← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 121380

موسوعة الأخلاق - الخراز

خالد الخراز

Полный текст (529 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

١٢ - نصرته والدفاع عنه . قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠]. قال الشيخ السعدي: أي إلا تنصروا رسوله محمدًا ﷺ ، فالله غني عنكم، لا تضرونه شيئًا، فقد نصره في أقل ما يكون" (١). وامتدح الله سبحانه المهاجرين الذين أخرجوا من مكة إلى دار الهجرة؛ لأنهم يحبون الله ورسوله ﷺ . قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. قلت: فالواجب على كل مؤمن ومؤمنه نصر نبيه بالدفاع عنه، والرد على كل منافق وأفاك أثيم قدر الاستطاعة، ومجاهدة المتطاولين عليه، والدفاع عن سنته وما جاء به، بالمال والنفس واللسان والقلم. ومن معاني التعزيز النصرة، كما قال تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وحماية عرضه ﷺ في كونه نصرًا أبلغُ من ذلك في حق غيره؛ لأن الوقيعة في عرض غيره قد لا تضر مقصوده، بل تكتب له بها حسنات.

стр. 282

أما انتهاكُ عرض رسول الله فإنه منافٍ لدين الله بالكلية، فإن العرض متى انُتهِكَ سقط الاحترام والتعظيم، فسقط ما جاء به من الرسالة، فبطل الدينُ، فقيامُ المدحة والثناء عليه والتعظيم والتوقير له قيامُ الدين كله، وسقوط ذلك سقوطُ الدين كله، وإذا كان كذلك وجب علينا أن ننتصر له مما انتهك عرضه، والانتصار له بالقتل؛ لأن انتهاك عرضه انتهاك لدين الله" (١). ومن النصرة، التمسك بسنته، والدفاع عنها، وإحياء ما مات منها، ورفض البدع بجميع صورها، والاحتجاج بالصحيح من حديثه، ورفض المكذوب والضعيف. ومن النصرة، التخلق بأخلاقه، وشمائله، والدفاع عن أهل بيته وأصحابه. ١٣ - تحرى صحة الأحاديث ونسبتها إلى النبي ﷺ وعدم الكذب عليه، أو الزيادة على حديثه . عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "نَضَّرَ الله امرأ سمعَ منا شيئًا فبلغه كما سمعه، فربَّ مُبلَّغ أوعى من سامعٍ" (٢). وعن سمره ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حدث عني بحديثٍ يُرى أنهُ كذبٌ فهو أحدُ الكاذبِينَ" (٣).

стр. 283

وعن المغيرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ : "إنَّ كَذبًا عليَّ ليس ككذبٍ على أحدٍ، فمن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعدهُ من النار" (١). عن عثمان بن عفان ﵁ قال: ما يمنعني أن أحدث عن رسول الله أن لا أكون أوعى أصحابه عنه، ولكني أشهد لسمعته يقول: "من قال علي ما لم أَقُل؛ فليتبؤأ مقعده من النار" (٢). عن سمرة عن النبي ﷺ : "إذا حَدثتكُم حديثًا؛ فلا تَزيدنَّ علي" (٣). ومن الأدب مع النبي ﷺ عدم التساهل في رواية الأحاديث الضعيفة حتى مع اصطلاح بعض العلماء في قولهم: (رُوي) (٤) المشعر بالتضعيف؛ وذلك لعدم فهم هذا الاصطلاح الخاص عند أكثر الناس، فهو لا يكفي إلا مع بيان درجة الحديث بأنه ضعيف أو لا يصح؛ لأن ترك البيان يوهم بأنه مقبول وصحيح.

стр. 284

قال العلامة المحدث أحمد شاكر: "والذي أراهُ أن بيانَ الضعفِ في الحديث الضعيف واجبٌ في كل حالٍ؛ لأن ترك البيان يُوهم المطلع عليه أنه حديث صحيحٌ، خصوصاً إذا كان الناقلُ من عُلماءِ الحديثِ الذين يُرجَعُ إلى قولهم في ذلك، وأنه لا فرقَ بين الأحكام وبين فضائل الأعمالِ ونحوها في علم الأخذِ بالرواية الضعيفة، بل لا حُجة لأحدٍ إلا بما صح عن رسول الله ﷺ من حديثٍ صحيحٍ أو حسنٍ" (١). قلت: الكذب رذيلة، وكبيرة، ومن قلة الأدب، ويعظم الكذب إذا كان في حق الله سبحانه، أو حق رسوله ﷺ . وهذا النوع يسميه الإمام ابن تيمية ﵀ تحريف التنزيل يحرفون ألفاظ الرسول ﷺ ، ويروون الحديث بروايات منكرة (٢). ومن الأدب عند إيراد الأحاديث عن النبي ﷺ تحرى الدقة في الألفاظ عند الأداء، وعدم التهاون في ذلك، ويطيش عقل المؤمن من تساهل بعض المتحدثين عن النبي ﷺ فلا هيبة ولا توقير، يورد الكلام يغير فيه المعنى، ويصرفه عن الصواب، في تقليل وتسهيل، فمن أراد ذكر الحديث بالمعنى فعليه بيان ذلك بقوله: (أو كما قال). قال ابن الصلاح: "ينبغي لمن يروي حديثاً بالمعنى أن يتبعه بأن يقول: "أو كما قال، أو نحو هذا" وما أشبه ذلك من الألفاظ .. ، وإذا اشتبه على القارئ فيما يقرؤه لفظة فقرأها على وجه يشك فيه ثم قال: "أو كما قال"

стр. 285

فهذا حسن، وهو الصواب في مثله" (١). ذكر ابن عبد البر ﵀ في كتابه: "جامع بيان العلم وفضله" (٢) بابًا ساق فيه آثارًا عن أبي الدرداء وأنس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم: فقد ذكر عن أبي الدرداء ﵁ أنه: كان إذا حدَّث عن رسول الله ﷺ ثم فرغ منه قال: اللهم إن لم يكن هكذا فَكَشَكلِهِ. وذكر كذلك عن أنس ﵁ أنه: إذا حدث عن رسول الله ﷺ حديثاً ففرغ منه قال: أو كما قال رسول الله ﷺ . وذكر عن ابن مسعود ﵁ أنه: حدث يومًا بحديث فقال: سمعت رسول الله ﷺ . ثم أرعد وأرعدت ثيابه، وقال: أو نحو هذا، أو شبه هذا. والعاقل من إذا ساق حديثاً يعلم أنه غاب عنه بعضه، أو شرد ذهنه في إحكام لفظه، ولم يتمكن من أدائه كما ورد، أن يقول بعد إيراده: (أو كما قال رسول الله ﷺ )، وما ذاك إلا توقيرًا لرسول الله ﷺ وعدم الزيادة أو التقول عليه. قلت: ومن الأمثلة لذلك حديث أسامة عن النبي ﷺ أنه كان يأخذه والحسن ويقول: "اللهم إني أحبهما فأحبهما"، أو كما قال (٣). وحديث معاوية بن الحكم السُّلَمِيٌّ مرفوعاً قال: "إن هذه الصلاةَ لا يصلحُ فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآنِ" أو

