عن أَبي سعيد ﵁ قال: اعتَكَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في المسجِدِ فَسَمِعَهُم يَجهَرُونَ بِالقِرَاءَةِ، فَكَشَفَ السِّترَ وقال: "أَلا إِن كُلَّكُم مُنَاج رَبَّهُ، فلا يُؤذيَنَّ بَعضُكُم بَعضًا وَلا يَرفَع بَعضُكُم عَلَى بَعضِ فِي القِرَاءَةَ"، أَو قَالَ: "فِي الصَّلاةِ" (١).
عن عبد الله بن أَبي قيسٍ أنه سَأل عَائِشَةَ أم المؤمنين ﵂ عَن قراءة رسول الله ﷺ كَيفَ كَانَت قِرَاءَتُهُ: أَكَانَ يُسِرُّ بِالقِرَاءَةِ أَم يَجهَرُ؟ قَالَتْ: كُلُّ ذَلِكَ قَد كَانَ يَفعَلُ؛ قَد كَانَ رُبمَا أَسَرَّ وَرُبَّمَا جَهَرَ. قال: فَقُلتُ: الحَمدُ لِلهِ الذِي جَعَلَ فِي الأمرِ سَعَةً" (٢).
عن أَبي قتادةَ أنَّ النبِيّ ﷺ خَرَجَ لَيلَةً، فَإِذَا هُوَ بِإِبِي بَكرٍ ﵁ يُصَلِّي يَخفِضُ من صَوتِهِ قال: وَمَرَّ بِعُمَرَ بنِ الخَطابِ وَهُوَ يُصَلِّي رَافِعًا صَوتَهُ، قال: فَلَمَّا اجتَمَعَا عِندَ النبِيّ ﷺ قال: "يَا أَبا بَكرٍ، مَرَرْتُ بكَ وأنت تُصَلِّي تَخفِضُ صَوتَكَ" قال: قَد أَسمَعتُ مَن نَاجَيتُ يَا رَسُولَ الَلهِ. قال: وقال لِعُمَرَ: "مَرَرْتُ بِكَ وأنت تُصَلِّي رَافِعًا صوتك".
قال: فقال: يَا رَسُولَ اللهِ، أُوقِظُ الوَسنَانَ، وَأَطرُدُ الشيطَانَ" .. فقال النبِيّ ﷺ : "يَا أَبَا بَكرٍ، ارْفَع من صَوتِكَ شَيئًا"، وقال لِعُمَرَ: "اخفِض من
стр. 212
صَوتِكَ شَيئًا" (١).
١٣ - الإِمساك عن القراءة عند غلبة النُّعاس:
الأصل في ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا قَامَ أَحَدُكم مِنَ الليلِ، فَاستعجَمَ القُراَنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَم يَدرِ مَا يَقُولُ، فَليضطَجِع" (٢).
ومعنى استعجم القرآن عليه: أي استغلق ولم ينطق به لسانه قاله النووي، وعلة الإمساك عن القراءة بيَّنها النبي ﷺ كما في حديث عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُم في الصلاة، فَليَرقُد حَتَّى يَذهبَ عَنهُ النومُ. فَإن أَحَدَكُم إِذَا صلي وَهُوَ نَاعِسٌ، لَعَلَّهُ يَذهَبُ يَستَغفِرُ فَيَسُبَّ نَفسَه" (٣).
١٤ - السجود عند المرور بآية سجدة:
في كتاب الله سبحانه خمس عشرة سجدة، فيسن لتالي القرآن إذا مرَّ بها أن يسجد.
ومواضعها في كتاب الله كالتالي:
(١) في سورة الأعراف، آية رقم (٢٠٦).
(٢) في سورة الرعد، آية رقم (١٥).
(٣) في سورة النحل، آية رقم (٤٩).
стр. 213
(٤) في سورة الإسراء، آية رقم (١٠٧).
(٥) في سورة مريم، آية رقم (٥٨).
(٦)، (٧) في سورة الحج آية رقم (١٨ - ٧٧).
(٨) في سورة الفرقان، آية رقم (٦٠).
(٩) في سورة النمل، آية رقم (٢٥).
(١٠) في سورة السجدة، آية رقم (١٥).
(١١) في سورة ص، آية رقم (٢٤).
(١٢) في سورة فصلت، آية رقم (٣٧).
(١٣) في سورة النجم، آية رقم (٦٢).
(١٤) في سورة الانشقاق، آية رقم (٢١).
(١٥) في سورة العلق، آية رقم (١٩).
ويستحب أن يقول حال سجودهِ الذكر الوارد عن النبي ﷺ : "اللَّهُم اخطُط عَنِّي بِهَا وِزرًا، وَاكتُبِ لي بِهَا أَجرًا، وَاجعَلهَا لي عِندَكَ ذُخرًا" (١).
عن عليِّ بن أَبي طالب عن رسول اللهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصلاةِ قال: "وَجهتُ وَجهِيَ لِلذي فَطَرَ السمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا وَمَا أَنا من المُشرِكِينَ" .. وإِذا سَجَدَ قال: "اللهُم لَكَ سَجَدتُ، وَبِكَ آمنتُ، وَلَكَ أَسلَمتُ، سَجَدَ وَجهِي لِلذي خَلَقَهُ وَصَورَهُ وَشَقَّ سَمعَهُ وَبَصَرَه، تَبَارَكَ اللهُ
стр. 214
أَحسَنُ الخَالِقِينَ" (١).
قلت: ولو قال: سبحان ربي الأعلى -كما في سجود الصلاة- فلا بأس.
وقد رغب النبي ﷺ بالسجود، وفيه فضل عظيم كما جاء في الحديث. عن أَبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "إِذَا قَرَأَ ابنُ آدمَ السَّجدة فَسَجَدَ اعتَزَلَ الشيطَانُ يَبكِي يَقُولُ: يَا وَيلَهُ [وَفِي رِوَايَةِ يَا وَيلِي]، أُمِرَ ابنُ آدمَ بِالسجُودِ، فَسَجَدَ، فَلَهُ الجَنةُ، وَأُمِرتُ بِالسجُودِ فَأبيتُ، فَلِي النارُ" (٢).
والسجود سنة مستحبة ومن هدي النبي ﷺ عن ابن عمر ﵄ قال: كَانَ النبِيّ ﷺ يَقرَأُ عَلَينَا السورَةَ فِيهَا السجدَةُ فَيَسجُدُ وَنَسجُدُ حَتى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوضِعَ جَبهَتِه" (٣).
