قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٩٠].
٢ - التقدم بين يدي ربه بحسن العبادة من الفرائض وبر الوالدين، والنوافل كالصدقة وغيرها التي يستجلب بها العبد محبة ربه ﵎.
عن أَبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللهِ ﷺ :
"إِن الله قال: من عادى لي وَلِيًّا فَقَد آذَنتُهُ بِالحَربِ، وما تَقَربَ إِلَيَّ عَبدِي بِشَيءٍ أَحَب إِلَيَّ مِما افتَرَضتُ عَلَيهِ، وما يَزَالُ عَبدِي يتقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنوَافِلِ حَتى أُحِبهُ، فَإِذا أَحبَبتُهُ كُنتُ سَمعَهُ الذِي يَسمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الذي يُبصِرُ بِهِ، وَيدَهُ التِي يَبطِشُ بِهَا، وَرِجلَهُ التي يَمشِي بِهَا، وَإِن سَألَنِي لأعطِيَنَّهُ، وَلَئِن استعَاذنِي لأُعِيذنَّهُ" (١).
٣ - تحري المال الحلال.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
وعن أَبِي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"أَيهَا النَّاسُ إِن اللهَ طَيِّبٌ لا يَقبَلُ إِلا طَيبًا، وَإِن الله أَمَرَ المُؤمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُم ذَكَرَ الرجُلَ يُطِيلُ السفَرَ أَشعَثَ أَغبَرَ يَمُدُّ يَدَيِه إِلَى السمَاءِ يَا رَب يَا رَب، وَمَطعَمُهُ حَرَام، وَمَشرَبُهُ حَرَام، وَمَلبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ فَأنَّى يُستجَابُ لِذَلِكَ؟ " (٢).
стр. 142
٤ - أن يختار موضعًا طاهرًا نظيفًا، خاليًا عما يشغل القلب.
٥ - أن يكون نظيفًا من نجاسة الثياب، طيب الفم على أكمل وجه.
٦ - أن يتحرى أوقات إجابة الدعاء مع شرف الزمان، والمكان.
ثانيًا: آداب عند الدعاء:
١ - استقبال القبلة عند الدعاء، مع التذلل والوقار.
عن عبد الله بن مسعودِ ﵁ قَالَ: استقبَلَ النبِيُّ ﷺ الكعبَةَ، فَدَعَا عَلَى نَفَرٍ مِن قُرَيشِ" (١).
وعن عبد اللهِ بن زيدٍ الأنصاري أَن النبِي ﷺ خَرَجَ إِلَى المُصَلى يُصَلي، وَأَنهُ لَما دَعَا أَو أَرَادَ أن يَدعُوَ استقبَلَ القبلَةَ وَحَولَ رِدَاءه" (٢).
٢ - رفع اليدين عند الدعاء.
عن ابن عمر قال: رَفَعَ النبِيُّ ﷺ يَدهُ، فَقَالَ: "اللَّهُم إِني أَبرَأُ إِلَيكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ" (٣).
وعن أَبي موسى قَالَ دَعَا النبِي ﷺ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأ بِهِ، ثُم رَفَعَ يَدَيهِ فَقَالَ: "اللهُمَّ اغفر لِعُبَيدٍ أَبي عَامِرٍ"، وَرَأَيتُ بَيَاضَ إِبطَيهِ (٤).
стр. 143
عن سلمان الفارسيِّ عن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "إِن اللهَ حَيِيٌّ كَرِيم يَستَحيِي، إِذَا رَفَعَ الرجُلُ إِلَيْهِ يدَيهِ أَن يَرُدَّهُمَا صِفرًا خَائِبَتَين" (١).
٣ - الدعاء بباطن الكف:
وهذا من حسن الأدب، وكمال التذلل والأفتقار، لحديث مالك بن يسار السكوني، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها" (٢).
٤ - الثناء على الله سبحانه وتعظيمه، ثم الصلاة على النبي ﷺ .
عن فَضَالَةَ بن عُبَيدٍ: قال بَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَاعِد إِذ دَخَلَ رَجُل، فَصَلى فقال: اللهُم اغفِر لِي، وَارحَمنِي. فقال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَجِلتَ أَيهَا المُصَلِّي، إِذَا صَليتَ فَقعَدتَ، فاحمَد اللهَ بِمَا هُوَ أَهلُهُ، وَصَلِّ عَلَيَّ، ثُمَّ ادعُهُ".
قال ثُمَّ صَلى رَجُلٌ آخَرُ بَعدَ ذَلِكَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَصَلى عَلَى النبِيِّ ﷺ فقال النَّبِيُّ ﷺ : "أَيهَا المُصَلِّي ادعُ تُجَب" (٣).
стр. 144
وقال رسول الله ﷺ : "كُلُّ دُعَاءٍ مَحجُوب حَتى يُصَلَّى عَلَى النبي ﷺ " (١).
قال النووي: "أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى والثناء عليه، ثم الصلاة على رسول الله ﷺ ، وكذلك يُختم الدعاء بهما" (٢).
٥ - سؤال الله سبحانه بأسمائه وصفاته، ومناسبة الطلب بصفات الله سبحانه أو أسمائه، فيقول: اللهم ارحمنى يا رحيم، وارزقني يا رزاق، وهكذا.
قال الخطابي ﵀: "تضافُ معاظمُ الخليقةِ إليهِ عند الثناءِ والدُّعاءِ، فيُقَالُ: "يا رَب السماواتِ والأرضين" كما يُقالُ: "يا رَب الأنبياءِ والمرسلين" ولا يحسُنُ أن يقال: يا رب الكلاب، ويا ربَّ القردةِ والخنازيرِ، ونحوها من سَفَلِ الحيوانِ، وحشراتِ الأرضِ، وإن كانت إضافةُ جميع المكوَّناتِ إليه من جِهَة الخلقِ لها، والقدرَةِ شامِلَةً لجميعِ أصنافِهَا" (٣).
٦ - العزم والجزم في المسألة.
عن أَبي هريرة ﵁ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم: اللهم اغفِر لي إِن شِئتَ، اللهم ارحَمنِي إِن شِئتَ، لِيَعزِمِ المسألَةَ فإنهُ لا مُكرِهَ لَهُ" (٤).
стр. 145
عن أَبي هريرة ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ادعُوا اللهَ وَأَنتُم مُوقِنُونَ بِالإجَابَةِ، وَاعلَمُوا أَن اللهَ لا يَستجِيبُ دُعَاءً من قلب غافِلٍ لاهٍ" (١).
ومن الأخطاء الشائعة عند البعض استعظام المسألة على الله سبحانه، والاستغناء عنه كقول البعض: اللهم اغفر لي إن شئت! كأنه مستغنٍ عن ربه.
ومن التعاليق المفيدة للعلامة ابن عثيمين ﵀ حول أسباب كراهية مثل هذا النوع من الدعاء:
الأول: أنه يشعر بأن الله له مكره على الشيء، وأن وراءه من يستطيع أن يمنعه، فيقول: أنا لا أكرهك إن شئت فاغفر، وإن شئت فلا تغفر.
الثاني: أن قول القائل: إن شئت كأنه يرى أن هذا أمر عظيم على الله، فقد لا يشأهُ، لكونه عظيماً عنده.
الثالث: أنه يشعر بأن الطالب مستغنٍ عن الله، كأنه يقول: إن شئت فافعل، وإن شئت فلا تفعل، فأنا لا يهمني، والتعليق ينافي ذلك؛ لأن المعلق للشيء المطلوب يشعر أنه مستغنٍ عنه، والإنسان ينبغي أن يدعو الله تعالى وهو يشعر أنه مفتقر إليه غاية الافتقار، وأن الله قادر على أن يعطيه ما سأل، وأن لا يدعو بهذه الصيغة، بل يجزم فيقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم وفقني، وما أشبه ذلك". اهـ ملخصاً (٢).
