← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 121380

موسوعة الأخلاق - الخراز

خالد الخراز

Полный текст (529 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

رابعًا: أن الله قد حكَّمهُ فجعلهُ إمامًا وحاكمًا: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]. وقال سبحانه: ﴿فَلًا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وقال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]. والتأدبُ مع الإمامِ والحاكمِ تفرضهُ الشرائعُ وتقررهُ العقولُ ويحكمُ به المنطق السليمُ. خامسًا: أن الله تعالى قد فرض محبة نبيه ﷺ علي المؤمنين: قال رسول الله ﷺ : "لا يُؤمِنُ أَحَدُكم حَتَّى أكُونَ أحب إليهِ من والدهِ وَوَالده والنَّاسِ أجمعينَ" (١). ومن وجبت محبتهُ وجبَ الأدبُ إزاءهُ ولزم التأدبُ معه، فمحبة الله سبحانه عبادة وذل وخضوع، ومحبة الرسول ﷺ حب في الله فهو تابع لمحبة الله تعالى، وعبادة له، ومن أحب نبيه لزمه الأدب معه واقتدى به، ونصره، ونشر سنته. قال ابن قيم الجوزية ﵀: "وكل محبة وتعظيم للبشر، فإنما تجوز

стр. 247

تبعًا لمحبة الله وتعظيمه، كمحبة رسول الله ﷺ وتعظيمه؛ فإنها من تمام محبة مرسله وتعظيمه، فإن أمته يحبونه لمحبة الله له، ويعظمونه، ويجلونه، لإجلال الله له، فهي محبة لله من موجبات محبة الله، وكذلك محبة أهل العلم والإيمان، ومحبة الصحابة ﵃ وإجلالهم تابع لمحبة الله ورسوله ﷺ " (١). وهذه المحبة محلها القلب واللسان والجوارح. سادسًا: ما اختصَّهُ به ربه ﵎ من جمالِ الخَلقِ والخُلقِ ، وما حباهُ بهِ من كمالِ النفسِ والذاتِ، فهو أجملُ مخلوقٍ وأكملهُ على الإطلاقِ، ومن كان هذا حالهُ كيفَ لا يجبُ التأدبُ معهُ. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال ﵎: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾ [يس١: ٤]. وكملت في نبينا محمد ﷺ كل الفضائل من جوامع الأقوال، ومكارم الأعمال، وتمام الخلق، وحسن الخُلق.

стр. 248

سابعًا: أنه سبب هدايتنا وهداية هذه الأمة بعد الله سبحانه . على المؤمن أن يتذكر فضل النبي ﷺ عليه بشكر الله سبحانه بأنه أرسل له نبيا حريصًا على أمته ولاقى في سبب هدايتها المشقة والأذى، وأخر دعوته شفاعة لأمته يوم القيامة. قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ففي سبيل الدعوة إلى الله تعالى أخرج من بلده، وقتل أصحابه، وقذف في عرضه، واتهم في عقله، وتعرض للسخرية والاستهزاء والغمز واللمز، وتعرض للقتل، ووضع له السم، بل إن السنين التي قضاها من المبعث إلى حتى مماته كانت كلها آلامًا وأحزانًا لم ينعم فيها قط، نشأ يتيمًا، وعاش مسكينًا، ومات أولاده، وحَطَمَةُ الناس، فهو الرسول ﷺ ، وهو القائد والمجاهد، والقاضي، والمعلم، والإمام، والمصلح والمرشد والموجه، وكان مع ذلك في شظف من العيش، ويقوم الليل ويصوم النهار ويأسف لعدم اهتداء الناس ويحزن لذلك، ويدعو إلى الله في كل وقت حتى أتم الدين فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين من ربه، فصلوات الله وسلامه عليه. ومن حرص النبي ﷺ وشفقته ورحمته بأمته بحجزها عن النار. حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : "مثَلي كَمَثَلِ رَجُلٍ استَوقَدَ نَارًا. فَلَما أَضَاءَت مَا حَولَهَا جَعَلَ الفَرَاشُ وَهَذهِ الدواب التِى فِي النَّارِ يَقَعنَ فِيهَا. وَجَعَلَ يَحجُزُهُن وَيَغلِبنَهُ فَيَتقَحمنَ فِيهَا. قَالَ: فَذلِكُم مَثَلي

стр. 249

وَمَثَلُكُم. أَنا آخِذٌ بِحُجَزِكُم عَنِ النَّارِ. هَلُم عَنِ النَّارِ. هَلُم عَنِ النَّارِ. فَتَغلِبُوني تَقَحَّمُونَ فِيهَا" (١). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أَن النبِيَّ ﷺ تَلَا قَوْلَ الله فِي إِبرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦]، الآيَةَ. وقال عِيسَى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، فَرَفَعَ يَدَيهِ وقال: "اللهُم أُمتي أُمتِي" وَبَكَى. فقال الله : يَا جِبرِيلُ اذهب إِلَى مُحَمدٍ، وَرَبُّكَ أَعلَمُ، فَسَلهُ مَا يُبكِيكَ؟ فَأتَاهُ جِبرِيلُ ﵊ فَسَألَهُ. فَأخبَرَهُ رَسُولُ اللهِ بِمَا قال. وَهُوَ أَعلَمُ. فقال الله: يَا جِبرِيلُ اذهب إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُل: إِنَّا سَنُرضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ" (٢). فالواجب على كل مؤمن ومؤمنة من الجن والإنس أن يشكروا نعمة الله عليهم ببعثة الرسول الكريم ﷺ بالإيمان به، ومحبته، وطاعته، ومتابعته، والاقتداء به، وتوقيره، وتعظيم شأنه، ووجوب النصح له، ومحبة آل بيته، ومحبة أصحابه، والصلاة والسلام عليه ﷺ (٣)، وغير ذلك مما سيأتي ذكره لاحقاً. قلت: هذه بعضُ موجباتِ الأدبِ معهُ ﷺ ، ولكن كيفَ يكونُ الأدبُ، وبماذا يكونُ؟ هذا ما سنعرفه لاحقاً بإِذن الله تعالى.

