البحر في غَيرِ مركبٍ" (١).
٩ - الرفق بالمتعلمين:
الرفق في اللغة: لين الجانب ولطافة الفعل، وهو ضد العنف (٢).
أما في الاصطلاح: حُسنُ الانقياد لما يؤدي إلى الجميل (٣).
قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
عن عائشة ﵂ قالت: قال رَسُولَ اللهِ ﷺ : "يا عَائِشَةُ إِن اللهَ رَفيقٌ يُحِب الرفقَ، وَيعطِي عَلَى الرفقِ مَا لا يُعطى عَلَى العُنفِ، وَمَا لا يُعطِي عَلَى مَا سِوَاهُ" (٤).
وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "من حُرِمَ الرفقَ حُرِمَ الخَيرَ، أَو مَن يُحرَم الرفقَ يُحرَم الخَيرَ" (٥).
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِن الرفقَ لا يَكُونُ فِي شَيءٍ إِلا زَانَهُ وَلَا يُنزَعُ من شيء إِلا شَانَه" (٦).
والواجب على من يقوم بدور المعلم أن يرعى جانب الرفق، فإنه من أجمل صفات المربي، وعليه أن يتحبب إلى طلابه، فلا يعنف متعلماً، ولا
стр. 317
يحقر مبتدئاً.
والعنف من العالم، أو المعلم ربما أفضى بالمتعلم إلى هجر مجالس العالم بسبب القسوة، أو استصغاره للمتعلم؛ لهذا "عليه أن يحذر كل الحذر من إظهار الضيق والتبرم لأحدٍ من طلبته، فقد يحدث أن يبدر من بعض الطلبة، أو من أحد منهم سوء أدب في حق الشيخ، أو تخطئة له في مسألة ما، فيجد الشيخ عليه في نفسه ولا يغفرها له، وتكون معاملته لذلك الطالب فيها نوع جفاء، وهذا فيه محاذير شرعية كثيرة، منها أن ذلك الجفاء قد ينعكس أثره على الطالب، فيحدث له ما لا تحمد عقباه، من هجر للعلم وحلقاته، بل قد يتعدى الأمر إلى هجر الخير وأهله.
وعلى هذا، فليجتهد في إصلاح خلل تلميذه بما يراه مناسباً من الطرق والأساليب [التربوية]، قاصداً الإصلاح ما استطاع، وسيجعل الله بعد عسر يسراً" (١).
فالواجب على العقلاء معاملة الطلاب بالسهولة واللين، واللطف في القول والعمل، وإن أراد تأديبه فالرفق ما كان في شيءٍ إلا زانه (٢).
١٠ - طيب الخلق مع مجالسيه:
قال الإمام الآجري ﵀: "وإن كان له مجلس قد عُرف بالعلم ألزم نفسَه حُسنَ المداراةِ لمَن جالسه، والرفق بمن ساءَلَه، واستعمالَ الأخلاق
стр. 318
الجميلة، ويتجافى عن الأخلاق الدنيَّة، فأما أخلاقُه مع مجالسيه، فصبورٌ على من كان ذهنُه بطيئًا عن الفهم حتى يفهَم عنه، صبور على جفاء من جَهِل عليه حتى يردَّه بحلم، يؤدِّب جلساءه بأحسن ما يكون من الأدب، لا يَدَعُهم يخوضون فيما لا يعنيهم، ويأمرهم بالإنصات مع الاستماع إلى ما يَتطق به من العلم، فإن تَخَطَّى أحدهم إلى خُلقٍ لا يحسن بأهل العلم لم يَجبَهه في وجهه على جهة التبكيت له، ولكن يقول: لا يَحسُنُ بأهل العلم والأدب كذا وكذا، وينبغي لأهل العلم أن يتجافوا عن كذا وكذا، فيكون الفاعل لخُلُقٍ لا يَحسُن قد علم أنه المراد بهذا فيبادر برفقه به، وإن سأله منهم سائل عما لا يعنيه رده عنه، وأمره أن يسأل عمَّا يعنيه، فإذا علم أنهم فقراء إلى عِلم قد غفلوا عنه أبداه إليهم، وأعلمهم شِدَّةَ فَقرِهم إليه، لا يُعَنَّفُ السائل بالتوبيخ القبيح فيخجله، ولا يزجره فيضيع من قدره، ولكن يبسطه في المسألة ليجبُرَه فيها، قد علم بُغيته عمَّا يعنيه، ويحثه على طلب علم الواجبات من علم أداء فرائضه واجتناب محارمه، يُقبلُ على مَن يعلم أنه محتاج إلى علم ما يسأل عنه، ويترك من يعلم أنه يريد الجدل والمراء، يُقرِّبُ عليهم ما يخافون بُعدَه بالحكمة والموعظة الحسنة، يسكت عن الجاهل حِلمًا، وينشُر الحكمة نصحًا، فهذه أخلاقُه لأهل مجلسه وما شاكل هذه الأخلاق.
وأمَّا ما يستعمل مع ما يسأله عن العلم والفتيا، فإنَّ من صفته إذا سأله سائل عن مسألة، فإن كان عنده علمٌ أجاب، وجعل أصله أن الجواب من كتابٍ، أو سنةٍ، أو إجماع، فإذا أوردت عليه مسألةٌ قد اختلف فيها أهلُ العلم اجتهد فيها، فما كان أشبهَ بالكتاب والسنة والإجماع، ولم يخرج به
стр. 319
من قول الصحابة وقول الفقهاء بعدهم، قال به إذا كان موافقًا لقول بعض الصحابة وقول بعض أئمة المسلمين قال به، وإن كان قد رآه مما يخالف به قول الصحابة وقول فقهاء المسلمين حتى يخرج عن قولهم، لم يَقُل به، واتَّهم رأيه، ووجبَ عليه أن يسأل من هو أعلم منه أو مثلُه، حتى ينكشف له الحقُّ، ويسأل مولاه أن يوفقه لإصابة الخير والحق، وإذا سُئل عن علم لا يعلمه لم يستح أن يقول: لا أعلم، وإذا سئل عن مسألةٍ فعلم أنها من مسائل الشَّغَبِ ومما يورث بين المسلمين الفتنة، استعفى منها، وردّ السائل إلى ما هو أَولى به على أرفق ما يكون، وإن أفتى بمسألة فعلم أنه أخطأ، لم يستنكف أن يرجع عنها.، وإن سُئل عن مسألةٍ اشتبه القولُ عليه فيها قال: سَلُوا غيري، ولم يتكلف ما لا يتقرر عليه، يحذر من المسائل المحدثات في البدع، لا يُصغي إلى أهلها بسَمعه، ولا يَرضى بمجالسة أهل البدع ولا يُماريهم.
أصلُه الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة ومن بعدهم من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين، يأمر بالاتباع وينهى عن الابتداع، ولا يُجادل العلماءَ، ولا يُماري السفهاء" (١).
١١ - أدبه مع السلطان أو الأمير:
من النقول السديدة عن الماوردي تلك التوجيهات والآداب التي ينبغي أن يتخلق بها العالم، إذا وجد رغبة في العلم لفضيلة نفسه وكرم طبعة هذه التوجيهات التالية:
стр. 320
١ - لا يجعلُ ذلكَ ذرِيعةً في الانبساط عندهُ، والإدلالِ عليه، بل يُعطَى ما يَستحقُّهُ بسُلطَانه وعُلُوِّ يده؛ فإِن للسلطان حَقَّ الطاعةِ والإعظامِ، وللعالمِ حقَّ القبُول والإكرام.
