← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 121380

موسوعة الأخلاق - الخراز

خالد الخراز

Полный текст (529 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وفي كتاب الله سبحانه درس مفيد للتخطيط في قصة يوسف ﵇ وفي ذلك أكبر عبرة؛ قال تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ [يوسف: ٤٧: ٤٩]. ٦ - العدل والإِنصاف وعدم الظلم . العدل لغة: الحكم بالحق، وهو خلاف الجور. أما في الاصطلاح: الأمر المتوسط بين الإفراط والتفريط (١). ما أجمل العدل! وهل قامت السماوات والأرض إلا بالعدل، وأعظم الظلم بخس الناس حقوقهم؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. وقال سبحانه: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٩]. وقال رسول الله ﷺ : "أتقوا الظلم, فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" (٢). والرئيس العاقل من يتصف بالعدل والإنصاف في التعامل مع العاملين معه وفي وضع تقاريرهم، وتوزيع المسؤوليات عليهم، والأعمال الموكلة لهم بالتساوي، فلا يرهق فلانًا، ويترك فلانًا خاليًا من العمل.

стр. 422

قال الشاعر: أدِّ الأمانةَ والخيانةَ فاجتنب ... واعدل ولا تظلم بطيبُ المكسبُ وقال أبو الحارث -عفا الله عنه-: يا قومُ عدلٌ في البريةِ منصفٌ ... لذوي المروءةِ تحيا فيه بلادي ٧ - التحلي بالأخلاق الحسنة . التحلي بالأخلاق الحسنة من شيم النفوس الشريفة، والخلال الحميدة، فالرئيس المتصف بها في قوله وفعله يعظم في العيون، وتصدق فيه خطرات الظنون، ويفرح به كل عامل، فالرئيس الموفق هو الذي تعلو محياه البشاشة، وينشر الألفة، ويشكر على المعروف، ويضبط انفعالاته، ويرفق بمن معه. ومن دعاء النبي ﷺ ما روت عَائِشَةَ ﵂ عن النبي ﷺ : "اللهُم مَنْ ولىَ من أَمرِ أُمتِي شَيئًا فَشَقَّ عَلَيْهِم فاشقُق عَلَيهِ، وَمَن ولِيَ مِنْ أَمرِ أُمَّتِي شَيئًا، فَرَفقَ بِهِم، فَارفُق به" (١). ٨ - العِفَّة . العفة لغة: ترك الشهوات من كلَّ شيء، وغلب في حفظ الفرج مما لا يحل (٢). أما في الاصطلاح: حصولُ حالةٍ للنفس تمتنعُ بها عن غلبةِ الشهوة، والمتعففُ هو المتعاطي لذلك بضربٍ من الممارسة والقهر (٣).

стр. 423

العفة: ترك القبيح، هي الكفُّ والنزاهة عمَّا لا يحلُّ ويجملُ، فالعاقل من لزم العفاف عن مطامع الدنيا وشهواتها، والنبيل من نزه نفسه عن المحارم والمآثم. عن عبد الله بن مسعود ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنهُ كَانَ يَقُولُ: "اللهُم إِنِّي أَسألُكَ الهُدَى وَالتُّقَى، وَالعَفَافَ وَالغنَى" (١). * العفة في اللسان: بأن يكف لسانه عن أعراض من معه، والعفة في النظر بعدم الخيانة، فالله يعلم خائنة الأعين، ومن يَخُنْ يَهُنُ، فلا يجمل بالرئيس أن يمد عينيه للحرام. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]. العفة في المال المال فتنة أيُّ فتنة؛ لهذا قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. وعن كعب بن عِيَاضٍ ﵁ قَالَ سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتنَةً وَفِتنَةُ أُمتي المَالُ" أخرجه الترمذي وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٢١٤٨).

стр. 424

ومن طُرق أكل المال الحرام استغلال المنصب. قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨]. ومن صورها مصانعة الحاكم لينال بها حق غيره، ومن صور أكل الحرام قبول الرشوة، ومن صورها استئثار الأقرباء بما لا يحق لهم. ٩ - الشورى . الشورى لغة: يقال شاورته في الأمر واستشرته: راجعته لأرى رأيه فيه، واستشاره: طلب منه المشورة، وأشار عليه بالرأي. أما في الاصطلاح: لا يخرج عن المعنى اللغوي (١). والمدير العاقل من يشاور أهل التخصص، وينتفع بأصحاب الخبرة، فما خاب من استشار، وأما المستبد برأيه، والمنفرد بقراره، فالفوضى على بابه. قال الناظم: شاور سواكَ إذا نابتك نائبةً ... يومًا وإن كنتَ من أهلِ المشوراتِ فالعينُ تبصرُ منها ما دنا ونأى ... ولا ترى نفسها إلا بمرآةِ ١٠ - القُدوَةُ الحسنة . القدوة لغة: الأسوة، يقال: فلان قدوة، يقتدى به (٢). القدوة الحسنة أسوة لأتباعه يقودهم بالفعل والقول، ويتأثرون بعمله

стр. 425

الجميل، ولفظه الحسن، فيحذون حذوه، فإن كان الصدق مطلوبًا من كل عامل، فإنه في القدوة أكثر طلبًا، وإن كان الجد مطلوبًا من كل مسلم، فإنه في القدوة أكثر حاجة؛ لأن الناس مجبولون على عدم الانتفاع بمن خالف قوله فعله، وأول علامة النجاح في القدوة أن يقوم بما يأمر به، وينتهي عما ينهى عنه. وكم تحت هذه الآية من كنز؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. قال الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد -سدده الله-: "ومن دقيق المعنى في هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه جعل الأسوة في رسول الله ﷺ ، ولم يحصره في وصف خاص من أوصافه، أو خلق من أخلاقه، أو عمل من أعماله الكريمة، وما ذلك إلا من أجل أن يشمل الاقتداء في أقواله ﵊ وأفعاله وسيرته كلها، فيقتدى به، ﷺ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ويقتدى بأفعاله وسلوكه من الصبر والشجاعة والثبات والأدب وسائر أخلاقه، كما يشمل الاقتداء بأنواع درجات الاقتداء من الواجب والمستحب وغير ذلك مما هو محل الاقتداء" (١). قلت: ولو اقتدى كل مسؤول برسوله ﷺ في قوله وفعله، لكانت النجاحات لنا في كل جانب، وما الإخفاقات إلا بسبب ضعف الاقتداء. قال تعالى على لسان شعيب -وهو يعظ قومه وأتباعه-: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ

стр. 426

أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]. وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف٢: ٣]. أكبر علامات فشل المسؤول إن التناقض بين القول والعمل والظاهر والباطن أكبر علامة لسقوط. المسؤول، فالرئيس الذي يتحدث عن الأمانة وهو يسرق، والذي يطلب من العاملين معه الالتزام وهو آخر من يحضر -يمحو بتصرفه عشرات الأقوال .. وعلى هذا فقس. ولهذا قال نبي الله شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. وقد قيل: من لا يستطيع تصحيح أخطاء نفسه، فلا يصح له أن يكون قيمًا على أخطاء الآخرين. ونظرة ممعنة في القرآن الكريم حول القدوة نجد أن القرآن الكريم فيه من النماذج بالدعوة إلى الاقتداء بالرسل والأنبياء عمومًا. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ

стр. 427

عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. ومن دقيق ما يذكر في هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه جعل الأسوة في رسول الله ﷺ مطلقة، ولم يحصرها في وصف خاص من أوصافه، أو خلق من أخلاقه، أو عمل من أعماله الكريمة، وما ذاك إلا من أجل أن يشمل الاقتداء في أقواله وأفعاله وسيرته كلها؛ كما سبق بيانه. قلت: وكلما كان الرئيس قدوة، كان في العاملين معه أكثر تأثيراً؛ ليعرف العاملون معه صدق أقواله تتجسد في أفعاله فيتأثرون به، ولا شك أن الفعل إذا انضم إلى القول، كان أبلغ وأكثر تأثيراً من القول المجرد. ١١ - الحزم، وقوة الشخصية . الحزم لغة: ضبط الإنسان أمره والأخذ فيه بالثقة (١). أما في الاصطلاح: جودة الرأى في الحذر بمن يخاف من شره (٢). الرئيس العاقل هو الحازم في أمره، فلا يضعف في مواجهة المواقف، وعنده القدرة على التحكم في إرادته وإدارته. والقائد الناجح هو الذي يحزم أمره في كل شيء، ولا يعني الحزم العنف وإصدار القرارات التعسفية، بل حزم مع الحق، وحكمة في التصرف مع الرفق.

стр. 428

قال صلاح الدين الصفدي: من ضيع الحزمَ لم يظفر بحاجته ... ومن رمى بسهامِ العُجبِ لم يَنَلِ ١٢ - عدم الاستماع للوشاة . الوشاة: أصحاب السعاية بالنميمة. الرئيس الذكي: هو الذي لا يستمع للوشاة الذين ينقلون كلام الناس للإضرار بهم وإيقاع العداوة بينهم على جهة التفريق والإفساد، لا سيما الأقران في العمل، فلا ينقل العيب إلا معيب، ومن نم لك نم بك، وفاعل ذلك نمام، ويقال له قتات. عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَلا أنبئكُم ما العَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ القَالَةُ بَينَ النَّاسِ" (١). وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَدخُلُ الجَنَّةَ نَمَّام" (٢). قال الأعشى الكبير: ومن يُطِع الواشينَ لا يتركوا لهُ ... صديقًا وإن كان الحبيبَ المُقَرَّبَا وقال آخر: لا تقبلنَّ نميمةً بُلّغتها ... وتَحَفَّظنَّ من الذي أَنبَاكها إنَّ الذي أَهدى إليك نَميمةً ... سينمٌ عنك بمثلها قد حَاكَهَا ١٣ - قبول النصيحة . عن تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدين النصيحة".

стр. 429

قالوا: لِمن يا رسول الله؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" (١). الموفق من يقبل النصيحة، والمرء مهما سمت أخلاقه، فهو بحاجة إلى النصيحة، فالنصيحة هي الكلمة الطيبة الخالصة قولًا وعملًا، وبذل الجهد في إصلاح المنصوح، والرئيس العاقل من يقبل نصيحة الغير لتصحيح المسار. كان سفيان الثوري يقول: "أدركنا النَّاس وهم يحبون من قال لهم: اتق الله تعالى، وقد صاروا اليوم يتكدرون من ذلك". والرئيس الموفق كما ينصح غيره، فيجب عليه أن يقبل نصيحة الغير، وكما يحب أن يعاملوه معاملة حسنة، فينبغي أن يعامل غيره معاملة حسنة. عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يحب لنفسه" (٢). عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "فمن أحبَّ أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيَّتُه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحبُّ أن يُؤتى إليه" (٣). وتأمل كيف ذم الله سبحانه الذين يعاملون الغير على عكس ما يحبون أن يعاملو به.

стр. 430

قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)﴾ [المطففين١: ٤]. ١٤ - عدم البحث عن الأخطاء والمساوئ . العاقل من ينصح ويرشد، وإذا وجد الخلل سده، أو أبصر النقص أكمله، فالكمال عزيز، والعاجز من يقصر نظره على الأخطاء ويقف عندها، فلا تبحث عن الأخطاء فقط، بل شجع الإيجابيات تزل السقطات. وعلى الرئيس أن يقرأ جيدًا قانون العمل؛ لأنه المرجعية لتصحيح الأخطاء، وفي معالجة الأمور، وهو المرجع عند الخلاف بين الرئيس والمرؤوس لتحديد الخطأ، والمرآة للعمل. وحتى لا يحكم على أحد، "ويتم تحويله للتحقيق، ثم يكتشف بعد ذلك أن هذا السلوك ليس سلوكًا خاطئًا، لماذا؟ لأنه كان يستند في تحديده للخطأ على أمور غير صحيحة، وكان من المفروض أن يستند إلى المرجعية الصحيحة وهي النظم والقوانين واللوائح التي تحكم نظام العمل أو المهنة التي ينتمى إليها؛ لذلك بات من الواجب على كل صاحب مهنة أن يدرس وبعناية قانون العمل، أو نظام وقانون هذا العمل وهذه المهنة؛ حتى يكون على دراية بحقوقه وواجباته ما له وما عليه، حتى لا يقع في خطأ وهو يظن أنه على صواب، وحتى لا يأتي من الأعمال ما ليس من اختصاصه، وما لا يكلفه به نظام العمل. ويستغل بعض الرؤساء في العمل بعض الموظفين في أعمال ليست من