стр. 250

من مظاهر الأدب مع الرسول ﷺ - ١ - التسليم لأمره ﷺ وطاعته فيما يأمر أو ينهى . العاقل الموفق هو الذي يُسلم لأمر نبيه ﷺ ، ويطيعه في كل ما جاء به، وينتهي عما نهى، مع عدم التقدم بين يديه في أي حكم، فلا يقدم القوانين والتشريعات البشرية على شريعته، أو تفضيل حكم غير حكمه، أو مساواته به في كل شيء. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وقال ﷻ : ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢]. وقال ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء٧٩: ٨٠]. وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤]. وقال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ

стр. 251

ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني قد تركتُ فيكم شيئين لن تضلوا بعدهُما: كتابَ الله، وسُنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض" (١). قال الإمام ابن القيم ﵀: "رأس الأدب معه كمال التسليم له، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول، والتصديق، دون معارضة خيال باطل يسميه معقولًا، أو يحمله شبهة أو شكاً، أو يقدم عليه آراء الرجال وزبالات أذهانهم، فيوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وَحَّد المرسِل بالعبادة والخضوع والذل، والإنابة والتوكل .. ، ولقد خاطبت يوماً بعض أكابر هؤلاء، فقلت له: سألتك بالله لو قُدر أن الرسول حي بين أظهرنا، قد واجهنا بكلامه وبخطابه: أكان فرضاً علينا أن نتبعه من غير أن نعرضه على رأي غيره وكلامه ومذهبه، أم لا نتبعه حتى نعرض ما سمعناه منه على آراء الناس وعقولهم؟ فقال: بل كان الفرض المبادرة إلى الامتثال من غير التفات إلى سواه. فقلت: فما الذي نسخ هذا الفرض عنا؟ وبأيِّ شيء نُسخ؟ فوضع

стр. 252

إصبعه على فيه وبقي باهتًا متحيرًا وما نطق بكلمة" (١). وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران٣١: ٣٢]. قال الحافظ ابن كثير ﵀: "هذِه الآية حاكمة على كل نفس من ادَّعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله" (٢). قال الإمام الآجري ﵀: "ينبغي لأهل العلم والعقل إذا سمعوا قائلاً يقول: قال رسول الله ﷺ في شيء قد ثبت عند العلماء، فعارض إنسان جاهل، فقال: لا أقبل إلا ما كان في كتاب الله ، قيل له: أنت رجل سوء، وأنت ممن حذرناك النبي ﷺ ، وحذر منك العلماء. وقيل له: يا جاهل إن الله أنزل فرائضه جملة، وأمر نبيه ﷺ أن يبين للناس ما أنزل إليه. قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]. فأقام الله وعلا نبيه ﷺ مقام البيان عنه، وأمر الخلق بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وأمرهم بالانتهاء عما نهاهم عنه، وقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ

стр. 253

الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. ثم حذرهم أن يخالفوا أمر رسول الله ﷺ ، فقال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وقال ﵎: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. ثم فرضَ على الخلق طاعته ﷺ في نَيِّف وثلاثين موضعًا من كتابه . وقيل لهذا المعارض لسنن الرسول ﷺ : يا جاهل، قال الله ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. أين تجد في كتاب الله أن الفجر ركعتان، وأن الظهر أربع، وأن العصر أربع، وأن المغرب ثلاث، وأن العشاء أربع؟ وأين تجد أحكام الصلاة ومواقيتها، وما يصلحها وما يبطلها إلا من سنن النبي ﷺ ؟ ومثلها الزكاة، أين تجد في كتاب الله من مائتي درهم خمسة دراهم، ومن عشرين دينارًا نصف دينار، ومن أربعين شاة شاة، ومن خمس من الإبل شاة، ومن جميع أحكام الزكاة، أين تجدها في كتاب الله ؟ وكذلك جميع فرائض الله ، التي فرضها الله جل وعلا في كتابه، لا يُعلم الحكم فيها، إلا بسنن الرسول ﷺ . هذا قول علماء المسلمين، من قال غير هذا خرج عن ملة الإسلام، ودخل في ملة الملحدين، نعوذ بالله تعالى من الضلالة بعد الهدى" (١).

стр. 254

وقال القاضي عياض ﵀: "اعلم أن من أحب شيئًا آثره وآثرَ موافقتَهُ، وإلا لم يكن صادقًا في حبه، وكان مُدَّعيًا. فالصادق في حُب النبي ﷺ من تَظهَرُ علامةُ ذلك عليه، وأولُهَا: الاقتداءُ به، واستعمالُ سُنتِهِ، واتباعُ أقوالِهِ وأفعالِهِ، واجتنابُ نواهيهِ، والتأدبُ بآدابهِ في عُسرهِ وُيسرهِ، ومنشطهِ ومكرهِهِ، وشاهدُ هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وإيثارُ ما شرعَهُ وحضَّ عليه على هَوَى نفسِهِ، وموافقةِ شهوتِهِ، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. وإسخاطُ العِبَادِ في رضي اللهِ تعالى" (١). وقد أحسن من قال: تَعصي الإلهَ وأنتَ تزعمُ حُبهُ ... هذا لعمري في القياسِ شنيعُ لو كانَ حُبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيعُ قال القاضي عياض ﵀: "وَمُخَالفَهُ أمرِهِ وَتَبديلُ سنتهِ ضَلالٌ وَبِدعةٌ مُتَوعَّد مِنَ اللهِ عليه بالخِذلانِ والعَذَابِ" (٢). قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ

стр. 255

الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. * الصحابة والاستجابة: أ- عن أنسٍ ﵁: "كنتُ ساقيَ القومِ في منزلِ أبي طلحةَ، وكان خمرُهم يومئذٍ الفَضيخَ، فأمرَ رسولُ الله ﷺ مُنادياً ينادي: ألا إن الخمرَ قد حُرّمَت. قال: فقال لي أبو طلحةَ: اخرُج فأهرِقها، فخرجتُ فهَرَقتُها، فجَرَت في سِكَكِ المدينة (١). ب- وعنه أيضاً ﵁ قال: "ما كان لنا خمرٌ غيرُ فَضِيخكم هذا الذي تُسمونه الفضيخ، فإني لقائم أسقي أبا طلحةَ وفلانا وفلاناً إذ جاء رجل فقال: وهل بَلَغَكُم الخبرُ؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: حُرِّمَتِ الخمرُ. قالوا: أَهرِق هذهِ القِلالَ يا أنس. قال: فما سألوه عنها ولا راجَعوها بعدَ خبرِ الرَّجل (٢). ج- عن أَبِي أُسَيدٍ الأنصَارِي ﵁: أَنهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ وَهُوَ خَارجٌ مِنَ المسجِدِ، فاختَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ في الطرِيقِ، فقال رَسُولُ الله ﷺ لِلنسَاءِ: "استَأخِرنَ فإنه لَيسَ لَكُن أَن تَحقُقنَ الطرِيقَ، عَلَيكُن بِحَافاتِ الطرِيقِ"، فَكَانَتِ المَرأَةُ تَلصَقُ بالجِدَارِ حَتى أن ثَوبَهَا لَيَتَعَلق بالجِدَارِ من لُصُوقِها بِهِ" (٣).

