← Фикх малики

Фикх малики · id 121378

التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات

أبو الطاهر ابن بشير

Полный текст (942 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

يفتقر فيه إلى كون المحكوم عليه في عمالة الحاكم. والشاذ إلحاقه بسائر الأحكام، ولا يلزم إلا المُوَّلى عليه خاصة. وإذا ثبت أن ثبوت الهلال لا يحصل إلا بالشهادة فيشترط في الشهود ما يشترط في سائر الشهادات. وتفصيل ذلك محال (١) على موضعه. (حكم الشاهدين في المصر الكبير) لكن اختلف المذهب في قبول الشاهدين في المصر (٢) [الكبير والسماء مصحيَّة؛ فالمشهور قبولهما، وقيل لا يقبلان. وهذا خلاف في حال (٣). فإن نظروا إلى صوب واحد وانفرد برؤيته اثنان فذلك ريبة تردّ شهادتهما، وإن انفردا بالنظر إلى موضع قبلت شهادتهما. (حكم الشاهد الواحد) وإذا رآه الإنسان المنفرد، وجب عليه أن يرفع [شهادته] (٤) إن كان عدلاً، وكذلك إن كان مستوراً يرجو قبول شهادته، ولا يكتم لانفراده، لأنه قد يكون غيره يراه وهو منفرد أيضًا. فإن كان مكشوف الحال في عدم العدالة فهل يؤمر بالرفع؟ قولان: أحدهما: أنه لا يرفع خوفًا من كشف نفسه، والثاني: يرفع رجاء أن يقتدى به [مع] (٥) غيره، ولعل ذلك يكثر فيؤدي إلى الانتشار الذي لا تطلب فيه (٦) العدالة. وإذا انفرد ولم يقبل قوله لانفراده، أو لأنه غير عدل، يجب عليه الإمساك. فإن لم يمسك، فلا يخلو أن يكون عامدًا غير متأول أو متأولاً.

стр. 702

فإن لم يتأول كان عليه القضاء والكفارة، وإن تأول فقولان: أحدهما: وجوب الكفارة، والثاني: نفيها. وهو على الخلاف في الجاهل هل حكمه حكم العامد أم لا؟ وإن انفرد بهلال شوَّال ولم يثبت به فإن لم يَخْفَ له الفطر فلا يفطر بلا خلاف، وإن كان مسافراً أو له عذر في الإفطار فمقتضى المذهب أنه يفطر، وإن لم يكن له عذر وخفي له الفطر وأمن من الاطلاع عليه، فالمشهور [من المذهب] (١) أنه لا يفطر، وهذا حماية للذريعة لئلا يطلع عليه غيره فيفطر على التهاون فيدعي الرؤية. والشاذ أنه يفطر لوجوب الفطر عليه. (رؤيه الهلال على غير عادته في الطلوع) وإذا رؤي الهلال مخالفًا لعادته في الطلوع؛ فإن كان بعد الزوال فلا يختلف المذهب بأنه من الليلة القابلة، وإن كان قبل الزوال ففي المذهب قولان: المشهور: أنه كالأول، والثاني: أنه لليلة الماضية. وكأن هذا ركون إلى أن السماء [كروية] (٢) وهذا [على] (٣) التعويل على رأي المنجمين، والأول نظراً إلى تجويز خلقته (٤) كبيراً أو صغيراً من غير أن يلتفت إلى العادة في وقت طلوعه؛ لأنّ هذه العادة قد لا تثبت. ولو شهد اثنان بالهلال فقبلا، ثم عدَّ الناس ثلاثين يوماً فلم يبصروا، والسماء مصحية، فذلك دليل على ريبة الشهادة. وفيها قال (٥) مالك ﵀: هما شاهدا سوء. ولو شهد شاهد على الهلال أول الشهر وشهد [آخر] (٦) على هلال

стр. 703

آخره، فإن كانت شهادة الثاني بعد تسعة وعشرين يومًا من شهادة الأول لم تلفق لأنهما لم يجتمعا على شيء واحد، وإن كانت بعد ثلاثين يومًا جرى تلفيقهما على الخلاف في تلفيق الشهادة على الأفعال. ... فصل (في عدم الالتفات إلى كلام المنجمين) وأما العدد فهو إكمال الشهر ثلاثين يومًا، وذلك يرجع إليه عند تعذر الرؤية. وإن اتفقت شهور كثيرة [في عدم الرؤية] (١) والسماء مصحيَّة [أو متغيّمة] (٢) استمر الناس على إكمال العدد ثلاثين. ولا يلتفت [عند تعذر الرؤية] (٣) في ذلك إلى أحكام المنجمين بالمفارقة وشهادتهم بإمكان الرؤية وتعددها، فإن أحكام المنجمين مذمومة [على تبيين الشرع] (٤). وإلى نفي التعويل على أقوالهم أشار- ﷺ -بقوله: "نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا" (٥). وأشار بيده منشورة (٦) الأصابع ثم قال هكذا وهكذا [وهكذا] (٧) وقبض في الآخرة أصبعاً من الأصابع، ليعلم أن التعويل على ما يشترك الكل في معرفته لا ما ينفرد به بعض الناس (٨).

стр. 704

(نفي التعويل على الحساب) ونفي (١) التعويل على الحساب إما لأنه مما ينفرد به الآحاد، وإما لأنه مسامحة لقبول أحكام المنجمين في مبادئ قد ينصرفون (٢) منها إلى أواخر تصادم الشرع، وجمهور الأمة إلى منع الالتفات إلى حسابهم في هذا الشأن فقد قال ﷺ : "فَإن غُم عَلَيكُم فأكمِلُوا العِدةَ ثَلاَثِينَ" (٣)، وما وقع في بعض الطرق: "فَإن غم عَليكُم فَاقدُرُوا لَهُ" (٤) معناه إكمال العدة كما ورد في هذا الحديث، خَلافاً لمن فسره بالرجوع إلى التقدير والحساب (٥). والدليل على بطلان [هذا] (٦) ما قدمناه. وهذا دليل قطعي في هذا الشأن. وما ذكرناه من إكمال ثلاثين فهو معبر للحديث الآخر. وقد ركن بعض أصحابنا البغداديين إلى أن الإنسان إذا تحقق عنده بالحساب رجع إليه مع الغيم. وهذا باطل بما قدمناه (٧). (تبييت نية الصوم في يوم الشك) وإذا التمس الناس فلم يروا الهلال والسماء مصحيَّة فلا شك، وإن كانت متغيمة فالشك (٨) حاصل. وينبغي تبييت الإمساك ليستبين ما يأتي به النهار من أخبار السُّفَّار، فإن ثبت نفي الرؤية عول عليه، وإن ثبت إثباتها استديم الإمساك ولا يجزي ذلك اليوم. والفرق بين ما يجب فيه الإمساك

стр. 705

وما يجوز فيه استدامة الفطر أن كل من عول على الفطر بإباحة الشرع مع العلم بأن اليوم من رمضان، فإنه يستديم الفطر، كالحائض تطهر والصبي يحتلم والمجنون يفيق والمسافر يقدم. وفي الكافر يسلم قولان: قيل يجب عليه الإمساك بقية النهار إن أسلم فيه، وقيل لا يجب عليه. وهما على الخلاف في مخاطبتهم بفروع الشريعة. ومن عول على الفطر جهلًا بأن اليوم ليس من رمضان، ثم ثبت أنه منه وجب عليه الإمساك. فإن أفطر وقد علم بوجوب الإمساك عليه؛ فإن تأول فلا كفارة عليه، وإن لم يتأول فقولان: أحدهما: وجوب الكفارة لوجوب الإمساك، والثاني: نفيها لأنّ اليوم لم تنعقد حرمته في حقه. ... فصل (حكم صوم يوم الشك) ويصوم يوم الشك مَن نَذره، أو من (١) استدام الصوم. وهل يصومه للتطوع (٢) أم لا؟ قولان: الكراهية (٣) محاذرة من موافقة أهل البدع في صومهم، والجواز لأنه محل الصوم على الجملة. وإنما يصومه أهل البدع لاعتقادهم أنه من رمضان. ونصوص المذهب على النهي عن (٤) صومه على التحري. واستقرأ أبو الحسن اللخمي وجوب (٥) صومه من أحد الأقوال في وجوب الإمساك على من شك في طلوع الفجر وعدم طلوعه. وهذا الاستقراء غير صحيح، لأنّ إمساك هذا الجزء لا محاذرة فيه من موافقة بدعي بخلاف يوم الشك. واستقرأه أيضًا من مسألة هي أشبه (٦) من الأولى،