٢ - لا يَنبَغِي أَن يبتدئهُ إلا بعد الاستدعاء، ولا يزيدهُ على قدر الاكتفاءِ, فرُبما أَحبَّ بعضُ العُلماء إظهار علمه للسُّلطان فأكَثرهُ، فصار ذلك ذريعةً إلى مللٍ، ومُفضِيًا إلى بُعده، فإِن السلطان مُتَقَسّمُ الأفكار، مُستوعبُ الزمان، فليس لهُ في العلم فراغ المُنقطعينَ إليهِ ولا صبر المنفردين به.
٣ - وليخرج تعليمُهُ مخرج المُذاكرة والمُحاضرة لا مخرج التَّعليم والإفادة؛ لأنَّ لتأخير التعلُّمِ خجلة تقصيرٍ يُجل السلطانُ عنها، فإِن ظهر منهُ خطأٌ أَو زللٌ في قولٍ أَو عملٍ، لم يُجاهرهُ بالردّ، وعرض باستدراك زلَلهِ، وإصلاح خلله.
٤ - ثمَّ ليحذر اتِّباعهُ فيما يُجانبُ الدين ويُضاد الحق مُوافقةً لرأيه ومُتابعةً لهواهُ، فرُبما زلّت أَقدامُ العُلماء في ذلك رغبةً أَو رهبةً فضلوا وأَضلوا، مع سُوء العاقبة وقُبحِ الآثار (١).
...
стр. 321
من ثمرات الأدب مع العلماء
١ - الأدبُ مع العلماءِ أدبٌ مع اللهِ وتعظيم لشعائرهِ؛ قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
٢ - وتوقيرُ حملة الشرع وحماته من توقير الله ؛ قال سبحانه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نوح: ١٣]، فكل ما يشرف بالإضافة إلى الله تعالى فإن حقه التعظيم والتوقير.
٣ - بذلك جاءت السنة عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيسَ مِنا مَن لَم يجل كَبيرنا، وَيرحَم صَغِيرَنَا، وَيعرِف لعالِمنا حَقه" (١).
قال ابن المبارك ﵀:
"حقّ على العاقلِ أن لا يستخفَّ بثلاثةٍ: العُلماءِ والسلاطين والإخوان، فإنه من استخفّ بالعلماء ذهبت آخرتُهُ، ومن استخف بالسلطانِ ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مُروءتُهُ" (٢).
٤ - أنهم خلفاء الرسول ﷺ في أمته، والمحيون لما مات من سنته.
стр. 322
* توقير العلماء من العقيدة:
قال الإمام ابن حزم ﵀: "اتفقوا على توقير أهل القرآن والإسلام والنبي ﷺ ، وكذلك الخليفة والفاضل والعالم، وقد بلغ من تعظيم العلماء، ووجوب صيانة تاريخ أكابر المسلمين إلى حد النص عليه في كتب العقائد، بحيث لا يخالف في ذلك إلا شاذ خارج عن الجماعة".
يقول الإمام الطحاوي: "وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يُذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل" اهـ (١).
إنهم أتباع النبي ﷺ ، السائرون على هديه، والناهلون من علمه أهل السنة والجماعة، أصحاب العقيدة السلفية النقية.
كيف لا وهم حفظة القرآن الكريم، وحملة السنة النبوية، كيف لا وهم أئمة الهدى وورثة الأنبياء، أليسوا هم حراس الدين وحماته من الابتداع والتحريف، وعصمة الأمة من الانحراف والضلال في زمان الفتن، فإن المسيئ لهم والطاعن عليهم قد ركب متن الشطط، ووقع في أقبح الغلط؛ لأن حرمتهم مضاعفة، وحقوقهم متعددة، وقد جعل الله لهم حقوق المسلم عامة، ثم لهم حقوق أخرى خاصة، فإن الله رفع المؤمنين على من سواهم، ثم رفع أهل العلم على سائر المؤمنين؛ فقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. فلهم مكانة عالية ينبغي أن تتأصل في نفوس
стр. 323
الناشئة والطلاب، وأن يتخلق بها التلاميذ بفضل السابق على اللاحق، والسلف على الخلف، والعالم على الطالب بوجوب الأدب في توقير وإكرام.
قال الشاعر:
النَّاسُ في صورة التشبيه إكفَاءُ ... أبوهُمُ آدم والأمُ حَواءُ
فإن يكن لهمُ في أصلهم شرف ... يفاخرون بهِ فالطينُ والماءُ
مَا الفَخرُ إلا لأهلِ العِلمِ إنهُمُ ... على الهُدَى لمن استهدى أدِلاءُ
وقدرُ كُل امرئٍ ما كانَ يُحسِنُهُ ... والجَاهِلُونَ لأَهلِ العِلمِ أَعداءُ
ففُز بِعِلمٍ تَعِش حيًّا بهِ أبدًا ... فَالنَّاسُ مَوتى وأهلُ العِلَمِ أَحيَاءُ (١)
* توقير العالم سنة ماضية:
إن توقير العالم وهيبته من أخلاق السابقين، وسنه ماضية في الأولين.
قال طاووس بن كيسان: "إن من السنة أن توقر العالم".
وقال أيضاً: "من السُّنَّة أن يُوقر أربعة: العالم، وذو الشَّيبة، والسلطان، والوَالدِ" (٢).
وقال الشعبي: صلى زيد بن ثابت ﵁ على جنازة ثم قربت له بغلة ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال له زيد: "خَلِّ عنك يا ابن عم رسول الله، فقال ابن عباس ﵄: هَكذا يفعلُ بالعُلماء
стр. 324
والكُبَراء" (١).
وعن أبي عبد الله المعيطي قال: "رأيت أبا بكر بن عياش بمكة فأتاه سفيان بن عيينة فبرك بين يديه، فجعل أبو بكر يقول له: يا سفيان كيف أنت؟ يا سفيان كيف عيال أبيك؟ قال: فجاء رجل يسأل سفيان عن حديث، فقال سفيان: لا تسألني ما دام هذا الشيخ قاعدًا".
فسبحان الله كم من الطلاب اليوم يتكلمون ويفتون والشيخ قاعد، ويجيبون والشيخ حاضر، وربما ترتفع أصواتهم وتمتد الأرجل ويتمارون ويتضاحكون والشيخ قاعد، فلا إله إلا الله، أين التوقير وأين الأدب؟
قال الناظم:
وقر مشايخَ أهلِ العلم قاطبةً ... حتى تُوقَّرَ إن أفضى بك الكبرُ
واخدم أكابرهم حتى تنال به ... مثلًا بمثلٍ إذا ما شارف العُمُرُ
وأحسن الآخر:
أفضِّل أستاذي على فَضل والدي ... وإن نالني من والدي المجدُ والشرف
فهدا مُرَبي الروحِ والروحُ جوهرٌ ... وذاك مربي الجسمِ والجسمُ كالصدف
...
стр. 325
من حقوق العلماء
ويُروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: "من حق العالم عليك إذا أتيته أن تسلم عليه خاصة، وعلى القوم عامة، وتجلس قدامه، ولا تشر بيديك، ولا تغمز بعينيك، ولا تقل: قال فلان خلاف قولك، ولا تأخذ بثوبه، ولا تُلحَّ عليه في السؤال" (١).