стр. 146
٧ - الإلحاح في الدعاء مع تكراره.
عن أَبي هريرة ﵁ عن النبِي ﷺ أَنهُ قال: "لا يَزَالُ يُستَجَابُ لِلعَبدِ، مَا لَم يَدْعُ بِإثمِ أَو قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَم يَستَعجِل"، قيل: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الاستعجَالُ؟ قال: "يَقُولُ: قد دَعَوتُ وَقد دَعَوتُ فَلَم أَرَ يَستَجِيبُ لِي. فَيَسِتحسرُ عِندَ ذلِكَ وَيدَعُ الدعَاء" (١).
ومن جميل ما يُذكر عن الإمام ابن الجوزي قوله: "إذا جلست في الظلام بين يدي الملك العلام، فاستعمل أخلاق الأطفال، فالطفل إذا طلب شيئًا فلم يعط بكى، حتى أخذه".
٨ - عدم الاعتداء في الدعاء، بسؤال ما لا يجوز، وما لا يفعله الله ، أو بإثم، أو بقطيعة رحم.
كالدعاء بالمستحيل كالخلود في الحياة، أو الدعاء على الغير بالوقوع بالمحرمات كأن يتعاطى المخدرات، أو المسكرات، أو فراق الأهل أو تشتت الشمل.
٩ - إخفاء الدعاء مع حضور القلب، والتضرع، والخشوع، والرغبة والرهبة، والإخلاص فيه.
قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].
وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ
стр. 147
الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠].
١٠ - أن يبدأ بنفسه ويشرك إخوانه معه بالدعاء.
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾ [الأعراف: ١٥١].
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
ومع ذلك يجوز أن يدعو لغيره، غير أن سجاياه البدء بنفسه أولًا؛ لحديث أبي ابن كعب ﵁ أن رسولَ الله ﷺ كانَ إذا ذَكَرَ أحدًا فَدَعا لهُ، بَدَأ بنفسِهِ" (١).
ثالثًا: آداب بعد الدعاء .
١ - أن يوقن بالإجابة، ويحسن الظن بالله سبحانه، ولا يستعظم المسألة.
"يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي وأنا معهُ حين يذكرني" (٢).
٢ - أن يستمر في الدعاء في الشدة والرخاء.
стр. 148
عن أَبي هريرة ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : "مَن سَرَّهُ أَن يَستَجِيبَ اللهُ لَهُ عِندَ الشَّدائِدِ وَالكَرْبِ، فَليُكثر الدُّعَاءَ فِي الرخَاءِ" (١).
٣ - ألا ييأس من الدعاء، ولا يقول؛ دعوت دعوت ولم يستجب لي، ولا يستعجل الإجابة.
عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما على الأرض مسلمٌ يدعو الله بدعوةٍ إلا آتاه الله إياها أو صَرَفَ عنه من السوء مِثلَها ما لم يدعُ بإئم أو قطيعة رحم"، فقال رجلٌ من القوم: إذًا نكثر، قال: "الله أكثر" (٢).
فقد تتأخر الإجابة لِحِكَم يعلمها الله سبحانه، فقد يستجيب له حالًا، وربما يستجيب له بعوض، أَو يدفع عنه من السوء ما لا يعلم، وربما يرتبط العبد بربه ويزيد في أجره، فيحاسب نفسه ويتفقد أعماله، ويتذلل إلى ربه، ويبكي بين يديه ليرفع قدره.
عن أَبي هريرة ﵁ عن النبِيِّ ﷺ أَنهُ قال: "لا يَزَالُ يستَجَابُ لِلعَبدِ، ما لَم يَدع بِإثمِ، أَو قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَم يَستَعجِل". قيل: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الاستعجَالُ؟ قال: "يقولُ: قَد دَعَوتُ، وَقَد دَعَوتُ، فَلَم أَرَ يَستَجِيبُ لي. فَيَستَحسِرُ عِندَ ذلِكَ، وَيدَعُ الدُّعَاءَ" (٣).
стр. 149
٥ - الوقوف بين يديه طاهرًا في الصلاة مع الزينة:
قال العلامة ابن قيم الجوزية ﵀: "ستر العورة من الأدب، والوضوء وغسل الجنابة من الأدب، والتطهر من الخبث من الأدب؛ حتى يقف بين يدي الله طاهرًا؛ ولهذا كانوا يستحبون أن يتجمل الرجل في صلاته للوقوف بين يدي ربه.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: أمر الله بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة، وهو أخذ الزينة، فقال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] فعلق الأمر بأخذ الزينة -لا بستر العورة- إيذانًا بأن العبد ينبغي له أن يلبس أزين ثيابه وأجملها في الصلاة، وكان لبعض السلف حلة بمبلغ عظيم من المال، وكان يلبسها وقت الصلاة، ويقول: ربي أحق من تجملت له في صلاتي، ومعلوم أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، لا سيما إذا وقف بين يديه، فأحسن ما وقف بين يديه بملابسه ونعمته التي ألبسه إياها ظاهرًا وباطنًا" (١).
٦ - المداومة على الصلاة والخشوع:
المداومة على الصلاة والخشوع بين يدي الله سبحانه، غاية الأدب مع الله .
فلا عبث في ثوب أو لحية أو حجاب، أو شيء يشغل عن الصلاة، أو يقدح في الطمأنينة فيها.
стр. 150
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون ١: ٢]، وكذلك المداومة على الصلاة بسكون الأطراف والطمأنينة فيها، وهذا أحد التفاسير في قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ [المعارج: ٢٣].
قال ابن القيم ﵀:
"ومن الأدب مع الله في الوقوف بين يديه في الصلاة: وضع اليمنى على اليسرى حال قيام القراءة، ففي الموطأ لمالك، عن سهل بن سعد: "أنَّه من السنة"، وكان الناسُ يُؤمَرُون به" ولا ريب أنه من أدب الوقوف بين يدي الملوك والعظماء، فعظيم العظماء أحق به.
ومنها: السكون في الصلاة، وهو الدَّوام الذي قال الله تعالى فيه: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ [المعارج: ٢٣].
قلت: هما أمران؛ الدَّوام عليها، والمُداومة عليها، فهذا الدوام والمداومة. وفُسِّر الدوام بسكون الأطراف والطمأنينة، وأدبه في استماع القراءة: أن يُلقِي السمع وهو شهيد، وأدبه في الركوع: أن يستوي، ويعظم الله تعالى، حتى لا يكون في قلبه شيء أعظم منه، ويتضاءل ويتصاغر في نفسه حتى يكون أقل من الهباء.
والمقصود: أن الأدب مع الله ﵎ هو القيام بدينه، والتأدب بآدابه ظاهرًا وباطنًا" (١).
стр. 151
٧ - عدم استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة:
عن أبي أيوب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، ولكن شرقوا أو غربوا" (١).
الغائط: المكان المنخفظ، وهو مكان قضاء الحاجة، فالأدب مع بيت الله -الكعبة المشرفة، وهي قبلة المسلمين- أن لا تستقبل ببول أو غائط في الصحراء والخلاء على الكراهة عند علماء المسلمين، وهي لأهل المدينة ومن على سمتهم بأن يشرق العبد أو يغرب حال البول أو التغوط.
٨ - تعظيم اسمه :
ومن الأدب مع الله تعظيم اسمه، فكلما كتب اسم الله تعالى؛ أتبعهُ بالتعظيم مثلَ: تعالى أو سبحانه أو ، أو تقدس أو تباركَ، ونحو ذلك، ويتلفظُ بذلك أيضاً (٢).
