← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 121380

موسوعة الأخلاق - الخراز

خالد الخراز

Полный текст (529 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

إعلان المحبة. ولك أن تبصر هذه الصورة الرائعة، وأثرها الطيب في تبادل الحب كما في حديث أنس ﵁ قال: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ ، إذ مرَّ رجل، فقال رجل من القوم: يا رسول، إني لأحب هذا الرجل. قال: "هل أعلمته ذلك"؟ قال: لا. فقال: "قم. فأعلمه" قال: فقام إليه فقال: يا هذا، والله إني لأحبك في الله. قال: أحبك الذي أحببتني له (١). وتأمل كيف كان رسول الله ﷺ يحب أصحابه ويعلن ذلك أمام الملأ، ولكل من سأل، فعن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثهُ على جيش ذات السلاسل، فأتيتهُ فقلتُ: أيُّ الناس أحبُّ إليكَ؟ قال: "عائشة" قلتُ: من الرجال؟ قال: "أبوها". قلتُ: ثمَّ من؟ قال: "عمر". فعدَّ رجالًا (٢). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أسامة أحب الناس إليَّ" (٣). ٤ - خفض الجناح . اللين والرفق والبشاشة والطلاقة والسماحة وخفض الجناح أحد وسائل تملك القلوب، والصاحب البصير من يخفض جناحه لإخوانه فيقابل السيئة بالحسنة، والإساءة بالمغفرة، والجناح استعارة يقصد منها لين الجانب مع

стр. 387

الأصحاب، وذلك باستعمال الذل المحمود بالعطف والرقة ولين الجانب بخفضه وعدم الشموخ والتعالي، وقد وجه الله سبحانه نبيه بالتواضع للمؤمنين فقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]. وقال سبحانه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. أي باتخاذ العطف واللين والتواضع مع المؤمنين، وليس أنهم أذلة مهانون، بل هذا الذل محمود كما قال سبحانه في حق الوالدين: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]. أي ألن لهما جانبك وتذلل لهما برقتك عليهما. والعاقل من خفض جناحه لإخوانه، فنال محبتهم، فأسكنوه قلوبهم، ويكون ذلك بالخلق الحسن. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار" (١). قال الإمام الشافعي: "ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته" (٢). ٥ - الانبساط والمواساة في مالك . عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "حقت محبتي للمتباذلين فيَّ" (٣).

стр. 388

قال يزيد بن عبد الملك: "إني لأستحي من الله أن أسأل الجنة لأخ من إخواني وأبخل عليه بدينار أو درهم". وفي هذا المعنى قال الشاعر: عجبتُ لبعض الناس يبذلُ ودهُ ... ويمنع ما ضُمَّت عليه الأصابعُ إذا أنا أعطيتُ الخليل مودتي ... فليس لمالي بعد ذلك مانعُ الخليل المحب يعين خليله ولا يبخل عليه بشيء من ماله مما يقدر عليه. وأحسن القائل: وتركي مواساة الأخلاء بالذي ... تنال يدي ظلمٌ لهم وعقوقُ وإنِّيَ أستحيي من الله أن أُرى ... بحال اتساعٍ والصديق مَضِيقُ قال الشاعر: من كان للخير منَّاعاً فليس لهُ ... عندَ الحقيقة إخوانٌ وأخْدانُ (١). المواساة بالمال مع الإخوان على ثلاث مراتب: أ- أن تقوم بحاجة أخيك من فضل مالك. ب- أو تنزله منزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك. عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: لمَّا حفر الخندق رأيت من النبي ﷺ خمصاً فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصاً شديداً؟ فأخرجت لي جراباً فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن، فذبحتها فطحنت ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليتُ إلى

стр. 389

رسول الله ﷺ ، فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه. فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله ذبحتُ بُهُيَمةً لنا، وطحنتُ صاعًا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك فصاح رسول الله ﷺ : "لا تنزلن بُرمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء". فجئت وجاء رسول الله ﷺ يقدُم الناس حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلتُ الذي قلت، فأخرجت لنا عجينًا فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك، ثم قال: "ادع خبازةً فلتخبز معك، واقدحي من برمتك ولا تنزلوها". وهم ألف، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغيظ كما هي وإن عجيننا كما هو (١). كان أبو جعفر محمد بن علي يدعو نفرًا من إخوانه كل جمعة فيطعمهم الطعام الطيب، ويطيبهم، ويبَخِّرهم، ويروحون إلى المسجد من منزله (٢). وكان سعيد بن العاص يدعو جيرانه وجلساءه في كل يوم جمعة، فيصنع لهم الطعام، ويكسوهم الثياب، فإذا أرادوا أن يتفرقوا أمر لهم بالجوائز". وبعث إليهم (٣). ج- أو تؤثره على نفسك وتقدم حاجته على حاجتك. قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].

стр. 390

٦ - الإعانة بالنفس في قضاء المصالح والقيام بها قبل السؤال . * قال بعضهم: إذا استقضيت أخاك حاجة فلم يقضها وهو قادر، فذكره ثانية فلعله أن يكون قد نسى، فإن لم يقضها فكبر عليه، واقرأ هذه الآية: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦]. قال الناظم: خليلٌ أتاني نفعهُ عند حاجتي ... إليه وما كلُّ الأخلاءِ ينفعُ يُشفعني فيما يعزُّ وجُودُهُ ... وَيمْهَدُ لي عندَ الرِّجال فيشفعُ ٧ - أن تحب لصاحبك ما تحبه لنفسك من الخير . عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (١). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسُ محمدٍ بيده لا يؤمن أَحدُكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير" (٢). قال ابن حزم: "لا تكلف صديقك إلا مثل ما تبذل له بنفسك، فإن طلبت أكثر: فأنت ظالم" (٣). ٨ - تحسين ما يعاينه من عيوب صاحبه بالنصيحة والرفق واللين والتواصي بالحق . قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١].

