← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 121380

موسوعة الأخلاق - الخراز

خالد الخراز

Полный текст (529 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بتقديم المال لهم عن غيرهم بالنفقة، الزكاة والصدقات للمستحقين منهم أو الهبات والعطاء، والعناية باليتيم منهم على وجه الخصوص. معنى صلة الرحم الرَّحمُ: هم القرابة، ويطلق على كل من يجمع بينك وبينه نسب، وقد اختلف العلماء في حدّ الرحم التي تجبُ صلتها. قال الإمام الصنعاني: "قيل: هي الرحم التي يحرم النكاح بينهما، بحيث لو كان أحدهما ذكرًا حرم على الآخر، فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام ولا أولاد الأخوال، واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها في النكاح لما يؤدي إليه من التقاطع. وقيل: من كان متصلًا بميراث، ويدل عليه قوله ﷺ : "ثم أدناك أدناك". وقيل: هو من كان بينه وبين الآخر قرابة، سواء كان يرثه أو لا" (١). قلت: والأخير هو الراجح عند العلماء، وتطلق الرحم على الأقارب وهم كل من بينه وبين الآخر نسب سواء كان يرثه أم لا. وقال القاض عياض: "الرحمُ التي توصل وتقطع وتُبَرُّ إنَّما هي معنى من المعاني ليست بجسم، وإنَّما هي قرابة ونسب، تجمعه رحم والدة، ويتصل بعضه ببعض

стр. 352

فسُمِّي ذلك الاتصال رحمًا" (١). * من هم الأرحام وذو القربى؟ صلة الرحم على وجهين: عامة وخاصة، والأرحام على وجه الخصوص هم الأقارب من جهه الأبوين. قال الإمام القرطبي: "الرحم على وجهين:- فالعامة رحم الدين وتجب بملازمة الإيمان والمحبة لأهله، ونصرتهم، والنصيحة، وترك مضارهم، والعدل بينهم والنّصفة في معاملتهم والقيام بحقوقهم الواجبة كتمريض المرضى وحقوق الموتى من غسلهم، والصلاة عليهم ودفنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم. وأمَّا الرحم الخاصة، وهي رحم القرابة من طرفي الرجل أبيه وأمه، فتجب لهم الحقوق الخاصة وزيادة كالنفقة وتفقد أحوالهم وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضرورتهم، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة حتى إذا تزاحمت الحقوق بدئ بالأقرب فالأقرب" (٢). وقال العلامة ابن باز ﵀: "الأرحام هم الأقارب من النسب من جهة أمك وأبيك، وهم المعنيون بقول الله في [سورة الأنفال: ٧٥، والأحزاب/ ٦]: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾.

стр. 353

وأقربهم: الآباء والأمهات والأجداد والأولاد وأولادهم ما تناسلوا، ثم الأقرب فالأقرب من الإخوة وأولادهم، والأعمام والعمات وأولادهم، والأخوال والخالات وأولادهم، وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال لما سأله سائل قائلًا: من أبر يا رسول الله؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال "أمك". قال: ثم من؟ قال: "أمك". قال: ثمَّ من؟ قال: "أباك، ثم الأقرب فالأقرب" خرجه الإمام مسلم في صحيحه (١)، والأحاديث في ذلك كثيرة. أمَّا أقارب الزوجة: فليسوا أرحاماً لزوجها إذا لم يكونوا من قرابته، ولكنهم أرحام لأولاده منها، وبالله التوفيق" (٢). *****

стр. 354

أقسام الرحم تنقسمُ الرحم إلى ثلاثة أقسام: أصلية وفرعية وعامة، وسوف نقصر الكلام على الرحم الأصلية والفرعية فقط. أولًا: الرحم الأصلية: وهما الأبوان وما يتصل بهما من قرابة مثل الأجداد فما علا، والإخوان والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات. قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]. قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥]. ثانيًا: الرحم الفرعية: وهم الأبناء والأحفاد، فما نزل، وما ثبت بالرضاع. قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الروم: ٣٨]. ثالثًا: الرحم العامة: وهم عموم المسلمين ممن يجمع بينهم كلمة التوحيد. قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. وعن النُّعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلُ المؤمنينَ في تودِّاهم وتراحُمِهِم وتعاطفهم، مثلُ الجسدِ: إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهر والحُمَّى" (١)

стр. 355

وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنكم سَتَفتَحُونَ أرضًا يُذكَرُ فيها القِيرَطُ، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمةً ورحما". وفي رواية: "إنكم ستفتحونَ مصرَ، وهي أرض يُسمَّى فيها القيراط، فإذا افتتحتموها، فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمةً ورحمًا" أو قال: "ذمةً وصهرًا" (١). قال العلماء: الرَّحمُ التي لهم كونُ هاجر أُمِّ إسماعيلَ ﷺ منهم، والصهر كونُ مارية أمِّ إبراهيمَ ابن رسول الله ﷺ منهم. فالرحم العامة لهم الحقوق المشتركة بين المؤمنين عند ملابسة بعضهم بعضًا؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حق المُسلمِ على المسلم ست: إذا لقيتهُ فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبهُ، وإذا استنصَحَكَ فانصح لَهُ، وإذا عَطَس فَحَمِدَ اللهَ فَسَمَّتهُ، وإذا مَرِضَ فعده، وإذا ماتَ فاتبعهُ" (٢). ومنها: أن يحب لنفسه ما يحب لغيره. ومنها: نصرته، فلا يسلمه ولا يخذله. ومنها: أن لا يؤذي أحدًا منهم، فلا يغتابه ولا يهجره فوق ثلاث. ومنها: قبول هديته، وستره. وغير ذلك من الحقوق العامة للمسلمين.