وقال الإمام الشافعي: "ما أعلم أني أخذت شيئًا من الحديث ولا القرآن أو النحو أو غير ذلك من الأشياء مما كنت أستفيد إلا استعملت فيه الأدب، وكان ذلك طبعي إلى أن قدمت المدينة، فرأيت من مالك ما رأيت من هيبته وإجلاله العلم، فازددتُ من ذلك حتى ربما كنت أكون في مجلسه فأصفِّح الورقة تصفحًا رفيقًا؛ هيبةً له لئلا يسمع وقعها".
من آداب طالب العلم مع العالم
لقد أكثر أهل العلم من الكلام عن أسلوب التعامل مع العالم في مجلسه والأدب معه، مما هو مذكور بتوسع في كتب آداب العالم والمتعلم، وحق لهم ذلك، ومن هذه الآداب على سبيل التمثيل:
١ - تواضع الطالب لشيخه:
لا ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع، وتواضع الطالب لشيخه رفعةٌ، وذله له عزٌّ.
стр. 326
قال الإمام أحمد ﵀: "أُمِرنَا أن نتواضع لمن نتعلم منه".
وقال الإمام الشافعي ﵀: "لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح".
ولله در الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عندما ذُكرَ عنده إبراهيم ابن طهمان، وكان أحمد متكئًا من علة فاستوى جالسًا، وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فنتكئ.
وأحسن الناظم بقوله:
وإن كريم الأصل كالغصن كلَّما ... تحمَّل أثمارًا تواضع وانحنى
أخذ ابن عباس ﵁ مع علو قدره وفضله بركاب زيد بن ثابت الأنصاري ﵁، وقال: "هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا" (١).
وقد نبه الله تعالى على ذلك في قصة موسى والخَضر ﵉ بقوله: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧].
هذا مع علو قدر موسى الكليم في الرسالة والعلم، حتى شرط عليه السكوت، فقال: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] (٢).
٢ - أدب الطالب في مخاطبة شيخه:
من التوقير أن يراعي الطالب الأدب في مخاطبة شيخه، فلا يناديه باسمه
стр. 327
مجردًا، بل يقول: يا شيخنا، أو يا شيخي، فلا يسميه، لأنه أرفع في الأدب، وأرق في الخطاب، ولا يناديه من بُعدٍ من غير اضطرارٍ، ويخاطبه بصيغةِ الجمعِ توقيرًا، نحو؛ ما تقولون في كذا، وما رأيكم في كذا.
واقرأ أخي -أحسن الله إليك- ما ذكره الله تعالى من الدلالة على الأدب مع معلم الناس الخير ﷺ في قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، وهذا أصل في تمييز ذي المنزلة، ويفرق بينه وبين من لم يلحق بطبقته.
وقال الخطيب ﵀: "يقول: أيها العالمُ وأيها الحافظ ونحو ذلك، وما تقولون في كذا؟ وما رأيكم في كذا؟ ولا يسميه في غيبته أيضاً باسمه إلا مقرونًا بما يشعر بتعظيمه كقوله: قال الشيخ أو الأستاذ كذا" (١).
٣ - أدب الطالب عند سؤال شيخه:
من التوقير حسن المسألة، فينبغي لطالب العلم أن يلاطف الشيخ في مسألته، ويجتنب المراء، فمن حرم الرفق فاته من العلم ما يتحسر عليه، ومن تعنت في طلب الدليل لقي ما لا يسره.
قال الإمام الشعبي (عامر بن شراحيل): كان أبو سلمة يماري ابن عباس ﵁، فحرم بذلك علمًا كثيرًا.
وها هو أبُو سَلَمَةَ يعترف فيقول: "لو رفقتُ بابن عباسٍ لأصبتُ منهُ عِلمًا" (٢).
стр. 328
قلت: وهنا مسألة مهمة جداً، وتعتبر من خوارم التوقير، وهي السؤال عما لا ينفع، وعما لا يقع، وتأمل ذاك الرجل الذي سأل الإمام مالكًا عن مسألة فلم يجبه، فقال له: لم لا تجيبني؟ فقال: لو سألت عما تنتفع به لأجبتك. وسئل عمار بن ياسر الصحابي ﵁ عن مسألة فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا. قال: دعونا حتى تكون، فإذا كانت تجشمناها لكم.
فتوليد الأسئلة والإيغال فيها لمجرد المراء أمر مذموم، لا سيما السؤال عن علة الحكم في أمر تعبدي، أو السؤال عن مسائل نادرة الوقوع جداً، بل ربما لا تقع أبدًا، أو السؤال عن المتشابهات، أو عما شجر بين السلف الصالح، قال المرُّوذي قال أبو عبد الله: سألني رجل مرة عن يأجوج ومأجوج: أمسلمون هم؟ فقلت له: أحكمت العلم حتى تسأل عن ذا؟!
قلت: سئل في يوم من الأيام العلامة محمد صالح العثيمين ﵁ عن رجل مات وانفصل رأسه عن جسده، فكيف يكون سؤال الملكين للرأس أم الجسد؟ فغضب الشيخ من هذا السؤال، ووجه السائل في التوجه لما ينفعه عما لا ينفعه.
وبعد: يُسمَعُ في بعض حلقات العلم، أن بعض الطلبة يسأل سؤالًا فيه تكلف وتنطع واضح، والأدهى والأمرُّ أن يكون الجواب معلومًا لديه، لكنه يسأل الشيخ من باب التعجيز، ومن باب الإفحام، ومن باب إظهار أنه يعلم، ثم تشعر أن ذلك السائل يظهر الجواب للشيخ من طرف خفي، فقد أساء الأدب في طرح السؤال، وأساء الأدب في قصده، وأيضًا أساء الأدب مع الله في سوء نيته.
стр. 329
٤ - أدب الطالب في المشي مع شيخه:
حكى الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ في ترجمة الفقيه أبي الحسن علي بن مبارك الكرخي وقد تتلمذ على الإمام الفقيه القاضي أبي يعلى الحنبلي شيخ الحنابلة في عصره. قال: قال لي القاضي أبو يعلى يومًا، وأنا أمشى معه: إذا مشيت مع من تعظمه أين تمشي منه؟ قلت: لا أدري. قال: عن يمينه، تقيمه مقام الإمام في الصلاة، وتخلّي له الجانب الأيسر، فإذا أراد يستنثر أو يزيل أذى جعله في الجانب الأيسر".
٥ - دعاء الطالب لشيخه:
ومن الأدب الذي ينبغي أن يتحلى به طالب العلم مع شيخه أن يقدم بين يدي سؤاله الدعاء له، كما كان بعض السلف يقول: "اللهُمَّ استر عَيبَ معلمي، أو شيخي، ولا تُذهب بركةَ علمِهِ عني" (١).
قلت: حسن جداً أن يبدأ الطالب شيخه بقوله: أحسن الله إليك، سؤالي هو، أو نحو ذلك، وعند نهاية السؤال يختم بقوله: جزاكم الله خيرًا وأثابكم الله، كما أنه يلهج بالدعاء لشيخه والاعتراف بفضله.