стр. 391

عن تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدين النصيحة" قيل لمن؟ قال: "لله ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم" (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المستشار مؤتمن" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حقُّ المُسلمِ على المسلِمِ ستٌّ" قيلَ: ما هُن يا رسولَ الله؟ قال: "إذا لقيتهُ فسلِّم عليهِ، وإذا دعاكَ فَأجِبهُ، وإذا استَنصَحَكَ فانصح لهُ، وإذا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتهُ، وإذا مرض فعده، لاذا مات فاتَّبعه" (٣). وعن عبد الله بن عمرو ﵁، قال رسول الله ﷺ : "خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه" (٤). وكان الرجلان من أصحاب النبي ﷺ إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهُما على الآخر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ ثمَّ يسلِّم أحدهما على الآخر (٥). وفي الأثر فائدة التواصي بالحق والصبر باستذكار قراءة سورة العصر. عن عمرو بن مهاجر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: "يا عمرو إذا

стр. 392

رأيتني قد ملت عن الحق، فضع يدك في تلابيبي، ثم هزني، ثم قل لي: ماذا تصنع؟! " (١). وأحسن الشاعر بقوله: نصيحةُ الصَّديقِ كنزٌ فلا ... تَرُدَّ ما حييتَ نُصحَ الصَّديق وخُذ من الأمورِ ما ينبغي ... ودع من الأُمُورِ ما لا يليق قال الشاعر: احفظ نصيحة من بدا لك نُصحُهُ ... ولرأي أهل الخير جَهدك فاقبلِ ٩ - أن تضع كلام أخيك على أحسن الوجوه . قال عمر بن الخطاب ﵁: "ولا تَظُنَّنَّ بكلمة خرجت من أخيك المسلم شَرًّا، وأنت تجد لها في الخير مَحْمَلَا" (٢). ١٠ - الدفاع عن الأصحاب، والذب عن عرضهم، والانتصار لهم . عن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَن ذَبَّ عَن عِرْضِ أَخِيهِ بِالغَيبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أن يُعتِقَهُ مِنَ النَّارِ" (٣). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن رَدَّ عن عِرضِ أَخِيهِ رَد الله عَن وَجهِهِ النَّارَ يَومَ القِيَامة" (٤).

стр. 393

عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المُؤمِنُ مِرآةُ المُؤمِنِ، وَالمُؤمِنُ أَخُو المُؤمِنِ يَكُفُّ عَلَيهِ ضَيعَتهُ وَيحُوطُهُ من وَرَائِهِ" (١). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن نصرَ أخاهُ بالغيب، نصرهُ الله في الدنيا والآخرة" (٢). وقال رسول الله ﷺ : "مَا مِنِ امرِئٍ يَخذُلُ امرأً مُسلِمًا فِي مَوطِنٍ يُنتَقَصُ فِيهِ من عِرضِهِ وُينتَهَكُ فِيهِ من حُرمَتِهِ إِلا خَذَلَهُ اللهُ تَعَالَى؟ فِي مَوطِنٍ يُحِبُّ فِيه نُصرَتَهُ، وَمَا من أَحَدٍ يَنصُرُ مُسلِمًا فِي مَوطِنٍ ينتَقَصُ فِيهِ من عِرْضِهِ وَيُنتهَكُ فِيهِ من حُرمَتِهِ إِلاَّ نَصَرَهُ اللهُ فِي مَوطِنِ يحبُّ فِيهِ نُصرَتَه" (٣). قال الإمام الشافعي ﵀: إذا أطاع صديقك عدوك فقد اشتركا في عداوتك. وقال الشاعر: إذا صافى حبِيبُكَ من تُعَادي ... فقد عاداكَ وانقطعَ الكلامُ وقال آخر: خليليَّ ما وافٍ بعهديَ أنتما ... إذا لم تكونا لي على مَن أُقاطعُ وقال آخر: عَدُوُّ صديقي داخلٌ في عداوتي ... وإنِّي لِمَن وَدَّ الصَّديق صَديقُ

стр. 394

وقال أبو العتاهية: صديقي من يُقَاسِمُني هُمُومي ... وَيَرمي بالعداوةِ من رَمَاني ويُحفظني إذا ما غبتُ عنهُ ... وأرجُوهُ لنائبةِ الزَّمانِ وتأمل دفاع معاذ ﵁ عن كعب بن مالك ﵁ لما تخلف عن غزوة تبوك، وقال فيه رجل من بني سلمة مقالة منكرة. ها هو كعب يحدثنا عن نفسه فيقول: لما بلغ النبي ﷺ تبوك، ذكرني، وقال: "ما فعل كعب؟ " فقال رجل من قومي: خلفه يا نبي الله بُرده، والنظر في عطفيه. فقال معاذ: بئسما قلتَ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا (١). وهكذا يدافع الأخلاء عن بعضهم في الغيب، وهكذا يكون الوفاء. وتأمل دفاع الجنيد عن أصحابه. قيل للجنيد: ما بال أصحابك يأكلون كثيرًا؟ قال: لأنهم لا يشربون الخمر، فيكون جوعهم أكثر. قيل: فما بال بهم قوة شهوة؟ قال: لأنهم لا يزنون ولا يدخلون تحت محظور. قيل: فما بالهم لا يطربون إذا سمعوا القرآن؟! قال: ما في القرآن ما يوجب الطرب، هو كلام الحق، نزل بأمر ونهي ووعد ووعيد، فهو يقهر. عن سفيان بن الحسين قال: كنتُ عند إياس بن معاوية وعنده رجلٌ، تخوفت إن قمتُ من عنده أن يقعَ فيَّ، قال: فجلستُ حتى قامَ، فلما قام ذكرتهُ لإياس. قال: فجعل ينظر في وجهي، ولا يقول لي شيئًا حتى فرغتُ، قال لي: أغزوت الديلم؟ قلتُ: لا، قال: فغزوت السند؟ قلتُ: لا، قال: فغزوتَ الهند؟ قلت: لا، قال: فغزوت الروم؟ قلت: لا، قلتُ:

стр. 395

لا، قال: فسلمُ منك الديلم والسند والهند والروم، وليس يسلمُ منك أخوكَ هذا؟! فلم يعد سفيانُ إلى ذاك (١). فالمحب يدافع عن أحبابه بالحق كما يدافع عن نفسه أمامهم أو بظهر الغيب، وينتصر لهم، ويقف بجانبهم ويدفع عنهم، طمعًا في العتق من النار، وفي الحديث: "انصُر أخاك ظالمًا أو مظلومًا .. " (٢). ١١ - العفو عن الزلات والهفوات ومُقَابلة الإساءة بالإحسان . قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] وفي الأمثال: قَرِينُكَ سَهمُكَ يُخطِئ وَيُصِيبُ يضرب في الإغضاء على ما يكون من القرناء. * صورة مشرقة في العفو: عن علي بن زيد قال: بلغ مصعبَ بن الزبير ﵁ عن عريف الأنصار شيء؛ فهمَّ به، فدخل عليه أنس بن مالك ﵁ فقال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "استوصوا بالأنصار خيرًا -أو قالَ: معروفًا-؛ اقبلُوا من مُحسِنهم، وتجاوزُوا عن مُسيئهم" (٣). قال الحريري: سامح أخاكَ إذا خَلَط ... منهُ الإصابةَ بالغلط

