قَصَّرَ عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مر بآيةِ رحمةِ استبشر وسأل، أو عذاب أشفق وتعوذَ، أو تنزيه عظم، أو دعاء تضَرَّع وطلب.
أخرج مسلم عن حذيفة ﵁ قال: صليتُ مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة فقرأها، ثم آل عِمرانَ فقرأها، ثم النساء فقرأها، يقرأ مُتَرَسَّلًا، إذا مر بآيةٍ تسبيحٍ سَبَّحَ، وإذا مر بسؤالِ سأل، وإذا مرَّ بتعوذٍ تعوذ.
وقام رسول الله ﷺ بآية يرددها حتى أصبح.
عن أَبي ذرٍّ ﵁ قال: قَامَ النبِي ﷺ بِآيَةِ حَتى أَصبَحَ يُرَدِّدُهَا وَالآيَةُ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨] (١).
عن عبد الوهاب بن عباد بن حمزة عن أبيه عن جده قال: بعثتني أسماء إلى السوق وافتتحت سورة الطور فانتهت إلى قوله ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، فذهبت إلى السوق ورجعت وهى تكرر ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾.
وعدد الإمام المروَزي المتوفى سنة ٢٩٤ هـ في كتابة (قيام الليل وقيام رمضان) (٦٤) روايات كثيرة عن السلف في ترديد الآيات بعد مرة يتدبرون فيها مما يدل على وقوعها في قلوبهم.
قال ابن القيم-﵀: وهذه كانت عادةَ السَّلف يُرَدّدُ أحدهم الآيةَ إلى الصباح (٢).
стр. 177
* درجات التدبر:
للتدبر درجات؛ الأولى: التفكر، ثم التأثر، ثم الخضوع والعمل، ثم استنباط الكنوز من العبر والأحكام والوصايا وغيرها.
والناس فيما يقرأون ويسمعون أنواع، وقد ذكر الله سبحانه في كتابه العزيز أن كتابه ذكرى لمن كان له قلب خاشع، وبصر شاهد.
قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق ٣٦: ٣٧].
قال ابنُ قَيِّمِ الجوزية: "النَّاسُ ثلاثة: رجل قلبُه مَيت، فذلك الذي لا قلبَ لهُ، فهذا ليست هذه الآية ذكرى في حقِّهِ.
الثاني: رجل له قلب حيٌّ مستعد، لكنهُ غيرُ مُستمعِ للآيات المتلُوةِ التي يُخبِرُ بها اللهُ عن الآياتِ المشهُودةِ: إما لعدم وُرُودها، أو لوصولها إليه، ولكن قلبه مشغولٌ عنها بغيرها، فهو غائبُ القلبِ ليس حاضرًا، فهذا أيضاً لا تحصلُ له الذِّكرى، مع استعدادهِ ووجودِ قلبه.
والثالثُ: رجلٌ حيٌّ القلبِ مُستعدٌّ، تُليَت عليه الآياتُ، فأصغَى بسمعهِ، وألقى السمعَ وأحضَرَ قلبَهُ، ولم يشغلهُ بغير فهم ما يسمعُهُ، فهو شاهدُ القلب، مُلقِي السمعَ، فهذا القسمُ هو الذي ينتفعُ بالآيات المتلُوّةِ والمشهودة.
فالأولُ: بمنزلهَ الأعمَى الذي لا يُبصِرُ.
والثاني: بمنزلةِ البصيرِ الطامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه،
стр. 178
فكلاهما لا يَرَاهُ.
والثالثُ: بمنزلةِ البصير الذي قد حَدَّقَ إلى جهة المنظُورِ، وأتبعهُ بصرَهُ، وقابلَهُ على توسطِ من البُعدِ والقُربِ، فهذا هو الذي يرَاهُ.
فَسُبحَانَ من جعلَ كلامهُ شفاءَ لما في الصدور.
فاعلم أن الرجُلَ قد يكونُ له قلب وقال، مليءٌ باستخراج العِبَرِ، واستنباط الحِكَم، فهذا قلبُه يُوقعُهُ على التذكر والاعتبار، فإذا سمع الآيات كانت له نُورًا على نور. وهؤلاءِ أكملُ خَلقِ الله، وأعظمهم إيمانًا وبصيرةً، حتى كأنَّ الذي أخبرهُم به الرسولُ مشاهد لهم، لكن لم يشعُرُوا بتفاصيله وأنواعه.
فصاحبُ هذا القلب إذا سَمِعَ الآياتِ وفي قلبه نُور من البصيرةِ، ازداد بها نُورًا إلى نُوره، فإن لم يكن للعبد مِثلُ هذا القلبِ، فألقى السمعَ وشهد قلبُهُ، ولم يغب حَصَلَ له التَّذَكُرُ أيضاً ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، والوَابِلُ والطلُ في جميع الأعمال وآثارها ومُوجِباتها. وأهلُ الجنَّة سابقُونَ مُقرَّبُونَ، وأصحابُ يمينِ وبينهما في درجاتِ التفضيلِ ما بينهُمَا (١).
* كتب التفسير معينة على التدبر:
قال إياس بن معاوية التابعي: "مثلُ الذين يقرؤون القرآن وهم لا يعرفون تفسيره، كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلًا، وليس عندهم مصباح فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرؤوا ما في الكتاب" (٢).
стр. 179
قلت: وننصح القارئ بقراءة كتب التفسير التالية:
١ - تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير.
٢ - معالم التنزيل للإمام البغوي.
٣ - تيسير الكريم المنان في تفسير كلام المنان للعلامة السعدي.
٤ - أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري.
٥ - جامع البيان في تفسير القرآن للإمام الحسيني الأيجي المتوفى سنة (٨٩٤هـ) (١).
وغيرها كثير، فهي معينة على فهم المعاني ودلائل الألفاظ.
...
стр. 180
* من معاني التدبر
ومن معاني التدبر النظر في العواقب:
أخي القارئ -رعاك الله- تعال معي نتأمل التطبيق العملي للتدبر عند النبي ﷺ وأثره على حياته، ثم شيئًا من فعل السلف، والطريقة المحمودة في القراءة.
أولًا: التطبيق العملي للتدبر عند النبي ﷺ -:
١ - عن ابن عبَّاسٍ ﵁ قال: قال أَبُو بَكرٍ ﵁: يَا رَسُولَ اللهِ قَد شِبتَ؟ قال: "شَيَّبَتنِى هُودٌ، وَالوَاقِعَةُ، وَالمُرسَلاتُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذا الشمسُ كُورَت" (١).
واشتملت هذه السور على بيان مصارع الأقوام الذين كذبوا بالرسل، وفيها نهاية قوم هود، ونوح، وقوم شعيب، وصالح ﵈، وفيها عقاب الله للقرى الظالمة، وفيها بيان ما عليه يوم القيامة من الأهوال ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ [المزمل: ١٧].
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج ١: ٢].
стр. 181
وفيها من التوجيهات والأوامر للنبي ﷺ تصريحًا وتلميحًا، مع الحذر من سلوك قريش المشين وإيذائها للنبي ﷺ .
كقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾ [هود: ١٢].
أي فلعلك -لعظم ما تراه منهم من الكفر بنعم الله والتكذيب لآياته، واقتراح الآيات التي يقترحونها عليك على حسب هواهم وتعنتهم- تارك بعض ما أنزله عليك وأمرك بتبليغه مما يشق عليهم سماعه أو العمل به، أي: لا يمكن منك ذلك، بل تبلغهم جميع ما أنزل الله عليك، سواء أحبوا ذلك أو كرهوه (١).