١٥ - أن لا يقرأ في حال الركوع ولا السجود في الصلاة:
عن ابن عباسِ قال: كَشَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السِّتَارَةَ، وَالناسُ صُفُوف خَلفَ أَبِي بَكرٍ، فقال: "أَيهَا النَّاسُ، إِنهُ لَم يَبقَ من مُبَشِّرَاتِ النبُوةِ إِلا الرؤيا الصالِحَةُ يَرَاهَا المسلِمُ أَو ترَى لَهُ، أَلا وَإِنِّي نُهِيتُ أن أَقرَأَ القُرآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأما الركُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرب ، وَأَما السجُودُ فَاجتَهِدوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَن يُستجَابَ لَكُم" (٤).
стр. 215
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن القرآن هو أشرف الكلام، وهو كلام الله، وحالتا الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد، فمن الأدب مع كلام الله أن لا يقرأ في هاتين الحالتين، ويكون حال القيام والانتصاب أولى به" (١).
١٦ - أن لا يشوش القارئ على المصلي:
من الأدب الذي ينبغي العناية به، توقير المصلي عند القراءة، بأن يسر التالي للقرآن قراءته دون رفع الصوت حتى لا يشوش القارئ على المصلي، ولا المصلي على القارئ، كما جاءت بذلك النصوص الشرعية، وهي نصوص صريحة في النهي عن التشويش في القراءة، ورفع الصوت بالقرآن.
عن أبي هريرة وعائشة ﵄ عن النبي ﷺ أنَّه اطلع من بيتهِ والنَّاس يجهرون بالقراءةِ فقال لهم: "إن المصلي يُناجي رَبَّه، فلينظُر بما يناجيه، ولا يجهر بعضُكم على بعضِ بالقرآن" (٢).
عن أَبي سعيدٍ الخدري ﵁ قال: اعتَكَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في المسجِدِ، فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالقِرَاءَةِ، فَكَشَفَ السترَ وقال: "أَلا إِن كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُم بَعضاً، وَلا يَرْفَعْ بَعضُكُم عَلَى بَعْضٍ فِي القِرَاءَةِ"، أَو قال: "فِي الصلاةِ" (٣).
стр. 216
وفي الحديث أن رفع الصوت بالقرآن الكريم ممنوع شرعاً، إذا ترتب عليه إيذاء للغير , أو تشويش لمصلٍ, أو إيقاظ لنائم, سواء كان في المسجد, أم غيره (١)
١٧ - مراعاة الوقف والابتداء:
الوقف: قطع الصوت عن الكلمة زمناً يتنفس فيه القارئ عادة بنية استئناف القراءة.
الابتداء: هو الشروع في القراءة سواء كان بعد قطع وانصراف عنها، أو بعد وقف (٢).
والأصل في هذا ما رواه ابن أبي مُليكة عن أُمِّ سلمة أَنهَا سُئِلَت عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فقالت: كان يقطع القرآن آية آية ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ (٣).
وفي رواية: يقرأ (الفاتحة)، ويقطعها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ ثم يقف، ثم يقول، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ .. الحديث (٤).
стр. 217
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لقد عشنا برهة من دهرنا واحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تعلمون أنتم اليوم القرآن، ثم لقد رأيت اليوم رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه فينثره نثر الدقل (١).
هذا الأثر يدل على أن الصحابة الكرام كانوا يعتنون بالوقف، ويبين هذا الأثر نقد ابن عمر لذلك الواقع المؤلم بعدم العناية، فكيف لو سمع طلاب المدارس وخريجي بعض الجامعات كيف يرسلون القراءة مملوة بالأخطاء دون مراعاة للوقف أو الابتداء كما شبه هذا السوء بالتمر اليابس الرديء.
ولهذا "حض الأئمة على تعلمه ومعرفته والاعتناء به، واشترط كثير من العلماء على المجيز ألا يجيز أحدًا إلا بعد معرفته الوقف والابتداء؛ لأن به تعرف معاني القرآن، ولا يمكن استنباط الأدلة الشرعية إلا بمعرفة الفواصل" (٢).
ومما تقدم يتضح لنا أن الوقف والابتداء كان محل عناية رسول الله والصحابة رضوان الله عليهم لما يترتب عليه من إيضاح المعاني القرآنية للمستمع، وذلك لا يتأتى إلا إذا كان قارئ القرآن على دراية واسعة ومعرفة تامة بالوقوف.
стр. 218
ولعل الحكمة في هذا الفن من علوم القرآن الكريم ما حكاه الإمام النووي بقوله: "وينبغي للقارئِ إذا ابتدأ من وسط السورة، أو وقف على غير آخرها أن يبتدئَ من أول الكلام المرتبط بعضُهُ ببعض، وأن يقف على الكلام المُرتَبط، ولا يتقيد بالأجزاء والأعشار، فإنها قد تكونُ في وسط الكلام المرتبط، كالجزء الذي في قوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣]، ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]،" ... ، فكل هذا وشبيهُهُ ينبغي أن لا يبتدأُ به لا يُوقف عليه، فإنه مُتعلقٌ بما قبلهُ، ولا يغترُّ الإنسانُ بكثرةِ الغافلين له من القراء الذين لا يُراعُونَ هذه الآداب ولا يفكرون في هذه المعاني .. ، ولهذا المعنى قال العلماءُ: قراءةُ سورةٍ قصيرةٍ بكمالها أفضلُ من قراءة بعض سورة طويلة بقدر القصيرة، فإنه قد يخفى الارتباط على بعض الناس في بعض الأحوال (١).
قلت: ولهذا قسم أهل العلم الوقف إلى قسمين، الوقف الاختياري، والاضطراري، وفصلوا في الوقف الاختياري إلى تام وكافي وحسن وقبيح.
كما قسموا الابتداء إلى حسن وقبيح، ومزيد من الحديث عن السكت والقطع وغير ذلك مما هو مبسوط في علم التجويد بما لا يسمح المجال إلى تفصيله والاستشهاد عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "القراءة بأواخر السور وأواسطها فلم يكن غالباً عليهم، ولهذا يتورع في كراهة ذلك، وفيه النزاع المشهور في مذهب أحمد وغيره، ومن أعدل الأقوال في ذلك، قول من كره اعتياد ذلك دون
стр. 219
فعله أحيانًا؛ لئلا يخرج عما مضت به السنة، وعادة السلف من الصحابة والتابعين" (١).
ولهذا اعتنى العلماء بهذا الفن عناية خاصة وأفردوه بالتأليف:
١ - "الإيضاح في الوقف والابتداء" للإمام أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري المتوفى سنة ٣٢٨ هـ.
٢ - "القطع والائتناف أو الوقف والابتداء" للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد النحاس المتوفي سنة ٣٣٨هـ.
٣ - "المكتفى في الوقف والابتداء في كتاب الله " للإمام أبي عمرو عثمان بن سعيد الداني الأندلسي المتوفى سنة ٤٤٤ هـ.
