قتل من قتل من كفار قريش، وأسر من أسر منهم، قال النبي ﷺ : "لَو كَانَ المُطعِمُ بنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتنَى لَتَرَكهُتم لَهُ" (١).
التعامل مع الكفار ليس بدرجة واحدة:
والمطعم بن عدي من كفار قريش، حفظ له النبي ﷺ الجميل الذي قام به بعد عودة النبي ﷺ من الطائف إلى مكة، ثم امتناع قريش من قبول دخول النبي ﷺ مكة، فما كان من المطعم إلا أن قال: قد أجرت محمدًا، ثم بعث إلى رسول الله ﷺ أن ادخل، فدخل رسول الله، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش، إني قد أجرت محمدًا فلا يهجه أحد منكم، فهناك أحوال يكون فيها الصفح والمغفرة، وأحوال يكون فيها رد الإساءة بالإساءة، وتارة الشدة والغلظة، فالقضية ليست واحدة، وإنما لكل موقف تعامل خاص، وليس بصواب أن نأخذ آية واحدة من القرآن وننزلها على كل الأحوال؛ كقول الله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، فيكون المؤمن مع الكافر دائمًا في غلظة، فلا يجيبه، ولا يزوره ولا يدعوه، وهذا ليس بسديد، وكذلك لا يقال للمؤمن: كن دائمًا متساهلًا متنازلًا، فلكل مقام مقال.
فالعلاقات الإنسانية متعددة، ولكل موقف صورة للتعامل، فلا بد من الأخلاق الحسنة مع مجموع البشر كل بحسبه، فإذا كان لنا جار، أو قريب غير مسلم، ننظر في أمره، فإن كان مسالمًا في علاقته، قَبِلنا هديته،
стр. 457
وأهديناه وزرناه وساعدناه حتى ربما أعطيناه من مال الزكاة رجاء إسلامه، ولكن تمنع المسلمة من الزواج بغير المسلم مهما كانت الأسباب، فلا يجوز لها أن تتزوج غير المسلم.
وقبل الحديث عن الآداب مع الكافر لا بد أن نتحدث بإيجاز عن مفهوم الولاء والبراء، فالولاء هو المحبة والمودة والقرب، والبراء هو البغض والعداوة والبعد، والولاء والبراء من أعمال القلوب، لكن تظهر مقتضياتها على اللسان والجوارح.
والمؤمن لا يكون ولاؤه إلا لله تعالى ولرسوله ﷺ وللمؤمنين.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ [المائدة: ٥٥].
ولا يجوز له أن يتولى الكفار؛ قال تعالى:
﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة٨٠: ٨١].
فالولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم لإيمانهم، ونصرتهم، والنصح لهم، والدعاء لهم، والسلام عليهم، وزيارة مريضهم، وتشييع ميتهم، وإعانتهم، والرحمة بهم، وغير ذلك.
والبراءة من الكفار يكون ببغضهم -دينًا- ومفارقتهم، وعدم الركون إليهم، أو الإعجاب بهم، أو التشبه بهم، وتحقيق مخالفتهم شرعًا وجهادهم
стр. 458
بالمال واللسان والسنان، ونحو ذلك من مقتضيات العداوة في الله (١).
المعاملة الواجبة مع الكفار:
وهناك معاملة واجبة مع الكفار مثل الوفاء بالعهد والأمانة، وعدم الغش.
آداب التعامل مع الكفار:
وهناك أخلاق وآداب ينبغي أن يتخلق بها المسلم مع الكافر، ومنها:
١ - لين الجانب في الدعوة إلى الله تعالى، وحسن القول .
قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وقال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٤].
قال القرطبي: قال أبو العالية: "قولوا لهم الطيب من القول، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تُجازوا به".
وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينًا، ووجهه منبسطًا طَلْقًا مع البر والفاجر، والسُّني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يُرضي مذهبه؛ لأنَّ الله تعالى قال لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤]. فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون؛ والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه.
стр. 459
وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيّ حِدّة، فأقول لهم بعض القول الغليظ؛ فقال: لا تفعل! يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى، فكيف بالحنيفي؟ (١)
فحسن القول مع المؤمن والكافر من الأمور التي حض عليها الشارع، قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
قوله: للناس: يشمل المؤمن والكافر، فالقول الحسن لجميع الناس من مكارم الأخلاق.
عن ابن عباس ﵄ قال: "لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، قلت: وفيك، وفرعون قد مات" (٢).
وعن عُقبة بن عامر الجُهَني: أنَّه مرَّ برجل هيئته هيأة مسلم، فسلم فردَّ عليه: وعليك ورحمة الله وبركاته، فقال له الغلام: إنَّه نصراني! فقام عقبة فتبعه حتى أدركه فقال: إنَّ رحمة الله وبركاته على المؤمنين، لكن أطال الله حياتك، وأكثر مالك وولدك" (٣).
قال شيخنا العلامة الألباني - رحمة الله-: "في هذا الأثر إشارة من هذا الصحابي الجليل إلى جواز الدعاء بطول العمر؛ ولو للكافر، فللمسلم
стр. 460
أولى، ولكن لا بد من أن يلاحظ الداعي أن لا يكون الكافر عدوًا للمسلمين، ويترشح منه جواز تعزية مثله بما في هذا الأثر، فخذها فائدة تذكر".
٢ - الإهداء له، وقبول هداياه .
عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه ذبُحت له شاة، فجعل يقول لغلامه: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورثه" (١).
أمَّا قبول النبي ﷺ للهدايا فقد قبل هدية المقوقس، وقبل الشاة المصلية من اليهودية.
لكن يستثنى من ذلك عدم قبوله هداياه وقت أعياده، وبالأخص اللحوم، أو الإهداء له؛ لأن في ذلك إقرارًا لباطله وشهادة زور.
أيها -العاقل الودود- ليكن منك على بال أن من يهدي من لا يدين بدين الإسلام في يوم عيده فإنه على خطرٍ عظيم؛ لأن ذلك يورث إحساسًا بالتقارب، وشعورًا بالتعاطف مع الكفار لا سيما إذا كان من باب التعظيم والحب والمودة فالكفر على بابه.
وذهب شيخ الإسلام إلى جواز قبول هدية الكفار يوم عيدهم معتمدًا على أثر علي بن أبي طالب ﵁ أنه أتي بهدية النيروز فقبلها، وخبر إباحة
стр. 461
عائشة أم المؤمنين جواز الأكل من أشجارهم يوم عيدهم، وأثر أبي برزة ﵁ أنه كان له سكان مجوس، فكانوا يهدون له في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأهله: ما كان من فاكهة فكلوه، وما كان من غير ذلك فردوه.