وقوله سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾ [هود: ٣٥].
وهكذا تسلسلت الآيات في بيان إيذاء قريش للنبي ﷺ بأنه افترى الأخبار الكاذبة، والحق أنها من عند الله سبحانه؛ لأنها غيب لا علم لأحد بها سوى الله تعالى، من أخبار الأمم السابقة، سواء القائم منها بمبانيها أم التي خربت وسقطت وبادت.
وقال سبحانه: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾ [هود: ٤٩].
وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)﴾ [هود: ١٠٠].
стр. 182
وهذه عبر ومواعظ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾ [هود: ١٠٣].
وهكذا يستمر التوجيه الرباني للنبي ﷺ إلى آخر سورة هود بالحث على إقامة الصلاة، والصبر والاستقامة، فما تلك البراهين من أخبار الأمم السابقة إلا موعظة لكل متعظ، وذكرى لكل متذكر.
وأما سورة الواقعة، والمُرسَلاتُ، وعَم يَتَسَاءَلُونَ، وإِذَا الشمسُ كُورَت فالغالب عليها أحداث يوم القيامة التي تتحرك لها القلوب اليقظة.
٢ - عن أَبي ذر ﵁ قال: قَامَ النبِيّ ﷺ حَتى إِذَا أَصبَحَ بِآيَةِ، وَالآيَةُ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨] (١).
٣ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال لي النبِيّ ﷺ : "اقرَأ عَلَيَّ". قُلتُ: أقرَأُ عَلَيكَ وَعَلَيكَ أُنزِلَ؟ قَالَ: "فَإني أُحِب أَن أَسمعَهُ من غيرِي"، فَقَرَأتُ عَلَيهِ سُورَةَ النسَاءِ حَتى بَلَغتُ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١] قَالَ: "أَمسِك" , فَإِذا عَينَاهُ تَذرِفَانِ (٢).
٤ - عن مُعاذ بن عبد اللهِ الجُهَنِيِّ أَن رَجُلًا من جُهَينَةَ أَخبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النبِيَّ ﷺ يَقرَأُ فِي الصبحِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ فِي الركعَتَينِ كِلتَيهِمَا، فَلا أَدرِي
стр. 183
أَنَسِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَم قَرَأَ ذَلِكَ عَمداً" (١).
قال الشوكاني ﵀:
"تَرَدَّدَ الصحَابِيُّ في إِعَادَة النبِي ﷺ للسورةِ هل كَانَ نِسيَانًا؛ لكونِ المُعتَاد من قِرَاءَته أن يَقرَأ في الركعَة الثانِيَة غير ما قَرَأَ به في الأُولَى، فلا يكون مشروعًا لأُمَّتِهِ، أَو فَعَلَهُ عَمداً لبَيَانِ الجَوَاز، فَتَكُون الإعَادَة مُتَرَددَة بَين المَشرُوعِية وَعَدَمهَا، وإذا دارَ الأمر بَين أن يَكُون مشرُوعاً، أَو غَير مَشرُوع، فحمل فعله ﷺ على المشرُوعِية أَولَى؛ لأن الأصل في أَفعاله التشرِيع، والنسيَان على خلاف الأصل" (٢).
قلت: والظاهر فعل ذلك عمداً للتشريع، وما هذا الفعل إلا من باب تدبر عظم السورة لما عليه الحال يوم القيامة.
ثانيًا: فعل السلف الكرام وتطبيقهم العملي للتدبر:
سار السلف الصالح على هدي النبي ﷺ في التدبر من الوقوف على معاني الآيات والبكاء عندها، والعمل بمقتضاها.
عن أَبي سعيدِ الخُدريّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقرَأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ يُرَددُهَا، فَلَمَّا أَصبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَن الرجُلَ يَتَقَالُّهَا، فقال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالذي نَفسِى بِيَده، إِنهَا لَتَعدِلُ ثُلُثَ
стр. 184
القُرآنِ" (١).
وكان أبو بكر الصديق ﵁ رقيق القلب، ففي حديث عائشة ﵂ قالت: "كان أبو بكرٍ رجُلًا بكاءً لا يملِكُ دمعَهُ حين يقرأُ القُرآنَ" (٢).
وهذا تميم الداري ﵁ صلى في المسجد بعد العشاء، فمر بهذه الآية ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، فما خرج منها حتى سمع أذان الصبح (٣)
والكُلوح: أن تتقلص الشفتان عن الأسنان من الأعلى والأسفل، حتى تنكشف في عبوس من الهول والعذاب.
ومع متدبر آخر هو جبير بن مطعم ﵁.
عن جُبير بن مُطعم ﵁ قال سمعتُ النبِي ﷺ يَقرَأُ فِي المَغرِبِ بِالطورِ، فَلَمَّا بَلَغ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾ [الطور ٣٥: ٣٧]، قَالَ: كَادَ قَلبِي أن يَطِيرَ (٤).
قال الخطابي: "كأنه انزعج عند سماع هذه الآية، لفهمه معناها ومعرفته بما تضمنته، ففهم الحجة فاستدركها بلطيف طبعه" (٥).
стр. 185
عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "كان أصحاب النبي ﷺ إذا قُرئ عليهم القرآن كما نعتهم الله، تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم" (١).
وعن ابن أبي مليكة قال: سافرتُ مع ابن عباس من مكة إلى المدينة وهم يسيرون إليها وينزلون بالليل، فكان ابن عباس يقوم نصف الليل فيقرأ القرآن حرفاً حرفاً، ثم يبكي حتى نسمع له نشيجًا (٢).
وعن عُبيد المُكَتِّب قال: سُئلَ مجاهد عن رجلٍ قرأ البقرةَ وآل عمرانَ، ورجلِ قرأ البقرةَ قراءتهما واحدةٌ، وركوعُهُمَا وسجودهما وجلوسُهُما أيهما أفضل؟ قال: الذي قرأ البقرةَ، ثم قرأ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦] (٣).
* ولتحقيق التدبر يرجي مراعاة الآتي:
١ - تعظيم كلام الله تعالى.
٢ - معايشة الآيات.
٣ - البعد عن الذنوب والمعاصي.
٤ - مراعاة أحكام التلاوة.
٥ - البعد عن الصوارف التي بينك وبين التدبر.
стр. 186
٧ - الاستماع والإنصات:
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
الاستماع: طلب السماع مع حضور العقل والقلب.
الإنصات: السكوت مع حسن الاصغاء مع ترك التحدث أو الاشتغال بشيء.
قال الحافظ ابن كثير: "لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهُدًى ورحمة، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظامًا له واحترامًا، لا كما كان يعتمده كفار قريش المشركون في قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] ولكن يتأكد ذلك في الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة كما ورد الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" , وكذلك رواه أهل السنن من حديث أبي هريرة، وصححه مسلم بن الحجاج أيضاً، ولم يخرجه في كتابه، وقال إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ والآية الأخرى، أمروا بالإنصات" (١).
وقال الشوكاني في تصير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ أمرهم الله سبحانه بالاستماع للقرآن والإنصات له عند قراءته؛
стр. 187
لينتفعوا به ويتدبروا ما فيه من الحكم والمصالح. قيل: هذا الأمر خاص بوقت الصلاة عند قراءة الإمام، ولا يخفاك أن اللفظ أوسع من هذا والعام لا يقصر على سببه، فيكون الاستماع
والإنصات عند قراءة القرآن في كل حالة، وعلى أيّ صفة مما يجب على السامع. وقيل: هذا خاص بقراءة رسول الله ﷺ للقرآن دون غيره، ولا وجه لذلك.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أى: تنالون الرحمة وتفوزون بها بامتثال أمر الله سبحانه، ثم أمره الله سبحانه أن يذكره في نفسه. فإن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأدعى للقبول" (١).