стр. 356

حكم صلة الرحم المتأمل للنصوص القرآنية، والأحاديث النبوية يقطع بوجوب صلة الرحم بلا خلاف بين العلماء، وأن قاطعها آثم، مرتكب كبيرة من الكبائر. قال رسول الله ﷺ : "الرحمُ معلقة بالعرشِ تقولُ: من وصلني وصلهُ اللهُ، ومن قطعني قطعهُ الله" (١). قال القاضي عياض: "ولا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة، وقطيعتها معصية كبيرة. قال: والأحاديث في الباب تشهد لهذا، ولكن الصلة درجات بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة، وصلتها بالكلام ولو بالسلام، ويختلف باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب، ومنها مستحب، فلو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها، لا يسمى قاطعًا، ولو قَصَّر عما يقدر عليه وينبغي له، لا يسمى واصلًا" (٢). ومما تقدم نعلم أن صلة الرحم واجبة وقطيعتها حرام، وأن الحكم بالوجوب يرجع إلى الحاجة والحالة، فمن كان له أخ وعم مثلًا وأخوه غني وعمه فقير معدم، فإن صلة الأخ يكفي فيها الكلام والسلام والسؤال عن حاله وصحته ونصحه، أمَّا العم فلا يعتبر واصلًا له إلا إذا أعطاه من ماله إن كان مالكاً للمال قادراً.

стр. 357

قلت: فالأخ إذن يكفي في حقه الكلام والسؤال عن حاله وصحته؛ ولهذا يقول النبي ﷺ : "بُلُّوا أرحامكم ولو بالسلام" (١). وأما العم فلا يعتبر واصلًا له إلا إذا أعطاه من ماله إن كان قادراً. أما البر والإحسان للأقارب فيكون بما تيسر، ومما يدل أيضاً على أن الصلة واجبة قول أبي سفيان لهرقل عندما سأله: فماذا يأمركم -يعني النبي ﷺ ؟ قال: "يقول: "اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤُكم، ويأمُرُنا بالصلاة والصدقِ والعفافِ والصِّلة" (٢). وفي هذا الحديث دليل على أنَّ الصلة واجبة، وقد قُرنت بالصلاة والصدق والعفاف، ومما يزيد في بيان وجوبها قول النبي ﷺ : "إنَّ الرحم شُجنَةٌ من الرَّحمنِ، فقال اللهُ: مَن وَصَلَكِ وَصلتُهُ، ومن قَطَعَكِ قَطَعتُه" (٣). قوله: "شُجنةٌ من الرحمن" أي قرابة مشتبكة كاشتباك العروق، ومنه قولهم: شجرٌ متشجِّن، إذا التف بعضه ببعض. وأكَّد عليها ﷺ في قوله: "أرحامَكم أرحامكم" (٤). والأرحام الذين تجب صلتهم: كل من يجمع بينك وبينه نسب من جهة

стр. 358

الأب والأم، وتشمل الأصول والفروع كما تقدم. * بم تكون القطيعة ؟ قال الإمام الصنعاني: "اختلف العلماءُ: بأي شيءٍ تحصلُ القطيعةُ للرحم؟ فقال الزينُ العراقيُّ: تكونُ بالإساءةِ إلى الرَّحم، وقال غيرهُ: تكونُ بترك الإحسانِ؛ لأن الأحاديث آمرةٌ بالصلةِ، ناهية عن القطيعة، فلا واسطةَ بينهما، والصلةُ: نوع من الإحسانِ كما فسرها بذلك غيرُ واحدٍ، والقطيعةُ ضدها، وهي تركُ الإحسانِ" (١). * كيف تكون صلة الرحم ؟ اعلم -علمني الله وإياك- أن الصلة تختلف من شخص لآخر، وهي درجات بعضها أرفع من بعض كما تقدم ذكره، وقد أجمَلَ القول ابن أبي جمرة، فقال: "تكون صلة الرحم بالمال، وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر، وبطلاقة الوجه، وبالدعاء، وهذا إنما يستمر إذا كان أهل الرحم أهل استقامة، فإن كانوا كفارًا أو فجّارًا، فمقاطعتهم في الله هي صلتهم بشرط بذل الجهد في وعظهم، ثم إعلامهم إذا أصروا أن ذلك بسبب تخلفهم عن الحق، ولا يسقط مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب أن يعودوا إلى الطريق المثلى" (٢). قلت: وفي قول ابن أبي جمرة قيد مهم لمن امتنع عن صلة بعض الأرحام لفجوره، كمن يتعرض للإيذاء بدينه عند زيارة بعض أرحامه برؤية

стр. 359

الفواحش والمنكرات، ولا يستطيع تغييرها، أو أمّ تدفع بناتها للتعرف على الشباب الماجن عند زيارتها، أو أم مطلقة كلما زارها أولادها أخذت تدرسهم طريق الانحراف والضياع نكاية بطليقها، أو أب يطرد أبناءه عند زيارتهم له لدينهم وتمسكهم بالسنة النبوية، وعلى هذا فقس، ومثل هؤلاء الفساق يمكن صلتهم عن طريق الوسائل الحديثة (الهاتف) بالسلام والكلام فقط؛ حفظًا لدين الواصل وإيمانه، ولكنه يجتهد في نصحهم ما أمكن، فإن عجز عن ذلك هجرهم هجرًا جميلًا، ودعا لهم بالهداية بظهر الغيب. وقال ابن أبي جمرة: "المعنى الجامع للصلة: هو إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر حسب الطاقة". وقال النووي: "صلةُ الرحم هي الإحسانُ إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول، فتارةً تكونُ بالمالِ وتارةً بالخدمةِ، وتارةً بالزيارة والسلام وغير ذلك" (١). قلت: وتكون كذلك بعيادة المريض، وإجابة الدعوة والتهنئة بما يسر، والتعزية لكل مصيبة، وسداد الديون، وتفريج الكرب، والخدمة، والنصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودعوتهم لكل خير، وغير ذلك. *****

стр. 360

آداب صلة الرحم والعاقل من عمل بآداب وضوابط صلة الرحم، وهي: ١ - أن تستشعر أنَّ أرحامك أولى الناس ببرك ومعروفك وخيرك وعطفك وتوجيهك؛ قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥]. ٢ - الصبر على أذاهم، وسعة الصدر معهم. ٣ - رحمة صغيرهم، وتوقير كبيرهم. ٤ - الابتداء بالسلام، والبشاشة عند اللقاء. ٥ - الإصلاح بين المتخاصمين، وتجنب التقاطع. ٦ - قبول أعذارهم، ونسيان عيوبهم، فهذا يوسف ﵇ يقبل اعتذار إخوانه كما في سورة يوسف. ومن جميل ما قيل في نسيان عيوب الأقرباء قول الشاعر: وحَسبُكَ من ذلٍّ وسوءِ صنيعةٍ ... مناواةُ في القربى وإن قيل: قاطعُ ولكنْ أواسيه وأنسى عيوبَه ... لِتُرجِعَهُ يومًا إليَّ الرواجعُ ولا يستوي في الحكم عبدان ... واصل وعبدٌ لأرحام القرابةِ قاطعُ ٧ - على المرأة التزام الحجاب وعدم إظهار الزينة؛ كما في الآية: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي

стр. 361

إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١]. ٨ - عدم دخول البيوت إلا باستئذان. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ [النور: ٢٧]. ٩ - الفرح بإطعام القريب والتصدق عليه إن كان مسكينًا. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾ [النور: ٦١]. ١٠ - تقديم النصيحة لمن يحتاجها منهم وقبولها منهم. ١١ - كتم أسرار الأهل والمجالس بالأمانة. ١٢ - قبول هداياهم. ١٣ - نصرتهم وعدم خذلانهم، والستر عليهم. ١٤ - زيارتهم على الدوام، وبالأخص زيارة مريضهم وتشييع ميتهم.

стр. 362

١٥ - عدم الخلوة بغير المحارم كبنات العم والعمة والخال والخالة. ١٦ - عدم مصافحة غير المحارم. ١٧ - تجنب الخلطة المحرمة. * الأمر بتعلم الأنساب لصلة الرحم: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تَعَلَّمُوا من أَنسَابِكُم ما تَصلُونَ بهِ أَرحَامَكُم؛ فإن صلَةَ الرحِمِ مَحَبَّة في الأَهلِ، مَثرَاةٌ في المالِ، مَنسأةٌ في الأَثرِ" (١). قال ابن حزم: "فأما الفرض من علم النسب، فهو أن يعلم المرءُ أن محمدًا ﷺ القرشي الهاشمي، الذي كان بمكة، ورحل منها إلى المدينة، فمن شكَّ في محمد ﷺ .. فهو كافر، غير عارف بدينه، إلا أن يعذر الإنسان أباه وأمه، وكل من يلقاه بنسب في رحم محرمة، ليجتنب ما يحرم عليه من النكاح فيهم، وأن يعرف كل من يتصل به برحم توجب ميراثًا، أو تلزمه صلة، أو نفقة، أو معاقدة، أو حكمًا ما، فمن جهل هذا، فقد أضاع فرضًا واجباً عليه، لازماً له من دينه" اهـ (٢). وقال ابن حزم عن علم الأنساب: "إن فيه ما هو فَرضٌ على كل أحد، وما هو فَرضٌ على الكفاية، وما هو مستحبُّ" (٣).

стр. 363

قلت: وهذا الذي أشار إليه ابن حزم بأنه فرض هو معرفة الأرحام عن طريق النسب؛ حتى يتمكن المرء من صلتهم وفق الشرع، وليس من أجل العصبيات أو القبلية. قال الناظم: لَعَمرُكَ ما الإنسانُ إلا بدينه ... فلا تتركِ التقوى اتكالًا على النسب لقد رفعَ الإسلام سلمان فارسٍ ... وقد وضع الشرك النسيب أبا لهب فالتعرف على الأنساب من أجل صلة الرحم ودعوة الأرحام لدين الله، والإعانة هو المقصود، وليس من أجل العصبية والحمية الخارجة عن الإسلام، فلا ولاية للقرابة الكافرة، ولا قيمة لرحم معادية لله ولرسوله ﷺ ؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾ [الممتحنة١: ٣]. وقال رسول الله ﷺ : "مَن بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ، لم يُسرِع بهِ نَسَبُه" (١).

стр. 364

ليس الواصل بالمكافِئ من المفاهيم الخاطئة عند كثير من الناس قولهم: نحن نزور من يزورنا، ونقطع من يقطعنا، ولسان حالهم كحال الشاعر وهو يتمثل هذه الصفة الذميمة بقوله: ولستُ بهيابٍ لمن لا يهابني ... ولستُ أرى للمرءِ ما لا يرى ليا فإن تَدنُ مني تدن منك مودتي ... وإن تنأَ عنى تلقني عنك نائيا قلت: وليس هذا فحسب، بل تعدى ذلك إلى المخاصمة والتهاجر والتدابر، وهذا المفهوم -بلا شك- مخالف للنصوص الشرعية الداعية للتواصل، وعدم التقاطع والتنافر، ولهذا يقول الرسول ﷺ : "ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها" (١). وهذا الحديث ينفي المكافأة في الصلة، ولكن يقرر أن أصل الصلة أن تصل من قطعك، ولا تقتصر بصلة من وصلك، فالناس درجات: ١ - واصل. ٢ - مكافئ. ٣ - قاطع. وخيرهم الواصل؛ قال رسول الله ﷺ : "صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو على نفسك" (٢). وجاء في الحديث أن رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ لي قرابةً أَصِلُهُم

стр. 365

ويقطعُوني، وأُحسنُ إليهم وُيسيئون إليّ، وأحلُمُ عَنهُم ويجهلُونَ عليّ. فقال: "لَئِن كُنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهُمُ المَلَّ، ولا يزالُ معكَ مِنَ الله ظهير عليهم ما دُمتَ على ذلك" (١). قوله: (يجهلون عليّ) أي: يسيئون، والجهل هنا القبيح من القول. قال الإمام النووي ﵀: "هو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شيء على هذا المحسن، بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته، وإدخالهم الأذى عليه (٢). وقيل: معناه أنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتُحقِّرهم في أنفسهم، لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم كم يسف المل. وقيل: ذلك الذي يأكلونه من إحسانك كالملِّ يحرق أحشاءهم، والله أعلم. قال أبو العتاهية: فكأنما الإحسان كان له ... وأنا المسيء إليه في الحكم ما زال يظلمني وأرحمه ... حتى بكيت له من الظلم قلت: ولا ننسى في هذا المقام عفو أبي بكر الصديق ﵁ عندما حلف أن يقطع النفقة عن مِسْطَحُ بن أُثَاثَة، الذي أذاه في عرضه في حادثة الإفك، وكان أبو بكر الصديق ﵁ معروفًا بالإحسان، له الفضل والأيادي الجميلة على الأقارب والأجانب، وعندما ولَغَ مسطح في عرضه، لم يمنعه ذلك من