٩ - شكر نعمه، وحمده:
الشكر: تصور النعمة وإظهارها وهو الامتلاء من ذكر المنعم عليه.
وقيل: هو الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف.
والشكر مبنى على خمس قواعد: خُضوع الشاكر للمشكور، وحبُّه له واعترافُهُ بنعمته، وثَناؤه عليه بها، وأن لا يستعملها فيما يَكره (٣).
ونعم الله علينا كثيرة، فلا تعد ولا تحصى؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا
стр. 152
نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
وقال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال سبحانه: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
و"الشكر يكون بالقلب خضوعًا واستكانه، وباللسان ثناء واعترافًا، وبالجوارح طاعة وانقيادًا" (١).
أما الحمد لغة: الثناء، واصطلاحًا: الثناء على الله بالجميل على جهة التعظيم والتبجيل.
أما الفرق بين الشكر والحمد، فالشكر لا يكون إلا في مقابل النعمة، أما الحمد فيكون مقابل النعمة أو دون مقابل، والشكر يكون بالقول والعمل، أما الحمد فلا يكون إلا بالقول.
قال ابن القيم: "فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس، وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس، فإن الشكر يقع بالجوارح والجسد، والحمد يقع بالقلب واللسان" (٢).
١٠ - ومن الأدب مع الله: طاعة رسوله ﷺ -:
طاعة الرسول ﷺ ، فهي من طاعة الله سبحانه، وفي طاعة الرسول طاعة
стр. 153
المرسل، لأنه بأمره أطاعة، ومن يطع الرسول في سنته فقد أطاع الله في فريضته.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢].
قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النور: ٥٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢].
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠].
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن أطاعَني فقد أطاعَ اللهَ، ومَن عصاني فقد عَصى الله".
****
стр. 154
الأدب مع القرآن الكريم
القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة، والحجة البالغة، والنعمة الباقية، وهو إعلام المسلمين الصادق، ومنبع التوجيه والتربية، وهو الدستور الذي أنزلهُ الله على قلب محمد ﷺ ؛ ليصلح الله به ما بين العبد وربه، وما بين العبد ونفسه، وما بين العبد والمجتمع الذي يعيش فيه، وتتحقق به رسالة المسلم في هذه الحياة على نحو ما أراد الله رب العالمين، وهو الفصل ليس بالهزل، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يبلى من كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه .. ، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم.
قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥].
وقال -عز اسمه-: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].
* معنى القرآن الكريم اصطلاحًا:
القرآن الكريم هو: كلام الله تعالى، المُنَزَّل على رسوله محمد ﷺ باللفظ والمعنى المتعبد بتلاوته، المحفوظ في الصدور والكتب، المتحدى بأقصر سورة منه، المنقول إلينا بالتواتر.
стр. 155
فضل تلاوة القرآن الكريم
القرآن الكريم كلام الله تعالى، وفي تلاوته فضل عظيم، وقد أمر الله سبحانه بتلاوته كما في قوله سبحانه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ [فاطر: ٢٩].
وعن أَبي أُمامةَ البَاهليُّ قال: سمعتُ رسُول الله ﷺ يقولُ: "اقرَءُوا الْقُرآنَ، فإِنَّهُ يَأتى يَومَ القِيَامَةِ شَفِيعًا لأصحَابِهِ، اقرَءُوا الزهرَاوَينِ البَقَرَةَ وَسُورَةَ آل عِمرَانَ؛ فإِنَّهُمَا تأتِيَانِ يَومَ القِيَامَةِ كَأنَّهُمَا غمَامَتَانِ، أَو كَأنَّهُمَا غيَابتَانِ، أَو كَأنهُمَا فِرقَانِ من طَيْرٍ صَوَافَّ، تحَاجَّانِ عَن أَصحَابِهِمَا، اقرَءُوا سُورَةَ البَقَرَةِ؛ فَإِنَّ أَخذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَركَهَا حَسْرَةٌ، وَلا تَسْتَطِيعُهَا البَطَلَة". قال مُعَاوِيةُ: بَلَغَنِي أنَّ البَطَلَةَ السحَرَةُ" (١).
عن ابن مَسعُودِ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن قرَأَ حَرفًا من كِتَاب اللهِ، فَلَهُ بِهِ حَسَنَة، وَالحَسَنَةُ بِعَشرِ أَمْثَالِهَا، لا أَقُولُ آلم حَرفٌ، وَلَكِن أَلِفٌ حَرف، وَلامٌ حَرف، وَمِيمٌ حَرف" (٢).
* أيهما أفضل: القراءة من المصحف أو عن ظهر قلب؟
تلاوة القرآن في المصحف عبادة، كما أن قراءة القرآن عن ظهر قلب
стр. 156
عبادة أيضاً، ولكن أيهما أفضل عند العلماء؟ هذا ما سنعرفه بإذن الله تعالى.
عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن سَرَّهُ أن يُحب الله ورسوله، فَليقرأ في المُصحَف" (١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "أديموا النظر في المصاحف" (٢).
وعن عبد الله قال: "تعاهدوا هذه المصاحف -وربما قال: القرآن- فلهو أشد تفصيًا من صدور الرجال من النَّعَم من عُقُلِه" (٣).
وعن يونس قال: "كان خُلُقُ الأولين النظر في المصاحف" (٤).
قال الإمام النووي ﵀: "قراءة القرآن من المصحف أفضل من القراءة عن ظهر القلب؛ لأن النظر في المصحف عبادة مطلوبة، فتجتمع القراءة والنظر هكذا.
قال القاضي حسين من الشافعية، وجماعات من السلف، ونقل الغزالي في "الإحياء" أن كثيرين من الصحابة ﵃ كانوا يقرءون من المصحف، ويكرهون أن يخرج يوم ولم ينظروا في المصحف؛ وروى ابن أبي داود القراءة في المصحف عن كثيرين من السلف، ولم أرَ فيه خلافًا؛
стр. 157
ولو قيل: إنه يختلف باختلاف الأشخاص، فيختار القراءة في المصحف لمن استوى خشوعه وتدبره في حالتي القراءة في المصحف وعن ظهر القلب، ويختار القراءة عن ظهر القلب لمن لم يكمل بذلك خشوعه؛ ويزيد على خشوعه وتدبره لو قرأ من المصحف -لكان هذا قولًا حسنًا، والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل (١).
قلت: ولعل القول بالقراءة من المصحف مقدم على القراءة حفظًا؛ لكثرة الأدلة وقوتها في ذلك، وثانيًا دفعًا للخطأ واللحن، وأقوى للحفظ والاستذكار، مع الثواب في ذلك.
أخلاق حامل القرآن الكريم
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون".
وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا محزونًا حكيمًا حليمًا عليمًا سِكِّيتًا، وينبغي لحامل القرآن أن لا يكون جافيًا ولا غافلًا، ولا صخابًا، ولا صياحًا، ولا حديدًا" (٢).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "من جَمَعَ
стр. 158
القُرآنَ فقد حَمَلَ أمرًا عظيماً، لقد أُدرِجَت النبُوَّةُ بين كتفيهِ غيرَ أنَّهُ لا يُوحى إليه، ولا ينبغي لحاملِ القُرآنِ أن يَجِدَ مع منْ يَجِدُ، ولا يَجهَلَ معَ من يَجهَلُ، لأن القرآنَ في جَوفِهِ" (١).
قوله: يجد أي يغضب. قوله: يجهل: أي يفسق.
