسب فيغسلونها، أو من الصهر فلا يغسلونها. والقولان على ما قدمنا أولاً. وأما التفرقة فلأن النفس مجبولة على احترام ذوي الأنساب، والصهر مشبه بهم. وإنما شبهته الشريعة لضرورة الاختلاط، فهو في هذا كالأجنبي.
وأما إن كانوا غير ذي محارمها ييممونها إلى الكوعين (٢) في اليدين، لأن ما عدا ذلك عورة.
وأما النساء فيممن الرجل [الأجنبي] (٣) إلى المرافق، إذ ليس بعورة ولا موضع يشتهى منه.
فإن كانت صغيرة جدًا فهل تكون كالكبيرة؟ في المذهب قولان: أحدهما: إنها كالطفل الصغير في حق النساء يغسلها الرجال، والثاني: أنها تيمم كالكبيرة. وهذا خلاف في شهادة؛ هل تتحرك دعاوى الشهوة [إلى من كان في هذا الحد؟] (٤). ولا يختلف فيمن كانت (٥) في المهد مثلاً، إذ دواعي الشهوة لا تتحرك إليها. وكذلك لو كانت فوق هذا المقدار باليسير. ولا يختلف فيمن كانت تطيق الوطء أنها كالكبيرة.
...
فصل (صفة الغسل)
وأما صفة الغسل؛ فإنها صب الماء والتدلك على حكم غسل الجنابة.
стр. 671
وهل يجرد [للغسل أو تستر العورة؟ وأما النساء مع النساء والرجال مع الرجال ففي الاقتصار على ستر العورة، أو التجريد قولان. وأما العكس] (١) إذا قلنا بالغسل كما تقدم، فلا يجرد. ويغسل الرجل في الثوب، وكذلك المرأة. ويجافي الثوب عن أجسادهما، ويصب الماء لئلا يلتصق بأجسادهما. وهذا فيما (٢) قدمناه.
ولو كانت الزوجة تولت غسل زوجها، أو بالعكس لكشفت عن جسده. وهل تستر عورته؟ في المذهب قولان: أحدهما: الأمر بالستر, لأن النظر إنما كان مباحًا أولاً، تبعًا (٣) للوطء. والثاني: لا تؤمر به لأنه أبلغ في الإنقاء. ولو حرم النظر لما جاز لواحد منهما غسل الآخر.
وأما غسل الرجال لأمثالهم والنساء لأمثالهن، فذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أن التجريد من الثياب مشروع في حق الرجال. وقد روي مثله عن الرسول ﵇؛ وما ثبت أنه ﷺ غسل في ثوبه فذلك من خصائصه. ولأنه أبلغ في الإنقاء، وبه تحصل حقيقة الغسل. وتستر عورة المغسول. وقد قدمنا الخلاف في العورة ما هي؟ ويجرد ما عدا ذلك. وهل تجعل خرقة على صدره؟ وقع في قول استحبابها، وهذا لئلا يطلع منه على ما يسوءه النظر إليه لو كان حيا. واستحسنه بعض المتأخرين فيمن طال مرضه وانتهكته العلة. ويفضي الغاسل بيده إلى عورته إن افتقر إلى ذلك، وإلا فيُمِرُّ على الموضع خرقة. وقال ابن حبيب: لا يباشر عورته وإن احتاج إلى ذلك (٤). وهذا لتقابل مكروهين. ولا ينبغي أن يكثر حاضروا الغسل [لحرمة المغسول] (٥).
وهل يستحب أن يتوضأ قبل الغسل؟ في المذهب قولان: المشهور
стр. 672
استحبابه، قياساً على غسل الجنابة. والشاذ نفي استحبابه؛ لأن المقصود منه النظافة لسائر الجسد. وإذا قلنا باستحبابه فهل يكرر بتكرار الغسلات؟ (١) قولان: أحدهما: أنه يكرر لأن الوضوء مستحب في ابتداء الغسل، والتكرار مستحب، فيكرر الوضوء بتكرار الغسل. والثاني: أنه لا يستحب, لأن المطلوب افتتاح الغسل به، وذلك يحصل بكونه في الأول. قال بعض المتأخرين: وإذا قلنا إنه لا يكرر بتكرار الغسل (٢) فيستحب تكراره في الأول ثلاثا، وإذا قلنا بتكراره فإنه لا يكرر أولا، بل يتوضأ مرة واحدة في ابتداء كل غسلة.
ولا تقلم أظفار الميت، ولا يزال شيء من شعره، إذ فيه تغيير لخلقته، ولا حاجة إليه بعد الموت، [إلا أن يفعل هذا] (٣) قبل موته لحاجته إليه، ليس للموت على هذا.
واختلف المذهب في الغسل هل المقصود منه النظافة المحضة أو العبادة كغسل الجنابة؟ وعلى هذا اختلف هل يغسل أولاً [بالماء القَراح (٤) ثم فيما بعد يزاد إلى الماء السدر والكافور، أم يجعل ذلك من الأول؟ وهل يغسل، (٥) بماء الورد أو الريحان، أم لا؟
واختلف في كراهية غسله بماء زمزم. وسبب الخلاف ما قدمناه من الحكم بنجاسته؛ فإن حكمنا بها كرهنا غسله لكراهية استعمال الماء في النجاسة. وأهل مكة يحكون أن من استنجى به حدث به البأس. وإن حكمنا بطهارته أجزنا غسله به. وعلى هذا القولان في نجاسة الثوب الذي يجف (٦) فيه
стр. 673
ولا خلاف أن الغسلة الواحدة تجزي، لكن يستحب التَّكَرار لقوله- ﷺ في ابنته "اغْسِلْنَهِا ثَلاَثاً أَو خَمْساً أَوْ أَكثرَ مِنْ ذَلِكَ إِن رَأَيتُنَّ" الحديث (١)، وكره مجاوزة السبع (٢) والاقتصار على الواحدة. والأوتار مستحب (٣). قال ابن حبيب: يغسل أولاً بالماء القَراح، ثم يخلط في الثاني السدر إن وجد، فإن لم يوجد فالغاسول، وفي الثلاثة الكافور. وهذا على رواية في الابتداء بالماء القراح (٤). وإن كرر غسل الميت فلم يحصل الإنقاء بالتكرار لأوساخه أو ما يخرج منه، أعيد التكرار حتى يحصل الإنقاء.
...
فصل (من الأحق بتغسيل الميت)
والمقدم في غسل الميت الزوج والزوجة (٥). وهل يقضى لهما بذلك؟ ثلاثة أقوال: القضاء مطلقاً, لأنه حق لازم فيقضى به [له] (٦). ونفي القضاء، ولعل هذا لعدم فائدته الدنيوية. والقضاء به للزوج دون الزوجة، ولعل هذا لما روي من بقاء الزوجية بينهما. قال هذا سحنون، وعلل بأن الزوج يحفظ زوجته حية وميتة، بخلاف الزوجة في حق الزوج. وهذا إذا كانا حرين، فإن كانا عبدين أو أحدهما فإن لم يأذن السيد له بالغسل لم يقض به, لأن منافع المملوك لا يتصرف فيها إلا بإذن السيد. فإن أذن، فعلى القول بنفي القضاء في حق الحرين لا شك في نفيه هاهنا، وعلى القول بثبوته هناك [فيكون هاهنا] (٧) قولان: أحدهما: إثباته قياساً على
стр. 674
الحرمين، والثاني: نفيه لعدم ثبوته في الأصل. وهذا إذا كان النكاح صحيحاً ولم تقع فرقة، وإن كان فاسداً وهو مما يجب فسخه من غير تخيير أحد الزوجين فلا يغسل أحدهما الآخر إلا أن يثبت قبل الموت ما يرفع فسخه. وإن كان الخيار لأحدهما؛ فالمنصوص وجوب الغسل. وخرجه أبو الحسن اللخمي على الخلاف في فوات الخيار بالموت. فإن قلنا باستقرار النكاح وفوات الاختيار بالموت غسل كل واحد منهما الآخر، فإن قلنا ببقاء الخيار وصحت الزوجية نظر إلى ما يختاره الباقي منهما إن كان الخيار له، وإن كان الخيار للميت فلا يغسله الباقي منهما.
