عِلمٍ لَا يَنفَعُ، وَمِن قَلبٍ لَا يَخشَعُ، وَمِن نَفسٍ لَا تَشبَعُ، وَمِن دَعوَةٍ لَا يُستَجَابُ لَهَا" (١).
الثاني: أن يتجنب المسلم المراء والخصام في مسائل العلم .
وهذا الشرط يجنب العاقل قسوة القلب، ويجعله يسير على نور من أمره، فالجدل والمراء مذمة؛ ولهذا حذر السلف منه.
قال ابن حزم:
"منفعةُ العلم في استعمال الفضائل عظيمة، وهو أنه يُعَلِّمُ حُسنَ الفضائل، فيأتيها -ولو في النُّدرة، ويُعَلمُ قُبحَ الرذائل، فيجتنبها- ولو في الندرة-، وَيسمعُ الثَّنَاءَ الحسنَ فيرغب في مِثله، والثناءَ الرَّديِّ، فينفر منه، فعلى هذه المقدمات يجبُ أن يكون للعلم حِصَّة في كل فضيلةِ، وللجهل حِصة من كل رذيلةِ، ولا يأتي الفضائلَ مَن لم يتعلَّم العلمَ؛ إلا صافي الطبع جداً، فاضل التَّركيب، وهذه منزلة خُصَّ بها النبِيون ﵈؛ لأن الله تعالى علَّمهم الخير كلَّه دون أن يتعلمُوهُ من الناسِ" (٢).
قال الشاعر:
العلم زينٌ فكن للعلمِ مكتسبا ... وكن له طالبًا ما عشت مقتبسا
اركن إليه وثق بالله واغن به ... وكن حليمًا رزينَ العقلِ محترسا
وكن فتًى سالكًا محضَ التقى ورعًا ... للدينِ مُغتنمًا في العلم منغمسا
فمن تخلقَ بالاَداب ظلَّ بها ... رئيس قومٍ إذا ما فارق الرؤسا
стр. 107
ثانيًا: العَمل الصالح:
العمل لغة: المهنة والفعل.
أما في الاصطلاح: هو العمل المراعى من الخلل (١).
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].
دائرة العمل الصالح واسعة جداً، وجولة فقط في بعض أركان الإسلام تُرِي العاقل الآثار العظيمة في تزكية النفس، فبقدر عقل الإنسان تكون عبادته، وتأمل قول الفجار كما في القرآن الكريم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك: ١٠].
فالصلاة مثلًا تحمل العاقل على البعد عن الفحشاء والمنكر، وتزيد المرء خشوعًا، وتربطه بالخالق، وتحمله على أداء حقوق الغير.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ : يا رسول الله، إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار، وتفعل وتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا خير فيها هي من أهل النار".
قالوا: وفلانة تصلي المكتوبة وتصدق بأثوار (قطع من الأقط، وهو لبن جامد) ولا تؤذي أحدًا. فقال رسول الله ﷺ : "هِيَ مِن أَهلِ الجَنَّة" (٢).
стр. 108
وليس هذا فحسب، حتى القادم لها أن يتخلق بالسكينة وهي التأني في الحركة وعدم العجلة، والوقار في الهيئة بخفض الصوت وغض البصر ونحوهما.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "إذا أُقِيَمتِ الصلاة، فلا تَأتوهَا تَسعَونَ، وأتُوها وأنتم تمشُونَ، وعليكُمُ السَّكينةُ، فما أدركتُم فصلُّوا، وما فاتَكُم فَأتِموا" (١).
والزكاة أُخِذَ اسمها من الزكاء، وهو النماء والطهارة والبركة، والقيام بها تحمل صاحبها على تطهير النفس من الشح والبخل، وتدفع به إلى أبواب الرحمة ومعونة المحتاجين، وتزرع في القلب الصفاء، وترفع منه التعالي على الناس.
قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
والصيام هو أحد أركان الإسلام، والحكمة من مشروعيته الوصول إلى
стр. 109
حقيقة التقوى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
والصوم الحقيقي يمنع صاحبه من الوقوع في المعاصي، ويحجز العاقل عن تسلط الهوى.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ بهِ، فليسَ للهِ حاجة في أن يَدَع طعامَهُ وشَرابه" (١).
وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "الصِّيامُ جُنَّة، فلا يَرفُث ولا يَجهَل. وإِنِ امرُؤ قاتَلَهُ أو شاتَمَهُ، فليَقُل: إِني صائم -مرَّتين- والذي نفسي بيدِهِ، لَخُلُوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ مِن رِيحِ المسك، يَترُكُ طَعامَهُ وشَرابَهُ وشَهوتَهُ مِن أجلي، الصِّيامُ لي وأنا أجزي به، والحسَنةُ بعَشْرِ أمثالِها" (٢).
وقال رسول الله ﷺ : "من استطاعَ الباءةَ فليتزوَّج، فإنَّهُ أغضٌّ للبصر، وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطع فعليهِ بالصَّوم؛ فإنهُ لهُ وجاء" (٣).
والصوم يحمل صاحبه على الكرم؛ عن ابن عباس ﵁ قال: "كان النبيُّ ﷺ أجودَ الناسِ بالخير، وكان أجوَدَ ما يكون في رمضانَ حِينَ يلقاهُ جبريلُ" (٤).
والحج شُرع لمنافع كثيرة، وتحقيق مصالح الدين والدنيا، وبه يزكي
стр. 110
العاقل نفسه من الرياء، والسمعة ويجتنب الرفث والفسوق والجدال، وهو تدريب عملي على الصبر وكظم الغيظ والتعاون والإيثار والحب والتواضع.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام١٦٢: ١٦٣].
وقال سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلًا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حجَّ هذا البيتَ، فلم يَرفُث ولم يَفسُق، رجَعَ كما ولَدَتهُ أمُّه" (١).
وقال ﷺ موجهًا الناس عند الإفاضة من عرفاتِ إلى مزدلفة: "السَّكينةُ عبادَ اللهِ السَّكينةُ" (٢).
وفي العشرة الزوجية:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩].
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ
стр. 111
بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١].
وقال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وفي البيع والشراء:
عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله: "رحمَ اللهُ رجُلًا سَمحًا إذا باعَ، وإِذا اشترَى، وإِذا اقتضى" (١).
فالدين كله خلق، والعبادات كلها أخلاق، مع الله سبحانه، ثم هي مع الناس، والعاقل من تأمل ذلك، وحقق معنى العبودية في أخلاقه وعبادته ومعاملاته وسلوكه، فحياة من طبع على الأخلاق أكمل وأسعد، من الذي يقهر نفسه، ويغالب طبعه، حتى يكون كذلك.