стр. 286

كما قال رسول الله ﷺ " (١). وليس هذا فحسب، بل كان الإمام مالك ﵀ يعظم وتعظيمه لحديث رسول الله، فكان إذا جلس للفقه جلس كيف كان، وإذا أراد الجلوس للحديث اغتسل وتطيب ولبس ثيابًا جُدُدًا، وتعمم وقعد على منصته بخشوع وخضوع ووقار، ويبخر المجلس من أوله إلى فراغه تعظيمًا للحديث (٢). قيد مهم: الأوراد والأذكار الواردة عن النبي ﷺ توقيفيه كأذكار الركوع والسجود، أو الطعام والشراب، أو دخول المسجد والخروج منه، ونحو ذلك، فلا يجوز فيها التصرف بالزيادة أو النقص، ولو بلفظ لا يفسد المعنى، لأنها توقيفيه. عن البَراءِ بنِ عازِبٍ ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إِذا أتيتَ مَضجَعَكَ فتَوَضأ وُضوءَكَ للصلاة، ثم اضطَجِع على شِقكَ الأيمَنِ، ثم قل: اللهمَّ أَسلمتُ وَجهي إِليكَ، وفَوَّضتُ أمري إِليكَ، وأَلجَأتُ ظَهرِي إِليكَ، رَغبةً ورهبةَ إِليكَ، لا مَلجَأ ولا مَنْجا منكَ إِلا إِليكَ. اللهم آمنتُ بكِتابكَ الذي أنزَلتَ، وبِنَبِيكَ الذي أَرسلتَ. فإن مُتَّ مِن لَيلَتِكَ فأنتَ على الفِطرةِ. واجعلهنَّ آخِرَ مما تتكلمُ به". قال: فردَّدتُها على النبيِّ، فلما بَلغتُ "اللهم آمنتُ بكتابِكَ الذي أنزلتَ" قلت: وَرسولِكَ. قال: "لا. وبنبيِّكَ الذي أرسلتَ" (٣).

стр. 287

وفي الحديث رد على المبتدعة الذين استبدلوا الأذكار النبوية التوقيفية كأذكار دخول المسجد والخروج منه أو الطعام والشراب، أو الركوع والسجود، وغيرها بأوراد بدعية قال شيخنا العلامة الألباني ﵀: "لفظ (الرسول) أعم من لفظة (النبي)، ومع ذلك رده النبي، مع أن البراء قاله سهوًا لم يتعمده! فأين منه أولئك المبتدعة الذين لا يتحرجون من أي زيادة في الذكر، أو نقص منه؟! فهل من معتبر؟ " (١). قلت: كما أنه لا يجوز ابتداع ذكر معين لم يأت في الكتاب والسنة، وتفضيله واضفاء الفضيلة عليه بأنه للشفاء أو تفريج الكرب، أو للبركة أو طرد الشيطان. ١٤ - الاهتداء بهديه ﷺ -. الهدي هي الطريقة والسيرة التي جاء بها النبي ﷺ ، وهي أفضل الطرق وأحسنها، وأكملها وأتمها. يقال: فلان يهدي هَديَ فلان: يفعل مثل فعله ويسير سيرته، وما أَحسن هَديَه! أي سَمتَه وسكونه. وفلان حَسنُ الهَدي والهِديةِ أى الطريقة والسيرة، وما أَحسَنَ هديَتَهُ وهَديَة أيضاً، بالفتح أي سيرته. قلت: فالهدي الطريقة التي كان يسير عليها رسول الله ﷺ في سمته وسلوكه وعبادته. عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذا خَطَبَ احمَرَّت عَينَاهُ، وَعَلَا صَوتُهُ، وَاشتَدَّ غَضَبُهُ. حَتَّى كَأنَّهُ مُنذِرُ جَيشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُم

стр. 288

وَمَسَّاكم. وَيقُولُ: "بُعِثتُ أَنا وَالساعَةُ كهَاتَينِ" وَيقرُنُ بَينَ إِصبَعَيهِ السَّبابَةِ وَالوسطَى. وَيقُولُ: "أَمَّا بَعدُ. فَإن خَيرَ الحَدِيثِ كِتَابُ الله، وَخَيرُ الهُدَى هدىَ محمد، وَشَر الأُمُورِ مُحدثاتهَا، وَكُل بِدعَةٍ ضَلَالَة .. " (١). قال الإمام النووي: "خير الهدى هدى محمد، أي أحسن الطرق طريق محمد ﷺ . يقال: فلان حسن الهدى، أي الطريقة والمذهب" (٢). عن عائشة ﵂ قَالَت: قال رَسُولُ الله ﷺ : "مَن أَحدَثَ فِي أَمرِنَا هَذَا مَا لَيسَ مِنهُ فَهُوَ رَد" (٣). قلت: وكل من اتخذ طريقة تخالف طريقته، فقد أضاع الهدى وضل الطريق، بل من الناس من يبتدع في دين الله، وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، ومنهم من يهدي بغير هدي النبي ﷺ ، ويحدث في دين الله ما هو رد، ولا شك أنهم دعاة على أبواب جهنم نعوذ بالله منهم. عن حذيفةَ بن اليمان ﵁ يقول: كان الناسُ يسألونَ رسول الله ﷺ عنِ الخير، وكنتُ أسألُهُ عنِ الشرِّ مخافةَ أن يُدركَني، فقلتُ: يا رسول الله، إنا كنا في جاهليةٍ وشرٍّ؛ فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعدَ هذا الخير من شر؟ قال: "نعم". قلتُ: وهل بعد ذلك الشرِّ من خير؟ قال: "نعم وفيه دَخَن". قلتُ: وما دَخَنُه؟ قال: "قومٌ يَهدونَ بغير هَدْيي، تَعرفُ منهم وتُنكر"، قلتُ: فهل بعدَ ذلك الخير من شرّ؟ قال: "نعم، دُعاةٌ على أبوابِ جهنمَ،

стр. 289

مَن أجابهم إليها قَذَفوهُ فيها" (١). ويدخل في ذلك الغلو والتنطع، والله سبحانه جعل لنا أسوة حسنة، هو رسولنا سيد الأولين والآخرين. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١] واتهم بعض المبتدعة الجهلة دعاة السنة بأنهم جامدون، وأنهم يمنعون الاحتفال بالمولد النبوي، وأن الحب الحقيقي في إحياء مولده، ونظم في ذلك قصيدة باهته نشرها في إحدى الصحف الكويتية، وكنت قد رددت عليه بما يلجم فاه، فكان المتلون يظهر لأهل السنة بأنه معتدل، يغش بذلك ضعاف العقيدة. بدعة الاحتفال بالمولد النبوي والرد على بعض المبتدعة الكلُّ يشهدُ أننا لا نرتدي ... ثوبًا يليقُ بجامدٍ مُتَبلدٍ ملأ المحافلَ بالضجيجِ تفاهةً ... يبغي النوالَ من الأعزِ الأرشدِ جعلَ الظلامَ دليلَهُ في بدعةٍ ... إذ سارَ يحثو من سوادٍ مُربدِ غشّ العيونَ بزعمهِ عن حبهِ ... والصدقُ ينفرُ من كذوبٍ مُفسدِ ما الحبُّ إلا نفحُ طيبٍ رجعهُ ... خطوٌ سديدٌ في الطريق الأرشدِ من يقتفي هدي النبيِّ محمدٍ ... يغدو مثالًا للمطيعِ المهتدي لكنَّ قومًا مدّعون لحبهِ ... دعوى جهولٍ مُبطلٍ مترددِ