وإن وقع الفسخ أو الطلاق البائن قبل الموت انتفى الغسل، وإن كان الطلاق رجعياً فقولان: أحدهما: وجوب الغسل لبقاء حكم الزوجية. والثاني: نفيه لوقوع التحريم بالواحدة ما لم تقع الرجعة. وعندنا قولان في [الخلوة] (١) بالمطلقة طلاقاً رجعياً هل يجوز أم لا؟ وهذا ينخرط في سلكه.
وإذا لم يكن الزوج أو الزوجة موجودين أو امتنعا من الغسل فالغسل إلى الأولياء إن أحبوه، وهو على الترتيب في الولاية. لكن المشروع أن يغسل الرجال أمثالهم والنساء أمثالهن، فتكون الابنة وابنة الابن في حق المرأة كالابن في حق الرجل. ويجري ذلك على ترتيب الأولياء كما قلنا في الصلاة.
وإذا كان الرجل مع النساء أو بالعكس [كما قدمناه] (٢)، ومعهم ذمي من جنس الميت؛ فهل يباح للذمي الغسل ويفعل بالميت ما قدمناه؟ في المذهب قولان. وهما على الخلاف؛ هل المقصود العبادة فلا يغسله الذمي، أو النظافة فيغسله.
...
стр. 675
باب في أحكام الكفن والحنوط وما يتعلق به
ولا خلاف في وجوب ستر الميت. ولا يختص الوجوب بعورته كما يختص بالحي. وهذا معلوم من دين الأمة [ضرورة] (١)، فقد نقل قولاً وفعلا.
(اختصاص الشهيد بالدفن في ثيابه)
ويختص الشهيد بمواراته في الثياب التي مات فيها من غير زيادة عليها ولا نقص منها، وهذا إذا كانت ساترة له جميع جسده، جارية على اللباس المعتاد. وإن قصرت عن ستر الجسد زيد فيها ما يستره، وهذا لما ثبت من أن مصعب (٢) بن عمير استشهد يوم أحد وليس له إلا بردة (٣) إن غطي بها رأسه بدت رجلاه (٤)، فأمر رسول- ﷺ أن يغطى رأسه ويجعل على ماعدا ذلك الإذخر (٥).واختلف هل يزال عنه الدرع والخفاف والقلنسوة والمنطقة (٦)، في المذهب قولان: أحدهما: إزالتها، والثاني: تركها. وقد قال النبي- ﷺ "زملوهم بثيابهم (٧) " فلهذا لم يختلف في اللباس المعتاد. والدرع؛ وإن سمي ثوبا لغة فلا يسمى عرفا. وبين الأصوليين خلاف في تخصيص الألفاظ (٨) وتنزيلها على العرف. ومن يقول لا ينتزع عنه شيء يفهم من اللفظ دفنهم على هيئتهم من غير نقص لزيهم، حتى يجيء يوم الحشر على الحالة التي استشهد عليها، وهذا مفهوم من الحديث قطعا. ومن عول على اللفظ قال لا يدفن إلا في الثياب خاصة.
стр. 676
وأما الخاتم فخرجه أبو الحسن اللخمي (١) على الخلاف فيما قدمناه. والمنصوص أنه إن كان ذا فص ثمين نزع ولا يترك. وقد يكون هذا بناء على أحد القولين في نزع ما عدا المعتاد. لكنه إذا كان ذا فص ثمين نزع، ولا يختلف فيه للحاجة إلى ثمنه. وهذا الحكم يختص بالشهيد في قتال العدو، ويجري حكمه على ما قدمناه في غسله والصلاة عليه، فينظر إلى موضع موته وحالة موته كما تقدم من الخلاف والاتفاق.
(ما يفعل بمن مات محرمًا في الحج)
ولا يجري هذا الحكم (٢) عندنا في المحرم بالحج، وإن كان ورد فيه حديث يقتضي اختصاصه به، وقال- ﷺ في الذي وقصته ناقته فاندق عنقه: إنه يبعث يوم القيامة ملبياً" (٣) وأمر بدفنه على حاله. فإن أصحابنا قالوا هذه من العلل المعينة، فيقتصر بها على ما وردت، ولا يتعدى بها (٤). وأُلزِمُوا هذا المعنى في الشهيد، فإن النبي- ﷺ علل أيضًا بعلة معينة، فكان ينبغي أن يختص بقتلى أحد، وقال:"أنا شهيد (٥) على هؤلاء" (٦). وجاوب أصحابنا
стр. 677
عن ذلك بأن الأصل كان قصر الحكم عليهم لولا اتصال عمل أهل المدينة وغيرهم، فأجري هذا الحكم في كل شهيد قتله العدو.
...
فصل (في كفن غير الشهيد)
وغير الشهيد يفتقر إلى كفن مخصوص، والنظر فيه من أين يكون ثمنه أو عينه. وفي جنسه، وعدده وصفته.
(من أين يكون ثمن الكفن أو عينه ؟)
فأما ثمنه أو عينه (١) ففي (٢) حق الواحد من رأس ماله. هذا في المقدار الواجب، وأما الزائد على الواجب فلا يقضى به مع مشاحة الورثة أو الغرماء، إلا أن يوصي الميت مع فقد الدين المستغرق للتركة؛ فإن [فقد الدين المستغرق للتركة] (٣) وأوصى، كان الزائد على الواجب في ثلثه إلا أن يكون سرفاً، ففي إنفاذه من الثلث قولان: أحدهما: أنه ينفذ، لملكه الثلث. والثاني: أنه لا ينفذ، للنهي عن السرف.
فإن كفن ثم سرق كفنه بعد دفنه، فهل يعاد من رأس ماله كفن ثان مع التشاح؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعاد. والثاني: أنه لا يعاد. والثالث: أنه يعاد إن لم يقسموا التركة، ولا يعاد إن قسموا التركة. فالأول نظر إلى وجوب الستر بالكفن، ولا تحصل الفائدة به إلا بعد وصوله إلى محله [وبقاء ستره] (٤). والثاني: نظر إلى أن الواجب قد أخرج أولاً، وهي جائحة طرأت على الميت بعد أن استحق ما عدا الكفن (٥). والثالث:
стр. 678
نظر إلى أن حقيقة الاستحقاق إنما تحصل بالقسمة، فإن وجدت فلا ينزع الملك من أربابه. وإذا أعيد ثم وجد بعد الدفن فهو موروث. وإن لم يعد فلا شك أنه يكفن به.