стр. 256

د- عن البراء أنَّ النبي ﷺ صَلى قِبَلَ بَيتِ المَقدِسِ سِتةَ عَشَرَ شَهرًا، أو سَبعَةَ عَشَر شهرًا، وكان يُعجِبُهُ أن تَكونَ قِبلَتُه قِبَلَ البَيتِ، وأنه صَلى أَولَ صَلاةِ صَلاها صَلاةَ العَصرِ، وَصَلى مَعَهُ قَومٌ، فَخَرَجَ رَجُلْ مِمن صَلى مَعَهُ، فَمَر عَلَى أَهلِ مَسجِد وَهُم راكِعونَ فقال: أشهَدُ باللهِ لَقد صَليتُ معَ رسولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكة، فَدارُوا -كما هُم- قِبَل البَيتِ (١). هـ- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن عبد الله بن رواحة، أتى النبي ﷺ ذات يوم وهو يخطب، فسمعه وهو يقول: "اجلسوا"، فجلس مكانه خارجًا من المسجد حتى فرغ النبي ﷺ من خطبته، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "زادك الله حرصًا على طواعية الله تعالى وطواعية رسوله" (٢). ولله در القائل: شرطُ المحبةِ أن توافق ما تحب ... على محبته بلا عصيانِ فإذا ادعيت له المحبة مع ... خلافك ما يحبّ فأنت ذو بهتانِ * الصحابة والتطبيق العملي لسنة النبي ﷺ -: أ- عن ابن عمر ﵄ قال: كانتِ امرأة لعمرَ تشهدُ صلاةَ الصبحِ وَالعِشاء في الجماعة في المسجدِ، فقيلَ لها: لمَ تَخرُجينَ وقد تَعلَمينَ أنَّ عمرَ يَكرهُ ذلكَ ويغارُ؟ قالت: وما يمنَعُهُ أن يَنهاني؟ قال: يمنعُهُ

стр. 257

قولُ رسولِ الله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (١). ب- عن ابن عمر قال: سمعتُ عُمَرَ بن الخطابِ ﵁ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إن اللهَ ينهاكُم أن تحلفوا بآبائكم" قال عُمَرُ: فواللهِ ما حلفتُ بها مُنذُ سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ نهى عنها. ذَاكرًا ولا آثرًا (٢). ج- عن عبد الله بن كعب بن مالك عن كعبٍ أنه تَقاضى ابنَ حَدرَدٍ ديناً كان له عليه في المسجدِ فارتفعت أصواتُهما حتى سَمِعَها رسولُ اللهِ ﷺ وهو في بيته، فخرجَ إليهما حتى كشفَ سِجفَ حُجرتهِ فنادى: "يا كعبُ". قال: لبيكَ يا رسولَ اللهِ. قال: "ضع من ديِنَك هذا"، وأومأ إليه، أي الشطر. قال: فعلتُ يا رسولَ اللهِ. قال: "قُم فاضعه" (٣). د- عن أبي صالح السمان قال: رأيتُ أبا سعيدٍ الخدري ﵁ في يومِ جُمعة يُصلي إلى شيء يَسترهُ من الناسِ، فأرادَ شابٌ من بني مُعيطٍ أن يجتازَ بينَ يديهِ فدفعَ أبو سعيدٍ في صدره، فنظرَ الشابُّ فلم يَجد مساغاً إلا بينَ يديهِ، فعادَ ليجتازَ فدفعهُ أبو سعيدٍ أشدَّ من الأولى، فنالَ من أبي سعيدٍ، ثم دَخلَ على مروانَ فشكا إليهِ ما لقِىَ من أبي سعيدٍ، ودخلَ أبو سعيدٍ خلفهُ على مَروانَ، فقال: ما لكَ ولابنِ أخيكَ يا أبا سعيدٍ؟ قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "إذا صلى أحدُكم إلى شيءٍ يَستُرهُ مِنَ الناسِ فأرادَ أحدٌ أن يجتازَ بين

стр. 258

يدَيهِ فليَدفعه، فإن أبى فليُقاتِلهُ فإنما هو شيطانٌ" (١). هـ- عن ابن عمر ﵄ قال: أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "ما حَقُّ امرئٍ مُسلم، لهُ شيءٌ يُريدُ أن يُوصِيَ فيه، يبيتُ ليلتينِ، إلا وَوَصيَّتُهُ مَكتُوبةٌ عنده" (٢). وعند مسلم قال ابن عمر: مَا مَرت على ليلَة مُنذُ سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ قال ذلكَ إلا وَعِندِي وَصِيَّتي. و- عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: كُنتُ أَضربُ غُلامًا لي بالسَّوطِ، فَسَمِعتُ صوتًا من خَلفي "اعَلم أبا مسعُودٍ" فَلَم أَفهَمِ الصوتَ مِنَ الغَضَبِ. قال: فلما دنَا مِني، إذا هُوَ رَسُولُ الله ﷺ ، فإذا هو يقولُ: "اعلَم أَبا مَسعُودٍ اعلم أبا مَسعُودٍ" قال: فألقيتُ السوطَ من يَدِي فقال: "اعلم أبا مَسعُودٍ أن اللهَ أقدر عليكَ مِنكَ على هذا الغُلامِ" قال فقلتُ: لا أضرِبُ مَملُوكًا بَعدَهُ أَبدًا (٣). ٢ - عدم رفعَ الأصواتُ فوقَ صوتهِ . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢]. ومن الأدب معه ﷺ : ألا ترفع الأصوات فوق صوته، فإنهُ سبب لحبوطِ الأعمالِ، فما الظن برفع الآراء ونتائج الأفكار على سُنته وما جاء به؟ أتَرى

стр. 259

ذلك موجبًا لقبولِ الأعمالِ، ورفعُ الصوتِ فوقَ صوتهِ بل مُوجبٌ لحبوطها (١). ومن جميل ما يذكر في هذا الباب حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابتَ بن قيسٍ، فقال رجل: يا رسولَ اللهِ، أنا أعلمُ لكَ عِلمه، فأتاهُ فوجدهُ جالسًا في بيتهِ منكسًا رأسه. فقال: ما شأنُك؟ فقال: شرّ؛ كان يرفعُ صوتهُ فوقَ صوتِ النبي ﷺ فقد حبطَ عمله، وهو من أهل النار، فأتى الرجلُ فأخبرهُ أنه قال كذا وكذا، [قال الراوي: موسى بن أنس]: فرجع المرةَ الآخرةَ ببشارةٍ عظيمة، فقال: "اذهب إليه فقل له: إنك لستَ من أهل النار، ولكن من أهل الجنة" (٢). تأمل خوف الصحابي من أن يحبط عمله ومحبته لنبيه ﷺ وصدقه أورثه كرامة كبرى. قال الإمام الحافظ حَماد بن زَيد ﵁: في قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]. قال: أرى رفع الصَّوت عليه بعد موته كرفع الصَّوت عليه في حياته؛ إذا قرئ حديثه، وجب عليك أن تنصِتَ له كما تنصِتُ للقرآن يعمر" (٣). ومن الجهلة من يرفع صوته منكرًا السنة النبوية، أو الذين تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن، متمسكين بزعمهم بالقرآن فقط، ناسين أو متناسين أن