стр. 290

يرمونَ أزواجَ النبيِّ بقولهِ ... لله نشكو من يقولُ ويعتدي من كان هذا قوله في المصطفى ... أنَّى له الدعوى ليومٍ مُسعدِ نسي الجهولُ كمالَ دين محمدٍ ... فأتى يروم تمامهَ بالمولدِ وانجر قوماً أخطئوا في سعيهم ... ساروا عناءً في الطريق الأنكدِ قد يحسنُ الأمرُ القبيحُ نكايةً ... وتضيقُ نفسٌ بالجميلِ الأجودِ يا داعيًا للعيدِ عيدانٍ لنا ... إن كنت متبعًا شريعةً أحمدِ إن كنت ترمي لهوهم عن شأنهم ... فلقد ظِفرتَ بالمرامِ الأبعدِ أو كنت تبغي للنهوضِ ببدعةٍ ... فاسلك لكيدك كلِّ دربٍ مفسدِ ١٥ - حفظ حرمة بلده المدينة النبوية ، فإنها مُهَاجَرُه، ومحل إقامته، وبلد أنصاره وفيها مسجده خير المساجد بعد المسجد الحرام، وفيها مدفنه ﷺ ، ومدفن أصحابه الكرام. عن السائب بن يزيد قال: كنتُ قائمًا في المسجد فحصبني رَجلٌ، فنظرتُ فإذا عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ فقال: اذهب فأتني بهذينِ، فجئتُهُ بهما. قال: من أنتما -أو من أين أنتما-؟ قالا: من أهلِ الطائفِ. قال: لو كنتما من أهل البلدِ لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجدِ رسولِ الله ﷺ (١). وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أخافَ أهلَ المدينة أخافَهُ اللهُ" (٢). وعن السائب بن خلاد قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم من ظلم أهل

стр. 291

المدينة، وأخافهم فأخفه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرف ولا عدل" (١). قال القاض عياض ﵀: "ومن إعظامهِ وإكباره: إعظام جميع أسبابه، وإكرامُ مشاهدهِ وأمكنتهِ من مكة والمدينة، ومعاهدهِ، وما لمسهُ ﷺ ، أو أعُرِفَ بهِ" (٢). وقال القاضي عياض ﵀: "وجدير لمواطنَ عُمَرت بالوحيِ والتنزيلِ، وتردَّدَ بها جبريلُ وميكائيلُ، وعرجت منها الملائكةَ والروحُ، وضجت عَرَصاتُها بالتَّقديسِ والتسبيحِ، واشتملت تُربَتُها على جسد سيدِ البشر، وانتشرَ عنها من دينِ اللهِ وسُنةِ رسولهِ ما انتشر، مدارسُ آيات، ومساجدُ وصلوات، ومشاهدُ الفضائلِ والخيراتِ، ومعاهِدُ البراهين والمعجزات، ومناسكُ الدينِ، ومشاعِرُ المسلمينَ، ومواقِفُ سَيِّدِ المرسلين، وَمُتَبوأُ خَاتَمِ النبِيِّينَ" (٣). * ومن الأدب مع النبي ﷺ إذا زار مسجده أن يصلى فيه، ويقول عند دخوله للمسجد: اللهم صل على محمد، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، ثم يسلم عليه عند زيارة قبره ﷺ ، وعليه أن يقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم يقول: السلام عليك يا أبا بكر، ثم يقول: السلام عليك يا عمر. * ومن الأدب مع النبي ﷺ عدم تغير اسم المدينة بغير اسمها التي سماها النبي ﷺ كما كان بعض الناس من المنافقين وغيرهم يسمونها بيثرب،

стр. 292

باسم يثرب بن قانية رجل من العمالقة نزلها أو غيره، ويقال: هو أول من نزلها بعد العرب، وبه كانت تسمى قبل الإسلام، أو من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة، أو من الثرب وهو الفساد، وكلاهما مستقبح، وكان النبي ﷺ يحب الاسم الحسن، ويكره الاسم القبيح، وأما تسميتها في القرآن بيثرب، فإنما هو حكاية عن قول المنافقين والذين في قلوبهم مرض، فاللآئق بها المدينة أو طابة أو مما كانت تسمى من الأسماء الحسنة (١). عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أُمرتُ بقريةٍ تأكل القُرى يقولون يثربَ، وهي المدينةُ تنفي الناس كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديدِ" (٢). عن أبي حُميدٍ ﵁ قال: أقبلنا معَ النبي ﷺ من تبوك حتى أشرفنا على المدينة فقال: "هذهِ طابة" (٣). وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الله تعالى سمى المدينة طابة" (٤). وطابة من الشيء الطيب، وقيل: لطيب رائحتها، وقيل: لطهارتها من الشرك، وقيل لطيب ساكنيها. قال الإمام النووي ﵀: "فيه استحباب تسميتها طابة، وليس فيه أنها لا تسمى بغيره، فقد سماها الله تعالى المدينة في مواضع من القرآن، وسماها النبي ﷺ طيبة" (٥).

стр. 293

ومن سنن زيارة المدينة الصلاة في مسجد قباء، والصلاة في الروضة النبوية الشريفة والواقعة بين بيت النبي ﷺ ومنبره (١). أخي -الودود- هذه بعض مظاهر الآداب معهُ ﷺ ، فعلى كل مسلم ومسلمة الاجتهاد في أدائها كاملةً، والمحافظة عليها تامةً، ونسأل الله سبحانه أن يوفقنا للتأدبِ مع نبينا ﷺ ، وأن يجعلنَا من أتباعه وأنصاره وشيعته، وأن يرزقنا طاعتهُ، وأن لا يحرمنَا شفاعته، وأن يحشرنا معه .. اللهم آمين. ****

стр. 294

عن ابن عباس - رضى الله - عنه قال: لمَّا بلغ أبا ذر مبعثُ النبي ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل، واسمع من قوله، ثم رجع فقال: رأيتُهُ يأمرُ بمكارم الأخلاق". [أخرجه البخاري (٣٨٦١)، ومسلم (٢٤٧٤)].

стр. 295

الباب الثالث الأدب مع الناس

стр. 296

"من أراد العلم والفقه بغير أدب، فقد اقتحم أن يكذب على الله ورسوله". [سير أعلام النبلاء ١٦/ ٤٠٠].

стр. 297

[١ - الأدب مع العلماء] أدب العالم والمتعلم * من هم العلماء ؟ العلماء: هم أئمة الدين، والفقه، وأهل الذكر العاملون بالوحيين من أهل السنة والجماعة على هدىَ وبصيرة ونور من ربهم. والعالم إنسان أكملته التربية، وعلوم الآلة الشرعية، فهو يحاول جاهداً أن ينقل صورته وعلمه، ونظام أحواله إلى غيره، ليكون خلفاً منه، ليسير من بعده على هدى من ربه. والعالم الحق من لا يظهر جلالة قدره ليحظى بالتقدير والتعظيم، وعلو الشأن، ولكن ليمنح غيره الطرق الصحيحة للوصول إلى حقيقة الإيمان والتقوى والخشية من الله سبحانه. * كيف يُعرف العالم ؟ يعرف العالم الرباني برسوخه في العلم الشرعي، وشهادة الشيوخ له بالعلم، وثناء الناس عليه، وتمكنه من دفع الفتن والشبهات، وجهاده، وخشيته، واستعلائه عن الدنيا. قال شيخ الإسلام ﵀: "ومن له في الأمة لسانُ صدقٍ عام بحيث يثنى عليه، ويحمد في جماهير أجناس الأمة، فهؤلاء هم أئمة الهدى، ومصابيح الدجى" (١).