وقال السعدي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾.
"هذا الأمر عام في كل من سمع كتاب الله يتلى، فإنه مأمور بالاستماع له والإنصات، والفرق بين الاستماع والإنصات، أن الإنصات في الظاهر بترك التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه.
وأما الاستماع له، فهو أن يلقي سمعه، ويحضر قلبه ويتدبر ما يستمع، فإن من لازم على هذين الأمرين حين يتلى كتاب الله، فإنه ينال خيرًا كثيرًا وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًا متجددًا، وهدى متزايدًا، وبصيرة في دينه، ولهذا رتب الله حصول الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تُلِيَ عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير.
стр. 188
ومن أوكد ما يؤمر به مستمع القرآن، أن يستمع له وينصت في الصلاة الجهرية إذا قرأ إمامه، فإنه مأمور بالإنصات، حتى إن أكثر العلماء يقولون: " إن اشتغاله بالإنصات، أولى من قراءته الفاتحة، وغيرها" (١).
وفي بحث نفيس في معنى السماع قال العلامة ابن قيم الجوزية في معنى السماع في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
"السماع أصل العقل، وأساس الإيمان الذي انبنى عليه، وهو رائده وجليسه ووزيره، ولكن الشأن كل الشأن في المسموع، وفيه خبط الناس واختلافهم، وغلط منهم من غلط.
وحقيقة "السماع" تنبيه القلب على معاني المسموع، وتحريكه عنها: طلبًا وهربًا وحبًا وبغضًا.
فهو السماع الذي مدحه الله في كتابه، وأمر به وأثنى على أصحابه، وذم المعرضين عنه ولعنهم، وجعلهم أضل من الأنعام سبيلًا، وهم القائلون في النار ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، وهو سماع آياته المتلوة التي أنزلها على رسوله، فهذا السماع أساس الإيمان الذي يقوم عليه بناؤه، وهو على ثلاثة أنواع.
سماع إدراك: بحاسة الأذن، وسماع فهم وعقل، وسماع فهم وإِجابة وقبول، والثلاثة في القرآن.
فأما سماع الإدراك: ففي قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن قولهم ﴿إِنَّا
стр. 189
سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن ١: ٢].
وأما سماع الفهم: فهو المنفي عن أهل الإعراض والغفلة بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [الروم: ٥٢].
وأما سماع القبول والإجابة: ففي قوله تعالى حكاية عن عباده المؤمنين أنهم قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١] فهذا سمع قبول وإِجابة مثمر للطاعة.
والمقصود: أن سماع خاصة الخاصة المقربين هو سماع القرآن بالاعتبارات الثلاثة: إدراكًا وفهمًا، وتدبرًا، وإِجابة، وكل سماع في القرآن مدح الله أصحابه وأثنى عليهم، وأمر به أولياءه، فهو هذا السماع" اهـ ملخصا (١).
٨ - جواز تلاوة القرآن نائمًا أو ماشيًا أو مضطجعًا أو راكبًا:
يسأل كثير من الناس: هل يجوز أن أقرأ القرآن وأنا أمشي، أو وأنا راكب، أو مضطجع؟ ويأتي الجواب من القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، والقرآن الكريم أفضل الذكر.
ومن السنة حديث عبد الله بن مُغَفَّل ﵁ أنه قال: "رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح" (٢).
وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: "إن النبي ﷺ كان يتكئُ في حجري، وأنا حائضٌ ثم يقرأُ القرآن" (٣).
стр. 190
وعن عائشة ﵂ قالت: "إني لأقرأ حزبي أو عامة حزبي، وأنا مضطجعة على فراشي" (١).
٩ - استحباب قراءة القرآن على طهارة .
يستحب لقارئ القرآن أن يكون على طهارة، طاهر البدن والثياب والمكان؛ لأنه أفضل الذكر، وهو كلام الله المعظم، كما يستحب له تنظيف الفم بالسواك قبل التلاوة، وذلك تعظيمًا للقرآن، وتأدبًا مع كلام الله سبحانه، فإنَّ القارئ لمَّا كان مريدًا لتلاوة كلام الله تعالى، حسُنَ منه أن يُطيّب فمه وينظفه بالسواك، أو بما يحصل به التنظيف، ولا شك أنَّ في هذا تأدبًا مع كلام الله تعالى.
عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا قَامَ أَحَدُكم يُصَلي مِنَ الليلِ فَليستَك، فَإن أحَدَكُم إِذَا قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ، وَضَعَ مَلَكٌ فَاهُ عَلَى فِيهِ، وَلَا يَخرُجُ من فِيهِ شَيءٌ إِلا دَخَلَ فمَ المَلَكِ" (٢).
وعن أبي أمامة مرفوعاً: "السواكُ مَطهَرة للفَم، مَرضاةٌ للرَّب" (٣).
وعن عليِّ بن أَبي طالب ﵁ قال: "إِنَّ أَفوَاهَكُم طُرُق لِلقُرآنِ، فَطَيَّبُوهَا بِالسوَاكِ" (٤).
والسواك ينظف الفم، ويطيب رائحته لمناجاة الله تعالى.
стр. 191
قال الإمام الآجُري: "وَأَحبُّ لمن أرادَ قراءةَ القرآن من ليلٍ أو نهارٍ أَنْ يتطهَّرَ، وأن يستاكَ، وذلك لتعظيمِ القُرآنِ؛ لأنهُ يتلو كلامَ الرَّب " (١).
وقال النووي -رحمه الله تعالى-: "وينبغي إذا أراد القراءة أن ينظف فاه بالسواك وغيره، والاختيار في السواك أن يكون بعود من أراك، ويجوز بسائر العيدان وبكل ما ينظف .. ، يستحب أن يقرأ وهو على طهارة، فإن قرأ محدثًا جاز بإجماع المسلمين" (٢).
* القراءة على غير وضوء:
ومع هذا الأدب إلا أن بعض العلماء أجاز القراءة على غير طهارة من الحدث الأصغر، ونقل الإجماع على جوازه، ولكن القراءة على طهارة هي الأفضل والأكمل.
قال الإمام النووي ﵀: أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث، والأفضل أن يتطهر لها (٣).
عن أبي بكر المروزيُّ -رحمه الله تعالى- قال: كانَ أبو عبد الله [أحمد بن حنبل] ربَّما قرأ المصحفِ، وهو على غير طهارةِ، فلا يمسهُ، ولكن يأخذ بيده عُودًا، أو شيئًا يصفحُ به الورقَ (٤).
وهو مذهب عطاء كما روى زُرزُر بن صهيب عنه بجواز القراءة على غير
стр. 192
طهارة (١).
قال الإمام الآجري -رحمه الله تعالى-:
"إن أحبَّ أن يتوضَّأ ثم يقرأ طاهرًا، فهو أفضلُ، وإن قرأ غَيرَ طَاهِرٍ فلا بأسَ به، وإذا تَثاءبَ وهو يقرأُ، أمسكَ عن القراءةِ حتى ينقضى عنه التَّثَاؤبُ" (٢).
قلت: وانظر تحرير المسألة كتاب "أسئلة طال حولها الجدل" (٧) لشيخنا عبد الرحمن عبد الصمد-﵀.