стр. 366

معاودة إحسانه في سبيل الله لما نزل قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢]. وفي هذا الموقف درس وعبرة للذين يقطعون أرحامهم لتوافه الأمور من أجل كلمة أو زلة .. (١). قال المقنع الكندي يصف علاقته مع قرابته، وكيف يسيئون إليه ويكرمهم: وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمّي لمُختلفٌ جِدّا إذا قدحوا لي نارَ حربٍ بزندهم ... قدحت لهم في كلِّ مكرمةٍ زندا وإن أكلوا لحمي وَفرتُ لحومَهُم ... وإن هدموا مجدي بنيتُ لهم مجدا ولا أحمِلُ الحقدَ القديمَ عليهمُ ... وليس رئيسُ القوم مَن يَحمِلُ الحقدا وأعطيهمُ مالي إذا كنت واجدًا ... وإن قلّ مالى لم أكَلفهمُ رفدا ****

стр. 367

أمثلة تطبيقية من السيرة النبوية لصلة الرحم كثيرة هي الأمثلة التي وقفها النبي ﷺ مع أرحامه وقرابته، فكان يدعوهم إلى الله تعالى، ويثني عليهم ويفخر بهم ويدعو لهم ويعينهم بالمال والفعال، ويوصي بأرحامه خيرًا، ويحذر من إيذاؤهم، ويحث على حُبِّهم والقيام بواجب حقِّهم، على الرغم من عداوة بعضهم له غير أنه كان بهم برًا رحيما. عُرِفَ النبي ﷺ بصلة الرحم قبل البعثة، كما جاء في صحيح البخاري، ومسلم من قول أم المؤمنين خديجة ﵂ في قصة بدء الوحي: "كَلا وَاللهِ مَا يُخزِيكَ اللهُ أَبَدًا إِنكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ". وعن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، قام النبي ﷺ قال: فنادى: "يا بني كعب بن لُؤي! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد! أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لك من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبُلُّها بِبِلالها" (١). قلت: وفي بعض الروايات جعل يسمي يا عباس بن عبد المطلب. يا صفية عمة رسول الله. كل ذلك يوصي وينصح أرحامه ويعم ويخص ﷺ . وكان رسول الله ﷺ يدعو لأرحامه ويثني عليهم ويتألم لإيذاء أحد منهم ويوصى بأهل بيته خيرًا.

стр. 368

عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أُذكركُمُ اللهَ في أهلِ بيتي" (١). وهذا الحديث غاية في الوصية بهم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العباس عم رسول الله، وإن عم الرجل صنو أبيه" (٢). وعن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عمي وصنو أبي العباس" (٣). أي احفظوا حقي فيه وأنزلوه منزل الإكرام ولا تؤذوه. وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من آذي العباس فقد آذاني إنما عم الرجل صنو أبيه" (٤). ودعا لأبنه عبد الله بن عباس ﵁ أن يعلمه التأويل والفقه في الدين. وكان يثني على سعد بن أبي وقاص ﵁ ويفخر به، وسعد بن مالك من بني زهرة يشترك مع أم النبي ﷺ في النسب من بني زهرة كذلك، فهو من أخوال النبي ﷺ . عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "هذا خالي فليرني امرؤ خاله" (٥).

стр. 369

وكان رسول الله ﷺ يعود سعد ويزوره عندما مرض ومن دعاء النبي ﷺ له: "اللهُم اشفِ سعدًا، وأتمم له هِجرَته" (١). وهذا الزبير بن العوام ﵁ ابن عمته صفية بنت عبد المطلب أثنى عليه. قال رسول الله ﷺ : "لكُلِّ نبيٍّ حواري، وحواري الزبير" (٢)، وجمع له رسول الله ﷺ أبويه فقال: "فداك أبي وأمي" (٣). وحنَّك رسول الله ﷺ ابنه ووضعه في حجره، ثم دعا بتمره فمضغها، ثم بصقها في فيه ومسحه وصلى عليه وسماه عبد الله (٤). ومن حرص النبي ﷺ على دعوة عمه أبا طالب عند الوفاة ما رواه البخاري (١٣٦٠ فتح) ومسلم (٢٤) عن المسيب بن حزن ﵁ قال: "لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول اللهُ ﷺ : "يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهدُ بها عند الله"، فقال أبو جهل وعبدُ الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! أترغبُ عن ملةِ عبد المطلب؟! فلم يزل رسولُ الله ﷺ يعرضها عليه، ويُعيدُ له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملةِ عبد المطلب، وأبى أنْ يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : "أَما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أنه عنك"، فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ

стр. 370

وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣]، وأنزل الله تعالى في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦]. فقل لي بربك أيها العاقل -الودود- بعد هذا التطواف في بساتين الصلة، ومطالعة الآثار المترتبة على القطيعة، والواجب المناط بكل مسلم ومسلمة، تجاه أرحامه، أفيصبح عاقلًا من يقطع أرحامه؟ ويدرك خطر العاقبة وهو يقرأ قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ [محمد: ٢٣]. أيسمى عاقلًا من يبصر النجاة، ورضا مولاه، ثم لا يكون لأرحامه وصولًا؟ أمامك فانظر أيّ نهجك تنهجُ ... طريقان شتى مستقيمٌ وأعوجُ *****

стр. 371

٤ - الأدب مع الجار قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]. عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَا زَالَ جِبرِيلُ يُوصينِي بِالجَارِ حتَّى ظَنَنتُ أَنهُ لَيُوَرِّثنَّه" (١). الإحسان إلى الجار وإكرامه أمر مطلوب شرعًا، وللجار على جاره حقٌّ عظيم في الأديان كلها والشرائع والأوضاع كافة. ولكن ياللأسف الشديد كثير من الناس اليوم لا يعرف جاره ولا يسأل عنه، أو يتفقد أحواله، وبعضهم لا يهتمون بحق الجوار، ولا يأمن جيرانهم من شرورهم، فتراهم دائمًا في نزاع معهم وشقاق واعتداء على الحقوق، والنصوص في بيان إكرام الجار وحفظ حقوقه كثيرة، والترهيب من أذى الجار وفيرة. الجارُ: القريب منك في المنزل له منزلة وحق، سواء كان الجوار علوي أو سفلي، أو جانبي، ويشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والغريب وابن البلد، والنافع والضار، والقريب والأجنبي، والأقرب دارًا والأبعد.