стр. 431

اختصاصهم، وتعود بالفائدة عليهم، وليس على العمل نفسه، ويهددونهم إن امتنعوا عن التنفيذ أن يتم تحويلهم للتحقيق، ونتيجة لجهل هؤلاء أو خوفهم غير المبرر يستجيبون لمثل ذلك الاستغلال، مرتكبين بذلك أخطاء في حق أنفسهم، وفي حق العمل أو المهنة التي ينتمون إليها، هذا كله طبعًا في حالة ما إذا كان العمل غير مخالف لشرع الله، وغير محرم، أما إن كانت هذه المهنة محرمة، فلا قيمة ولا اعتبار للقوانين واللوائح الخاصة بهذه المهنة، ولا يجوز الالتحاق بهذه المهنة أصلًا" (١). ١٥ - توزيع الأعمال بما يناسب كلًا منهم . فالرئيس العاقل من يضع كل شيء في مكانه اللائق به والمناسب له، فلا يسند منصبًا إلا لمن هو أهل وكفؤ له، أما من يعجز عن القيام به فلا ينبغي إسناده إليه. عن أَبي ذر ﵁ قال: قُلتُ: يَا رَسُولَ الله، أَلَا تَستعمِلُنِي؟ قال: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنكِبِي. ثم قال: "يَا أَبا ذرٍّ إنَّكَ ضَعِيف -وَإنهَا أَمَانَة- وَإنهَا، يَومَ القِيَامَةِ، خِزيٌّ وَنَدامَةٌ، إلا مَن أَخَذها بِحَقهَا، وَأَدَّى الذي عَلَيهِ فِيهَا" (٢). ١٦ - عدم الإكثار من الاجتماعات . الناس بحاجة إلى عمل أكثر من حاجتهم إلى الكلام، فكثرة الاجتماعات غير المحددة الأهداف وجداول الأعمال مملة، وتبعث على السآمة، وتقتل الأوقات من غير جدوى، فأنجح الاجتماعات ما

стр. 432

أعقبت فائدة الأعمال والنتائج. ١٧ - توقير ذوي الخبرة . الرئيس الحاذق هو الذي يحترم ويوقر ذوي الخبرة، وكبار السن ممن أمضوا سنوات العمر في العمل، ومن التوقير لهم إسناد المهمات لهم، ومشاركتهم بالرأي والمشورة، وعدم انتقاصهم في شيء، ومن الجور تجاهلهم وتسويد من دونهم. ١٨ - الشكر والثناء . للناس أحاسيس ومشاعر، تؤثر فيهم الكلمة الطيبة؛ لأنهم مخلوقات عاطفية، ويحتاجون إلى الثناء الصادق، والشكر الفائق، فعلى الرئيس الكيس الفطن شكر الموظف المتميز، فإن الناس ينشطون بالشكر، والنفس البشرية بحاجة إلى الثناء، والناس لا يزالون جياعًا يشبعهم التقدير، وكم من عامل ترك عمله مع جودة أجره بسبب إغفال الرئيس مشاعره وأحاسيسه وما يقوم به من عمل، وليس من شيء يقتل طموح الموظف مثل التأنيب والتجريح، فشكر الناس على المعروف الذي يقومون به من مكارم الأخلاق، ويعد أحد الحوافز المعنوية المؤثرة، ومن مميزات القيادة الناجحة؛ لهذا أذن به الله سبحانه لما فيه من تأثير الألفة والمحبة والتشجيع كما جاء به الإسلام. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَشكُرُ اللهَ مَن لا يَشكُرُ النَّاسَ" (١).

стр. 433

والرئيس البصير من يثني على العاملين معه، وعليه أن ينمي الإيجابيات ويذكرها ويدعو لهم؛ ليدفع بهم إلى الجد والعطاء. والشكر والتقدير حاجة من حاجات الإنسان، وفرق بين التقدير، والتملق، فالتقدير الصادق مقبول ومحمود، والتملق مرفوض ومذموم. ١٩ - تمكين العاملين من أداء ما افترض الله عليهم . الرئيس العاقل هو الذي يمكن العاملين معه من أداء ما افترض الله عليهم من صلاة وصيام وحج ... ، ولا يسن القوانين والقرارات التي تمنع الموظف من أداء دينه كالصلاة أو الحجاب أو الإجبار على حلق اللحى ونحوه من الطاعات، ففاعل ذلك خائن لله تعالى، وخائن لدينه، ومحارب لشرعه، سينال جزاءه عاجلًا أم لاحقًا. والواجب على المسؤولين تمكين الناس من طاعة الله بالمعروف، وأن يتقوا الله تعالى فيما تحت أيديهم. ٢٠ - النصيحة في السر . الرئيس الموفق ينصح العاملين معه بالحكمة، فإن رأى من مرؤوسيه تقصيرًا منهم، نصحهم سرًا ولم يفضحهم، وفرقٌ بين النصيحة والتعيير. قال الإمام الشافعي: تَعمَّدني بنُصحِكَ في انفرادي ... وَجَنّبني النصيحةَ في الجماعَهْ فإن النصحَ بين النَّاس نَوع ... مِنَ التوبيخِ لا أرضَى استِماعَهْ فإن خالَفتَني وعَصَيتَ قَولي ... فلا تجزَع أذا لم تُعطَ طاعَهْ والأريب من يكون نصحه سرًا، ومن نصح أخاه سرا فقد زانه، ومن

стр. 434

وعظه علانية فقد شانه. وقد صنف الإمام ابن رجب الحنبلي رسالة مانعة سماها "الفرق بين النصيحة والتعيير". والعاقل من الرؤساء من يحقق كلمات الذهب الإخلاص، والرفق، والستر، والسماحة. لأن الإعلان إن خلا من الرفق والأدب، فهو فضيحة وتوبيخ، وتعيير وتشريح. *****

стр. 435

آداب الموظف والمرؤوس الموظف أو العامل هو من عينته الدولة أو الشركة أو صاحب المؤسسة في وظيفة ما، لقضاء خدمة، وأداء مهمة محدودة، في زمن محدود. والموظف -علاوة على آداب الرئيس التي يشترك في بعضها- له آداب أخرى مهمة، منها: ١ - الإتقان: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٣٠]. وعَق عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه" (١). فعلى المرؤوس أن يُحْكم عمله بإخلاص وصدق وإتقان، قاصدًا بذلك النفع للمسلمين، ميسرًا لهم، باذلًا لهم العون في حدود نظام العمل. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن يَسَّرَ عَلَى مُعسِرٍ، يَسرَ اللهُ عَلَيهِ فِي الدنيَا وَالأخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسلِمًا، سَتَرَهُ الله فِي الدنيا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَونِ العَبدِ مَا كَانَ العَبدُ فِي عَونِ أَخِيه" (٢).