* قراءة القرآن للحائض والنفساء:
لا بأس للحائض والنفساء أن تقرأ القرآن وتحفظه على الصحيح من كلام أهل العلم؛ لأنه لم يرد نص صريح صحيح يمنع الحائض والنفساء من قراءة القرآن.
أما حديث ابن عمر ﵄: "لا تَقرَأ الحَائِضُ وَلا الجُنُبُ شَيئًا من القُرآن" فضعيف، أخرجه الترمذي (٣) من طريق إِسماعيل بن عياشٍ عن موسى ابن عُقبة عن نافعٍ، به.
قال الترمذي: "سَمِعت محمد بنَ إِسماعيل (يعني البخاري) يقول: إِنَّ إِسماعيل بنَ عَياشٍ يروي عن أَهلِ الحجاز وأَهل العراق أَحاديث مناكير. كَأنَّهُ ضَعَّفَ روايتهُ عنهم فيما ينفرد به".
стр. 193
قلت: ورواية إِسماعيل عن الحجازيين، وأهل العراق ضعيفة (١).
ولها أن تقرأ عن ظهر قلب، أو من المصحف دون أن تمسه مباشرة، ولها أن تقرأ بحائل كثوب، أو لبس القفازين، وبهذا قال كبار علماء العصر كالعلامة ابن باز، والعلامة الألباني، والعلامة ابن عثيمين -رحمهم الله تعالى- والحائض أو النفساء ليس بيدها أن تغتسل، وليس هناك ما يمنع لا سيما المعلمات والطالبات والحافظات للقرآن.
وتعليل ذلك:
١ - أن الحائض مدتها تطول، وربما تمتد إلى نصف الشهر، فلا يصح قياسها على الجنب.
٢ - أن بإمكان الجنب أن تغتسل، أمَّا الحائض فليس بإمكانها.
٣ - أن الرسول ﷺ قال لعائشة ﵂ لما حاضت بالحج "اصنعي ما يصنعُ الحاج غير أن لا تَطُوفي ولا تُصلي". أخرجه أبو داود. ولم يستثن قراءة القرآن، وهي من ذكر الحاج، والله أعلم.
* معنى الآية ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾:
قال العلامة ابن قيم الجَوزية -رحمه الله تعالى-: "والصحيح في الآية، أن المراد به: الصحف التي بأيدي الملائكة؛ لوجوه عديدة:
منها: أنه وصفه بأنه "مكنون" و"المكنون" المستور عن العيون. وهذا إنما هو في الصحف التي بأيدي الملائكة.
ومنها: أنه قال ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩]، وهم
стр. 194
الملائكة. ولو أراد المتوضئين لقال: لا يمسه إلا المتطهرون. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فالملائكة مطهرون، والمؤمنون متطهرون.
ومنها: أن هذا إخبار. ولو كان نهيًا لقال: لا يمسَسه بالجَزم. والأصل في الخبر: أن يكون خبرًا صُورةَ ومعنى.
ومنها: أن هذا ردٌّ على من قال: إن الشيطان جاء بهذا القرآن. فأخبر تعالى: أنه في كتاب مكنون لا تناله الشياطين، ولا وصول لها إليه، كما قال تعالى في آية الشعراء: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾ [الشعراء ٢١٠ - ٢١١]، وإنما تناله الأرواح المطهرة. وهم الملائكة.
ومنها: أن هذا نظير الآية التي في سورة عبس ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس١٢: ١٦].
قال مالك في موطِئه: أحسن ما سمعت في تفسير قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أنها مثل هذه الآية التي في سورة عبس (١).
ومنها: أن الآية مكيَّة من سورة مكية. تتضمن تقرير التوحيد والنبوة والمعاد، وإثبات الصانع، والرد على الكفار. وهذا المعنى أليق بالمقصود
стр. 195
من فرع عملي، وهو حكم مس المحدث المصحف.
ومنها: أنه لو أريد به الكتاب الذي بأيدي الناس، لم يكن في الإقسام على ذلك بهذا القسم العظيم كثير فائدة؛ إذ من المعلوم: أن كل كلام فهو قابل لأن يكون في كتاب حقًا أو باطلًا، بخلاف ما إذا وقع القَسَم على أنه في كتاب مصون، مستور عن العيون عند الله، لا يصل إليه شيطان، ولا ينال منه، ولا يمسه إلا الأرواح الطاهرة الزكية. فهذا المعنى أليق وأجل وأخلق بالآية، وأولى بلا شك.
فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: لكن تدل الآية بإشارتها على أنه لا يمسُّ المُصْحَف إلا طاهِر؛ لأنه إذا كانت تلك الصحف لا يمسها إلا المطهرون، لكرامتها على الله، فهذه الصحف أولَى أن لا يمسها إلا طاهر" (١).
قلت: ويكفي بهذا الكلام النفيس حجة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
١٠ - الاستعاذة والبسملة عند التلاوة:
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨].
стр. 196
الاستعاذة لغة: الالتجاء والاعتصام والتحصن.
أما في الاصطلاح: لفظ يحصل به الالتجاء إلى الله تعالى، والاعتصام والتحصن به من الشيطان الرجيم.
وصيغ الاستعاذة:
١ - أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
٢ - أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه.
وهذه الصيغة ورد فيها الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يستعيذ بالله تعالى ويقول: أعوذُ بالله السميعِ العليم من الشيطانِ الرجيم، من هَمزِه ونَفخِهِ وَنَفثه" (١). وهمز الشيطان أي همس في قلبه وسواسًا، وهمزات الشيطان: خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان، وأما نفخه: فالنفخ: الكبر؛ لأن المتكبر يتعاظم، ويجمع نفْسَه ونفسه فيحتاج أن ينفخ، وأما نفثه، ففسر أنه الشعر.
قال أبو عبيد: وإنما سمي النفث شعرًا؛ لأنه كالشيء ينفثه الإنسان من فيه كالرقية، والمراد بالشعر المذموم.
أما البَسمَلَةُ فهي مصدر بَسمَلَ: أي إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم.
والبسملة سنة عند الابتداء في أوائل السور سوى سورة براءة، فقد روى أنس ﵁ أنه قال: بَينَا رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يَوم بَينَ أَظهُرِنَا إِذ أَغفَى إِغفَاءَةً، ثم رَفَعَ رَأسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقُلنَا مَا أَضحَكَكَ يَا رَسولَ اللهِ؟ قال: "أُنزِلَت عَلَي آنِفًا
стр. 197
سُورَة"، فَقَرَأَ: بسمِ اللهِ الرحمَنِ الرحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ (١).
١١ - استحباب ترتيل القرآن:
شرع الله سبحانه لقراءة القرآن صفةً معينة، وكيفية ثابتة، أمر بها نبيه، فقال : ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] , ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
وكلام الله سبحانه يُقرأ على أربع مراتب:
المرتبة الأولى: الترتيل، تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف، وسيأتي تفصيله.
المرتبة الثانية: الحدر: عبارة عن إدراج القراءة والإسراع بها مع مراعاة أحكام التجويد.
- المرتبة الثالثة: التدوير، وهو القراءة بحالة التوسط بين الترتيل والحدر في القراءة مع مراعاه الأحكام.
المرتبة الرابعة: التحقيق، وهو أطولها جميعًا، وأبطؤها؛ إذ يلتزم فيه بالحد الأقصى من أداء الأحكام مع البطء، لأنه يستخدم في التعليم.