ثالثًا: صحبة الصالحين:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]، وقال سبحانه: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف: ٦٧].
عن أنس ﵁ مرفوعاً: "مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ كَمَثَلِ العَطَّارِ، إِن لَمُ يُعطِكَ مِن عِطرِهِ أَصَابَكَ منْ رِيحِه" (٢).
ومُصَاحبة الأخيار عونٌ على تغير الأخلاق السيئة، وحصانة من السقوط في هاوية الأشرار، والشواهد في هذا كثيرة وفيرة.
والعاقل من ينوع المؤثرات حوله في عشرة أصحابه، فصاحب
стр. 112
للاستشارة، وآخر للمناصحة، وثالث ملاذ بعد الله تعالى في الأزمات، وبهذا تكتمل شخصية العاقل في الصحبة.
جاء في "سير أعلام النبلاء" (١٧/ ٢٥١) عن فضالَةَ النَسَوِيِّ، قال: سمعتُ ابن المُبارك يقول: حَقٌّ على العاقلِ أن لا يَستخِفَّ بثلاثةٍ: العلماءِ والسَّلاطينِ والإخوانِ، فإنَّهُ من استخفَّ بالعلماءِ ذهبت آخرتهُ، ومن استخفَّ بالسُّلطانِ ذهبت دُنياهُ، ومن استخفَّ بالإخوانِ ذهبت مُرُوءَتُهُ.
قلت: وسوف يأتي الحديث مفصلًا بما يتعلق في أدب الصحبة بإذن الله تعالى.
رابعًا: الزواج:
العاقل لا يستغرب الحديث عن الزواج هنا؛ لأنه يعلم أنه من الوسائل العملية، وهو حصن حصين، وفيه يحقق الإنسان لنفسه العفة والسكن والمودة والرحمة، ويحمي نفسه من سعار الشهوة المحرمة.
عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشرَ الشَّبَابِ، مَنِ استطاع مِنْكُمُ الباءةَ فليتزوج، فإنَّهُ أغضُّ للبصرِ، وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطيع فعليهِ بالصَّومِ؛ فإنَّهُ له وجَاء" (١).
وعن أنس ﵁ مرفوعاً: "إِذَا تَزوَّجَ العَبدُ فَقَدِ استَكمَلَ نِصفَ الدينِ، فَليتَّقِ الله فِي النصفِ الثاني" (٢).
стр. 113
خامسًا: إمعان النظر في كتاب الله سبحانه .
قال الله : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ [الإسراء: ٩].
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢].
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧].
قال الحافظ ابن كثير: " (موعظة) أي: زاجر عن الفواحش، (وشفاء لما في الصدور)، أي: من الشُّبه والشكوك، وهو إزالة ما فيها من رجس ودَنَس، (وهدى ورحمة)، أي: محصلٌ لها الهداية والرحمة من الله تعالى، وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين" (١).
وقال -جل ثناؤه-: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].
قال العلامة السعدي: "يستضيئون به في ظلمات الكفر والبدع، والأهواء المردية، ويعرفون به الحقائق، ويهتدون به إلى الصراط المستقيم" (٢).
وقال العلامة الأمين الشنقيطي: "هذه الآية الكريمة أجمل الله -جل وعلا- فيها جميع ما في القرآن من الهدي إلى خير طريق وأعدلها
стр. 114
وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم؛ لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيري الدنيا والآخرة" (١).
وكم في هذا الكتاب العظيم من توجيه وهداية، فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١].
فالقرآن الكريم اشتمل على الأمثال والقصص والعبر هداية لخيري الدنيا والآخرة.
* الأمثال القرآنية:
الأمثال القرآنية من أفضل الوسائل لغرس القيم الإسلامية وتهذيب النفوس والأفكار، وتغيير السلوك والاعتبار، ومن خلالها يعيد المرء ترتيب نفسه بالتفكير والإمعان، والعمل على إصلاح النفس وتربيتها.
وللأمثال أغراض كثيرة من أهمها "الترغيب بالتزيين والتحسين، أو التنفير بكشف جوانب القبح، فالترغيب يكون بتزيين الممثَّل له، وإبراز جوانب حسنه، عن طريق تمثيله بما هو محبوب للنفوس مرغوب لديها، والتنفير يكون بإبراز جوانب قبحه، عن طريق تمثيله بما هو مكروه للنفوس، أو تنفر النفوس منه" (٢).
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣].
قال السعدي -رحمه الله تعالى- في "تفسيره": " (وما يعقلها) بفهمها
стр. 115
وتدبرها، وتطبيقها على ما ضُربَت له، وعقلها في القلب (إلا العالمون)، إلا أهل العلم الحقيقي، الذين وصل العلمُ إلى قلوبهم، وهذا مدح للأمثال التي يضربها، وحثٌّ على تدبرها وتعقلها، ومدح لمن يعقلها، وأنه عنوان على أنه من أهل العلم، فعلم أن من لم يعقلها ليس من العالمين، والسببُ في ذلك أن الأمثال التي يضربها الله في القرآن، إنما هي للأمور الكبار، والمطالب العالية، والمسائل الجليلة.
فأهلُ العلم يعرفون أنها أهم من غيرها، لاعتناء الله بها، وحثه عباده على تعقلها وتدبرها، فيبذلون جهدهم في معرفتها.
وأمَّا مَنْ لم يعقلها مع أهميتها، فإن ذلك دليل على أنه ليس من أهل العلم، لاْنه إذا لم يعرف المسائل المهمة، فعدم معرفته غيرها من باب أولى وأحرى؛ ولهذا أكثر ما يضرب الله الاْمثال في أصول الدين ونحوها" (١).
"وفي القرآن بضعة وأربعون مثلًا، وكان بعضُ السلف إذا مرَّ بمثل لا يفهمه يبكي ويقول: لستُ من العالمين" (٢).
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ [الزمر: ٢٧].
وقال سبحانه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الحشر: ٢١].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ
стр. 116
وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾ [النور: ٣٤].
* وقد اشتمل القرآن الكريم على:
١ - آيات بينات، وهي الآيات الواضحات من الحقائق الشرعية، من الأمر والنهي والحلال والحرام، وغيرها.
٢ - (ومثلًا) من الأخبار العجيبة وقصص الأمم السابقة وما فيها من عبر لكل ذي لب.
كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾ [إبراهيم ٤٤ - ٤٥].
فهذه الآيات وما اشتملت عليه من تحذير وترهيب، وما وقع للأمم السابقة من سلوك مشين، وكيف خالف هدي رب العالمين، هي عظة وعبرة لأصحاب العقول الراجحة أن يتعضوا بها، بعدم التشبه بهم، أو السير على طريقهم.