قال الإمام أحمد بن حنبل: ما صليتُ صلاةً منذ أربعينَ سنةً إلا وأنا أدعو فيها للشافعي. ولكثرة دعائه له قال له ابنُه: أيَّ رجلٍ كان الشافعيُّ حتَّى تدعوَ له كلَّ هذا الدعاءِ؟ فقال: يا بُنَيّ، كان الشافعيّ كالشمسِ في الدُّنيا والعافية للناس، هل لهذين من خَلَفٍ؟ " (٢).
стр. 330
٦ - أدب الطالب مع جلساء شيخة:
ومن التوقير أن يتأدب الطالب مع حاضري مجلس الشيخ، فإنه أدب معه واحترام لمجلسه، وليكن على أحسن الهيئات، وأكمل الطهارات، وياللأسف اختفت كثيرٌ من هذه الأخلاق بين الطلاب اليوم، فياحبذا لو تخلق الطلاب اليوم بأخلاق سلفنا الصالح مع العلماء.
٧ - نسبة الفضل لأهل الفضل:
ومن الأدب نسبه الفضل لأهل الفضل، والعاقل من لا يرجع الخير له إن كان الأمر لغيره ويزعم أن ذلك من جهده وعلمه ومن فضله وحده، ولم يشاركه أحد في هذه الفائدة، وهذا دليل وعلامة على محق بركة العلم ونوع من الكبر، وهو أحد المتعالمين.
ويشبه صنيعهم قول الله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] أي يحبون أن يوصفوا بالفضل وهم خلاف ذلك، ومن تزين بلباس غيره فكأنه لابس ثوب زور.
وأحسن الناظم بقوله:
إذا أفادك إنسان بفائدةٍ ... من العلوم فأدمنْ شكرَه أبدا
وقل فلانٌ جزاه اللهُ صالحةً ... أفادنيها وألقِ الكبرَ والحسدا (١)
والعاقل من اعترف بفضل من دله على فائدة، لا سيما شيخه ومعلمه، فطالب العلم يعترف بفضل معلمه في حضوره وغيبته، ويحمد جميل صنعه، ويثني عليه فإن هذا من الشكر، ومن كتم ذلك فقد كفر نعمة شيخه عليه.
стр. 331
والعاقل من يذكر العلماء بالجميل، لأنهم ورثة الأنبياء، والمحيون لسنة النبي ﷺ ، المتابعون لهديه، والمقتفون أثره.
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي: "علماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوءٍ فهو على غير السبيل" (١).
قلت: ومع الذكر الجميع لا يعني أننا نتبعهم على القول الضعيف، والعمل المخالف للتنزيل.
٧ - الصبر على جفوة شيخه:
العقلاء هم الذين يصبرون على جفوة الشيخ والمعلم، فمن صبر ظفر ونال مناه طول العمر، ومن ضاق صدره وتولى ونفر ولم يصبر، فقد خسر.
قال الشافعي ﵀: قيل لسفيان بن عيينة ﵀: إن قومًا يأتونك من أقطار الأرض تغضبُ عليهم! يوشكُ أن يذهبوا ويتركوكَ، فقال للقائلِ: هُم حَمْقى إذًا مثلُك، إن تركوا ما ينفعُهُم لسوءِ خُلُقي (٢).
فالشيخ ربما لكثرة الضغوط وحمل الهموم يضيق صدره أحياناً، ولا ترق عبارته، فينفر منه البعض وهم أحوج الناس إليه.
ولبعضهم:
إنَّ المعلمَ والطبيبَ كلاهما ... لا ينصحانِ إذا هما لم يُكرما
فاصبر لدائكَ إن أهنتَ طبيبهُ ... واصبر لجهلكَ إن جفوتَ مُعلما (٣)
стр. 332
بعض الخوارم التي تخل بتوقير العلماء والأدب معهم
١ - الاعتراض والمراءُ والتجَاسُر:
لا سيما إذا عثر على زلةٍ، أو ظفرَ بخطأٍ، فيُبادر بعضُ الطلاب إلى الإنكار والاعتراض والنقد، وربما المراء، والعالم ليس معصومًا؛ ولكن الآفة إثبات الذوات، وتصيد الأخطاء، والتشنيع ونشرها في الآفاق.
وإياك إذا حضرت مجلس علم أن تكون مستغنيًا بما عندك طالبًا عثرة تشنعها، فهذه أفعال الأراذل الذين لا يفلحون في العلم أبدًا، وهذا كله في حق العلماء المقتدى بهم في الدين، فأما أهل البدع والضلالة، ومن تشبه بالعلماء، وليس منهم، فيجوز بيان جهلهم وإظهار عيوبهم تحذيرًا من الاقتداء بهم.
وأما أئمة الهدى، فإنه يجب أن يعاملوا بالإكرام والاحترام والتثبت والتصويب بما يليق معهم من النصيحة العامة، وفي الوقت المناسب بما يحقق ثمرة النصيحة.
قال العلامة ابن العربي: وصلت الفسطاط مرة، فجئت مجلس الشيخ أبي الفضل الجواهري، وحضرت كلامه على الناس، فكان مما قال في أول مجلس جلست إليه: إن النبي ﷺ (طلق وظاهر وآلى) فلما خرج تبعته حتى بلغت معه إلى منزله في جماعة، فلما انفض عنه أكثرهم، قال لي: أراك غريبًا هل لك من كلام؟ قلت: نعم. قال لجلسائه: افرجوا له عن كلامه،
стр. 333
فقاموا وبقيت وحدي معه، فقلت له: حضرت المجلس اليوم وسمعتك تقول: آلى رسول الله ﷺ وصدقت، وطلق رسول الله ﷺ وصدقت، وقلت: وظاهر رسول الله ﷺ وهذا لم يكن ولا يصح أن يكون؛ لأن الظهار منكر من القول وزور، وذلك لا يجوز أن يقع من النبي ﷺ ، فضمني إلى نفسه وقبل رأسي وقال لي: أنا تائب من ذلك جزاك الله عني من معلم خيرًا، ثم انقلبت عنه وبكرت إلى مجلسه في اليوم الثاني، فألفيته قد سبقني إلى الجامع وجلس على المنبر فلما دخلت من باب الجامع ورآني نادى بأعلى صوته "مرحبًا بمعلمي افسحوا لمعلمي" فتطاولت الأعناق إليَّ وحدقت الأبصار نحوي، وأنا لعظم الحياء لا أعرف في أي بقعة أنا من الأرض والجامع غاص بأهله، وأسال الحياء بدني عرقًا، وأقبل الشيخ على الخلق فقال لهم: أنا معلمكم، وهذا معلمي، لما كان بالأمس قلت لكم: آلى رسول الله، وطلق رسول الله، وظاهر رسول الله، فما كان أحدٌ منكم فقه عني ولا رد عليَّ فاتبعني إلى منزلي وقال لي كذا وكذا، وأنا تائب عن قولي بالأمس وراجع عنه إلى الحق، فمن سمعه ممن حضر فلا يعول عليه، ومن غاب فليبلغه من حضر، فجزاه الله خيرًا، وجهد في الدعاء والخلق يؤمنون".
فانظروا -رحمكم الله- إلى هذا الدين المتين والاعتراف بالعلم لأهله على رؤوس الملأ، ومن رجل ظهرت رياسته لغريب مجهول العين لا يُعرف من هو، ولا من أين، واقتدوا به ترشدوا.