стр. 396

وتجافَ عن تعنيفهِ ... إن زاغَ يومًا أو قَسَطْ وَاقنَ الوفَاءَ ولو أَخلَّ ... بما اشترطتَ وما اشترط واعلم بأنَّكَ إن طلبتَ ... مُهذَّبًا رُمتَ الشَّطط من ذا الذي ما ساءَ قط ... ومن لهُ الحُسنى فَقَط وقال غيره: سامحْ صديقكَ إن زَلت به قَدمٌ ... فليس يَسلمُ إنسانٌ مِنَ الزّللِ قال الماوردي ﵀: "فأمَّا العفو عن الهفوات: فلأنه لا مُبرأ من سَهو وزَلل، ولا سليم من نقص أو خَلَل، ومَن رام سليمًا من هفوة، والتمس بريئًا من نبوة، فقد تعدى على الدَّهر بشطَطه, وخادع نفسه بغلطه, وكان من وجود بغيته بعيدًا, وصار باقتراحه فردًا وحيدًا, وقد قالت الحكماء: لا صديق لمن أراد صديقًا لا عيب فيه" (١) قال الشاعر: ومن لم يغمضْ عينَهُ عن صديقه ... وعن بعضِ مافيه يَمُت وهو عاتبُ ومن يَتَتَبَّع جاهدًا كلَّ عثرةٍ ... يجدها ولم يسلم له الدهرَ صاحبُ وقال آخر: إذا كنتَ في كل الأمور معاتبًا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبُه ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلًا أن تعد معايبُه قال النابغة: ولَستَ بِمُستَبقٍ أخًا لا تلُمُّهُ ... عَلَى شَعَثٍ أيُّ الرِّجالِ المُهَذَّبُ؟

стр. 397

تفاوت الهفوات والهفوات إما أن تكون في حقك، أو في دينه بارتكاب معصية، فإن كان في حقك فاصبر وتجاوز واحتمل، وإن كان في دينه، فالهفوات إما كبائر أو صغائر، فالصغائر مغفورة والنفوس بها معذورة، أما الكبائر، فإما أن يتلبس بها خاطئًا، أو متعمدًا مصرًا لا يريد الانفكاك عنها، والأخ النابه ينصح ولا يفضح، ويتلطف ولا يهجر إلا إذا أصر على المعصية وخاف على نفسه أن يتأثر فيتعامل معه بالضوابط الشرعية. قال ابن قدامة المقدسي ﵀: "اعلم أن من يحب في الله يبغض في الله، فإنك إذا أحببت إنسانًا لكونه مطيعًا لله، فإذا عصى الله أبغضته في الله، لأن من أحب لسبب أبغض لوجود ضده، ومن اجتمعت فيه خصال محمودة ومكروهة، فإنك تحبه من وجه وتبغضه من وجه، فينبغي أن تحب المسلم لإسلامه، وتبغضه لمعصيته، فتكون معه على حالة متوسطة بين الانقباض والاسترسال، فأما ما يجري منه مجرى الهفوة التي يعلم أنه نادم عليها، فالأولى حينئذ الإغماض والستر، فإذا أصر على المعصية، فلا بد من إظهار أثر البغض بالإعراض عنه والتباعد، وتغليظ القول له على حسب غلظ المعصية وخفتها" (١). ١٢ - اصطناع المعروف بالتودد إلى الأصحاب . عن ابن عمر ﵄ أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا

стр. 398

رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحبُّ الناس إلى الله تعالى أنفعُهُم للناس، وأحب الأعمالِ إلى الله سرور تدخلُهُ على مسلمٍ أو يكشفُ عنه كِربةً، أو يقضي عنه دينًا، أو يطرُدُ عنه جُوعًا، ولأن أمشي مع أخٍ في حاجةٍ أحب إليَّ من أن أعتكفَ في هذا (يعني مسجد المدينة) شهرًا" .. ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى تتهيأ له أثبتَ الله قدمهُ يوم تزول الأقدامُ" (١). قلت: صاحبك -أيها الودود- أقرب الناس إليك، وهو أهل الوفاء عندك، فلا تتردد من اصطناع المعروف إليه بقضاء حاجاته وإعانته بما تملك، ومشاركته في الأفراح والأتراح، فإنك تعظم في عينه وتنل أجرًا. قال عبد الله بن الزبير: قُتل أبي وترك دينًا كبيرًا، فأتيت حكيم بن حزام أستعين برأيه وأستشيره ... ، فقال: يا ابن أخي ذكرت دين أبيك فإن كان ترك مئة ألف فعليَّ نصفها (٢). * الصاحب أدرى بنفع خليله: كان الإمام محمد بن الحسن الشَّيْبَاني المولود سنة ١٣١ هـ، والمتوفى سنة ١٨٩هـ قد بلغ عند الرشيد مبلغًا جليلًا، وكان إمام الحنفيّة في زمانه، فكتب إليه الإمام الشافعيّ: لستُ أدري ماذا أقولُ ولكن ... أبتغي من عريضِ جاهكَ نفعا

стр. 399

والفتى إن أرادَ نفعَ أخيهِ ... فهو أدرى في أمرهِ كيفَ يسعى ١٣ - قبول الاعتذارُ . قبول الاعتذار: وهو تحرِّي الإنسان محو أثر الذَّنبِ، مع إظهار ندمٍ وأسف على ما وقع منه تجاه الغير بأنه لا يعود. ومن الحسن اعتذار المسيء، مع الاعتراف بالخطأ، وأحسنُ من ذلك قبول الاعتذار. قال أحمد بن أَعثم: إذا اعتذرَ الصديقُ إليك يومًا ... من التَّقصيرِ عُذْر أخ مُقرّ فصُنهُ عن جفائِكَ واعف عنهُ ... فإن الصّفحَ شِيمَةُ كُلِّ حُرّ والعاقل من يجانب ويحذر أن يقول قولًا، أو يفعل شيئًا يسيء به للغير يعتذر عنه لاحقًا، لهذا جاء في الحديث: "إِيَّاك وكل ما يُعتذر منه" (١). أي احذر أن تقول قولاً أو تعمل شيئًا تعتذر عنه غدًا. ونصيحتي لكل مسيء أن يبادر الاعتذار ويدع الاستكبار لينال عفو الغفَّار. قال الحسن بن علي ﵄: "لو أن رجلًا شتمني في أذني هذه واعتذر إليَّ في أذني الأخرى لقبلت عذره". ومن النظم في معناه: قيل لي قد أساء إليك فلانٌ ... وقعود الفتى على الضيمِ عارُ قلت قد جاءنا فأحدث عذرًا ... دية الذنب عندنا الاعتذارُ

стр. 400

وقال آخر: أقبلْ معاذير من يأتيك معتذرًا ... إن برَّ عندك فيما قال أو فجَرا فقد أطاعك من يرضيك ظاهرهُ ... وقد أجلك من يعصيك مُستَتِرًا وقد أحسن القائل: إذا اعتذرَ الجاني مَحَا العُذْرُ ذَنْبَهُ ... وكانَ الذي لا يقبَلُ العُذْرَ جَانيا ١٤ - النصيحة في السر . لا يخلو المرء من قصور ونسيان، وكل ابن آدم خطاء، وأجمل النصائح ما كان في السر، وخليلك أحق الناس بنصيحتك، وأغلى النصائح عنده ما كان سرًا، والصاحب الموفق من يسلك طريق النجوى، وهو السر دون الجهر. قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. عن الحسن البصري قال: "المؤمن مرآة أخيه، إذا رأى منه ما لا يعجبه سدَّده، وقوَّمه، وحاطه، وحفظه في السر والعلانية" (١). قال ابن حزم: "إذا نصحتَ فانْصَح سِرًّا لا جهرًا، أو بتَعريضٍ لا بتصريحٍ، إلا لمن لا يفهم، فلا بُد من التَّصريح له، ولا تَنْصح على شرط القبول منك" (٢).