стр. 706

وهي إحدى الأقوال في الحائض يتمادى بها الدم حتى يتجاوز عادتها ولا تبلغ الخمسة عشرة يوماً أنها تصوم وتصلي. والجامع (١) أن (٢) صوم الحائض محرّم وصوم يوم الشك منهي عنه محاذرة (٣) من موافقة المعولين على التنجيم (٤). وقد أمر مالك ﵀ الحائض بالاستظهار [وبالصوم] (٥) خوفاً من أن يكون واجباً عليها، ثم أمرها بالقضاء لئلا تكون حائضاً. وكذلك نأمره (٦) بأن يصوم يوم الشك خوفاً من أن يكون من رمضان، ويمكن أن يفرق بينهما بأن محاذرة الموافقة لأهل الحساب (٧) أشد من محاذرة الوقوع في الإمساك مع الحيض، لأنّ موافقة أولئك تعم [ضرورة] (٨)، وضرورة الحائض لا تعم. وأيضاً فنحن متعبدون بأن لا نصوم إلا مع (٩) كمال العدة أو الرؤية، وهاهنا لا واحد من هاذين. والحائض إذا تمادى [بها] (١٠) الدم وقد تيقنت أن الزمان يجب صومه على الجملة وهي تشك (١١) هل وجب عليها في نفسها أم لا؟ فتأخذ بالاحتياط (١٢)، فإن صام المكلف يوم الشك احتياطًا فالمنصوص لا يجزيه (١٣). قال (١٤) أشهب: بمنزلة من بادر فصلى

стр. 707

الظهر مع الشك هل دخل الوقت [أم لا] (١) فإنها لا تجزيه، وإن تبيّن أنه صلى في الوقت. وأنكر أبو الحسن اللخمي هذا التشبيه لأنّ المأمور بالصلاة عنده لا ينبغي له المبادرة مع الشك، وصائم يوم الشك مأمور (٢) بالمبادرة. ورأى (٣) أن المشبه ليوم الشك مسألة من تطهير أو توضأ لما شك هل وجب عليه، أو صلى لما (٤) ظن أنه وجب عليه. وفي المذهب قولان: إن تيقن بالوجوب فهل (٥) يكتفي بما قدمه (٦) مع الشك أم لا؟ وهذا الذي قاله غير صحيح. وتشبيه أشهب واقع؛ لأنّ صوم يوم الشك منهي عنه، وهو أبلغ في النهي من الشاك هل دخل وقت الصلاة (٧) أم لا؟ وما ذكره من المسائل لا خلاف أنه مأمور بتحصيل ما شك فيه. وإنما الخلاف في وجوب أمره أو ندبه، وعليه يبنى الإجزاء. وقد ألحقنا حكم يوم الشك بهذا الباب لما استوفينا فيه النظر في زمان الصوم العام والخاص. وقد احتج مالك ﵀ على الشافعي المجيز لشهادة الواحد في الصوم دون الفطر، بأنه إذا قبل في الصوم ثم عدَّ الناس ثلاثين يومًا فلم يروه، فهل يفطرون فيصير الإفطار بواحد والمخالف ينكره، أم (٨) يصومون فيصير الصوم إحدى وثلاثين يومًا؟ وذلك مما تنكره الشريعة. وللشافعية في هذه المسألة (٩) قولان: أحدهما: الفطر بعد الثلاثين بشهادة الأول؛ لأنه حكم قد استقل بالواحد فيمضي على ما هو به.

стр. 708

والثاني: يصومون إحدى وثلاثين يوماً لئلا يفطروا بشهادة الواحد. ويكون المعوَّل على أن الحكم في تفصيل كل (١) نازلة بما يوجبه الشرع. وعندنا ما يشير إلى هذا الخلاف، وهو قبول الشاهد واليمين وشهادة النساء في كل موضع تقع الشهادة على غير مال، والحاصل عنها مال أو بالعكس. وبيانه يأتي في موضعه إن شاء الله. ... باب في تفصيل ما يجب الإمساك عنه من الجماع وحكم مبادئه ولا خلاف أن الجماع وما في معناه من استدعاء المني محرم في الصوم. وأما مبادئه وهي: الفكر والنظر والقبلة والملاعبة والمباشرة؛ فإن استدامه حتى استجلب به المني رجعت إلى ما قدمنا من تحريم استدعائه. فإن لم يستدم؛ فأما الفكر والنظر فلا يختلف أنهما لا يحرمان في الصوم (٢). وأما القبلة وما بعدها ففي المذهب اضطراب هل تحرم أو تكره أو يختلف حال الشيخ والشاب. وتحقيق المذهب في ذلك: أن من علم سلامته من الإنعاظ (٣) وما بعده لم تحرم في حقه، ومن علم أنه لا يسلم حرمت في حقه، ومن شك ففيه قولان: التحريم، نظراً إلى تقرر الصوم (٤) في الذمة (٥)، فيجب عليه محاذرة كل ما يفسده. والكراهية، نظراً إلى أن

стр. 709

الفساد غير متيقن، ولا يحرم إلا مع تيقن الفساد. على أنه [قد] (١) اختلف في توجه القضاء مع الإمذاء (٢)، هل يجب، أو يندب إليه على ما يأتي. ونبدأ بأوائل الجماع ومقتضيات الشهوة على الترتيب، ونذكر ما يكون عنها، الأول فالأول فنقول: (حكم التفكر في الجماع وما في معناه) إن فكر فالتذ بقلبه فلا حكم للذة، وهذا مما تسقطه الشريعة لأنّ تكليفه من الحرج. وإن أنعظ فكذلك أيضًا. وإن أمذى (٣) نظر هل استدام أو لم يستدم، فإن استدام كان بمنزلة من أمذى قصدًا، فيؤمر بالقضاء. وهل يجب [القضاء] (٤) أم لا؟ قولان: الوجوب؛ لأنّ المذي علامة [على تحرك] (٥) المني عن موضعه، ونفي الوجوب لأنّ الحكم يتعلق بالمني لا بالمذي. والدليل عليه سقوط الكفارة فيه. وإن لم يستدم فلا شيء عليه، لأنه لو كلف القضاء لأدى إلى الحرج الذي تسقطه الشريعة السمحة، وإن أمنى [فإن استدام] (٦) قضى وكفر عندنا، وإن لم يستدم فالقضاء بلا كفارة إلا أن يكثر ذلك عليه فيسقطُ القضاء للمشقة. (حكم النظر) فإن نظر فالتذ بقلبه فلا حكم لما قلناه (٧) من الحرج، وإن أنعظ فكذلك أيضًا، وإن أمذى فاستدام النظر فالقضاء مأمور به. وهل هو (٨)

стр. 710

واجب؟ يجري على الخلاف المتقدم. وإن لم يستدم [النظر] (١)، استحب له القضاء ولا يجب. وإن أمنى؛ فإن استدام فالقضاء والكفارة، وإن لم يستدم فالقضاء. وهل يكفر؟ جمهور المذهب على أنه لا يكفر، وألزمه الكفارة أبو الحسن القابسي ﵀، وتأوله على ابن القاسم إذا قصد إلى النظر. ورأى أن قوله بالسقوط (٢) إنما هو مع عدم القصد. وسبب الخلاف تعليق الحكم على النوادر، فتجب الكفارة. أو عدم تعليقه على ذلك، فتسقط. (حكم القبلة) وإن قبَّل فالتذ بقلبه فلا شيء عليه؛ إذ لا حكم للذَّة بانفرادها، فإن أنعظ فقولان: وجوب القضاء وإسقاطه. وهذا خلاف في حال؛ هل يمكن (٣) الإنعاظ من غير مذي؟ وهاهنا قارن الإنعاظ [قبلة] (٤)، فهل يقتضي تعلق الحكم عليه، بخلاف إذا فكر ونظر (٥). وإن أمذي أمر بالقضاء. وهل يجب؟ قولان كما تقدم. فإن أمنى وجب القضاء، وهل تجب الكفارة؟ أما إن استدام فهي واجبة؛ لأنه [قاصد لفعل] (٦) يوجد معه المني غالباً. وإن لم يستدم فقولان: وجوب الكفارة، وإسقاطها. وهما خلاف في حال، هل يوجد المني من القبلة غالباً أم لا؟ وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس. (حكم المباشرة والملاعبة) وأما إن باشر أو لاعب ولم يمذ فلا قضاء إلا أن ينعظ ففيه قولان كما تقدم في القبلة. وإن أمذى أمر بالقضاء. وهل يجب؟ قولان كما تقدم.