(على من يكون كفن الزوجة ؟)
وهذا الذي قدمناه في حق جميع الموتى غير الزوجة، فإنه اختلف من أين تكفن (١) على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من مال الزوج، والثاني: أنه من مالها، والثالث: كالأول إن كانت فقيرة، وكالثاني إن كانت مليئة.
وسبب الخلاف عده من اللباس المفتقر إليه، فيجب كوجوبه في الحياة. أو النظر إلى انقطاع العصمة بالموت وانقطاع توابعها، فلا يجب. ورجح في القول الثالث الوجوب بالفقر. ولعل الأصوب (٢) في التعليل الالتفات إلى ما دخل عليه من أول العقد. وقد علل بأن النفقة إنما وجبت معاوضة عن الاستمتاع، وكذلك الكسوة، وقد انقطعت بانقطاع الاستمتاع. وهذا يروق لولا وجود القولين فيمن وجبت نفقته من القرابة كالأب والابن ومن في معناهما هل يجب تكفينهم أم لا؟ وهذا نظر إلى حكم الكفن هل هو من بقايا الحياة فيكون كالكسوة الواجبة للحي، أو ينقطع حكم الحياة لانقطاعها (٣) فيسقط الكفن.
(على من يكون كفن الفقير ؟)
فإن كان الميت لا مال له لم يجب كفنه على غيره كما قدمناه، ووجب أن يكون (٤) من بيت المال إن كان، أو على سائر المسلمين إن لم يكن. ويكون هذا من فروض الكفاية.
стр. 679
ولو كانت له ثياب يكفن فيها لكنها مرهونة؛ فمن هي بيده أولى بها لتعلق دينه بعينها. وإن كانت غير مرهونة وعليه من الدين ما يستغرقها، فالكفن أولى بها. كما لا تباع كسوته [للغرماء] (١).
...
فصل (في جنس الكفن)
وأما جنس الكفن، فكل ملبوس جائز لباسه في حالة الحياة. وهل يجوز الكفن في الحرير؟ ثلاثة أقوال: الجواز للرجال والنساء، والمنع لهم، والجواز للنساء خاصة (٢).
فالأول: نظر إلى انقطاع التكليف بالموت. والثاني: نظر إلى أنه زينة، وهو ممنوع في [حق] (٣) الرجال وجائز في [حق] (٤) النساء للزينة، وقد انقطعت. والثالث: حكم الكفن كحكم لباس الحياة, لأنه من توابعها.
...
فصل (عدد الكفن)
وأما عدده فله أقل وأكثر؛ فأقله ثوب ساتر لسائر الجسد، وأكثره سبعة أثواب، والزيادة سرف. لكن لا (٥) يظهر من المذهب أنه ممنوع بل مكروه. ولا يقتصر على الأقل إلا مع الفقر، أو مع (٦) وصية الميت بالاقتصار.
стр. 680
ووقع لسحنون أنه إذا أوصى بثوب فزاد بعض الورثة ثيابا فلا ضمان عليه إن كان في المال محمل. وهذا يشعر بأن الاقتصار [على ثوب واحد] (١) منهي عنه. فإن أوصى به؛ فإن لم ينعت (٢) وصيته، وكان له أكثر من ثوب، لم يقتصر عليه وإن استغرق الدين ماله. قال (٣) في شرح ابن مزين: ويكفن مع الوجود في ثلاثة أثواب وإن نازع الغرماء. وقاس ذلك على كسوته التي لا تباع (٤). وينبغي أن يختلف في ذلك حال الناس كما يختلف حالهم في حال (٥) الحياة. وإذا لم ينقص من الثلاثة [للغرماء] (٦) فأحرى ألا ينقص لحق الورثة. وكذلك قال في الرواية: إن طلب الغرماء تكفينه في خشن الثياب لم يمكنوا من ذلك. وهذا ينبغي أن يختلف في [حق الموتى] (٧) كما أشرنا إليه في العدد.
...
فصل (صفة الكفن)
فأما [صفة] (٨) الكفن؛ فأفضله البياض من الكتان والقطن، وبذلك أمر رسول الله ﷺ في الحياة والموت، وذكر أن البياض [من الكتان والقطن] (٩) أحب اللباس إلى الله سبحانه. وإن كفن في غير البياض فجائز، إلا المعصفر (١٠)
стр. 681
[ففي المذهب النهي عنه بخلاف المصبوغ بالورس (١) والزعفران. قال: والفرق أن المعصفر] (٢) زينة، وليس محلها. وأجازه في قول ثان قياسًا على سائر الألوان. وكره السواد لجهة التفاؤل.
وهل يجعل في كفن الميت القميص والعمامة؟ لا خلاف أنه لا يحرم ولا يجب. واختلف في الأول على قولين. وسببهما ما روي أنه ﷺ كُفِّنَ في ثلاثة أثواب بيض سحولية (٣) ليس فيها قميص ولا عمامة. قيل: معناه ليس فيها معدود، بل كان القميص والعمامة زائدين على هذا العدد. وقيل: ليس فيها موجود. وعلى ذكر الثلاث (٤) فالإيتار عندنا مستحب. ولكن إن لم يوجد إلا اثنان فهما أفضل من الواحد, لأنهما أكمل ستراً. والثلاثة أفضل من الأربعة، لكونهما وتراً. وعلى هذا الترتيب يكون الحكم فيما بعد ذلك.
...
فصل (الحنوط وما يتعلق به)
والحنوط مأمور به، ولا ينتهي إلى رتبة الوجوب. ويجوز بكل طيب طاهر؛ كالكافور. وهو المقدم, لأنه أحنط (٥) من العنبر والمسك وإن كان خارجاً من حيوان، فقد انقلبت (٦) أعراضه. ولا خلاف عندنا في طهارته،
стр. 682
وإن اختلف فيما أصله النجاسة إن انقلبت أعراضه، كما قدمنا في كتاب الطهارة. ولعل هذا الالتفات (١) إلى أن الأصل في النجاسة ما يستقذر. وبهذا تزال (٢) المستقذرات.
والعنبر وإن كان روث الدابة البحرية كما يقال فهو طاهر عندنا.
ومحل الحنوط مواضع السجود وهي المقدمة، (٣) ومغابن البدن، ومرافقه كالآباط والأفخاذ وفي ما معنى ذلك مما يدق جلده ويكون محلاً للأوساخ، والحواس كالعين والأنف والفم والأذنين، وسائر الفخذين (٤). ويجعل بينه وبين الأكفان، ولا يجعل على ظاهر الكفن, لأنها زينة، ولا معنى لها هاهنا.
...
فصل (حمل الميت وتشييعه)
واختلف المذهب هل في حمل الميت رتبة (٥) تستحب؟ المشهور لا رتبة (٦) في ذلك. والشاذ استحباب الحمل من الجوانب الأربع، وقد نقل (٧) عن بعض السلف.
واختلف هل الأفضل في تشييع الجنازة المتقدم عليها، أو التأخير؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الأولى المتقدم. والثاني: بالعكس، وهما شاذان. والثالث: هو المشهور، أن المشاة يتقدمون والركبان يتأخرون. وعلل
стр. 683
استحباب التقدم بأنهم كالشفعاء، والتأخير لتحصيل الاعتبار. والتفرقة بين الراكب وغيره؛ بأن الراكب مخطئ في ركوبه، ولم يستحق رتبة الشفاعة، فأمر (١) بالتأخير، هذا حكام الرجال.