...
стр. 220
الأدب مع الملائكة الكرام
أخبر الله عن خلق من مخلوقاته لا يرون بالبصر، ولا يدركون بالحس، وأمر بالإيمان بهم، وهم الملائكة ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء ٢٦: ٢٧] ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، فطرهم الله على طاعته وعبادته، فلا يفكرون في معصية ولا يتكاسلون عن أمر، وأنهم ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠].
والإيمان بهم ركن من أركان الإيمان يلي الإيمان بالله تعالى، وبعد أن عرفنا أخلاق العاقل مع الله سبحانه، نريد التعرف علي أخلاقه مع الملائكة، والحديث عن الملائكة هنا من الجانب الأخلاقي الشعوري، وليس من الجانب الاعتقادي.
لا شك أن للملائكة علاقات مع البشر قديمة من أول لقاء بين الملائكة والبشر وسجودها للإنسان.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ [ص٧١: ٧٤].
والعاقل من يجعل لهذه العلاقات أثرًا في حياته، وكيف يعقل بمسلم يؤمن بوجود الملائكة، ويعلم علم اليقين أن الله سبحانه قد وكل به ملائكة يكتبون أعماله ويحرسونه، ويرقبون عمله، ويحبون فيه الخير، ويدافعون
стр. 221
عنه إلى غير ذلك، ولا يلقي لذلك بالًا، أو يجعل لهم في نفسه أثرًا.
و علاقات الملائكة بالبشر متفاوتة
١ - منها علاقات لازمة:
أ- أنها تكتب أعمال بني آدم:
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار١٠: ١٢].
وقال سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨].
عن أَبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُم مَلاِئكَةٌ بِالليلِ وَمَلاِئكَةٌ بِالنهَارِ، وَيَجتَمِعُونَ فِي صَلاة الفَجرِ وَصَلاةِ العَصرِ، ثُم يَعرُجُ الذينَ بَاتُوا فِيكُم فَيَسألُهُم -وَهُوَ أَعلَمُ بِهِم-: كَيفَ تَرَكتُم عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكنَاهُم وَهُم يُصَلونَ، وَأَتَينَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ". متفق عليه.
ب- حراستهم لابن آدم وحفظه، قال سبحانه: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد١٠: ١١].
ج- قبض الأرواح:
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام: ٦١].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة: ١١].
стр. 222
د- سؤالهم العبد في القبر:
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ العَبدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبرِهِ وَتَوَلَّى عَنهُ أَصحَابُهُ، وَإِنهُ لَيَسمَعُ قَرعَ نِعَالِهِم، أَتاهُ مَلَكَانِ فَيُقعدَانِهِ فَيَقُولانِ: مَا كُنتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرّجُلِ؟ لِمُحَمَّد ﷺ ، فَأما المُؤمِنُ فَيَقُولُ: أَشهَدُ أَنهُ عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انظُر إِلَى مَقعَدِكَ من النارِ، قَد أَبدَلَكَ اللهُ بِهِ مقعدًا من الجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، ويُفسَحُ لَهُ فِي قَبرِهِ، وَأَما المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنتَ تَقُولُ فِي هَذا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لا أَدرِي، كُنتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ الناسُ. فَيُقَالُ: لا درَيتَ وَلا تَلَيتَ، وَيُضرَبُ بِمَطَارِقَ من حَدِيدٍ ضَربَةً، فَيَصِيحُ صَيحَةً يَسمَعُهَا مَن يَليهِ غَيرَ الثقَلَينِ" (١).
٢ - علاقات مشروطة:
وهذه العلاقات مشروطة مثلًا بمجالس الذكر والعبادة.
قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] وذلك لأن الملائكة تشهد هذه الصلاة.
عن أَبي هريرة ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ لِلهِ مَلاِئكَةً يَطُوفُونَ فِي الطرُقِ، يَلتَمِسُونَ أَهلَ الذكرِ، فإذا وجَدوا قومًا يَذكُرُونَ الله تَنَادَوا: هَلُموا إِلَى حَاجَتِكُم. قال: فَيحُفُّونَهُم بِأجنِحَتِهِم إِلَى السمَاءِ الدنيَا. قال: فَيَسألُهُم رَبهُم -وَهُوَ أَعلَمُ مِنهُم-: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وُيكَبِّرُونَكَ وَيحمدونَكَ وَيمَجِّدُونَكَ قال: فيقُولُ: هَل رَأَونِي؟
стр. 223
قال: فَيَقُولُونَ: لا وَاللهِ مَا رَأَوكَ. قال: فَيقُولُ: وَكَيفَ لَو رَأَونِي؟ قال: يَقُولُونَ: لَو رَأَوكَ كَانُوا أَشدَّ لَكَ عِبَادةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمجِيدًا وَتَحمِيدًا، وَأكَثَرَ لَكَ تَسبِيحًا. قال: يَقُولُ: فَمَا يَسألُوني؟ قال: يَسألُونَكَ الجَنةَ. قال: يَقُولُ: وَهَل رَأَوهَا؟ قال: يَقُولُونَ: لا وَاللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوهَا. قال: يَقُولُ: فَكَيفَ لَو أَنَّهُم رَأَوهَا؟ قال: يَقُولُونَ: لو أنهُم رَأَوهَا كَانُوا أَشَد عَلَيهَا حِرصاً، وَأَشَد لَهَا طَلَباً، وَأَعظَمَ فِيهَا رَغبَةً. قال: فَمِمَّ يَتَعَوذونَ؟ قال: يَقُولُونَ مِنَ النار. قال: يَقُولُ: وَهَل رَأَوهَا؟ قال: يَقُولُونَ: لا وَاللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوهَا. قال: يَقُولُ: فَكَيفَ لو رَأَوهَا؟ قال: يقُولُونَ: لو رَأَوهَا كَانُوا أَشَد مِنهَا فِرَاراً، وَأَشَد لَهَا مَخَافَةً. قال: فَيَقُولُ: فأشهِدُكم أَنِّي قَد غفَرتُ لَهُم. قال: يَقُولُ مَلَكٌ من المَلاِئكَةِ: فِيهِم فلُان لَيسَ مِنهُم إِنمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قال: هُم الجُلَسَاءُ لا يَشقَى بِهِم جَلِيسُهُمْ" (١).
وعن أَبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا اجتَمَعَ قَوم فِي بَيتٍ من بُيُوتِ اللهِ تَعَالَى، يَتلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيتَدارَسُونَهُ بَينَهُم، إِلا نَزَلَت عَلَيهِم السكِينَةُ، وَغشِيَتهُم الرحمَةُ، وَحَفتهُم المَلاِئكَةُ، وَذَكَرَهُم الله فِيمَنَّ عِندهُ" (٢).