стр. 711

وإن أمنى وجبت الكفارة على الإطلاق، إذ الغالب مع هذا الفعل وجود المني. أو يكون ذلك موجوداً كثيراً وإن لم يكن غالباً. وقال أشهب: لا كفارة، كالقبلة عنده. (حكم الجماع فيما دون الفرج) وإن جامع فيما دون الفرج فلا كفارة إلا أن ينزل، فإن أنزل كفر بلا خلاف عندنا. وهل يجب القضاء مع [عدم] (١) الإنزال؟ [ظاهر مذهب البغداديين الخلاف في وجوب القضاء إذا لم يكن إلا المذي. أما إذا كان المني فلا خلاف في هذا] (٢). (حكم الجماع في الفرج) وإن جامع في الفرج وجبت الكفارة بمغيب الحشفة؛ أنزل أو لم ينزل. ولا خلاف عند جمهور الأمة في وجوبها مع العمد. أما الإكراه والنسيان ففي المذهب قولان: المشهور عدم الوجوب، والشاذ إثباته. وسبب الخلاف قول النبي- ﷺ للقائل جامعت أهلي في رمضان "كفر" (٣). ولم يسأله هل جامع عمداً أو نسياناً. وبين الأصوليون خلاف في

стр. 712

ترك [الاستفصال] (١) هل يتنزل منزلة العموم في المقال أم لا (٢)؟ فإن قلنا إنه يتنزل منزلته جاء منه الشاذ، وإن لم نقل بذلك وحملناه على العمد لما في بعض الطرق من قول السائل احترقت (٣) (٤) جاء منه المشهور، إذ لا يقول في الظاهر احترقت إلا إذا كان عامداً. فإن جامع أهله مكرِهاً لها كفَّر عن نفسه، وهل يكفر عنها؟ أما إن قلنا بأن المكره يكفر فلا شك في وجوب الكفارة عليه عنها، وأما إن قلنا إن المكره لا يكفر فهاهنا قولان: أحدهما: أنه لا يلزمه عنها (٥) كفارة لأنها مكرهة (٦). والثاني: لزومها له لأنه قاصد إلى انتهاك حرمة اليوم في حقه وحقها فتلزمه كفارتان (٧). ... باب في أحكام الطعام وغيره مما يصل إلي المعده والحلق ولا خلاف أن الفطر يحصل بإيصال الطعام إلى المعدة أو إلى الحلق من منفذ واسع مع القصد والعمد. وفي معنى الطعام كل مغذٍّ. وهل يلحق

стр. 713

به غير المغذي، كالتراب والحصى والدراهم وما في معنى ذلك؟ في المذهب قولان: الإلحاق، حماية للذريعة وحسماً لباب التناول (١). وعدم الإلحاق، لأنّ هذا النوع مما لا تتشوف النفوس إلى جنسه، ولا معنى لحماية الباب [فيه] (٢). وقولنا: "من منفذ واسع"، احترازاً مما يصل [إلى المعدة] (٣) من المنافذ الضيقة كالعين والإحليل، والمنافذ الواسعة: الفم والأنف والأذن. وهل تلحق بذلك الحقنة؟ في المذهب قولان: أحدهما: الإلحاق بذلك لأنه في معنى المنافذ المتقدمة. والثاني: عدم الإلحاق لأنه (٤) لا يصل إلى المعدة. وإنما يصل إلى مستقر الأثفال (٥). وقولنا: "مع القصد والعمد"، لما ذكرناه من (٦) عدم الخلاف. ومذهبنا إلحاق النسيان بالعمد في حصول الفطر المقتضي للقضاء. وأما الكفارة فتحصل (٧) في هذا الباب عندنا بالعمد، وما يدخل من (٨) الفم. هذا النظر في هذا الباب على الجملة. وأما تفصيله فإنا نقول: أما ما يصل إلى الفم؛ فلا يخلو أن يكون متناولاً من خارج الفم أو مبتلعاً من الفم، [ولا يخلو من أن يكون مستخرجاً من الحلق أو متناولاً من خارج، ولا يخلو من أن يكون من جنس ما يغذي أو من جنس ما لا يغذي] (٩)، ولا يخلو أن يكون مقدوراً على الاحتراز منه أو غير مقدور.

стр. 714

(حكم المتناول من خارج الفم أو المبتلع منه) فإن كان متناولاً من خارج، وهو من جنس ما يغذي، ففي عمده القضاء والكفارة عندنا، وفي سهوه القضاء. وإن كان مبتلعاً من الفم كالفلقة (١) من الطعام تكون بين أسنانه، ففيه قولان: أحدهما: أنه كالمتناول من خارج [الفم لأنّ (٢) الفم له حكم الظاهر في الصوم، وإذا ابتلع منه شيئًا صار كالمتناول من خارج] (٣)، وأيضًا فإن أصلها من خارج الفم. والثاني: أنها ليست كالمتناول من خارج؛ لأنها لما استقرت في الفم صارت في حكم الريق. فإذا (٤) قلنا إنها ليست كالمتناول من خارج، فهل تسقط الكفارة ويجب القضاء أو يسقطان جميعًا؟ في المذهب قولان: سقوطها، لما عللنا به من أنها كالريق. ووجوب القضاء، لأنها في حكم ما يمكن الاحتراز منه، فأشبه (٥) المتناول ناسياً (٦). (حكم تناول غير المغذي) وأما غير المغذي فقد قدمنا ما فيه من الخلاف. وإذا قلنا إنه ليس كالمغذي، فهل يكون فيه [القضاء] (٧) خاصة أم لا؟ في المذهب قولان: أحدهما: وجوب القضاء، [إذ ليس كالمغذي] (٨) في عمده دون الكفارة. [والثاني: وجوب القضاء والكفارة] (٩)، وهذا مراعاة للخلاف، ولأن الكفارة

стр. 715

إنما جعلت في الشريعة] (١) زجراً عن تناول ما تدعو النفوس إليه، وهذا مما لا تدعو النفوس إليه. وأما ما استخرج من الحلق كالبَلْغَمِ (٢)؛ فإن لم يقدر على طرحه فلا حكم له إن استرده، وإن أمكن طرحه ففيه من الخلاف ما في غير المغذي، كالفلقة بين الأسنان. (حكم ما لا يمكن الاحتراز منه) وإن كان مما لا يمكن الاحتراز منه، فإن عمَّ وكان من جنس ما لا يغذي كغبار الطريق، فلا خلاف في سقوط حكمه (٣). وإن كان من جنس ما يغذي كغبار الدقيق فيه قولان في المذهب: أحدهما: وجوب القضاء، لأنّ [أقصى] (٤) أمره أن يكون كالنسيان. والثاني: نفيه، لأنه لا يمكن الاحتراز منه كغبار الطريق. وأما غبار [الجير والدباغ] (٥) وما في معناه من كل ما لا يغذي وينفرد بالاضطرار إليه بعض الناس، فهل يكون كغبار [الدقيق فيكون فيه الحكم كما قدمته أو يكون كغبار الطريق فلا حرج فيه ولا حكم؛ فإنه] (٦) إن عللنا غبار الطريق بأنه من جنس ما لا يغذي فهذا مثله، وإن عللنا بعموم الاضطراب إليه فهذا بخلافه. ... فصل (حكم الواصل إلى المعدة أو الحلق من غير الفم) ولا خلاف في سقوط الكفارة في الواصل إلى المعدة أو الحلق من غير الفم، إلَّا ما قاله أبو مصعب فيما دخل من منفذ واسع. وهو بعيد