فهذه المراتب الأربع هي عبارة عن سرعات القارئ للقرآن، وكلها يشترط فيها مراعاه أحكام التجويد، وقد شاع عند من لا علم له بقواعد هذا الفن أن القراءة السريعة تسمى ترتيلًا، والقراءة البطيئة تسمى تجويدًا، وهذا غير صحيح.
стр. 198
والتَّرتيلُ في القراءة: لغةً: إرسالُ الكلمةِ منَ الفمِ بِسُهُولةٍ واستقامةٍ، مع حسن تأليف.
واصطلاحًا: قراءة القرآن الكريم على مكث وفهم من غير عجلة، مع رعاية مخارج الحروف، وحفظ الوقوف، أو خفضُ الصَّوت والتحزين بالقراءة (١).
وقيل: القراءة بتؤدةٍ وطمأنينةٍ مع تدبر المعاني ومراعاة الأحكام.
* حكم الترتيل:
قال الإمام النووي ﵀:
"وقد نهي عن الإفراط في الإسراع، ويسمى الهذرمة .. ، قال العلماء: والترتيل مستحب للتدبير ولغيره.
قالوا: يستحب الترتيل للعجمي الذي لا يفهم معناه؛ لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام، وأشد تأثيرًا في القلب.
ويستحب -إذا مر بآية رحمة- أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من الشر ومن العذاب، أو يقول: "اللهم إني أسألك المعافاة من كل مكروه، أو نحو ذلك، وإذا مر بآية تنزيه لله تعالى نزهه فقال: ، أو ﵎" (٢).
قلت: ونحو ذلك حديث ابن عَبَّاس أَن النبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ
стр. 199
رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ قال: "سبحان ربى الأعلى" (١).
قال الغزالى ﵀:
"واعلم أن الترتيل مستحب لا لمجرد التدبر، فإن العجمي الذي لا يفهم معنى القرآن يستحب له في القراءة أيضاً الترتيل والتؤدة؛ لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام، وأشد تأثيرًا في القلب من الهذرمة والاستعجال" (٢).
* مراعاة أحكام التلاوة:
وعلى القارئ أن يراعي أحكام التجويد، وإخراج الحروف من مخارجها.
عن قتادة قال: سُئِلَ أنسٌ ﵁: "كَيفَ كَانَت قِرَاءَةُ النبِيِّ ﷺ ؟ فقال: كَانَت مَدًّا، ثُم قَرَأ: بِسم اللهِ الرحمَنِ الرحِيمِ، يَمُد بِسمِ اللهِ، وَيمُد بِالرحمَنِ، وَيمُد بِالرحِيمِ" (٣).
عن قتادة قال: قلتُ لِأَنَسٍ ﵁: كَيفَ كَانَت قِرَاءَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: كَانَ يَمُد صَوتَهُ مَدا (٤).
عن عبد الله بن مُغَفَّلِ قال: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَومَ فَتحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ، وَهُوَ يَقرَأُ سُورَةَ الفَتحِ يُرَجعُ، وَقَالَ: لَولا أَن يَجتَمِعَ النَّاسُ حَولِي
стр. 200
لَرَجَّعتُ كَمَا رَجَّعَ (١).
قوله: (وقال: لولا أن يجتمع الناس ..) القائل هو معاوية بن قُرة راوي الحديث، والترجيع: هو ترديد القارئ القراءة بالآيات تكرارًا، من باب الخشوع والتدبر.
وقال الحافظ ابن حجر: "وقيل: معنى الترجيع تحسين التلاوة، لا ترجيع الغناء؛ لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة" (٢).
* ذم العجلة في القراءة دون تدبر وفهم:
وقد كَرِهَ كثيرٌ من السَّلف من الصحابة ومن بعدهم العجلة المُفْرِطة في تلاوة القرآن، وعلة ذلك أن رغبة القارئ في تكثير تلاوته في مُدَّةِ أقصر، لأجل تحصيل أجر أكثر، يفوت عليه مصلحة أكبر، وهي تدبر آيات القرآن والتأثر بها، وظهور أثرها على القارئ، ولا ريب أن حال من قرأ القرآن وهو متأمل لآياته، ومستحضر لمعانيِه أكمل من الذي يستعجل به طلبًا لسرعة ختمه وكثرة تلاوته.
أعلم -رعاك الله أيها الودود- أن للقراءة مراتب محمودة كالترتيل، والحدر، والتدوير، ومرتبة رابعة تعليمية وهي التحقيق، وأفضلها الترتيل لقول الله سبحانه: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، وكل مرتبة من هذه
стр. 201
المراتب يطبق فيها أحكام التلاوة.
أما (الترتيل): وهو قراءة القرآن بِتُؤَدةٍ وطُمأنينةٍ مع تدبر المعاني، ومراعاة أحكام التجويد.
وأما (الحَدْر): فهو قراءة القرآن بسرعة دون إخلال مع مراعاة أحكام التجويد.
وأما (التدوير): فهو قراءة القرآن بحالة متوسطة بين الترتيل والحدر في القراءة مع مراعاة الأحكام، وهي تلي الترتيل في الأفضلية (١).
ولكن نحن مع كثرةٍ من الناس تقرأ بعجلة دون تدبر ولا فهم للمعاني، وتسرع في القراءة دون خشوع ولا مراعاة لأحكام التجويد والفهم والتدبر، وهذا ما يعرف عند القراء بالهذ، أو الهذرمة وهو خروج القراءة عن الخشوع والتدبر مع العجلة.
* هدي النبي ﷺ في التلاوة:
أعلم -أيها الودود- أن هدي النبي ﷺ في القراءة الترتيل والتؤدة آية آية قراءة مفسرة حرفاً حرفاً يقف على رؤوس الآيات، وفيما يأتي نتعرف على الروايات التي جاءت في هديه ﷺ عن المدة والصفة التي كان يقرأ بها، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان ﷺ لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث" (٢).
وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 202
"اقرأ القرآن في كل شهر، اقرأه في خمسٍ وعشرين، اقرأه في عشرين، اقرأه في خمسَ عشرةَ، اقرأه في سبع لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث" (١).
ووصفت أم سلمة ﵂ قراءة النبي ﷺ فإذا هِيَ تَنعَتُ قِرَاءَةً مُفَسرَةً حَرفًا حَرفًا، رواه الترمذي (٢٩٢٣)، وقال: حسن صحيح.
ووصفت أيضاً حفصة ﵂ قراءة النبي ﷺ كما في صحيح مسلم قولها: كَانَ يَقرَأُ بِالسورَةِ فَيُرَتِّلُهَا حَتى تَكُونَ أَطوَلَ من أَطوَلَ مِنهَا.
وعن قتادة قال: سُئِلَ أَنسٌ ﵁ كَيفَ كَانَت قِرَاءَةُ النبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: كَانَت مَدا ثُم قَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ يمد ببسم اللهِ، وَيمُد بِالرحمَنِ، وَيمُد بِالرحِيمِ (٢).
وعن أُمِّ سلمة أَنَّهَا سُئِلَت عَن قِرَاءَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَت: كَانَ يُقَطَّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ (٣).
قال أبو عمر الداني: "ومما ينبغي له أن يُقطعَ عليه رُؤوس الآي لأنهن في أنفُسهن مقاطعُ .. ، وقد كان جماعة من الأئمة السالفين والقراء الماضين يستحبون القطعَ عليهن وإن تعلق كلامُ بعضهن ببعض" (٤).