وقال شيخ الإسلام: "فهذا كله يدل على أنه لا تأثير للعيد في المنع من قبول هديتهم، بل حكمها في العيد وغيره سواء، لأنه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر كفرهم، لكن قبول هدية الكفار من أهل الحرب وأهل الذمة مسألة مستقلة بنفسها فيها خلاف وتفصيل ليس هذا موضعه".
قلت: وكل هذه الآثار ضعيفة الأسانيد، والتعليل المذكور أيضاً مردود على الشيخ -رحمه الله تعالى- أما أثر علي بن أبي طالب ﵁ فأخرجه البيهقي (٩/ ٢٣٥) من طريق هشام، عن محمد بن سيرين، عن علي، وهذا إسناد ضعيف؛ لانقطاعه؛ محمد بن سيرين لم يدرك علي بنِ أبي طالب ﵁، وأما أثر عائشة، فأخرجه ابن أبي شيبة، وفي سنده قابوس بن أبي ظبيان، وهو ضعيف، وأمَّا أثر أبي برزة ففي سنده جهالة أم الحسن بن حكيم.
وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في "التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم" (٣٤٨): "هذا غريب من الشيخ (أي شيخ الإسلام) ﵀، لأن قبول هدية الأعاجم تشعر بأنه رضا، لكن في آثار الصحابة ﵃ كانوا يقبلون الهدية بقوة الإسلام في ذلك الوقت، وأن الناس لن ينخدعوا بذلك، وأن الكفار أنفسهم يعلمون أن الإسلام أعلى، لكن في الوقت الحاضر لو قبل المسلمون هدية الكفار لفرحوا، وقالوا: إن المسلمين
стр. 462
وافقونا على أن هذا اليوم يوم عيد، فهذا ينبغي أن نفصل في هذه المسألة، ويقال: إذا خيف أن يترافع الكفار، وأن يستعرضوا وأن يظنوا أن هذا موافقة منا بأعيادهم، فإنه لا يقبل الهدية".
قلت: وهذا الذي قاله العلامة ابن عثيمين عين الصواب، وهو الموافق لأهل العلم، هذا على فرض صحة الآثار، فكيف وهي ضعيفة؟!
٣ - حق الجوار:
قال تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦].
أي الملاصق لك في السفر أو الحضر، وسواء كان بينك وبينه قرابة، أو غير ذلك، وهذا الجار سواء قريب في النسب، كافرًا كان، أو بعيدًا عنك، فله حق الجوار، وتقدم لنا الحديث عن حقوق الجار.
٤ - الوفاء بالعهد ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
٥ - إنصافه والعدل معه وإسداء الخير له إن لم يكن محاربًا:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨].
وقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨].
قال ابن جرير: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبرُّوهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم؛ لأن
стр. 463
الله عمّ بقوله ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضًا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ؛ لأن بر المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب -غير محرم ولا منهي عنه، إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح" (١).
قال شيخنا العلامة الألباني ﵀ تعليقًا على الآية المذكورة: "فهذه الآية صريحة في الأمر بالإحسان إلى الكفار المواطنين الذين يسالمون المؤمنين ولا يؤذونهم والعدل معهم" (٢).
٦ - الرحمة به إن كان جائعًا، ويسقيه إن عطش، ويداويه إن مرض .
٧ - عدم أذيته في ماله أو دمه أو عرضه إن كان غير محارب .
...
стр. 464
من التعامل الجائز مع غير المسلمين
١ - البيع والشراء:
يجوز للمسلم التعامل مع الكفار في البيع والشراء بما هو جائز شرعًا، إلا ما كان فيه البيع حرامًا كبيعه سلاحًا يقتل به المسلمين، أو أمرًا يضر بهم، أو شراء الأشياء المغصوبة، أو المسروقة، أو المحرمة، ولا يجوز بيعه أشياء فيها إعانة على أعياده الباطلة؛ كعيد رأس السنة أو الكريسمس، أو النيروز، فبيع الأشياء التي فيها إعانة لدين الكافر لا يجوز، وما سوي ذلك فجائز.
عن عبد الرحمن بن أبي بكرٍ ﵄ قال: كنا مع النبيِّ ﷺ ، ثم جاء رجل مشرك مُشْعانٌ طويلٌ بغنمٍ يسوقُها، فقال النبي ﷺ : بَيعًا أم عطيةً -أو قال: أم هِبةً؟ - قال: لا، بل بيع، فاشترى منه شاةً (١).
وعن عائشة ﵂ أنَّ النبي ﷺ اشترى طعامًا من يهُودي إلى أجلٍ، ورهنةُ درعًا من حديدٍ (٢).
قال الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم" (٣).
стр. 465
قال العلامة ابن عثيمين ﵀:
"وأما معاملتهم في البيع والشراء، وأن يدخلوا تحت عهدنا، فهذا جائز، فقد كان الرسول ﷺ يبيع ويشتري من اليهود، كان اشترى طعامًا لأهله، ومات ودرعه مرهونة عندهم, .. وهذه المسألة من أدق المسائل وأخطرها، ولا سيما عند الشباب؛ لأن بعض الشباب يظن أن أي شيء يكون فيه اتصالٌ مع الكفار فهو موالاة لهم؛ وليس كذلك، فالموالاة لها معاني كثيرة" (١).
٢ - عيادته:
عيادة المريض من الأخلاق الكريمة، وكانت من هدي النبي ﷺ ، عن أنس ﵁ قال: كَانَ غُلام يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَمَرِضَ فَأتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَسَلمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِندَ رَأسِهِ فَقَالَ لَهُ: "أَسلِمْ"، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِندَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِم ﷺ ، فَأسلَمَ فَخَرجَ النَّبيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الحَمدُ لِلهِ الذِي أَنقَذَهُ مِن النَّارِ" (٢).
وفي الحديث يتبين لنا مشروعية عيادة الكافر إن حققت مصلحة راجحة، وطمعنا في إسلامة.
٣، ٤ - أكل طعامه إن كان من أهل الكتاب وحل نكاح نسائهم:
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥].
стр. 466
قال ابن عباس، وأبو أمامة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء: (طعامهم): يعني ذبائحهم.
قال الحافظ ابن كثير: "وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، أن ذبائحهم حلال للمسلمين؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عن قولهم، تعالى وتقدس" (١).
قال الإمام ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن ذبائح أهل الكتاب لنا حلال إذا ذكروا اسم الله عليها، إلا حرف حكي عن مالك في شحم شاة ذبحها يهودي، فإنه بلغني عنه أنه قال: لا يؤكل، وحكى عنه أنه قال: لا أحرمه، فإن ذبح الكتابي فذكر اسم الله أكلت ذبيحته، وإن لم يذكر اسم الله أو ذبح باسم المسيح، لم يحل أكل ذبيحته، وإذا غاب عنا أمره أكلنا ذبيحته، كما نأكل ما غاب عنا من ذبائح المسلمين" (٢).
وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: اختلف الناس في ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]: هل يشمل كل ما اعتبروه طعامًا وإن كان لا يحل لنا إن كان أُهل لغير الله به، أو ذُبح للصليب، أو خُنق، أو ما أشبه ذلك؟ فقال بعض العلماء: كل ما اعتقدوه طعامًا فهو حل لنا، ولا نسأل كيف ذبحوا، ولا على أي اسم ذكروا على الذبيحة، والقول الثاني: أنهم لا بد أن يذبحوا على الطريقة الإسلامية، وألا يذكروا عليها إلا
стр. 467
اسم الله، وعلى هذا القول فإن شككنا هل سَمُّوا أم لا، فإننا لا نسأل؛ لأن الأصل أن ذبائحهم حلال، والقول الثاني هو الأصل" (١).
والخلاصة يشترط لحل ذبائحهم شروط:
الأول: عدم العلم أنه ذكر عليها اسم غير اسم الله تعالى، فإن ذبحها باسم المسيح أو العذراء لم تؤكل.
الثاني: أن تذبح بآله تقطع الودجين والمريء والحلقوم وتجري الدم.
الثالث: أن يكون المذبوح جائز شرعاً.
أمَّا نكاح نسائهم، فقد قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥].
وقد اتفق أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم على جواز نكاح نساء أهل الكتاب، إلا قولاً لابن عمر ﵄ وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء أهل الكتاب منهم حذيفة ﵁، الذي تزوج يهودية في زمن عمر بن الخطاب ﵁ وتزوج طلحة بن عبيد الله ﵁ يهودية ونصرانية (٢).
واستثنى بعض أهل العلم إذا كانوا حربًا للمسلمين، فإنه لا يحل نساؤهم. قال الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (٢/ ٣٦٣): "أباح الله تعالى للمسلم أن يتزوج الكتابية، ولم يبح تزوج المسلمة من الكتابي لاعتداده بقوة تأثير الرجل على امرأته، فالمسلم يؤمن بأنبياء الكتابية وبصحة
стр. 468
دينها قبل النسخ، فيوشك أن يكون ذلك جالباً إياها إلى الإسلام؛ لأنها أضعف منه جانباً، أما الكافر فهو لا يؤمن بدين المسلمة ولا برسولها فيوشك أن يجرها إلى دينه".
قال الإمام الشافعي: "وله أن يتزوج أربع كتابيات، وتنكح المسلمة على الكتابية، والكتابية على المسلمة، ويقسم المسلم للكتابية كما يقسم للمسلمة، إلا أنهما لا يتوارثان لاختلاف الدينين، واِذا ماتت فإِن شاءَ شهدها وغسَّلها ودخل قبرها، ولا يُصلِّي عليها، وأَكْرهُ لها أَنْ تغسِّلهُ لو كان هو الميِّتَ، فإِن غسَّلَتهُ أَجزأَ غُسلُها إيَّاهُ إن شاء اللهُ تعالى" (١).
ولكن مع هذا التعامل الحسن مع الكتابي، لا يعني أننا نقبل منه ما كان فيه تعظيم لدينه، فنشاركه في أعياده الدينية، أو نقبل هداياه في موسم عبادته؛ أو نهديه في أعياده من الطعام، أو البخور، أو نتشبه به؛ لأنَّ هذا من التعظيم لدينه، ويعد هذا إقراراً لما هو عليه من الباطل، فيجب ضبط المعاملة وفق قاعدة الولاء والبراء.
٥ - دفنه:
ولا بأس للمسلم أن يدفن قريبه المشرك؛ لحديث عَلِي بن أبي طالب ﵁ قَالَ: قُلتُ لِلنَّبِي ﷺ : إِنَّ عَمَّكَ الشيخَ الضَّال قَد مَاتَ، [فمن يواريه؟] قالَ: "اذهب فَوارِ أباكَ، ثم لا تُحدِثَن شَيئًا حتى تَأتِيَني". قال: فَذَهَبتُ فَوَارَيتُهُ، وَجِئتُهُ فَأمَرَنِي فَاغتَسَلتُ، وَدَعَا لِي" (٢).
стр. 469
قال شيخنا الإمام الألباني ﵀:
"من فوائد الحديث:
١ - أنه يشرع للمسلم أن يتولى دفن قريبه المشرك، وأن ذلك لا ينافي بُغضه إياه لشركه، ألا ترى أن عليًا ﵁ امتنع أول الأمر من مواراة أبيه؛ معللًا ذلك بقوله: "إنه مات مشركًا"؛ ظنًّا منه أن دفنه مع هذه الحالة قد يُدخله في التولي الممنوع في مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣]، فلما أعاد النبي ﷺ عليه الأمر بمواراته بادر لامتثاله، وترك ما بدا له أول الأمر، وكذلك تكون الطاعة: أن يترك المرء رأيه لأمر نبيه ﷺ .
ويبدو لي أن دفن الولد لأبيه المشرك أو أمه هو آخر ما يملكه الولد من حسن صحبة الوالد المشرك في الدنيا، وأما بعد الدفن؛ فليس له أن يدعو له أو يستغفر له؛ لصريح قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣].
٢ - أنه لا يشرع له غسل الكافر ولا تكفينه ولا الصلاة عليه ولو كان قريبه؛ لأن النبي لم يأمر بذلك عليًّا، ولو كان ذلك جائزًا لبينه، لما تقرر أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهذا مذهب الحنابلة وغيرهم.
٣ - أنه لا يشرع لأقارب المشرك أن يتبعوا جنازته .. " (١).
٦ - الانتفاع بما عندهم من علوم:
يتسامح الإسلام في أن يتلقى المسلم من غير المسلم ما ينفعه في علم
стр. 470
الطب والكيمياء والفيزياء والصناعة والزراعة، والأعمال الإدارية.
وأدلة الانتفاع بعلم الكفار كثيرة، عن عائشة أُم المُؤمنين ﵂ قَالَتْ: استَأْجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكرٍ رَجُلًا من بَنِي الدَّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا (أي ماهرًا بالطريق)، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفارِ قُرَيشٍ، وَدَفَعَا إلَيهِ رَاحِلَتَيهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَورٍ بَعدَ ثَلاثِ لَيَالٍ (١).
وكذلك مزارعة رسول الله ﷺ لليهود من خيبر على أن يعملوا ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها.
قال ابن عمر: أَعْطَى النبِيُّ ﷺ خَيبَرَ بِالشطرِ، فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهدِ النبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكرٍ وَصدرٍ من خِلافَةِ عُمَرَ، وَلَم يَذكُر أَن أَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ جَدَّدَا الإجَارَةَ بَعدمَا قُبِضَ النبِيُّ ﷺ (٢).