стр. 716

جدًا، لأنّ هذا مما لا تتشوف النفوس إليه، فتتعلق الكفارة به. وإنما ظن أن الشريعة علقت الكفارة بوصول الشيء إلى المعدة مع القصد والعمد. وفي إثبات القضاء فيما استدخل من منفذ واسع كالأنف والأذن قولان. وقد قدمنا القولين في الحقنة، وذلك إذا كانت مما يماع (١) [ويحصل الاغتذاء به] (٢). وأما إذا كانت مما لا يماع فلا يختلف في سقوط حكمه. وكذلك الاكتحال بما لا يتحلل ولا يصل، وأما ما يتحلل ويصل فهل يجب عند الاكتحال به القضاء؟ في المذهب قولان. وهما خلاف في شهادة، هل يمكن أن يصل من العين إلى الحلق شيء بتوصيل العقاقير الغواصة، أو لا يمكن ذلك لضيق المنفذ؟ وإذا قلنا بإسقاط القضاء، فهل يجوز ذلك ابتداء أم لا؟ في المذهب قولان: فمن أجاز شهد (٣) بعدم الوصول، ومن منع فلعله راعى الخلاف ورأى أنَّ الواصل يسير لا حكم له في إيجاب القضاء، لكنه ينهى عنه ابتداء. وإنما سقطت الكفارة في الواصل من غير الفم؛ لأنّ الكفارة إنما جعلت في الشريعة زجراً وردعاً عن تناول ما تدعو النفوس إلى تناوله، وهذا القبيل مما لا تدعو النفوس إليه إلا عند الحاجة، فيكون الإنسان كالمضطر إليه. والفطر إنما يقع بوصول جرم المتناول إلى الحلق لا بوصول ريحه. ولهذا نقول: إن ذوق (٤) ما له طعم مكروه، لكن لا يحصل الفطر بذوقه إلا أن يصل منه شيء إلى الحلق والمعدة. ... فصل (حكم القيء) وأما [القيء] (٥) الضروري فحكمه (٦) ساقط إلا أن يُسترجع (٧) شيء

стр. 717

بعد إمكان طرحه ففيه من الخلاف ما قدمناه في الخارج من الحلق يُسترد. وأما المستدعي ففيه القضاء في الصوم الواجب لإمكان أن يرجع منه شيء. واختلف البغداديون هل الأمر بالقضاء على الوجوب أو على الاستحباب. ولعل هذا التردد في رجوع شيء منه فيكون (١) بمنزلة من شك هل وجب عليه شيء أم لا؟ وهل (٢) فيه الكفارة [أم لا؟] (٣) أما إن كان استدعى لعذر أوجبه فلا كفارة عليه، وأما إن كان لغير عذر ففي الكفارة قولان: المشهور إسقاطها، والشاذ وجوبها. قال [أبو الفرج] (٤) البغدادي: هو القياس. وتأوله على مذهب مالك ﵀. ولعلَّ هذا خلاف في شهادة هل يمكن أن يسلم مستدعي القيء من أن يرجع إلى حلقه شيء أم لا، أو نقول: وإن رجع يجري الخلاف في هذا القبيل هل في عمد رده بعد إمكان طرحه كفارة أم لا؟ وإثباتها حماية للذريعة، ونظرًا إلى القاعدة الكلية لوجوب الكفارة في العمد، وإسقاطها لأنّ النفوس تأباه بطبعها. ... فصل (حكم المضمضة والسواك) ولا خلاف في إباحة المضمضة للصائم. ولو تمضمض في وضوء أو غيره فسبقه الماء وجب عليه القضاء عندنا، لأنا نوجب (٥) القضاء مع النسيان والغلبة، وهذا منه. ولا كفارة إلا أن يتعمد وصول الماء من غير غلبة. والسواك مباح عندنا قبل الزوال وبعده، إذا كان مما لا يتحلل منه ما

стр. 718

يصل إلى الحلق أو طعمه، فإن كان [بما] (١) يتحلل فإن سلم منه كره ولا قضاء، وإن وصل إلى الحلق شيء كان على التفصيل الذي ذكرناه في المضمضة. ... باب الصيام في السفر ولا خلاف بين الأمة أن السفر من مقتضيات الفطر [على الجملة] (٢)، وجمهورهم على إباحة الصوم فيه. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣) معناه: فأفطر. وهذا يسميه الأصوليون لحن الخطاب، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ معناه: فلحق (٤)، وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (٥) معناه: فحنثتم. وما روي عنه ﷺ أنه قال: "الصوم في السفر كالفطر في الحضر" لم (٦) يثبت (٧)، ولو ثبت لحُمل (٨) على من يشق عليه الصوم حتى يؤديه إلى مضرة كبيرة. وما ثبت (٩) عنه ﷺ أنه قال:

стр. 719

"لَيسَ مِنَ البِر (١) الصَّومُ (٢) في السفَر" (٣) خارج على سبب، وهو أنه رأى رجلًا قد جهده الصوم فقال هذا القول. فهو عموم خرج على سبب. وبين الأصوليين خلاف هل يقصر على سببه، أو يتعدى؟ فإن قصرناه على سببه كان حجة للمشهور (٤)، وإن عديناه إلى (٥) غير هذا الموضع فنقصره هاهنا إما لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٦) وسنذكر ما في هذه الآية وإما لما ثبت أن الصحابة رضوان الله عليهم كانت تسافر (٧) معه ﷺ فمنهم الصائم والمفطر ولم يعب بعضهم على بعض (٨). وإما لما ثبت أنه ﷺ سأله حمزة بن عمرو الأسلمي عن الصيام في السفر فقال له: "إن شِئتَ فَصُم وإِنْ شِئتَ فَأفطِر" (٩). (أيهما أفضل للمسافر الإفطار أم الصيام ؟) وإذا [تقرر] (١٠) جواز الصوم في السفر على الجملة فهل هو أفضل، أو الفطر، أو يتساويان؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أن الصوم أفضل، وهو المشهور. والثاني: عكسه. والثالث: أنهما سيان. وسبب الخلاف الآثار والاعتبار: أما الآثار فإنه ﷺ صام في رمضان

стр. 720

فلما بلغ الكَدِيدَ أفطر، فقال الراوي: "كان الناس يأخذون بالأحدث فالأحدث من فعله ﷺ " (١) [فتعلق من رأى أن الصوم أفضل بأنه ابتدأ [به] (٢)، ومن عكس فلأنه يرجع (٣) إليه، وقال الراوي ما قال. وهو دليل على أنهم فهموا ترك الصوم والانتقال إلى أن الأولى الفطر. لكن في بعض الطرق أنه ﷺ ] (٤) إنما أمرهم بذلك فأفطر ليقتدوا به وقصد التقوي على لقاء العدو (٥). وهذا يشعر بأن الصوم أفضل، لكنه تركه (٦) لهذه العلة، والحديث متنازع فيه على أي المذهبين يدلّ كما بيَّناه. ومن قال بالتخيير احتج بما قال ﷺ من تخيير السائل وقد تقدم وبما حكى أنس عن الصحابة ﵃ من انقسامهم إلى الصائم والمفطر كما تقدم، ولم يعب بعضهم بعضاً. ومثل هذا لا يكاد يخفى عنه ﷺ من فعلهم، وإقرارُه دليل على الجواز. ويحتج للمشهور أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٧). لكن قد قدمنا الخلاف، هل كان صوم رمضان أولاً لازمًا فلا بد، أو يجوز للقادر عليه أن يفطر ويفتدي؟ فعلى القول بلزوم الصوم يكون في الآية حجة، وعلى القول بالتخيير بينه وبين الفدية