عن أَبي هريرة ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الملائكة تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُم مَا دَامَ فِي مَجلِسِهِ، تَقُولُ: اللهُم اغفِر لَهُ، اللهم ارحَمهُ، مَا لَمْ يُحدِث، وَأَحَدُكم في صلاةٍ كَانَت الصلاة تَحبِسُه" (٣).
стр. 224
عن أَبي هريرة ﵁ قال: قال النبِيّ ﷺ : "إِذا كَانَ يَومُ الجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُل بَابٍ من أبوَابِ المسجِدِ المَلاِئكَةُ يَكتُبُونَ الأولَ فَالأَولَ، فإِذا جَلَس الإمَامُ، طَوَوا الصحُفَ وَجَاءوا يَستَمِعُونَ الذكرَ" (١).
٣ - علاقات المحبة:
وهذه علاقة الحب بين الملائكة وبين المؤمنين ولا ندري ماهية هذا الحب، ولكن هذه الصفة في الملائكة ثابتة، فهذه الملائكة المكرمة العظيمة تحب المؤمنين وتكره الكفار أعداء الله، وتبغضهم.
عن أَبي هريرة ﵁ عن النبِيّ ﷺ قال: "إذَا أَحَب الله العَبدَ، نَادَى جِبرِيلَ: إِن اللهَ يُحب فُلانًا فَأحبِوهُ، فَيحِبهُ جِبرِيلُ فَيُنَادِي جِبرِيلُ فِي أَهلِ السمَاءِ: إِن الله يحب فُلانًا فَأحِبوهُ، فَيحِبهُ أَهلُ السمَاءِ، ثُم يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأرْضِ" (٢).
هذا بالنسبة إلى المؤمنين، أمَّا الكفار فهناك عداء، فالملائكة تعادي أعداء الله في الدنيا والآخرة، ومن الأدلة ما أخبر الله سبحانه أنه أنزل طائفة من خيرة الملائكة في غزوة بدر، وأنه سبحانه قال لهم: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢].
стр. 225
ومن دلائل هذا الحب:
أ- الدعاء للمؤمنين:
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ [غافر٧: ٩].
وقال سبحانه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلًا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الشورى: ٥].
وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤٣].
والصلاة من الله سبحانه علي عباده عند الملائكة الثناء عليهم، وأما الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار لهم.
ب- محبتهم لطلاب العلم:
عن صَفوَانَ بنِ عَسَّالٍ المُرَادِي قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ المَلائكَةَ لتَضَعُ أَجنِحَتَهَا لِطَالِبِ العلمِ؛ رِضًا بِمَا يَطلب" (١).
стр. 226
ومعنى وضع الجناح حضور مجلسه، وقيل: توقيره وتعظيمه، وإعانته على بلوغ مقاصده، أو قيامهم في كيد أعدائه وكفايته شرهم، أو تواضعها ودعاؤها له.
وهذا دليل على حب الملائكة لطالب العلم وأولياء الله، والسائرين في طريق الله ﵎.
عن أَبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: "المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُم مَا دامَ فِي مُصَلاهُ الذِي صلَّي فِيهِ، مَا لَم يُحدِث، تَقُولُ: اللهُم اغفِر لَهُ، اللهم ارحَمهُ" (١).
ج- القتال مع المؤمنين وتثبيتهم في الحرب:
قال : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران١٢٣: ١٢٥].
وهذا الإمداد إنما هو تثبيت المؤمنين والمحاربة معهم؛ قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٠].
стр. 227
د- دعاؤهم على من يؤذي المؤمن:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدةٍ، فَإِنَّ المَلائكَةَ تَلعَنُهُ، وَإِن كانَ أَخَاهُ لأبِيهِ وَأُمه" (١).
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "مَن سبَّ أَصحَابي، فَعَلَيهِ لَعنةُ اللهِ والملائكةِ والنَّاسِ أَجمَعين" (٢).
هـ- تبشير المؤمنين عند الاحتضار:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)﴾ [فصلت٣٠: ٣١].
و- ظل الملائكة على الشهيد:
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لَما قُتِلَ أَبِي جَعَلتُ أَكشِفُ الثَّوبَ عَن وَجهِهِ، أَبكِي وَينهَونِي عَنهُ، وَالنبِي ﷺ لا يَنهَانِي، فَجَعَلَت عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبكِي، فقال النبِي ﷺ : "تَبكِينَ أَو لا تَبكِينَ، مَا زَالَت المَلاِئكَةُ تُظِلُّهُ بِأجنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعتُمُوه" (٣).
стр. 228
كل هذه الآيات والأحاديث تروم غاية واحدة، وهي وجوب الإيمان بالملائكة، وأن يتولاهم بالحب والتوقير، ويتجنب كل ما من شأنه أن يسيء إليهم ويؤذيهم، بل ينبغي لكل مؤمن ومؤمنة أن يستشعر وجودهم معه يرونه ويراقبون أفعاله، وإِنك لتعجب عند كثير من الناس أنهم إذا استشعروا أن أحدًا ينظر إليهم فإنهم يسيرون في طريق مستقيم، كآلة المراقبة في الطرق التي تراقب المراكب المسرعة، فإنهم يقللون من السرعة، وإذا تجاوزوها عادوا إلى السرعة، أولا يستشعر هؤلاء بأن الملائكة معهم ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار١١: ١٢] وذلك في كل وقت من ليل أو نهار.
***
стр. 229
الأدب مع الملائكة
المؤمن من يُحسن الأدب مع الملائكة الكرام، ومن الأدب معهم:
١ - محبتهم:
ومن الأدب مع الملائكة محبتهم، خاصة عندما نسمع عن فعلهم في الجنة من خلال الآيات البينات، مثل قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد ٢٣: ٢٤].
فالملائكة تحب المؤمن، وتهش له، وتفرح إذا رجع إلى الله ﵎، بل وتتسابق في إيصال الأعمال الطيبة إلى الله. ورفعها، كما في الحديث عن رفاعة بن رافعٍ الزُّرَقِيّ، قال: كُنا يَوماً نُصَلي وَرَاءَ النِّبِي ﷺ ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأسَهُ من الركعَةِ قال: "سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِده" قال رَجُلْ وَرَاءهُ: رَبنَا وَلَكَ الحمدُ حَمداً كَثِيراً طَيباً مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انصَرَفَ قال: "من المُتَكَلمُ"؟ قال: أَنَا. قَالَ: "رَأَيتُ بِضعَةً وَثَلاِثينَ مَلَكاً يَبتدرُونَهَا أَيهُم يَكتبهَا أَوَّلُ" (١).
فهم يسرعون فرحين جداً أن إنساناً ذكر الله سبحانه ذكراً بليغاً.