стр. 372

آداب حسن الجوار ١ - حفظ حقوقه العامة . وله حق كبير عليك، فإن كان قريبًا منك في النسب وهو مسلم فله ثلاثة حقوق: حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإسلام. وإن كان مسلمًا وليس بقريب في النسب فله حقان: حق الجوار، وحق الإسلام، وإن كان غير مسلم وهو قريب، فله حقان: حق القرابة وحق الجوار، وإن كان غير مسلم وليس بقريب، فله حق الجوار. وجملة حق الجار: أن يبدأه بالسلام إن كان مسلمًا، ويعوده في المرض، ويعزيه في المصيبة، ويهنئه بالفرح، ويظهر الشركة في السرور معه، ويصفح عن زلاته، ولا يطلع من السطح على عوراته، ولا يضايقه، ولا يضيق طريقه إلى الدار، ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره، ويستر ما ينكشف له عن عوراته، وينعشه من صرعته إذا نابته، ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، ولا يسمع عليه كلامًا، ويغض بصره عن حرمته، ويتلطف لولده في كلمته، ويرشده إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه. عن أَبِي هريرة ﵁ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "حَقُّ المسلِمِ عَلَى المسلِمِ سِتٌّ"، قِيلَ: مَا هُن يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: "إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلم عَلَيهِ، وَإِذا دَعَاكَ فَأجِبهُ، وَإِذا استنصَحَكَ فَانصَح لَهُ، وَإِذا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتهُ، وَإِذَا مَرِضَ فعُدهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعه" (١).

стр. 373

٢ - الإهداء له . عن أَبي هريرة ﵁ عن النبِي ﷺ قال: "يَا نِسَاءَ المسلِمَاتِ، لا تَحقِرَن جَارَةٌ لِجَارَتهَا وَلَو فِرْسِنَ شَاةٍ" (١). عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهم منك بابًا" (٢). عن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه ذُبحت له شاة، فجعل يقول لغلامه: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيُورِّثه" (٣). ٣ - مواساته عند الحاجة، وتفقد أحواله . عن ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس المؤمن بالذي يشبع، وجاره جائع إلى جنبه" (٤). قال شيخنا العلامة الألباني: "في الحديث دليل واضح على أنه يحرم على الجار الغني أن يدع جيرانه جائعين، فيجب عليه أن يقدم إليهم ما يدفعون به الجوع، وكذلك ما يكتسون به إن كانوا عراة، ونحو ذلك من الضروريات، ففي الحديث إشارة إلى أن في المال حقًا سوى الزكاة، فلا يظنن الأغنياء أنهم قد برئت ذمتهم بإخراجهم زكاة أموالهم سنويًا، بل عليهم حقوق أخرى لظروف وحالات طارئة، من الواجب عليهم القيام بها، وإلا دخلوا في وعيد

стр. 374

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما آمن بي من بات شبعانًا وجارُهُ جائع إلى جنبه وهو يعلم به" (١). وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا طبختم اللحم فأكثروا المرق، أو الماء فإنه أوسع، أو أبلغ للجيران" (٢). وعن أبي ذر ﵁ قال: إن خليلي ﷺ أوصاني: "إذا طَبَخْتَ مَرَقاً فَأكثر مَاءَه، ثم انظر أهل بيتٍ من جيرانك فأصبهم منها بمعروف" (٣). قلت: وهذا البر نوع من الصلة المحموده ببذل الطعام لغير عوض من أسباب الألفة بين الجيران، وقيل في منثور الحكم: الجود بذل الموجود. ٤ - مساعدته ونفعه . عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبه في جداره" (٤)، هذا إذا لم يترتب عليه من إيقاع الضرر بالجار، فيندب له قبول ذلك منه، ويتنازل له في وضع خشبه أو ضرب وتدٍ أو بفتح شيء بالحائط أو نحوه مما ينتفع به الجار الآخر، إذا كان لا يضر به، كوهن الحائط أو غير ذلك، أمَّا الجدار المملوك فلا ينتفع به الجار إلا بإذن جاره، ولا يقيم عليه بناء، أو يغرز به خشبة، أو يفتح به كُوَّة، إلا بإذنه، ولكن يندب لصاحب

стр. 375

الدار أن يمكن جاره من ذلك، لحديث الباب، ولعمري هذا التوجيه النبوي الشريف لو التزمه الناس اليوم، لما وصلوا إلى القضاء، أو إلى المحاكم. عن ابن عمر ﵁ قال: لقد أتى علينا زمان -أو قال: حين- وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ثم الآن الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كم من جارٍ متعلق بجاره يوم القيامة، يقول: ياربِّ! هذا أغلق بابه دوني، فمنع معروفه" (١). ٥ - الإحسان إليه وإكرامه . عن أبي شريح وأبي هريرة ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره" (٢). وعن أبي شريح العدوي ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره" (٣). ٦ - الجار أولى الناس بشراء البيت أو الأرض من جاره . عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من كانَت لهُ أرضٌ فأرادَ بَيعَها، فَليَعرِضها على جارِهِ" (٤). ٧ - صنع الطعام للجيران لوفاة ميت عندهم . قال شيخنا الألباني ﵀ في أحكام الجنائز (٢١١): "وإنما السنةُ أن يصنع أقرباءُ الميت وجيرانه لأهل الميت طعامًا يُشبعهم؛ لحديث عبد الله ابن