٣ - (موعظة للمتقين) المواعظ والنصائح والوصايا.
* القصص القرآني:
للقصص القرآني أثر بالغ في نفس القارئ والسامع، تهفو لها النفوس، وتطمئن بها القلوب، وتسمو بها الأرواح، فيها من السحر الأخاذ للسمع والفؤاد، وفيها من الفوائد والعبر والدروس والإرشاد والدلالات لمن أمعن النظر، وألقى السمع وهو شهيد.
стр. 117
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف٢ - ٣].
* من فوائد القصص القرآني:
١ - الاقتداء بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، أي على طريقتهم في التوحيد والدعوة إلى الله تعالى، والصبر على ذلك.
٢ - اجتناب سلوك المجرمين، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ [الأنعام: ٥٥].
٣ - التفكر، قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾ [الأعراف: ١٧٦]، وهذه الآيات جاءت عقب قصة البائس الذي انسلخ من آيات الله وأخلد إلى الأرض، والعاقل من تفكر في قصص من سبق، ثم اعتبر.
قال الناظم:
اقرءوا التاريخ إذ فيه العبر ... ضل قوم ليس يدرورن الخبر
٤ - الاعتبار؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١].
٥ - المعين التربوي، والزاد العلمي؛ قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ
стр. 118
لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران: ٤٤].
فالقصة وسيلة تربوية فاعلة، مريحة للقلب، وزاد المعلمين؛ لما لها من أسلوب رائع مؤثر.
لذلك استخدم النبي ﷺ القصة، واستمع لها، فهي إحدى الوسائل الناجحة لكسب القلوب والتأثير فيها، وغرس القيم الإسلامية.
* أنواع القصص القرآني:
الأول: قصص الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- من آدم ﵇ إلى نبينا محمد ﷺ وأقوامهم، والمعجزات التي وقعت للأنبياء، وعاقبة المؤمنين والمكذبين.
الثاني: قصصُ غير الأنبياء، كقصة ابني آدم، وهاروت وماروت، وأصحاب السبت، وأصحاب الأخدود، وأصحاب الفيل، وأصحاب الجنة، وأهل الكهف، وطالوت وجالوت، ومؤمن آل فرعون، وقصة مريم، وذي القرنين، وغيرهم.
الثَّالث: قصص تتعلق بالحوادث التي وقعت في زمن النبي ﷺ كغزوة بدر وأحد وحنين، وبراءة عائشة أم المؤمنين ﵁، والثلاثة الذين خلفوا، والإسراء، ونحو ذلك.
***
стр. 119
الباب الثاني
السلوك القويم
стр. 120
"قال سفيان بن عُيينة: "إن رسولَ الله ﷺ وهو الميزانُ الأكبرُ، وعليه تُعرضُ الأشياء على خُلُقِهِ وسِيرته وهَدْيه، فما وافقها فهو الحقُّ وما خالفَهَا فهو الباطلُ".
[تذكرة السامع والمتكلم (١٤) لابن جماعة].
стр. 121
الأدب مع الله تعالى
أعلى المراتب الخُلُق مع الله ، والعاقل من يكون خُلُقه وأدبه مع الله تعالى وهو أصل كلّ أدب، بل لا يتَّصف أحد بأدَبٍ إن عَدِمَ "الخُلُق مع الله".
والأدب مع الله هو حُسْن الانقياد إليه بإيقاع كل حركة عدى مُقتَضَى تعظيمه وإجلاله، والحياء منه، وهذا يشمل: القلب، واللسان، والأركان.
وأدب القلب: هو الأصل والأساس لغيره، فمقتضاه أن يتَوجَّه إلى الله وحده محبةً، وخوفًا، ورجاءَ وتوكلًا واستعانة، إلى غير ذلك، وفي المقابل: فإن أَعظَم الإسَاءة أن يلتفت إلى غيره، أو يقصد سواه، وهو المتفرِّد بالخَلق، والرِّزقِ والمُلكِ والتدبير، وبيده وحده النَّفع والضّر، وإليه وحده مرجع الأمر.
وأمَّا أدب اللسان فمقتضاه: أن لا يقول إلا ما فيه تعظيمُ إلهه ومولاه، وأن لا ينطق إلا بما يحبه ويرضاه؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأحزاب: ٧٠] ومن ذلك: ذكره، وتلاوة كتابه، والتسبيح بآلائه.
وفي المقابل فإن أعظم إساءة: الاستهزاء بآيات الله خوضًا ولعبًا، وسب الله العظيم، وسب آياته وشريعته، وهذا هو أعظم الجرم، وهو الكُفْر البواح.
стр. 122
وأعلى مراتب الأدب مع الله سبحانه التوحيد؛ قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
ومن أعظم مظاهر سوء الأدب مع الله في الأفعال: المجاهرة بالعصيان، ومحاربة الرحمن، ورد أمر الله اتباعًا لأمر الهوى والشيطان، ومن ذلك: سماع الكذب، وأكل السحت، وهذا من أخبث صفات اليهود.
قلت: ومن الفهم القاصر عند البعض ظنّهم أنه لا أدب مع الله، بل الخُلُق يكون فقط مع الخَلق وليس الخَالق؛ ولهذا نبَّه العُلَماء على ذلك كثيراً، ومنهم العلامة محمد بن صالح العثيمين حيث قال: "إن كثيرًا من الناس يذهب فهمه إلى أن حسن الخلق خاص بمعاملة الخَلقِ دون معاملة الخَالق، ولكن هذا الفهم قاصر، فإن حُسْنَ الخُلُق كما يكون في معاملة الخَلق، يكون أيضًا في معاملة الخَالق.
فموضوع حُسن الخُلُق إذًا: معاملة الخالق -جل وعلا-، ومعاملة الخَلق أيضاً، وهذه المسألة ينبغي أن يتنبه لها الجميع.
وحسن الخُلُق في معاملة الخَالق يجمع ثلاثة أمور:
١ - تَلقَّي أخبار الله بالتَّصديق.
٢ - تلقَّي أحكامة بالتَّنفيذ والتَّطبيق.
стр. 123
٣ - تلقي أقْدَاره بالصَّبْر والرِّضَا" (١).
أنواع الأدب:
قال العلامة ابن قيم الجوزية ﵀: "والأدب ثلاثة أنواع:
١ - أدب مع الله .
٢ - وأدب مع رسول الله ﷺ وشرعه.
٣ - وأدب مع خلقه.
فالأدب مع الله ثلاثة أنواع:
أحدها: صيانة معاملته من أن يشوبها نقيصة.
الثاني: صيانة قلبه من أن يلتفت إلى غيره.