стр. 436

٢ - المحافظة على الوقت: لكل عمل وقت محدد له بداية وله نهاية، والعامل فيه يجب عليه المحافظة على وقت العمل من الضياع، بل يجب عليه العمل به بما يرضى ربه قبل كل شيء، فلا يؤخر عمل عن وقته، ولا يؤجل عمل اليوم للغد دون مبرر سائغ، وفي الحديث: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ" (١). ٣ - الجد والحماس في العمل: الجِد هو الاجتهاد، والموظف البصير، والعامل القدير من يحلل كسبه، فليس عنده كسل أو ملل، همته عالية، ودأبه العمل بالمعروف، بل هو المبادر النشط، فالتثاقل والتراخي عما ينبغي مع القدرة مذمة، وعدم الانبعاث لفعل ما يجب عليه ملمة، بل يصنف في خانة الثقلاء الكسالى. وقد استعاذ النبي ﷺ من العجز والكسل. عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل" (٢). قال الناظم: اجهدْ ولا تكسل ولا تكُ غافِلًا ... فَنَدامَةُ العقبى لمن يَتَكَاسَلُ ٤ - مراقبة الله تعالى في أعمالنا: فالمراقبة: دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق على

стр. 437

ظاهره وباطنه (١). قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]. وفي الحديث المرفوع: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراهُ، فإن لم تكن تراهُ، فإنهُ يراك" رواه مسلم في كتاب الإيمان (٩٣) عن عمر ﵁. ٥ - البعد عن الحرام والتنزه عنه ، والمحذور يكون بالأمور التالية: أ- أخذ ممتلكات الدولة أو المؤسسة أو من تعمل عنده بغير حق . وفي الحديث "والله، لا يَأخُذ أحدٌ منكم شيئًا بغير حقه، إلا لقى الله تعالى يحملُهُ يوم القيامة". رواه البخاري، ومسلم (٤٧٤٠). عن بُرَيدَةَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "مَن استعملنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزقًا، فَمَا أخَذ بَعدَ ذَلِكَ فَهُوَ غلُولٌ" (٢). عن عدي بن عَمِيرَةَ الكنديِّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "من استعملناهُ على عملٍ، فكتَمَنَا مخيطًا فما فوقهُ، كان غُلولًا يأتي به يوم القيامة" قال: فقام إليه رجلٌ أسودُ من الأنصار، كأني أنظرُ إليه، فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك. قال: "وما لك؟ " قال: سمعتُك تقول كذا وكذا، قال: "وأنا أقُولُهُ الآن: من استعملناهُ منكم على عملٍ، فَليِجئ بقليله وكثيره، فما أُوتيَ منه أخَذَ، وما نُهِيَ عنه انتهَى" (٣).

стр. 438

ب- الغياب بغير مسوغ شرعي أو قانوني . الموظف الموفق هو الذي يحافظ على عمله بالحضور، فلا يتغيب إلا بمسوغ شرعي أو قانوني. سئل العلامة ابن عثيمين ﵀ عن بعض الموظفين يترك دوامه فيخرج قبل انتهاء الدوام، أو أثناء الدوام، ويعود، أو يتأخر عن موعد الدوام فما حكم ذلك؟ فأجاب: لا يحل لموظف أن يخرج قبل انتهاء الدوام، ولا أن يتأخر عن بدء الدوام، ولا أن يخرج في أثناء الدوام؛ لأن هذا الدوام ملك للدولة يأخذ عليه مقابلًا من بيت المال، لكن ما جرت به العادة إذا دعت الحاجة إلى الخروج في أثناء الدوام واستأذن رئيسه أو مديره، ولم يتعطل العمل بخروجه، فأرجو ألا يكون في ذلك بأس" (١). ج- الرشوة . الرشوة لغة: الجعل، وما يعطى لقضاء مصلحة، ارتشى: أخذ رشوة، وراشاه حاباه، وصانعه، وظاهره. أما في الاصطلاح: ما يعطى لإبطال حق، أو لإحقاق باطل (٢). الهدية من المستحبات، لكن يحرم على الموظف قبولها إذا تعلقت بعمله؛ لأنها وسيلة إلى الإخلال بالعمل؛ لأنها رشوة، يتوصل بها المعطي

стр. 439

إلى شيء يريده مستقبلا. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم" (١). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لعنة الله على الراشي والمرتشي" (٢). والرشوة كبيرة من الكبائر، وخيانة للأمانة، ومن المكاسب المحرمة، وهي ما يعطيه الشخص لحاكم أو مسؤول أو موظف ليحكم له، أو يحمله على ما يريد. ٦ - لا تشغل غيرك عن تأدية عمله . بعض المرؤوسين كل على غيره، فلا هو بالذي يعمل، ويخلص في عمله، ولا هو بالذي يترك غيره يعمل، فهو يشغل غيره عن تأدية واجبه، وهو لا يأتي بخير، وفي التنزيل شبيه بهذا العامل السلبي الذي لا يأتي بخير. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾ [النحل: ٧٦]. ٧ - لا تشغل نفسك أثناء العمل بغير العمل . العاقلُ هو الذي يراقب ربه فيما خوَّله من عمل، فمن الأمانة أداء ما

стр. 440

يجب عليه كاملًا، فيخلص في عمله، ويبذل جهده على حقوق الناس التي وضعت بين يديه، فليس هناك خيانة أعظم من رجل أسند إليه أمر من أمور المسلمين حتى لو قل، فخان الأمانة. فمن الناس من يترك العمل ويشتغل بما لا يجب عليه من مطالعة التلفاز، أو اللعب في الحاسب الآلي، ومنهم من يترك المكان المسند إليه ليعمل فيما لا يجب عليه في مكان آخر، ومنهم من يذهب للمطاعم والأسواق، ومنهم من يقرأ كتابًا وصحيفة ويترك ما يجب عليه، ومنهم من يشغل نفسه بالأحاديث الجانبية، وأسوأ من ذلك ترك العمل لتعاطي المحرمات. عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" (١). * حكم صلاة السنن خلال العمل: إذا كانت الصلاة المسنونة لا تؤثر على العمل، فلا بأس بها، أمَّا إذا كانت تخل به، وتؤثر عليه، فإن العمل واجب وصلاة السنن مستحبة كصلاة الضحى أو الوتر، وكذلك قراءة القرآن؛ لأن الوقت مخصص للعمل وليس للنوافل. ٨ - عدم استغلال الوظيفة . تقدم الحديث قريبًا عن الذي يستغل الوظيفة -بل والموظفين- لصالحه، وهو الغش المحرم شرعًا، والخيانة للأمانة. ٩ - التحلي بالأخلاق الحسنة . يكفي في التحلي بالأخلاق الحسنة أنها سبب لمحبة الله تعالى، ومحبة