стр. 376

جعفر ﵁ حين قُتل قال النبيُّ ﷺ : "اصنعوا لآل جعفرٍ طعامًا، فقد أتاهم أمر يشغلهم، أو أتاهم ما يشغلهم". أخرجه أبو داود، والترمذي وحسنه .. قال الإمام الشافعي في "الأم" (١/ ٢٤٧): "وأحب لجيران الميت أو ذي القرابة أن يعملوا لأهل الميت في يوم يموتُ وليلته طعامًا يُشبعهم، فإن ذلك سنةً، وذكرٌ كريمٌ، وهو من فعل أهل الخير قبلنا وبعدنا". ٨ - تجنب الوقوع في الخطأ معه . عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذي جاره، واستوصوا بالنساء خيرًا" (١). وعن ابن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك". قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثمَّ أيُّ؟ قال: "وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك". قلت: ثمَّ أي؟ قال: "أن تُزاني حليلة جارك" (٢). عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخلُ الجنةَ من لا يأمن جارُهُ بوائقَهُ" (٣). ومن الواجب غض البصر عن عورات الجار ومحارمه، وعدم إلحاق الأذى به من جميع الجوانب. والآداب مع الجار كثيرة، ومنها السلام عليه، والتبسم في وجهه، ودعوته واحترامه والتعاون معه على الخير، وكذلك حفظ أسراره؛ لأن الجار قد يطلع على أمور لا يراها غيره، وهذا برأيي من الأمور المهمة بين الجيران.

стр. 377

٥ - الأدب مع الأصحاب إذا رزق المرء بصاحب صادق فتلك نعمه عظمى من المولى ، وسعادة كبرى يغبطهم على ذلك الأنبياء والرسل يوم القيامة. قال الشاعر: تمسك إن ظفرت بذيل حرٍ ... فإن الحر فى الدنيا قليلُ لأن كثيرًا من الناس اليوم أصبحت علاقاتهم نفعية، وتآخيهم صلات دنيوية فحسب، ناسين أو متناسين أن أعظم أركان التآخي والخلة ما كانت لله وبالله. أما الصداقات النفعية والمصلحية فهي في الدرجة الدنيا ولا يطلق عليها اسم الصداقة إلا تجنيًا، وإنما هي علاقات نفعية ولا مجال للحديث عنها هنا ولا وجه للمقارنة بين ما عزمنا الكتابة فيه وبين صداقة المصلحة. قال الشاعر: وكل صديق ليس في الله وُدُّه ... فإني به فى ودِّه غير واثقِ وصديق المصلحة تزول صداقته مع زوالها، وإنا إذ عالجنا مختلف ضروب الصداقة كنا نقصد بذلك إيضاح الحسن من خلال مقارنته بالسيء، أو بيان الفاضل من خلال مقارنته بالمفضول. وكم بلية وقعت بالاستهانة بخلطاء السوء وجلساء الباطل، فكانت مجالستهم مرض فتاك، حتى أوقعت بعضهم في الجحيم باعتناق عقائد زائغة، أو سلوك هابط مشين.

стр. 378

أنواع الصحبة وما من إنسان إلا وله أصحاب يصحبهم اضطرارًا، أو اختيارًا. قال الماوردي: "والمؤاخاة في الناس قد يكون على وجهين: أحدهما: أُخوة مكتسبة بالاتفاق الجاري مجرى الاضطرار. والثانية: أخوة مكتسبة بالقصد والاختيار" (١). فصحبة الاضطرار من يضطر إلى صحبته في السفر يدله على طريق ونحوه. أما صحبة الاختيار من يتخذه المرء خليلًا ويصطفيه صاحبًا. والحديث هنا عن صحبة الاختيار. قال عمر بن الخطاب ﵁: "عليك بإخوان الصدق فَعِش في أكنافهم، فإنهم زين في الرخاء، وعُدَّة في البلاء" (٢). وقال مالك بن دينار ﵀: "كل أخ وجليس وصاحب لا تستفيد منه في دينك خيرًا فانبذ عنك صحبته" (٣). والصحبة الصالحة زاد الطريق، والأخوة في الله هم نعيم الدنيا الباقي. قال الشاعر: وما المرء إلا بإخوانه ... كما تقبض الكفُّ بالمعصمِ ولا خير في الكفِّ مقطوعةً ... ولا خير فى الساعد الأجذمِ

стр. 379

والناس في آداب الصحبة لهم وجوه متعددة، "فالصحبة تنقسم إلى ما يقع بالاتفاق كالصحبة بسبب الجوار، أو بسبب الاجتماع في المكتب، أو في المدرسة، أو في السوق، أو على باب السلطان، أو الأسفار، وإلى ما ينشأ اختيارًا ويقصد، وهو الذي نريد بيانه إذ الأخوة في الدين واقعة في هذا القسم لا محالة إذ لا ثواب إلا على الأفعال الاختيارية، ولا ترغيب إلا فيها، والصحبة عبارة عن المجالسة والمخالطة والمجاورة" (١). وقال: "والصحبة تتفاوت، فإنها إذا قويت صارت أخوة، فإن ازدادت صارت محبة، فإن ازدادت صارت خلة، والخليل أقرب من الحبيب، فالمحبة ما تتمكن من حبة القلب، والخلة ما تتخلل سر القلب، فكل خليل حبيب، وليس كل حبيب خليلا، وتفاوت درجات الصداقة لا يخفى بحكم المشاهدة والتجربة" (٢). ****

стр. 380

آداب الصحبة للصحبة آداب كثيرة اجتهد في جمعها كثير من العلماء والأدباء، وأوردها بعضهم في رسائل مفردة، وبعضهم نثرها في كتبه لما لها من الأهمية. قال الماوردي ﵀: "فإذا صفت عنده أخلاق من سَبَره، وتمهدت لديه أحوالُ من خَبَره، وأقدم على اصطفائه أخًا، وعلى اتخاذه خِدنًا (١)، لزمَته حينئذ حقوقُه، ووجبَت عليه حُرُماته" (٢). عن سفيان بن عيينة: قال علقمةُ بن لَبِيد العُطَارِدِيّ لابنه: يا بنيّ، إن نَزَعَتكَ إلى صُحبةِ الرجال حاجةٌ، فاصحب من إن صحبته زانك، وإن خَدَمتَه صانك، وإن عَرَكت به مانك. وإن قُلتَ صدَّق قولك، وإن صُلتَ سدَّد صولك، يزاولُ عنك من رام ونالك. وإن مددتَ يدكَ بفضلٍ مَدّها، وإن بدرت منك ثُلمةٌ سدَّها، وإن رأى منك حسنةً عدَّها. من إن سألتَه أعطاك، وإن سكتَّ عنه ابتداك. من إن نَزَلت بك إحدى الملِمَّات آساك. من لا تأتيك منه البوائق، ولا تَختلفُ عليكَ منه الطرائق، ولا يخذُلُكَ عند الحقائق.