وأما النساء فمأمورات بالتأخير على الإطلاق. ومتى خيف من خروجهن الفتنة منعن، وإن لم يخف من ذلك وكانت من القواعد جاز خروجهن مطلقًا، فإن يكنَّ كذلك كره خروجهن إلا على القريب جدًا كالأب والزوج والابن ومن في معناهم.
وإذا لم يحضر الجنازة إلا النساء صلين عليها. وهل أفراداً أو تؤمهن واحدة منهن؟ [جرى] (٢) على القول (٣) في جواز إمامة المرأة للنساء.
وإذا قلنا بصلاتهن أفراداً؛ فهل يصلين واحدة واحدة ولا (٤) يصلين في وقت واحد؟ قولان للمتأخرين. وظاهر المدونة [يقتضي] (٥) أنهن يصلين واحدة بعد واحدة في غير (٦) اجتماعهن (٧).
...
فصل (حكم بقر بطن الأم الميتة إذا رجيت حياة الولد)
وإذا رجيت حياة الولد بإخراجه من بطن أمه الميتة، فهل يبقر بطنها أم لا؟ ففي المذهب قولان. وسبهما تقابل مكروهين: أحدهما: انتهاك حرمة الميت، والثاني: إماتة من ترجى حياته. وهكذا الخلاف في الإنسان يحصل في جوفه
стр. 684
شيء من الدنانير أو جوهر له ثمن، هل يستخرج أم لا؟ وهذا إذا كان له من أين يؤديه، وإلا فلا ينبغي أن يختلف في وجوب استخراجه. وفي المبسوط: إن قدر أن يستخرج الولد من حيث يخرج في الحياة بقر (١) عليه. قال أبو الحسن اللخمي: وهذا لا يمكن. وما قلناه في البقر على المال إذا علمت يقيناً أو ببينة. فإن شهد به شاهد واحد، فإن أبا عمران أجراه على الخلاف في وجوب القصاص من الجراح بالشاهد الواحد. ووقع لابن القصار أن المضطر إلى أكل الميتة لا يجد إلا لحم الآدمي لا يأكله (٢) وإن خاف التلف. فاعترضه بعض الأشياخ. وهو يجري على الخلاف [في البقر على الجنين والشق.
...
فصل (صفة حفر القبر)
ويجوز في صفة حفر القبر اللحد والشق] (٣)؛ وهو مساواة اتساع أعلاه لأسفله (٤). واللحد هو الحفر في أحد الجانبين للقبر من أسفله. واللحد أفضل, لأنه صفة قبر النبي- ﷺ .
وقد كان صاحبان (٥)؛ أحدهما: يلحد، وآخر: يشق، فلما توفي رسول الله ﷺ اتفق الصحابة على أن يحفر له السابق منهما، فسبق الذي يلحد. ففعل كل واحد منهما ما (٦) يختص به يدل على الجواز, لأنه لا يكاد يخفى هذا من حالهما على الرسول- ﷺ . وما اختار الله له لا شك أنه الأفضل. لكن قد لا يتفق اللحد في كل تربة (٧)، فإن اتفق فهو أفضل.
стр. 685
(حكم البناء على القبور)
وليست القبور موضع زينة ولا مباهاة [ولهذا] (١) ينهى عن بنيانها على وجه يقتضي المباهاة. والظاهر أنه يحرم مع هذا القصد. ووقع لمحمد بن عبد الحكم فيمن أوصى أن يبنى على قبره (٢) أنه تبطل وصيته. [وقال لا تجوز وصيته. وظاهر هذا التحريم، (٣)، وإلا لو كان مكروهاً لنفذت وصيته. ونهي عنها [ابتداء] (٤).
وأما البناء الذي لا يخرج إلى حد المباهاة؛ فإن كان قصد به تمييز الموضع حتى ينفرد بحيازته، فجائز. وإن كان القصد به تمييز القبر عن غيره، فحكى أبو الحسن اللخمي عن المذهب قولين: الكراهية، وأخذها من إطلاقه (٥) في المدونة (٦). والثاني: الجواز، وهو في غير المدونة. والظاهر (٧) أنه متى قصد ذلك لا يكره، وإنما كره في المدونة البناء الذي لا يقصد به العلامة، وإلا فكيف يكره ما يعرف الإنسان به قبر وليه ويميز به القبر حتى يحترم ولا يحفر عليه إن احتيج إلى قبر ثان.
(حكم الدفن في الموضع المملوك)
وموضع القبر إن كان مملوكاً لغير الدفن فلا يجوز دفن غير المالك فيه، إلا بإذنه كسائر أملاكه. وإن ملكه مالكه للدفن فهو حبس (٨). فإن حفر قبر في الموضع المملوك ملكًا أصلياً فدفن فيه غير من حفر [له] (٩) وأراد
стр. 686
ذلك المالك إخراجه فله ذلك؛ لأنه لا يستحق الدفن إلا بإذنه. وعليه أشد ضررا في بقاء (١) ذلك المدفون في ذلك الموضع. وإن كان فيها (٢) ملك للدفن؛ فللمتأخرين في ذلك ثلاثة أقوال بعد اتفاقهم على أنه لا يخرج: أحدها: أنه على من يستحق القيام على المدفون حفر قبر ثان. والثاني: أن عليه قيمة الحفر. والثالث: أن عليه الأقل (٣) منها؛ والقيمة هي أصل المذهب، والحفر كأنه قضاء بالمثل، ولكن لما كان القصد تحصيل موضع الدفن وتقاربت القيمة والحفر قضي فيها بالمثل كما قضي في المذهب بالمثل في الجلد (٤) المستثنى (٥) في البوادي وحيث لأكثره ثمن له (٦). والحكم بالأقل (٧) نظراً إلى المقصود لمن أتلف عليه (٨) حفر قبر ثان، ويحصل ذلك بغرامة الأقل (٩). ورأى أبو الحسن اللخمي أن يكون عليه الأكثر لتعديه، والظالم أحق أن يحمل عليه.
(حكم دفن السقط)
واختلف المذهب في جواز دفن السقط (١٠) في الدور؛ وفي الكتاب المنع، وأجيز (١١) في غيره.
فالمنع لأنه ليس بميت يحترم، ولا يساقط الحرمة جملة. وقد
стр. 687
يؤدي (١) دفنه إلى انتهاك حرمته (٢)،وبيع الدار، وتصرف الأملاك فيتمادى به المالك بعد، وليس ممن تجب مراعاته (٣) حتى يكون موضعه حبسا كسائر الموتى.
والجواز، قياساً على الميت؛ فإن دفن الميت في دار ثم بيعت ولم يعلم المشتري بموضع القبر، فالذي نص عليه في الرواية أن المشتري بالخيار في القبول والرد، كالعيوب الكثيرة. واعترضه أبو محمد عبد الحق، ورأى أن العيب يسير، ومقتضاه في الدور الرجوع بقيمته. والذي في الرواية صحيح لأنه (٤) عيب لازم لا يمكن إزالته، فهو لهذا المعنى كثير. فإن كان المدفون سقط فهل يكون عيباً فيه؟ قولان. وهما منزولان على الخلاف في جواز دفنه في الدور.
وقد أتينا على الغرض من [هذا] (٥) الكتاب، ولا يشذ عما حصرنا (٦) إلا مسائل أتينا على أصولها ونبهنا على محصولها.