стр. 441

رسوله، وأنه حسن عند كل الناس، والنصوص في هذا الباب كثيرة متوافرة. عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا" (١). ١٠ - ضبط النفس مع حسن التصرف . سبق الحديث عن هذا قريبًا. ١١ - العلاقة الحسنة مع العاملين . الموظف العاقل من يبني علاقات حسنة مع غيرة من العاملين، فيحلو في العيون، وترتاح له النفوس، فيزيد التعاون ، ويحسن العمل. ١٢ - التعاون. التعاون لغة: عاون بعضهم بعضًا (٢). أما في الاصطلاح: المساعدة علي الحق ابتغاء الأجر من الله سبحانه. التعاون المطلوب من المرؤوس هو تسخير طاقاته وإمكاناته وما آتاه الله من قوة وفهم في خدمة دينه وبلده وإخوانه. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. عن أَنس بن مالك ﵁ عن النبِيّ ﷺ قال: "لا يُؤمِنُ أَحَدُكم حتَّى يحب لأخِيهِ، أَو قَالَ: لِجَارِهِ -مَا يُحِب لِنَفسِهِ" (٣).

стр. 442

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (١). عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله تعالى أقواما يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم" (٢). ****

стр. 443

٧ - الأدب مع الخادم والأجير الخادم: واحد الخدم، ويقع على الذكر والأنثى لإِجرائه مُجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال، كحائض وعاتق (١). قلت: والجمع خُدامٌ وخدمٌ، وهب خادمٌ وخادمة. عن بريدة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لِيَكْفِ أَحَدَكُم من الدنيا خادم ومَركَبٌ" (٢). عن أبي هاشم بن عتبة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما يكفيك من جمع المال خادم ومركب في سبيل الله" (٣). ومن أعظم النعم التي يمنها الله سبحانه على الإنسان توفير الراحة له، وتسخير بعض الناس لخدمته؛ فأي نعمة بعد الإيمان والعافية خدمة الناس لك، وكان السلف ينزلون من تيسر له الخادم منزلة الملك والسلطان الذي حاز الدنيا بحذافيرها. عن ابن عباس ﵁ قال: "كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة والخادم والدار سمى ملكًا" (٤). وعن عبد الرحمن الحبُلُي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص

стр. 444

رضي الله عنهما وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكُنُه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. فقال: إن لي خادمًا. قال: فأنت من الملوك (١). وعن الحسن البصري: أنه تلا هذه الآية ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾، فقال: وهل المُلك إلا مركبٌ وخادمٌ ودار؟ (٢). والأريب هو الذي يشكر نعمة الله عليه، فإن نعم الله علينا كثيرة، ومن أجلها تيسير خدمتك بأيدي أجير أو خادم، أو خادمة، أو عامل، أو عاملة، والحديث هنا يقع على خدم البيوت وليس الخدمة العامة لسائر أبواب الإمارة والملك الذي هو بسبيله من الجندي والشرطي والكاتب. والعاقل من قام بخدمة نفسه أولًا، فإن عجز فلا بأس من استخدام خادم عاقل متمكن خبير أمين موثوق به. لكن العلامة ابن خلدون يقول في المقدمة (٣): "إن المترف من الناس يترفع عن مباشرة حاجاته أو يعجز عنها لما ربي عليه من خلق التنعم والترف، فيتخذ خدمًا يقضون له تلك الحاجات مقابل أجر معين، وهذا أمر يعتبره غير محمود بحسب الرجولة الطبيعية للإنسان، وذلك لأن الثقة بكل واحد عجز، ولأنها تولد الكسل لدى المترفين، وكذلك لأن الخادم القائم بذلك لا يعدو أربع حالات:

стр. 445

١ - مضطلع (صاحب خبرة) موثوق به. ٢ - مضطلع غير موثوق به. ٣ - موثوق غير مضطلع. ٤ - غير موثوق وغير مضطلع. فالأول، وهو المضطلع الموثوق يترفع عن الخدمة لاضطلاعه بالأمور وثقته، غني عن الناس، يتدبر أمره في سبل المعاش الأخرى. وأما الثاني فلا ينبغي لعاقل استعماله؛ لأنه يجحفُ بمخدومه (رب البيت) فلا حاجه لرب البيت به بأن يدخل الريبة إلى عمله ومنزله، وخاصة ممن يقدر عليها. وأما الثالث فلا تشفع له أمانته أمام تضييعه لأعمال رب البيت. وأما الرابع فأي شيء أنفع منه، وهذا إذا لم يقع الضرر" انتهى بتصرف. قلت: فإن قيل: كان للنبي ﷺ خدم؟ الجواب: نعم، ولكن الصحابة هم الذين كانوا يفرضون أنفسهم لخدمته طلبًا للشرف والعلم والفائدة من هديه وسمته ودعائه ﷺ . عدد العلامة ابن قيم الجوزية ﵀: أسماء من خدمه ﷺ ، فمنهم أنس ابن مالك، وكان على حوائجه، وعبدُ الله بن مسعود صاحبُ نعله، وسواكه، وعُقبَةُ بن عامر الجهني صاحب بغلته، يقود به في الأسفار، وأسلع بن شريك، وكان صاحب راحلته، وبلال بن رباح المؤذن، وسعد، موليا أبي بكر الصديق، وأبو ذر الغفاري، وأيمن بن عبيد، وأمه أم أيمن

стр. 446

موليا النبي ﷺ ، وكان أيمن على مطهرته وحاجته" (١). وأما مواليه ﷺ فمنهم زيد بن حارثة بن شراحيل، حبُّ رسول الله ﷺ ، أعتقه وزوجه مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة. ومنهم أسلم، وأبو رافع، وثوبان، وأبو كبشة سُليم، وشُقران واسمه صالح، ورباح نُوبي، ويسار نوبي أيضاً، وهو قتيل العُرنيين، ومِدْعم، وكركرة نوبي أيضاً، وكان على ثقله ﷺ ، وكان يمسك راحلته ﷺ عند القتال يوم خيبر، وفي "صحيح البخاري" أنه الذي غل الشملة ذلك اليوم .. ، وفي "الموطأ" أن الذي غلها مِدْعم، وكلاهما قتل بخيبر" (٢). والخلاصة أن النبي ﷺ أرشد عليًا وفاطمة ﵄ إلى الذكر لمَّا سألا النبي ﷺ خادماً؛ لأن ذلك من واجبات المرأة تجاه زوجها. فإن كان لا بد من استخدام الخادم فلا بد له من شروط: ١ - الديانة الإسلامية. ٢ - الأمانة. فالخدمة أمانة وولاية، وعمل يسند إلى الخادم في بيت المخدوم، فهو الذي يتعاهد ملك صاحب البيت من طعام وشراب ومتاع، وفي ذلك حديث عن النبي ﷺ : "كُلكُمُ راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته" .. والخادمُ في مالِ سيدهِ راعٍ وهو مَسؤُول عن رعيته". رواه البخاري (٢٤٠٩). واستحق موسى ﵇ أن يعمل في بيت الرجل الصالح ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا

стр. 447

يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾ [القصص٢٦: ٢٨]. وليست الأمانة قاصرة على حفظ المال، بل تتعدى الأمانة إلى سر بيته وحفظ عورته، وربما يكون في البيت زوجة وبنات وأخوات، وفي البيت شباب وفي البيت خلوات، وفي قصة يوسف ﵇ عبرة في موقف يوسف ﵇ وأمانته من زوجة العزيز. ومن أعظم الفتن تساهل بعض المخدومين في دين الخادم. ٣ - الخبرة، والعاقل من يحسن اختيار صاحب الدراية المأمون؛ لأنه لا حاجه لرب البيت بأن يدخل الجاهل وصاحب الريبة إلى عمله ومنزله؛ لأنه سيشقى به. وللخادم أحكام كثيرة تنظر في كتب الفقه، لا يتسع المجال لبسطها، وحسبنا الآداب هنا. والعاقل من يتأدب بأدب الإسلام في معاملة الخدم، وقد شرع الإسلام حقوقًا للخدم يجب العناية بها، ونذكرها فيما يلي:

стр. 448

حقوق الخدم للخدم حقوق مرعية فرضها الإسلام، وكلما سعى المخدوم في تحقيقها، نال المراد على أكمل وجه، وتحقق له المقصود من أقصر طريق، ومن أخل في ذلك لم يأمن بوائق خدمه، "وإن اشتدَّ كلفُه بهم صار عليهم قيِّما، ولهم خادمًا؛ وإن اطرحهم قلَّ رشادهم، وظهر فسادهم، وصاروا سببًا لمقته، وطريقًا إلى ذمِّه، ولكن يكفُّهم عن سَيئ الأخلاق، ويأخذهم بأحسن الآداب، وليتوسط فيهم ما بين حالتي اللين والخشونة؛ فإنه إن لان هان عليهم، وإن خَشُن مقتوه، وكان على خطر منهم" (١). * والعاقل من أخذهم بالآداب، فيجب في حقوق الخدم ما يلي:- ١ - إعطاء الخادم حقَّه من الأجر مع عدم تأخيره . المماطلة والتسويف مع القدرة ظلم، فالمبادرة بإعطاء الخادم حقه نوع من الالتزام الديني والإحسان؛ لأن الخادم قدم جهده، فالعاقل من يوفي الآخرين حقوقهم، وبذلك جاءت الشريعة. عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه" (٢). وقد رهَّب النبي ﷺ من أكل أجر العامل؛ لأنه يستوفي منفعة لا يؤدي حقها للغير، وهذا ظلم، وأكل أموال الناس بالباطل.

стр. 449

عن أَبي هريرة ﵁ عن النبِيِّ ﷺ قال: "قال اللهُ تعالى ثَلاَثةٌ: أَنا خَصْمُهُم يَومَ القِيَامَةِ: رجلٌ أَعطَى بِي ثمَّ غَدرَ، وَرَجل بَاعَ حُرًّا فَأكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجل استأجَرَ أَجِيرًا فاستوفَى مِنهُ، وَلَم يُعطِه أَجرَهُ" (١). فالوفاء بأجر الخادم يحقق له حاجتين نفسية ومادية، فالأولى إحساسه باحترام الناس له، وتقدير عمله، والثانية يقضي بها حاجاته في الحياة، ومن يعول، ويدفعه لمواصلة العطاء. ٢ - وجوب حسن معاملته وعدم إهانته، أو ضربه، أو الدعاء عليه . العاقل من يحسن معاملة خدمة، وبذلك يضمن الإخلاص منهم والحرص والحب والوفاء، وقد قيل قديمًا: جبلت النفوس على حب من أحسن إليها. عن أَبي مسعود الأنصاريِّ، قال: "كُنتُ أَضرِبُ غُلَامًا لي، فَسَمِعْتُ من خَلفِي صَوتًا: "اعلم أبا مَسعُودٍ"، قال ابنُ المُثَنَّى مَرتَينِ، "لله أقدَرُ عَلَيكَ مِنكَ عَلَيهِ"، فالتَفَتُّ فإِذَا هُوَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله، هُوَ حُرٌّ لِوَجهِ الله. قال: "أَمَا إنك لو لَم تفعَل لَلَفَعَتْكَ النارُ أَو لَمَسَّتْكَ النَّارُ" (٢). عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدعوا علي أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة نَيْلٍ فبها عطاءٌ فيستجيب لكم" (٣).

стр. 450

عن العيزار بن جرول الحضرمي قال: كان منا رجل يقال له أبو عمير، قال وكان مؤاخيًا لعبد الله (يعني ابن مسعود) فكان عبد الله يأتيه في منزله، فأتاه مرة، فلم يوافقه في المنزل فدخل على امرأته، قال: فبينا هو عندها إذ أرسلت خادمها في حاجة، فأبطأت عليها، فقالت: قد أبطأت، لعنها الله. قال: فخرج عبد الله فجلس علي الباب. قال: فجاء أبو عمير، فقال لعبد الله: ألا دخلت على أهل أخيك. قال: فقال: قد فعلت، لكنها أرسلت الخادمة في حاجة، فأبطأت عليها فلعنتها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا خرجت اللعنة من في صاحبها نظرت: فإن وجدت مسلكًا في الذي وجُهت إليه، وإلا عادت إلى الذي خرجت منه" (١). عن أنس ﵁ قال: "قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينةَ ليسَ لهُ خادِمٌ، فأخذَ أبو طلحةَ بيدِي، فانطَلَقَ بي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول اللهِ، إن أنسًا غُلامٌ كيس فَليَخدُمْكَ، قال: فخدَمتهُ في السفَر والحضَر، ما قال لي لشيءٍ صَنَعتهُ: لمَ صَنعتَ هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصْنَعهُ: لمَ لم تصنعْ هذا هكذا؟ " (٢). ٣ - عدم تكليفه ما لا يطيق من العمل، وإعطاؤه وقتًا للراحة . العاقل من لا يكلف خادمه أكبر من طاقته، ويجعل له وقتًا للراحة، ووقت فراغ حتى يباشر أعماله بالكيف وليس بالكم؛ لأن الحرمان يؤدي إلى الإرهاق، وموت النشاط، والضيق.

стр. 451

٤ - توفير مكان ملائم لراحته إن كان ساكنًا مع صاحب الدار . ويشترط للمكان أن يكون بعيدًا عن رحبة البيت، حتى لا يطلع على عورة أهله. ٥ - توفير الطعام والكساء والدواء له . العاقل من يوفر الطعام للخادم الذي يعمل له في بيته ويتواضع له ويطعمه مما يطعم حتى ينال منه خيرًا. عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جاء خادم أحدكم بطعامه فليقعد معه، أو ليناوله منه، فإنه هو الذي ولي حره ودخانه" (١). عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان لأحدكم خادم قد كفاه المشقة، فليطعمه فإن لم يفعل فليناوله اللقمة" (٢). ٦ - غض البصر وعدم الخلوة به: قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ

стр. 452

يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور٣٠: ٣١]. عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَخلُوَنَّ أَحَدُكُم بِامرَأَةٍ؛ فإن الشيطَانَ ثَالِثُهُمَا" (١). ٧ - وجوب الحجاب الشرعي أمام الخدم: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ [الأحزاب: ٥٩]. الحجاب صيانة، والعفة كرامة، ومن تساهل في الحجاب افترسته العيون، ولم يكن أمره مأمونًا، فيجب على المرأة المسلمة التزام الحجاب أمام خادمها، والخادمة أمام مخدومها؛ حتى تسلم القلوب من خطرات الظنون، ولا يكون للشيطان عليهم سبيل. ٨ - الإنفاق عليه بالمعروف: عن أبى هريرة ﵁ قال: أمر النبي ﷺ بصدقةٍ، فقال رجل: عندي دينار، فقال: "أنفقه على نفسك"، قال: عندي آخر؟ قال: "أنفقه على زوجتك" قال: عندي آخر؟ قال: "أنفقه على خادمك ثم أنت أبصر" (٢).

стр. 453

٩ - تعليمه أمور دينه وإعانته على ذلك كتوفير مصحف مثلاً . ١٠ - أن يحب له ما يحب لنفسه . ١١ - تلبية حاجاته عند القدرة . عن زياد بن أبي زياد مولى بني مخزوم عن خادم للنبي ﷺ رجل أو امرأة قال: كان ممَّا يقولُ للخادمِ: "أَلكَ حاجةٌ"؟ قال: حتَّى كانَ ذاتَ يوم فقال: يا رسول الله حاجَتي. قال: "وما حاجَتُك"؟ قال: حاجتي أَنْ تَشفعَ لي يوم القيامةِ. قال: "ومن دلَّك على هذا"؟ قال: ربِّي. قال: "أَمَّا لا، فأَعِنِّي بكثرة السُّجود" (١). ١٢ - العفو عنه عند الخطأ . العفو لغة: ترك الشيء، ومحوه وطمسه. أما في الاصطلاح: القصدُ لتناول الشيءِ، والتجاوزُ عن الذنب (٢). عن ابن عمر ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كم نعفو عن الخادم؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلام، فصمت، فلما كان الثالثة قال: "اعفُوا عنهُ (يعني: الخادم) في كُلِّ يومٍ سبعينَ مرةً" (٣). ١٣ - عدم غيبته: عن أنس ﵁ قال: كانت العربُ بعضهم يخدمُ بعضًا في الأسفار، وكانَ مع أبي بكرٍ وعمرَ رجل يخدمُهما، فنامَ، وأستيقظا ولم يهيئ طعامًا، فقال:

стр. 454

إن هذا لنَئوم بينكم فأيقظاهُ، فقالا: ائتِ رسول الله ﷺ ، فقل لهُ: إن أبا بكرٍ وعمرَ يُقرئانكَ، وهما يستأدِمانك فأتاهُ فقال ﷺ : "أخبرهما أنهما قد ائتدَما" ففزعا، فجاءَا إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، بعثنا نستأدِمُك فقلتَ، ائتدما، فبأيِّ شيءٍ ائتدْمنا؟ فقال: "بأكلِكُما لحمَ أخيكُما، إني لأرى لحمَهُ بينَ ثناياكم" (وفي رواية: بين أنيابكما) فقالا: يا رسول الله فاستغفر لنا. قال: "هو فليستغفر لَكُما" (١). ولا يخفى ما في هذا الحديث من الوعيد، والإثم الشديد، فهي من أعظم مهلكات الإنسان بعد الشرك، وهي الصاعقة المحرقة للثواب، والغيبة تتحقق باللفظ الصريح أو الكناية والتعريض، أو الإشارة والرمز، سواء في دينه أو دنياه، أو خُلقه أو خَلقه أو أهله، أو أي شيء يتعلق به من خادم أو مال أو طبع بما يكره، نسأل الله السلامة والمسامحة. ...

стр. 455

٨ - الأدب مع غير المسلم درجات الكفار: الكفار والكافرات من بني جلدتنا أو من غيرنا، فمنهم من يُعلن كفره، ومنهم غير ذلك، ومنهم حربٌ على المسلمين، ومنهم مسالمٌ، والعاقل من يتأدب معهم بأدب الإسلام، وكذلك ربما يسافر البعض إلى ديار الكفر، أو يتعامل مع الخدم الكفار، أو الخادمات الكافرات، أو من استوطن منهم ديار المسلمين، فما الموقف من هؤلاء؟ وما الواجب على العقلاء تجاه الكفار في كيفية التعامل معهم، وخصوصًا مع من لم يكونوا حربًا؟ علاقة المسلم بالكفار ينبغي أن تنضبط بالأخلاق الكريمة، وهو بذلك يدعو بلسان الحال، قبل لسان المقال، ومن المفاهيم الخاطئة عند بعض الناس أن علاقة المؤمن بالكافر علاقة عنف وسب وشتم واستحواذ على ماله، وانتهاك عرضه، فالإسلام فرَّق بين علاقة المسلم بغيره؛ لأن الكفار درجات، فمنهم كافر حربي، وآخر كافر مسالم. قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨]. فمن الكفار من ليس في قلبه رحمة، عدو للمسلمين، ومنهم كافر في قلبه رحمة للمؤمنين، ولهذا لم يعامل النبي ﷺ الكفار بدرجة واحدة، فمنهم من أمر النبي ﷺ بقتله وأهدر دمه، ومنهم من تذكر صنيعه ويده، فشكر موقفه الكريم، وتذكر صنيعه الحسن مثل المطعم بن عدي بعد غزوة بدر لما

стр. 456

قتل من قتل من كفار قريش، وأسر من أسر منهم، قال النبي ﷺ : "لَو كَانَ المُطعِمُ بنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتنَى لَتَرَكهُتم لَهُ" (١). التعامل مع الكفار ليس بدرجة واحدة: والمطعم بن عدي من كفار قريش، حفظ له النبي ﷺ الجميل الذي قام به بعد عودة النبي ﷺ من الطائف إلى مكة، ثم امتناع قريش من قبول دخول النبي ﷺ مكة، فما كان من المطعم إلا أن قال: قد أجرت محمدًا، ثم بعث إلى رسول الله ﷺ أن ادخل، فدخل رسول الله، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش، إني قد أجرت محمدًا فلا يهجه أحد منكم، فهناك أحوال يكون فيها الصفح والمغفرة، وأحوال يكون فيها رد الإساءة بالإساءة، وتارة الشدة والغلظة، فالقضية ليست واحدة، وإنما لكل موقف تعامل خاص، وليس بصواب أن نأخذ آية واحدة من القرآن وننزلها على كل الأحوال؛ كقول الله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، فيكون المؤمن مع الكافر دائمًا في غلظة، فلا يجيبه، ولا يزوره ولا يدعوه، وهذا ليس بسديد، وكذلك لا يقال للمؤمن: كن دائمًا متساهلًا متنازلًا، فلكل مقام مقال. فالعلاقات الإنسانية متعددة، ولكل موقف صورة للتعامل، فلا بد من الأخلاق الحسنة مع مجموع البشر كل بحسبه، فإذا كان لنا جار، أو قريب غير مسلم، ننظر في أمره، فإن كان مسالمًا في علاقته، قَبِلنا هديته،

стр. 457

وأهديناه وزرناه وساعدناه حتى ربما أعطيناه من مال الزكاة رجاء إسلامه، ولكن تمنع المسلمة من الزواج بغير المسلم مهما كانت الأسباب، فلا يجوز لها أن تتزوج غير المسلم. وقبل الحديث عن الآداب مع الكافر لا بد أن نتحدث بإيجاز عن مفهوم الولاء والبراء، فالولاء هو المحبة والمودة والقرب، والبراء هو البغض والعداوة والبعد، والولاء والبراء من أعمال القلوب، لكن تظهر مقتضياتها على اللسان والجوارح. والمؤمن لا يكون ولاؤه إلا لله تعالى ولرسوله ﷺ وللمؤمنين. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ [المائدة: ٥٥]. ولا يجوز له أن يتولى الكفار؛ قال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة٨٠: ٨١]. فالولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم لإيمانهم، ونصرتهم، والنصح لهم، والدعاء لهم، والسلام عليهم، وزيارة مريضهم، وتشييع ميتهم، وإعانتهم، والرحمة بهم، وغير ذلك. والبراءة من الكفار يكون ببغضهم -دينًا- ومفارقتهم، وعدم الركون إليهم، أو الإعجاب بهم، أو التشبه بهم، وتحقيق مخالفتهم شرعًا وجهادهم

стр. 458

بالمال واللسان والسنان، ونحو ذلك من مقتضيات العداوة في الله (١). المعاملة الواجبة مع الكفار: وهناك معاملة واجبة مع الكفار مثل الوفاء بالعهد والأمانة، وعدم الغش. آداب التعامل مع الكفار: وهناك أخلاق وآداب ينبغي أن يتخلق بها المسلم مع الكافر، ومنها: ١ - لين الجانب في الدعوة إلى الله تعالى، وحسن القول . قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. وقال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٤]. قال القرطبي: قال أبو العالية: "قولوا لهم الطيب من القول، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تُجازوا به". وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينًا، ووجهه منبسطًا طَلْقًا مع البر والفاجر، والسُّني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يُرضي مذهبه؛ لأنَّ الله تعالى قال لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤]. فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون؛ والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه.

стр. 459

وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيّ حِدّة، فأقول لهم بعض القول الغليظ؛ فقال: لا تفعل! يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى، فكيف بالحنيفي؟ (١) فحسن القول مع المؤمن والكافر من الأمور التي حض عليها الشارع، قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. قوله: للناس: يشمل المؤمن والكافر، فالقول الحسن لجميع الناس من مكارم الأخلاق. عن ابن عباس ﵄ قال: "لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، قلت: وفيك، وفرعون قد مات" (٢). وعن عُقبة بن عامر الجُهَني: أنَّه مرَّ برجل هيئته هيأة مسلم، فسلم فردَّ عليه: وعليك ورحمة الله وبركاته، فقال له الغلام: إنَّه نصراني! فقام عقبة فتبعه حتى أدركه فقال: إنَّ رحمة الله وبركاته على المؤمنين، لكن أطال الله حياتك، وأكثر مالك وولدك" (٣). قال شيخنا العلامة الألباني - رحمة الله-: "في هذا الأثر إشارة من هذا الصحابي الجليل إلى جواز الدعاء بطول العمر؛ ولو للكافر، فللمسلم

стр. 460

أولى، ولكن لا بد من أن يلاحظ الداعي أن لا يكون الكافر عدوًا للمسلمين، ويترشح منه جواز تعزية مثله بما في هذا الأثر، فخذها فائدة تذكر". ٢ - الإهداء له، وقبول هداياه . عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه ذبُحت له شاة، فجعل يقول لغلامه: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورثه" (١). أمَّا قبول النبي ﷺ للهدايا فقد قبل هدية المقوقس، وقبل الشاة المصلية من اليهودية. لكن يستثنى من ذلك عدم قبوله هداياه وقت أعياده، وبالأخص اللحوم، أو الإهداء له؛ لأن في ذلك إقرارًا لباطله وشهادة زور. أيها -العاقل الودود- ليكن منك على بال أن من يهدي من لا يدين بدين الإسلام في يوم عيده فإنه على خطرٍ عظيم؛ لأن ذلك يورث إحساسًا بالتقارب، وشعورًا بالتعاطف مع الكفار لا سيما إذا كان من باب التعظيم والحب والمودة فالكفر على بابه. وذهب شيخ الإسلام إلى جواز قبول هدية الكفار يوم عيدهم معتمدًا على أثر علي بن أبي طالب ﵁ أنه أتي بهدية النيروز فقبلها، وخبر إباحة
следующие страницы →