стр. 260

السنة النبوية جاءت شارحة ومفصلة ومقيدة للقرآن، كما أن السنة جاءت بأحكام جديدة كما قال رسول الله ﷺ : "ألا إني أوتيت القرآن مثله معه" (١). وكيف لهؤلاء الجهلة بالصلاة وكيفيتها، وأنصبة الزكاة، والحج وغير ذلك. وقد حذر رسول الله ﷺ من أمثال هؤلاء الجهلة؛ كما في قوله ﷺ : "لا أُلفِيَن أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" (٢). قال الخطابي ﵁: "فإنه -أي النبي- يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله ﷺ مما ليس في القرآن ذكره" (٣). ٣ - أن لا يستشكل قولهُ ﷺ -. ومن الأدب معه أن لا يستشكل قوله ﷺ ، بل تستشكلُ الآراءُ لقولهِ، ولا يُعَارَضُ نَصُّه بقياسٍ، بل تُهدرُ الأقيسةُ وتُلقى لنصوصهِ، ولا يُحرفُ كلامهُ عن حقيقتهِ لخيالِ يُسميهِ أصحابُهُ معقولًا. نعم، هوَ مجهولٌ، وعن الصوابِ معزوُلٌ، ولا يُوقفُ قبولُ ما جاءَ بهِ ﷺ على موافقةِ أحدٍ فكُلُّ هذا من قلةِ الأدبِ معهُ وهوَ عينُ الجُرأةِ (٤).

стр. 261

٤ - مناصحته ﷺ -. قال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١] ومعنى قوله: ﴿نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي إذا قدموا ما يصلح حال المسلمين من قول وعمل، وأخلصوا في ذلك في السر والعلانية. عن تميمٍ الدَّاريِّ ﵁ أن النبِيّ ﷺ قال: "الدينُ النَّصِيحَةُ" قُلنا: لِمَن؟ قال: "للهِ ولكتابِهِ ولرسُولِهِ ولأَئمةِ المسلِمِينَ وَعَامتِهِم" (١). والنصيحة لرسوله ﷺ : التصديق بنبوته وما جاء به، وأن الله أرسله إلى الإنس والجن جميعاً، ومن النصيحة لرسول الله تصديق خبره، مع الإخلاص له، وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه، وموازرته ونصرته وحمايته حيًا وميتًا، والاعتصام بسنته وإحياؤها بالطلب، والذب عن شريعته ونشرها، والحض عليها، والدعوة إلى الله وإلى كتابه وإلى رسوله، وإليها وإلى العمل بها، والتخلق بأخلاقه الكريمة وآدابه الجميلة (٢). قال النووي ﵀: "وأما النصيحةُ لرسول الله ﷺ فتصديقه علي الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حيًا وميتًا، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه، وإعظام حقه وتوقيره، وإحياء طريقته وسنته، وبث دعوته ونشر شريعته ونفي التهمة عنها، واستثارة علومها، والتفقه في معانيها والدعاء إليها، والتلطف في تعلمها وتعليمها،

стр. 262

وإعظامها وإجلالها، والتأدب عند قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته وأصحابه، ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحد من أصحابه ونحو ذلك" (١). قال القاضى عياض ﵀: "وأما نصيحةُ المسلمينَ لهُ بعد وفاتهِ فالتزامُ التَّوقيرِ والإجلالِ، وشدَّةُ المحبَّةِ له، والمثابَرَةُ على تعلمِ سنتهِ، والتفقهُ في شريعتِهِ، ومحبةُ آل بيتهِ وأصحابهِ، ومجانبَةُ من رغِبَ عن سنتهِ وانحرَفَ عنها، وبُغضُهُ والتَّحذيرُ منهُ، والشفقةُ على أُمتهِ، والبحثُ عن تَعَرفِ أخلاقِهِ وسيرهِ وآدابِهِ، والصبرُ على ذَلكَ" (٢). ٥ - توقيره ﷺ وتعظيمه وإجلال شخصه . قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح٨: ٩]. قلت: وبسط الحليمي ﵀ في بيان الفرق بين المحبة والتعظيم فقال:

стр. 263

"وهو باب في تعظيم النبي ﷺ وإجلاله وتوقيره ... ، وهذِه منزلة فوق المحبة؛ لأنه ليس كل محب معظمًا، ألا ترى أن الوالد يحب ولده فيجمع بين التكريم والتعظيم، والسيد قد يحب مماليكه ولكن لا يعظمهم، والمماليك يحبون ساداتهم ويعظمونهم، فعلمنا بذلك أن التعظيم رتبة فوق المحبة ... ، وإذا كان هذا هكذا فما بين العبد وسيده، والوالد وولده، فمعلوم أن حق رسول الله ﷺ أجل وأعظم وألزم لنا وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم والإماء على أولادهم؛ لأن الله تعالى أنقذنا من النار في الآخرة، وعصم به أرواحنا وأبداننا وأعراضنا وأموالنا وأهلنا وأولادنا في العاجلة، فهذا إثابة لما أطعناه فيه إلى جنات النعيم، فأية نعمة توازي هذِه النعمة؟ وأية منه إلى هذا الشيء؟ ثم إنه ألزمنا طاعته وتوعدنا على معصيته بالنار، ووعدنا باتباعه الجنة، فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة؟ وأي درجة؟ فحق علينا القول إذًا أن نحبه ونجله ونعظمه أكثر من إجلال كل عبد سيده، وكل ولد والده" (١). والتوقير: يعني الإجلال والإكرام، والتشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه أي النبي ﷺ تعظموه وتفخموه (٢). والمراد بالتعظيم عند الإطلاق كل ما سبق، وفي اللغة، ولفلان عظمةٌ عند الناس، أي حُرمه يُعظمُ لها (٣).