الثالث: صيانة إرادته من أن تتعلق بما يمقتك عليه" (٢).
فالأدب مع الله سبحانه: إيقاع الحركات الظاهرة والباطنة على مقتضى التعظيم والإجلال والحياء والمراقبة.
ومقامات الأدب مع الله سبحانه كثيرة جداً، ومنها مقام المراقبة: بدوام علم العبد وتيقنهِ باطلاع الحقِّ على ظاهرهِ وباطنه (٣).
فالعبد يخلو أحيانًا بما لا يراه أحد، فينبغي أن يحقق مقام المراقبة مع الله سبحانه دائمًا، فلا يجترح السيئات، ولا ينتهك الحرمات، فيستشعر أن الله مطلع عليه ومراقب له.
стр. 124
قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤].
وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢].
وقال تعالى: ﴿أَلًا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلًا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾ [هود: ٥].
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله تعالى-:
"يبين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا يخفى عليه شيء، وأن السر كالعلانية عنده، فهو عالم بما تنطوي عليه الضمائر، وما يعلن وما يسر، والآيات المبينة لهذا كثيرة جدًا؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦].
وقوله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
وقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ [الأعراف: ٧].
ولا تقلب ورقة من المصحف الكريم، إلا وجدت فيها آية بهذا المعنى.
واعلم أن الله ﵎ ما أنزل من السماء إلى الأرض واعظًا أكبر، ولا زاجراً أعظم مما تضمنته هذه الآيات الكريمة وأمثالها في القرآن، من أنه عالم بكل ما يعمله خلقه، رقيب عليهم، ليس بغائب عما يفعلون، وضرب العلماء لهذا الواعظ الاكبر والزاجر الأعظم مثلًا ليصير به كالمحسوس، فقالوا: لو فرضنا أن ملكاً قتَّالًا للرجال، سفاكاً للدماء، شديد البطش والنكال على من انتهك حرمته ظلماً، وسيافه قائم على رأسه، والنطع مبسوط للقتل، والسيف يقطر دماً، وحول هذا الملك الذي هذه صفته جواريه وأزواجه وبناته، فهل ترى أن أحداً من الحاضرين يهم بريبة أو بحرام يناله من
стр. 125
بنات ذلك الملك وأزواجه، وهو ينظر إليه، عالم بأنه مطلع عليه؟! لا، وكلا، بل جميع الحاضرين يكونون خائفين، وجلة قلوبهم، خاشعة عيونهم، ساكنة جوارحهم؛ خوفاً من بطش ذلك الملك.
ولا شك -ولله المثل الأعلى- أن رب السماوات والأرض- جل وعلا- أشد علماً، وأعظم مراقبة، وأشد بطشاً، وأعظم نكالًا وعقوبة من ذلك الملك، وحماه في أرضه محارمه، فإذا لاحظ الإنسان الضعيف أن ربه -جل وعلا- ليس بغائب عنه، وأنه مطلع على كل ما يقول وما يفعل وما ينوي لانَ قلبه، وخشي الله تعالى، وأحسن عمله لله جل وعلا.
ومن أسرار هذه الموعظة الكبرى أن الله ﵎ صرح بأن الحكمة التي خلق الخلق من أجلها هي أن يبتليهم أيهم أحسن عملًا، ولم يقل: أيهم أكثر عملًا، فالابتلاء في إحسان العمل؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
وقال في الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ٢].
ولا شك أن العاقل إذا علم أن الحكمة التي خُلق من أجلها هي أن
يبتلى، -أي يختبر: بإحسان العمل- فإنه يهتم كل الاهتمام بالطريق الموصلة لنجاحة في هذا الاختبار" (١).
ذُكر عن أعرابي قال: خرجتُ في بعض الليالي المظلمة، فإذا أنا بجارية
стр. 126
فأردتها عن نفسها، فقالت: ويلك أما كان لك زاجر من عقل إذا لم يكن لك ثانٍ من دين؟ فقلتُ: إنه لا يرانا إلا الكواكب، فقالت: فأين مكوكبها؟ (١).
قال الشاعر:
وإذا خلوتَ بريبةٍ في ظلمةٍ ... والنفسُ داعيةٌ إلى الطغيانِ
فاستحيي من نظر الأله وقل لها ... إنَّ الذي خلقَ الظلام يراني (٢)
فالعاقل من يراقب ربه، ويحذر سوء المنقلب.
عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "لأَعلَمَنَّ أقوَاماً من أُمتى يأتُونَ يومَ القيامةِ بحَسَنَاتٍ أَمثالِ جبالِ تِهاَمةَ، بِيضاً، فيجعلُها اللهُ هباءً منثوراً. أَمَّا إنَّهُم إخوانُكم ومن جلدَتِكم ويأخُذونَ مِنَ الليلِ كما تأخذُونَ، ولكنهُم، أقوَامٌ إذا خَلَوا بمحارمِ اللهِ، انتَهَكُوهَا" (٣).
والعاقل من يعظم ربه في الغيب والشهادة، ويضع مقام الخشية نصب عينه دائماً، فيحلو في العيون، ويعظم عند مولاه.
قال القاسم بن محمد: "كنا نُسافر مع ابن المبارك، فكثيراً ما كان يخطر ببالي فأقول في نفسي: بأي شيءٍ فُضِّل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة؟، إن كان يصلي إنَّا لنصلي، ولئن كان يصوم إنَّا لنصوم، وإن كان يغزُو فإنا لنغزو، وإن كان يحج إنَّا لنحج.
قال: فكنا في بعض مَسيرنا في طريق الشام ليلةً نتعشَّى في بيتٍ إذ طَفئ
стр. 127
السراجُ، فقام بعضنا فأخذ السراج وخرج يَستصبح، فمكث هنيئة، ثم جاءَ بالسراج، فنظرتُ إلى وجه ابن المبارك ولحيته قد ابتلت من الدموع، فقلت في نفسي: بهذه الخشية فُضِّل هذا الرجل علينا، ولعله حين فَقدَ السراج فصار إلى الظُلمة ذكرَ القيامة.
قال المروَزِيِّ: وسمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: ما رفع الله ابن المبارك إلا بخبئةٍ كانت له (١).
قلت: وصدق الإمام ابن قيم الجوزية في قوله: "اعلم أن أشِعَّة "لا إله إلا الله" تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور، وتفاوتُ أهلها في ذلك النور قوةً، وضعفًا لا يحصيه إلا الله تعالى.