стр. 688
كتاب الصيام
(تعريف الصوم وحكمه والدليل على ذلك)
والصوم في اللغة: الإمساك مطلقاً، وهو في الشرع: عبارة عن إمساك مخصوص في زمن مخصوص على وجه مخصوص. وصوم رمضان من معالم الشريعة وأركان الإسلام. ووجوبه معلوم من دين الأمة ضرورة، ومن يجحد الوجوب فهو كافر قطعًا (١)؛ فإن أقر بالوجوب وامتنع من الصوم فهل يكون كافراً؟ يجري على ما قدمناه من الخلاف في المُقر بوجوب الصلاة التارك لها. ويجبر على فعله عند القائلين بنفي التكفير، كما يجبر على فعل الصلاة.
والأصل في وجوبه الكتاب والسنَّة وإجماع الأمة؛ فأما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢)، وفيه: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (٣)، وقد اختلف هل الإشارة بها إلى رمضان. وهو يسير بالنسبة إلى شهور السنة، فلهذا عبر عنه بأيام معدودات، أو إلى غيره. واختلف القائلون بذلك على ثلاث طرق: أحدها: أنها ثلاثة أيام من كل شهر غير معينة (٤)، والثاني: أنها أيام
стр. 689
البيض (١)، والثالث: أنها يوم عاشوراء. وجمعت لأنها تتكرر في العدّ (٢).
فمن قال: الإشارة بها إلى رمضان (٣)، جعل ما بعدها من النص على أشهر بيانا [للإجمال (٤) المتقدم] (٥)، ومن قال الإشارة بها إلى غيره (٦) جعل ما بعدها من تعيين الشهر ناسخاً.
واختلف في قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٧) هل هو منسوخ أم لا؟ وهؤلاء يرون أنه كان في أول الإسلام المكلف يُخيَّر بين أن يصوم أو يفطر ويطعم، ثم نسخ (٨) بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٩). وهو غير منسوخ، ومعنى يطيقونه أي يلزمون به [ويكلفون به، وإن كان عليهم في الأداء مشقة. وقد قرئ يطوقونه (١٠) أي يلزمونه] (١١). وسيأتي الخلاف في موضعه. والحامل والشيخ الكبير هل تلزمهما (١٢) الفدية أم لا؟ وهو جار على هذا.
وأما السنَّة فقد نقل وجوبه متوتراً، وتلقته الأمة بالقبول لقوله ﷺ : "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ" (١٣) فذكر فيها صوم رمضان.
стр. 690
وأما الإجماع فهو ثابت قطعا. قال أبو المعالي: المقصود بالصوم في الشريعة وجهان: أحدهما: كسر الشهوتين؛ شهوة البطن والفرج، فإنهما إذا أرسلا على شهواتهما ولم تعود النفوس كسرها دعتا إلى الوقوع في المحظور. وإذا تعوَّد الإنسان إمساكهما عن المباح وأخذ نفسه بذلك قدر على إمساكهما عن الممنوع. فكأن الصوم في الشريعة إمساك عن مباح ليكون حمى للممنوع، وعليه نبه ﷺ :"أَلاَ وَإِنَّ لِكُلَّ مَلِكِ حِمَى أَلاَ وَإِنَّ حِمَى الله مَحَارمُهُ" (١). والوجه الثاني: أن المقصود أيضًا كسر الشهوتين. لكن ليس للاعتياد، بل يحصل من نفس الكسر قمع النفس عن شهواتها ومنعها من الاسترسال على لذاتها. وإليه الإشارة بقوله- ﷺ "الصَّوْمُ جُنَّةٌ" (٢).
وإذا ثبتت هذه المقدمة، قلنا بعد هذا: المقصود من الكتاب ينحصر في خمسة فصول: أحدها: شروط الصوم، والثاني: أركانه، والثالث: تفصيل ممنوعاته، والرابع: حكم ما يجب بارتكاب الممنوعات، والخامس: حكم مقتضيات الفطر. لكن شأننا في هذا الإملاء أن ننبه على الترتيب الواجب ثم نحاذي رتبة الكتاب فنقول [ما أمكن. ولنذكر هذه الفصول جملة فنأخذ على تفصيلها في ترتيب الكتاب فنقول:] (٣).
...
أما (٤) الفصل الأول: (شروط الصوم)
فإن للصوم شرطين: شرط وجوب، وشرط أداء؛ فأما شرط الوجوب فالبلوغ (٥)، فلا يجب الصوم على غير البالغ. وهل يؤمر به المطيق قبل
стр. 691
البلوغ للتمرين (١)؟ في المذهب قولان (٢)، وقد تقدما.
وهل العقل من شروط الوجوب أو الأداء؟ في المذهب قولان. وذلك أن من لم يبلغ مطبقاً (٣) وقلت سنون جنونه وجب عليه القضاء بلا خلاف في المذهب، فإن بلغ مطبقاً أو كثرت (٤) السنون ففي المذهب ثلاثة أقوال: القضاء مطلقاً وهو المشهور ونفيه مطلقاً مع كثرة السنين ومثَّلوها بالعشرة ونحوها، وإثباتها مع قلتها ومثلوها بالخمسة ونحوها. وكان من يوجب القضاء مطلقاً يرى أن القضاء واجب بالأمر الأول، والعقل شرط في الأداء لا في الوجوب. ومن يفرق بين أن يبلغ مطبقاً ويرى (٥) أن المطبق لا يتعلق به الوجوب بوجه. وهذا يرى أن الوجوب إذا تعلق يوماً ما استرسل تعلقه، فيكون عنده العقل شرطاً في الوجوب. لكن إن وجد، تعلق الوجوب مطلقاً. وأما من يفرق بين كثرة السنين وقلتها يرى [رأي] (٦) الأول لكنه أسقط القضاء مع التكرار للمشقة.
وهل الإسلام شرط في الوجوب أو في الأداء؟ يجري على اختلاف الأصوليين في الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة فيكون شرطاً في الأداء؟ أو غير مخاطبين بها فيكون شرطاً في الوجوب؟
وأما الصحة والإقامة والنقاء عن دم الحيض فقد اتفق الكل على وجوب القضاء في حق المفطر من هؤلاء. واختلف الأصوليون هل يقال إن
стр. 692
الواجب متعلق بهؤلاء أو غير متعلق، أو يتعلق بالمسافر خاصة، أو به وبالمريض المستطيع للصوم بكلفة، وتحقيق هذا محال على [فنه] (١).
...
فصل (أركان الصوم)
وأما أركان الصوم، فالنية (٢). وهل يشترط تكرارها (٣) على عدد الأيام أو يكتفى إن نوى في مبتدأ الصوم؟ في المذهب تفصيل وبيانه (٤) في موضعه من (٥) الكتاب.
والإمساك عن الإيلاج، ونعني به إدخال الطعام والشراب من الحلق إلى المعدة (٦)، وإيلاج الحشفة في قبل أو دبر. وتفصيل ذلك يأتي في موضعه أيضًا. والإمساك عن الإخراج، ونعني به إخراج المني أو القيء. وتفصيله يأتي أيضًا.
...
فصل (ما يجب بارتكاب الممنوعات)
وأما التفصيل في ممنوعات الصوم، فنؤخر الكلام عليها. وهي على الجملة الإخلال بركن من أركان الصوم.
...