قال الفضيل بن عياض ﵀:
"ينبغي لحاملِ القرآن أن لا يكونَ له حاجةً إلى أحدٍ من الخلقِ، إلى الخليفةِ فمن دُونهَ، وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه.
حاملُ القرآن حاملُ راية الإسلامِ، لا ينبغي له أن يلغُو مع من يلغو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلهو مع من يلهو" (٢).
قال الإِمام الآجُرِّي ﵀:
"فينبغي له أن يجعل القرآنَ ربيعاً لقلبهِ، وُيعمرَ به ما خربَ من قلبهِ، يتأدّبَ بآدابِ القرآنِ، ويتخلقَ بأخلاق شريفةٍ، يبينُ بها عن سائر الناس ممن لا يقرأُ القرآنَ.
فأولُ ما ينبغي له: أَن يستعمِلَ تقوى الله في السِّر والعلانيَةِ، باستعمالِ الورعِ في مطعمهِ، ومشربه، وملبسهِ، ومكسبهِ، ويكونَ بصيراً بزمانه وفساد أهلهِ، فهو يحذرهم على دينه، مقبلًا على شأنهِ، مهموماً
стр. 159
بإصلاحِ ما فسدَ من أمرهِ، حافظًا للسانهِ، مُميزًا لكلامهِ.
إن تكلم تكلم بعلمِ، إذا رأى الكلامَ صوابًا، وإذا سكتَ سكتَ بعلمِ، إذا كانَ السكوتُ صوابًا، قليلَ الخوضِ فيما لا يعنيه، يخافُ من لسانهِ أشدَّ ممَّا يخافُ من عدوه، يحبسُ لسانهُ كحبسهِ لعدوه، ليأمنَ من شرِّهِ وسوءِ عاقبتهِ، قليلَ الضحك فيما يضحك فيه الناسُ، لسوءِ عاقبةِ الضَّحك، إن سُرَّ بشيءٍ ممَّا يُوافقُ الحقَّ تبسَّمَ، يكرهُ المزاحَ خوفًا من اللعبِ، فإن مزحَ قال حقاً، باسطَ الوجهِ، طيِّبَ الكلامِ.
لا يمدحُ نفسهُ بما فيه، فكيفَ بما ليس فيه، يحذرُ من نفسه أن تغلِبَهُ على ما تهوى مما يُسخطُ مولاهُ، لا يغتابُ أحدًا، ولا يحقر أحدًا، ولا يسبُّ أحداً، ولا يشمتُ بمصيبةِ، ولا يبغي على أحدِ، ولا يحسدهُ، ولا يُسيء الظَّنَّ بأحدٍ إلا بمن يستحقُ، يحسدُ بعلمِ، ويظنُ بعلمٍ، ويتكلمُ بما في الإنسانِ من عيبٍ بعلمِ، ويسكتُ عن حقيقة ما فيه بعلمِ، قد جعلَ القرآن والسُّنةَ والفقهَ دليلهُ إلى كل خُلُقٍ حسنِ جميلِ، حافظاً لجميعِ جوارحهِ عمَّا نُهي عنهُ، إنْ مشى مَشى بعلمِ، وإن قعدَ قعدَ بعلمِ، يجتهدُ ليسلمَ الناسُ من لسانهِ ويدهِ. ولا يجهلُ؛ فإن جُهِلَ عليه حَلُمَ، ولا يظلمُ، فإن ظُلمَ عَفَا، ولا يبغي، وإن بُغي عليه صبرَ، يكظمُ غيظهُ ليُرضيَ ربَّهُ، وغبطَ عدُوّهُ، متواضعٌ في نفسهِ، إذا قيل لهُ الحقُّ قَبِلَهُ، من صغيرٍ أو كبيرٍ.
يطلبُ الرِّفعةَ من الله لا من المخلوقين، ماقتاً للكبر، خائفًا على نفسهِ منهُ، لا يتأكلُ بالقرآن، ولا يُحب أن تُقضى له به الحوائجُ، ولا يسعى به إلى أبناءِ الملوكِ، ولا يُجالسُ بهِ الأغنياءَ ليكرموهُ.
стр. 160
إن كَسَبَ النَّاسُ من الدنيا الكثيرَ بلا فقهِ ولا بصيرةِ، كسبَ هوَ القليلَ بفقهٍ وعلمٍ، إن لبسَ الناسُ اللِّينَ الفاخرَ، لبسَ هو من الحلال ما يسترُ عورتهُ، إن وُسِّعَ عليه وسَّعَ، وإن أُمسِكَ عليه أَمسَكَ، يقنعُ بالقليلِ فيكفيه، ويحذرُ على نفسهِ من الدنيا ما يطغيهِ.
يتَّبعُ واجباتِ القرآن والسنَّةِ، يأكلُ الطعامَ بعلمٍ، ويشربُ بعلمٍ، ويلبسُ بعلمٍ، وينامُ بعلمٍ، ويُجامعُ أهلهُ بعلمٍ، ويصحبُ الإخوانَ بعلمٍ، يزورهم بعلمٍ، وَيستأذنُ عليهم بعلمٍ، يُجاورُ جاره بعلمِ.
ويُلزمُ نفسهُ برَّ والدَيهُ، فيخفضُ لهما جناحهُ، ويخفضُ لصوتهما صوتَهُ، ويبذلُ لهما مالهُ، وينظرُ إليهما بعينِ الوقارِ والرحمة، يدعو لهما بالبقاءِ، ويشكرُ لهما عند الكبر، لا يضجرُ بهما، ولا يحقرهما، إن استعانا به على طاعةِ أعانهما، وإن استعانا به على معصيةِ، لم يعنهما عليها، ورفق بهما في معصيتة إياهما، يُحسنُ الأدبَ ليرجعا عن قبيحِ ما أرادا، ممَّا لا يحسنُ بهما فعلُهُ، يصلُ الرحم، ويكرهُ القطيعةَ، لمن قطعهُ، من عصى الله فيه، أطاع الله فيه.
يصحبُ المؤمنين بعلمٍ، ويجالسُهُم بعلمٍ، مَن صحبهُ نَفَعَهُ، حسنُ المجالسةِ لمنِ جالسَ، إن علم غيرهُ رفقَ به، لا يُعَنفُ من أخطأ ولا يُخجلُهُ، رفيق في أُمُورهِ، صبورٌ على تعليم الخير، يأنسُ به المتعلمُ، ويفرحُ به المجالسُ، مُجالستهُ تُفيدُ خيرًا، مُؤدِّبٌ لمن جالسهُ بأدبِ القرآنِ والسُّنَّةِ.
إن أصيبَ بمصيبةِ، فالقرآنُ والسنةُ له مؤدبانِ، يحزنُ بعلمٍ، ويبكي بعلمٍ، ويصبرُ بعلمٍ، ويتطهرُ بعلمٍ، ويصلي بعلمٍ، ويزكي بعلمٍ،
стр. 161
ويتصدقُ بعلمٍ، ويصومُ بعلمِ ويحجُّ بعلمٍ، ويجاهدُ بعلمٍ، ويكتسبُ بعلمٍ، وينفقُ بعلمٍ، وينبسطُ في الاْمورِ بعلمٍ، وينقبضُ عنها بعلمٍ، قد أدبهُ القرَآنُ والسُّنَّةُ.
يتصفحُ القرآنَ ليؤدبَ نفسهُ، ولا يرضى من نفسهِ أن يُؤدي ما فرض اللهُ عليه بجهلٍ، قد جعل العلمَ والفقه دليلهُ إلى كل خيرِ .. ، فالمؤمن العاقلُ إذا تلا القرآن استعرض، فكانَ كالمرآة يرى بها ما أحسنَ من فعله، وما قَبُحَ منه، فما حذَّرهُ مولاهُ حذِرهُ، وما خوَّفهُ من عقابه خافهُ، وما رغبهُ فيه مولاهُ، رغبَ فيه ورجاهُ.