стр. 401

وقال ابن حزم: "إذا نَصَحْتَ ففي الخلاء بكلامٍ لَيِّن" (١). والنفوس تأنف وتتأذى من نشر أخبارها ومشكلاتها، والصاحب البصير يفرق بين النصيحة والتعيير، ويتحرَّى الحِكْمَةَ في نصحه حتى لا تتعقد المسائل، ولا تزيد المشاكل. قال هارون بن عبد الله الحمال: "جاءني أحمد بن حنبل بالليل فدق الباب عليّ، فقلت: من هذا. فقال: أنا أحمد، فبادرت أن خرجت إليه، فمساني ومسيته، قلت: حاجة يا أبا عبد الله؟ قال: شَغَلت اليوم قلبي. قلت: بماذا يا أبا عبد الله؟ قال: جزت عليك اليوم وأنت قاعد تحدث الناس في الفيء، والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر، لا تفعل مرة أخرى، إذا قعدت فاقعد مع الناس" (٢). وخلاصة القول: إن أردت نصح الغير فارفق به وانصحه سرًّا. وقد قلت في ذلك: حفظ السرائر حقٌّ لا يفوته ... إلاَّ اللئيم بسر الغير صدَّاحُ حبُّ الفضائحِ مسلكهم وشيمتهم ... والصاحبُ النذل مذياعٌ وفَضَّاحُ فكن نصوحًا بقولٍ إن رغبت به ... إياك نصحٌ أمام الناس جراحُ

стр. 402

التخشين في النصيحة: ولا بأس بالتخشين في النصيحة، ولكن سرًا، والقصد منها تحقيق المقصود لإزالة الأوساخ وليس التصيد أو التعيير، بل الرفق عندي أولى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب النظافة والنعومة ما نحمد منه ذلك التخشين" (١). ١٥ - حفظ الأسرار . والأخ المحب يكون أمينًا على سر خليله، فلا يفشيه ولو كانت النية صالحة، وفي الحديث عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا حدّث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة" (٢). فالسر مناط بمصلحة ومفسدة من يتعلق به، فلا يُفْشَى إذا كان منه مضرة تلحق بصاحبه، وبالأخص أسرار الماضي كالوقوع في الذنوب والمعاصي، فالستر هو الواجب في حق من تصاحب، وفي الحديث: "من سترَ مُسلمًا سترهُ اللهُ يومَ القيامةِ" (٣). قال ابن حزم ﵀: "أن تكتُم سِرَّ كلَّ من وَثِقَ بك، وأن لا تُفشِيَ إلى أحدٍ من إخوانِكَ، ولا

стр. 403

من غيرهم من سِرِّكَ ما يُمكِنُكَ طَيُّهُ بوجهٍ ما من الوُجُوهِ، ولو أنهُ أخصُّ النَّاس بك" (١). جاء في ترجمة أحمد بن عطاء بن أحمد قال: "مجالسة الأضداد ذوبان الروح، ومجالسة الأشكال تلقيح العقول، وليس كل من يصلح للمجالسة يصلح للمؤانسة، ولا كل من يصلح للمؤانسة يؤمن على الأسرار، ولا يؤمن على الأسرار إلا الأمناء فقط" (٢). ١٦ - الدعاء له . عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبدٍ مُسلمٍ يدعُو لأخيهِ بِظهرِ الغيبِ، إلا قالَ المَلَكُ: ولكَ بِمِثلٍ" (٣). وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا قَالَ الرجُلُ لأَخِيهِ جزَاكَ اللهُ خَيرًا، فقد أَبلَغَ فِي الثنَاءِ" (٤). وكان النبي ﷺ يدعو لأصحابه من المهاجرين والأنصار، ودعا لآل أبي أوفي وصلى عليهم. ولا تنس أن تدعو لإخوانك بظهر الغيب فإنها دعوة مستجابة، فقد روى الإمام مسلم عن صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: قَدِمْتُ الشامَ، فَأتَيتُ أَبَا الدردَاءِ في مَنزِلِهِ فَلَم أَجِدهُ، وَوَجَدتُ أُمَّ الدردَاءِ فَقَالَت: أَتُرِيدُ الحجَّ،

стр. 404

العَامَ؟ فَقُلتُ: نَعم. قَالَت: فَادع الله لَنَا بِخَيرٍ، فَإِن النبِي ﷺ كَانَ يَقُولُ: "دَعوَةُ المَرءِ المُسلِمِ لأَخِيهِ، بِظَهرِ الغَيبِ، مُستَجَابَةٌ. عِندَ رَأسِهِ مَلَك مُوَكَّلٌ، كُلما دَعَا لأَخِيهِ بِخَيرٍ، قَالَ المَلَكُ المُوَكلُ بِهِ: آمِينَ. وَلَكَ بِمِثلٍ". قال: فَخَرَجتُ إلى السوقِ فلقيتُ أَبَا الدردَاءِ. فقال لي مِثلَ ذلك. يروِيهِ عن النبِيُّ" (١). ومن حسن الأدب مع الصديق الدعاء له بالبركة إذا رأى ما يعجبه بأن يقول: اللهم بارك فيه، وبارك له .. ونحو ذلك. عن عامر بن ربيعة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأي أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة فإن العين حق" (٢). وعن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف أن أباه حدثه أن رسول الله ﷺ خرج وساروا معه نحو مكة حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة اغتسل سهل ابن حنيف وكان رجلاً أبيض حسن الجسم والجلد فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو بني عدي بن كعب وهو يغتسل فقال: ما رأيت كاليوم ولا جِلد مُخبَّأةٍ. فلبَّطَ سهلٌ، فأتيَ رسولُ الله ﷺ ، فقيل له: يا رسولَ الله، هل لكَ في سهل، والله ما يرفع رأسه وما يفيق. قال: "هل تتهمون فيه من أحد". قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة. فدعا رسول الله ﷺ عامرًا فتغيظ عليه وقال: "علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت! ". ثم قال له:

стр. 405

"اغتسل له" (١). ١٧ - حفظ حقوقه . عن عَمرو بن العاص ﵁: قال: إذا كثر الأخلاء كثر الغرماء: قلت لموسى: وما الغرماء؟ قال: الحقوق (٢). الحقوق نوعان: الأول: حقوق عامة . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حقُّ المُسلمِ على المسلِمِ سِتٌّ". قيلَ: ما هُنَّ؟ يا رسولَ الله؟ قال: "إذا لقيتهُ فسلِّم عليهِ، وإذا دعاكَ فَأجِبهُ، وإذا استَنصَحَكَ فانصحْ لهُ، وإذا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتهُ، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه" (٣). لكل صاحبٍ منزلة وحق، وحتى تدوم الأخوة، ويسود الوفاق ويتم الاتفاق بين الأصدقاء أن يعرف كل صاحب حق صاحبه كما جاء بذلك الشرع الحكيم. وقال الماوردي: "وأول حقوقه اعتقادُ مودَّته، ثم إيناسُه بالانبساط إليه في غير مُحَرَّم، ثم نصحُه في السرّ والعلانية، ثم تخفيفُ الأثقال عنه، ثم معاونتُهُ فيما ينوبه من حادثة، أو يناله من نكبة؛ فإنَّ مراقبته في الظاهر نفاق، وتركه في الشدة لؤم" (٤).

стр. 406

عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "انطلقُوا بنا إلى البصير الذي في بني واقفٍ نعوُدهُ". قال: وكان رجلًا أعمى (١). الثانى: حقوق خاصة . قال الماوردي: "فإذا صفت عنده أخلاق من سَبَره، وتمهدت لديه أحوالُ من خبره، وأقدم على اصطفائه أخًا، وعلى اتخاذه خِدْنًا (أي صاحبًا)، لزمته حينئذ حقوقه، ووجبت عليه حُرُماته". وللأخوة الخاصة حقوق أربعة: الأول: حق مالي، بأن يبذل الصاحب ماله لصاحبه دون أن يضر بنفسه أو حق واجب عليه. الثاني: حق النفس، بأن يعين الصاحب صاحبه بنفسه فيما يستطيع. الثالث: حق في اللسان، بأن يذب الصاحب عن صاحبه عن عرضه وأهله، وأن يبلغه حبه، ويدعو له في ظهر الغيب، وينصح له. الرابع: حق الوفاء، والثبات على الصحبة في حياته وبعد مماته. ١٨ - تفقد أحواله . ومن أدب الصحبة تفقد أحوال الأصحاب بالسؤال والاطمئنان عليهم، وإسداء النصيحة لهم، وإعانتهم على الخير، وزيارتهم، وحل مشكلاتهم الأسرية. عن عون بن أبي جُحيفة عن أبيه قال: آخى النبيُّ بينَ سلمانَ وأبي

стр. 407

الدرداء، فزارَ سلمانُ أبا الدرداء، فرأي أمَّ الدرداء متبذلةً، فقال لها: ما شأنُك؟ قالت: أخوكَ أبو الدرداء ليس لهُ حاجةٌ في الدنيا. فجاءَ أبو الدرداء فصنعَ لهُ طعاماً، فقال له: كُل، قال: فإني صائمٌ. قال: ما أنا بآكلٍ حتى تأكُلَ. قال: فأكلَ، فلما كان الليلُ ذهبَ أبو الدرداء يقومُ، قال: نمْ، فنام، ثم ذهب يقومُ، فقال: نَم. فلما كان من آخر الليل قال سلمانُ: قُمِ الآن. فصَلَّيا، فقال له سلمانُ: "إن لربِّك عليك حقاً، ولنفسكَ عليكَ حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حق حقَّه"، فأتى النبي فذكر ذلك له، فقال له النبي: "صَدَق سلمانُ" (١). قال الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث من الفوائد: مشروعية المؤاخاة في الله، وزيارة الإخوان والمبيت عندهم، وجواز مخاطبة الأجنبية للحاجة، والسؤال عما يترتب عليه مصلحة وكان في الظاهر لا يتعلق بالسائل، وفيه النصح للمسلم وتنبيه من أغفل" (٢). عن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة؟ النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والصِّديق في الجنة، والمولود في الجنة، والرجل يزور أخاه في ناحية المصر في الجنة" (٣). والعاقل من توسط في الزيارة غير مقلِّل ولا مكثر، فإن في التقليل داعية

стр. 408

الهجر، وفي الكثرة سبب المَلال. وفي الحديث: "زر غبًا تزدد حبًا" (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من عاد مريضًا، أو زار أخًا له في الله، ناداه منادٍ، أن طِبتَ وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلًا" (٢). ١٩ - حفظ أهل صديقك . ومن أدب الخلة توقير أهل الأصحاب، وعونهم قدر الإمكان، وحفظ أسرارهم، ومشاركتهم في السراء والضراء. ٢٥ - تعزيته عند المصيبة . التعزية تسلية الصاحب وحمله على الصبر بوعد الأجر، والدعاء للميت والمصاب، وهكذا كان هدي النبي ﷺ . عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يحدث عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مؤمنٍ يُعَزِّي أخاهُ بمصيبة إلا كساهُ الله سبحانه من حلل الكرامة يوم القيامة" (٣). ٢١ - السلام عليه عند السفر . والصاحب البار يودع صاحبه للسفر بإخلاص وتذكرة وطلب للسلامة، ويخص الدين أولًا لأنه أعظم وأهم، فيستحفظه الدين، وذلك أن السفر قطعة من العذاب، ومحل الاشتغال عن الطاعات، فيودعه داعيًا المولى بأن

стр. 409

يحفظ عليه دينه، وأمانته وهي الأهل ومن يخلف منهم، وماله، وخواتيم عمله من الأعمال الصالحة، فيسن له أن يقول إذا كان مسافرًا: "أستودعك الله الذي لا تَضيعُ ودَائعه". ويرد عليه المقيم: "أستوح الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك الحديث ابن عمر ﵄ أنه كان يقول للرجل: تعال أُوَدِّعك كما كان رسول الله يودعنا فيقول: "استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك" (١). قال ابن عبد البر: "إذا خرج أحدكم إلى سفر فليودع إخوانه، فإن الله جاعل في دعائهم بركة" (٢). قال الشعبي: "السنة إذا قَدِمَ رجل من سفر أن يأتيه إخوانه فيسلمون عليه، وإذا خَرَج إلى سفر أن يأتيهم فيودعهم ويغتنم دعاءهم" (٣). ٢٢ - حفظ عرضه . الأريب من يحفظ عرض أخيه ويذب عنه من أن ينتقص بذم أو يذكر بسوء من هتك عرض أو سب أو ظلم، وكل ما يقدح فيه سواء كان فيه أو من يلزمه أمره. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل المسلم على المسلم حرام، دمُه ومالُه وعِرضُهُ" (٤).