стр. 693
[فصل] (١)
وأما ما يجب بارتكاب الممنوعات، فنأتي فيه بكلام جلي يكتفي به الذكي. ونحيل غيره على التفصيل. وذلك أن الصوم لا يخل من أن يكون واجبًا أو غير واجب، والواجب لا يخلو أن يكون واجبًا بإيجاب الله تعالى أو واجبًا بإيجاب المكلف على نفسه، والواجب بإيجاب الله تعالى لا يخلوا من أن يكون معينا وهو رمضان أو غير معيّن وهو ما يجب في الكفارة والواجب بإيجاب المكلف على نفسه لا يخلو أيضًا من أن يكون معيناً وهو أن ينذر أيامًا بأعيانها أو غير معيّن وهو أن ينذر أيامًا بغير أعيانها والواجب بإيجاب الله تعالى أو بإيجاب المكلف على نفسه لا يخلو من أن يكون متتابعاً أو غير متتابع.
ويتعلق بارتكاب الممنوعات ثلاثة أشياء: القضاء والكفارة وقطع التتابع، ولا يخلو المرتكب من أن يكون معذورا أو غير معذور؛ فإن كان معذورا بالنسيان أو بالغلط في التقدير وجب القضاء في جميع أقسام الصيام إلا في التطوع فلا يجب بلا خلاف على هذا. وهل يستحب؟ في المذهب قولان، وهكذا نقل. ولا ينبغي أن يختلف في استحبابه, لأنه فعل بر. لكن النظر هل هو قضاء أو ابتداء فعل خير (٢)؟ وهل ينقطع التتابع؟ في المذهب قولان. وهل تجب الكفارة؟ أما غير رمضان فلا تتعلق به الكفارة، وأما رمضان فإن كان فطره ناسياً بأكل أو شرب فلا كفارة بلا خلاف. وإن كان بجماع فقولان: المشهور نفيها، والشاذ وجوبها. فإن كان غير معذور كالمتعمد، فالقضاء في الجميع، وقطع (٣) التتابع فيما يجب تتابعه. ولا كفارة في الجميع إلا في رمضان فتجب الكفارة فيه على الإطلاق.
...
стр. 694
فصل (مقتضيات الفطرة)
وأما مقتضيات الفطر فهي على الجملة ثلاثة: المرض وينخرط في سلكه الحامل والمرضع، والسفر، ووجود دم الحيض. وتفصيل ذلك يأتي في موضعه إن شاء الله.
...
باب في النظر في زمن الصوم
وهو قسمان: عام وخاص.
(اليوم زمن الصوم العام)
فأما العام، فهو في اليوم، ولا يصام الليل بالإجماع. والنهار على الجملة محل للصوم. وأما مبدؤه فاجتمعت الأمة على أن الفجر الأول المستطيل (١) الذي سمته العرب ذنب السرحان لا يتعلق به الصوم ولا الصلاة. وعلى أن الفجر الثاني المعترض (٢) في الأفق هو الموجب للإمساك ولصلاة الصبح. لكن حكي عن بعض السلف خلاف في الفجر الثاني، وقد انعقد الإجماع بعده (٣).
ولا يخلو مريد الصوم أن يكون بحيث ينظر الدلائل على الفجر، أو بحيث لا يبصر؛ فإن كان بحيث يبصر فلا يخلو حاله من ثلاثة أقسام: إما أن يتيقن بطلوع الفجر [فيجب عليه الإمساك، وإما أن يتيقن بعدم الطلوع فيباح له الأكل] (٤).
стр. 695
(حكم الشك في طلوع الفجر)
وأما إن شك فهاهنا قولان: كراهية الأكل، وتحريمه. ورأى ابن حبيب أن القياس الإباحة.
وسبب الخلاف استصحاب حالين: أحدهما: إباحة الأكل، والثاني: وجوب الصوم؛ فمن نظر إلى استصحاب زمن الليل أجاز الأكل أو كرهه (١) مراعاة للخلاف، ومن نظر إلى وجوب استصحاب الصوم منع إلا أن يتيقن بالجواز.
فإن أكل ثم علم أن الفجر لم يطلع فلا شك في نفي القضاء، وإن علم بطلوعه فلا شك في إثباته، وإن أشكل عليه جرى وجوب القضاء واستحبابه على الخلاف المتقدم.
(حكم من طلع له الفجر وهو يأكل)
فإن طلع له الفجر وهو آكل أو شارب فالمنصوص أنه يلقي ما في فيه ولا قضاء عليه. وفي المذهب قولان: هل يجب إمساك جزء من الليل؛ لأنه لا يتوصل إلى إمساك جميع أجزاء النهار إلا به، أو لا يجب. فإن نفينا الوجوب فلا شك في نفي القضاء، وإن أثبتناه فيمكن أن يقال إنه واجب لغيره. فإذا لم يحصل تعلق الإثم ولا قضاء. ويمكن أن يقال وجب القضاء لانسحاب الوجوب عليه. وقد تعلق من أباح الأكل أو كرهه مع الشك بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (٢)، ومع البيان لا شك. وظاهر الآية جواز الأكل إلى أن يستيقن (٣). واعتذر عن (٤) هذا بأن المقصود في الآية جواز الأكل وما ذكر معه في جميع أجزاء الليل, لأنها ناسخة لما كان في
стр. 696
أول الإسلام من أن الإنسان إذا نام وجب عليه الإمساك وإن قام في آخر الليل، وتعلق أيضًا بقوله- ﷺ "كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُم مَكْتُوم", وفي الحديث:"كَانَ رَجُلاً أَعْمَى لاَ يُنادى حَتَّى يُقَالَ أَصْبَحْتَ" (١). فهذا دليل على جواز الأكل مع الشك والإشكال حتى يصبح (٢) الصباح. واعتذر عن هذا بأن معناه قاربت الصبح (٣). ونحن مضطرون إلى هذا التأويل؛ إذ لو بقي على ظاهره لكان مقتضياً بجواز الأكل بعد اليقين بوجود الصباح، وهذا لا يختلف فيه.
وإذا منعنا الأكل وما في معناه مع الشك، فإذا تعدى المكلف هذا المنع فهل تلزمه الكفارة أم لا؟ وأما إن تأول فلا، وإن قصد إلى انتهاك حرمة الصوم (٤) مع تعويله على التحريم فقد يختلف فيه على الخلاف في مراعاة الخلاف.
ولا يختلف في طرف النهار الآخر، وهو آخره إذا شك [هل غابت الشمس أو لا]؟ (٥) إذ المستصحب هاهنا بكل وجه منع الأكل.
لكن اختلفوا هل يلزم إمساك جزء من الليل (٦) كما اختلفوا في الطرف الثاني؟ وعلى هذا الذي قلناه لو أكل في آخر النهار [مجتهدا] (٧) ثم تبين له الخطأ أو الصواب بني على ما تبين له من الخطأ أو الصواب؛ فإن أشكل وجب القضاء.
...
стр. 697
فصل (حكم من لا دليل له على الفجر)
وإذا كان بحيث لا دليل له على الفجر فله أن يقتدي بالمستدِل (١). وفيه ورد الحديث:"إنَّ بلالاً يُنَادِي بلَيْل" الحديث كما ورد (٢). فإن لم يكن له من يسمعه الأذان] (٣) فَله التحريَ ويأخذ بالأحوط. ومتى شك أو أشكل عليه، فإن كان بحيث يمكنه التوصل إلى المعرفة وجب عليه إذا أراد أن يستبيح الأكل وما في معناه، وإن كان بحيث لا يمكنه التوصل إلى المعرفة فقد يقال إن هذا مثل الأسير إذا وقع في مهواة، وسيأتي بيان حكمه.