стр. 264

قلت: ومن أمثلة التوقير والتقدير والإجلال عند الصحابة الكرام ﵃ جميعًا- ما يلي: ١ - عن عمرو بن العاص ﵁ في حديث إسلامه وفيه: "وَمَا كَانَ أَحَدٌ أحبَّ إِلَيَّ من رَسُولِ الله ﷺ ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَينِي مِنهُ. وَمَا كنتُ أُطِيقُ أن أَملأَ عَينَيَّ مِنهُ إِجلالًا لَهُ. وَلَو سئلتُ أن أَصِفَهُ مَا أَطَقتُ، لأني لَم أَكُن أَملأُ عَينَيَّ مِنهُ" (١). ٢ - عن المِسوَرِ بنِ مَخرَمة ومروان بن الحكم في حديث صلح الحديبية، وفيه أن عروة بن مسعود جَعلَ يَرمُقُ أصحابَ النبَّيِّ ﷺ بعَينَيهِ، قال: فوَاللهِ ما تَنَخمَ رسولُ اللهِ ﷺ نُخامةً إِلا وَقعَت في كفِّ رجُلٍ منهم، فدَلكَ بها وَجهَهُ وجِلدَه، وإِذا أمرَهُم ابتَدَرُوا أمرَه، وإذا تَوَضأ كادُوا يَقتَتِلونَ على وَضُوئِه، وإِذا تَكلموا خَفَضوا أصواتَهم عندَه، وما يُحِدُّونَ إِليهِ النظرَ تَعظيمًا لهُ. فرجعَ عُروةُ إِلى أصحابهِ فقال: أي قَومٍ، والله لقَد وفَدتُ علي المُلوكِ، ووَفدتُ على قَيصَرَ وكِسرَى والنجاشيّ، واللهِ إِن رأيتُ مَليكًا قطُّ يُعظِّمهُ أصحابهُ ما يعظم أصحابُ محمدٍ ﷺ محمدًا، واللهِ إن يَتنَخَّمُ نُخامةً إِلا وَقَعَت في كف رجُلٍ منهم فدَلَكَ بها وَجهَه وجِلده، وإذا أمرَهم ابتَدروا أمرَه، وإذا تَوَضأ كادوا يَقتَتِلونَ على وَضوئِه، وإِذا تكلموا خَفَضوا أصواتَهم عنده، وما يُحِدونَ إليهِ النظرَ تَعظيمًا له (٢).

стр. 265

٣ - ومِن أعجب ما قرأتُ في السيرة النبوية من جمال التوقير، وحسن التقدير: قصة نزول الرسول ﷺ في دار أبي أيوب الأنصاري ﵁ عندما قدم النبي ﷺ المدينة في الهجرة، ونزل في دار أبي أيوب الأنصاري ﵁، قال أبو أيوب: لما نزل عليَّ رسول الله ﷺ في بيتي نزل في السُّفْل، وأنا وأم أيوب في العُلو، فقلتُ له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إني أكره وأعظم أن كون فوقَك، وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل. فقال: "يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن أكون في سفل البيت"، فكان رسول الله ﷺ في سفله، وكنا فوقه في المسكن، فلقد انكسر حُبٌّ لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة ما لنا لحافٌ غيرها ننشف بها الماء، تخوفاً أن يقطر على رسول الله ﷺ منه شيء فيؤذيه (١). قلت: فهل وقف العقلاء عند خوف أبي أيوب ﵁ من تلك القطرة، وتأملها حق التأمل وأنزلها على الواقع فيرى العجب، ولا تظن أيها (القارئ) أنها اختصت بقوم كانوا فبانوا، فالحديث لك، والله المستعان. ٦ - موالاةُ من يوالي ﷺ ، ومعاداةُ من يعادي، والرضا بما يرضى به . قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ

стр. 266

اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة: ٢٢]. عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سبَّ أَصحابي، فعليه لعنةُ الله والملائكةِ والنَّاسِ أجمعين" (١). ٧ - إجلال اسمه ﷺ وتوقيره عند ذكرهِ، والصلاةُ والسلامُ عليه . قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. عن الحسين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "البخيلُ من ذكرت عنده فلم يصل علي" (٢). قوله: "البخيل" أي الكامل في البخل؛ لأنه بخل على نفسه إذ حرمها صلاة الله عليه عشرًا؛ إذ هي صلاة واحدة، ومنع أن يكتال بالمكيال الأوفى، فهو كمن أبغض الجود حتى لا يجاد عليه، قال الفاكهاني: وهذا أقبح بخل، وأشنع شح، لم يبق بعده إلا الشح بكلمة الشهادة، وهو يقوى القول بوجوب الصلاة عليه" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رغم أنفُ رجلٍ ذكرتُ عنده فلم يُصلَّ عليَّ" (٤).

стр. 267

وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقولُ: "من صلى عليَّ صلاة، صلى اللهُ عليه بها عشرًا" (١). قلت: وكل من أحب شيئًا أكثر من ذكره، ولهج باسمه. والصلاة عليه تأكدت في مواطن كثيرة، كالتشهد في آخر الصلاة، وفي صلاة الجنازة، والخطب، وبعد إجابة المؤذن، وعند الدعاء، ويوم الجمعة، ودخول المسجد والخروج منه، وغير ذلك، وقد أوصلها العلامة ابن القيم في كتابه "جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام" إلى واحد وأربعين موطنًا. وللصلاةِ والسلامِ على نبينا محمد ﷺ صيغٌ كثيرةٌ، جمعها شيخنا ريحانة العصر الإمام العلامة محمد ناصر الدين الألباني ﵀ في كتابه الفذ النفيس (صفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها)، مع فوائد مهمة في الصلاة علي نبي الأمة، فانظرها غير مأمور. ****

стр. 268

من سوء الأدب مع النبي ﷺ - ومن سوء الأدب مع النبي ﷺ ذكر اسمه مجردًا، والواجب وصفه بالنبوة أو الرسالة، فلا تقولوا: قال محمد، أو جاء محمد، بل قولوا: قال رسول الله ﷺ ، في لين وتواضع. قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]. قال القاضي عياض ﵀: "فأوجب تعالى تعزيرهُ وتوقيرهُ، وألزمَ إكرامه وتعظيمهُ" (١). ومما لا يليق مع النبي ﷺ - اختصار الصلاة والسلام عليه عند الكتابة بلفظ ﷺ أو (صلعم) أو (صلم)، ولا شك أن هذا تعطيل لهذه السنة، وحرمان لأجر القارئ أو السامع، والعاقل من تطلع إلى معالي الأمور ومضاعفة الأجور وتأدب مع نبيه ﷺ بما لا يشينه. قال ابن الصلاح ﵀: "ينبغي له (أي المسلم) أن يحافظ على كتبِهِ الصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ عند ذكره، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تكراره، فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طَلَبةُ الحديث وكتَبتُه،

стр. 269

ومن أغفل ذلك حُرم حظًا عظيمًا" (١). ٨ - توقير أهل بيت النبي ﷺ ومعرفة حقوقهم . وأمَّا فضائل أهل بيت النبي ﷺ فلا تخفى على أحد، وحسبنا في ذلك. ١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]. ٣ - وقال سبحانه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. ٤ - وقال رسول الله ﷺ : "أُذكركُمُ اللهَ في أهلِ بيتي" (٢). ٥ - عن أبي حميد الساعدي ﵁ أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله ﷺ : "قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (٣). *****