стр. 721

يكون (١) محمل الآية على القادر ويكون ذلك منسوخاً كما تقدم. وأما الاعتبار؛ فمن رأى الفطر أفضل قاسه على القصر في السفر والمشهور أنه أفضل كما تقدم والفرق بينهما على المشهور أن القاصر يؤدي فريضة الوقت ويخرج عن عهدة (٢) التكليف، والمفطر لا يؤدي فريضة الوقت بل (٣) تبقى ذمته معمورة (٤) به، ولا يجد أيامًا توازي رمضان في الفضل. (نية السفر لا تبيح الإفطار) وإذا تقرر ذلك فقد قدمنا أن مجرد النية لا تكفي في السفر حتى بصحبه الفعل. فمن عزم على السفر فأفطر قبل أن يشرع فيه فهل عليه الكفارة؟ في المذهب أربعة أقوال: أحدهما: وجوب الكفارة مطلقاً. والثاني: إسقاطها (٥) مطلقاً. والثالث: إيجابها إن لم يتم [على] (٦) السفر وإسقاطها إن تم. والرابع: إيجابها إن لم يأخذ في أهبة السفر وإسقاطها إن أفطر بعد أن أخذ في أهبة السفر. هذه الأقوال ترجع إلى الانتفاع بالتأويل وعدم الانتفاع به. وإذا (٧) قلنا إن مجرد النية من غير شروع في السفر لا يقتضي الفطر؛ فمن (٨) أوجب الكفارة مطلقًا فبناء (٩) على الأصل ولم يعذره (١٠) بالتأويل، ومن أسقطها مطلقاً عذره بالتأويل، ومن فرَق بين أن يتم على السفر أو يبدو له أعطى

стр. 722

أول النهار حكم آخره، فإذا تم على السفر صار اليوم لا حرمة له في حق هذا، إذ الكفارة إنما تجب لانتهاك الحرمة، ومن فرَّق بين أن يأخذ في أهبة السفر، أو لا يَعُدّ الأخذ في الأهبة ضرباً في (١) الشروع في زمان السفر، فتسقط به الكفارة. فإن سافر فلا يخلو أن يكون سافر قبل طلوع الفجر (٢) أو بعده. فإن سافر قبل الطلوع فهو مخيَّر بين أن يعقد الصوم أو الفطر. وإن سافر بعد الطلوع فعليه أن يعقد الصوم قبل الطلوع. فإن أفطر قبل سفره فقد تقدم الخلاف فيه. وإن أفطر بعده؛ فإن تأوَّل فظاهر المذهب ألا كفارة عليه، وإن لم يتأول فقولان: أحدهما: إيجاب الكفارة. والثاني: إسقاطها. وهو خلاف في كون الصوم كالجزء الواحد والحكم فيه الأول (٣)، فتجب الكفارة لانعقاده في الحضر. أو كل جزء منه عبادة قائمة بنفسها، فلا تجب الكفارة، لأنه صام أولاً حاضرًا وأفطر لما خرج للسفر (٤)، والسفر يبيح الفطر. (هل يباح الفطر لمن أصبح صائمًا في السفر) وإن (٥) أصبح صائمًا في السفر فهل يباح له الفطر في أثناء النهار؛ أما إن طرأ عليه عذر يقتضي الفطر ومنه التقوي للقاء العدو كما فعله ﷺ فيباح الفطر، وأما إن لم يكن له عذر فقولان: المشهور منع الفطر، والشاذ جوازه. وهو على الخلاف في كون الصوم، هل هو كالجزء الواحد أو كل جزء منه قائم بنفسه، فيكون السفر مبيحاً للفطر في كل وقت وإن عقد الصوم. ويحتج من أباح الفطر أن النبي- ﷺ أفطر (٦) بعد أن عقد الصوم،

стр. 723

ويرى الفطر (١) من باب الأولى، لأنه بلغ إلى حالة تقتضي الفطر فلا بد. وإذا قلنا بمنع الفطر فأفطر هل تجب الكفارة؟ ثلاثة أقوال: أحدها: الوجوب، والثاني: نفيه، والثالث: إن أفطر بالجماع وجبت وإن أفطر بالأكل لا تجب. فأما الوجوب، فلما قدمنا من المنع. وأما نفيه، فلعله بناء على أن الفطر مكروه لا يحرم وقد قيل بذلك أو مراعاة الخلاف. وأما التفرقة، فهي لابن الماجشون وهو القائل بوجوب الكفارة مع النسيان والعذر، فلعله بناء على ذلك. أو لأنّ (٢) الفطر بالأكل والشرب يتأول على التقوي على السفر، والجماع ليس كذلك. وإذا جاز إنشاء الصوم في السفر في رمضان جاز أيضًا لسائر أنواع الصوم. (حكم المسافر يفتتح صومًا في غير رمضان) وإن افتتح صوماً في غير رمضان فلا يخلو أن يكون واجبًا أو غير واجب. [فإن كان واجباً] (٣) كالنذر أو صوم الكفارة؛ فالمنصوص أنه لا يجوز له الإفطار بعد افتتاحه، ويلزم على قول مطرف أنه يجوز فطره كما قال في الصيام في السفر في رمضان. وإذا أفطره فلا شك في وجوب القضاء إلا أن يفطره لمرض؛ [فإن أفطره لمرض] (٤) ففي [قضاء] (٥) المعيَّن منه قولان: أحدهما: الأمر بالقضاء خوفاً أن يكون السفر أهاج (٦) عليه المرض. والثاني: نفي القضاء، نظرًا إلى المرض. وينبغي أن يكون هذا (٧) خلافًا (٨) في حال.

стр. 724

فإن تبيَّن أن السفر أهاجه (١) أمر بالقضاء، وإلا فلا قضاء عليه. وسيأتي الخلاف في قضاء اليوم المعيَّن في حق الناسي والمريض والحائض. فإن كان الصوم المفتتح تطوعاً، فالمنصوص أيضًا أنه لا يجوز إفطاره، ويجري على قول مطرّف أنه يفطره. وإذا افتتح الصوم ثم أفطر في الحضر ثم سافر؛ فأما التطوع ففي جواز الفطر فيه قولان: أحدهما: أنه لا يجوز فطره، فإن أفطر قضى. والثاني: أنه يجوز ولا قضاء عليه إن أفطر، وهو (٢) على ما قدمناه من النظر إلى حالة الانعقاد، فلا يجوز له الفطر. ويلزم القضاء أو الحكم بأن (٣) كل جزء قائم بنفسه، فيجوز الفطر وينتفي (٤) القضاء. وأما الصوم الواجب؛ فقد قدمنا الخلاف في لزوم الإمساك في رمضان، هل هو واجب أو مندوب إليه؟ فاحرى أن يجري الخلاف هاهنا. لكنه متى أفطر وكان الصوم مما يجب متابعته بطل جميعه وابتدأه (٥). وهكذا يجري الأمر في القسم الأول (٦)، وهو (٧) إذا افتتح الصوم في السفر. ... فصل (حكم المريض) و [من] (٨) مقتضيات الفطر المرض. ويحرم الصوم معه إذا أدَّى إلى

стр. 725

التلف والإيذاء الشديد. وأما إن كان فيه مشقة ولا يؤدي إلى ذلك فلا يحرم تكلفه. وللإنسان الفطر متى خاف الموت، أو تمادي المرض، أو زيادته، أو حدوث مرض. ونؤخر الكلام على حكم الحائض إلى موضعه من الكتاب إن شاء الله. ... باب في أحكام صوم الأسير ولا شك أنه [إذا كان مطلقاً] (١) فيبني على الرؤية أو (٢) العدد كما قدمناه. فإن كان في مهواة لا يمكنه التوصل إلى الرؤية بني على العدد وأكمل كل شهر ثلاثين. فإن التبست عليه المشهور اجتهد وبنى على غلبة ظنه، وإن لم يغلب على ظنه شيء فأجراه اللخمي (٣) على قولين: أحدهما: أنه يصوم سائر الشهور. والثاني: أنه يتحرى شهراً ليصومه (٤). وهذا كما قدمناه فيمن التبست عليه دلائل القبلة. وكما اختلف في من نذر يوماً من الجمعة (٥) ثم نسي عينه؛ فقيل: يتحرى يوماً فيصومه، وقيل: يصوم آخر يوم من الجمعة (٦) حتى يكون قضى إن لم يكن هذا اليوم (٧). وقيل يلزمه صوم الدهر (٨) إن نذر يوماً (٩) مؤبداً. فعلى هذا فلا بدّ أن يلزمه سائر الشهور. فان تحرى شهراً، أو صام باجتهاده؛ فلا يخلو أن يتبين له أنه أخطأ