قلت: لهذا قال الإمام الشافعي ﵀:
стр. 334
تَعَمَّدني بِنُصحكَ في انفرادي ... وَجَنبني النصِيحَةَ في الجَمَاعهْ
فإن النُّصحَ بين النَّاسِ نَوعٌ ... مِنَ التوبيخِ لا أَرضى استمَاعهْ
وَإن خَالفتَني وَعَصِيتَ أمري ... فلا تَجزعْ إذا لم تُعطَ طاعَهْ
فالحذر من أن ينتقد العالم بأسلوب ينال من هيبته عند صغار الطلبة أو العوام، وليس المراد بترك الاعتراض على العلماء ترك الاعتراض بالكلية، بل المراد ترك الاعتراض في موضع الاحتمال والاجتهاد، وترك الاعتراض المقصود لذاته، وترك المبادرة إلى الاعتراض دون تثبت وتبين.
٢ - إبرام الشيخ وإضجاره:
من الأخلاق السيئة إبرام الشيخ وإضجاره، وذلك عن طريق الأسئلة المعروفة والمكررة والمعادة؛ لما يترتب عليها من ضياع للوقت، وإجهاد للشيخ.
قال الإمام الزهري: "إعادة الحديث أشد من نقل الصخر".
ومن الأمثلة الدالة على ذلك أيضاً إطالة الجلوس عند الشيخ وهو كاره، أو زيارته في غير الأوقات المناسبة، أو الاتصال به في الأوقات المكروهة، فينبغي لطالب العلم أن يتحين الوقت المناسب لزيارة شيخه أو سؤاله أو القراءة عليه.
قال ابن عباس ﵁: وجدت عامة علم رسول الله ﷺ عند هذا الحي من الأنصار، إن كنتُ لأقيل بباب أحدهم ولو شئت أن يؤذن لي عليه لأذن لي عليه، ولكن ابتغى بذلك طيب نفسه.
ومن سوء الأدب أن يؤمر الشيخ ويطلب منه على وجه الغصب، ويلزم
стр. 335
بما لا يحب؛ كطلب بعضهم زيارته مع انشغاله واعتذاره، أو تقديم درس ونحوه.
ومن حسن الأدب رقة العبارة في الطلب بصيغة العرض، بعيدًا عن الأمر والإلزام، ولبعض أصحابي نادرة ظريفة ومفيدة مع شيخنا الإمام العلامة أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني ﵀ وبلَّ بالرحمةِ ثراه-، فقد اتفق بعض أصحابنا رفقاء الدرب في الدعوة إلى الله من ضاحية الفيحاء العامرة في الكويت على زيارة شيخنا الألباني في الأردن، فسافروا من الكويت عن طريق البر لزيارته وهو من أفراد العصر، وفور الوصول تم الاتصال به هاتفيًا يطلبون منه موعدًا للزيارة، فاعتذر لهم بسبب كثرة أشغاله، ثم إنه كبير السن، فأخذ بعضهم سماعة الهاتف قائلًا: يا شيخ، لا بد من تحديد موعد للزيارة فنحن جئناك من بلاد بعيدة، ولا بد أن تأذن لنا باللقاء معك، وعندنا مسائل مهمة كل ذلك بصيغة الأمر! تأمل "لا بد من تحديد موعد - لا بد أن تأذن لنا"، فكرر الشيخ الاعتذار وحق له ذلك، وانتهت المكالمة وخيم الوجوم على الإخوة بالصمت.
ثم أخذ الهاتف أحد الأخوة وكرر الاتصال، وكان ذكيًا بتغيير أسلوب المحادثة ورقة العبارة وحسن العرض في الطلب، وبعد السلام قال للشيخ: يا شيخ ما رأيك لو أذنت لنا في الوقوف عند بابك، فتخرج لنا رأسك من طرف الباب ونقبل رأسك وننصرف عائدين لبلدنا، لا نريد غير ذلك حتى إذا عدنا إلى بلدنا الكويت وقيل لنا: هل كانت لكم لقيا في حياتكم مع الإمام العلامة محمد ناصر الدين الألباني؟ نقول: نعم بحمد الله طرقنا بابه وفتحه
стр. 336
لنا يومًا وقبلنا رأسه ثم انصرفنا وأغلق الباب!!
فما كان من الشيخ إلا أن قال: والله ما كان لي أن أردكم، تعالوا مرحبًا بكم في بيتكم، فسررنا بذلك وجلسنا عنده الساعات، واستفدنا منه علمًا كثيرًا، وتكررت الزيارات بسبب رقة العبارة والتلطف في السؤال، وحسن الطلب بعيدًا عن الأمر والنهي، فلله كم من كلمة طيبة فتحت بابًا مغلقا!
أما أدب المهاتفة مع الشيخ، فينبغي أن تكون بأدب، وفي وقت مناسب للاتصال، والحذر من الاتصال على غير هاتف الفتوى، أو تسجيل المهاتفة ونشرها دون إذن المفتي، أو الإطالة معه بما يضيع وقته.
٣ - الإجابة عن الشيخ وهو موجود:
وهذا سوء أدب ابتلي به كثير من الناس اليوم بسبب بعدهم عن الأخلاق الإسلامية، وهو المتقدم بين يدي العلماء والإجابة عنهم. قال سفيان الثوري لسفيان بن عيينة: مالك لا تحدث؟ فقال: أما وأنت حي فلا (!). هذا والله الأدب، وهذا هو التوقير والإجلال، فلا ينبغي للمحدث أن يحدث بحضرة من هو أولى منه بذلك أو الإجابة عنه، وهو موجود في المجلس.
قال عطاء ﵀: "إني لأسمعُ الحديث من الرجلِ وأنا أعلمُ به منه، فأُريهِ من نفسي أني لا أحسنُ منهُ شيئًا".
٤ - مقاطعة الشيخ في الحديث:
ومن سوء الأدب مقاطعة الشيخ في الحديث، بل إن بعضهم يرد على الشيخ ردًا مستهجنًا، ولا شك أن هذا تجاسر مخالف لهدي النبي ﷺ الذي أدبنا وعلمنا، فقال: "ليسَ مِنَّا مَن لم يُجِل كبيرنَا، ويرحم صغيرَنا، وَيعرف
стр. 337
لعالِمنا حقَّه" (١).
وإن مما نوصي به طالب العلم: ألا تقاطع الشيخ في حديث حتى يفرغ من مسألته تلك، ولقد قال الإمام البخاري: (باب من سُئلَ علمًا وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث) ثم ساق الحديث وفيه: أن أعرابيًا قال- والنبي ﷺ يخطب: متى الساعة؟ فمضى الرسول ﷺ في حديثه وأعرض عنه، حتى إذا قضى حديثه قال: "أين أُراه السائل عن الساعة؟ .. " فدلت هذه الجملة على أنه سمعه، لكنه أعرض عنه تأديبًا وزجرًا له.
٥ - مسابقة الشيخ في الحديث:
من سوء الأدب مسابقة الشيخ في الإجابات أو شرح المسائل، والتقدم بين يديه دون إذن منه، أو ضرب قوله بأقوال آخرين دون دليل، والتشغيب عليه.