فإذاً كيف لا نحبهم وهم الذين يدعون لنا: عند زيارتنا للمرضي، وعندما نصلى في الصف الأول، وعندما نسد الفرج بين الصفوف في الصلاة، وعندما نتسحر، وعندما نصلي على النبي ﷺ ؟ كيف لا نحب من يشاركنا العبادة لله تعالى وهم الذين يدافعون عن المؤمنين؟
стр. 230
٢ - البعد عن إِيذائهم:
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال رسول الله ﷺ : "من أكَلَ من هَذهِ البقلَةِ -البَصَلَ وَالثومَ وَالكراتَ- فَلا يَقرَبَن مَسجدنَا، فَإن المَلاِئكَةَ تَتَأذى مِما يَتَأذى مِنهُ بَنُو آدم" (١).
فالملائكة الكرام تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فعلينا أن نبتعد عن هذا الخلق السيء تجاه الملائكة، والعاقل من وقف عند النص.
ومن صور الإِيذاء:
البصق عن اليمين في الصلاة، عن أبي هريرة ﵁ عَن النبِيِّ ﷺ قال: "إِذَا قَامَ أَحَدُكم إِلَى الصلاة فَلا يَبصُق أَمَامَهُ، فَإِنمَا يُنَاجِي اللهَ مَا دامَ فِي مُصَلاهُ، وَلا عَن يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ عَن يَمِينِهِ مَلَكًا، وَليَبصُق عَن يَسَارِهِ، أَو تَحتَ قَدمِهِ فَيَدفِنُهَا" (٢).
٣ - البعد عن الذنوب والمعاصي:
ومن الخلق الحسن مع الملائكة البعد عن الذنوب والمعاصي، وعدم إبعاد ملائكة الرحمة عنا، فعلى العاقل أن يحرص على بقاء ملائكة الرحمة معه، فلا يحرم نفسه من مخالطة الملائكة ومجالستهم ودعائهم له، ودخولهم بيته بهذه المنكرات مثل الكلب خاصة، وكذلك تعليق الصور، فالملائكة لا تدخل الأماكن والبيوت التي يعصى فيها الله تعالى، أو التي فيها ما يكرهه الله سبحانه.
стр. 231
عن أبي طلحة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَدخُلُ المَلاِئكَةُ بَيتًا فيهِ كَلب وَلا صُورَة" (١).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَصحَبُ الملائكة رُفقَةً فِيهَا كَلب وَلا جَرَس" (٢).
عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثةُ لا تَقرَبُهم الملائكةُ: الجُنُب، والسكرانُ، والمتَضمِّخُ بالخَلوق" (٣).
عن عمَّار بن ياسرِ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِن المَلائكَةَ لا تَحضُرُ جَنَازَةَ الكَافِرِ بِخَيرٍ" (٤).
الخلاصة: لا شك أن هذه الرابطة القلبية التي تربط المؤمن بالملائكة، والالتقاء علي عبادة الله وحده ، فالمؤمن يشعر أن كلا من عباد الله، وكل من سار في طريقة هو حبيب له، وقريب منه، والملائكة هم عباد الله ﵎، والقائمون بأمره، والذين لا يعصونه، فهم أولى الناس بحب المؤمن، ولا شك أن المؤمن إذا أحبه الله ﵎، وحبب فيه ملائكته يشعر بأنه في عالم مؤنس، فبعد أنسه ورضاه ومحبة الله يشعر أن هناك من مخلوقات الله من يحبه، ومن يأنس به، فهذا لا شك أنه عبد سعد بلقاء الملائكة وبمجالستهم وبدعائهم له.
стр. 232
الأدب مع الرسول ﷺ -
القرآن الكريم مملوء بدعوة العقلاء إلى الأدب مع الرسول ﷺ ، ويشعر المسلم في قرارة نفسه بوجوب الأدب الكامل مع رسول الله ﷺ .
فما أروع الأدب، وما أجل شأن المتأدبين، فالأدب هو: استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً (١).
وقال ابن منظور: "سمي أدبًا؛ لأنه يأدبُ الناس إلى المحامد، وينهاهم عن المقابح" (٢).
والأدب مع الله تعالى، والأدب مع ورسوله ﷺ هو: الدين كله.
وأدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقله أدبه: عنوان شقاوته وبواره (٣).
وقسّم العلماء الأدب إلى ثلاثة أقسام:
١ - أدب مع الله .
٢ - وأدب مع رسول الله ﷺ وشرعه.
٣ - وأدب مع خلْقِه" (٤).
فالأدب مع الله تعالى أعلى المراتب، والعاقل: من يكون خُلُقه وأدبه
стр. 233
مع الله تعالى عاليًا وهو أصل كلّ أدب، بل لا يتصف أحد بأدَبٍ إن عُدِمَ الأدب مع الله.
والأدب مع الله سبحانه هو حُسن الانقياد معه بإيقاع كل حركة على مُقتَضَى تعظيمه وإجلاله، والحياء منه، وهذا يشمل: القلب، واللسان، والأركان.
أما الأدب مع الرسول ﷺ فقد أخل كثير من الناس بواجبهم تجاهه، بل هم يرون الغارات تشن وبشكل مستمر ومبرمج من اليهود والنصاري ومن لا خلاق له، ولا يحركون ساكناً، فقد دَأَبَ أعداءُ اللهِ يملائون الصحف والمنتديات الإلكترونية والكتب المدرسية الغربية بسمومهم وهجومهم الموبوء وإِساءاتهم المتكررة، ولا زالوا منذ البعثة إلى يومنا هذا يتعاونون على الإثم والعدوان على رسولنا الكريم ﷺ .
وقد كشف الله سبحانه حقيقتهم في القرآن الكريم، وفضح حقدهم الدفين في الصد عن شريعة خاتم الأنبياء والمرسلين.
قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].
وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ [الصف: ٨].
стр. 234
"فليس عبثاً أن يضج العالم في جميع أطرافه لرجل ما عرفت البشرية مثله، وما مشى على أرضها أطهر منه خلقاً، ولا أنصح تاريخاً، وأنقى سيرة، وأصفى سريرة" (١).
أيها المسلمون الأبرار: أليس على يد نبينا محمد ﷺ تم لنا الدين وبه ختمت الرسالات، وتأملوا كيف كنا قبل أن يبعث لنا صلوات الله وسلامه عليه.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
فالتأدب معه هو الدين كله، ومتابعته من حب الله سبحانه، وطاعته من طاعة الله .
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
بمتابعته يكون الفلاحُ والنصرُ، وتحصلُ السعادةُ والطمأنينةُ، وبمخالفتِه يكونُ الشقاءُ والذلُّ، ويعيش الإنسانُ حياة التعاسة.