стр. 726

أو أصاب، أو يخفى عليه ذلك بعد خروجه إلى حيث يمكنه النظر. فإن تبين له الخطأ فإن أخطأ وصام (١) ما بعد رمضان أجزأه، وكان قضاء. وإن أخطأ بصوم ما كان قبله فلا يجزيه إلا أن تكون شهوراً عدَّة صام منها مثلًا عن ثلاثة شهور شعبان، وأما الشهر الآخر فلا خلاف في المذهب أنه يقضيه لأنه صام قبله. وأما الأول والثاني: ففي وجوب قضائهما قولان: المشهور وجوب القضاء. وقال (٢) ابن الماجشون: لا يجب (٣) ويكون الصوم الثاني والثالث قضاء عن الأول [والثاني] (٤). وهذا خلاف في وجوب تعيين الشهر بالنية. وقد قدمنا الخلاف في وجوب تعيين اليوم بعينه (٥) في الصلاة. وذكرنا (٦) أن ثمرة ذلك لو نسي صلاة لا يدري هل هي من السبت أو من الأحد مثلًا. فلا (٧) شك أنه إذا تبيّن له أنه أصاب فلا شيء عليه، وإن أشكل عليه؛ فإن بقي على ما كان عليه في حال صومه من غير أن تظهر أمارة ريبة، فلا شيء عليه ويستصحب الإجزاء، هكذا قاله أبو الحسن. وإن بدت (٨) له أمارة ريبة فهاهنا قولان: أحدهما: أنه يجب عليه القضاء حتى يستيقن ببراءة (٩) ذمته فإن أصاب الشهر أو صام بعده قضى عنه. والثاني: نفي القضاء حتى يستيقن أنه صام قبله. وهذا على ما قدمناه من الخلاف في حكم من أيقن بالوضوء وشك في الحدث. وقد وقعت الروايتان مطلقاً، ولم يفصل قائلها بين ظهور ريبة وعدم ظهورها. وفصَّل أبو الحسن اللخمي كما قلناه. ولا شك أن وجهه

стр. 727

بيّن؛ لأنه إذا لم يسترب فلا شك، وإنما الشك مع تعارض خاطرين: أحدهما: أنه يقتضي أمراً، والآخر: يقتضي ضده، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر. ... فصل (من اضطر للفطر هل يتمادى في الفطر أم لا ؟) وقد قدمنا حكم من أصبح مفطراً في رمضان لجهله باليوم أو لعذر أوجب الفطر. وهل [على المفطر] (١) إمساك بقيمة اليوم أوْ لا يلزمه؟ وأعطينا في ذلك قولًا كليًا. لكن اختلف المذهب فيمن اضطر إلى الفطر لغلبة عطش أو أمر بيِّن الضرر فأفطر (٢) حتى ذهبت ضرورته، هل يجوز له التمادي على الفطر لأنه إنما أفطر للضرورة فأشبه (٣) الحائض والمسافر؟ أو لا يجوز له، لأنه إنما أفطر لعذر وقد انصرف بعد فتنعقد (٤) عليه حرمة اليوم. وهكذا يلاحظ الخلاف فيمن اضطر إلى أكل الميتة؛ هل يجوز له الشبع منها [والتزود] (٥)، أو إنما يجوز له تناول [ما يمسك] (٦) القوت؟ ... فصل (حكم الجنابة والحيض) وجمهور الأمة على أن حدث الجنابة لا يناقض الصوم، وكذلك غيره من الأحداث. والدليل عليه قول عائشة ﵂ فيما حكته عن

стр. 728

رسول الله ﷺ : "أنه كان يصبح جنبًا في رمضان من جماع من غير احتلام" (١). وأما حدث الحيض بعد ارتفاع الدم فهل يناقض الصوم؟ لا يخلو من أن ينقطع الدم قبل الفجر بزمان يمكن فيه الغسل، أو بزمن لا يمكن فيه الغسل، فإن أمكن ففي المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يناقضه، وهو المشهور قياساً على حدث الجنابة. والثاني: هو الشاذ، أنه يناقضه، ولا ينعقد الصوم إلا بعد الاغتسال قياسًا على الصلاة. وإن لم يمكن الاغتسال فقولان: المشهور صحة الصوم. والشاذ عدم الصحة. وهذا نظرًا إلى أن الصوم لا ينعقد إلا بعد المخاطبة [بالصلاة] (٢)، وإذا لم يمكن الغسل فلا تخاطب (٣) على نصوص المذهب. فإن اجتمعت (٤) قلت: [المذهب على] (٥) ثلاثة أقوال: أحدها: صحة الصوم وإن بقي حدث الحيض. والثاني: عدم الصحة. والثالث: التفرقة بين إمكان الغسل وعدم إمكانه. وفي الكتاب فيمن أصبحت فشكَّت أَطَهُرت قبل الفجر أو بعده، فلتصم يومها ذلك وتقضيه. واستقرىء من (٦) هذه المسألة فرعان: أحدهما: وجوب صوم يوم الشك للاحتياط ثم يقضي. وهذا كما قدمناه من استقراء أبي الحسن اللخمي وجوب الصوم (٧) من أحد الأقوال في التي لا ينقطع

стр. 729

عنها الدم بعد عادتها هل تصوم وتقضي فيما بينها وبين (١) الخمسة عشر يوماً. وقد قدمنا في ذلك. والاستقراء من مسألة الشاكة هل طهرت قبل الفجر أضعف (٢)، لأنها لا دم معها. والظاهر براءتها لعدم (٣) الدم. والفرع الثاني: أن الحائض لا يجب عليها تجديد النية للصوم؛ بل تكتفي بما تقدم في أول الشهر. وفي ذلك خلاف يأتي في باب النية [في الصوم] (٤). ... فصل (٥) (حكم الجنون والنوم والإغماء) ولا خلاف أن الجنون مناقض لانعقاد الصوم، لكن حكم القضاء قد قدمنا ما في المذهب فيه (٦). ولا خلاف أن النوم لا يناقض الصوم. وأما الإغماء فإن كان بمرض استغرق جميع أجزاء النهار فلا خلاف في المذهب أنه يناقض الصوم، ولا ينعقد معه، قياسًا على الجنون. وإن كان بغير مرض فالمشهور أنه كالأول، والشاذ أنه كالنوم. وهو خلاف في شهادة؛ هل يستغرق الإغماء بغير مرض حتى يذهب العقل [جملة ويخرج] (٧) عن حالة النوم بالكلية، أم لا؟ فإن كان الإغماء في اليسير من النهار؛ فإن سلم طرفه الأول فلا خلاف في المذهب أنه كالنوم وهذه (٨) شهادة بأنه مع هذه الحالة لا يستغرق العقل، فإن كان في طرفه الأول حتى كان الإغماء [من] (٩) قبل

стр. 730

طلوع [الفجر] (١) ففي المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يناقض، والثاني: أنه يناقض. فمن قال إنه لا يناقض قاسه على الكائن في آخر النهار (٢). ومن قال إنه يناقض نظر إلى حالة الانعقاد، فمتى سلمت عد ما يطرأ بعدها كالنوم. وإن أتى الإغماء على شطر (٣) النهار ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يناقض [كالنوم] (٤). والثاني: أنه يناقض [كالجنون] (٥). وهو خلاف في شهادة هل يعم هذا المقدار أجزاء العقل حتى يكون كالجنون أو لا يعمّ، إلا أن يكون مستغرقاً لكل النهار. وفي الجل قولان أيضًا (٦): وجوب القضاء، واستحبابه. وهما على ما قدمناه. ... فصل (حكم من أفطر متأولاً) ولا خلاف في وجوب الكفارة عندنا مع القصد إلى انتهاك حرمة الصوم. فإن أفطر متأولاً فإن قرب تأويله واستند إلى أمر موجود فلا كفارة عليه. وهذا كما مثله في الكتاب فيمن أفطر ناسياً فظن بطلان صومه فأفطر متعمداً، أو المرأة ترى الطهر ليلًا في رمضان فلم تغتسل فتظن أن من لم تغتسل ليلًا (٧) فلا صوم لها فتأكل، والرجل يدخل من سفره ليلًا فيظن أنه لا صوم له إلا أن يدخل نهارا فيفطر. والعبد يخرج راعياً على مسيرة أميال فيظن أنه سفر يبيح له الفطر، فلا كفارة على جميع هؤلاء. وقال ابن القاسم: "وكلما رأيت مالكاً ﵀ يُسأل عنه من هذا الوجه على التأويل