стр. 270

تحريم بغض أهل البيت عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيدهِ، لا يَبغُضُنا أَهلَ البيتِ أَحدٌ إلا أَدخَلَهُ الله النارَ" (١). قلت: فالترضي عليهم والصلاة عليهم أدب رفيع مع النبي ﷺ وهو صنيع العقلاء، ففي الصلاة فرض علينا ربنا الصلاة على النبي ﷺ وعلى أهل بيته الكرام ﵃ جميعاً، فمحبتهم فرض واجب، وكان السلف إذا مرَّ بذكر أحدهم وهو يصنف كتاباً -لا سيما مع الأكابر منهم- كَتَبَ: "﵁" أو: "رضوان الله عليهم". يا أهلَ بيتِ رسولِ اللهِ حُبُّكمُ ... فرضٌ من اللهِ في القرآنِ أَنزلَهُ كفاكُموا من عَظيمِ القدرِ أنكُمُ ... مَن لم يُصَلِّ عليكم لا صلاةَ لهُ (٢) ...

стр. 271

إكرام السَّلَفِ لأهل البيت * [أبو بكر الصديق ﵁ -] فها هو خليفة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق ﵁ يثني عليهم؛ كما روى البخاري في صحيحه أن أبا بكر ﵁ قال لعلي ﵁: "والذي نفسي بيده لقرابةُ رسول الله ﷺ أَحب إليَّ أن أَصِل من قَرابتي" (١). * [عمر بن الخطاب ﵁ -] وتزوج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵁ محبةً منه لأهل البيت، وطمعًا في نسبهم الشريف. فقد خطب عمر بن الخطاب ﵁ إلى علي ﵁ أم كلثوم، فقال: أنكحنيها، فقال: إني أرصدها لابن أخي عبد الله بن جعفر، فقال عمر: أنكحنيها، فوالله ما من الناس أحد يرصد من أمرها ما أرصده، فأنكحه علي، فأتي عمر المهاجرين فقال: ألا تُهنُّوني؟ فقالوا: بمن يا أمير المؤمنين؟ فقال: أم كلثوم بنت علي وابنه فاطمة بنت رسول الله، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كُلُّ سَبَبٍ وَنسَبٍ مُنقطعٌ يومَ القيامةِ؛ إلا سببي ونسبي" (٢). قال الحافظ ابن كثير: "فحال الشيخين (أبو بكر وعمر) -رضي الله

стр. 272

عنهما- هو الواجب على كل أحد أن يكون كذلك، ولهذا كانا أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين ﵄ وعن سائر الصحابة أجمعين" (١). * [عائشة أم المؤمنين ﵂ -] عن عُروة بن الزبير قال: ذهبَ عَبدُ اللهِ بنُ الزبَيرِ ﵄ مَعَ أُنَاسٍ من بَنِي زُهرَةَ إِلَى عَائِشَةَ ﵂، وَكَانَت أَرَقَّ شَيءٍ عَلَيهِم لِقَرَابَتِهِم من رَسُولِ اللهِ ﷺ (٢). وهكذا كل الصحابة الكرام ومن اقتفى طريقهم يحبون أهل البيت، ويصلون عليهم، والشواهد في ذلك كثيرة، والآثار في حبهم وفيره". قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]: "والحق تفسير الآية بما فسرها الإمام حبرُ الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس، كما روى عنه البخاري ولا تنكر الوصاةُ بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذُرية طاهرة، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض، فخرًا وحسبًا ونسباً، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان سلفهم، كالعباس وبنيه،

стр. 273

وعلى وأهل بيته وذريته، ﵃ أجمعين (١). قال أبو الحارث -وَفقَهُ الله تعالى-: ونحن معهم نُشهِدُ اللهَ سبحانه على محبتهم والترضي عليهم وموالاتهم، ووالله ما على ظهر الأرض أهلَ بيتِ أحب إلينا منهم، فمحبتهم واجبة على كل مسلم ومسلمة وهي من أصول أهل السنة والجماعة. ولله در من قال: فلا تعدل بأهلِ البيتِ خَلقا ... فأهلُ البيتِ هم أهلُ السياده فبغضهُمُ مِنَ الأنسانِ خسرٌ ... حقيقيٌّ وحبُهُمُ عباده وقال محمد بن يوسف الشافعي: يا أهلَ بيتِ رسولِ الله حُبُّكمُ ... فَرْضُ من اللهِ في القرآنِ أَنزلَهُ كفاكُموا من عَظيمِ القدرِ أنكُمُ ... مَن لم يُصَلِّ عليكم لا صلاةَ لهُ (٢) ٩ - الترضي على أصحابه، وأهل بيته ﷺ والتأسي بهم . ومن الأدب معه ﷺ الترضي على أصحابه، وأهل بيته ﷺ ، والتأسي بهم. قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨].

стр. 274

وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩]. هذِه الآيات الكريمة تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار وتنص على ﵃. فإنهم خيرة الناس بعد الأنبياء، وصفوة خلقه، وخيرة الله لصحبة نبيه، وهم الأمناء على دين الله تعالى، فهم الذين أدو لنا القرآن والسنة، وثبتت بهم حجة الله على الخلق، وهم خير أمة أخرجت للناس، فحبهم سنة، والترضي عليهم قربة، والأخذ بآثارهم فضيلة. قال العلامة ابن قيم الجوزية ﵀: "ومحبة الصحابة ﵃ وإجلالهم تابع لمحبة الله ورسوله ﷺ " (١). قال القاضي عياض ﵀: "واعلم أن حُرمةَ النبي ﷺ بعدَ موتهِ وتوقيرهُ وتعظيمهُ لازمٌ، كما كانَ حالَ حياتهِ، وذلك عند ذكرهِ ﷺ وذكر حديثهِ وسُنتهِ وسماعِ اسمِهِ وسيرتِهِ، ومُعَاملةِ آلِهِ وعِترتهِ، وتعظيم أهلِ بيتهِ وصحابتهِ" (٢). وقال القاضي عياض ﵀: "ومن توقيرهِ ﷺ وبرهِ وبرُّ آلهِ وذُريتهِ وأُمهاتِ المؤمنين أزواجه .. ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٣).