لذا أرشدنا الله سبحانه إلى اتخاذ الرسول ﷺ أسوة، وقدوة، ومثال
стр. 235
يحتذى به.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
كان في جميع أحواله حركة وسلوكًا قلبًا وقالبًا يمثل القرآن الكريم، فكان خلقه القرآن، ومن كان خلقه القرآن كان على خلق عظيم.
فطوبى للمؤمنين الذين يستظلون بظل القرآن الكريم، وينتهجون نهج رسول الله ﵊، وطوبى لمن يلتمسون في رحابهما أمثلةً يحتذونها، ودروسًا يعملون بها، وهديًا يسيرون في ركابه، ونورًا يهتدون به في ظلمات الدنيا من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال.
فلنأخذ بلطائف خلقه، وثمار غرسه، ومواقف جهاده، وأدبه الذي أنعم الله عليه حين قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وتأمل -وفقك الله للأدب- أدب الصديق ﵁ مع النبي ﷺ في الصلاة، وقارن به سلوك الناس اليوم، وإِدعاء المحبة والمتابعة له.
عن سَهلِ بنِ سعدٍ الساعِدي أَن رسولَ اللهِ ﷺ ذهبَ إلى بني عمرِو بنِ عوفٍ ليُصلحَ بينهم، فحانتِ الصلاةُ، فجاء المؤذِّنُ إِلى أبي بكرٍ فقال: أَتُصلِّي للناسِ فأقيم؟ قال: نعم. فصلَّى أَبو بكرٍ، فجاءَ رسولُ اللهِ ﷺ والناسُ في الصلاةِ، فَتَخَلصَ حتَّى وقفَ في الصف، فصفقَ الناسُ، وكان أبو بكرٍ لا يَلْتفتُ في صلاتهِ. فلما أكثرَ الناسُ التصفيقَ التفتَ فرأَى رسولَ اللهِ ﷺ ، فأَشارَ إليه رسولُ اللهِ ﷺ أَنِ امكُثْ مَكانَكَ، فرفعَ أَبو بكرِ ﵁ يدَيهِ فحمِدَ اللهَ عَلَى ماْ أَمَرَهُ به رسولُ اللهِ ﷺ مِن ذلكَ ثم استأخَر أبو بكرٍ حتى
стр. 236
استوَى في الصفِّ، وَتقدمَ رسولُ اللهِ ﷺ فصلَّى، فلما انصرفَ قال: "يا أبا بكرٍ ما منعَكَ أن تثبُتَ إِذ أمرتُكَ؟ " فقال أبو بكرٍ: ما كان لابنِ أَبي قُحافَةَ أن يُصليَ بينَ يدى رسولِ اللهِ ﷺ . فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "مالي رأَيتُكم أكَثَرتمُ التصفيقَ؟ مَن رابَهُ شيء في صلاتهِ فليُسبِّح، فإنه إِذا سبحَ التُفِتَ إِليهِ، وَإِنَّما التصفيقُ للنساء" (١).
عن أبي رزين قال: قيل للعباس: أنت أكبرُ أو النبي ﷺ ؟ قال: "هو أكبرُ وأنا ولدتُ قبله" (٢).
وعن أنس قال ﵁: "إنَّ أبواب النبي ﷺ كانت تُقرَعُ بِالأَظَافِيرِ" (٣).
وهذا الحديث غاية في الأدب والتوقير والإجلال من الصحابة الكرام.
والحديث عن أدب الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ يطول، وحسبي بها مثلًا.
وهذا أوان الشروع في المقصود. اللهم اجعلنا من المتأدبين مع نبيك، المقتفين أثره، المتبعين لسنته، السائرين على نهجه، والسالكين على دربه يا رب.
...
стр. 237
من للرسول ﷺ اليوم ؟!
الكتاب العزيز مملوء بدعوة العقلاء إلى الأدب مع النبي ﷺ ، فإنه الرحمه، وهو المثل، والهادي البشير، والسراج المنير.
كيف لا؟ وهو ﷺ القدوةُ الكاملةُ، والأسوةُ الحسنةُ لكل من كان يرجو اللهَ واليومَ الآخرَ.
شرح الله صدره، ووضع وزره، ورفع ذكره، وأوجب طاعته، وحرم خيانته.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧].
وأقسم الله سبحانه أنه ما قلى رسوله ﷺ كما في سورة الضحى:
﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى١: ٣].
وما تخلف ركبُ الأمةِ اليومَ إلا يومَ أن تخلفت عن الأدبَ معه ﷺ ، وما تجرع إفرادُ الأمةِ مراراتِ البعد عن جمالِ الحياةِ وطيبِ معانيها إلا يومَ أن بعدت نفوسهم عن سيرته الرائعةِ، وعن هديه، فصاروا يركضون وراء كلِّ من أوتَى ظاهرًا من الحياةِ الدنيا، يخلعون عليه لباسَ العظمةِ والبهاء، باسمه وقوله وشخصه زعمًا وزورًا.
فكم من صفيق وجه صفقوا له، وكتبوا عنه الأسفار، وتناقلوا أقواله! وكم من سفيهٍ نصَّبوه إماما يُقتدى به، فأضحى الذي أملوه سرابًا بقيعةٍ وأضغاثَ أحلام!
стр. 238
فالبعد عن سيرةِ نبينا ﷺ ، والاهتداء بغيره، هو مستنقع الجهل، وهُوة الضلال، وحياة الشقاء، وطاعته هداية وسعادة وفوز.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
ومع هذا الاقتداء أوجب الله سبحانه محبتهُ، وألا نقدمَ علي محبته شيئًا بل نفديه بكل شيء وندافع عنه، وأن نتأدب معه ﷺ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الرسول ﵊ يباين سائر المؤمنين من أمته في عامة الحقوق فرضًا وخطرًا وغيرهما، مثل وجوب طاعته ووجوب محبته وتقديمه في المحبة على جميع الناس، ووجوب تعزيره وتوقيره على وجه لا يساويه فيه أحد، ووجوب الصلاة عليه والتسليم إلى غير ذلك من الخصائص التي لا تحصى" (١).
وقال ابن قيم الجوزية ﵀:
"أمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وأعاد الفعل إعلامًا بأن طاعة الرسول تجب استقلالًا من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقًا، سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه" (٢).
قلت: والمسلم الموفق، هو الذي ينصر نبيه، "والمسلم الذي لا يعيش حبُّ الرسول ﷺ في قلبه، ولا تتبعُهُ بصيرتُهُ في عمله وتفكيره، في كل
стр. 239
لحظةٍ من لحظاتهِ لا يُغني عنه أبدًا التغني بسيرته، ولا صياغة النعوت في مدائحه، وليس هناك أغلى وأعلى من مدح ربه جل وعلا له، وثنائه عليه؛ أما رفع ذكره، وأعلى قدره، وشرح صدره؟! صلوات الله وسلامه عليه" (١).