فمن كانت هذه صفتهُ، أو ما قاربَ هذه الصفة، فقد تلاهُ حقَّ تلاوته، ورعاهُ حقَّ رعايته، وكان له القرآنُ شاهدًا، وشفيعًا، وأنيسًا، وحرزًا، ومن كان هذا وصفهُ نفعَ نفسهُ، ونفعَ أهلَهُ، وعاد على والديه، وعلى ولدهِ كُلُّ خيرٍ في الدنيا والآخرة" (١).
قلت: أحسن -والله- الإمام الآجري في وصفه أخلاق حملة القرآن الكريم وصفاتهم، وحريٌّ بكل عاقل أن يتصف بذلك، ويتأدب بأدب القرآن الكريم.
ولا شك أن لتلاوة القرآن الكريم آدابًا كثيرة، حسبنا أن نشير إلى طائفة منها باختصار.
وقد اعتنى العلماء بذكر الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها القارئ، والتي تلزم قارئ القرآن والمستمع له.
стр. 162
* بعض مراجع آداب حامل القرآن:
١ - "أخلاق حملة القرآن" للإمام الآجري.
٢ - "الجامع لأحكام القرآن" للإمام القرطبي.
٣ - "التبيان في آداب حملة القرآن" للإمام النووي.
٤ - "الإتقان في علوم القرآن" للإمام السيوطي.
٥ - "مناهل العرفان في علوم القرآن" للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني.
٦ - "البرهان في علوم القرآن" للإمام بدر الدين الزركشي.
من آداب تلاوة القرآن الكريم
١ - تحري الإخلاص عند تعلُّم القرآن وتلاوته:
الإخلاص لغة:
خَلْص خُلُوصًا، وخِلاصًا: صفا وزال عنه شَوبُهُ، وأخلصَ الشيءَ: أصفاه ونقَّاهُ من شَوبه (١).
وفي لسان العرب: المُخلِص: الذي وحد اللهُ تعالى خالصًا، ولذلك قيل لسورة: قل هو الله أحد لأنها خالصةٌ سميت بذلك لأنها خالصة في صفة الله تعالى وتقدس، أو لأن اللافظ بها قد أخلص التوحيد لله ، وكلمة الإخلاص كلمة التوحيد (٢).
أما في الاصطلاح:
للإخلاص أوجه كثيرة ذكرها الإمام ابن قيم الجوزية.
стр. 163
منها: هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة.
وقيل: تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين، وقيل: الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء: أن يكون ظاهره خيرًا من باطنه.
وقال صاحب المنازل: الإخلاص تصفية العمل من كُلِّ شوب (١).
وحقيقة الإخلاص: التبَرِّي عن كُلِّ ما دُونَ الله تعالى (٢).
قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
قراَءة القرآن من أجل العبادات، وأفضل القربات التي يبتغي فيها المرء وجه الله تعالى، وكل عمل يُتَقربُ به إلى الله، ولا يتحقق فيه شرطا قبول العمل -الإخلاص والمتابعة- فهو مردود على صاحبه؛ لهذا قال السلف: قل للمرائي: لا تتعب!
ويكفي القارئ زجرًا ووعيدًا أن يعلم عقوبة من تعلم القرآن لكي يقال عنه قارئ! أو يقرأ وهو يرائي، فعاقبة أمره خُسرا، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إن أَوَّلَ الناسِ يقضَى يَومَ القِيَامَةِ عَلَيهِ، رَجل استُشهِدَ، فَاُتِيَ بِهِ فَعَرفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قال: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قال: قاتلتُ فِيكَ حَتى اشتُشهِدتُ, قال: كَذبتَ، وَلكِنَّكَ قاتلتَ لأَن يُقَالَ: جَرِيءٌ, فقَد قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتى أُلقِيَ فِي النَّارِ. ورجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وَعَلمَهُ، وَقَرَأَ القُرآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ
стр. 164
فَعَرَفَهَا. قال: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قال: تَعَلَّمتُ العِلمَ وَعَلَّمتُهُ وَقَرَأتُ فِيكَ القُرآنَ. قال: كَذبتَ، وَلَكِنكَ تَعَلمتَ العِلمَ لِيقَالَ: عَالِم، وَقَرَأتَ القُرآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَد قِيلَ. ثُم أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتى أُلقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجلٌ وَسَّع اللهُ عَلَيهِ وَأَعطَاهُ من أَضنَاف المَالِ كُلِّهِ، فَأُتيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قال: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قال: مَا ترَكتُ من سَبِيلِ تُحِبُّ أَن يُنفَقَ فيهَا إلاَّ أَنفَقتُ فِيهَا لَكَ. قال: كَذبتَ. وَلَكِنكَ فَعَلتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَد قِيلَ. ثُم أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ، ثُم أُلقِيَ فِي النَّارِ .. " (١). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
قال النووي ﵀: "الإخلاص إفراد الحق في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة، أو مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى .. ، وينبغي أن لا يقصد به توصلًا إلى غرض من أغراض الدنيا من مال، أو رياسة، أو وجاهة، أو ارتفاع على أقرانه، أو ثناء عند الناس، أو صرف وجوه الناس إليه، أو نحو ذلك" (٢).
٢ - تجويد القراءة:
التجويد لغة: التحسين والإتقان.
واصطلاحًا: تلاوة القرآن الكريم بإعطاء الحروف حَقَّها ومُستحقَّها في النطق.
стр. 165
حق الحرف: صفات الحرف الذاتية الملازمة له، كالجهر والشِّدَّة والاستعلاء، والإطباق إلى غير ذلك من الصفات، ومن أخل بها، فقد وقع في اللحن جليًا كان أو خفيًا.
مُستحَقُّ الحرف: صفتهُ العَرَضيةُ التي تطرأُ وتَزولُ، كالتفخيم، والترقيق، والإدغام، والإِظهار، والغنة .. الخ.
غاية التجويد: بلوغ الإتقان في تلاوة القرآن.
حكم العمل به: فرض عين على كل مسلم ومسلمة من المكلفين عند تلاوة القرآن، وأقل ما يفرض العمل به الآيات التي لا تقوم الصلاة إلا بها (١).
٣ - وجوب العمل بالقرآن الكريم:
فالعاقل من يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقف عند نهيه ويأتمر بأمره، ويعمل بمحكمه، ويؤمن بمتشابهه، ويقيم حدوده وحروفه.
قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه ١٢٣: ١٢٦].
وقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠)﴾ [طه٩٩: ١٠٠].
وعن النَّواس بن سمعان ﵁ قال: سَمِعتُ النبِي ﷺ يَقُولُ: "يُؤتَى بِالقُرآنِ يَومَ القِيَامَةِ وَأَهلِهِ الذينَ كَانُوا يَعمَلُونَ بِهِ، تقدمُهُ سُورَةُ البَقَرَةِ وَآل عِمرَانَ"،
стр. 166
وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ الله- ﷺ ثلاثة أمثَالِ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعدُ. قَالَ: كَأنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَو ظُلَّتَانِ سَودَاوَانِ بَينَهُمَا شَرْقٌ، أَو كَأنهُمَا حِزقَانِ من طَيرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَن صَاحِبِهِمَا" (١).
التلاوَةُ هي الاتباعُ:
قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١].
قال مجاهد: في قوله ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، قال: يَعمَلُونَ به حَقّ عَمَلِهِ (٢).