стр. 275

أ- ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه". وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خيرُ الناسِ قرني، ثمَّ الذين يَلونهم، ثم الذين يَلونهم .. " (١). ب- قال ابن مسعود ﵁: "من كان منكم متأسيًا فليتأسَّ بأصحاب محمد ﷺ ، فإنهم كانوا أبرَّ هذِه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالاً، قومًا اختارهم الله لصحبة نبيِّه ﷺ وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" (٢). وقال ابن مسعود ﵁: "إن الله نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه" (٣). ج- قال ابن أبي العز الحنفي: "فمن أضل ممن يكون في قلبه غل على

стр. 276

خيار المؤمنين وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين؟ " (١). قال القاضي عياض ﵀: "وَمِن تَوقِيرِهِ وَبِرَّهِ ﷺ : توقيرُ أصحابهِ وَبرهُم ومعرفَةُ حَقِّهم، والاقتداءُ بهم، وَحُسنُ الثناءِ عليهم، والاستغفارُ لهم، والإمساكُ عما شَجَرَ بينهم، ومُعاداةُ من عاداهم، والإضراب عن أخبار المؤرخين، وجهلة الرواة .. القادحة في أحد منهم؛ وأن يلتمس لهم في ما نقل عنهم من مثل ذلك فيما كان بينهم من الفتن أحسن التأويلات، ويخرج لهم أصوب المخارج؛ إذ هم أهل ذلك، ولا يذكر أحد منهم بسوء، ولا يغمص عليه أمر، بل تذكر حسناتهم وفضائلهم وحميد سيرهم، وُيسكت عما وراء ذلك" (٢). تحريم بغض الصحابة ﵃ عن عبد الله بن مغفل المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ﵎ ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه" (٣). عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من

стр. 277

سبَّ أَصحابي، فعليه لعنةُ الله والملائكةِ والنَّاسِ أجمعين" (١). ١٠ - محبه ما يحب ﵊ ومن الأدب معه ﷺ محبه ما يحب ﷺ ، فقد أحب آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار، وخص بعضهم بالذكر، وأحب القرآن، وأحب مكة، والمدينة، وأحب جبل أحد. وتأمل كيف كان رسول الله ﷺ يحب أصحابه ويعلن ذلك أمام الملأ، ولكل من سأل، فعن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثهُ على جيش ذات السلاسل، فأتيتهُ فقلتُ: أيُّ الناس أحبُّ إليكَ؟ قال: "عائشه" قلتُ: من الرجال؟ قال: "أبوها". قلتُ: ثمَّ من؟ قال: "عمر". فعدَّ رجالًا (٢). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أسامة أحب الناس إليَّ" (٣). وأحب رسول الله ﷺ عليا ﵁، والحسن والحسين ﵄ وكان يصرح بذلك مرارًا، وعدَّ أن من أحب عليًّا فقد أحبه، وكذلك الحسن والحسين، ﵄. عن أم سلمة ﵂ قالت: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أحب عليًّا فقد أحبني، ومَن أحبني فقد أحب اللهَ ، ومن أبغضَ عليًّا فقد

стр. 278

أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغضَ اللهَ " (١). وقالت أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يحب عليًّا (٢). عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ومعه حسن وحسين، هذا على عاتقه، وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة، ويلثم هذا مرة، حتى انتهى إلينا، فقال له رجل: يا رسول الله إنك تحبهما. فقال: "من أحبَّهما فقد أحبَّني، ومن أبغضَهُما فقد أبغضَني". يعني الحسنَ والحسينَ ﵄" (٣). عن البراء ﵁ قال: رأيتُ رسولَ الله واضعًا الحسنَ بنَ عليٍّ على عاتقِهِ، وهو يَقُولُ: "اللهُمَّ إِني أُحِبهُ، فَأحِبَّهُ" (٤). وعن أسامة بن زيد ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان يأخُذهُ والحسنَ ويقول: "اللهُمَّ إني أُحبُّهما فأحبَّهما" (٥).

стр. 279

وعن يعلى بن مرة قال: قال رسول الله ﷺ : "حُسَين مِنِّي، وَأنا مِن حُسَينِ، أحَب اللهُ مَن أحَبَّ حُسَينًا، حُسَين سِبطٌ من الأَسَباط" (١). عن ابن مسعود قال: كان رسول الله يصلِّي والحسنُ والحسينُ يلعبانِ ويقعدانِ على ظهرهِ، فأخذَ المسلمونَ يميطونهما، فلما انصرفَ قال: "ذروهما -بأبي وأمي- من أحبني، فليحبَّ هذينِ" (٢). ومن أحب نبيه أحب ما يحب، وأحب جميع محبوباته، وأعلن حبه محبة لنبيه ﷺ . ١١ - تصديقهُ في كل ما أخبر به من أمر الدين والدنيا وشأن الغيب . ومن الأدب معه ﷺ تصديقه في كل ما أخبر به، وهذا شأن أهل الإيمان. عن عائشة ﵂ قالت: لما أُسري بالنبيِ إلى المسجدِ الأقصى، أصبحَ يتحدثُ الناسُ، فارتد ناسٌ ممن كانوا آمنوا به وصدقوهُ، وسعوا بذلك إلى أبي بكرِ ﷺ ، فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعمُ أنه أُسري به الليلةَ إلى بيت المقدسِ؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن كانَ قال ذلك لقد صدقَ، قالوا: أو تُصدقهُ أنه ذَهبَ الليلةَ إلى بيت المقدسِ وجاء قبلَ أن يُصبحَ؟ قال: نعم، إني لأصدِّقُهُ فيما هو أبعدُ من ذلك، أصدقهُ بخبر السماءِ

стр. 280

في غدوةٍ أو روحةٍ، فذلك سُميَ أبو بكرٍ الصديق" (١). وعن عمارة بن خزيمة: أن عمه حدثه -وهو من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ ابتاع فرساً من أعرابي، فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع رسول الله ﷺ المشي وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي، فيساومونه بالفرس ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه [حتى زاد بعضهم في السوم على ما ابتاعه به منه]، فنادى الأعرابي النبي ﷺ ، فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس، وإلا بعته، فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي، فقال: "أوليس قد ابتعُهُ منكَ"؟ قال الأعرابي: لا والله ما بعتُكَهُ! فقال النبي ﷺ : "بلى قد ابتعتُهُ منكَ" فطفق [الناس يلوذون بالنبي ﷺ وبالأعرابي، وهما يتراجعان] وطفق الأعرابي يقول: هَلُم شهيداً [يشهد أني قد بعتكه]، فقال خُزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: "بما تشهد؟ " قال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين (٢). وفي رواية: "ما حملك على الشهادة ولم تكن معه حاضرًا"؟ قال: صدقتك لما جئت به، وعلمت أنك لا تقول إلا حقاً، فقال رسول الله ﷺ : "من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبهُ" (٣).