стр. 298

* التفريق بين العالم والمفكر والواعظ: ليس كل قارئ للعلوم الشرعية يعد فقيهًا، وليس كل من ملك مكتبة كبيرة من شتى الفنون، يعتبر إمامًا، ولا كل من تخصص في العلوم الإنسانية يكون عالمًا بالشريعة والفقه، فالقراءة، والوعظ، والبلاغة شيء، والفقه والاستنباط، ومعرفة أحكام النوازل شيء آخر. فالمفكر -وربما الواعظ- لا يصدق فيهم مسمى العالم، ولا يصح أن يطلق عليهم علماء. قال الإمام الذهبي ﵀: "قوم انتموا إلى العلم في الظَّاهر، ولم يُتِقِنُوا منه سوى نزرٍ يسيرٍ، أَوهمُوا به أنهم علماء فضلاء، ولم يَدُر في أذهانهم قَطُّ أنهم يتقرَّبون به إلى الله، لأنهم ما رأوا شيخًا يُقتدى به في العلم، فصاروا همجاً رَعاعاً، غايةُ المدرِّس منهم لأن يحصل كتباً مُثَمَّنَة يَخزُنُها، وينظُر فيها يوماً ما، فيصحفَّ ما يُورده ولا يُقَرِّره، فنسأل الله النجاة والعفو" (١). وقال العلامة الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله تعالى-: "إن وجود المثقفين والخطباء المتحمسين لا يعوض الأمة عن علمائها، وهؤلاء قُراء وليسوا فقهاء، فإطلاق لفظ العلماء على هؤلاء إطلاق في غير محله، والعبرةُ بالحقائق لا بالألقاب، فكثير ممن يجيدون الكلام ويستميلُ العوام وهو غير فقيه، والذي يكشف هؤلاء أنَّه عندما تحصلُ نازلة يحتاج إلى معرفة الحكم الشرعي فيها، فإن الخطباء والمتحمسين تتقاصر أفهامهم،

стр. 299

وعند ذلك يأتي دور العلماء، فلننتبه لذلك، ونُعطي علماءنا حقهم، ونعرف قدرهم وفضلهم، ونُنزل كلًا منزلته اللائقة به" (١). وكان بعضهم يقول: "من أعظم البلية تَشَيُّخُ الصحيفة" أي: الذين تعلموا من الصحف" (٢). * صفات العالم وأحواله: قال الإمام الآجري ﵀: "لهذا العالم صفات وأحوال شتى، ومقامات لا بد له من استعمالها، فهو مستعمل في كل حال ما يجب عليه، فله صفة في طلبه للعلم كيف يطلبه، وله صفة في كثرة العلم إذا كثر عنده ما الذي يجب عليه فيه فيلزمه نفسه، وله صفة إذا جالس العلماء كيف يجالسهم، وله صفة إذا تعلم من العلماء كيف يتعلم، وله صفة كيف يعلم غيره، وله صفة إذا ناظر في العلم كيف يناظر، وله صفة إذا أفتى الناس كيف يفتي، وله صفة كيف يجالس الأمراء إذا ابتُلي بمجالستهم، ومن يستحق أن يجالسه ومن لا يستحق، وله صفة عن معاشرته لسائر الناس ممن لا علم معه، وله صفة كيف يعبد الله فيما بينه وبينه، قد أعد لكل حق يلزمه ما يقويه علي القيام به، وقد أعد لكل نازلة ما يسلم به من شرها في دينه، عالم بما يجتلب الطاعات، عالم بما يدفع به البليات، قد اعتقد الأخلاق السَنِيَّة، واعتزل الأخلاق الدنية" (٣).

стр. 300

أخلاق العالم قلت: وللعالم أخلاق وآداب يجب أن يتصف بها، وهي ما يعرف بسمت العالم وشمائله، وأخلاقه التي بنبغي أن يتصف بها، فالسمت الحسن في جميع الأحوال هو المسلك الشريف والمروءة العالية. ومنها: ١ - التواضع: التواضع لغةً: مصدر تواضع أي أظهر الضَّعةَ، وهو مأخوذ من مادة (وض ع) التي تدل على الخفض، والتوَاضُعُ: التذَلُّلُ. أما في الاصطلاح: إظهارُ التنَزُّلِ عن المرتبة لمن يُرادُ تعظيمُةُ، وقيل: هو تعظيمُ مَن فوقَهُ لفضله (١). قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ [الشعراء: ٢١٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ [الإسراء: ٣٧]. وعن أَبي هريرة ﵁ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ قال: "مَا نَقَصَت صَدَقَة من مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبداً بِعَفوٍ إِلا عِزاً، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَد لِلهِ إِلا رَفَعَهُ الله" (٢).

стр. 301

عن عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اللهَ أَوحَى إِلَيَّ أَن تَوَاضَعُوا حَتى لا يَفخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلا يَبغ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ" (١). وعن الرَّبيعِ بن أنسٍ في قول الله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨] قال: "يكونُ الغنيُّ والفقيرُ عندكَ في العلم سواء" (٢). وعن السلفِ: "حق على العالمِ أن يتواضَعَ لله في سرِّه وعلانيته، ويحترسَ من نفسه، ويقف عما أشكلَ عليه" (٣). قال الشاعر: تَوَاضَعْ تَكُن كالنجمِ لاحَ لِنَاظِرٍ ... على صَفَحَاتِ الماءِ وهو رَفيعُ ولا تكُ كالدُّخانِ يعلُو بنفسهِ ... إلى طَبَقَاتِ الجوِّ وهو وَضيعُ ومن روائع ما يكتب من التواضع في السيرة النبوية ما أخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: كانَ رسول الله ﷺ يَجلِسُ على الأرضِ، ويأكلُ على الأرضِ، ويَعتَقِلُ الشاةَ، وُيجيبُ دَعوةَ المملوكِ على خُبزِ الشَّعيرِ" (٤). قال الماوردي: "فَأما ما يجبُ أن يكُونَ عليه العلماءُ من الأخلاق التي بهم أَليقُ، ولهم أَلزمُ، فالتواضع ومُجانبةُ العُجبِ؛ لأن التواضعَ عطُوفٌ، والعُجبَ مُنفرٌ، وهو بكلِّ أَحدٍ قبيحٌ وبالعُلماءِ أَقبحُ؛ لأن النَّاسَ بهم يقتدُونَ

стр. 302

وكثيرًا ما يُداخلهم الإعجَابُ لتوحدهم بفضيلة العلم، ولو أَنهم نظرُوا حقّ النظرِ، وعملُوا بمُوجب العلم، لكَان التواضعُ بهم أَولى، ومُجانبةُ العُجبِ بهم أَحرى؛ لأن العُجب نقص يُنافي الفضل. قال بعضُ السلف: من تكبر بعلمه وترفع، وضعهُ اللهُ به، ومن تواضع بعلمه، رفعهُ به. وعلَّةُ إعجابهم انصرافُ نظرهم إلى كثرة من دُونهم من الجُهَّال، وانصرافُ نظرهم عمن فوقهم من العُلماء؛ فإنه ليس مُتناهِ في العلم إلا وسيجدُ من هو أَعلمُ منه؛ إذ العلم أكثر من أَن يُحيط به بشر؛ قال اللهُ تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ٧٦] يعني في العلم: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] قال أَهلُ التأويل: فوق كُل ذي علمٍ من هو أعلم مِنهُ، حتى ينتهيَ ذلك إلى الله تعالى. فينبغي لمن علم أَن ينظر إلى نفسه بتقصير ما قصر فيه ليسلم من عجب ما أدرك منه. وقلَّما تجد بالعلم مُعجبًا، وبما أَدرك مُفتخرًا، إلا من كان فيه مقلًا ومقَصرًا؛ لأنهُ قد يجهلُ قدره، ويحسبُ أَنه نال بالدخول فيه أَكثره، فأما من كان فيه متوجهًا، ومِنه مستكثِرًا، فهو يعلم من بعد غايته، والعجز عن إدراك نهايته، ما يَصده عن العجب به. وقد قال الشعبيّ: العلمُ ثلاثةُ أَشبارٍ فمن نال منهُ شبرًا شمخ بأنفه وظن أَنه نالهُ. ومن نال الشبرَ الثانيَ صغرت إليهِ نفسهُ وعلِمَ أَنه لم ينله، وأَما الشبر الثالثُ فهيهَات لا يناله أَحدٌ أبداَ" (١).