قال الشوكاني: "الحديث فِيه دَليلٌ على جوازِ استِئجَارِ المُسلم للكَافر علَى هداية الطَّريقِ، إذا أَمن إليه، وقد ذكر البُخاريُّ هذا الحديث في كتاب الإجارة، وترجم عليه: بابُ استئجارِ المشركينَ عند الضرُورة وإِذا لم يُوجد أَهلُ الإسلام، فكأنهُ أَراد الجمع بين هذا وبين قوله ﷺ : "أَنا لا أَستعِينُ بمشركٍ" أَخرجه مسلم وأصحابُ السنن، قال ابنُ بطَّال: الفقهاءُ يُجيزُونَ استئجارَهُم -يعني: المُشركين- عند الضرُورة وغيرها؛ لما فِي ذلك من الذِّلةِ لهم، وإنما المُمتنعُ أَن يُؤجَّر المُسلمُ نَفسهُ من المُشرك لما فيه من
стр. 471
الإذلالِ" اهـ (١).
أما تأجير المرء نفسه عند الكافر فيكون بشروط:
١ - أن يكون العمل حلالًا.
٢ - ألا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين.
٣ - عدم التعظيم لدينهم، أو مهانة المسلم وإذلاله.
عن عليٍّ ﵁ قال: جُعْتُ يَومًا مَرَّةً جُوعًا شَدِيدًا، فَخَرَجتُ لِطَلَبِ العَمَلِ فِي عَوَالِي المَدِينَةِ، فَإِذَا أَنَا بِامرَأَةٍ قَد جَمَعَت مَدَرًا فَظَنَنتُهَا تُرِيدُ بَلَّهُ، فَقَاطعتُهَا كُل ذَنُوبِ عَلَى تَمْرَةٍ، فَمَدَدتُ ستةَ عَشَرَ ذَنُوبًا حتى مَجَلَت يَدَايَ، ثم أَتَيتُهَا، فَعَدت لِي سِتَّ عَشرَةَ تَمرَةً، فَأتَيتُ النبِيَّ ﷺ فَأخبَرتُهُ، فَأكَلَ مَعِي مِنهَا.
قال الشوكاني:
"حديثُ عَلِيّ جَوَّدَ الحافظُ إسنادهُ، وأَخرجهُ ابنُ ماجة بسندٍ صححهُ ابن السكن، وأَخرج البيهقِي وابن ماجه من حديث ابن عَبَّاسٍ بلفظ "إن عَليًا ﵁ آجَرَ نَفسَهُ من يَهُودِي يَسقِي لَهُ كُل دَلوٍ بِتَمرَةٍ، وَعِندَهُم أَنَّ عَدَدَ التمرِ سَبعَةَ عَشَرَ" وفِي إسنَادهِ حَنَشٌ راويهِ عن عكرمةَ وهو ضعيف.
وَحَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ فِيهِ بَيَانُ مَا كَانَتْ الصحَابَةُ عَلَيهِ من الحَاجَةِ وشِدةِ الفَاقَةِ، وَالصبرِ عَلَى الجُوعِ، وَبَذلِ الأنفُسِ وإتعَابِهَا فِي تحصِيلِ القِوَامِ من العيشِ لِلتعَفُّفِ عَن السؤَالِ وَتَحَملِ المِنَنِ، وأَن تَأجِيرَ النفسِ لا يُعَد دَنَاءَةً، وإن كَانَ المستأجِرُ غَيرَ شَرِيفٍ أَو كَافِرًا، والأجِيرُ من أَشرَافِ الناسِ وَعُظَمَائِهِم".
стр. 472
والخلاصة: أنه يجوز الانتفاع بما عند الكافر من علوم غير أنه لا يجوز استعمال الكافر في شيء من ولايات المسلمين، أو السلطة حتى لا تتم هيمنتهم على المسلمين، كما روى البيهقي في السنن عن أبي موسى ﵁ قال: قلت: لعمر ﵁: إن لي كاتبًا نصرانيًا، قال: ما لكَ؟ قاتلك الله، أما سمعتَ الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١].
ألا اتَّخذت حنيفًا؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، لي كتابته وله دينه، قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أُعزُّهم إذ أذلَّهم الله، ولا أُدنيهم إذ أقصاهم الله (١).
٧ - الاستعانة بالمشرك المأمون عند الحاجة:
يجوز للمسلم أن يستعين بالمشرك المأمون في أمور كثيرة عن طريق الاستئجار، أو التوكيل وغير ذلك، أما في الجهاد فيقول الإمام الشافِعِيّ -رحمه الله تعالى-: الذي روى مَالِكٌ رَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُشرِكًا أَو مُشرِكِينَ في غزَاةِ بَدرٍ، وَأَبَى أن يَستعِينَ إلا بمسلِمٍ، ثم استعانَ رَسُولُ الله ﷺ بَعدَ بَدرٍ بِسَنَتَينِ فِي غزَاةٍ خَيبَرَ بِعَدَدٍ من يَهُودِ بَنِي قينُقَاعِ كانُوا أَشداءَ، واستَعَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في غُزاة حُنَينٍ سنة ثمانِ بِصَفوَانَ بن أُمَيةَ وهو مُشركٌ، فَالردُّ الأوَّلُ إن كَان؛ لأن لهُ الخِيَار أن يَستعِينَ بِمُسلِمٍ أَو يَرُدَّهُ، كما يَكُونُ لَهُ رَدٌّ المُسلم من مَعنَى يَخَافُهُ مِنهُ، أَو لِشِدَّةٍ به، فليسَ واحدٌ من الحدِيثَينِ مُخَالِفًا
стр. 473
لِللآخَرِ وإِن كَانَ رَدَّهُ لأنَّهُ لَم يرَ أنْ يَستَعِينَ بِمُشرِكٍ، فقد نَسَخَهُ ما بعده مِنْ استِعَانَتِهِ بِمُشرِكِينَ، فلا بأسَ أن يُستعانَ بِالمُشرِكِينَ، على قتَالِ المُشرِكِينَ إذا خَرَجُوا طَوعًا" (١).
وقال الإمام النووي ﵀ -:
"قوله ﷺ : "فارجع فلن أستعين بمشرك"؛ وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه، فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الأول على إطلاقه، وقال الشافعي وآخرون: إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به، استعين به وإلا فيكره، وحمل الحديثين على هذين الحالين" (٢).