стр. 281

١٢ - نصرته والدفاع عنه . قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠]. قال الشيخ السعدي: أي إلا تنصروا رسوله محمدًا ﷺ ، فالله غني عنكم، لا تضرونه شيئًا، فقد نصره في أقل ما يكون" (١). وامتدح الله سبحانه المهاجرين الذين أخرجوا من مكة إلى دار الهجرة؛ لأنهم يحبون الله ورسوله ﷺ . قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. قلت: فالواجب على كل مؤمن ومؤمنه نصر نبيه بالدفاع عنه، والرد على كل منافق وأفاك أثيم قدر الاستطاعة، ومجاهدة المتطاولين عليه، والدفاع عن سنته وما جاء به، بالمال والنفس واللسان والقلم. ومن معاني التعزيز النصرة، كما قال تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وحماية عرضه ﷺ في كونه نصرًا أبلغُ من ذلك في حق غيره؛ لأن الوقيعة في عرض غيره قد لا تضر مقصوده، بل تكتب له بها حسنات.

стр. 282

أما انتهاكُ عرض رسول الله فإنه منافٍ لدين الله بالكلية، فإن العرض متى انُتهِكَ سقط الاحترام والتعظيم، فسقط ما جاء به من الرسالة، فبطل الدينُ، فقيامُ المدحة والثناء عليه والتعظيم والتوقير له قيامُ الدين كله، وسقوط ذلك سقوطُ الدين كله، وإذا كان كذلك وجب علينا أن ننتصر له مما انتهك عرضه، والانتصار له بالقتل؛ لأن انتهاك عرضه انتهاك لدين الله" (١). ومن النصرة، التمسك بسنته، والدفاع عنها، وإحياء ما مات منها، ورفض البدع بجميع صورها، والاحتجاج بالصحيح من حديثه، ورفض المكذوب والضعيف. ومن النصرة، التخلق بأخلاقه، وشمائله، والدفاع عن أهل بيته وأصحابه. ١٣ - تحرى صحة الأحاديث ونسبتها إلى النبي ﷺ وعدم الكذب عليه، أو الزيادة على حديثه . عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "نَضَّرَ الله امرأ سمعَ منا شيئًا فبلغه كما سمعه، فربَّ مُبلَّغ أوعى من سامعٍ" (٢). وعن سمره ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حدث عني بحديثٍ يُرى أنهُ كذبٌ فهو أحدُ الكاذبِينَ" (٣).

стр. 283

وعن المغيرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ : "إنَّ كَذبًا عليَّ ليس ككذبٍ على أحدٍ، فمن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعدهُ من النار" (١). عن عثمان بن عفان ﵁ قال: ما يمنعني أن أحدث عن رسول الله أن لا أكون أوعى أصحابه عنه، ولكني أشهد لسمعته يقول: "من قال علي ما لم أَقُل؛ فليتبؤأ مقعده من النار" (٢). عن سمرة عن النبي ﷺ : "إذا حَدثتكُم حديثًا؛ فلا تَزيدنَّ علي" (٣). ومن الأدب مع النبي ﷺ عدم التساهل في رواية الأحاديث الضعيفة حتى مع اصطلاح بعض العلماء في قولهم: (رُوي) (٤) المشعر بالتضعيف؛ وذلك لعدم فهم هذا الاصطلاح الخاص عند أكثر الناس، فهو لا يكفي إلا مع بيان درجة الحديث بأنه ضعيف أو لا يصح؛ لأن ترك البيان يوهم بأنه مقبول وصحيح.

стр. 284

قال العلامة المحدث أحمد شاكر: "والذي أراهُ أن بيانَ الضعفِ في الحديث الضعيف واجبٌ في كل حالٍ؛ لأن ترك البيان يُوهم المطلع عليه أنه حديث صحيحٌ، خصوصاً إذا كان الناقلُ من عُلماءِ الحديثِ الذين يُرجَعُ إلى قولهم في ذلك، وأنه لا فرقَ بين الأحكام وبين فضائل الأعمالِ ونحوها في علم الأخذِ بالرواية الضعيفة، بل لا حُجة لأحدٍ إلا بما صح عن رسول الله ﷺ من حديثٍ صحيحٍ أو حسنٍ" (١). قلت: الكذب رذيلة، وكبيرة، ومن قلة الأدب، ويعظم الكذب إذا كان في حق الله سبحانه، أو حق رسوله ﷺ . وهذا النوع يسميه الإمام ابن تيمية ﵀ تحريف التنزيل يحرفون ألفاظ الرسول ﷺ ، ويروون الحديث بروايات منكرة (٢). ومن الأدب عند إيراد الأحاديث عن النبي ﷺ تحرى الدقة في الألفاظ عند الأداء، وعدم التهاون في ذلك، ويطيش عقل المؤمن من تساهل بعض المتحدثين عن النبي ﷺ فلا هيبة ولا توقير، يورد الكلام يغير فيه المعنى، ويصرفه عن الصواب، في تقليل وتسهيل، فمن أراد ذكر الحديث بالمعنى فعليه بيان ذلك بقوله: (أو كما قال). قال ابن الصلاح: "ينبغي لمن يروي حديثاً بالمعنى أن يتبعه بأن يقول: "أو كما قال، أو نحو هذا" وما أشبه ذلك من الألفاظ .. ، وإذا اشتبه على القارئ فيما يقرؤه لفظة فقرأها على وجه يشك فيه ثم قال: "أو كما قال"

стр. 285

فهذا حسن، وهو الصواب في مثله" (١). ذكر ابن عبد البر ﵀ في كتابه: "جامع بيان العلم وفضله" (٢) بابًا ساق فيه آثارًا عن أبي الدرداء وأنس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم: فقد ذكر عن أبي الدرداء ﵁ أنه: كان إذا حدَّث عن رسول الله ﷺ ثم فرغ منه قال: اللهم إن لم يكن هكذا فَكَشَكلِهِ. وذكر كذلك عن أنس ﵁ أنه: إذا حدث عن رسول الله ﷺ حديثاً ففرغ منه قال: أو كما قال رسول الله ﷺ . وذكر عن ابن مسعود ﵁ أنه: حدث يومًا بحديث فقال: سمعت رسول الله ﷺ . ثم أرعد وأرعدت ثيابه، وقال: أو نحو هذا، أو شبه هذا. والعاقل من إذا ساق حديثاً يعلم أنه غاب عنه بعضه، أو شرد ذهنه في إحكام لفظه، ولم يتمكن من أدائه كما ورد، أن يقول بعد إيراده: (أو كما قال رسول الله ﷺ )، وما ذاك إلا توقيرًا لرسول الله ﷺ وعدم الزيادة أو التقول عليه. قلت: ومن الأمثلة لذلك حديث أسامة عن النبي ﷺ أنه كان يأخذه والحسن ويقول: "اللهم إني أحبهما فأحبهما"، أو كما قال (٣). وحديث معاوية بن الحكم السُّلَمِيٌّ مرفوعاً قال: "إن هذه الصلاةَ لا يصلحُ فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآنِ" أو
следующие страницы →