فمن الناس: من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس، ومنهم: من نورها في قلبه كالكوكب الدري، ومنهم: من نورها في قلبه كالمشعل العظيم، وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف , .. نعم من قالها بلسانه، غافلًا عن معناها، معرضًا عن تدبرها، ولم يواطئ قلبه لسانه، ولا عرف قدرها وحقيقتها. راجيًا مع ذلك ثوابها حَطَّت من خطاياه بحسب ما في قلبه، فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض، والرجلان يكون مقامهما في الصف واحدًا، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض" اهـ (ملخصًا) (٢).
стр. 128
من أدب الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مع الله سبحانه
وتأمل -رعاك الله- أحوال الرسل والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- مع الله سبحانه في خطابهم وسُؤالهم، وعبادتهم كيف تجدها مشحونة بالآداب قائمة به، وهاك بعضًا منها:
* من أدب الرسول ﷺ -:
إن القلم ليعجز أن يكتب عن أدب النبي ﷺ ، فحياته كلها أدب من المولد حتى الممات، فهو السراج المنير الذي امتن الله به على الدنيا، فأحيا به مواتها، واستنارت بعد ظلماتها.
زكى الله لسانه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ٣].
وزكى صدره فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١].
وزكى فؤاده فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ [النجم: ١١].
وزكى خلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وأدبُ النبي ﷺ مع الله سبحانه كثير، يصعب حصره، ويعجز القلم عن جمعه، ولسنا في معرض الجمع والتقصي، بقدر ما نحن في التمثيل لأدب النبي عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم.
ومن جميل ما ذُكِرَ في تفسير قول الله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ [النجم: ١٧].
وفي وصف أدب النبي ﷺ مع ربِّه ﵎ في ذلك المقام في
стр. 129
حادثة المعراج، أنه لم يلتفت جانبًا، ولا تجاوز ما رآه، ولم يلتفت يمْنَةَ ولا يَسرةٍ، ولا يتجاوزه، وهذا كمال الأدب، والإخلال به أن يلتفت الناظر عن يمينه وعن شماله، أو يتطلع أمام المنظور، فالالتفات زيغٌ، والتطلع إلى الأمام المنظور طغيان ومجاوزة.
وهذا غاية الكمال والأدب مع -الله جل وعلا- الذي أدبه، وأكمل خلقه، وأثنى عليه، ووصفه في كتابه، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
ولعل سر وصف النبي ﷺ بالعظمة في أخلاقه ما قاله الحليمي في كتابه المنهاج بقوله: "الأغلب أن الخلق يوصف بالكريم دون العظيم، لكن الوصف بالكريم يراد به الثناء على صاحبه بالسماحة والديانة، ولم يكن خلق رسول الله ﷺ مقصورًا على هذا" (١).
بمعنى أنه عظيم في خلقه مع ربه، عظيم في تعامله مع عموم الناس مع من آمن به، أو كفر عظيم في كل موقف من مواقف حياته، وفي كل نوع من أنواع الأخلاق، عظيم في الظاهر والباطن، فهو وحده الذي بلغ الكمال الإنساني، وقد وصف الأنبياء ببعض الصفات من الرشد، والحلم، والتقى، غير أن نبينا ﷺ وصف بالخلق العظيم.
* من أدب إبراهيم ﷺ -:
قال الله تعالى على لسان إبراهيم ﷺ : ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء٧٨: ٨٠].
стр. 130
فإبراهيم ﵇ أضاف المرض إلى نفسه، وإن كان المرض والشفاء كله من الله، استعمالًا لحسن الأدب، فلم يقل: (وإذا أمرضني) حفظًا للأدب مع الله كما قال الخضر ﵇ في السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩]، فقد نسب العيب إلى نفسه، ولم يقل: فأراد ربك أن أعيبها، ولكنه عندما تحدث عن الغلامين نسب الفضل لله فقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢]، وهذا غاية في الأدب.
* من أدب موسى ﷺ -:
تأمل -أخي الكريم- أدب موسى الكليم ﵇ في الطلب، عندما ذهب إلى مدين، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [القصص٢٣: ٢٤].
والمعنى أنَّ موسى ﵇ يطلب فضل الله وخيره، ويعلن أنه فقير ومحتاج إلى فضل الله سبحانه، وتأمل أسلوب العرض في قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ولم يقل: (أطعمني)، أو (أوجد) لي مسكنًا أسكن فيه؛ لأنه لما قدم مدين لم يكن له قريب، أو سكن يأوي إليه، وإنما جاء وحيدًا وليس له مكان يأويه، فافتقر إلى الله سبحانه، فما كاد يتم دعاءه إلا والاستجابه تأتي: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ
стр. 131
نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)﴾ [القصص: ٢٥].
* من أدب يوسف ﷺ -:
يوسف ﵇ الكريم ابن الكريم ابن الكريم، الموصوف في القرآن الكريم بحسن الخُلُق والخلق، الممدوح على لسان رسولنا الكريم عليه أفضل السلام وأتم التسليم.
ومن أدب يوسف ﵇ قوله عندما خرج من السجن عندما رفع أبويه على العرش قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠].
ولم يُضِف سببَ وقوعهِ في السجن إليه (١)، وإنما ذكر إحسان الله إليه، ونحو هذه الآية قول الله سبحَانه حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٨٠].
قلت: وهذا الخطاب غاية في اللطف والأدب، فقد نسب يوسف ﵇ الإحسان إلى ربه، .
* من أدب أيوب ﷺ -:
قال الله : ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء٨٣: ٨٤].
فبعدما ذكر أيوب ﵇ حالته بهذه الجملة الموجزة ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾، وهذه الجملة الاسمية ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ محل نصب حال؛ لأن الواو فيها هي واو الحال، أي أنا مسني الضر، والحال أنك أرحم الراحمين، فتأمل رقة العبارة، وحسن العرض، فلم يفصل في الضر الذي
стр. 132
مسه، ولم يسترسل في الكلام عن نفسه، ولم يتسخط، أو يشك، أو يعترض، وإنما أشار إلى أن هذا الضر مسه، ولم يقل: (فاعفني واشفني) بصورة الأمر، وفي هذا غاية الأدب مع الله والرضا بقدره.
* من أدب عيسى ﷺ -:
قال الله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ [المائدة: ١١٦]. فمن كمال أدب المسيح ﵇ في خطابه لربه، أنه لم يقل ﵇: "لم أقل شيئًا من ذلك"، وإنما أخبر بكلام ينفي عن نفسه أن يقول أي مقالة تنافي منصبه الشريف، وأن هذا من الأمور المحالة، ونزه ربه عن ذلك أتم تنزيه، ورد العلم إلى عالم الغيب والشهادة.
وهذا من أَبلَغ الأدَب مع الله سبحانه في مثل هذا المقام، فقوله: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦].