стр. 731

فلم أره يجعل فيه الكفارة" (١). وإن بعد تأويله ففي المذهب قولان: إيجاب الكفارة، والثاني: إسقاطها. وهذا كما قدمناه في من رأى الهلال وحده فردَّ الإمام شهادته فأفطر، ظانا أن الصوم لا يجب عليه. فإن إستند تأويله إلى سبب معقول (٢) ففيه قولان: أحدهما: إيجاب الكفارة، وهو المشهور نظراً إلى الحال. والشاذ إسقاطها، نظراً إلى المآل. وهذا كمسألة المفطرة تعويلاً على أنه يوم حيضتها، وكالمفطر تعويلاً على أن اليوم تنوبه (٣) فيه الحمى. وهو يلاحظ مسألة من الكلام وهو من بلغ فأهمل النظر والاستدلال به (٤) عند بلوغه فاحتلم قبل إكمال أجزاء (٥) النظر [لو أفتتحه] (٦). واختلف القائلون بإيجاب النظر هل يحكم بعصيانه نظراً إلى حالة التفريط أو ينتفي العصيان نظراً إلى أنه لو بادر لما أغنى عنه ولم يصل إلى المقصود (٧).

стр. 732

فصل (حكم الحامل والمرضع) وينخرط حكم الحامل والمرضع في سلك (١) المريض؛ فأما الحامل فمتى أدَّى صومها إلى الخوف على نفسها أو على ما في بطنها أفطرت، ويجب عليها الإفطار في كل حالة يجب على المريض، وقد قدمناه. وهل تكون عليها الفدية الصغرى؛ وهي مدّ لكل يوم؟ في المذهب أربعة أقوال: أحدها: نفي الوجوب، قياساً على المريض. والثاني: إيجابه، لأنّ النص ورد في المريض، وقد ورد عنه ﷺ إيجاب الفدية على الحامل. والثالث: التفرقة بين أن تخاف على نفسها فتسقط الفدية لأنها مريضة، أو تخاف على ما في بطنها فتجب لأنها في هذه الحالة كالمرضع والمرضع لا يتعلق عليها (٢). والرابع: تطعم إن احتاجت إلى الفطر قبل ستة أشهر، ولا تطعم إن احتاجت إليه بعد ستة أشهر، لتحقق حالة المرض بعد [ستة أشهر] (٣). فأما المرضع فإن شق عيها الصوم وأدَّى إلى حالة المرض؛ فإن قدرت، أو قدر من يلزمه إرضاع الصبي المولود على أن يستأجر له من تقوى (٤) على الإرضاع والصيام، أو مرضعاً (٥) حائضًا أو كتابية، وكان المولود يقبل غير أمه، وجب الاستئجار ولم يجز الفطر. وإن لم يوجد من يستأجر [أو بما يستأجره] (٦) أو لم يقبل غير أمه أفطرت الأم وأرضعته. وفي وجوب الفدية عليها قولان. وهي مطيقة في نفسها غير

стр. 733

مطيقة لضرورة (١) الولد؛ فمن نظر إلى حالتها أوجب الفدية، ومن نظر إلى حالة الولد أسقطها. وقد قدمنا الخلاف في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٢) هل هو محمول على القادر على الصوم، أو أنه كان يخير بين الصيام (٣) والإطعام ثم نسخ، أو معناه يلزمونه وإن عجزوا عنه (٤). وعليه أيضًا القولان في المتعطش والشيخ الكبير. وبالجملة، كل من لا مرض به، ويُعلم من حالته أنه لا يمكنه إكمال صوم اليوم، هل تلزمه الفدية أم لا تلزمه؟ ... فصل (لا تصوم الزوجة تطوعاً إلا بإذن زوجها) والنكاح معاوضة بين الزوجين، ملك به الزوج الانتفاع بالزوجة والاستمتاع، فليس لها أن تفعل ما يؤدي (٥) إلى تعطيل ملكه إلا بإذنه. فلهذا لا تصوم تطوعاً إلا بإذنه، أو تعلم من حاله أنه لا يحتاج إليها في النهار. فإن صامت من غير إذنه فمقتضى المذهب أنه يجبرها على الفطر. وهكذا يكون العبد ليس له أن يصوم تطوعاً إلا بإذن سيده، وهذا إذا كان صومه يضر بسيده في عمله، وأما إن كان غير مضر فقد قالوا لا يمنعه. وينبغي أن ينظر هل يضر ذلك في المال أو يضر في الحال؛ فإن كان يضر في المآل فله أن يمنعه، وليس للزوج ولا للسيد المنع من الصوم الواجب لتقديم حق [الله تعالى] (٦) لأنه (٧) على ذلك دخل.

стр. 734

وهل له المنع في تعجيل القضاء؟ وهذا مما تردد فيه المتأخرون هل له ذلك لما كان تعجيل القضاء لا يجب، أو ليس له ذلك للمحاذرة من أن يحرم (١) أو يعجز عن القضاء حتى يدخل عليه شهر آخر فيكون مفرطاً (٢). وسنذكر الخلاف في من صح من الأيام ما يمكن له فيه القضاء، ثم توالى عليه المرض حتى دخل عليه شهر آخر، هل يكون مفرطاً أم لا؟ ... باب في أحكام القضاء ولا خلاف أنه لا يجب على الفور. والأصل في ذلك ما أخبرت به عائشة ﵂ عن نفسها أنها كانت تؤخر قضاء رمضان إذا أفطرت فيه فما تقضيه إلا في شعبان لشغلها بالرسول ﷺ (٣). فإن بادر المكلف فقد سلمت ذمته وبرئ، وإن أخر ثم أمكنه القضاء قبل دخول رمضان الثاني فقضى فلا فدية عليه، وإذا كان معذوراً بالمرض أو السفر جميع السنَّة فلا فدية عليه، وإن صحَّ عند تعين (٤) القضاء فلم يقضه وهو في شعبان فعليه الفدية بلا خلاف عندنا، وإن زال عذره في أثناء السنَّة ومرض أو سافر عند تعين القضاء فلم يقضه ففي وجوب الفدية عليه قولان للمتأخرين. وهما على الخلاف فيما وجب وجوباً مُوسعاً هل يتعلق الإثم بفواته إذا أمكن الإتيان به قبل تعيين (٥) فعله للأصوليين (٦) في ذلك قولان.

стр. 735

وإذا وجبت الفدية فمتى يؤمر بإخراجها؟ قولان في المذهب: أحدهما: عند تقرر (١) القضاء واستقراره في الذمة (٢) لأنه سبب الوجوب. الثاني: عند الأخذ في القضاء بعد رمضان الثاني، [إذ] (٣) حينئذ وجب القضاء فتجب الفدية متابعة له. وإذا وجبت (٤) الفدية فأوصى بها كانت مبداة. لكن (٥) النظر في حكم التبدية محال يأتي في كتاب الوصايا. وإذا لم [تجب فأوصى بها لم تكن] (٦) مبداة. لكن اختلف إذا اجتمع على المكلَّف صوم عن تمتع وما في معناه وقضاء رمضان ولم يتعين زمن القضاء؛ هل يبدأ بالصوم عن التمتع، أو بالصوم للقضاء، فالتبدية بالتمتع (٧) لأنه مأمور بتعجيله في أيام الحج. فإذا فاته، أمِرَ بالمبادرة إليه وتبدية قضاء رمضان؛ لأنه بدل عما هو أكبر من صوم المتمتع. ... فصل (زمن القضاء) وكل زمن يخير الإنسان في صومه أو فطره؛ فإنه يصح أن يكون محلاً للقضاء. واحترزنا بقولنا "يُخيَّر" من صوم [يوم] (٨) العيدين، فإن الفطر فيهما واجب. وأما الثلاثة الأيام التي بعد يوم النحر ففيها خلاف نذكره؛ وذلك أن اليومين يصح صومهما للمتمتع. وهل يصومهما من نذرهما [لا يخلو أن