стр. 410

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام، عرضه وماله ودمه، التقوى هاهنا -وأشار إلى القلب- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" (١). عن أسماء بنت يزيد، قالت: قال رسول الله ﷺ : "من ذبَّ عن لحمِ أخيهِ بالغيبةِ كان حقًا على الله أن يعتقه من النار" (٢). ٢٣ - حسن الظن به . قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والظن، فإن الظن أكذبُ الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا" (٣). والصاحب الأريب الذي لا يجعل للشكوك في نفسه سبيلا، ولا يوقع في قلبه تهمة دون دليل. *****

стр. 411

٦ - أدب الرئيس والرؤوس الإسلام دين العمل والجد والنشاط وطلب الرزق، وقد أمر المولى عبادة بالسعى في الأرض والأكل من رزقه. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠]. وعن الزبير بن العوام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن يأخد أحدكم حبله فيأتي الجبل بحزمة الحطب على ظهره، فيبيعها فَيكُفُ الله بها وجهه خيرٌ له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه" (١). عن المقدام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أكَلَ أَحَد طَعَاما قط خَيرًا من أن يَأكلَ من عَمَلِ يَدهِ وَإِن نَبِيَّ اللهِ داوُدَ كَانَ يَأكلُ من عَمَلِ يَده" (٢). عن أَبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا بَعَثَ الله نَبِيا إِلا رَعَى الغَنَمَ"، فَقَالَ أَصحَابُهُ وَأَنت؟ فَقَالَ: "نعَم كُنتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهلِ مَكةَ" (٣). ثم عمل رسول الله ﷺ بالتجارة، يتجر في مال خديجة أم المؤمنين ﵂. والأنبياء جميعًا هم قدوتنا في العمل، فمنهم من كان نجارًا، ومنهم من كان حدادًا، ومنهم من عمل في التجارة.

стр. 412

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾ [الفرقان: ٢٠] أي يحترفون ويتجرون، واختص الله سبحانه داود ﵇ بصناعة الدروع للوقاية في الحروب. وقال سبحانه: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾ [الأنبياء: ٨٠]. وسجل القرآن مقالة إحدى ابنتي صاحب مدين بعد أن سقى لهما موسى ﵊: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]. وعلى لسان يوسف ﵊: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كان زكريا نجاراً" (١). قال المناوي: "فيه إشارة إلى أن كل أحد لا ينبغي له أن يتكبر عن كسب يده؛ لأن نبي الله -مع علو درجته- اختار هذه الحرفة، وفيه أن التجارة لا تسقط المروءة، وأنها فاضلة لا دناءة فيها، فالاحتراف فيها لا ينقص من مناصب أهل الفضائل" (٢). قال القرطبي: "بل الحرف والصنائع غير الدينية زيادة في فضل أهل

стр. 413

الفضل؛ لحصول مزيد من التواضع والاستغناء عن الغير، وكسب الحلال الخالي عن المنة. قال: وقد كان كثير من الأنبياء يزاولون الأعمال؛ فآدم في الزراعة، ونوح النجارة، وداود الحدادة، وموسى الكتابة كان يكتب التوراة بيده، وكل منهم قد رعى الغنم" اهـ. والعامل الناصح له أجر عظيم إذا صدق في عمله وأخلص فيه؛ كما جاء بذلك الحديث عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العَامِلُ إذا استعمِلَ فأخَذ الحق، وأعطى الحق، لم يزَل كالمُجاهِدِ في سبيلِ الله حَتى يَرجِعَ إلى بَيتِه" (١). وتنوعت المهن والحرف عند الصحابة رضوان الله عليهم، فمنهم في التجارة كالخلفاء الراشدين، وغيرهم، ومنهم عمال أنفسهم حتى يوم الجمعة قالت عائشة أم المؤمنين ﵂: "كان الناسُ مَهَنَةَ أنفسهم، وكانوا إذا راحُوا إلى الجمعةِ راحُوا في هيئتهم، فقيل لهم: "لو اغتسلتُم" (٢). ومنهم أصحاب مهن مختلفة كالقصاب، والخياط، والنساج، والحداد، والصائغ، والنجار، والعطار وغيرها من المهن والحرف. ونسب كثير من أهل العلم إلى حرفة ومهنة لا يتسع المجال لذكرهم. *****

стр. 414

آداب الرئيس والمسؤول المسؤولية عظيمة، والمناصب أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، وكل رئيس سيُسأل يوم القيامة عن أمانته التي وكلت إليه وعن مرؤوسيه. قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر٩٢: ٩٣]. قال ﷺ : "كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالأمير الذي علي الناس فهو راع عليهم، وهو مسؤول عنهم، والرجل راع علي أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية علي بيت بعلها وولده، وهى مسؤولة عنهم، والعبدُ راع علي مال سيِّده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (١). والرئيس يختلف عن القائد، فالقائد يستمد سلطاته من محبة الناس له، وبما له من صفات تميزه عن غيره، أما الرئيس فيستمد سلطاته من القانون، لهذا ينبغي أن يتأدب بالآداب الإسلامية، ولا يكون مستبداً، بل ينبغي أن يتحلى بالحكمة وحسن التصرف مع العاملين. ...

стр. 415

آداب الرئيس التي يجب أن يتصف بها ١ - أداء الأمانة . الأَمانَةُ لغة: الوفاء (١)، وهي ضد الخيانة. أما في الاصطلاح: كل ما يؤمن عليه من أموال وحرم وأسرار فهو أمانة (٢). قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]. وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧]. وقال : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ [المؤمنون: ٨]. وعن أبي هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" (٣). عن أبي هريرة ﵁ قال: "بينما النبي ﷺ في مجلس يُحدث القوم، جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يُحدِّث، فقال بعضُ القوم: سمع ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه قال: "أين أراه السائل عن الساعة؟ "قال: ها أنا يا رسول الله،