وقال عكرمة: يتّبعونه حقّ اتباعه (٣)، وكذا روي عن ابن عباس ﵄.
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ [فاطر: ٢٩].
قلت: ومن معاني التلاوة: الاقتداء بالقرآن، والمتابعة، والعمل بموجبه
قال الراغب:
"تلا: تبعهُ متابعةً .. تارةً بالجسم، وتارةً بالاقتداء في الحكم، وتارة بالقراءةِ أو تدبُّرِ المعنى ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ﴾ [هود: ١٧]، أي يقتدي به، ويعملُ
стр. 167
بموجبِ قوله ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٣]، والتِّلاوَةُ تختَصُّ باتِّباعِ كُتُبِ اللهِ المُنزّلَةِ تارةً بالقراءةِ، وتارةً بالارتِسامِ لما فيها من أمرْ ونهي وترغيبٍ وترهيبٍ، أو ما يُتَوَهَّمُ فيه ذلك، وهو أخصُّ من القراءةِ، فكلُّ تلاوةٍ قراءةٌ وليس كلُّ قراءةٍ تلاوةً، وأمَّا قولُهُ ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ فاتِّباعٌ له بالعلم والعمل" (١).
وقال السعدي في تفسيره: "أي: يتبعونه في أوامره فيمتثلونها، وفي نواهيه، فيتركونها، وفي أخباره، فيصدقونها ويعتقدونها، ولا يقدمون عليه ما خالفه من الأقوال، ويتلون أيضاً ألفاظه، بدراسته، ومعانيه، بتتبعها واستخراجها، ثم خص من التلاوة بعدما عمم الصلاة التي هي عماد الدين" (٢).
وقال ﵀: "والتلاوة: الاتباع، فيحلون حلاله، ويحرمون حرامه، ويعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، وهؤلاء هم السعداء" (٣).
وقال في تفسير سورة العنكبوت: "يأمر تعالى بتلاوة وحيه وتنزيله، وهذا الكتاب العظيم، ومعنى تلاوته، اتباعه، بامتثال ما يأمر به، واجتناب ما ينهى عنه، والاهتداء بهداه، وتصديق أخباره، وتدبر معانيه، وتلاوة ألفاظه، فصار تلاوة لفظه جزء المعنى وبعضه، وإذا كان هذا معنى تلاوة الكتاب، علم أن إقامة الدين كلها، داخلة في تلاوة الكتاب" (٤).
стр. 168
قال العلامة ابن قيم الجوزية ﵀:
"وهذه المُتابَعةُ هي التلاوةُ التي أثنى اللهُ على أهلها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩]، وفي قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] والمعنى: يتبعونَ كتابَ اللهِ حقَّ اتباعه، وقال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقال: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل ٩١: ٩٢].
فحقيقةُ التلاوةِ في هذه المواضعِ هي التلاوةُ المطلقةُ التَّامَّةُ، وهي تلاوةُ اللفظِ والمعنى؛ فتلاوةُ اللفظِ جزءُ مُسمى التلاوةِ المُطلقةِ، وحقيقةُ اللفظِ إنما هي الاتباعُ، يقال: اتلُ أثر فلانِ، وتلوتُ أثرهُ، وقفوتُهُ وقصصتُهُ، بمعنى تَبعتُهُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾ [الشمس ١: ٢]، أي: تَبعَها في طلوع بعد غَيبتها، ويُقال: جاءَ القومُ يتلو بعضهم بعضًا، أي: يتبع، ويُسمَّى تالي الكلام تاليًا، لأنَّهُ يُتبعُ بعضَ الحروف بعضًا، لا يُخرجُها جُملةً واحدةً، بل يُتبعُ بعضها بعضًا مُرتبةً، كُلَّما انقضى حرفٌ أو كلمةٌ أتبعهُ بحرفِ آخرَ وكلمةِ أُخرى، وهذه التّلاوةُ وسيلةٌ وطريقٌ.
والمقصودُ التِّلاوةُ الحقيقيةُ، وهي تلاوَةُ المعنى واتِّباعُهُ؛ تصديقًا بخبرهِ وائتمارًا بأمرهِ، وانتهاءَ عن نهيهِ، وائتمامًا به، حيثُ ما قادكَ انقدتَ معه، فتلاوةُ القُرآنِ تتناولُ تلاوةَ لفظهِ ومعناهُ، وتلاوةُ المعنى أشرفُ من مجرَّد تلاوةِ اللفظِ، وأهلُها هم أهلُ القرآن الذين لهم الثناءُ في الدنيا والآخرة،
стр. 169
فإنهم أهلُ تلاوةٍ ومتابعةٍ حقًّا" (١).
والخلاصة أن التلاوة تعني المتابعة والعمل، وليس مجرد القراءة فقط، وهذا تفسير السلف أن التلاوة تعنى العمل، وهو تفسير باللازم.
قال ابن القيم: "التأمل في القرآن: تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر" (٢).
ولك أن تتأمل هذا المشهد فيمن علَّمه الله القرآن، ثم لم يعمل به، ففي صحيح الإمام البخاري من حديث رؤيا النبي ﷺ الطويل "قَالا: "انطَلِق، فَانطَلَقنَا حَتى أتينَا عَلَى رَجُلٍ مُضطَجِعِ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجل قائم عَلَى رَأسِهِ بِفِهرٍ أَو صَخرَةٍ فَيَشدَخُ بِهِ رَأسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهدَهَ الحَجَرُ فانطَلَقَ إِلَيهِ لِيَأخُذهُ، فَلا يَرجِعُ إِلَى هَذَا حَتى يَلتَئِمَ رَأسُهُ، وَعَادَ رَأسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيهِ فَضَرَبَهُ، قُلتُ: مَن هَذَا؟ قَالا: انطَلِق .. قُلتُ: طَوَّفتُمَاني الليلَةَ فَأخبِرَانِي عَما رَأَيتُ. قَالا: نَعَم. الذي رَأَيتَهُ يُشدَخُ رَأسُهُ فرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرآنَ فَنَامَ عَنهُ بِاللَّيلِ، وَلَم يَعمَل فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ" (٣).
قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
وعن أَبي مالكِ الأشعريُّ ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : " .. وَالقُرآنُ حُجَّة لَكَ أَو عَلَيكَ" (٤).
стр. 170
القرآن الكريم فيه العلم الذي أمر الله به، ونهى عنه، وتعظيم شعائره وعدم انتهاك محارمه، فالعمل به واجب.
وخلاصة القول، أن الأدب مع الله سعادة في الدنيا والآخرة، فلا يكون ذلك إلا بالقيام بدينه، والتأدب بآدابه ظاهرًا وباطنًا، وفي ذلك سعادة الإنسان ونجاته في الآخرة.
٤ - الحث على استذكار القرآن وتعاهده:
استذكار القرآن، أي: المواظبة على التلاوة وطلب ذكره، والمعاهدة، أي: تجديد العهد به بملازمته وتلاوته، فالمشتغل بحفظ كتاب الله العزيز، والحافظ له، إن لم يتعاهده بالمدارسة والاستذكار، فإن حفظه سيتعرض للنسيان، فالقرآن سريع التفلت من الصدور، ولذا وجب العناية به وكثرة مدارسته وتلاوته، وقد ضرب لنا رسول الله ﷺ مثلًا، يبين لنا حال صاحب القرآن المعتني به والمفرط فيه.
قال رسول الله ﷺ "إنما مَثَلُ صَاحِبِ القُرآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ إِنْ عَاهَدَ عَلَيهَا أَمسَكَهَا، وَإِن أَطلَقَهَا ذَهَبت" (١).