стр. 736

ينذرهما بعينهما أو تبعاً (١) للشهر أو تبعاً للسنة؛ فإن نذرهما بعينهما ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يصومهما قياسًا على يوم العيد. والشاذ يصومهما قياسًا على المتمتع. وكذلك القولان أيضًا في ناذر ذي الحجة وناذر السنة. والقول أنه يصومهما [هاهنا شاذ جدًا] (٢)، وأما اليوم الرابع من يوم النحر؛ ففي صيامه على النذر قولان: المشهور [جواز] (٣) صومه، لأنه ليس محلاً للنحر عندنا. ولا يتناوله قوله ﷺ : في أيام [النحر] أنها أيام أكل وشرب [وتبعل] (٤). والشاذ أنه لا يصومه، لأنه ملحق باللذين قبله في حكم الرمي بالجمار. وكذلك الخلاف في هذه الثلاثة الأيام هل يصومها من وجبت عليه الكفارة فافتتح الصيام قبل العيد وكان معذوراً حتى لا يبطل تتابعه؟ وهل يصح القضاء في هذه الثلاثة أيام؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يصح، والثاني: أنه يصح، والثالث: التفرقة فيصح في اليوم الرابع، ولا يصح في اليومين اللذين قبله. ومعرفة سبب الخلاف يؤخذ مما تقدم. (حكم تتابع القضاء) ولا يجب تتابع القضاء عندنا بل يستحب. والأصل في هذا أن القضاء إنما ثبت من غير شرط التتابع فيه، فلا تعمر الذمة بتتابعه إلا أن يثبت ما

стр. 737

يقتضيه. وما يقوله أهل المذهب من أن كل صوم في القرآن ينقص (١) عن الشهر فلا يجب تتابعه، وما أكمل فيه الشهر وجب تتابعه، فإنما هو على التقريب وليس ذلك علة في وجوب التتابع وعدم وجوبه. وإنما وجب التتابع في ما كان شهرًا أو شهرين للنص على وجوب التتابع. ويرجع إلى الاحتراز [بالتخيير] (٢) بين الصوم والفطر فيما يجب صومه ولا يصح (٣) فيه القضاء، وهذا كَرَمَضان ثانٍ. ولو نوى به القضاء عن الأول [فالمذهب على ثلاثة أقوال: الإجزاء عن هذا، ويكون أداء. والإجزاء عن الأول] (٤)، ويكون قضاء. وقد تؤولا جميعًا على المدونة؛ لأنه قال: ويكون عليه قضاء رمضان الآخر، ويروى بكسر الخاء، فيكون معناه: الإجزاء عن القضاء. ويُروى بفتحها، ويكون معناه (٥): الإجزاء عن الأداء. وقيل لا يجزي عن واحد منهما. وخرَّج الباجي قولين بالإجزاء عن الأول والثاني، على خلاف في المذهب؛ هل تجزي نية القضاء عن نية الأداء، أو عكسه [عدم الخلاف هل يجزيه نية الأداء عن نية القضاء] (٦). ومثله الأسير يصوم شهرًا، ثم يتبيَّن له أنه صام شعبان. وقد قدمنا الخلاف في ذلك. والذي يعول عليه في هذا. أما في مسألة الأسير فما قدمناه. وأما مسألة القضاء؛ فإن هذا قاصداً إلى الصوم مع العلم بوجوب صوم هذا الشهر عليه؛ فمن قال بالإجزاء على الأداء رأى أن حقيقة النية قد حصلت (٧)، وحكم بأن الصوم للقضاء حكم بخلاف الشريعة وهو مردود. ومن قال بالإجزاء عن القضاء أعطاه حكم قصده وراعى حكم النية،

стр. 738

ولا صوم إلا بها عندنا فيجزيه عن القضاء، وإن أخطأ (١) بتأخير الأداء. وأما من نفى الإجزاء فلأنه رأى تعيين الشهر يقتضي صومه عن الأداء. والقصد [وقع] (٢) بخلاف ذلك وحصل التنافي بين العلم بوجوب (٣) الأداء والقصد إلى القضاء. ومتى حصل التنافي [بين العلم بوجوب الأداء والقصد إلى القضاء] (٤) بطل. وخرَّج أبو الحسن اللخمي على هذا الخلاف فيما لو قصد أن يصوم رمضان عن نذر أو عن كفارة ظهار أو غيرهما. والمنصوص في هذا عدم الإجزاء على الجميع. ولعل هذا لا يجري فيه الخلاف لبعد ما بين الوجوب هاهنا، بخلاف ما إذا قصد ما هو من جنس واحد. ... فصل (كيف يقضي الشهر كاملا من عوّل على التتابع) ولا خلاف أن من أفطر في رمضان أيامًا لا يجب عليه إلَّا عدتها، فإن أفطر جميع الشهر وابتدأ القضاء متفرقاً أو في أثناء شهر ثان؛ فلا يجب عليه إلا عدد الأيام. فإن ابتدأ القضاء في شهر شوال وعوَّل على المتابعة من أوله، فإن كان كعدد الأول فلا شك في الإجزاء، وإن كان هذا الثاني أكمل فهل يجب عليه صيام جميعه؟ [وهل يكتفي به إذا نقص؟] (٥) في المذهب قولان: أحدهما: أنه يراعي عدد الأيام ولا حكم للشهر، لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٦). والثاني: أنه يراعي حكم الشهر؛ لأنه ليس في

стр. 739

ذمته إلا شهر. ويلتفت هذا الخلاف (١) في القضاء، هل يجب بالأمر الأول فيكون عليه عدد الأيام، أو بأمر ثانٍ فيراعي الشهر. ... باب في أحكام النية في الصوم (٢). ولا خلاف [عندنا] (٣) في وجوب النية للصائم وعدم الإجزاء مع غير قصدها (٤) إلا ما ذكره ابن الماجشون وأحمد بن المعذّل (٥) في الصوم المتعيّن. وهذا لأنّ الصوم عبادة محضة، وهو يقع عبادة وعادة. والنية للتمييز بين العبادات والعادات. ثم لا خلاف أنه لا تجزي عندنا إلا أن تتقدم النية على سائر أجزائه، فإن طلع الفجر ولم ينوِ لم يجزه في سائر أنواع الصيام إلا يوم عاشوراء ففيه قولان: المشهور من المذهب أنه كالأول، وهذا لعموم قوله ﷺ : "لا صيام لمن لم يبيَّت الصيام من الليل" (٦) على أنه قد اختُلف في مقتضى هذا النفي. وتحقيقه مُحال على فنه من

стр. 740

الأصول. والشاذ اختصاص يوم عاشوراء بصحة الصوم وإن وقعت النية في النهار، لقوله ﷺ يوم عاشوراء: "أنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر" (١). وظاهره يقتضي إباحة الصيام لمن لم يبيِّته، ولعلَّه يحتمل هذا في المشهور (٢) على بيان الحكم في عدم الوجوب، ويكون معناه: فمن شاء أن يصم في عام ثان لا في هذا اليوم. (محل النية) وإذا ثبت اشتراط تقدّم النيّة. فلا خلاف عندنا أن محلّها الليل، ومتى عقدت فيه أجزأت ولا يشترط مقارنتها للفجر بخلاف الصلاة والطهارة والحج، فإنا (٣) نشترط المقارنة والتقدم بالزمان اليسير على ما تقدّم تفصيله. والفرق بين الصوم وبين سائر [هذه] (٤) العبادات أن الغالب [مجيء] (٥) أول زمن (٦) الصيام والناس (٧) نيام. وفي تكليفهم المقارنة كبير مشقة عليهم، تُسقط مثلها الشريعة. (هل يجزي تبييت النية في أول رمضان علي سائره أم لا ؟) لكن اختلف المذهب هل يجزي التبييت في أول رمضان على سائره، أو لا بدّ لكل ليلة من التبييت؛ فالمشهور: الإجزاء. والشاذ اشتراط التبييت في كل (٨) ليلة، [لأن الليل زمان لا يصح صومه، فهو كالتابع للنهار] (٩).
следующие страницы →