стр. 303

قلت: ومن فضل الله سبحانه على كثيرِ من العلماء تحليتهم بالفهم، والفقه في الدين، وشهرتهم بذلك بين الناس، حتى قيل في منثور الكلام: أنت ملك نفسك ما لم تُعرف، فإذا عُرفت أصبحتَ مِلكًا للناس. قال الآجري ﵀: "فإذا نَشَر الله له الذِّكرَ عند المؤمنين أنه من أهل العلم، واحتاج الناسُ إلى ما عنده من العلم، ألزم نفسَه التواضعَ للعالِم وغير العالم، فأما تواضعُه لمَن هو مثلُه في العلم فإنها محبة تنبت له في قلوبهم، وأحبُّوا قُربَه، وإذا غاب عنهم حَنَّت إليه قلوبهم، وأمَّا تواضعُه للعلماء فواجب عليه؛ إذ أراه العلمَ ذلك، وأما تواضعُه لمَن هو دونَه في العلم فشَرَفُ العلمِ له عند الله وعند أولي الألباب، وكان من صفته في علمه وصِدقه وحُسنِ إرادته، يريد الله بعلمه" (١). وقال الإمام الآجري ﵀: "فإذا أحبَّ مجالسةَ العلماء جالسهم بأدب، وتواضع في نفسه، وخَفَض صوتَه عند صوتهم، وساءلهم بخضوع، ويكون أكثرُ سؤاله عن علمِ ما تعبده الله به، ويخبرهم أنه فقير إلى علم ما يُسأل عنه، فإذا استفاد منهم علمًا أعلمهم أني قد أَفَدتُ خيرًا كثيرًا، ثم شكرهم على ذلك، وإن غضبوا عليه لم يَغضَب عليهم، ونظر إلى السبب الذي من أجله غضبوا عليه فرجعَ عنه واعتذر إليهم، لا يُضجرهم في السؤال، رفيق في جميع أموره، لا يناظرُهم مناظرةَ من يُريهم أني أعلمُ منكم، وإنما هِمتهُ البحثُ لطلب الفائدة منهم، مع حُسنِ التلطف لهم، لا يُجادل العلماء، ولا يُماري السفهاءَ، يُحسنُ التأني للعلماء مع توقيره لهم؛ حتى يتعلمَ ما يزداد به

стр. 304

عند الله فَهمًا في دينه" (١). ٢ - الاعتراف بالعجز: العَجزُ لغة: التعب وسلب القوة. أما في الاصطلاح: القصور عن فعل الشيءِ، وهو ضد القُدرةِ (٢). الأصل أن الإنسان فيه صفات النقص والعجز ويقوى بقوة الله سبحانه، فإذا شمخ بأنفه، وتكبر بعلمه؛ ليصرف وجوه الناس إليه فقد هلك، ومن تواضع لله رفعه. قال بعضُ العُلماء: هلك من ترك لا أدري. وقيل للخليل بن أَحمد: بم أدركت هذا العلم؟ قال: كُنت إذا لَقِيتُ عالمًا أخَذت منهُ، وأَعطيته. وقال المنصورُ لِشَريكٍ: أَنَّى لك هذا العلمُ؟ قال: لم أَرغب عن قليلٍ أَستفيدهُ، ولم أَبخل بكثيرٍ أُفيده. على أَنَّ العلم يقتضي ما بقي منه، ويستدعِي ما تَأخرَ عنهُ، وليس للراغب فيه قناعةٌ ببعضه" (٣). قلت: فالعلم الشرعي زينة العالم، وبالأخص علم الكتاب والسنة، وعلى كل عالم يريد أن يعلو كعبه، ويسمو قمره، ولا يغيب نجمه، ويبقى في عيون طلابه ومحبيه معظمًا أن لا يمل طلب العلم الشرعي، والميراث النبوي والعمل به، وليكن في ذاكرته دائمًا قول الله سبحانه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ

стр. 305

عَلِيمٌ (٧٦)﴾ [يوسف: ٧٦]. وقول الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. والافتقار إلى الله سبحانه بطلب الفهم للنصوص الشرعية، والاستعاذة من علم لا ينفع مسلك العقلاء، وملجأ النبلاء، فإن الفهم من عظائم النعم. "ولا نخالك إلا حريصًا على حبل عزتك، ومرفأ جاهك ومَنجاتك، لا نحسبك إلا تواقًا للمزيد من العلم الشرعي بمختلف فنونه وأشكاله، وراغبًا أكثر في الفقه الذي هو لبُّ حياة الناس، ومَدارُ سؤالهم، وهو الفارق بين الحلال والحرام، وعلامةُ التوفيق إحسانُه واستحضارُه؛ فروعًا وأدلةً؛ ليكون المُؤتَمون بك على هُدى وبينة، لا نحسبك إلا فوق هذا" (١). ٣ - اقتضاء العلم العمل: حلية العالم عمله بما يعلم، "وليس يغدو عالمًا من لم يكن بعلمه عاملًا"، ويقبح بالعالم مخالفة قوله فعله. قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤]. وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف٢: ٣]. قال الماوردي: "وليكن من شيمتهِ العملُ بعلمه، وحثُّ النفسِ علَى أن تَأتَمِرَ بِما يَأمُرُ بِه، ولا يَكُن مِمن قال اللهُ تعالى فيهم ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ

стр. 306

يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. فَقَد قال قَتَادةُ فِي قوله تعالى: ﴿وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف: ٦٨]: يَعنِي أَنهُ عَامِل بما عَلِمَ. وكان يُقالُ: خير من القول فاعلُهُ، وخير من الصواب قائلُهُ، وخَير من العلمِ حَامِلُهُ. وقيل في منثور الحكم: لم ينتفع بعلمه من ترك العمل بِه. وقال بعضُ العلماء: ثمرةُ العلم أَن يُعمل به، وثمرةُ العمل أَن يُؤجر عليه. وقال بعضُ الصلَحَاءِ: العلمُ يَهتفُ بالعمل، فإِن أَجابهُ أَقَامَ وإلا ارتحل" (١). ومن مُلح ما أسند الخطيب البغدادي في السماع الدال على اقتضاء العلم العمل رواية تناقلها تسعة آباء فيها حكمة بليغة أوردتها للاستئناس فقط. قال الخطيب البغدادي ﵀: أخبرنا أبو الفرج عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن عبد الله التميمي من حفظه، قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: "هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل" (عدد الآباء تسعة) (٢). ٤ - اجتناب قول ما لا يفعل: قال الماوردي: "ثُم ليتجنَّب أَن يقُول ما لا يفعلُ، وأَن يأمُر بما لا يأتَمِرُ

стр. 307

به، وأَن يُسرَّ غير ما يُظهرُ، ولا يجعلُ قول الشاعر هذا: اعمل بِقَولِي وَإِن قصرت فِي عملي ... ينفعك قَولي وَلا يَضررك تقصِيرِي عذرًا له في تَقصِيرٍ يُضمِرُهُ وَإِن لم يضُر غيرهُ، فإِن إعذار النفسِ يُغريها وُيحسنُ لها مساوئها؛ فإِن من قال ما لا يفعلُ فقد مكر، ومن أمر بما لا يأتمرُ فقد خدع، ومن أَسر غير ما يظهرُ فقد نافق. وقد رُوي عن النبِي ﷺ أَنهُ قال: "المَكرُ وَالخَدِيعَةُ فِي النَّارِ" (١). على أَن أَمرهُ بما لا يأتَمرُ مُطرح، وإِنكارهُ ما لا يُنكرُهُ من نفسه مُستقبح، بل رُبمَا كان ذلك سَبَبًا لإغراء المأمور بترك ما أُمر به عنادًا، وارتكاب ما نهى عنهُ كيادًا" اهـ (٢). ٥ - عدم البخل بالعلم: ومن سوء الخلق البخل بالعلم، والجود بالعلم أسمى من الجود بالمال؛ لأن شرف العلم أسمى من شرف المال، ومن بخل بعلمه وكتم ما عنده، فقد ظلم نفسه، وبآء بالخسران المبين. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. ومن قرأ تراجم أهل العلم وقف على كرمهم وجودهم بالعلم ما لا يسع المجال لنقله، ومن تتبع أيام شيوخنا الفضلاء كالعلامة الشيخ عبد العزيز بن باز، والعلامة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، والعلامة الفقية