(حكم من طلع عليه الفجر وهو يجامع)
وقد بيَّنا حكم من طلع عليه الفجر وهو آكل أو شارب، فإن طلع عليه وهو يجامع؛ فإن استدام كان كالمتعمد في أجزاء النهار، وإن نزع فلا كفارة على المشهور. وهل عليه القضاء؟ قولان: أحدهما: نفيه لأنه معذور وقد فعل أقصى ما في وسعه (٤)، وأيضاً فإن النزع ليس بوطء. والثاني: وجوب القضاء، وهذا لأنه يعدّ النزع وطئاً. وهل تجب على هذا الثاني الكفارة؟ يجري على الخلاف في المعذور، وسنبّين ذلك مفصلاً وإن أجملنا أولاً.
...
فصل (حكم البياض الذي قبل الفجر والذي بعد العمرة بالليل)
وفي الكتاب: قال مالك ﵀: "وإنه ليقع في قلبي وما هو إلا شيء فكرت فيه منذ قريب، أن الفجر يكون قبله (٥) بياض ساطع، فذلك لا يمنع الصائم من الأكل. [فكما لا يمنع الصائم ذلك البياض من الأكل
стр. 698
حتى] (١) يتبيَّن الفجر المعترض في الأفق، فكذلك البياض الذي يبقى بعد الحمرة لا يمنع مصل أن يصلي العشاء" (٢). وغرضه بهذا، الرد على أهل العراق في قولهم: إن الشفق هو البياض. وقد قدمنا ذلك في كتاب الصلاة الأول وذكرنا ما في المذهب (٣). ولم يسلم أبو الحسن اللخمي هذا القياس، بل رأى أن الطوالع أربعة: البياض الأول وهو ذنب السرحان والفجر الصادق، والحمرة [لا يتعلق بها حكم] (٤) والشمس. والغوارب كذلك [أربعة] (٥):الشمس، والحمرة، والبياض الباقي بعدها، والبياض المشرق وراء (٦) ذنب السرحان.
وبالجملة، فإن الذي استعمله مالك ﵀ قياس الشبه. وبين الأصوليين خلاف في التعويل عليه. وقد ظن من لا تحقيق عنده أنه قياس عكس، وسبب ظنهم (٧) أن الطوالع ضد الغوارب، وإنما [شبه] (٨) طالعاً بالغوارب. وإنما قياس العكس ما قاله المغيرة في المدونة في كتاب الزكاة في مسألة من له عشرة دنانير أنفق خمسة واشترى سلعة بخمسة فباعها بخمسة عشرة، وبيانها يأتي في موضعه.
...
[فصل] (٩) (رمضان زمن الصوم الخاص)
وأما الزمان الخاص فهو رمضان. والنظر أيضًا في أوله وآخره. والطريق إلى معرفة الأول بالرؤية والعدد.
стр. 699
(ما تثبت به رؤية الهلال)
أما الرؤّية، فتحصل بالخبر المشتهر (١) وهو الكمال فيها ولا يفتقر في ذلك إلى شهادة، وأما الشهادة فلا يخلو أن يكون الموضع به من يلتفت إلى أحكام الشريعة ومواقيت العبادة، أو ليس به ذلك. فإن كان به من يلتفت إلى ذلك فلا خلاف منصوص في المذهب أن حكم ثبوت الأهلَّة راجع إلى حكم الشهادة لا إلى حكم الإخبار، وإن لم يكن به من يلتفت إلى هذا فظاهر المذهب [على] (٢) قولين: أحدهما: أن الحكم كالأول، والثاني: التعويل على الشهادة إن أمكنت، وإن لم تمكن عوّل على الخبر، هذا في حكم ما يثبت به حكم (٣) الهلال.
فإن ثبت عند الحاكم أو في بلد من البلدان فنُقِل، فظاهر المذهب أيضًا على قولين: أحدهما: أنه يفتقر نقله إلى ما تفتقر إليه الشهادة، والثاني: أنه لا يفتقر إلى ذلك، هذا تحقيق نقل المذهب. ولما كان القياس عند المتأخرين من أهل المذهب ردّ ثبوت الهلال إلى باب الأخبار [رأوا أن] (٤) الفرق بين [باب] (٥) الأخبار وبين باب الشهادة أن كل ما خصّ المشهود عليه فبابه باب الشهادة، وكل ما عمَّ ولزم القائل به (٦) ما يلزم (٧) المقول [له] (٨) فبابه باب الأخبار، فأرادوا (٩) أن يجعلوا في المذهب قولة بقبول [خبر] (١٠) الواحد في الهلال ولا يجدوه إلا في النقل
стр. 700
عمًّا (١) ثبت (٢) عند الإمام فينقل (٣) إلى أهله أو إلى (٤) غيرهم. ولعل هذا لما روي عنه ﷺ أنه قال:"إذا شهد شاهدان فافطروا وصوموا" (٥) الحديث. ولا يستقل الحكم إلا بثبوته بالشهادة.
ثم ما بعد ذلك من فروع الباب يختلف فيها هل تعطى حكم (٦) أصولها فيكون بابها (٧) باب الشهادة، أو تنقل إلى باب الأخبار للاضطرار. إذ لو كلف كل أحد أن يسمع من الإمام أو من شاهدين لأدَّى ذلك إلى الحرج، أو لم يمكن (٨). فنقل ذلك الخبر عن الواحد.
(إذا ثبتت الرؤية في بلد هل تلزم سائر البلاد ؟)
وإذا ثبتت رؤية الهلال في بلد، فهل يلزم سائر البلاد إذا بلغهم؟ أما إن كان ذلك برؤية مشهورة فلا خلاف عندنا أنه يلزم [سائر] (٩) البلاد. أما إن كان بشهادة وحكم؛ فإن ثبت عند الخليفة الذي يلزم [سائر الناس طاعته، أو عند قاضيه، أو حاكمه، لزم الكل بلا خلاف عندنا. وإن ثبت عند من لا يلزم] (١٠) الكل طاعته ففيه قولان: المشهور اللزوم؛ إذ هذا حكم [ثابت بالشهود فيلزم تعميمه قياسًا على سائر الأحكام] (١١)، وليس مما
стр. 701
يفتقر فيه إلى كون المحكوم عليه في عمالة الحاكم. والشاذ إلحاقه بسائر الأحكام، ولا يلزم إلا المُوَّلى عليه خاصة.
وإذا ثبت أن ثبوت الهلال لا يحصل إلا بالشهادة فيشترط في الشهود ما يشترط في سائر الشهادات. وتفصيل ذلك محال (١) على موضعه.
(حكم الشاهدين في المصر الكبير)
لكن اختلف المذهب في قبول الشاهدين في المصر (٢) [الكبير والسماء مصحيَّة؛ فالمشهور قبولهما، وقيل لا يقبلان. وهذا خلاف في حال (٣). فإن نظروا إلى صوب واحد وانفرد برؤيته اثنان فذلك ريبة تردّ شهادتهما، وإن انفردا بالنظر إلى موضع قبلت شهادتهما.