стр. 416

قال: "فإذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعه"، قال: كيف إضاعتُها؟ قال: "إذا وُسِّد الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة" (١). عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الخازِنُ المسلمُ الأمينُ الذي يُنفِذُ ما أُمِرَ به كاملًا مُوَفرًا طيبًا به نفسُه، فيدفعهُ إلى الذي أُمِرَ لهُ بهِ -أحدُ المتصدقَينِ" (٢). والواجب على المسؤول أن يتقي الله في الذين يعملون تحت رئاسته، فيحفظ حقوقهم، ولا يكلفهم من العمل ما لا يطيقون، ولا يستغل الموظفين لخدمته الشخصية، وأن يحافظ على ممتلكات الغير، وليعلم بأن المناصب لا تدوم، بل ولا العمر يبقى، فينبغي عليه أن يعدل في كل شيء، فالمنصب تكليف وليس تشريفًا. قال الناظم: إنَّ المناصبَ لا تدومُ لواحدِ ... إن كنت تجهلُ ذا فأين الأولُ فاغرس من الفعل الجميل فضائلا ... فإذا عزلتَ فإنها لا تُعزلُ ٢ - التواضع . الرئيس الناجح هو من يظهر التواضع الذي يدل على خفض الجناح واللين، فلا يتكبر على أحد، ويستسلم للحق، ويتواضع للخلق، ويتصف بالانكسار لله سبحانه، ومن تواضع لله رفعه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ

стр. 417

طُولًا (٣٧)﴾ [الإسراء: ٣٧]. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك، فإذا تواضع قيل للملك: ارفع حكمته، وإذا تكبر قبل للملك: دع حكمته" (١). قال الناظم: تواضع تكن كالنجمِ لاحَ لناظرٍ ... على صفحاتِ الماءِ وهو رفيعُ ولا تكُ كالدخانِ يعلو بنفسهِ ... إلى طبقاتِ الجو وهو وضيعُ وأحسن الآخر بقوله: إذا شئتَ أن تزداد قدرًا ورفعةً ... فَلِنْ وتواضعْ واترُكِ الكبرَ والعُجبَا فكن مستعدًا -يا هذا- للاعتذار عند الخطأ. ولا تنظر لأحد نظرة احتقار. ولا تدع الكبر يدمر جانب الخير فيك، فتصبح لا تستحق الورق الذي توقع عليه. الناس تبغض من ينظر لهم باحتقار واستعلاء، فإن الإرض المنخفضة هي التي تمسك الماء. ٣ - المحافظة على المال والتنزه عن الحرام . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩].

стр. 418

وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. الواجب على المسؤول أن يتنزه عن الحرام، وأن لا يتخذ العمل مطية لنيل المصالح الخاصة بالتحايل أو النهب أو السلب، أو الغصب، أو الرشوة، ولا ينبغي له قبول هدايا العاملين معه، فإن ذلك غلول. عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "هدايا العُمالُ غلولٌ" (١). قال الخطابي: "هدايا العمال سحت، وأنه ليس سبيلها سبيل سائر الهدايا المباحة، وإنما يهدى إليه للمحاباة، وليخفف عن المهدي، ويسوغ له بعض الواجب عليه، وهو خيانة منه، وبخس للحق الواجب عليه استيفاؤه لأهله" (٢). عن أَبي حُمَيدٍ الساعديِّ، قال: استعمَلَ رَسُولُ الله رَجُلًا من الأَسدِ، يُقَالُ لَهُ ابنُ اللُّتيبَّةِ (قال عَمرٌو وَابنُ أَبِي عُمَرَ: عَلَى الصدَقَةِ) فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُم، وَهَذَا لي، أُهدِيَ لي، قال: فَقَامَ رَسُولُ الله عَلَى المِنبَرِ، فَحَمِدَ الله وَأَثنَى عَلَيهِ، وقال: "مَا بَالُ عَامِلٍ أَبعَثُهُ فَيَقُولُ: هَذا لَكُم وَهَذا أُهْدِيَ لي أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيتِ أَبِيهِ أَو فِي بَيتِ أُمهِ حتى يَنظُرَ أَيُهدى إِلَيهِ أَم لَا. وَالذِي نَفسُ مُحَمدِ بِيَدهِ، لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنكُم مِنهَا شَيئًا إلا جَاءَ بِهِ يومَ القِيامَةِ يَحمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَو بَقَرَةٌ لَهَا خُوَار، أَو شَاةٌ تيْعِرُ"، ثم رَفَعَ يَدَيهِ

стр. 419

حتى رَأَينَا عُفرَتَي إِبطَيْهِ، ثم قال: "اللهُم هَل بَلَّغتُ؟ " مَرَّتَينِ. (١). وقد بوب له البخاري بقوله: "هدايا العمال غُلول". قال ابن حجر: "وفيه إبطال كل طريقٍ يتوصل بها من يأخذ المال إلى محاباةِ المأخوذ منه والانفراد بالمأخوذ". عن بُرَيدَةَ ﵁ قال: قال النَّبيّ ﷺ : "مَن استعمَلنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقنَاهُ رِزقاً فما أخَذَ بَعدَ ذلِكَ فَهُوَ غلُولٌ". (٢). عن عَدِيِّ بن عَمِيرَةَ الكندي، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَنِ استعمَلنَاهُ مِنكُم عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِخيَطاً فَمَا فوقهُ، كَانَ غُلُولًا يَأتي بِهِ يَومَ القِيَامَةِ" قال: فَقَامَ إلَيهِ رَجُلٌ أَسوَدُ، مِنَ الأَنصَارِ، كَأنِّي أَنظُرُ إلَيهِ، فقال: يَا رَسُولَ الله اقبَل عَني عَمَلَكَ. قال: "وَمَا لَكَ؟ " قال: سَمِعتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا. قال: "وَأَنا أَقولُهُ الآنَ، مَنِ استعملنَاهُ مِنكُم عَلَى عَمَلٍ فَليَجِئ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فما أُوتيَ مِنهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنهُ انتَهَى" (٣). وقال رسول الله ﷺ : "كلُّ جَسدٍ نَبَتَ من سُحتٍ، فالنارُ أولى بهِ" (٤). والسحت مصطلح شرعي يشمل كلَّ مال اكتسب بالحرام. فالمنصب أمانة ومسئولية كبرى، لا يجوز -بأي حال من الأحوال- أن

стр. 420

يتخذ المسؤول من منصبه وسيلة يجمع من خلاله الأموال، يتخوض فيها بغير حق. وعن خَولةَ الأنصارية ﵂ قالت: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "إن رجالاً يَتخوضونَ في مالِ اللهِ بغير حقّ، فلهُمُ النارُ يومَ القيامة" (١). وعن خولة بنت قيس قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ هَذا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، مَنْ أَصَابَهُ بِحَقِّهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَرُبَّ مُتخوّضِ فِيمَا شَاءَتْ بِهِ نَفْسُهُ من مَالِ الله ورَسُولِهِ لَيسَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا النارُ" (٢). أو يؤثر أهله وأقرباءه بما لا يحق لهم من أموال المسلمين، ألا ترى بأن النبي ﷺ منع فاطمة من أن يعطيها خادمًا مع حاجتها لذلك، وتأمل ما يقوم به البعض من الاستيلاء على أملاك المسلمين، وإيثار أقرباءهم على من سواهم. ٤ - حسن التصرف . الرئيس الكيس هو الذي عنده القدرة على إصدار القرار، مع القدرة على تحليل الموقف، والوعي بالعوامل المؤثرة فيه، والنتائج المحتملة من هذا القرار. ٥ - التخطيط الجيد، وتنظيم العمل . والتخطيط الجيد هو استخدام العقل لإصدار مجموعة من القرارات الصائبة التي تخدم العمل.