هذا توفيق للتأدب في الجواب الكامل من عيسى ﵇، تنزيها وتعظيماً لربه سبحانه عن الشريك، ومما لا يليق، وأنه ليس من حقوقه القول على الله بغير حق.
وذكر لي بعض الفضلاء فائدة عن أدب عيسى ﵇ فقال: يظهر أدب عيسى ﵇ مع ربه في قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨].
لم يقل: (الغفور الرحيم) لسببين:
стр. 133
الأول: لأنه خطاب في وقت غضب الرب عليهم، والأمر بهم إلى النار، فليس هو مقام استعطاف ولا شفاعة، بل مقام براءة منهم، فلو قال: "فإنك أنت الغفور الرحيم"، لأشعر باستعطافه ربَّه على أعدائه الذين قد اشتد غضبه عليهم، فالمقام مقام موافقة للرب في غضبه على مَن غضب الرب عليهم، فعدل عن ذكر الصفتين اللتين يسأل بهما عطفه ورحمته ومغفرته إلى ذكر العزة والحكمة، المتضمنتين كمال القدرة وكمال العلم.
الثاني: فيها إشعار بأن الله لو غفر لهم، فليس ذلك عن عجزه عن الانتقام منهم ولا عن خفاء جرائمهم عليه، لا، بل هو عزيز حكيم، فالصفة الأولى تتضمن كمال القدرة، والثانية كمال العلم (١).
أخي القارئ:
الأدب مع الله سبحانه يعني القيام بدينه، والتأدب بآدابه، ولا يستقيم لأحدٍ قط الأدب مع الله تعالى إلا بثلاثة أشياء:
١ - المعرفة بأسمائه وصفاته.
٢ - المعرفة بدينه وشرعه، وما يحب وما يكرَه.
٣ - أن تكون له النفس مستعدة ومتهيئة لقبول الحق علمًا وعملًا وحالًا.
*****
стр. 134
من الأدب مع الله
فالأدب مع الله سبحانه يقتضي توحيده وتعظيمه سبحانه وإطاعة أوامره ونواهيه، والحياء منه، وهذا يشمل القلب واللسان والأركان.
وهذا باب واسع جداً لا يمكن حصره، ولكن حسبنا من ذلك أمثلة مهمة:
١ - تلقي أخبار الله سبحانه بالتصديق:
بحيث لا يقع عند الإنسان شكٌّ أو تردد في تصديق خبر الله ﵎؛ لأن خبر الله تعالى صادرٌ عن علمٍ، وهو سبحانه أصدق القائلين؛ كما قال الله تعالى عن نفسه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧].
ويلزم مع التصديق بأخبار الله سبحانه أن يكون الإنسان واثقًا بها، مدافعًا عنها، مجاهدًا بها وفي سبيلها، بحيث لا يداخله شك أو شبهة في أخبار الله وأخبار رسوله ﷺ .
وإذا تخلَّق العبد بهذا، أمكنه أن يدفع أي شُبهة يورِدُها المغْرِضُون على أخبار الله ورسوله ﷺ ، سواء أكانوا من المسلمين الذين ابتدعوا في دين الله ما ليس منه، أم من غير المسلمين، الذين يُلقون الشُّبه في قلوب المسلمين بقصد فتنتهم وإِضلالهم.
ومن ذلك مثلًا ما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغمِسْهُ، ثُم لِيَنْزِعْهُ،
стр. 135
فَإِنَّ فِي إِحدَى جَنَاحَيهِ داءَ، وَالأُخرَى شِفَاءَ" (١).
هذا خبر صادر عن رسول الله ﷺ ، وهو من أمور الغيب، فالنبي ﷺ , لا ينطق عن الهوى، لا ينطق إلا بما أوحى الله تعالى إليه، فهذا الخبر يجب علينا أن نقابله بحسن الخُلق، وحسن الخلق نحو هذا الخبر يكون بأن نتلقاه بالقبول والانقياد، فنجزم بأن ما قاله النبي ﷺ في هذا الحديث حق وصدق، وأمثال أخر "من أخبار يوم القيامة" (٢).
قلت: فكل الأمور الغيبية ينبغي للعبد -إذا جاءته عن طريق القرآن الكريم، أو السنة النبوية الصحيحة- التصديق بها، وتلقي أخبارها بالرضى دون تشكيك أو تردد.
ومن ذلك عالم البرزخ، وسؤال الملكين في القبر، والجنة وما فيها من نعيم، والنار وما فيها من عذاب أليم، وعلى هذا فقس.
٢ - حسن الخُلُق مع الله :
بأن يتلقى الإنسان أحكام الله بالقبول والتنفيذ والتطبيق، فلا يزد شيئاً من أحكام الله، فإذا رد شيئاً من أحكام الله، فهذا سوء خلق مع الله سواء ردها منكراً حكمها، أو مستكبراً عن العمل بها، أو متهاوناً بالعمل بها، فإن ذلك كله منافٍ لحسن الخلق مع الله .
مثال على ذلك الصوم، فلا شك أنه شاق على النفوس، ولكن المؤمن
стр. 136
حسن الخلق مع الله يقبل هذا التكليف، أو بعبارة أخرى: يقبل هذا التشريف، فهذه نعمة من الله في الحقيقة، فالمؤمن يقبل هذه النعمة التي في صورة تكليف بانشراح صدر وطمأنينة، لكن سيئ الخلق مع الله يقابل مثل هذه العبادة بالضجر والكراهية، ولولا أنه يخشى من أمر لا تحمد عقباه، لكان لا يلتزم بالصيام (١).
قلت: وعلى هذا يقاس الحج والزكاة والصلاة وتحريم الربا ونحو ذلك، فحسن الأدب مع الله سبحانه التسليم المطلق لآيات الله وأحكامه، بأن يؤمن بأن ما جاء عن الله فيه الحكمة والعلم، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦]، ثم بعد القبول التنفيذ والتطبيق.
ومنتهى سوء الأدب أن يظن العبد في نفسه العلم، وفي ربه الجهل، أو في نفسه الصواب وفي ربه الخطأ.
٣ - تلقي أقدار الله تعالى بالرضا والصبر:
المسلم العاقل يتلقى أقدار الله بالرضا والصبر، فالمرض مثلًا لا يلائم الإنسان، فالإنسان يحبُّ أن يكون صحيحًا مُعَافى، وكذلك الفقر لا يلائم الإنسان، فالإنسان يحب أن يكون غنيًّا، وكذلك الجهل لا يلائم الإنسان، فالإنسان يحب أن يكون عالمًا، لكن أقدار الله تتنوع لحكمة يعلمها الله سبحانه، منها ما يلائم الإنسان ويستريح له بمقتضى طبيعته، ومنها ما لا
стр. 137
يكون كذلك، فما هو حسن مع الله نحو أقدار الله، فهو حسن مع الخلق نحو أقداره سبحانه: أن ترضى بما قدر الله لك، وأن تطمئن إليه، وأن تعلم أنه ما قدره إلا لحكمة عظيمة وغاية محمودة يستحق عليها الحمد والشكر (١).