وقال الإمام ابن قدامة ﵀ -:
"ولا يُستعانُ بمشركٍ، وبهذا قال ابنُ المنذر، والجُوزَجَانيُّ، وجماعةٌ من أهل العلم، وعن أحمدَ ما يدُلُّ على جوازِ الاستعانةِ به. وكلامُ الخِرقيِّ يدلُّ عليه أيضاً عند الحاجة، وهو مذهب الشافعي، لحديث الزهري الذي ذكرناه، وخبر صفوان بن أمية. وُيشترط أن يكون من يستعانُ به حسنَ الرأي في المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم، لم يَجُزْ الاستعانةُ به" (٣).
وقال الإمام ابن القيم: "إن الاستعانة بالمشركِ المأمونِ في الجهاد جائزةٌ عند الحاجة" (٤).
стр. 474
وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ -:
"وأما الاستعانة بهم فهذا يرجع إلى المصلحة، إن كان في ذلك مصلحة، فلا بأس، بشرط أن نخاف من شرهم وغائلتهم، وألا يخدعونا، وإن لم يكن في ذلك مصلحة فلا يجوز الاستعانة بهم؛ لأنهم لا خير فيهم" (١).
أمور محرمة في التعامل مع الكفار
١ - بيع الكافر ما يستعين به على قتل المسلمين أو الإضرار بهم:
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن معاملة التتار: هل هي مباحة لمن يعاملونه؟
فأجاب: أما معاملة التتار، فيجوز فيها ما يجوز في أمثالهم، ويحرم فيها ما يحرم من معاملة أمثالهم ... فأما إن باعهم، وباع غيرهم ما يعينهم به على المحرمات كالخيل والسلاح، لمن يقاتل به قتالًا محرمًا، فهذا لا يجوز؛ قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وفي السنن عن النبي ﷺ أنَّه لعن في الخمر عشرة: لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها" (٢).
стр. 475
فقد لعن العاصر، وهو إنما يعصر عنبًا يصير عصيرًا، والعصير حلال، يمكن أن يُتخذ خلًا، ودبسًا، وغير ذلك" (١).
وقال شيخ الإسلام -قدس الله روحه-: "معلوم أن بيعهم ما يقيمون به أعيادهم المحرمة: مثل بيعهم العقار للسكنى وأشد، بل هو إلى بيعهم العصير أقرب منه إلى بيعهم العقار؛ لأن ما يبتاعونه من الطعام واللباس ونحو ذلك يستعينون به على العيد، إذ العيد اسم لما يفعل من العبادات والعادات، وهذه إعانة على ما يقام من العادات، ولكن لما كان جنس الأكل والشرب واللباس ليس محرمًا في نفسه، بخلاف شرب الخمر، فإنه محرم في نفسه.
فإن كان ما يبتاعونه يفعلون به نفس المحرم، مثل صليب أو شعانين أو معمودية، أو تبخير، أو ذبح لغير الله، أو صور ونحو ذلك، فهذا لا ريب في تحريمه كبيعهم العصير ليتخذوه خمرًا، وبناء الكنيسة لهم، وأما ما ينتفعون به في أعيادهم للأكل والشرب واللباس، فأصول أحمد وغيره تقضي كراهته، لكن كراهة تحريم كمذهب مالك أو كراهة تنزيه؟ والأشبه: أنه كراهة تحريم كسائر النظائر عنده، فإنه لا يجوز بيع الخبز واللحم والرياحين للفساق الذين يشربون عليها الخمر، ولأن هذه الإعانة قد تقضي إلى إظهار الدين الباطل، وكثرة اجتماع الناس لعيدهم وظهوره، وهذا أعظم من إعانة شخص معين" (٢).
وقال أيضاً ﵀: "فأما بيع المسلم في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم، من الطعام واللباس والريحان ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم: فهذا
стр. 476
فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم، وهو مبني على أصل، وهو: أنه لا يجوز أن يبيع الكفار عنبًا أو عصيرًا يتخذونه خمرًا، وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحًا يقاتلون به مسلمًا" (١).
وفي "المدخل" لابن الحاج -وهو من أئمة المالكية- (٣/ ٤٦): "لا يحل للمسلم أن يبيع لأهل الكتاب ما يستعينون به على أعيادهم، ولا يعينونهم لأنه إعانة على شركهم".
٢ - شراء المسلم من الكافر ما لا يحل من المحرمات:
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
فهذا بين وظاهر لا يحتاج إلى شرح في بيان حرمته.
ولكن لو قال قائل إن شراء الأمور المباحة من الكافر فيها إعانة على المنكر بتنمية مال الكافر، فهل هذا سائغ؟ أجاب العلامة ابن عثيمين ﵀: "فرق بين الشراء منهم، فالشراء ليس فيه إعانة، والبيع إعانة على المنكر، لكن قد يقول قائل في وقتنا الحاضر: الشراء منهم يزيدهم سرورًا، وينمي اقتصادهم؛ لأنهم يبيعون في هذه المناسبة، وينزلون السعر، فإذا فهمنا ذلك، وأننا إذا اشترينا منهم في أعيادهم نزيدهم سرورًا وينمي أموالهم ويزدادون كسبًا، فإنه يُمنع، لأن الحكم يدور مع علته، ولو أن المسلمين هجروهم في العيد ولم يشتروا منهم، فإنه يأتي العام القادم فلا يجلبون شيئًا" (٢).
стр. 477
٣ - إيذاء المعاهد أو المستأمن .
المعاهد: هو الذي يدخل بلاد المسلمين بعهد وميثاق من قبل الدولة المسلمة المعاهدة له وفقَ شروط ومواثيق وأعراف.
وهذا المعاهد لا يجوز لأحد أن يتعرض له بأي شكل من أشكال الأذى، وقد توعد الرسول ﷺ لمن يتعرض لمعاهد بظلم أو انتقاص حق، أو قتل، أو انتهاك عرض بالوعيد الشديد؛ لأن ذلك يفضي إلى أن أهل الإسلام أهل غدر وخيانة، وعدم إيفاء الشروط، ونقض للمواثيق، والإسلام من ذلك براء، ومن تعرض للمعاهد أو المستأمن أو الذمي، فقد خالف النصوص، وعارض ولي الأمر، ونقض الأمان.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، والعقود هي العهود والمواثيق التي بينكم وبين الله سبحانه، وبين الناس، مسلمين كانوا أو غير مسلمين.
ولهذا جاء في الحديث عن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء الصحابة عن آبائهم مرفوعاً: "ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه فأنا، حجيجه يوم القيامة" (١).
وعن أَبي بكْرةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قَتَلَ نَفسًا مُعَاهَدةَ بغيرِ حَقِّهَا، فَقَد حَرمَ اللهُ ﵎ عَلَيهِ الجَنّةَ أَن يَشمَّ رِيحَهَا" (٢).
وعن عبد الله بن عمرو، عَن النبِيّ ﷺ قال: "مَن قَتَلَ نَفسًا مُعَاهَدًا لَم
стр. 478
يَرِح رَائِحَةَ الجَنة، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ من مَسِيرَةِ أَربَعِينَ عَامًا" (١).