стр. 421

وفي كتاب الله سبحانه درس مفيد للتخطيط في قصة يوسف ﵇ وفي ذلك أكبر عبرة؛ قال تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ [يوسف: ٤٧: ٤٩]. ٦ - العدل والإِنصاف وعدم الظلم . العدل لغة: الحكم بالحق، وهو خلاف الجور. أما في الاصطلاح: الأمر المتوسط بين الإفراط والتفريط (١). ما أجمل العدل! وهل قامت السماوات والأرض إلا بالعدل، وأعظم الظلم بخس الناس حقوقهم؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. وقال سبحانه: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٩]. وقال رسول الله ﷺ : "أتقوا الظلم, فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" (٢). والرئيس العاقل من يتصف بالعدل والإنصاف في التعامل مع العاملين معه وفي وضع تقاريرهم، وتوزيع المسؤوليات عليهم، والأعمال الموكلة لهم بالتساوي، فلا يرهق فلانًا، ويترك فلانًا خاليًا من العمل.

стр. 422

قال الشاعر: أدِّ الأمانةَ والخيانةَ فاجتنب ... واعدل ولا تظلم بطيبُ المكسبُ وقال أبو الحارث -عفا الله عنه-: يا قومُ عدلٌ في البريةِ منصفٌ ... لذوي المروءةِ تحيا فيه بلادي ٧ - التحلي بالأخلاق الحسنة . التحلي بالأخلاق الحسنة من شيم النفوس الشريفة، والخلال الحميدة، فالرئيس المتصف بها في قوله وفعله يعظم في العيون، وتصدق فيه خطرات الظنون، ويفرح به كل عامل، فالرئيس الموفق هو الذي تعلو محياه البشاشة، وينشر الألفة، ويشكر على المعروف، ويضبط انفعالاته، ويرفق بمن معه. ومن دعاء النبي ﷺ ما روت عَائِشَةَ ﵂ عن النبي ﷺ : "اللهُم مَنْ ولىَ من أَمرِ أُمتِي شَيئًا فَشَقَّ عَلَيْهِم فاشقُق عَلَيهِ، وَمَن ولِيَ مِنْ أَمرِ أُمَّتِي شَيئًا، فَرَفقَ بِهِم، فَارفُق به" (١). ٨ - العِفَّة . العفة لغة: ترك الشهوات من كلَّ شيء، وغلب في حفظ الفرج مما لا يحل (٢). أما في الاصطلاح: حصولُ حالةٍ للنفس تمتنعُ بها عن غلبةِ الشهوة، والمتعففُ هو المتعاطي لذلك بضربٍ من الممارسة والقهر (٣).

стр. 423

العفة: ترك القبيح، هي الكفُّ والنزاهة عمَّا لا يحلُّ ويجملُ، فالعاقل من لزم العفاف عن مطامع الدنيا وشهواتها، والنبيل من نزه نفسه عن المحارم والمآثم. عن عبد الله بن مسعود ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنهُ كَانَ يَقُولُ: "اللهُم إِنِّي أَسألُكَ الهُدَى وَالتُّقَى، وَالعَفَافَ وَالغنَى" (١). * العفة في اللسان: بأن يكف لسانه عن أعراض من معه، والعفة في النظر بعدم الخيانة، فالله يعلم خائنة الأعين، ومن يَخُنْ يَهُنُ، فلا يجمل بالرئيس أن يمد عينيه للحرام. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]. العفة في المال المال فتنة أيُّ فتنة؛ لهذا قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. وعن كعب بن عِيَاضٍ ﵁ قَالَ سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتنَةً وَفِتنَةُ أُمتي المَالُ" أخرجه الترمذي وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٢١٤٨).

стр. 424

ومن طُرق أكل المال الحرام استغلال المنصب. قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨]. ومن صورها مصانعة الحاكم لينال بها حق غيره، ومن صور أكل الحرام قبول الرشوة، ومن صورها استئثار الأقرباء بما لا يحق لهم. ٩ - الشورى . الشورى لغة: يقال شاورته في الأمر واستشرته: راجعته لأرى رأيه فيه، واستشاره: طلب منه المشورة، وأشار عليه بالرأي. أما في الاصطلاح: لا يخرج عن المعنى اللغوي (١). والمدير العاقل من يشاور أهل التخصص، وينتفع بأصحاب الخبرة، فما خاب من استشار، وأما المستبد برأيه، والمنفرد بقراره، فالفوضى على بابه. قال الناظم: شاور سواكَ إذا نابتك نائبةً ... يومًا وإن كنتَ من أهلِ المشوراتِ فالعينُ تبصرُ منها ما دنا ونأى ... ولا ترى نفسها إلا بمرآةِ ١٠ - القُدوَةُ الحسنة . القدوة لغة: الأسوة، يقال: فلان قدوة، يقتدى به (٢). القدوة الحسنة أسوة لأتباعه يقودهم بالفعل والقول، ويتأثرون بعمله

стр. 425

الجميل، ولفظه الحسن، فيحذون حذوه، فإن كان الصدق مطلوبًا من كل عامل، فإنه في القدوة أكثر طلبًا، وإن كان الجد مطلوبًا من كل مسلم، فإنه في القدوة أكثر حاجة؛ لأن الناس مجبولون على عدم الانتفاع بمن خالف قوله فعله، وأول علامة النجاح في القدوة أن يقوم بما يأمر به، وينتهي عما ينهى عنه. وكم تحت هذه الآية من كنز؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. قال الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد -سدده الله-: "ومن دقيق المعنى في هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه جعل الأسوة في رسول الله ﷺ ، ولم يحصره في وصف خاص من أوصافه، أو خلق من أخلاقه، أو عمل من أعماله الكريمة، وما ذلك إلا من أجل أن يشمل الاقتداء في أقواله ﵊ وأفعاله وسيرته كلها، فيقتدى به، ﷺ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ويقتدى بأفعاله وسلوكه من الصبر والشجاعة والثبات والأدب وسائر أخلاقه، كما يشمل الاقتداء بأنواع درجات الاقتداء من الواجب والمستحب وغير ذلك مما هو محل الاقتداء" (١). قلت: ولو اقتدى كل مسؤول برسوله ﷺ في قوله وفعله، لكانت النجاحات لنا في كل جانب، وما الإخفاقات إلا بسبب ضعف الاقتداء. قال تعالى على لسان شعيب -وهو يعظ قومه وأتباعه-: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ
следующие страницы →