قال ابن جَماعة: "لا يسبقَ الشيخَ إلى شرحِ مسألةٍ، أو جواب سؤال منه أو من غيره، ولا يظهر معرفته به، أو إدراكه له قبل الشيخ، فإن عرض الشيخ عليه ذلك ابتداء، والتمسه منه، فلا بأس، ولا ينبغي أن يقطعَ على الشيخ كلامه -أي كلامٍ كان- ولا يسابقه فيه، بل يصبر حتى يفرغ الشيخ من كلامه ثم يتكلم، ولا يتحدث مع غيره والشيخ يتحدث معه أو مع جماعة المجلس" (٢).
стр. 338
المنهج الحق الرشيد في التعامل مع زلات العلماء
من المتقرر شرعًا أن العلماء غير معصومين، بل هم عرضةٌ للخطأ، والسهو، والغفلة، والتقصير، فتقع منهم الزلات والأخطاء والهفوات، كما في حديث أنس مرفوعاً: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون". رواه أحمد.
فالمنهج الذي ينبغي أن يتبع في التعامل مع زلاتهم قائم بعد ثبوت كونها زلةً على ركنين (١):
الأول: علم اعتماد تلك الزلة والأخذ بها إذا جاءت على خلاف الشريعة، ولو أخذ الناس بزلات العلماء ونوادرهم، ربما أفضى بهم ذلك إلى الضلال المبين.
قال الإمام الأوزاعي -رحمه الله تعالى-: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام" اهـ.
والعلماء الأجلاء نصووا على أن الأصل كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وأنه متى ظهر خلاف ذلك لم تكن لهم طاعة.
قال الإمام أبو حنيفة ﵀: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وقال الإمام مالك: إنما أنا بشر أخطئُ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.
وقال الإمام الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
стр. 339
وقال الإمام أحمد: رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار (١).
وأما الاجتهادات المختلفة فإنهم لم يقولوا هذا حكم الله ورسوله، بل قالوا اجتهدنا برأينا، فمن شاء قبله، ومن شاء لم يقبله، ولم يلزموا به الأمة.
والخلاصة أن تحكيم الرجال من غير التفات إلى كونهم وسائل للحكم الشرعي المطلوب شرعًا ضلال، وأن الحجة القاطعة والحاكم الأعلى هو الشرع لا غيره، فهذا هو الركن الأول.
* الركن الثاني: العدل في الحكم على صاحبها:
فلا ينسب إليه التقصير ولا يشنع عليه من أجلها، ولا ترد بقية أقواله وآرائه وفتاويه بسببها.
قال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀: "من له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدمٌ صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور، بل ومأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته ومنزلته في قلوب المسلمين" (٢).
وإذا كانت زلة العالم هذه غير ذات أثر على الناس، فالواجب سترها، فإن العلماء من ذوي الهيئات كما في الحديث: "أقيلوا ذوي الهيئات
стр. 340
عثراتهم إلا الحدود" (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومما يتعلق بهذا الباب أن يعلم أنَّ الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم إلى يوم القيامة: أهل البيت وغيرهم، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونًا بالظن، ونوع من الهوى الخفي، فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين.
ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين:
طائفة تعظمه فتريد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه، وطائفة تذمه فتجعل ذلك قادحًا في ولايته وتقواه، بل في بره وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان، وكلا هذين الطرفين فاسد، ثم قال: ومن سلك طريق الاعتدال عظَّم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه، وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق، ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم ويثاب ويعاقب، فيحب من وجه، ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم" (٢).
وعلى هذا ينبغي أن يعلم أن عدم متابعة العالم على زلته لا يعني عدم توقيره، بل الحق أحق أن يتبع، فطاعة العلماء عندنا واعتبار العلماء في شرعنا ليس مقصودًا لذاته، بل لما قام فيهم من العلم بالله والعلم عن الله ، وإلا
стр. 341
أصبحنا كبني إسرائيل؛ كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
والناس في هذا الأمر بين طرفين ووسط:
١ - طرف أهدر مكانة العلماء واستخف بهم وبأقدارهم كالخوارج الذين لم يرفعوا بسادات العلماء من صحابه الرسول الله ﷺ رأسًا.
٢ - طرف يجعل للعلماء قداسة لا يصل إليها ملك مقرب ولا نبي مرسل.
٣ - وهدى الله أهل الحق فحفظوا لأهل العلم أقدارهم، وعرفوا أنهم أدلاء علي حكم الله سبحانه، ليس لهم قداسة في ذواتهم، وأنهم غير معصومين عن الخطأ، وأن طاعتهم إنما تجب باعتبارهم أنهم طريق لطاعة الله ورسوله ﷺ .
والخلاصة أن العالم بحكم كونه بشرًا غير معصوم، قد يقع في خطأ غير مقصود، أو يزل وحينئذ لا يتابع في زلته، وعدم متابعته فيما أخطأ فيه لا يعني عدم توقيره.
****
стр. 342
٢ - الأدب مع الوالدين
البر لغة: بالكسر ضد العقوق، وهو اسم جامع لكل معاني الخير.
أما في الاصطلاح: التوسع في الإحسان إليهما وضده العقوق.
أما الوالدان: الأب والأم , ويشمل لفظ (الوالدين) الأجداد، والجدات.
* قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ .... ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
بعد أن أمر الله تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له، والخضوع، والإخلاص له، والانقياد لأوامره، والانتهاء عن الإشراك به -عطف عليه الإحسان إلى الوالدين، والبر بهما، ودفع الأذى عنهما، وهذا يدل على عظم حقهما في هذه الآية الكريمة، والآيات في هذا الباب كثيرة.
عن أبي هريرة ﵁ قال: مرَّ رسولُ الله ﷺ على عبدِ اللهِ بن أبي ابن سَلُولَ، وهُوَ في ظِل أَجَمَةٍ، فقال: قد غبَّر عَلينا ابنُ أَبي كَبشَةَ. فقال ابنُهُ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ: والذي أَكرَمَكَ وأَنزَلَ عليك الكتابَ إن شِئتَ لآتينك برأسهِ. فقال رسولُ الله ﷺ : "لا، ولكن بِرَّ أباكَ، وَأَحسِن صُحبَتَه" (١).
والأحاديث في هذا المعنى وفيرة، وأحيلك -أخي القارئ- على كتابي (بر الوالدين آداب وأحكام) (٢) فإنه نافع بإذن الله تعالى في هذا الباب.
стр. 343
آداب بر الوالدين
١ - مخاطبة الوالدين بألفاظ الاحترام والتوقير، مع خفض الصوت، والاستماع لهم، وعدم مقاطعتهم.
٢ - عدم حدّ النظر إليهم.
٣ - عدم المشي أمامهم إلا لنفعهم، أو الاتكاء عليهم، أو تسميتهم بأسمائهم.
قال ابن محيريز: "من مشى بين يدي أبيه فقد عقه، إلا أن يمشي فيميط له الأذى عن طريقه، ومن دعا أباه باسمه أو كنيته فقد عقه، إلا أن يقول: يا أبت" (١).
٤ - إلقاء السلام عليهم عند الدخول والخروج.
٥ - عدم بدء الطعام أو الشراب قبلهما.
٦ - الدعاء لهما مع إظهار الود، وإكثار الشكر لهما على ما قاما في حقك.
٧ - ملازمتهما عند المرض والقيام بحقهما عليك.
٨ - النفقة عليهما، والحج والاعتمار عنهما إن عجزا عن ذلك.