(حكم الشاهد الواحد)
وإذا رآه الإنسان المنفرد، وجب عليه أن يرفع [شهادته] (٤) إن كان عدلاً، وكذلك إن كان مستوراً يرجو قبول شهادته، ولا يكتم لانفراده، لأنه قد يكون غيره يراه وهو منفرد أيضًا. فإن كان مكشوف الحال في عدم العدالة فهل يؤمر بالرفع؟ قولان: أحدهما: أنه لا يرفع خوفًا من كشف نفسه، والثاني: يرفع رجاء أن يقتدى به [مع] (٥) غيره، ولعل ذلك يكثر فيؤدي إلى الانتشار الذي لا تطلب فيه (٦) العدالة.
وإذا انفرد ولم يقبل قوله لانفراده، أو لأنه غير عدل، يجب عليه الإمساك. فإن لم يمسك، فلا يخلو أن يكون عامدًا غير متأول أو متأولاً.
стр. 702
فإن لم يتأول كان عليه القضاء والكفارة، وإن تأول فقولان: أحدهما: وجوب الكفارة، والثاني: نفيها. وهو على الخلاف في الجاهل هل حكمه حكم العامد أم لا؟
وإن انفرد بهلال شوَّال ولم يثبت به فإن لم يَخْفَ له الفطر فلا يفطر بلا خلاف، وإن كان مسافراً أو له عذر في الإفطار فمقتضى المذهب أنه يفطر، وإن لم يكن له عذر وخفي له الفطر وأمن من الاطلاع عليه، فالمشهور [من المذهب] (١) أنه لا يفطر، وهذا حماية للذريعة لئلا يطلع عليه غيره فيفطر على التهاون فيدعي الرؤية. والشاذ أنه يفطر لوجوب الفطر عليه.
(رؤيه الهلال على غير عادته في الطلوع)
وإذا رؤي الهلال مخالفًا لعادته في الطلوع؛ فإن كان بعد الزوال فلا يختلف المذهب بأنه من الليلة القابلة، وإن كان قبل الزوال ففي المذهب قولان: المشهور: أنه كالأول، والثاني: أنه لليلة الماضية. وكأن هذا ركون إلى أن السماء [كروية] (٢) وهذا [على] (٣) التعويل على رأي المنجمين، والأول نظراً إلى تجويز خلقته (٤) كبيراً أو صغيراً من غير أن يلتفت إلى العادة في وقت طلوعه؛ لأنّ هذه العادة قد لا تثبت.
ولو شهد اثنان بالهلال فقبلا، ثم عدَّ الناس ثلاثين يوماً فلم يبصروا، والسماء مصحية، فذلك دليل على ريبة الشهادة. وفيها قال (٥) مالك ﵀: هما شاهدا سوء.
ولو شهد شاهد على الهلال أول الشهر وشهد [آخر] (٦) على هلال
стр. 703
آخره، فإن كانت شهادة الثاني بعد تسعة وعشرين يومًا من شهادة الأول لم تلفق لأنهما لم يجتمعا على شيء واحد، وإن كانت بعد ثلاثين يومًا جرى تلفيقهما على الخلاف في تلفيق الشهادة على الأفعال.
...
فصل (في عدم الالتفات إلى كلام المنجمين)
وأما العدد فهو إكمال الشهر ثلاثين يومًا، وذلك يرجع إليه عند تعذر الرؤية. وإن اتفقت شهور كثيرة [في عدم الرؤية] (١) والسماء مصحيَّة [أو متغيّمة] (٢) استمر الناس على إكمال العدد ثلاثين. ولا يلتفت [عند تعذر الرؤية] (٣) في ذلك إلى أحكام المنجمين بالمفارقة وشهادتهم بإمكان الرؤية وتعددها، فإن أحكام المنجمين مذمومة [على تبيين الشرع] (٤). وإلى نفي التعويل على أقوالهم أشار- ﷺ -بقوله: "نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا" (٥). وأشار بيده منشورة (٦) الأصابع ثم قال هكذا وهكذا [وهكذا] (٧) وقبض في الآخرة أصبعاً من الأصابع، ليعلم أن التعويل على ما يشترك الكل في معرفته لا ما ينفرد به بعض الناس (٨).
стр. 704
(نفي التعويل على الحساب)
ونفي (١) التعويل على الحساب إما لأنه مما ينفرد به الآحاد، وإما لأنه مسامحة لقبول أحكام المنجمين في مبادئ قد ينصرفون (٢) منها إلى أواخر تصادم الشرع، وجمهور الأمة إلى منع الالتفات إلى حسابهم في هذا الشأن فقد قال ﷺ : "فَإن غُم عَلَيكُم فأكمِلُوا العِدةَ ثَلاَثِينَ" (٣)، وما وقع في بعض الطرق: "فَإن غم عَليكُم فَاقدُرُوا لَهُ" (٤) معناه إكمال العدة كما ورد في هذا الحديث، خَلافاً لمن فسره بالرجوع إلى التقدير والحساب (٥). والدليل على بطلان [هذا] (٦) ما قدمناه. وهذا دليل قطعي في هذا الشأن. وما ذكرناه من إكمال ثلاثين فهو معبر للحديث الآخر. وقد ركن بعض أصحابنا البغداديين إلى أن الإنسان إذا تحقق عنده بالحساب رجع إليه مع الغيم. وهذا باطل بما قدمناه (٧).
(تبييت نية الصوم في يوم الشك)
وإذا التمس الناس فلم يروا الهلال والسماء مصحيَّة فلا شك، وإن كانت متغيمة فالشك (٨) حاصل. وينبغي تبييت الإمساك ليستبين ما يأتي به النهار من أخبار السُّفَّار، فإن ثبت نفي الرؤية عول عليه، وإن ثبت إثباتها استديم الإمساك ولا يجزي ذلك اليوم. والفرق بين ما يجب فيه الإمساك
стр. 705
وما يجوز فيه استدامة الفطر أن كل من عول على الفطر بإباحة الشرع مع العلم بأن اليوم من رمضان، فإنه يستديم الفطر، كالحائض تطهر والصبي يحتلم والمجنون يفيق والمسافر يقدم. وفي الكافر يسلم قولان: قيل يجب عليه الإمساك بقية النهار إن أسلم فيه، وقيل لا يجب عليه. وهما على الخلاف في مخاطبتهم بفروع الشريعة.
ومن عول على الفطر جهلًا بأن اليوم ليس من رمضان، ثم ثبت أنه منه وجب عليه الإمساك. فإن أفطر وقد علم بوجوب الإمساك عليه؛ فإن تأول فلا كفارة عليه، وإن لم يتأول فقولان: أحدهما: وجوب الكفارة لوجوب الإمساك، والثاني: نفيها لأنّ اليوم لم تنعقد حرمته في حقه.
...
فصل (حكم صوم يوم الشك)
ويصوم يوم الشك مَن نَذره، أو من (١) استدام الصوم. وهل يصومه للتطوع (٢) أم لا؟ قولان: الكراهية (٣) محاذرة من موافقة أهل البدع في صومهم، والجواز لأنه محل الصوم على الجملة. وإنما يصومه أهل البدع لاعتقادهم أنه من رمضان. ونصوص المذهب على النهي عن (٤) صومه على التحري. واستقرأ أبو الحسن اللخمي وجوب (٥) صومه من أحد الأقوال في وجوب الإمساك على من شك في طلوع الفجر وعدم طلوعه. وهذا الاستقراء غير صحيح، لأنّ إمساك هذا الجزء لا محاذرة فيه من موافقة بدعي بخلاف يوم الشك. واستقرأه أيضًا من مسألة هي أشبه (٦) من الأولى،