стр. 381

من إن حاولت حَويلًا أمَّرك، وان تَنَازعتُما مَنفَسًا آثرك (١). أخي -الودود- إليك بعضًا من هذه الآداب على سبيل المثال لا الحصر: ١ - المصاحبة على الدين والوفاء . عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تواد اثنان في الله فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما" (٢). وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصلين في، وحقت محبتي للمتناصحين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، المتحابون على منابر من نور يغبطهم النبيون والصديقون والشهداء" (٣). ومما رواه البخاري ومسلم قول النبي ﷺ : "ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه". فالمصاحبة على الدين أساس العلاقة وأعظم أركان الصحبة الحب في الله، والوفاء هو الثبات على الحب مع من تحب حتى الممات. قال ابن قدامة المقدسي ﵀: "اعلم أن من يحب في الله يبغض في الله، فإنك إذا أحببت إنسانًا لكونه مطيعًا لله، فإذا عصى الله أبغضته في الله؛ لأن من أحب لسبب أبغض لوجود ضده، ومن اجتمعت فيه خصال محمودة ومكروهة، فإنك تحبه من

стр. 382

وجه وتبغضه من وجه، فينبغي أن تحب المسلم لإسلامه، وتبغضه لمعصيته، فتكون معه على حالة متوسطة بين الانقباض والاسترسال، فأما ما يجري منه مجرى الهفوة التي يعلم أنه نادم عليها، فالأولى حينئذ الإغماض والستر، فإذا أصر على المعصية، فلا بد من إظهار أثر البغض بالإعراض عنه والتباعد، وتغليظ القول له على حسب غلظ المعصية وخفتها" (١). والخل الوفي من تكون عشرته مع خليله على سنة رسول الله ﷺ في هديه وعبادته وسلوكه وشمائله وما آمن به ﷺ . قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. والعاقل من يكون اجتماعه بأصحابه تعاونا على البر والتقوى، وتواصيًا بالحق والصبر. قال العلامة ابن قيم الجوزية ﵀: "الاجتماع بالإخوان قسمان: أحدهما: اجتماع على مؤانسة الطمع، وشغل الوقت، فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب، ويضيع الوقت. والثاني: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصى بالحق والصبر، فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها" (٢).

стр. 383

٢ - التعامل بالأخلاق الحسنة . التحلي بالأخلاق من شيم النفوس الشريفة والخلال الحميدة، فعلى الخليل أن يتصف بالأخلاق الكريمة في قوله وفعله حتى يعظم في عين صاحبه. يكفي في الخلق الحسن أنه سبب لمحبة الله تعالى، ومحبة رسوله ﷺ ، وأنه حسن عند كل الناس، والنصوص في هذا الباب متوافرة من القرآن والسنة. عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ من خياركم أحسنكم أخلاقاً" (١). أول مفسدات الصحبة الخصومة والجدال، والحط من قدر الآخرين، وبطر الحق، وغمط الناس، ومن أدب الصحبة مجانبة التباغض والتحاسد. قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]. ما أروع التعامل بالأخلاق الحسنة بين الناس عموماً، ومع الأخلاء خصوصاً بالقول والفعل. ومن حسن الخلق مع خليلك في مجالسته الإصغاء إليه، "فلا تقطع حديثه فإن ذلك من سوء المجالسة، أو تبدره إلى تمام ما ابتدأ به منه خبراً كان أو شعراً، تُتمُّ له البيتَ الذي بدأ به، وتريه أنك أحفظُ له منه، فهذا غايةُ في سوء المجالسة، بل يجب أن تصغي إليه كأنك لم تسمعه قط إلا منه" (٢).

стр. 384

٣ - إعلان المحبة لله تعالى . الحب في الله أوثق عرى الإيمان، والمتحابون في الله لهم منابر من نورٍ يوم القيامة يغبطهم النبيون والشهداء، والحب في الله فضيلته أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله رجلين تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، والحياة لها طعم حين نعيشها لله، ولها طعمان حين نعيشها مع أُناسِ نُحِبُّهم في الله ويحبوننا، وكلمة (أحبك) محببة للنفس، وعندما تقال لله يكون لها وقع في النفوس، فالحب في الله مساحة كبيرة، وأرض فسيحة نباتها الصدق والإخلاص وماؤها التواصي بالحق والصبر، ونسيمها حسن الخلق، فما أشجَى الأسماع مثل كلمة أُحِبُّك في الله. عن المقداد بن معدي كرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه" (١). وفي رواية: "إذا أحبّ أحدكم أخاه فليعلمه فإنه أبقى في الألفة وأثبت في المحبة" (٢). وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته في منزله فليخبره أنه يحبه لله" (٣). قال بعض الصالحين: كلما قرأت قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ

стр. 385

لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف: ٦٧]. ندمت على كل صحبة ورفقة، وإذا قرأت ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ فرحت أنَّ لي أخوة أحبهم في الله. من كمال الشريعة الإسلامية حث العباد على توثيق الصلات، وجمع الشمل بدعوة العباد إلى الحب في الله إذا اتصفوا بمكارم الأخلاق، فيكون الحب لهم لله لا لذة ولا منفعة، كما ندب الإسلام المسلم إذا أحب فلانًا أن يقول له: إني أحبك في الله حتى يستميل قلبه ويستجلب وُدَّهُ. قال المناوي ﵀ -: "قوله: (فليخبره أنه يحبه) بأن يقول إنِّي أحبك لله أي لا لغيره من إحسان أو غيره، فإنه أبقى للألفة وأثبت للمودة، وبه يتزايد الحب ويتضاعف وتجتمع الكلمة، وينتظم الشمل بين المسلمين وتزول المفاسد والضغائن وهذا من محاسن الشريعة" (١). (تنبيه) نبه الشيخ المناوي في "فيض القدير" أن ظاهر الحديث لا يتناول النساء فإن اللفظ (أحد) بمعنى واحد وإذا أريد المؤنث إنما يقال إحدى لكنه يشمل الإناث على التغليب وهو مجاز معروف مألوف وإنما خص الرجال لوقوع الخطاب لهم غالبًا، وحينئذٍ إذا أحبت المرأة أخرى لله ندب إعلامها. قال سفيان بن عيينة ﵀: "من أحب رجلًا صالحًا فإنما يحب الله ﵎" (٢). كل صحبة لا تقوم على الحب في الله فإنها لا تقوى، ومما يوثق الحب