стр. 308

محمد بن صالح العثيمين، وجدها كلها جود بعلمهم من الصباح حتى المنام، وفي استقبال المستفتين، ووفود العلم. وسافرت يوما مع رفيق الدرب الشيخ داود العسعوسي إلى شيخنا العلامة الألباني وعندي أسئلة على أصابع اليد، وكان جواب شيخنا الألباني فيها من بعد صلاة المغرب إلى أن دخل وقت العشاء ثم قال لي: قم أذن للصلاة!. قال العلامه ابن قيم الجوزية: "ومن الجود بالعلم: أن السائل إذا سألك عن مسألة: استقصيت له جوابها جوابًا شافيًا، لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة، كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا "نعم" أو "لا" مقتصرًا عليها. ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيميه -قدس الله روحه- في ذلك أمرأ عجبًا: كان إذا سئل عن مسألة حكمية، ذكر جوابها مذاهب الأئمة الأربعة، إذا قدر، ومأخذ الخلاف، وترجيح القول الراجح، وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته، فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم: أعظم من فرحه بمسألته، وهذه فتاويه ﵀ بين الناس، فمن أحب الوقوف عليها رأى ذلك. فمن جود الإنسان بالعلم: أنه لا يقتصر على مسألة السائل، بل يذكر له نظائرها ومتعلقاتها ومأخذها، بحيث يشفيه ويكفيه. وقد سأل الصحابة ﵃ النبي ﷺ عن المتوضئ بماء البحر؟ فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" فأجابهم عن سؤالهم، وجاد عليهم بما لعلهم في بعض الأحيان إليه أحوج مما سألوه عنه.

стр. 309

وكان خصومه -يعني شيخ الإسلام ابن تيميه- يعيبونه ويقولون: سأله السائل عن طريق مصر -مثلا- فيذكر له معها طريق مكة، والمدينة، وخراسان، والعراق، والهند، وأى حاجة بالسائل إلى ذلك؟ ولعمر الله ليس ذلك بعيب، وإنما العيب: الجهل والكبر" (١). قلت: والبخل، وأيُ داءٍ أدوءُ من البخل، فمن جاد بعلمه نال ثلاث فضائل: الأولى: الثواب. والثانية: أتقان الحفظ، زيادة العلم. والثالثة: نقل صورته ونظام علمه ليكون خلفا منه. وقال بعضُ الحكماءِ: خَيرُ العلماءِ من لا يُقِل ولا يُمِل. وقال بعضُ العلماءِ: كُل علمٍ كثُر على المُستمعِ ولم يُطَاوِعهُ الفهمُ ازداد القلبُ به عَمًى. وإِنمَا ينفعُ سمعُ الآذَانِ، إذا قَويَ فَهمُ القُلُوبِ فِي الأبدَانِ. ٦ - نزاهة النفس: النزاهة لغة: التباعد (٢). أما في الاصطلاح: اكتِسَابُ المَالِ من غَيرِ مَهَانَةٍ ولا ظُلمٍ، وَإِنفَاقُهُ فِي المَصَارِفِ الحَمِيدَةِ (٣). ومن القوادح إهانة النفس توصلًا للأغراض الدنية، فالترفع عما في

стр. 310

أيدي الناس نزاهة محمودة، فالصيانةِ العنايةُ بالنفسِ، من أن تشوبها شوائب القدح وخوارم المروءة، أو تتلوث بالعثرات، أو تتسامح بالزلات، فالريبة مذمة، فالاتكاءِ على فضيلة العلم لا يكفي، والاعتماد على ثقة الناس لا يفي. قال ابن جماعة ﵀: "أن يُنزَّه علمه عن جعله سُلمًا يتوصل به إلى الأغراض الدنيوية؛ من جاهٍ، أو مالٍ، أو سمعةٍ، أو شُهرةٍ، أو خدمة، أو تقدم على أقرانه .. ، وكذلك يُنزهُه عن الطمع في رفقٍ من طلبته بمالٍ أو خدمة، أو غيرهما بسببٍ انشغالهم عليه وتردُّدهم إليه" (١). وقال الماوردي ﵀: "ومن آدابهم: نزاهةُ النفسِ عن شُبه المكاسب، والقناعةُ بالميسور عن كدِّ المطالب؛ فإن شُبهة المكسب إثم، وكد الطلب ذُل، والأجرُ أَجدرُ به من الإثم، والعزُّ أَليقُ به من الذُّل" (٢). قال الماوردي ﵀: "ولعمرِي إن صِيانةَ النفسِ أَصلُ الفضائل؛ لأَنَّ من أَهمل صِيانة نَفسهِ ثقةً بما منحهُ العلمُ من فضيلتهِ، وتوكلًا على ما يلزمُ الناسَ من صيانتهِ، سلبوهُ فضيلةَ علمه، ووسموهُ بقبيحِ تبذُّله، فلم يفِ ما أَعطَاهُ العلمُ بما سلبهُ التبَذْلُ؛ لأَن القبيحَ أَتم من الجميل، والرذيلةُ أَشهرُ من الفَضيلةِ؛ لأَن النَّاس لما في طبائعهم من البغضةِ والحسدِ ونزاع المُنافسةِ تنصرفُ عُيُونُهم عن المحاسن إلى المساوئ، فلا ينصفُون مُحسِنًا، ولا

стр. 311

يُحابون مسيئًا، لا سيمَا من كان بالعلم موسومًا وإِليه منسوبًا؛ فإن زلتَهُ لا تُقالُ وهفوتهُ لا تُعذرُ؛ إما لقبح أثرها اغترار كثيرِ من النَّاسِ بها. وقد قيل فِي منثور الحكم: إن زلة العالم كالسفينة تغرقُ ويغرقُ معها خلق كثير، فهذا وجه. وإِمَّا لأَن الجُهال بذمه أَغرى، وعلى تنقُّصه أَحرى؛ ليسلُبوهُ فضيلةَ التقدم، ويمنعوهُ مُباينة التخصيصِ؛ عنادًا لما جهلُوهُ، ومقتًا لما باينوهُ؛ لأَن الجاهل يرى العلم تكَلفًا ولومًا، كما أَنَّ العالم يرَى الجهلَ تخلفًا وذمًا" (١). ٧ - الزهد في الدنيا: الزهد لغة: في "المصباح المنير" (٩٨) زهِدَ في الشيء وزهد عنه أيضاً زُهدًا وزَهَادة بمعنى تركه وأعرض عنه فهو زاهد، والجمع زهاد. أما في الاصطلاح: انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه (٢). وفي الحديث عن سهل بن سعد مرفوعاً: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس" (٣). قال شيخ الإسلام: الزهد ترك مالاً ينفع في الآخرة (٤). وقال الإمام أحمد بن حنبل: الزهد على ثلاثة أوجه: الأول: ترك الحرام، وهو زهد العوام، والثاني: ترك الفضول من الحلال، وهو زهد الخواص، والثالث: ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين (٥).