وعن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: "تَعَاهَدوا هَذا القُرآنَ، فوالذِي نفسُ محمد بِيَديهِ لَهُوَ، أَشَد تَفَلُّتًا من الأبِلِ فِي عُقُلِهَا" (٢).
قال الحافظ ابن حجر: "شبه درس القرآن واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يخشى منه الشراد، فما زال التعاهد موجودًا فالحفظ موجود، كما أن
стр. 171
البعير ما دام مشدودًا بالعقال فهو محفوظ، وخص الإبل بالذكر؛ لأنها أشد الحيوان الإنسي نفورًا، وفي تحصيلها بعد استكمال نفورها صعوبة" (١).
٥ - لا تقل نَسيتُ، ولكن قل: أُنسيت، أو أُسقطت، أو نُسّيت:
ودليل ذلك حديث ابن مسعود قال رسول الله ﷺ : "بِئسَمَا لِلرجُلِ أن يَقُولَ: نَسِيتُ سُورَةَ كَيتَ وَكَيتَ، أَوْ نَسِيتُ آيَةَ كَيتَ وَكَيتَ، بَل هُوَ نُسِّيَ" (٢).
قلت:
ولعل الحكمة في الكراهية هي ما أشار إليه الإمام النووي بقوله: "وفيه -أي الحديث- كراهية قول نسي آية كذا، وهي كراهة تنزيه وأنه لا يكره أُنسيتها، وإنما نهي عن نسيتها؛ لأنه يتضمن التساهل فيها والتغافل عنها" اهـ (٣).
والسؤال: لماذا يكره أن يقول المسلم: نسيت؟ الجواب: لأن هذا إقرارٌ بفعله وتقصيره، ولا يليق به التقصير.
ومن روائع ما نقل عن الصحابيين الجليلين معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري ﵄ وتذاكرهما القرآن الكريم، قال معاذ: يَا عَبدَ اللهِ، كَيفَ تَقرَأُ القُرآنَ؟ قال: أَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا. قال: فَكَيفَ تَقرَأُ أَنتَ يَا مُعَاذُ؟ قال: أَنَامُ أَوَّلَ الليلِ فَأقُوم وَقَد قَضَيتُ جُزئِي من النومِ، فَأقرَأُ مَا كَتَبَ
стр. 172
اللهُ لي، فَأحتَسِبُ نَومَتِي كَمَا أَحتَسِبُ قَومَتِى" (١).
وفي رواية أخرى عند البخاري، فقال مُعَاذ لأبِي مُوسَى: كَيفَ تَقرَأُ القرآن؟ قال: قَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى رَاحِلَتِي، وَأَتَفَوَّقُهُ تَفَوقًا، قال: أَما أنا فَأنَامُ وَأَقُومُ، فَأحتسبُ نَومَتِي كَمَا أَحتَسِبُ قَومَتِي".
وعلى هذا قال العلماء: لا يليق بالحافظ له أن يغفل عن تلاوته، ولا أن يفرط في تعاهده، بل ينبغي أن يتخذ لنفسه منه وردًا يوميًا يساعده على ضبطه، ويحول دون نسيانه رجاء الأجر والاستفادة من أحكامه عقيدة وعملًا، ولكن من حفظ شيئًا من القرآن ثم نسيه عن شغل أو غفلة فليس بآثم، وما ورد من الوعيد في نسيان ما قد حفظ لم يصح عن النبي ﷺ .
٦ - وجوب تدبُّر القرآن الكريم:
تضافرت النصوص على تدبر آيات القرآن الكريم، "فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل فيه وجمع الفكر على معاني آياته؛ فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرها، وعلى طرقاتها وأسبابها وغاياتها وثمراتها، ومآل أهلها، وتَتُلّ في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة, .. وتعرفه النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصححاتها وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم، ومراتب أهل السعادة، وأهل الشقاوة" (٢).
стр. 173
قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
قال الشوكاني ﵀: "وفي الآية دليل على أن الله سبحانه إنما أنزل القرآن للتدبر والتفكر في معانية، لا لمجرد التلاوة بدون تدبر" (١).
وقال : ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ [المؤمنون: ٦٨].
وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
وقد امتدح الله سبحانه البكائين في القرآن الكريم فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء ١٠٧: ١٠٩].
قال ابن قيم الجوزية: "فلا شيءَ أنفعُ للقلب من قراءة القرآن بالتَّدبرِ والتفكر؛ فإنه جامع لجميعِ منازل السائرين وأحوال العاملين ومقامات العارفينَ، وهو الذي يُورثُ المحبةَ والشوقَ والخوفَ والرجاءَ والإنابةَ والتوكلَ والرضا والتفويض والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياةُ القلب وكمالُهُ.
وكذلك يزجرُ عن جميع الصفات والأفعالِ المذمومةِ التي بها فسادُ
стр. 174
القلبِ وهلاكُهُ.
فلو علمَ الناسُ ما في قراءةِ القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كلِّ ما سواها، فإذا قرأهُ بتفكرِ حتى مرَّ بآيةِ بتفكرٍ وتفهمٍ خيرٌ من قراءةِ ختمةٍ بغير تدبرٍ وتفهمٍ، وأنفعُ للقلبِ، وأدعى إلى حصول الإيمانِ وذوق حلاوة القرآن.
وهذه كانت عادة السلف يُرَدِّدُ أحدهم الآيةَ إلى الصباح .. فقراءة القرآن بالتفكر هي أصلُ صلاح القلب" (١).
* معنى التَّدَبرُ:
التدبر لغةً: مصدر مشتق من مادة دبر، ودبر الشيء خلاف قُبُله، والاستدبار: طلب دبر الشيء. والتدبر لغةَ: النظر في عاقبة الأمر، والتفكر فيه.
وأما في الاصطلاح: هو النُّظرُ في دبر الأُمُورِ؛ أي عواقبها، وهُوَ قريبٌ من التَّفَكُّرِ، إلا أنَّ التَّفكرُ تصرف القلبِ بالنظر في الدليل، والتَّدبرُ تصرفُهُ بالنظر في العواقبِ (٢).
تَدبرُ القرآنِ: أمَّا تدبرُ القُرآنِ فهو تحديقُ ناظرِ القلبِ إلى معانيهِ، وجمعُ الفكرِ على تَدَبرِهِ وتعقُّله. وهو المقصودُ بإنزالهِ، لا مُجردُ تلاوتهِ بلا فهمِ ولا تَدَبرِ (٣).
стр. 175
والتدبر والخشوع والتفكر والتعقل لمعانيه، كلمةً كلمةً وحرفاً حرفاً، ثم العمل بمقتضى القرآن، فذلك هو المقصود الأعظم، والمطلوب الأهم، وبه تنشرحُ الصدور، وتستنيرُ القلوب، وتخشع وتتعظ.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه، والعمل به" (١).
ومن بلاغات الإمام مالك أَنَّهُ بَلَغَهُ أن عبد اللهِ بنَ عُمَرَ، مَكثَ على سُورةِ البَقرةِ، ثمانِيَ سِنينَ يَتَعَلمُها (٢).
وعن يحيى بن سعيدٍ أَنَّهُ قال: كنتُ أَنَا ومحمدُ بنُ يحيى بن حَبانَ، جالسينِ، فدعا مُحَمد رجلًا، فقال: أَخبِرنِي بِالذِي سمعتَ من أَبِيكَ. فقال الرجُلُ: أَخبرني أَبي أَنَّهُ أَتَى زَيدَ بنَ ثابتٍ، فقال لَهُ: كَيفَ تَرَى فِي قِرَاءَةِ القُرآنِ فِي سَبعِ؟ فقال زيد: حَسَن. وَلأن أَقرَأَهُ فِي نِصفٍ، أَو عَشرِ، أَحَب إِليَّ. وسلني، لِمَ ذَاكَ؟ قال: فَإِني أَسألُكَ. قال زَيد: لِكَي أَتَدَبرهَ وَأَقِفَ عَلَيهِ (٣).