قلت: كثيرًا ما يُسأل النَّاس عن أمانيهم في الحياة؟
فإن كان أحدهم فقيرًا معدمًا، لتمنى أن يعيش غنيًا منعمًا، وإن كان مريضًا شل المرض حركته، لتمنى العافية والشفاء، وإن كان طالبًا لتمنى الإجازة العلمية، ثم العمل المرموق.
فالأدب مع الله تلقي أقدار الله تعالى بالرضى والصبر، والرضى: يعني سرور النفس بما يصيب الإنسان من خير أو شر، أو حلو أو مر، أو يفوته من الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة: ١٥٥].
فالابتلاءات كثيرة، هذا بالمرض، وهذا بالموت، وذاك بالجوع، وآخر بالمصائب، وفلانة بحرمان الزوج، وآخر بالعقم.
هذا يسعى ويعلم ولده، ويكدح في توفير العمل المناسب له، ثم يسقط الولد يوم العمل ميتًا.
وذاك يسعى ويكدح لتتخرج ابنته طبيبة، وفي يوم فرحتها بالشهادة، تأتي مركبة مسرعة فتصطدم بها وتموت.
стр. 138
وذاك يجمع ثروة عظيمة، فتأتي النار فتحرق ماله، فالمصائب ألوان، والله المستعان.
والعاقل من يجعل صبره اختياريًّا، بمعنى أن يرضى بقضاء الله وقدره الواقع به، دون تأفف أو اعتراض باختياره؛ لأنه مؤمن بأنه لا يستطيع له دفعًا، وهو أمر الله سبحانه، وعليه -حتى يكون أمره ممدوحًا- بالصبر والرضا فينبغي التسليم لقضاء الله وقدره، فيكون صبره اختياريًّا حامدًا مولاه على كل حال، وهذا أكمل الصبر.
٤ - التوجه إلى الله سبحانه بالدعاء:
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ [الفرقان: ٧٧].
وقال -عزَّ اسمه-: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
وقال سبحانه:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وقال : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف ٥٥: ٥٦].
وعن النُّعمان بن بَشير قال:
سَمِعتُ النبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الدُّعَاءُ هُوَ العبادة"، ثُم قَرَأَ
стр. 139
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠] (١).
"معنى الدعاءِ، استدعاءُ العبد ربَّهُ العناية، واستمدادُهُ منه المعونة" (٢).
فلا يتخلى عبد عن دعاء مولاه إلا قانط أو متكبر مستغنٍ، وهذا موجب لغضب الله سبحانه وسخطه، فدعاء العبادة، ودعاء المسألة من الأمور التي يحبها الله سبحانه من عبادة المتقين.
والفرق بينهما أن دعاء المسألة هو طلب ما ينفعُ الدَّاعى بجلب الخير، أو دفع الضر، أمَّا دعاء العبادة فهو الثناء على الله بما هو أهله، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة
قال شيخ الإسلام: "دعاءُ المسألة؛ هو طلبُ ما ينفعُ الداعي، وطلب كشف ما يضره، ودفعه" (٣).
وفي الحديث عَن أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَن لم يسأل اللهَ، يَغضَبْ عَلَيْهِ" (٤).
وقد أحسن الناظم بقوله:
اللهُ يغضَبُ إِن تَرَكْت سُؤَالَهُ ... وترى ابنَ آدمَ حينَ يُسألُ يَغضبُ
стр. 140
وفي قَولُهُ: (من لم يَسأل اللهَ يَغضَب عليه) قال الطِّيبِيُّ: "وذلك لأنَّ الله يُحِب أَن يُسألَ من فضله فمن لم يَسأل الله يُبغضهُ، والمبغُوضُ مغضُوبٌ عليه لا محالة".
وكم في كتاب الله العزيز من موقف يبين لجوء المؤمنين لربهم عند ملاقاة الأعداء؛ لأن الله ملجأ الخائفين، وملاذ الطائعين.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠)﴾ [البقرة: ٢٥٠].
وفي التنزيل آيات كثيرة فيها من السؤال والافتقار والتضرع، والطلب والعبادة، ما يجعلنا لا نطيل في هذا الباب.
قال شيخ الإسلام (٥٢٣ - اقتضاء الصراط المستقيم): "ومن اعتاد الدعاء المشروع في أوقاته: كالأسحار، وأدبار الصلوات، والسجود ونحو ذلك، أغناه عن كل دعاء مبتدع في ذاته أو في بعض صفاته.
فعلى العاقل أن يجتهد في اتباع السنة في كل شيء من ذلك، ويعتاض عن كل ما يظن من البدع أنه خير بنوعه من السنن، فإنه من يتحرَّ الخير يعطه، ومن يتوق الشر يُوقه".
قلت: وفيما ذكرنا كفاية، والله ولي التوفيق.
وللمسألة والدعاء آداب وفضائل كثيرة:
والآداب التي تحتف بالدعاء ثلاثة قبل الدعاء، وخلاله، وبعده:
أولًا: آداب قبل الدعاء:
١ - التوبة ورد المظالم لأهلها.
стр. 141
قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٩٠].
٢ - التقدم بين يدي ربه بحسن العبادة من الفرائض وبر الوالدين، والنوافل كالصدقة وغيرها التي يستجلب بها العبد محبة ربه ﵎.
عن أَبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللهِ ﷺ :
"إِن الله قال: من عادى لي وَلِيًّا فَقَد آذَنتُهُ بِالحَربِ، وما تَقَربَ إِلَيَّ عَبدِي بِشَيءٍ أَحَب إِلَيَّ مِما افتَرَضتُ عَلَيهِ، وما يَزَالُ عَبدِي يتقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنوَافِلِ حَتى أُحِبهُ، فَإِذا أَحبَبتُهُ كُنتُ سَمعَهُ الذِي يَسمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الذي يُبصِرُ بِهِ، وَيدَهُ التِي يَبطِشُ بِهَا، وَرِجلَهُ التي يَمشِي بِهَا، وَإِن سَألَنِي لأعطِيَنَّهُ، وَلَئِن استعَاذنِي لأُعِيذنَّهُ" (١).