стр. 312

قال ابن جَماعة الكناني: "أن يتخلق بالزهدِ في الدنيا والتقلُّل منها بقَدرِ الإمكان الذي لا يضرُّ بنفسه أو بعياله؛ فإن ما يحتاج إليه لذلك على الوجه المعتدل من القناعةِ ليس يعد من الدنيا، وأقل درجاتِ العالم أن يستقذرَ التعلقَ بالدنيا؛ لأنهُ أعلمُ الناس بخستها وفتنتها وسرعة زوالها وكثرة تعبها ونصبها؛ فهو أحسن بعدم الالتفات إليها والاشتغال بهمومها" (١). والخلاصة أن الزهد لا يعني رفض الدنيا والتجافي عنها بالكلية من طيب الطعام، أو الزواج، أو المال، "وليس المراد رفضها من الملك فقد كان سليمان وداود ﵉ من أزهد أهل زمانهما، ولهما من المال والملك والنساء مالهما، وكان نبينا من أزهد البشر على الإطلاق وله تسع نسوة، وكان علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وعثمان ﵃ من الزهاد مع ما كان لهم من الأموال .. ، ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن، أو غيره: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة -إذا أصبت بها- أرغب منك فيها لو لم تصبك فهذا من أجمع كلام في الزهد وأحسنه" (٢). ٨ - الإخلاص في التعليم والنصح: الإخلاص لغة: تنقية الشيء وتهذيبة (٣).

стр. 313

أما في الاصطلاح: "التبري عن كل ما دون الله تعالى" (١). قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال رَسُول اللهِ ﷺ : "إِن أَولَ النَّاسِ يُقضَى يَومَ القِيَامَةِ عَلَيهِ رَجُلٌ اشتُشهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فعرفه نِعَمَهُ فعرفها. قال: فما عَمِلتَ فِيهَا؟ قال: قَاتَلتُ فِيكَ حتَّى اشتُشهِدتُ. قَالَ: كذبت، وَلَكِنكَ قَاَتلتَ لِأَن يُقَالَ جَرِيءٌ. فقد قِيلَ. ثم أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حتى أُلقِي فِي النَّارِ، ورَجُل تَعَلمَ العِلمَ وَعَلمَهُ وَقرَأَ القُرآنَ. فَأُتِيَ بهِ فَعَرفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفهَا. قال: فَمَا عَمِلتَ فيهَا؟ قال: تعَلمتُ العِلمَ وَعَلَّمتُهُ وَقرَأتُ فِيكَ القُرآنَ. قال: كذبت، وَلَكِنكَ تَعَلمتَ العِلمَ لِيُقَالَ عَالِم. وَقَرَأتَ القُرآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارئٌ. فقد قيلَ. ثم أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حتى أُلقِيَ فِي النارِ" (٢). قال سفيان الثوري: "ما عالجتُ شيئًا أشد عليَّ من نيتي" (٣). وصح عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال: وَدِدتُ أن الناسَ انتفعوا بهذا العلمِ وما نُسِبَ إليَّ منه شَيء. وقال المحدث سفيانُ بن عيينةَ ﵀ كنتُ قد أوتيتُ فَهمَ القرآنِ، فلما قبلتُ الصُّرةَ من أبي جعفرٍ (أي المنصور) سُلِبتُهُ، نسألُ الله المسامَحَةَ (٤).

стр. 314

وبلغ الإمام أحمد أن الناس يدعون له، فقال: "أسال الله أن لا يجعلنا مرائين" (١). قال ابن قيم الجوزية: "أي لا يمازج عمله ما يشوبه من شوائب إرادات النفس: إما طلب التزين في قلوب الخلق، وإما طلب مدحهم، والهرب من ذمهم، أو طلب تعظيمهم، أو طلب أموالهم، أو خدمتهم ومحبتهم وقضائهم حوائجه، أو غير ذلك من العلل والشوائب التي عَقدُ متفرقاتها: هو إرادة ما سوى الله بعمله كائناً ما كان" (٢). قلت: فالواجب علي كل معلم، أن يقصد بتعليمه وجه الله سبحانه، مخلصاً لله في تعلمه وتعليمه ونصحه، لا يبتغي بذلك جاهاً، ولا مالًا، ولا منصبا. "فلا إله إلا الله، كم في النفوس من علل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة، وأن تصل إليه، وإن العبد ليعمل العمل حيث لا يراه بشر ألبته، وهو غير خالص لله، ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه نطاقاً، وهو خالص لوجه الله، ولا يميز هذا إلا أهل البصائر وأطباء القلوب العالمون بأدوائها وعللها" (٣). فالنية هي أصل كل عمل، ولا يقبل عمل ما لم يكن خالصاً لله تعالى، فمن أحب الثناء والمدح، والشهوة الخفية، والطمع والشهرة، فقد ارتقى

стр. 315

ليهوى في حفر الرياء. قال بعضُ السَّلَفِ: قُل للمرائي لا تَتعَب!! ولهذا قال العلامة ابن قيم الجوزية ﵀: "لا يجتمعُ الإخلاصُ في القلبِ ومحبةُ المدحِ والثناءِ والطمعُ فيما عِندَ الناس، إلا كما يجتمعُ الماءُ والنارُ، والضب والحوتُ، فإذا حدثتكَ نفسُكَ بطلب الإخلاصِ فأقبِل على الطمع أولًا فاذبحهُ بسِكين اليأسِ، وأقبِل على المدح والثناء، فازهَدْ فيهما زُهدَ عُشاقِ الدنيَا في الآخرة، فإذا استقامَ لك ذَبحُ الطمع والزهدُ في الثناءِ والمدح سَهُلَ عليك الأخلاصُ. فإن قلت: وما الذي يسهلُ على ذَبحَ الطَّمعِ، والزهدَ في الثناءِ والمدح؟ قلتُ: أما ذَبحُ الطمع فيُسَهِّلُه عليك عِلمُكَ يقينًا أنه ليس من شيءٍ يُطمَعُ فيه إلا وبيد الله وحدَه خزائنُه لا يملكُهَا غيرُه، ولا يُؤتي العبدَ منها شيئًا سواه، فاطلبه من الله، وأما الزهدُ في الثناء والمدح، فيسهلُه عليكَ علمك أئه ليس أحدٌ ينفعُ مدحُه ويزينُ، ويضرُّ ذمُّه وَيشِينُ، إلا الله وحدَه، كما قال ذلك الأعرابي للنبيِّ ﷺ : إنَّ حَمدِي زَينٌ، وإنَّ ذَمِّي شَينٌ. فقال ﷺ : "ذاكَ اللهُ " (١). فازهد في مدح من لا يَزِينُكَ مَدحُه، وفي ذمِّ من لا يَشنيُك ذمُّه، وارغَب في مدحِ من كل الزين في مدحهِ، وكلُّ الشَّينِ في ذمَّه، ولن يُقدَرَ على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمتى فقدتَ الصبرَ واليقينَ كنتَ كمن أرادَ السفَر في

стр. 316

البحر في غَيرِ مركبٍ" (١). ٩ - الرفق بالمتعلمين: الرفق في اللغة: لين الجانب ولطافة الفعل، وهو ضد العنف (٢). أما في الاصطلاح: حُسنُ الانقياد لما يؤدي إلى الجميل (٣). قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. عن عائشة ﵂ قالت: قال رَسُولَ اللهِ ﷺ : "يا عَائِشَةُ إِن اللهَ رَفيقٌ يُحِب الرفقَ، وَيعطِي عَلَى الرفقِ مَا لا يُعطى عَلَى العُنفِ، وَمَا لا يُعطِي عَلَى مَا سِوَاهُ" (٤). وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "من حُرِمَ الرفقَ حُرِمَ الخَيرَ، أَو مَن يُحرَم الرفقَ يُحرَم الخَيرَ" (٥). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِن الرفقَ لا يَكُونُ فِي شَيءٍ إِلا زَانَهُ وَلَا يُنزَعُ من شيء إِلا شَانَه" (٦). والواجب على من يقوم بدور المعلم أن يرعى جانب الرفق، فإنه من أجمل صفات المربي، وعليه أن يتحبب إلى طلابه، فلا يعنف متعلماً، ولا