قلت: والعاقل من يشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ، فيعرف كل آية، ويتأمل الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، ويتعرف على صفات الله سبحانه وأسماءه، وأفعاله، وما يحب وما يبغض، والطرق الموصلة إليه، وكل أمر يقطع عليه الطريق إلى الله سبحانه، وعواقب الأمور، فإن كان مما
стр. 176
قَصَّرَ عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مر بآيةِ رحمةِ استبشر وسأل، أو عذاب أشفق وتعوذَ، أو تنزيه عظم، أو دعاء تضَرَّع وطلب.
أخرج مسلم عن حذيفة ﵁ قال: صليتُ مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة فقرأها، ثم آل عِمرانَ فقرأها، ثم النساء فقرأها، يقرأ مُتَرَسَّلًا، إذا مر بآيةٍ تسبيحٍ سَبَّحَ، وإذا مر بسؤالِ سأل، وإذا مرَّ بتعوذٍ تعوذ.
وقام رسول الله ﷺ بآية يرددها حتى أصبح.
عن أَبي ذرٍّ ﵁ قال: قَامَ النبِي ﷺ بِآيَةِ حَتى أَصبَحَ يُرَدِّدُهَا وَالآيَةُ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨] (١).
عن عبد الوهاب بن عباد بن حمزة عن أبيه عن جده قال: بعثتني أسماء إلى السوق وافتتحت سورة الطور فانتهت إلى قوله ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، فذهبت إلى السوق ورجعت وهى تكرر ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾.
وعدد الإمام المروَزي المتوفى سنة ٢٩٤ هـ في كتابة (قيام الليل وقيام رمضان) (٦٤) روايات كثيرة عن السلف في ترديد الآيات بعد مرة يتدبرون فيها مما يدل على وقوعها في قلوبهم.
قال ابن القيم-﵀: وهذه كانت عادةَ السَّلف يُرَدّدُ أحدهم الآيةَ إلى الصباح (٢).
стр. 177
* درجات التدبر:
للتدبر درجات؛ الأولى: التفكر، ثم التأثر، ثم الخضوع والعمل، ثم استنباط الكنوز من العبر والأحكام والوصايا وغيرها.
والناس فيما يقرأون ويسمعون أنواع، وقد ذكر الله سبحانه في كتابه العزيز أن كتابه ذكرى لمن كان له قلب خاشع، وبصر شاهد.
قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق ٣٦: ٣٧].
قال ابنُ قَيِّمِ الجوزية: "النَّاسُ ثلاثة: رجل قلبُه مَيت، فذلك الذي لا قلبَ لهُ، فهذا ليست هذه الآية ذكرى في حقِّهِ.
الثاني: رجل له قلب حيٌّ مستعد، لكنهُ غيرُ مُستمعِ للآيات المتلُوةِ التي يُخبِرُ بها اللهُ عن الآياتِ المشهُودةِ: إما لعدم وُرُودها، أو لوصولها إليه، ولكن قلبه مشغولٌ عنها بغيرها، فهو غائبُ القلبِ ليس حاضرًا، فهذا أيضاً لا تحصلُ له الذِّكرى، مع استعدادهِ ووجودِ قلبه.
والثالثُ: رجلٌ حيٌّ القلبِ مُستعدٌّ، تُليَت عليه الآياتُ، فأصغَى بسمعهِ، وألقى السمعَ وأحضَرَ قلبَهُ، ولم يشغلهُ بغير فهم ما يسمعُهُ، فهو شاهدُ القلب، مُلقِي السمعَ، فهذا القسمُ هو الذي ينتفعُ بالآيات المتلُوّةِ والمشهودة.
فالأولُ: بمنزلهَ الأعمَى الذي لا يُبصِرُ.
والثاني: بمنزلةِ البصيرِ الطامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه،
стр. 178
فكلاهما لا يَرَاهُ.
والثالثُ: بمنزلةِ البصير الذي قد حَدَّقَ إلى جهة المنظُورِ، وأتبعهُ بصرَهُ، وقابلَهُ على توسطِ من البُعدِ والقُربِ، فهذا هو الذي يرَاهُ.
فَسُبحَانَ من جعلَ كلامهُ شفاءَ لما في الصدور.
فاعلم أن الرجُلَ قد يكونُ له قلب وقال، مليءٌ باستخراج العِبَرِ، واستنباط الحِكَم، فهذا قلبُه يُوقعُهُ على التذكر والاعتبار، فإذا سمع الآيات كانت له نُورًا على نور. وهؤلاءِ أكملُ خَلقِ الله، وأعظمهم إيمانًا وبصيرةً، حتى كأنَّ الذي أخبرهُم به الرسولُ مشاهد لهم، لكن لم يشعُرُوا بتفاصيله وأنواعه.
فصاحبُ هذا القلب إذا سَمِعَ الآياتِ وفي قلبه نُور من البصيرةِ، ازداد بها نُورًا إلى نُوره، فإن لم يكن للعبد مِثلُ هذا القلبِ، فألقى السمعَ وشهد قلبُهُ، ولم يغب حَصَلَ له التَّذَكُرُ أيضاً ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، والوَابِلُ والطلُ في جميع الأعمال وآثارها ومُوجِباتها. وأهلُ الجنَّة سابقُونَ مُقرَّبُونَ، وأصحابُ يمينِ وبينهما في درجاتِ التفضيلِ ما بينهُمَا (١).
* كتب التفسير معينة على التدبر:
قال إياس بن معاوية التابعي: "مثلُ الذين يقرؤون القرآن وهم لا يعرفون تفسيره، كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلًا، وليس عندهم مصباح فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرؤوا ما في الكتاب" (٢).
стр. 179
قلت: وننصح القارئ بقراءة كتب التفسير التالية:
١ - تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير.
٢ - معالم التنزيل للإمام البغوي.
٣ - تيسير الكريم المنان في تفسير كلام المنان للعلامة السعدي.
٤ - أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري.
٥ - جامع البيان في تفسير القرآن للإمام الحسيني الأيجي المتوفى سنة (٨٩٤هـ) (١).
وغيرها كثير، فهي معينة على فهم المعاني ودلائل الألفاظ.
...
стр. 180
* من معاني التدبر
ومن معاني التدبر النظر في العواقب:
أخي القارئ -رعاك الله- تعال معي نتأمل التطبيق العملي للتدبر عند النبي ﷺ وأثره على حياته، ثم شيئًا من فعل السلف، والطريقة المحمودة في القراءة.
أولًا: التطبيق العملي للتدبر عند النبي ﷺ -:
١ - عن ابن عبَّاسٍ ﵁ قال: قال أَبُو بَكرٍ ﵁: يَا رَسُولَ اللهِ قَد شِبتَ؟ قال: "شَيَّبَتنِى هُودٌ، وَالوَاقِعَةُ، وَالمُرسَلاتُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذا الشمسُ كُورَت" (١).
واشتملت هذه السور على بيان مصارع الأقوام الذين كذبوا بالرسل، وفيها نهاية قوم هود، ونوح، وقوم شعيب، وصالح ﵈، وفيها عقاب الله للقرى الظالمة، وفيها بيان ما عليه يوم القيامة من الأهوال ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ [المزمل: ١٧].
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج ١: ٢].