عن أبي هريرة قال: بينما نحن جلوس مع رسول الله ﷺ إذ طلع علينا شاب من الثَّنِيَّةِ، فلما رأيناه بأبصارنا قلنا: لو أن هذا الشاب جعل شبابه ونشاطه وقوته في سبيل الله؟! قال: فسمع رسول الله ﷺ ، فقال: "وما سبيل الله إلا من قُتلَ؟ مَن سعى علي والديه ففى سبيل اللهِ، ومن سعى علي
стр. 344
عيالهِ ففي سبيل الله، ومن سعى على نفسه ليُعفَّها ففي سبيل الله، ومن سعى على التكاثر ففى سبيل الشيطان"، وفي رواية: "الطاغوت" (١).
٩ - عدم السفر، أو الجهاد قبل استئذانهما.
١٠ - الاستئذان عليهما عند الدخول.
١١ - الصلاة عليهما بعد موتهما ودفنهما.
* متى يسمى الابن بارًا ؟
والعقلاء هم الأبرار، ولا يسمى الابن بارًا إلا إذا تحققت فيه الشروط التالية:
١ - أن يؤثر رضا والديه على رضا نفسه وزوجته وأولاده والناس أجمعين.
٢ - أن يطيعهما في كل ما يأمرانه به من معروف، وأن ينتهي عن كل ما ينهيانه عنه، سواءً وافق رغباته أم لم يوافقها ما لم يأمرانه بمعصية.
٣ - أن يقدم لهما كل ما يلحظ أنهما يرغبان فيه من غير أن يطلباه منه عن طيب نفس وسرور، مع شعوره بتقصير في حقهما ولو بذل لهما حياته وماله.
٤ - أن يستمر بره لهما حتى بعد مماتهما، وأن يلهج بالدعاء لهما.
والعاقل من يتصف بصفة الوفاء، وبالأخص مع الوالدين في سن الكبر.
* المعاملة الواجبة عند الكبر:
فالمعاملة الواجبة في الكبر تتأكد في الأمور التالية:-
стр. 345
* المداومة على زيارتهم.
* الصبر على تصرفاتهم بعدم التململ والضجر.
* علاجهم عند المرض، والصبر على ذلك.
* ملء الفراغ عندهم بما ينفعهم.
* المساهمة في رفع زيادة الإيمان عندهم.
* السخاء عليهم بالمال والعطاء والدعاء لهم.
* صلة أصدقائهم، وبالأخص بعد وفاتهم.
فقل لي بربك أيها البار: هل من العقل عقوق الوالدين، ورفض الثمرات المترتبة علي برهما؟ هل من العقل؟ نسيان وصية الله بالوالدين؟ ونسيان الفضائل المناطة بذلك؟
ثم سل العاق: أترضى أن تُعجل لك العقوبة في الدنيا؟ وترفض أعمالك، ولا ينظر الله إليك في الآخرة؟
وقل للعاق: أتحب أن تُعَامل مثلما تُعِامل به أبويك؟ أيصح في عقلك ترك الجنة ودخول النار؟ قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك: ١٠].
"أيها المضيع آكد الحقوق المعتاضُ من بر الوالدين العقوق، النَّاسي لما يجب عليه، الغافل عما بين يديه، بر الوالدين عليك دين، وأنت تتعاطاه باتباع الشين، تطلب الجنة بزعمك، وهي تحت أقدام أُمك" (١).
...
стр. 346
٣ - الأدب مع الأرحام
اعلم- رعاك الله- أيها العاقل الودود أن خِلال المكارم كثيرة، وشُعب الإيمان متعددة، وإن من أحسن هذه الخلال صلة الأرحام، والإحسان إليهم وصلتهم في المقال والفعال، وبذل الأموال.
قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
ولا يخفى على كل ذي لُبٍّ أن المتغيرات الاجتماعية في ظل المتغيرات الحياتية، ووسائل الاتصال الحديثة نتج عنها بعض التغيير على الكيان الأسري من ضعف التواصل، وقلة الاجتماع، وكثرة القطيعة، مع ضعف الوازع الديني، وإذا استمر هذا التصدع في الأسرة أوشك أن يؤثر ذلك في التماسك الاجتماعي، وعندما ضعف الترابط الأسري كثرت الجرائم، وزادت المشكلات، وارتفعت نسب الطلاق، وأُقيمت القضايا في المحاكم، وبهذا قلَّ التواصل بين الأرحام، وكثرت القطيعة حتى غدت ظاهرة التفكك الأسري ظاهرة العصر، وزادت نسب العقوق في الناس لأقرب الناس، فهناك آباء يعقون الأبناء، وأبناء يعقون الآباء، وإذا كان هذا عند أقرب النَّاس فما بالنا بباقي الأرحام وذوي القربى.
ولمَّا كانت صلةُ الرحمِ من الأهمية بمكان، فرضها الله في جميع الأديان السماوية السابقة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا
стр. 347
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾ [البقرة: ٨٣].
وتُعتبرُ صلة الرحم من الواجبات التي أخل بها كثير من الناس، والتي بتركها تتقطع أواصر الأسر، وتتسع دائرة القطيعة، وتنحلُّ بها قوى المجتمع حتى توارثها بعض الأبناء عن الآباء، وهذه نصائح عامة بالكلمة الطيبة أقدمها بين يديك راجيا من المولى الكريم، أن تحقق الهدف المنشود الذي كتبت من أجله، وتنبه القاطع بما عليه من خطر العاقبة كما قال المولى جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ [محمد: ٢٣].
وأرجو من المولى الكريم أن تُسلي الواصلين بالثواب الموعود ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)﴾ [الرعد: ٢٢].
عن عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَهلُ الجنَّةِ ثَلاثةٌ: ذو سُلطانِ مقسِطٌ مُتَصدق مُوفَّقٌ، ورجُل رحيِم رقيقُ القَلبِ لِكُل ذي قُربى، ومُسلِمِ عفيف مُتَعَفِّف ذو عِيَالٍ" (١).
стр. 348
صلة الرحم في ظلال القرآن الكريم
قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١].
قال الحافظ ابن كثير: "أي: واتقوا الله بطاعتكم إياه.
قال إبراهيم ومجاهد والحسن: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾: أي كما يقال أسألك بالله وبالرحم.
قال الضحاك: اتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، ولكن بروها وصلوها" (١).
وعن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: "اتقوا الله، وصلوا أرحامكم" (٢).
وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢].
قال ابن كثير: "أي: تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء، تسفكون الدماء، وتقطعون الأرحام. ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ [محمد: ٢٣].
وهذا نهي عن الإفساد في الأرض عمومًا، وعن قطع الأرحام خصوصًا، بل قد أمر تعالى بالإصلاح في الأرض وصلة الأرحام، وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والفعال، وبذل الأموال" (٣).
стр. 349
قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)﴾ [الأحزاب: ٦].
المراد بأولي الأرحام القرابات، أي: بعضكم أحق بميراث بعض وهي ناسخة لما كان في صدر الإسلام من التوارث بالهجرة والموالاة.
قال الحافظ ابن كثير في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. أى: ذهب الميراث, وبقى النصر والبر والصلة والإِحسان والوصية (١).
وقال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)﴾ [الروم: ٣٨].
أي أن الله يأمر بإعطاء ذي القربى حقهم من البر والصلة وحسن العشرة، والإحسان إليهم أولاً.