стр. 317

يحقر مبتدئاً. والعنف من العالم، أو المعلم ربما أفضى بالمتعلم إلى هجر مجالس العالم بسبب القسوة، أو استصغاره للمتعلم؛ لهذا "عليه أن يحذر كل الحذر من إظهار الضيق والتبرم لأحدٍ من طلبته، فقد يحدث أن يبدر من بعض الطلبة، أو من أحد منهم سوء أدب في حق الشيخ، أو تخطئة له في مسألة ما، فيجد الشيخ عليه في نفسه ولا يغفرها له، وتكون معاملته لذلك الطالب فيها نوع جفاء، وهذا فيه محاذير شرعية كثيرة، منها أن ذلك الجفاء قد ينعكس أثره على الطالب، فيحدث له ما لا تحمد عقباه، من هجر للعلم وحلقاته، بل قد يتعدى الأمر إلى هجر الخير وأهله. وعلى هذا، فليجتهد في إصلاح خلل تلميذه بما يراه مناسباً من الطرق والأساليب [التربوية]، قاصداً الإصلاح ما استطاع، وسيجعل الله بعد عسر يسراً" (١). فالواجب على العقلاء معاملة الطلاب بالسهولة واللين، واللطف في القول والعمل، وإن أراد تأديبه فالرفق ما كان في شيءٍ إلا زانه (٢). ١٠ - طيب الخلق مع مجالسيه: قال الإمام الآجري ﵀: "وإن كان له مجلس قد عُرف بالعلم ألزم نفسَه حُسنَ المداراةِ لمَن جالسه، والرفق بمن ساءَلَه، واستعمالَ الأخلاق

стр. 318

الجميلة، ويتجافى عن الأخلاق الدنيَّة، فأما أخلاقُه مع مجالسيه، فصبورٌ على من كان ذهنُه بطيئًا عن الفهم حتى يفهَم عنه، صبور على جفاء من جَهِل عليه حتى يردَّه بحلم، يؤدِّب جلساءه بأحسن ما يكون من الأدب، لا يَدَعُهم يخوضون فيما لا يعنيهم، ويأمرهم بالإنصات مع الاستماع إلى ما يَتطق به من العلم، فإن تَخَطَّى أحدهم إلى خُلقٍ لا يحسن بأهل العلم لم يَجبَهه في وجهه على جهة التبكيت له، ولكن يقول: لا يَحسُنُ بأهل العلم والأدب كذا وكذا، وينبغي لأهل العلم أن يتجافوا عن كذا وكذا، فيكون الفاعل لخُلُقٍ لا يَحسُن قد علم أنه المراد بهذا فيبادر برفقه به، وإن سأله منهم سائل عما لا يعنيه رده عنه، وأمره أن يسأل عمَّا يعنيه، فإذا علم أنهم فقراء إلى عِلم قد غفلوا عنه أبداه إليهم، وأعلمهم شِدَّةَ فَقرِهم إليه، لا يُعَنَّفُ السائل بالتوبيخ القبيح فيخجله، ولا يزجره فيضيع من قدره، ولكن يبسطه في المسألة ليجبُرَه فيها، قد علم بُغيته عمَّا يعنيه، ويحثه على طلب علم الواجبات من علم أداء فرائضه واجتناب محارمه، يُقبلُ على مَن يعلم أنه محتاج إلى علم ما يسأل عنه، ويترك من يعلم أنه يريد الجدل والمراء، يُقرِّبُ عليهم ما يخافون بُعدَه بالحكمة والموعظة الحسنة، يسكت عن الجاهل حِلمًا، وينشُر الحكمة نصحًا، فهذه أخلاقُه لأهل مجلسه وما شاكل هذه الأخلاق. وأمَّا ما يستعمل مع ما يسأله عن العلم والفتيا، فإنَّ من صفته إذا سأله سائل عن مسألة، فإن كان عنده علمٌ أجاب، وجعل أصله أن الجواب من كتابٍ، أو سنةٍ، أو إجماع، فإذا أوردت عليه مسألةٌ قد اختلف فيها أهلُ العلم اجتهد فيها، فما كان أشبهَ بالكتاب والسنة والإجماع، ولم يخرج به

стр. 319

من قول الصحابة وقول الفقهاء بعدهم، قال به إذا كان موافقًا لقول بعض الصحابة وقول بعض أئمة المسلمين قال به، وإن كان قد رآه مما يخالف به قول الصحابة وقول فقهاء المسلمين حتى يخرج عن قولهم، لم يَقُل به، واتَّهم رأيه، ووجبَ عليه أن يسأل من هو أعلم منه أو مثلُه، حتى ينكشف له الحقُّ، ويسأل مولاه أن يوفقه لإصابة الخير والحق، وإذا سُئل عن علم لا يعلمه لم يستح أن يقول: لا أعلم، وإذا سئل عن مسألةٍ فعلم أنها من مسائل الشَّغَبِ ومما يورث بين المسلمين الفتنة، استعفى منها، وردّ السائل إلى ما هو أَولى به على أرفق ما يكون، وإن أفتى بمسألة فعلم أنه أخطأ، لم يستنكف أن يرجع عنها.، وإن سُئل عن مسألةٍ اشتبه القولُ عليه فيها قال: سَلُوا غيري، ولم يتكلف ما لا يتقرر عليه، يحذر من المسائل المحدثات في البدع، لا يُصغي إلى أهلها بسَمعه، ولا يَرضى بمجالسة أهل البدع ولا يُماريهم. أصلُه الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة ومن بعدهم من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين، يأمر بالاتباع وينهى عن الابتداع، ولا يُجادل العلماءَ، ولا يُماري السفهاء" (١). ١١ - أدبه مع السلطان أو الأمير: من النقول السديدة عن الماوردي تلك التوجيهات والآداب التي ينبغي أن يتخلق بها العالم، إذا وجد رغبة في العلم لفضيلة نفسه وكرم طبعة هذه التوجيهات التالية:

стр. 320

١ - لا يجعلُ ذلكَ ذرِيعةً في الانبساط عندهُ، والإدلالِ عليه، بل يُعطَى ما يَستحقُّهُ بسُلطَانه وعُلُوِّ يده؛ فإِن للسلطان حَقَّ الطاعةِ والإعظامِ، وللعالمِ حقَّ القبُول والإكرام. ٢ - لا يَنبَغِي أَن يبتدئهُ إلا بعد الاستدعاء، ولا يزيدهُ على قدر الاكتفاءِ, فرُبما أَحبَّ بعضُ العُلماء إظهار علمه للسُّلطان فأكَثرهُ، فصار ذلك ذريعةً إلى مللٍ، ومُفضِيًا إلى بُعده، فإِن السلطان مُتَقَسّمُ الأفكار، مُستوعبُ الزمان، فليس لهُ في العلم فراغ المُنقطعينَ إليهِ ولا صبر المنفردين به. ٣ - وليخرج تعليمُهُ مخرج المُذاكرة والمُحاضرة لا مخرج التَّعليم والإفادة؛ لأنَّ لتأخير التعلُّمِ خجلة تقصيرٍ يُجل السلطانُ عنها، فإِن ظهر منهُ خطأٌ أَو زللٌ في قولٍ أَو عملٍ، لم يُجاهرهُ بالردّ، وعرض باستدراك زلَلهِ، وإصلاح خلله. ٤ - ثمَّ ليحذر اتِّباعهُ فيما يُجانبُ الدين ويُضاد الحق مُوافقةً لرأيه ومُتابعةً لهواهُ، فرُبما زلّت أَقدامُ العُلماء في ذلك رغبةً أَو رهبةً فضلوا وأَضلوا، مع سُوء العاقبة وقُبحِ الآثار (١). ...
следующие страницы →