****
стр. 240
أسباب الأدب مع النبي ﷺ -
أولًا: أن الله سبحانه فرض الإِيمان به .
وبعد أن تقرر ثبوت نبوتهِ، وصحة رسالته، وجب الإيمانُ به، وتصديقُهُ فيما جاء به.
قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الفتح٨: ٩].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣)﴾ [الفتح: ١٣].
عن أَبي هريرة ﵁ عن رَسُولِ الله ﷺ قال: "أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ الناسَ حَتى يَشهَدُوا أن لَا إِلهَ إِلاَّ الله، وَيُؤمِنُوا بِي وَبِمَا جِئتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذلِكَ، عَصَمُوا مِنِّي دمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُم عَلَى الله" (١).
قال القاضي عياض ﵀: "والإيمان به ﷺ هو تصديق نُبُؤتهِ ورسالةِ الله لهُ، وتصديقُهُ في جميع ما جاءَ به وما قاله، ومطابقَةُ تصديقِ القلبِ بذلك شهادةَ اللسانِ بأنهُ رسولُ الله ﷺ ، فإذا اجتمع التصديقُ به بالقلب،
стр. 241
والنطقُ بالشهادةِ بذلك اللسان، ثم الإيمانُ به والتصديقُ له، كما ورد في الحديثِ نفسهِ من رواية عبد الله بن عمر ﵄: "أمرت أن أقاتلَ الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله" (١).
وقد زاده وضوحًا في حديث جبريل؛ إذ قال: أخبرني عن الإسلام، فقال النبي ﷺ : "أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله". وذكر أركان الإسلام، ثم سأله عن الإيمانِ فقال: "أن تؤمن بالله وملائكتهِ وكتبه ورسله" الحديث، فقد قرَّرَ أن الإيمان به محتاجٌ إلى العقدِ بالجنانِ، والإسلام به مضطرٌ إلى النطق باللسان.
وهذِه الحال المحمودة التامة.
وأما الحال المذمومة فالشهادةُ باللسان دون تصديقِ القلبِ، وهذا هو النفاق، قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾، أي كاذبون في قولهم ذلك عن اعتقادهم وتصديقهم، وهم لا يعتقدونه، فلما لم تُصَدِّق ذلك ضمائرُهُم لم ينفعهم أن يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فخرجوا عن اسم الإيمان، ولم يكن لهم في الآخرة حكمُهُ؛ إذ لم يكن معهم إيمان، ولحقوا بالكافرين في الدرك الأسفل من النار، وبقي عليهم حكم الإسلام، بإظهار شهادة الإسلام، في أحكام الدنيا المتعلقة بالأئمة وحكام المسلمين الذين أَحكامُهُم على الظواهر، بما أظهروهُ من علامة الإسلام؛ إذ لم يجعل للبشر سبيلٌ إلى السرائرِ، ولا أُمِرُوا بالبحث عنها، بل نهى النبيُّ ﷺ عن
стр. 242
التحكم عليها، وذمَّ ذلك، وقال: "هلا شققت عن قلبه".
ثانياً: أن الله تعالى قد أوجب له الأدب ﷺ -.
الواجب على كل مؤمنٍ ومؤمنةٍ التأدب مع النبي ﷺ .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١].
قال العلامة ابن قيم الجوزية ﵀: "وهذا باق إلى يوم القيامةِ ولم يُنسخ، فالتقدمُ بين يدي سنتهِ بعدَ وفاتهِ كالتقدمِ بين يديه في حياتهِ، ولا فرق بينهما عند ذي عقلٍ سليم" (١).
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾ [الحجرات: ٣].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [الحجرات ٤: ٥].
وقال ﷻ : ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ
стр. 243
عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢].
وقال ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [المجادلة: ١٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح٨: ٩].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن الله فرض علينا تعزير رسوله وتوقيره، وتعزيره: نصره ومنعه، وتوقيره: إجلاله وتعظيمه، وذلك يوجب صون عرضه بكل طريق بل ذلك أول درجات التعزير والتوقير" (١).
قال الحافظ ابن كثير ﵀: "والتوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام" (٢).
قلت: ومن الأدب معه توقيره حتى بعد مماته، كما لو كان بين أيدينا.
قال القاضي عياض ﵀: "واعلم أن حُرمة النبي ﷺ بعد موتهِ وتوقيرهُ وتعظيمهُ لازمٌ كما كان حال حياته، وذلك عند ذكرهِ ﷺ وذكرِ حديثهِ وسُنتهِ وسماعِ اسمهِ وسيرتهِ، ومُعاملةِ آله وعترتهِ وتعظيمِ أهلِ بيتهِ وصحابتهِ. قال أبو إبراهيم التُّجِيبي: واجبٌ على كُل مُؤمن -متى ذكرهُ، أو ذُكرَ عِندَه - أن
стр. 244
يخضع ويخشع ويتوقر، ويسكن من حَرَكَتِهِ، ويأخُذَ في هيبتهِ وإجلالهِ بما كانَ يأخذُ به نفسَهُ لو كان بين يديه، ويتأدبَ بما أدَّبَنا اللهُ به" (١).
ثالثاً: أن الله تعالى قد فرض علي المؤمنين طاعتهُ، ومتابعته .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [محمد: ٣٣].
وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].
الاتباع لغة: اقتفاء أثر الماشي. وفي الاصطلاح: أن يتبع المسلم ما جاء عن النبي ﷺ .
فكل ما جاء عن النبي ﷺ ألزمنا الله سبحانه باتباعه، ورتب على ذلك الأجر، وعلى مخالفته الوزر، والخسارة في الدارين.
وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
стр. 245
وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وتوعَّد سبحانه الذين يقدمون محبة آبائهم وأبنائهم وأموالهم أكثر من محبته ، وكذلك محبة رسوله، فقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤].
وعن أَبي هريرة ﵁ عَن رَسُولِ الله ﷺ أَنهُ قال: "مَن أَطَاعَنِي فَقَد أَطَاعَ اللهَ. وَمَن عَصَانِي فَقَد عَصَى الله. وَمَن أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَد أَطَاعَنِي. وَمَن عَصَى أَمِيرِي فَقَد عَصَانِي" (١).
وها هم الكفار يتمنون طاعة الرسول ﷺ من حيث لا ينفعهم التمَنِّي بعد دخولهم النار، وتقلب وجوههم فيها، وقد حكى الله عنهم ذلك.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦)﴾ [الأحزاب: ٦٦].