٣ - تحري المال الحلال.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
وعن أَبِي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"أَيهَا النَّاسُ إِن اللهَ طَيِّبٌ لا يَقبَلُ إِلا طَيبًا، وَإِن الله أَمَرَ المُؤمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُم ذَكَرَ الرجُلَ يُطِيلُ السفَرَ أَشعَثَ أَغبَرَ يَمُدُّ يَدَيِه إِلَى السمَاءِ يَا رَب يَا رَب، وَمَطعَمُهُ حَرَام، وَمَشرَبُهُ حَرَام، وَمَلبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ فَأنَّى يُستجَابُ لِذَلِكَ؟ " (٢).
стр. 142
٤ - أن يختار موضعًا طاهرًا نظيفًا، خاليًا عما يشغل القلب.
٥ - أن يكون نظيفًا من نجاسة الثياب، طيب الفم على أكمل وجه.
٦ - أن يتحرى أوقات إجابة الدعاء مع شرف الزمان، والمكان.
ثانيًا: آداب عند الدعاء:
١ - استقبال القبلة عند الدعاء، مع التذلل والوقار.
عن عبد الله بن مسعودِ ﵁ قَالَ: استقبَلَ النبِيُّ ﷺ الكعبَةَ، فَدَعَا عَلَى نَفَرٍ مِن قُرَيشِ" (١).
وعن عبد اللهِ بن زيدٍ الأنصاري أَن النبِي ﷺ خَرَجَ إِلَى المُصَلى يُصَلي، وَأَنهُ لَما دَعَا أَو أَرَادَ أن يَدعُوَ استقبَلَ القبلَةَ وَحَولَ رِدَاءه" (٢).
٢ - رفع اليدين عند الدعاء.
عن ابن عمر قال: رَفَعَ النبِيُّ ﷺ يَدهُ، فَقَالَ: "اللَّهُم إِني أَبرَأُ إِلَيكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ" (٣).
وعن أَبي موسى قَالَ دَعَا النبِي ﷺ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأ بِهِ، ثُم رَفَعَ يَدَيهِ فَقَالَ: "اللهُمَّ اغفر لِعُبَيدٍ أَبي عَامِرٍ"، وَرَأَيتُ بَيَاضَ إِبطَيهِ (٤).
стр. 143
عن سلمان الفارسيِّ عن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "إِن اللهَ حَيِيٌّ كَرِيم يَستَحيِي، إِذَا رَفَعَ الرجُلُ إِلَيْهِ يدَيهِ أَن يَرُدَّهُمَا صِفرًا خَائِبَتَين" (١).
٣ - الدعاء بباطن الكف:
وهذا من حسن الأدب، وكمال التذلل والأفتقار، لحديث مالك بن يسار السكوني، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها" (٢).
٤ - الثناء على الله سبحانه وتعظيمه، ثم الصلاة على النبي ﷺ .
عن فَضَالَةَ بن عُبَيدٍ: قال بَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَاعِد إِذ دَخَلَ رَجُل، فَصَلى فقال: اللهُم اغفِر لِي، وَارحَمنِي. فقال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَجِلتَ أَيهَا المُصَلِّي، إِذَا صَليتَ فَقعَدتَ، فاحمَد اللهَ بِمَا هُوَ أَهلُهُ، وَصَلِّ عَلَيَّ، ثُمَّ ادعُهُ".
قال ثُمَّ صَلى رَجُلٌ آخَرُ بَعدَ ذَلِكَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَصَلى عَلَى النبِيِّ ﷺ فقال النَّبِيُّ ﷺ : "أَيهَا المُصَلِّي ادعُ تُجَب" (٣).
стр. 144
وقال رسول الله ﷺ : "كُلُّ دُعَاءٍ مَحجُوب حَتى يُصَلَّى عَلَى النبي ﷺ " (١).
قال النووي: "أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى والثناء عليه، ثم الصلاة على رسول الله ﷺ ، وكذلك يُختم الدعاء بهما" (٢).
٥ - سؤال الله سبحانه بأسمائه وصفاته، ومناسبة الطلب بصفات الله سبحانه أو أسمائه، فيقول: اللهم ارحمنى يا رحيم، وارزقني يا رزاق، وهكذا.
قال الخطابي ﵀: "تضافُ معاظمُ الخليقةِ إليهِ عند الثناءِ والدُّعاءِ، فيُقَالُ: "يا رَب السماواتِ والأرضين" كما يُقالُ: "يا رَب الأنبياءِ والمرسلين" ولا يحسُنُ أن يقال: يا رب الكلاب، ويا ربَّ القردةِ والخنازيرِ، ونحوها من سَفَلِ الحيوانِ، وحشراتِ الأرضِ، وإن كانت إضافةُ جميع المكوَّناتِ إليه من جِهَة الخلقِ لها، والقدرَةِ شامِلَةً لجميعِ أصنافِهَا" (٣).
٦ - العزم والجزم في المسألة.
عن أَبي هريرة ﵁ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم: اللهم اغفِر لي إِن شِئتَ، اللهم ارحَمنِي إِن شِئتَ، لِيَعزِمِ المسألَةَ فإنهُ لا مُكرِهَ لَهُ" (٤).
стр. 145
عن أَبي هريرة ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ادعُوا اللهَ وَأَنتُم مُوقِنُونَ بِالإجَابَةِ، وَاعلَمُوا أَن اللهَ لا يَستجِيبُ دُعَاءً من قلب غافِلٍ لاهٍ" (١).
ومن الأخطاء الشائعة عند البعض استعظام المسألة على الله سبحانه، والاستغناء عنه كقول البعض: اللهم اغفر لي إن شئت! كأنه مستغنٍ عن ربه.
ومن التعاليق المفيدة للعلامة ابن عثيمين ﵀ حول أسباب كراهية مثل هذا النوع من الدعاء:
الأول: أنه يشعر بأن الله له مكره على الشيء، وأن وراءه من يستطيع أن يمنعه، فيقول: أنا لا أكرهك إن شئت فاغفر، وإن شئت فلا تغفر.
الثاني: أن قول القائل: إن شئت كأنه يرى أن هذا أمر عظيم على الله، فقد لا يشأهُ، لكونه عظيماً عنده.
الثالث: أنه يشعر بأن الطالب مستغنٍ عن الله، كأنه يقول: إن شئت فافعل، وإن شئت فلا تفعل، فأنا لا يهمني، والتعليق ينافي ذلك؛ لأن المعلق للشيء المطلوب يشعر أنه مستغنٍ عنه، والإنسان ينبغي أن يدعو الله تعالى وهو يشعر أنه مفتقر إليه غاية الافتقار، وأن الله قادر على أن يعطيه ما سأل، وأن لا يدعو بهذه الصيغة، بل يجزم فيقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم وفقني، وما أشبه ذلك". اهـ ملخصاً (٢).