قال العلامة صالح الفوزان -حفظه الله تعالى-: "والمعاهد: الذي يدخل تحت صلح بين المسلمين والكفار، وهذا يؤمن حتى ينتهي العهد الذي بين الفئتين، ولا يجوز لأحدٍ أن يتعدى عليه، كما لا يجوز له أن يتعدى على أحد المسلمين.
والمستأمن: هو الذي يدخل بلاد المسلمين بأمان منهم لأداء مهمة ثم يرجع إلى بلده بعد إنهائها.
والذِّمِّيُّ: الذي يدفع الجزية للمسلمين، ويدخل تحت حكمهم، والإسلام يكفل لهؤلاء الأنواع من الكفار الأمن على دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم، ومن اعتدى عليهم، فقد خان الإسلام، واستحق العقوبة الرادعة" (٢).
٤ - تهنئتهم بأعيادهم الشركية:
الأعياد من أعظم مظاهر الدين عند جميع الأمم؛ قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧].
والأعياد عند الكفار نوعان: أعياد على وجه التعبد، وأعياد على وجه المناسبة، فالأعياد على وجه التعبد كعيد مولد المسيح للنصارى، أو النيروز، والمهرجان للمجوس، فهذا النوع محرم، ولا يجوز التهنئة فيه؛ لما في ذلك من الإقرار للباطل، والتهنئة تعني المشاركة في السرور، والرضا بمعتقد الآخر، وأما أعياد المناسبة كيوم الاستقلال، أو يوم الحب، أو يوم
стр. 479
مولد الطفل، ويوم العمال ونحو ذلك فبدعة، لا ينبغي المشاركة فيها للمسلم.
وفي "كشف القناع" للبهوتي وهو من الحنابلة (٣/ ١٣١): "ويحرمُ تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم؛ لأنه تعظيمٌ لهم".
وما كان فيه للتعبد فلا يجوز التهنئة للكفار، وما كان فيه لغير التعبد، فبدعة، أما ما كان فيه لترقية، أو نجاح أو تملك منزل، أو زواج أو ولد أو قدوم مسافر، أو سلامة، فخلاف بين العلماء بين الإباحة والكراهية، والصواب عندي هو جواز التهنئة إن سلمت من الألفاظ التي تدل على الرضى بدينه؛ وثانياً أن هذا غير داخل في عبادته الشركية، والله أعلم.
وقال العلامة ابن قيم الجوزية ﵀:
"فصل في تهنئتهم بزوجة أو ولد أو قدوم غائب أو عافية أو سلامة من مكروه ونحو ذلك ... فالكلام في التعزية والعيادة، ولا فرق بينهما، ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهال من الألفاظ التي تدل على رضا بدينه، كما يقول أحدهم: متعك الله بدينك .. ، وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا قَدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله
стр. 480
وسخطه" (١).
قال الشيخ العلامة محمد صالح العثيمين في ﵀:
"تهنئة الكفار بعيد (الكريسمس) (٢) أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق .. ، وإنما كانت تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية حراماً وبهذه المثابة التي ذكرها ابن القيم، لأن فيها إقرارًا لما هم عليه من شعائر الكفر، ورضى به لهم، وإن كان هو لا يرضى بهذا الكفر لنفسه، لكن يحرم على المسلم أن يرضى بذلك؛ كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].
وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وتهنئتهم بذلك حرام، سواء كانوا مشاركين للشخص في العمل أم لا.
وقد يتساءل المرء -لا سيما إذا كان يعمل مع النصارى في مكان واحد، ويهنئونه في الأعياد الإسلامية-: فلماذا لا يبادلهم بالتهنئة في أيام أعيادهم معاملة بالمثل؟ وهذا كثيرًا ما يتبادر إلى الذهن ويطرح من قبل الكثير من عامة المسلمين" .. وإذا هنؤونا بأعيادهم فإننا لا نجيبهم على ذلك، ولأنها ليست بأعياد لنا، ولأنها أعياد لا يرضاها الله تعالى؛ ولأنها أعياد إما مبتدعة في دينهم، وإما مشروعة لكنها نُسخت بدين الإسلام الذي بعثَ الله به
стр. 481
محمدًا ﷺ إلى جميع الخلق، وقال فيه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
وإجابة المسلم دعوتهم بهذه المناسبة حرامٌ؛ لأن هذا أعظم من تهنئتهم بها لما في ذلك من مشاركتهم فيها .. " (١).
٥ - التشبه بهم:
التشبه لغة: يعني المثل، والجمع أشباه، وشابَهَهُ وأشبهَهُ: ماثَلَهُ (٢).
أما في الاصطلاح: مماثلة الكفار بشيء من خصائصهم التي لا يشاركهم فيها أحد.
مفهوم التشبه: "أن يأتي الإنسان بما هو من خصائصهم بحيث لا يشاركهم فيه أحد كلباس لا يلبسه إلا الكفار، فإن كان اللباس شائعًا بين الكفار والمسلمين فليس تشبهًا، لكن إذا كان لباسًا خاصًا بالكفار، سواء كان يرمز إلى شيء ديني كلباس الرهبان، أو إلى شيء عادي لكن من رآه قال: هذا كافر، بناء على لباسه، فهذا حرام.
وهل يشترط قصد التشبه أو لا؟
الجواب: قد يقول قائل: إنه يشترط قصد التشبه؛ لأنه قال: "من تشبه" وتفعل تقضي فعلًا وقصدًا، ولكن من نظر إلى العلة عرف أنه متى حصل التشابه ثبت الحكم، ولهذا نص شيخ الإسلام ﵀ على أنه متى حصلت المشابهة، ولو بغير قصد، ثبت الحكم، وذلك لأن العلة لا تختلف بالقصد
стр. 482
وعدمه، فالعلة أن من رأى هذا الرجل قال: هذا كافر، وهذا لا يشترط فيه القصد.
لكن لو فرض أن الإنسان في بلد ليس فيه من الكفار من يلبس هذا اللباس، وهو لا يعرف عن لباس الكفار في بلادهم، وليس لباساً يشبه لباس الكفار في بلادهم، وهو لم يقصد، فهنا قد نقول: إنه لا تشبه؛ لأن العلة قد زالت تماماً.
فإن قال قائل:
على قولكم حرموا قيادة الطائرات التي تحمل الصواريخ، وما أشبه ذلك؛ لأن الذي يركبها كفار؟
فالجواب:
أن هذه ليست من أزيائهم التي يتحلون بها، ويتخذونها شعاراً لهم، فهذه آلة يركبها الكفار، ويركبها المسلمون، والصحابة ﵃ لما فتحوا البلاد ركبوا السفن التي يصنعها الكفار، والتي هم بها أدرى، ولم يقولوا: إذا ركبنا السفينة صرنا متشبهين" (١).