стр. 386

إعلان المحبة. ولك أن تبصر هذه الصورة الرائعة، وأثرها الطيب في تبادل الحب كما في حديث أنس ﵁ قال: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ ، إذ مرَّ رجل، فقال رجل من القوم: يا رسول، إني لأحب هذا الرجل. قال: "هل أعلمته ذلك"؟ قال: لا. فقال: "قم. فأعلمه" قال: فقام إليه فقال: يا هذا، والله إني لأحبك في الله. قال: أحبك الذي أحببتني له (١). وتأمل كيف كان رسول الله ﷺ يحب أصحابه ويعلن ذلك أمام الملأ، ولكل من سأل، فعن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثهُ على جيش ذات السلاسل، فأتيتهُ فقلتُ: أيُّ الناس أحبُّ إليكَ؟ قال: "عائشة" قلتُ: من الرجال؟ قال: "أبوها". قلتُ: ثمَّ من؟ قال: "عمر". فعدَّ رجالًا (٢). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أسامة أحب الناس إليَّ" (٣). ٤ - خفض الجناح . اللين والرفق والبشاشة والطلاقة والسماحة وخفض الجناح أحد وسائل تملك القلوب، والصاحب البصير من يخفض جناحه لإخوانه فيقابل السيئة بالحسنة، والإساءة بالمغفرة، والجناح استعارة يقصد منها لين الجانب مع

стр. 387

الأصحاب، وذلك باستعمال الذل المحمود بالعطف والرقة ولين الجانب بخفضه وعدم الشموخ والتعالي، وقد وجه الله سبحانه نبيه بالتواضع للمؤمنين فقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]. وقال سبحانه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. أي باتخاذ العطف واللين والتواضع مع المؤمنين، وليس أنهم أذلة مهانون، بل هذا الذل محمود كما قال سبحانه في حق الوالدين: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]. أي ألن لهما جانبك وتذلل لهما برقتك عليهما. والعاقل من خفض جناحه لإخوانه، فنال محبتهم، فأسكنوه قلوبهم، ويكون ذلك بالخلق الحسن. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار" (١). قال الإمام الشافعي: "ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته" (٢). ٥ - الانبساط والمواساة في مالك . عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "حقت محبتي للمتباذلين فيَّ" (٣).

стр. 388

قال يزيد بن عبد الملك: "إني لأستحي من الله أن أسأل الجنة لأخ من إخواني وأبخل عليه بدينار أو درهم". وفي هذا المعنى قال الشاعر: عجبتُ لبعض الناس يبذلُ ودهُ ... ويمنع ما ضُمَّت عليه الأصابعُ إذا أنا أعطيتُ الخليل مودتي ... فليس لمالي بعد ذلك مانعُ الخليل المحب يعين خليله ولا يبخل عليه بشيء من ماله مما يقدر عليه. وأحسن القائل: وتركي مواساة الأخلاء بالذي ... تنال يدي ظلمٌ لهم وعقوقُ وإنِّيَ أستحيي من الله أن أُرى ... بحال اتساعٍ والصديق مَضِيقُ قال الشاعر: من كان للخير منَّاعاً فليس لهُ ... عندَ الحقيقة إخوانٌ وأخْدانُ (١). المواساة بالمال مع الإخوان على ثلاث مراتب: أ- أن تقوم بحاجة أخيك من فضل مالك. ب- أو تنزله منزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك. عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: لمَّا حفر الخندق رأيت من النبي ﷺ خمصاً فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصاً شديداً؟ فأخرجت لي جراباً فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن، فذبحتها فطحنت ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليتُ إلى

стр. 389

رسول الله ﷺ ، فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه. فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله ذبحتُ بُهُيَمةً لنا، وطحنتُ صاعًا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك فصاح رسول الله ﷺ : "لا تنزلن بُرمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء". فجئت وجاء رسول الله ﷺ يقدُم الناس حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلتُ الذي قلت، فأخرجت لنا عجينًا فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك، ثم قال: "ادع خبازةً فلتخبز معك، واقدحي من برمتك ولا تنزلوها". وهم ألف، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغيظ كما هي وإن عجيننا كما هو (١). كان أبو جعفر محمد بن علي يدعو نفرًا من إخوانه كل جمعة فيطعمهم الطعام الطيب، ويطيبهم، ويبَخِّرهم، ويروحون إلى المسجد من منزله (٢). وكان سعيد بن العاص يدعو جيرانه وجلساءه في كل يوم جمعة، فيصنع لهم الطعام، ويكسوهم الثياب، فإذا أرادوا أن يتفرقوا أمر لهم بالجوائز". وبعث إليهم (٣). ج- أو تؤثره على نفسك وتقدم حاجته على حاجتك. قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].

стр. 390

٦ - الإعانة بالنفس في قضاء المصالح والقيام بها قبل السؤال . * قال بعضهم: إذا استقضيت أخاك حاجة فلم يقضها وهو قادر، فذكره ثانية فلعله أن يكون قد نسى، فإن لم يقضها فكبر عليه، واقرأ هذه الآية: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦]. قال الناظم: خليلٌ أتاني نفعهُ عند حاجتي ... إليه وما كلُّ الأخلاءِ ينفعُ يُشفعني فيما يعزُّ وجُودُهُ ... وَيمْهَدُ لي عندَ الرِّجال فيشفعُ ٧ - أن تحب لصاحبك ما تحبه لنفسك من الخير . عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (١). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسُ محمدٍ بيده لا يؤمن أَحدُكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير" (٢). قال ابن حزم: "لا تكلف صديقك إلا مثل ما تبذل له بنفسك، فإن طلبت أكثر: فأنت ظالم" (٣). ٨ - تحسين ما يعاينه من عيوب صاحبه بالنصيحة والرفق واللين والتواصي بالحق . قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١].
следующие страницы →