ومن وجبت طاعتهُ وحرمت مخالفتهُ، لزمَ التأدبُ معهُ في جميع الأحوالِ.
стр. 246
رابعًا: أن الله قد حكَّمهُ فجعلهُ إمامًا وحاكمًا:
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥].
وقال سبحانه: ﴿فَلًا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وقال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١].
والتأدبُ مع الإمامِ والحاكمِ تفرضهُ الشرائعُ وتقررهُ العقولُ ويحكمُ به المنطق السليمُ.
خامسًا: أن الله تعالى قد فرض محبة نبيه ﷺ علي المؤمنين:
قال رسول الله ﷺ : "لا يُؤمِنُ أَحَدُكم حَتَّى أكُونَ أحب إليهِ من والدهِ وَوَالده والنَّاسِ أجمعينَ" (١).
ومن وجبت محبتهُ وجبَ الأدبُ إزاءهُ ولزم التأدبُ معه، فمحبة الله سبحانه عبادة وذل وخضوع، ومحبة الرسول ﷺ حب في الله فهو تابع لمحبة الله تعالى، وعبادة له، ومن أحب نبيه لزمه الأدب معه واقتدى به، ونصره، ونشر سنته.
قال ابن قيم الجوزية ﵀: "وكل محبة وتعظيم للبشر، فإنما تجوز
стр. 247
تبعًا لمحبة الله وتعظيمه، كمحبة رسول الله ﷺ وتعظيمه؛ فإنها من تمام محبة مرسله وتعظيمه، فإن أمته يحبونه لمحبة الله له، ويعظمونه، ويجلونه، لإجلال الله له، فهي محبة لله من موجبات محبة الله، وكذلك محبة أهل العلم والإيمان، ومحبة الصحابة ﵃ وإجلالهم تابع لمحبة الله ورسوله ﷺ " (١).
وهذه المحبة محلها القلب واللسان والجوارح.
سادسًا: ما اختصَّهُ به ربه ﵎ من جمالِ الخَلقِ والخُلقِ ،
وما حباهُ بهِ من كمالِ النفسِ والذاتِ، فهو أجملُ مخلوقٍ وأكملهُ على الإطلاقِ، ومن كان هذا حالهُ كيفَ لا يجبُ التأدبُ معهُ.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقال ﵎: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾ [يس١: ٤].
وكملت في نبينا محمد ﷺ كل الفضائل من جوامع الأقوال، ومكارم الأعمال، وتمام الخلق، وحسن الخُلق.
стр. 248
سابعًا: أنه سبب هدايتنا وهداية هذه الأمة بعد الله سبحانه .
على المؤمن أن يتذكر فضل النبي ﷺ عليه بشكر الله سبحانه بأنه أرسل له نبيا حريصًا على أمته ولاقى في سبب هدايتها المشقة والأذى، وأخر دعوته شفاعة لأمته يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
ففي سبيل الدعوة إلى الله تعالى أخرج من بلده، وقتل أصحابه، وقذف في عرضه، واتهم في عقله، وتعرض للسخرية والاستهزاء والغمز واللمز، وتعرض للقتل، ووضع له السم، بل إن السنين التي قضاها من المبعث إلى حتى مماته كانت كلها آلامًا وأحزانًا لم ينعم فيها قط، نشأ يتيمًا، وعاش مسكينًا، ومات أولاده، وحَطَمَةُ الناس، فهو الرسول ﷺ ، وهو القائد والمجاهد، والقاضي، والمعلم، والإمام، والمصلح والمرشد والموجه، وكان مع ذلك في شظف من العيش، ويقوم الليل ويصوم النهار ويأسف لعدم اهتداء الناس ويحزن لذلك، ويدعو إلى الله في كل وقت حتى أتم الدين فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين من ربه، فصلوات الله وسلامه عليه.
ومن حرص النبي ﷺ وشفقته ورحمته بأمته بحجزها عن النار.
حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : "مثَلي كَمَثَلِ رَجُلٍ استَوقَدَ نَارًا. فَلَما أَضَاءَت مَا حَولَهَا جَعَلَ الفَرَاشُ وَهَذهِ الدواب التِى فِي النَّارِ يَقَعنَ فِيهَا. وَجَعَلَ يَحجُزُهُن وَيَغلِبنَهُ فَيَتقَحمنَ فِيهَا. قَالَ: فَذلِكُم مَثَلي
стр. 249
وَمَثَلُكُم. أَنا آخِذٌ بِحُجَزِكُم عَنِ النَّارِ. هَلُم عَنِ النَّارِ. هَلُم عَنِ النَّارِ. فَتَغلِبُوني تَقَحَّمُونَ فِيهَا" (١).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أَن النبِيَّ ﷺ تَلَا قَوْلَ الله فِي إِبرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦]، الآيَةَ. وقال عِيسَى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، فَرَفَعَ يَدَيهِ وقال: "اللهُم أُمتي أُمتِي" وَبَكَى. فقال الله : يَا جِبرِيلُ اذهب إِلَى مُحَمدٍ، وَرَبُّكَ أَعلَمُ، فَسَلهُ مَا يُبكِيكَ؟ فَأتَاهُ جِبرِيلُ ﵊ فَسَألَهُ. فَأخبَرَهُ رَسُولُ اللهِ بِمَا قال. وَهُوَ أَعلَمُ. فقال الله: يَا جِبرِيلُ اذهب إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُل: إِنَّا سَنُرضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ" (٢).
فالواجب على كل مؤمن ومؤمنة من الجن والإنس أن يشكروا نعمة الله عليهم ببعثة الرسول الكريم ﷺ بالإيمان به، ومحبته، وطاعته، ومتابعته، والاقتداء به، وتوقيره، وتعظيم شأنه، ووجوب النصح له، ومحبة آل بيته، ومحبة أصحابه، والصلاة والسلام عليه ﷺ (٣)، وغير ذلك مما سيأتي ذكره لاحقاً.
قلت: هذه بعضُ موجباتِ الأدبِ معهُ ﷺ ، ولكن كيفَ يكونُ الأدبُ، وبماذا يكونُ؟ هذا ما سنعرفه لاحقاً بإِذن الله تعالى.
стр. 250
من مظاهر الأدب مع الرسول ﷺ -
١ - التسليم لأمره ﷺ وطاعته فيما يأمر أو ينهى .
العاقل الموفق هو الذي يُسلم لأمر نبيه ﷺ ، ويطيعه في كل ما جاء به، وينتهي عما نهى، مع عدم التقدم بين يديه في أي حكم، فلا يقدم القوانين والتشريعات البشرية على شريعته، أو تفضيل حكم غير حكمه، أو مساواته به في كل شيء.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وقال ﷻ : ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢].
وقال ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء٧٩: ٨٠].
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