من أدلة تحريم التشبه بالكفار:
قال سبحانه ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
стр. 483
قال شيخ الإسلام: "ومتابعتهم في هديهم هي من اتباع ما يهوونه، أو مظنة لاتباع ما يهوونه، وتركها معونة على ترك ذلك، وحسم لمادة متابعتهم فيما يهوونه.
واعلم أن في كتاب الله من النهي عن مشابهة الأمم الكافرة وقصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه كثير" (١).
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨].
وعن أَبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ عن النبِيِّ ﷺ قال: "لَتَتبِعُن سَنَنَ مَن كَانَ قَبلَكُم شِبرًا شِبرًا وَذرَاعًا بِذراع، حتى لو دَخَلُوا جُحرَ ضَب تبِعتُمُوهُم". قُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اليَهُودُ وَالنصَارَى؟ قال: "فَمَن" (٢).
وعن أَبي هريرة ﵁ عن النبِيِّ ﷺ قال: "لا تَقُومُ الساعَةُ حتى تَأخُدَ أُمَّتى بِأخذ القُرُونِ قَبلَهَا شِبراً بِشِبرِ وَذرَاعاً بِذراع" فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَفَارِسَ وَالرومِ؟ فَقَالَ: "وَمَن النَّاسُ إِلا أُولَئِكَ" (٣).
قال شيخ الإسلام: "وهذا كله خرج منه مخرج الخبر عن وقوع ذلك، والذم لمن يفعله، كما كان يُخبر عما يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمات، فعلم أن مشابهتها اليهود والنصارى وفارس
стр. 484
والروم مما ذَمّه الله ورسوله، وهو المطلوب" (١).
وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَن تَشَبَّهَ بِقَومٍ فَهُوَ مِنهُم" (٢).
وقد بين شيخ الإسلام الحكمة من النهي عن مشابهة الكفار، وما يترتب على ذلك من المفاسد، فقال -كما في "اقتضاء الصراط المستقيم"-: "فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي، وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين هم أقل كفرا من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيمانا من غيرهم ممن جرد الإسلام، والمشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضاً مناسبة وائتلافا، وإن بعد المكان والزمان فهذا أيضاً أمر محسوس، فمشابهتهم في أعيادهم ولو بالقليل هو سبب لنوع ما من اكتساب أخلاقهم التي هي ملعونة، وما كان مظنة لفساد خفي غير منضبط، علق الحكم به، ودار التحريم عليه، فنقول: مشابهتهم في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في عين الأخلاق والأفعال المذمومة، بل في نفس الاعتقادات، وتأثير ذلك لا يظهر ولا ينضبط، ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر ولا ينضبط، وقد يتعسر أو
стр. 485
يتعذر زواله بعد حصوله لو تفطن له، وكل ما كان سببًا إلى مثل هذا الفساد فإن الشارع يحرمه، كما دلت عليه الأصول المقررة".
قلت: وقد عدد شيخ الإسلام في كتابه النفيس "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" المفاسد التي تترتب على مشابهة الكفار من الأمور الظاهرة والباطنة، فقال:
"إن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين، يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس، فإن اللابس لثياب أهل العلم مثلًا يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة مثلًا يجد في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه مقتضيًا لذلك, إلا أن يَمنعه من ذلك مانع.
ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب، وأسباب الضلال، والانعطاف إلى أهل الهدى والرضوان، وتُحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين، وكلما كان القلبُ أتمَّ حياةً، وأعرفَ بالإسلام الذي هو الإسلام -لستُ أعني مُجرد التوسُّم به ظاهرًا أو باطنًا بمجرد الاعتقادات التقليدية من حيث الجملة- كان إحساسُه بمفارقة اليهود والنصارى باطنًا أو ظاهرًا أتمَّ، وبُعدُه عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.
ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التمييز ظاهرًا بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين، إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية.
стр. 486
هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحاً محضاً، لو تَجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم؛ فإنه يكون شعبة من شعب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع ضلالهم ومعاصيهم، فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له والله أعلم" (١).
*****
стр. 487
الباب الرابع
الأدب مع الحيوان
стр. 488
قال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀:
"من علت همته، وخشعت نفسه، اتصف بكل خلق جميل، ومن دانت همته وطغت نفسه؛ اتصف بكل خلق رذيل".
[الفوائد: ٢٠٣].
стр. 489
التعامل مع الحيوان والرفق به
والعقلاء هم الذين يحسنون التعامل مع الحيوان، ويرفقون به وفق الشريعة الإسلامية السمحة، فقد خلق الله سبحانه الإنسان وكرمه، وسخر له الحيوانات لمنافع شتى.
قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ [النحل: ٨].
وبين الله سبحانه فعل أهل الجاهلية الكفار من افترائهم عليه بتشريعات ما أنزل بها من سلطان، وذلك كوقفهم الإبل على أصنامهم، وتحريمها على أنفسهم، أو تحريم ما في بطون الأنعام على النساء دون الذكور؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾ [الأنعام: ١٣٩].
وكما قال سبحانه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة: ١٠٣].
وعن سعيد بن المسيب قال: البحيرةُ التي يُمنع دَرُّها للطواغيت فلا يحلُبها أحدٌ من الناس، والسائبةُ التي كانوا يُسيِّبونها، لآلهتهم فلا يُحَملُ عليها شيء، والوصيلةُ الناقةُ البِكر تُبَكر في أول نِتاج الإبل بأنثى، ثم تُثني
стр. 490
بعدُ بأنثى، وكانوا يُسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهُما بالأخرى ليس بينها ذكر، والحام فحلُ الإبل يَضرب الضِرابَ المعدودَ، فإذا قضى ضِرابَهُ وَدَعوهُ للطواغيت وأعفوه من الحمل فلم يُحَمل عليه شيء، وسمَّوه الحامي" (١).
وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨].
عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن الحُمُر فقال: "ما أنزل الله عليَّ فيها إلا الآية الفاذَّة الجامعة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (٢).
وقد سمَّى الله تعالى بعض السور في القرآن الكريم بأسماء هذه الحيوانات والحشرات، لبيان مناسبتها في السور الكريمة وأهميتها، وما يستفاد منها، فسمَّى سورة البقرة، والأنعام، والنحل، والنمل، والعنكبوت، والفيل.