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾ [الرعد: ٢١].
وقال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة:١٧٧].
أي أعطى المال من يتعين عطاؤه مع شدة حبه له, فآثر ما يحب الله تعالى على ما تتعلق به نفسه، فقدم أصحاب القرابات بالمال الأقرب فالأقرب؛ لأنهم أحق الناس بالبر؛ ولأنه أعرف الناس بحالهم وأوضاعهم وأحاسيسهم من غيره؛ لقربه منهم بسبب القرابة.
стр. 350
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥]
وقال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥].
وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢].
وقال سبحانه: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥)﴾ [البلد: ١٥].
أي أطعم يتيمًا بينك وبينه قرابة، وهذا الإطعام من الأمور الأربعة التي يقتحم بها العقبة يوم القيامة.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠].
في هذه الآية الكريمة يأمر المولى سبحانه إعطاء ذي القربى ما يحتاجونه من الإحسان والبر وحسن العشرة، وكل ما فيه من أوجه العناية، وخصهم بالذكر لمزيد الاهتمام بهم.
في ضوء ما تقدم من الآيات القرآنية يدعونا الله -جل وعلا- إلى العناية بصلة الأرحام بالمقال والفعال، بتقديم العون والدعوة والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالأخص ذوي القربى بمزيد من الاهتمام، وجعل للوالدين النصيب الأول والأوفر، ثم الأقرب فالأقرب، ونهى عن القطيعة والهجر.
وخص الأقرب بالإرشاد والتوجيه؛ كما قال سبحانه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢].
أما في الجانب المالي فدعا الله سبحانه عباده إلى العناية بذوي القربى
стр. 351
بتقديم المال لهم عن غيرهم بالنفقة، الزكاة والصدقات للمستحقين منهم أو الهبات والعطاء، والعناية باليتيم منهم على وجه الخصوص.
معنى صلة الرحم
الرَّحمُ: هم القرابة، ويطلق على كل من يجمع بينك وبينه نسب، وقد اختلف العلماء في حدّ الرحم التي تجبُ صلتها.
قال الإمام الصنعاني:
"قيل: هي الرحم التي يحرم النكاح بينهما، بحيث لو كان أحدهما ذكرًا حرم على الآخر، فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام ولا أولاد الأخوال، واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها في النكاح لما يؤدي إليه من التقاطع.
وقيل: من كان متصلًا بميراث، ويدل عليه قوله ﷺ : "ثم أدناك أدناك".
وقيل: هو من كان بينه وبين الآخر قرابة، سواء كان يرثه أو لا" (١).
قلت: والأخير هو الراجح عند العلماء، وتطلق الرحم على الأقارب وهم كل من بينه وبين الآخر نسب سواء كان يرثه أم لا.
وقال القاض عياض:
"الرحمُ التي توصل وتقطع وتُبَرُّ إنَّما هي معنى من المعاني ليست بجسم، وإنَّما هي قرابة ونسب، تجمعه رحم والدة، ويتصل بعضه ببعض
стр. 352
فسُمِّي ذلك الاتصال رحمًا" (١).
* من هم الأرحام وذو القربى؟
صلة الرحم على وجهين: عامة وخاصة، والأرحام على وجه الخصوص هم الأقارب من جهه الأبوين.
قال الإمام القرطبي:
"الرحم على وجهين:-
فالعامة رحم الدين وتجب بملازمة الإيمان والمحبة لأهله، ونصرتهم، والنصيحة، وترك مضارهم، والعدل بينهم والنّصفة في معاملتهم والقيام بحقوقهم الواجبة كتمريض المرضى وحقوق الموتى من غسلهم، والصلاة عليهم ودفنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم.
وأمَّا الرحم الخاصة، وهي رحم القرابة من طرفي الرجل أبيه وأمه، فتجب لهم الحقوق الخاصة وزيادة كالنفقة وتفقد أحوالهم وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضرورتهم، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة حتى إذا تزاحمت الحقوق بدئ بالأقرب فالأقرب" (٢).
وقال العلامة ابن باز ﵀:
"الأرحام هم الأقارب من النسب من جهة أمك وأبيك، وهم المعنيون بقول الله في [سورة الأنفال: ٧٥، والأحزاب/ ٦]: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾.
стр. 353
وأقربهم: الآباء والأمهات والأجداد والأولاد وأولادهم ما تناسلوا، ثم الأقرب فالأقرب من الإخوة وأولادهم، والأعمام والعمات وأولادهم، والأخوال والخالات وأولادهم، وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال لما سأله سائل قائلًا: من أبر يا رسول الله؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال "أمك". قال: ثم من؟ قال: "أمك". قال: ثمَّ من؟ قال: "أباك، ثم الأقرب فالأقرب" خرجه الإمام مسلم في صحيحه (١)، والأحاديث في ذلك كثيرة.
أمَّا أقارب الزوجة: فليسوا أرحاماً لزوجها إذا لم يكونوا من قرابته، ولكنهم أرحام لأولاده منها، وبالله التوفيق" (٢).
*****
стр. 354
أقسام الرحم
تنقسمُ الرحم إلى ثلاثة أقسام: أصلية وفرعية وعامة، وسوف نقصر الكلام على الرحم الأصلية والفرعية فقط.
أولًا: الرحم الأصلية:
وهما الأبوان وما يتصل بهما من قرابة مثل الأجداد فما علا، والإخوان والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات.
قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦].
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥].
ثانيًا: الرحم الفرعية:
وهم الأبناء والأحفاد، فما نزل، وما ثبت بالرضاع.
قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الروم: ٣٨].
ثالثًا: الرحم العامة:
وهم عموم المسلمين ممن يجمع بينهم كلمة التوحيد.
قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
وعن النُّعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلُ المؤمنينَ في تودِّاهم وتراحُمِهِم وتعاطفهم، مثلُ الجسدِ: إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهر والحُمَّى" (١)
стр. 355
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنكم سَتَفتَحُونَ أرضًا يُذكَرُ فيها القِيرَطُ، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمةً ورحما".
وفي رواية: "إنكم ستفتحونَ مصرَ، وهي أرض يُسمَّى فيها القيراط، فإذا افتتحتموها، فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمةً ورحمًا" أو قال: "ذمةً وصهرًا" (١).
قال العلماء: الرَّحمُ التي لهم كونُ هاجر أُمِّ إسماعيلَ ﷺ منهم، والصهر كونُ مارية أمِّ إبراهيمَ ابن رسول الله ﷺ منهم.
فالرحم العامة لهم الحقوق المشتركة بين المؤمنين عند ملابسة بعضهم بعضًا؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حق المُسلمِ على المسلم ست: إذا لقيتهُ فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبهُ، وإذا استنصَحَكَ فانصح لَهُ، وإذا عَطَس فَحَمِدَ اللهَ فَسَمَّتهُ، وإذا مَرِضَ فعده، وإذا ماتَ فاتبعهُ" (٢).
ومنها: أن يحب لنفسه ما يحب لغيره.
ومنها: نصرته، فلا يسلمه ولا يخذله.
ومنها: أن لا يؤذي أحدًا منهم، فلا يغتابه ولا يهجره فوق ثلاث.
ومنها: قبول هديته، وستره.
وغير ذلك من الحقوق العامة للمسلمين.