стр. 203
قال العلامة الألباني: "وهذه سنة أعرض عنها جمهور القراء في هذه الأزمان؛ فضلًا عن غيرهم" (١).
ثم قال: "وهذا مطلق غير مقيد بـ: (الفاتحة)، وإنما تلتها على سبيل المثال؛ لا على طريق التحديد. قال في "الزاد" (١/ ١٢٥): "وهذا هو الأفضل: الوقوف على رؤوس الآيات؛ وإن تعلقت بما بعدها. وذهب بعض القراء إلى تتبع الأغراض، والمقاصد عند انتهائها.
واتباع هدي النبي وسنته أولى؛ وممن ذكر ذلك البيهقي في "شعب الإيمان" وغيره، ورجح الوقوف على رؤوس الآي؛ وإن تعلقت بما بعدها".
وقال الشيخ علي القاري: "أجمع القراء على أن الوقف على الفواصل وقف حسن؛ ولو تعلقت بما بعدها" اهـ.
قلت: هذا كان هدي النبي ﷺ في القراءة لكتاب الله سبحانه، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، أما أصحاب العواطف الذين يظنون أنهم يرغبون الناس في الإكثار من الختمات ولو على حساب الإخلال بأحكام التلاوة والتدبر، وفي أقل من الهدي النبوي، فإنهم يخالفون النبي ﷺ قولًا وفعلًا، بل تصبح القراءة عندهم أشبه بالهذا لا سيما إذا خلت أيضاً من التدبر والفهم، ومراتب التلاوة الأربع عندما يذكرها العلماء فإنهم يذكرون بالحد المحمود فيها لتحقيق أحكام التلاوة والتدبر، وما سواها فمذموم هذَّا أو مطًا.
стр. 204
* ذم الصحابة للعجلة في القراءة:
تأمل إنكار عبد الله بن مسعود ﵁ علي نَهِيكُ بن سنان حين وصف سرعته في القراءة فقد جاء في الصحيحين عن شَقِيق قال: "جَاءَ رَجُلٌ من بَنِي بَجِيلَةَ يُقَالُ لَهُ نَهِيكُ بنُ سِنَانٍ إِلَى عَبدِ اللهِ فَقَالَ: "إِني أَقرَأُ المُفَضَّلَ فِي رَكعَةٍ! فَقَالَ عَبدُ اللهِ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعرِ لَقَد عَلِمتُ النَّظَائِرَ التِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقرَأُ بِهِنَّ سُورَتَينِ فِي رَكعَةٍ".
وفي رواية عن أَبِي وائلِ قال: جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ نَهِيكُ بنُ سِنَانِ إِلَى عَبدِ اللهِ، فقال: يَا أَبَا عَبدِ الرحمنِ، كَيفَ تَقرَأُ هَذَا الحَرفَ أَلِفًا تَجِدهُ أَم يَاءً (من مَاءٍ غَيرِءَاسِنٍ) أَو (من ماء غير ياسن)؟ قال: فقال عَبدُ اللهِ: وَكُلَّ القُرآنِ قَد أَحصَيتَ غَيرَ هَذَا؟ قال: إِنِّي لأقرَأُ المُفَصَّلَ فِي رَكعَةٍ. فقال عَبدُ اللهِ: هَذا كَهَذِّ الشِّعرِ؟ إِن أَقوَامًا يَقرَءُونَ القُرآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم، وَلَكِن إِذَا وَقَعَ فِي القَلبِ فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ، إِن أَفضَلَ الصَّلاةِ الركُوعُ وَالسجُودُ، إِني لأعلَمُ النظَائِرَ التِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقرُنُ بَينَهُنَّ سُورَتَينِ فِي كُلِّ رَكعَةٍ" (١).
الهذُّ: سرعة القراءة المذمومة، من غير فهم للمعاني.
قال النووي ﵀:
"معناه أن الرجل أخبره بكثرة حفظه وإتقانه، فقال ابن مسعود: فتهذُّه هذًّا، وهو بتشديد الذال، وهو شدة الاسراع والإفراط في العجلة، ففيه النهي عن الهذ، والحث على الترتيل والتدبر، وبه قال جمهور العلماء.
стр. 205
قال القاضي: "وأباحت طائفة قليلة الهذ" (١).
وعن جمرة الضُّبعيِّ قال: قلتُ لابن عباس: إني سريعُ القراءةِ، إني أقرأُ القرآنَ في ثلاث، قال: لأن أقرأ البقرةَ في ليلٍ، فأتدبرها، وأُرتلُها أحبُّ إليَّ من أن أقرأ كما تقول (٢).
وعن أبي جمرة قال: "قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلةٍ فأدبرها وأرتلها؛ أحب إلي من أن أقرأ كما تقول". وفي رواية، "فإن كنت فاعلًا لا بد فأقرأهُ قراءة تسمعُ أذنيك ويعيه قلبك" (٣).
* من أقوال العلماء في التدبر:
قال محمد بن كعب القرظي: لأن أقرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ [الزلزلة: ١]، و ﴿الْقَارِعَةُ (١)﴾ [القارعة: ١]، لا أزيد عليهما وأردد فيهما وأتفكر أحب إلي من أن أهذ القرآن ليلتي، أو قال: أنثره نثرًا (٤).
قال الإمام الآجري: "القليل من الدرس للقرآن مع الفكر فيه وتدبره أحبّ إليَّ من قراءةِ الكثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه، وظاهر القرآن يدل على ذلك، والسنة، وقول أئمة المسلمين" (٥).
стр. 206
وقال ابن قيم الجوزي: "لو علمَ الناسُ ما في قراءةِ القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كلِّ ما سواها، فإذا قرأهُ بتفكرِ حتى مر بآيةِ بتفكرٍ وتفهمٍ خير من قراءةٍ ختمةٍ بغير تدبرٍ وتفهمٍ" (١).
وقال القرطبي: "الترتيل أفضل من الهذ؛ إذ لا يصح التدبر مع الهذ" (٢).
قلت: ومن أدلة الترسل بالقراءة دون الهذ والعجلة والهذرمة ما في
الصحيحين أن - جبريل ﵇ كان يدارس النبي ﷺ القرآن في كل ليلة من ليالي رمضان.
ولهذا قال الحافظ ابن حجر: "ويحتمل أنه ﷺ كان يقسم ما نزل من القرآن في كل سنة على ليالي رمضان أجزاء، فيقرأ كل ليلة جزءًا في جزء من الليلة" (٣).
قلت: فلو كان رسول الله ﷺ يختم القرآن كل ليلة، ويكثر عدد الختمات في رمضان، لنقل عنه ﷺ ، بل روت عائشة خلاف ذلك كما في صحيح مسلم أنها قالت: ولا أَعلَمُ نَبِي اللهِ ﷺ قَرَأَ القرآن كُلَّهُ فِي لَيلَةٍ".
ولا أريد أن أختم هذا الفصل دون الإشارة إلى أن بعض أهل العلم قد رخص في القراءة في أقل من ثلاث، أو قال: أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، ولكني أقول: إن هذه اجتهادات لا ترقى إلى الطريقة المحمودة في القراءة الموافقة للسنة، وأما فيما يتعلق بتقطيع الآيات فلكل إنسان طريقة
стр. 207
توافق طبعه وتخف عليه، فلا نلزمه بما يشق عليه، ولكن ندعوه إلى ما لا يخالف السنة، والله أعلم.
* مدة ختم القرآن:
كثيرون هم الذين يختمون القرآن ولله الحمد، غير أن البعض يجتهد أحيانًا فيختم القرآن في رمضان وغيره مرارًا وتكرارًا، في مدة قصيرة اختلف فيها أهل العلم، فمن قائل بالكراهة لمن يقرأ في المصحف في أقل من ثلاث كأحمد وأبي عبيد، وإسحاق بن راهوية، ومن قائل بالجواز مطلقًا، وقد نُقِلَ عن بعض العلماء أنه كان يختم في أقل من ثلاث، ولعل حديث عبد اللهِ بنِ عَمْرٍو هو الحجة على الجميع، فلتتأمل هذا النص كما رواه عبد الله بن عمرو ﵄ أَنَّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ فِي كَم أَقرَأُ القرآن؟ قَالَ: "فِي شَهرٍ". قَالَ: إِنِّي أَقوَى من ذَلِكَ، يُرَدِّدُ، وَتَنَاقَصَهُ حَتى قَالَ: "اقرَأهُ فِي سَبعٍ". قَالَ: إِني أَقوَى من ذَلِكَ، قَالَ: "لا يَفقَهُ مَن قَرَأَهُ فِي أَقَل من ثَلاثٍ" (١).
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀:
"إنما ورد النَّهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاثٍ على المداومة على ذلك. فأما في الأوقات المفضلة -كشهر رمضان، خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلةَ القَدر، أو في الأماكن المفضلة، كمكَّة شرَّفها الله، لمن دخلها من غير أهلها- فيُستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن، اغتنامًا للزمان والمكان.
стр. 208
وهذا قولُ أحمدَ وإسحاقَ وغيرهما من الأئمة" (١).
وقال الإمام النووي ﵀:
"والاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص، فمن كان من أهل الفهم، وتدقيق الفكر، استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود، من التدبر، واستخراج المعاني، وكذا من كان له شغل بالعلم، أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين
العامة، يُستحبُّ له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يخل بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك، فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل، ولا يقرؤه هذرمة، والله أعلم" (٢).
سئل زيد بن ثابت ﵁ كَيفَ تَرَى فِي قِرَاءَةِ القُرآنِ فِي سَبعٍ؟ فَقَالَ زَيدٌ: حَسَن، وَلأَن أَقرَأَهُ فِي نِصفٍ، أَو عَشرِ، أَحَب إِليَّ وَسَلنِي، لِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: فَإِنِّي أسأَلُكَ. قَالَ زَيد: لِكَي أَتَدَبرَهُ وَأَقِفَ عَلَيهِ (٣).
قال العلامة ابن باز ﵀:
"وبعض السلف قال: يُستثنى من ذلك أوقات الفضائل، وأنه لا بأس أن يختم كل ليلة أو في كل يوم، كما ذكروا هذا عن الشافعي وعن غيره، ولكن ظاهر السُّنة: أنه لا فرق بين رمضان وغيره، وأنه ينبغي له أن لا يتعجل، وأن يطمئنَّ في قراءته، وأن يرتل كما أمر النبي ﷺ عبد الله بن عمرو-
стр. 209
رضي الله عنهما- فقال: "اقرأه في سبع"، هذا آخر ما أمره به، وقال: "لا يفقه من قرأه في أقلّ من ثلاث"، ولم يقل: إلا في رمضان، فحَملُ بعض السلف هذا على غير رمضان محل نظر، والأقرب -والله أعلم- أن المشروع للمؤمن: أن يعتني بالقرآن ويجتهد في إحسان قراءته، وتدبر القرآن والعناية بالمعاني، ولا يعجل، والأفضل أن لا يختم في أقلّ من ثلاث، وهذا الذي ينبغي حسبما جاءت به السُّنة، ولو في رمضان" اهـ.
قلت: وقول العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ هو الراجح الموافق للسنة إدراكًا وتدبرًا، وفهمًا مع الإجابة.
١٢ - تحسين الصوت بالقراءة، والنهي عن القراءة بالألحان المطربة:
يدل على ذلك ما رواه البَراءُ أنه قال: سَمِعتُ النبِي ﷺ يَقرَأُ في العِشَاءِ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، فَمَا سَمِعتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوتًا، أَو قِرَاءَةَ مِنهُ (١).
وفي استحباب تحسين الصوت بالقراءة أحاديث صحيحة، منها:
قوله ﷺ : "لَم يَأذَنِ اللهُ لِشَيءٍ مَا أَذِن لِلنبيِّ أن يتَغَنَّى بِالقُرَآنِ" (٢).
وقوله ﷺ : "لَيسَ منا مَن لَم يتَغَنَّ بِالقُرآنِ" (٣).
أي ليس منا من لم يحسن صوته بالقرآن، والمراد من تحسين الصوت والتغني بالقرآن تحزينه والتخشع به، ولا يعني هذا إخراج القراءة عن حدها المشروع من تمطيط الكلام، وعدم إقامته، والمبالغة فيه حتى ينقلب لحنًا،
стр. 210
فهذا ليس بمشروع مطلقاً، وهو قراءة القرآن بصفة التَّلحين الذي يُشبه تَلحين الغِنَاء، فإن ذلك لا يجوز، أما تحبيره أي التزيين والتَّحسين فهو المستحب، وهو محل اتفاق جميع العلماء.
عن أَبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي موسى: "لَو رَأَيْتَني وَأَنا أَستَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ! لَقَد أُوتِيتَ مِزْمَارًا من مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد" (١).
والمراد بالمزمار: الصوت الحسن.
عن أبي لُبَابَةَ قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيسَ مِنَّا مَن لَم يَتَغَنِّ بِالقُرآنِ" قال: فَقُيل لابنِ أَبِي مُلَيكَةَ: يَا أَبَا محمد، أَرَأَيتَ إِذَا لَم يَكُن حَسَنَ الصوتِ؟ قَالَ: يُحَسِّنُهُ مَا استَطَاعَ (٢).
والجهر بالقراءة أمر حسن، والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة، لكن يستثنى من ذلك عدم التشويش على الآخرين، أو إيذاء النيام، أو الرياء والسمعة، والأمر بحمد الله فيه سعة بالجهر أو الإسرار، وعلى القارئ مراعاة الحال.
عن أَبي هريرة ﵁ أَنَّهُ سمع النبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَا أَذن اللهُ لِشَيءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيّ حَسَنِ الصوتِ بِالْقُرآنِ يَجهَرُ بِهِ" (٣).
стр. 211
عن أَبي سعيد ﵁ قال: اعتَكَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في المسجِدِ فَسَمِعَهُم يَجهَرُونَ بِالقِرَاءَةِ، فَكَشَفَ السِّترَ وقال: "أَلا إِن كُلَّكُم مُنَاج رَبَّهُ، فلا يُؤذيَنَّ بَعضُكُم بَعضًا وَلا يَرفَع بَعضُكُم عَلَى بَعضِ فِي القِرَاءَةَ"، أَو قَالَ: "فِي الصَّلاةِ" (١).
عن عبد الله بن أَبي قيسٍ أنه سَأل عَائِشَةَ أم المؤمنين ﵂ عَن قراءة رسول الله ﷺ كَيفَ كَانَت قِرَاءَتُهُ: أَكَانَ يُسِرُّ بِالقِرَاءَةِ أَم يَجهَرُ؟ قَالَتْ: كُلُّ ذَلِكَ قَد كَانَ يَفعَلُ؛ قَد كَانَ رُبمَا أَسَرَّ وَرُبَّمَا جَهَرَ. قال: فَقُلتُ: الحَمدُ لِلهِ الذِي جَعَلَ فِي الأمرِ سَعَةً" (٢).
عن أَبي قتادةَ أنَّ النبِيّ ﷺ خَرَجَ لَيلَةً، فَإِذَا هُوَ بِإِبِي بَكرٍ ﵁ يُصَلِّي يَخفِضُ من صَوتِهِ قال: وَمَرَّ بِعُمَرَ بنِ الخَطابِ وَهُوَ يُصَلِّي رَافِعًا صَوتَهُ، قال: فَلَمَّا اجتَمَعَا عِندَ النبِيّ ﷺ قال: "يَا أَبا بَكرٍ، مَرَرْتُ بكَ وأنت تُصَلِّي تَخفِضُ صَوتَكَ" قال: قَد أَسمَعتُ مَن نَاجَيتُ يَا رَسُولَ الَلهِ. قال: وقال لِعُمَرَ: "مَرَرْتُ بِكَ وأنت تُصَلِّي رَافِعًا صوتك".
قال: فقال: يَا رَسُولَ اللهِ، أُوقِظُ الوَسنَانَ، وَأَطرُدُ الشيطَانَ" .. فقال النبِيّ ﷺ : "يَا أَبَا بَكرٍ، ارْفَع من صَوتِكَ شَيئًا"، وقال لِعُمَرَ: "اخفِض من
стр. 212
صَوتِكَ شَيئًا" (١).
١٣ - الإِمساك عن القراءة عند غلبة النُّعاس:
الأصل في ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا قَامَ أَحَدُكم مِنَ الليلِ، فَاستعجَمَ القُراَنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَم يَدرِ مَا يَقُولُ، فَليضطَجِع" (٢).
ومعنى استعجم القرآن عليه: أي استغلق ولم ينطق به لسانه قاله النووي، وعلة الإمساك عن القراءة بيَّنها النبي ﷺ كما في حديث عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُم في الصلاة، فَليَرقُد حَتَّى يَذهبَ عَنهُ النومُ. فَإن أَحَدَكُم إِذَا صلي وَهُوَ نَاعِسٌ، لَعَلَّهُ يَذهَبُ يَستَغفِرُ فَيَسُبَّ نَفسَه" (٣).
١٤ - السجود عند المرور بآية سجدة:
في كتاب الله سبحانه خمس عشرة سجدة، فيسن لتالي القرآن إذا مرَّ بها أن يسجد.
ومواضعها في كتاب الله كالتالي:
(١) في سورة الأعراف، آية رقم (٢٠٦).
(٢) في سورة الرعد، آية رقم (١٥).
(٣) في سورة النحل، آية رقم (٤٩).
стр. 213
(٤) في سورة الإسراء، آية رقم (١٠٧).
(٥) في سورة مريم، آية رقم (٥٨).
(٦)، (٧) في سورة الحج آية رقم (١٨ - ٧٧).
(٨) في سورة الفرقان، آية رقم (٦٠).
(٩) في سورة النمل، آية رقم (٢٥).
(١٠) في سورة السجدة، آية رقم (١٥).
(١١) في سورة ص، آية رقم (٢٤).
(١٢) في سورة فصلت، آية رقم (٣٧).
(١٣) في سورة النجم، آية رقم (٦٢).
(١٤) في سورة الانشقاق، آية رقم (٢١).
(١٥) في سورة العلق، آية رقم (١٩).
ويستحب أن يقول حال سجودهِ الذكر الوارد عن النبي ﷺ : "اللَّهُم اخطُط عَنِّي بِهَا وِزرًا، وَاكتُبِ لي بِهَا أَجرًا، وَاجعَلهَا لي عِندَكَ ذُخرًا" (١).
عن عليِّ بن أَبي طالب عن رسول اللهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصلاةِ قال: "وَجهتُ وَجهِيَ لِلذي فَطَرَ السمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا وَمَا أَنا من المُشرِكِينَ" .. وإِذا سَجَدَ قال: "اللهُم لَكَ سَجَدتُ، وَبِكَ آمنتُ، وَلَكَ أَسلَمتُ، سَجَدَ وَجهِي لِلذي خَلَقَهُ وَصَورَهُ وَشَقَّ سَمعَهُ وَبَصَرَه، تَبَارَكَ اللهُ
стр. 214
أَحسَنُ الخَالِقِينَ" (١).
قلت: ولو قال: سبحان ربي الأعلى -كما في سجود الصلاة- فلا بأس.
وقد رغب النبي ﷺ بالسجود، وفيه فضل عظيم كما جاء في الحديث. عن أَبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "إِذَا قَرَأَ ابنُ آدمَ السَّجدة فَسَجَدَ اعتَزَلَ الشيطَانُ يَبكِي يَقُولُ: يَا وَيلَهُ [وَفِي رِوَايَةِ يَا وَيلِي]، أُمِرَ ابنُ آدمَ بِالسجُودِ، فَسَجَدَ، فَلَهُ الجَنةُ، وَأُمِرتُ بِالسجُودِ فَأبيتُ، فَلِي النارُ" (٢).
والسجود سنة مستحبة ومن هدي النبي ﷺ عن ابن عمر ﵄ قال: كَانَ النبِيّ ﷺ يَقرَأُ عَلَينَا السورَةَ فِيهَا السجدَةُ فَيَسجُدُ وَنَسجُدُ حَتى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوضِعَ جَبهَتِه" (٣).
١٥ - أن لا يقرأ في حال الركوع ولا السجود في الصلاة:
عن ابن عباسِ قال: كَشَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السِّتَارَةَ، وَالناسُ صُفُوف خَلفَ أَبِي بَكرٍ، فقال: "أَيهَا النَّاسُ، إِنهُ لَم يَبقَ من مُبَشِّرَاتِ النبُوةِ إِلا الرؤيا الصالِحَةُ يَرَاهَا المسلِمُ أَو ترَى لَهُ، أَلا وَإِنِّي نُهِيتُ أن أَقرَأَ القُرآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأما الركُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرب ، وَأَما السجُودُ فَاجتَهِدوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَن يُستجَابَ لَكُم" (٤).
стр. 215
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن القرآن هو أشرف الكلام، وهو كلام الله، وحالتا الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد، فمن الأدب مع كلام الله أن لا يقرأ في هاتين الحالتين، ويكون حال القيام والانتصاب أولى به" (١).
١٦ - أن لا يشوش القارئ على المصلي:
من الأدب الذي ينبغي العناية به، توقير المصلي عند القراءة، بأن يسر التالي للقرآن قراءته دون رفع الصوت حتى لا يشوش القارئ على المصلي، ولا المصلي على القارئ، كما جاءت بذلك النصوص الشرعية، وهي نصوص صريحة في النهي عن التشويش في القراءة، ورفع الصوت بالقرآن.
عن أبي هريرة وعائشة ﵄ عن النبي ﷺ أنَّه اطلع من بيتهِ والنَّاس يجهرون بالقراءةِ فقال لهم: "إن المصلي يُناجي رَبَّه، فلينظُر بما يناجيه، ولا يجهر بعضُكم على بعضِ بالقرآن" (٢).
عن أَبي سعيدٍ الخدري ﵁ قال: اعتَكَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في المسجِدِ، فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالقِرَاءَةِ، فَكَشَفَ السترَ وقال: "أَلا إِن كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُم بَعضاً، وَلا يَرْفَعْ بَعضُكُم عَلَى بَعْضٍ فِي القِرَاءَةِ"، أَو قال: "فِي الصلاةِ" (٣).