والإسلام هو أول من دعا إلى الرفق بالحيوان وحرم إيذاءه، ورفع الظلم عنه، غير أن دعاة الغرب وممن لا خلاق لهم من الشرق زعموا أنَّهم هم أرباب الرفق بالحيوان، ناسين أو متناسين تعذيبهم للحيوان كمصارعة الثيران والكباش والديكة، كما هو الحال في كثير من بلاد أوربا، لا سيما في "أسبانيا" من قتلهم الثيران بعد إرهاقهم في الحلبة، ثم القضاء عليهم بالرماح
стр. 491
والدماء تسيل منهم شيئاً فشيئاً أمام الجماهير في لهوٍ قبيحٍ ومنظرٍ مؤلم، مع فرجة البطالين، وكذا الحال بالنسبة إلى مناقرة الديكة ومهارشتهم، كما هو الحال في "أندونيسيا والهند" أمام المتفرجين في مشاهد مؤثرة دون رحمة أو شفقة مع مراهنات محرمة (١).
قال الشيخ المطيعي: "وأما السبق بنطاح الكباش ونقار الديكة، فهو أسفه أنواع السبق، وهو باطل، لا يختلف أحد من أهل العلم في عدم جوازه" (٢).
قلت: بل عدَّ الحنفية والمالكية أن من اشترى كبشاً على أنه نطاح أو ديكاً على أنه مقاتل، فالبيع فاسد، ويحرم.
وذهب المالكية إلى أن بيع الكبش المتخذ للنطاح، والديك المتخذ للهراش باطل.
قلت: كذا يفعل الأوربيون، وهذا من ظلمهم للحيوان، وليس هذا فحسب بل اعتداؤهم السافل علي الحيوان جنسياً، ولهذا قال رسول الله ﷺ : "مَلعُون مَن وَقعَ عَلَى بَهِيمَةٍ" (٣).
فالرأفة بالحيوان خلق جُبِلَ عليه نبينا ﵊، وحث عليه أمته، وقد وردت الوصية بالدواب في أحاديث كثيرة، منها:
стр. 492
عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ : "لو غُفِرَ لكم ما تَأتونَ إلى البهائمِ لغُفِرَ لكم كثيرًا" (١).
ومن الأدب مع الحيوان معرفة حقوقه:-
والسؤال: هل للحيوان حقوق؟
الجواب نعم كما في الحديث عن عبد الله بن عمرو أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
قال: "مَا من إِنْسَانٍ قَتَلَ عُصفُورًا فَمَا فَوقَهَا بِغَيرِ حَقهَا، إِلا سَألَهُ اللهُ عَنهَا"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: "يَذبَحُهَا فَيَأكلها، وَلا يَقطَعُ رَأسَهَا يَرمِي بِهَا" (٢).
...
стр. 493
من حقوق الحيوان
١ - النهي عن جعل البهيمة الحية هدفاً يرمى إليه:
البهيمة سميت بهيمة لأنَّها لا تنطق ولا تتكلم، وهي مأخوذة من الإبهام، وهو الخفاء وعدم الوضوح.
عن سعيد بن جُبَير قال: كنتُ عندَ ابنِ عُمَرَ، فَمَرُّوا بفتيةٍ، أو بنَفَرٍ نَصَبُوا دجاجةً يرمُونها، فلما رأوُا ابن عُمرَ تفرقوا عنها، وقال ابنُ عُمرَ: مَن فعلَ هذا؟ إن النبي ﷺ لعنَ من فعلَ هذا (١).
عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أَن النبِي ﷺ قَالَ: "لا تَتخذوا شَيئاً فيهِ الرُّوحُ غَرَضًا" (٢).
وعن عبد الله بن جعفر، عن النبي ﷺ قال: مر النبي ﷺ علي ناسٍ يرمون كبشًا بالنبل، فكره ذلك، وقال: "لا تُمَثِّلوا بالبهائمِ" (٣)
٢ - تحريم تعذيبه أو إيذائه أو حبسه بلا طعام أو شراب للإضرار به .
عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللهِ ﷺ قال: "عُذبت امرأةٌ في هرةٍ، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها، ولا
стр. 494
سقتها، إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" (١).
قلت: فهل يدخل في ذلك خصاء البهائم؟
الجواب: الخصاء هو نزع الخصية وسلها، وفي ذلك إيلام للحيوان، فهو مكروه، وتتأكد الحرمة إذا أدت لهلاكه.
عن ابن عمر ﵄ قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن إِخصَاءِ الخَيلِ وَالبَهَائِمِ (٢).
وعن ابن عباس ﵄ قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن صبرِ الروح، وخصاء البهائم" (٣).
هل يمكن أن تحيا البهيمة مع الخصاء؟
أجاب الشيخ ابن عثيمين ﵀:
"نعم يمكن، وهذا كثير بشرط أن يكون المباشر لذلك من أهل الخبرة، وحينئذ لا تموت بإذن الله؛ لأنه قد يباشر الخصاء من ليس من أهل الخبرة فتهلك البهيمة، وسبحان الله، هذا الأمر موجود من قبل أن تظهر وسائل الراحة الحديثة كالبنج وشبهه، لكن عرف بالتجارب، أما الآن فالأمر أسهل يمكن أن تخصى البهيمة بدون أن تشعر بألم إطلاقًا" (٤).
قلت: وأنا شاهدت مرة خصاء الغنم بالوسائل الحديثة، عبر حلقة
стр. 495
مطاطية صغيرة جداً توضع بآلة تقوم بتوسيعها حتى يمكن إدخال الخصية فيها، ثم تزال الآلة فتقبض الحلقة على نهاية الخصية وخلال يوم واحد أو يومين تسقط الخصية لوحدها، ويلتئم اللحم من غير ألم.
ولهذا "قرر الحنفية أنه لا بأس بخصاء البهائم؛ لأن فيه منفعة للبهيمة والناس.
وعند المالكية: يجوز خصاء المأكول من غير كراهة؛ لما فيه من صلاح اللحم.
والشافعية فرقوا بين المأكول وغيره، فقالوا: يجوز خصاء ما يؤكل لحمه في الصغر، ويحرم في غيره، وشرطوا أن لا يحصل في الخصاء هلاك.
أما الحنابلة فيباح عندهم خصي الغنم؛ لما فيه من إصلاح لحمها، وقيل: يكره كالخيل وغيرها، والشدخ أهون من الجب، وقد قال الإمام أحمد: لا يعجبني للرجل أن يخصي شيئًا، وإنما كره ذلك للنهي الوارد عن إيلام الحيوان" (١).
٣ - النهي عن ضربه، أو وسمه على وجهه، فقد كفل الإسلام للحيوان الراحة نفسيًا وجسديًا .
عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ مُرَّ عليه بحمار قد وسم في وجهه، فقال: "أما بَلَغَكُم أني لَعَنتُ من وسم البهيمة في وجهها، أو ضَرَبَها في وجهها؟ " (٢).
وعن جابر ﵁ أن النبِيَّ ﷺ مَرَّ عليه حمار قد وُسِمَ في وجهِهِ، فقال: