٨٧٦ - وَرَأَى أبُو بكْرٍ قِتَالَ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ تُقَاتِلُ وَقدْ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ :
"أمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلا الله، فَإذَا قَالُوا: لا إلَهَ إلا الله عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ؛ إلا بِحَقّها". فَقَالَ أَبُو بكْرٍ: وَالله لأقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ رَسُولُ الله ﷺ .
ثُمَّ تَابَعَهُ بَعْدُ عُمَرُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ أَبُو بَكْرٍ إلى مَشُورةٍ إذْ كَانَ عِنْدَهُ حُكْمُ رَسُولِ الله ﷺ في الَّذينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكَاةِ، وَأَرَادُوا تَبْدِيلَ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ.
٨٧٧ - وَقَالَ النبيُّ ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ".
١٤٣٢ - وَكَانَ القُرَّاءُ أصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ كُهُولاً كَانُوا أوْ شُبَّاناً، وَكَانَ وَقَّافاً عِنْدَ كِتَابِ الله .
* * *
стр. 1966
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٩٧ - كتاب التَّوحِيْدِ
١ - باب مَا جَاءَ فِى دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ ﵎
٢٧٢٣ - عنْ عائِشةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ بعثَ رجُلاً على سَريَّةٍ (١)، وكانَ يقرأُ لأصْحابه في صلاته، فَيخْتِمُ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، فلمّا رَجعُوا ذَكَرُوا ذلك للنبيِّ ﷺ ، فقال:
"سَلُوهُ: لأيِّ شيءٍ يَصْنع ذلك؟ "، فسألوه، فقال: لأنَّها صفةُ الرحمن، وأنا أُحِبُّ أن أَقْرأ بها، فقال النبيُّ ﷺ :
"أَخْبِروهُ أنَّ اللهَ يُحِبُّهُ".
٢ - باب قَوْلِ الله ﵎: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾
٣ - باب قوْلِ الله تعالى: ﴿إِنا (٢) الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾
٢٧٢٤ - عَنْ أبي مُوسى الأشْعَريِّ قال: قال النبيُّ ﷺ :
стр. 1967
"ما أحدٌ أصبَرَ (٣) على أَذىً سمعَهُ مِنَ اللهِ، [إنهم ٧/ ٩٦] يدَّعُونَ لهُ الولدَ، ثُمَّ يُعافيهم، ويرْزُقُهم".
٤ - باب قَوْلِ الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ و ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، و ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾، ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾
١٤٣٣ - قالَ يَحْيى بنُ زِيادٍ: ﴿الظَّاهرُ﴾ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عِلْماً، و ﴿الباطنُ﴾ على كل شيءٍ عِلْماً.
٥ - باب قوْلِ اللهِ تعالى: ﴿السَّلامُ المؤمِنُ﴾
(قلتُ: أسند فيه طرفاً من حديث ابن مسعود المتقدم ج١/ ١٠ - الأذان/ ١٤٧ - باب").
٦ - باب قوْلِ الله تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾
٨٧٨ - فيه ابنُ عمرَ عن النبيِّ ﷺ .
٢٧٢٥ - عنْ أَبي هريرةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ قال:
"يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ يوْمَ القِيامةِ، ويَطْوي السَّماءَ بيمينهِ، ثُمَّ يقُولُ: أنا الملِكُ. أَينَ مُلوكُ الأرضِ؟ ".
стр. 1968
٧ - باب قَوْلِ الله تعالى: ﴿وَهو العزيزُ الحكيمُ﴾، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾، ومَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَهِ وصِفاتِهِ
٨٧٩ - وقالَ أنسٌ: قالَ النبيُّ ﷺ :
"تَقُولُ جَهَنَّمُ: قَطْ قَطْ (٤) وعِزَّتكَ".
٨٨٠ - وقالَ أَبُو هُرَيْرة عن النبيِّ ﷺ :
"يَبْقى رَجُلٌ بيْنَ الجَنَّة والنَّار، آخِرُ أهْلِ النّارِ دُخُولاً الجنَّةَ، فيقولُ: ربِّ اصْرف وَجْهي عن النَّار، لا وَعِزَّتِكَ لا أسْأَلُك غَيْرَهَا". قالَ أبُو سَعيدٍ: إنَّ رسُولَ الله ﷺ قال:
"قال الله : لكَ ذلك وعَشَرةُ أَمْثالِهِ".
٨٨١ - وقالَ أيُّوبُ: "وَعِزَّتِكَ لا غِنَى بي عنْ بركتِكَ".
٢٧٢٦ - عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقولُ:
"أعوذُ بِعِزَّتِكَ، الذي لا إله إلا أنْتَ، الذي لا يَمُوتُ، والجِنُّ والإنْسُ يَمُوتونَ".
٢٧٢٧ - عنْ أَنسٍ عن النبيِّ ﷺ قال:
"لا يزالُ (وفي روايةٍ: لا تزالُ جهنمُ ٧/ ٢٢٥) يُلْقى فيها، وتَقُول: (هَلْ
стр. 1969
مِنْ مَزِيدٍ﴾، حَتَّى يَضَعَ فيها ربُّ العالمين (وفي روايةٍ: ربُّ العزة) قدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بعضٍ، ثُم تَقولُ: قَدْ قَدْ (٥) بِعِزَّتِكَ (وفي أخرى: قَطْ قَطْ وعِزَّتك) وكَرَمِكَ، ولا تَزالُ الجَنَّةُ تَفْضُلُ حتَّى يُنْشِئَ اللهُ لَها خَلْقاً، فيُسْكِنَهُم فَضْلَ الجنَّةِ".
٨ - باب قَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾
(قلتُ: أسند فيه حديث ابن عباس المتقدم برقم ٥٥٦/ ج ١).
٩ - باب (وكانَ اللهُ سَميعاً بَصيراً)
٨٨٢ - عَنْ عائِشَةَ قالت: الحمدُ للهِ الذي وَسعَ سَمْعُهُ الأَصْواتَ، فَأَنْزَلَ الله تعالى على النبيِّ ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾.
١٠ - باب قَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ هُوَ القادِرُ﴾
(قلتُ: أسند فيه حديث جابر المتقدم "ج١/ ١٩ - التهجد/ ٢٥ - باب")
١١ - باب مُقَلِّبِ القُلُوبِ، وقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾
(قلتُ: أسند فيه حديث ابن عمر المتقدم "٨٢ - القدر/ ١٣ - باب").
стр. 1970
١٢ - باب "إنَّ لله مائَةَ اسْمٍ إلا واحِداً "
١٤٣٤ - قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ذُو الجَلالِ﴾: العَظَمَةِ. ﴿البَرُّ﴾: اللطيفُ
٢٧٢٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ:
"إنَّ للهِ تِسْعَةً وتِسْعينَ اسْماً، مائَةً إلا واحِداً، مَنْ أَحْصاها (وفي روايةٍ: لا يحفظُها أحدٌ إلا ٧/ ١٦٩) دَخَلَ الجنَّةَ، [وهو وترٌ يحبُّ الوترَ] ".
﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾: حَفِظْناهُ.
١٣ - باب السُّؤالِ بأَسْماءِ اللهِ تعالى والاسْتِعاذَةِ بِها
١٤ - باب ما يُذْكَرُ في الذَّاتِ والنُّعُوتِ وأَسامي اللهِ
١٤٣٥ - وقالَ خُبَيْبٌ: وذلك في ذاتِ الإلهِ، فَذَكَرَ الذَّاتَ باسْمهِ تعالى.
(قلتُ: أسند فيه حديث أبي هريرة المتقدم برقم ١٣٢٩/ ج ٢).
١٥ - باب قوْلِ الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، وقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾
٢٧٢٩ - عَنْ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ :
"يقُولُ اللهُ تعالى: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدي بي، وأَنا معه إذا ذَكَرَني، فإنْ ذَكَرَني في نفْسِهِ ذكرتُهُ في نَفْسي، وِإنْ ذَكَرَني في مَلأٍ ذَكرتُهُ في مَلأٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ
стр. 1971
إِليَّ بِشِبْرٍ، تَقَرَّبتُ إليْهِ ذِراعاً، وإِنْ تَقَرَّب إليَّ ذِراعاً تَقَربتُ إليهِ باعاً، وإنْ أَتاني يَمْشي أَتيتُهُ هَرْوَلَةً".
١٦ - باب قوْلِ الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾
(قلتُ: أسند فيه حديث جابر المتقدم برقم ١٨٩٩/ ج ٣).
١٧ - باب قَوْلِ الله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾: تُعذَّى، وقوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾
١٨ - باب قَوْلِ الله: ﴿هُوَ (٦) الخالقُ البارئُ المصَوِّرُ﴾
(قلتُ: أسند فيه حديث أبي سعيد الخدري المتقدم برقم ١٧٤٧/ج ٣)
١٩ - باب قوْلِ الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾
٢٧٣٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قال:
"إنَّ اللهَ يَقْبِضُ يَوْمَ القِيامَةِ الأرْضَ، وتكونُ السَّماواتُ بِيَمينِهِ، ثُمَّ يقولُ: أنا الملكُ".
٢٠ - باب قوْلِ النبيِّ ﷺ : "لا شَخْصَ أغْيَرُ من اللهِ "
٢٧٣١ - عن المغيرةِ قال: قال سَعْدُ بنُ عُبادة:
لوْ رَأَيْتُ رَجُلاً معَ امْرأَتي لَضَربتُهُ بالسَّيف غيْر مُصْفَحٍ (٧)، فَبَلَغَ ذلكَ رسولَ الله
стр. 1972
- ﷺ ، فقال:
" [أ ٨/ ٣١] تَعْجبونَ منْ غَيْرةِ سعْدٍ! واللهِ لأنا أغْيَرُ مِنْهُ، واللهُ أغْيَرُ مِنِّي، ومِنْ أجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حرَّم الفواحِشَ، ما ظَهَر مِنها وما بَطَنَ، ولا أحَدَ أحَبَّ إليْه العُذْرُ مِنَ اللهِ، وَمِنْ أجْل ذلكَ بَعَثَ المبَشِّرينَ والمنْذِرينَ، ولا أحَدَ أحَبُّ إليْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللهِ، وَمِنْ أجْلِ ذلِكَ وَعَدَ الله الجَنَّةَ".
٨٨٣ - (وفي رواية معلقة: "لا شَخْصَ أغْيَرُ مِن اللهِ").
٢١ - باب ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شهادةً﴾، وسَمَّى الله تَعالى نَفْسَهُ شَيْئاً: ﴿قُلِ اللهُ﴾ (٨)
٨٨٤ - وَسَمَّى النبيُّ ﷺ القُرآنَ شيئاً. وهوَ صِفةٌ منْ صِفاتِ الله، وقالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾
(قلتُ: أسند فيه طرفاً من حديث سهل المتقدم برقم ٢٠٢٩/ ج ٣)
٢٢ - باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾
стр. 1973
١٤٣٦ - قالَ أبُو العالية: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: ارْتَفَعَ. ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾: خَلَقَهُنَّ.
١٤٣٧ - وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿اسْتوى﴾: عَلا على العَرْشِ.
١٤٣٨ - وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: ﴿المجيدُ﴾: الكَريم. وَ ﴿الوَدُودُ﴾: الحَبيبُ.
يُقالُ: حَميدٌ: مَجيدٌ كَأَنَّهُ فَعيلٌ مِنْ ماجدٍ، مَحْمودٌ مِنْ حميدٍ (٩).
٢٧٣٢ - عنْ أنسٍ قال: جاءَ زَيْدُ بنُ حارِثَة يَشْكُو، فجَعَلَ النبيُّ ﷺ يَقُولُ:
"اتَّقِ اللهَ وَأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ"، (وفي رواية عنه: أن هذه الآية ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ [وتخشي الناس]﴾ نزلت في شأن زينب ابنة جحش وزيد بن حارثة ٦/ ٢٣).
قالتْ عائِشةُ (١٠): لَوْ كانَ رسُولُ الله ﷺ كاتِماً شَيْئاً، لَكَتَمَ هذه.
قال: فكانت زيْنب تَفْخَرُ على أَزْواجِ النبيِّ ﷺ ، تَقُولُ:
زوّجكُنَّ أهاليكُنَّ، وَزَوَّجَني اللهُ تعالى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سماواتٍ.
стр. 1974
٢٧٣٣ - عنْ أبي هُرَيْرَة عَنِ النبيِّ ﷺ قالَ:
"مَنْ آمَنَ باللهِ ورَسُولِهِ، وأقامَ الصَّلاةَ، وصامَ رَمَضان؛ كان حقاً على اللهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجنَّةَ، هاجَرَ في سبيل الله أَوْ جَلَس في أَرْضِهِ التي وُلِدَ فيها". قالوا: يا رسولَ الله! أفَلا نُنَبِّئُ (وفي روايةٍ: نُبَشِّرُ ٣/ ٢٠٢) النَّاسَ بِذلكَ؟ قالَ:
"إنَّ في الجنَّةِ مائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّها الله لِلْمُجاهِدين في سبيله، كُلُّ درجتينِ ما بيْنَهُما كما بيْنَ السَّماءِ والأَرْضِ، فإذا سأَلْتُمُ الله فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ؛ فإِنَّه أوْسَطُ الجَنَّةِ، وأَعْلى الجنَّةِ، وفوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهارُ الجَنَّةِ".
٢٣ - باب قَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، وَقوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾
٨٨٥ - وقالَ أبُو جَمْرَةَ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بَلَغَ أبا ذرٍّ مَبْعَثُ النبيِّ ﷺ ، فقالَ لأخيه: اعْلم لي عِلْمَ هذا الرجلِ الذي يزعمُ أنَّه يأتيهِ الخَبَرُ من السَّماءِ.
١٤٣٩ - وقال مُجاهِدٌ: العملُ الصَّالحُ يَرْفَعُ (الكلمَ الطَّيِّبَ).
يُقالُ (١٠): ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾: الملائِكَةُ تَعْرُجُ إلى اللهِ.
стр. 1975
٨٨٦ - عنْ أبي هُرَيْرَة قالَ: قال رسول الله ﷺ :
"مَنْ تَصَدَّق بِعِدْلِ (١١) تمرةٍ من كَسْبٍ طَيِّبٍ -ولا يَصْعَدُ إلى الله إلا الطيِّبُ (١٢) - فإِنَّ الله يتقبَّلُها بيمينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيها لِصاحِبِه كما يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ (١٣)، حتى تكونَ مِثْلَ الجبلِ".
٢٤ - باب قوْلِ الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
٢٧٣٤ - عنْ أبي هُريرةَ:
أنَّ النَّاس قالُوا: يا رسُولَ الله! هَلْ نَرى ربَّنا يوْم القِيامَة؟ فقال رسول الله ﷺ :
"هَلْ تُضارُّونَ (وفي روايةٍ: تمارون ١/ ١٩٥) في القمرِ ليْلةَ البَدْرِ [ليس دونَه سحابٌ]؟ ". قالوا: لا يا رسولَ الله، قال:
"فَهَلْ تُضارُّون (وفي روايةٍ: تمارون) في الشَّمسِ لَيْسَ دُونَها سَحابٌ؟ ". قالوا: لا يا رسولَ الله. قال:
"فإنَّكُمْ تَروْنَهُ كذلك. يجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يوْم القِيامةِ، فيقول: مَنْ كان يَعْبُدُ شيئاً فَلْيَتْبَعْهُ، فَيَتْبَعُ منْ كانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كان يَعبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، ويتْبَعُ مَنْ كانَ يَعْبُدُ الطَّواغيتَ الطَّواغيتَ، وتبقَى هذه الأمَّةُ فيها مُنافِقُوها،
стр. 1976
فيَأْتيهمُ اللهُ [في غيرِ الصورةِ التي يعرفونَ ٧/ ٢٠٥]، فيَقُولُ: أنا ربُّكُم، فيقُولونَ: [نعوَذُ باللهِ منك]، هذا مكانُنا حَتَّى يأْتينا ربُّنا، فَإِذا جَاءَنا رَبُّنا عَرَفْناهُ، فيأْتيهمُ اللهُ في صُورَتِهِ التي يَعْرِفُونَ، فيقولُ: أنا ربُّكُمْ، فَيَقُولونَ: أنْتَ ربُّنا، فيَتْبَعُونَهُ، ويُضْرَبُ الصِّراطُ بيْنَ ظَهْرَيْ (١٤) جهنَّمَ، فأكونُ أنا وأُمَّتي أوَّلَ من يُجيزُها (١٥) [من الرسلِ بأمَّتِهِ]، ولا يتكلَّمُ يَوْمئذٍ [أحدٌ] إلا الرُّسُلُ، وَدَعْوى (وفي روايةٍ: وكلامُ) الرُّسُلِ يَوْمئِذ: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفي جَهَنَّمَ كلاليبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدانِ، هَلْ رَأَيْتُم [شوك] السَّعْدانِ؟ قالُوا: نَعَمْ يا رسولَ الله! قالَ: فَإِنَّها مثلُ شَوْكِ السَّعْدانِ، غَيْرَ أنَّه لا يَعْلمُ قَدْرَ عِظَمِها إلا الله، [فـ] تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمالِهمْ، فَمِنْهُمُ الموبَقُ بعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ المُخَرْدَلُ، أو المُجازى، أو نحوه، ثُمَّ يتجلَّى (وفي روايةٍ: ينجو)، حَتَّى إِذا فرغ اللهُ مِنَ القضاءِ بيْنَ العِبادِ، وأَرادَ أنْ يُخْرِجَ بِرَحْمتِهِ مَنْ أرادَ [أن يُخْرجَ] مِنْ أهْلِ النَّارِ، أمَرَ الملائِكَةَ أنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كان لا يُشْرِكُ بالله شيْئاً، (وفي روايةٍ: من كان يعبدُ الله) مِمَّن أرادَ الله أنْ يرْحَمَهُ، مِمَّنْ [كان] يَشهدُ أنْ لا إله إلا الله، [فيُخْرِجُونَهم] فَيَعْرِفُونَهُم في النّارِ بِأَثَرِ السُّجودِ، تَأْكُلُ النَّارُ ابْنَ آدَمَ إلا أَثَرَ السجُودِ، حرَّمَ اللهُ على النَّارِ أنْ تأَكُلَ [من ابن آدم] أَثَرَ السُّجودِ، فَيَخْرُجونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امتُحِشُوا، فيُصَبُّ عَلَيْهِم [ماءٌ يقال له:] ماءُ الحياةِ، فيَنْبُتُونَ تَحْتَهُ كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَميل السَّيْلِ (١٦)، ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبادِ، ويَبْقى رجُلٌ [بين الجنة
стр. 1977
والنار] مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ على النَّارِ، هُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّار دُخُولاً الجنَّةَ، فيقولُ: أيْ ربِّ! اصْرِفْ وَجْهي عَنِ النَّارِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَني (١٧) ريحُها، وَأَحْرَقَني ذَكاؤُها، فَيَدْعُو اللهَ بِما شاءَ أنْ يَدْعُوهُ، ثُمَّ يقولُ الله: هَلْ عَسَيْتَ إنْ أُعْطِيتَ ذلك أنْ تسْأَلنَي غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لا وعِزَّتِكَ لا أسْأَلُك غَيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَواثيقَ ما شاءَ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذا أَقْبَلَ [به] على الجَنَّةِ وَرآها (وفي روايةٍ: رأى بهجتها)، سكَتَ ما شاءَ الله أنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يقولُ: أيْ رَبِّ قدِّمْني إلى بابِ الجَنَّةِ، فيقُولُ اللهُ له: ألَسْتَ قدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَواثيقَك أنْ لا تَسْأَلَني غَيْرَ الذي أُعْطِيتَ أبَداً؟ ويْلَكَ يا ابْنَ آدَمَ! ما أَغْدَرَكَ (١٨)! فيقُولُ: أيْ رَبِّ! وَيَدْعُو الله (وفي روايةٍ: فيقول: يا ربِّ! لا أكون أشقى خَلْقِكَ)، حتَّى يقولَ: هلْ عَسيْتَ إنْ أُعْطيتَ ذلك أنْ تسْألَ غَيْرَهُ؟ فيقول: لا وعِزَّتِك لا أسْألُكُ غَيْرَهُ، وَيُعطي ما شاء مِنْ عُهُودٍ ومواثيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إلى باب الجنَّة، فإذا قام إلى باب الجنَّةِ انفهقتْ (١٩) لَهُ الجنَّةُ، فرَأى ما فيها مِنَ الحَبْرَةِ (٢٠) والسُّرورِ، فَيَسْكُتُ، ما شاءَ الله أنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يقولُ: أيْ رَبِّ! أدْخِلْني الجنَّة، فيقُولُ الله: ألَسْتَ قدْ أعْطَيتَ عُهُودَك ومواثيقك أنْ لا تسْألَ غيْر ما أُعْطيْتَ؟ فيَقولُ: ويْلَكَ يا ابْن آدم! ما أغْدَرَكَ! فيقول: أيْ ربِّ! لا أَكُونَنَّ أشْقى خَلْقِكَ، فلا يَزالُ يَدْعُو حَتَّى يضحكَ اللهُ منه، فإذا ضحِكَ منه قال له: ادْخل الجنّة، فإذا دخلَها قالَ اللهُ له: تَمَنَّهْ، فسَأَلَ ربَّهُ وتَمَنّى، حتى إنّ الله ليُذَكِّرُهُ يقُولُ: [زد من كذا وكذا] كذا وكذا، حتَّى [إذا] انْقَطَعتْ بِهِ الأمانيُّ قال الله [تعالى]: ذلِكَ لكَ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ".
стр. 1978
قالَ عَطَاءُ بنُ يَزيدَ: وأَبُو سَعيدٍ الخُدْرِيُّ [جالس] مَعَ أبي هُرَيْرَةَ لا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئاً، حَتَّى إِذا حَدَّثَ أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ الله ﵎ قالَ: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ قالَ أبُو سَعيد الخُدْريُّ: وَعَشَرةُ أَمْثالِهِ مَعَهُ يا أبا هُرَيْرَة! قالَ أبُو هُرَيْرَة: ما حَفِظْتُ إلا قَوْلَهُ: ذلك لك، وَمِثلُهُ مَعَهُ.
قالَ أبُو سَعيدٍ الخُدْريُّ: أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ قَوْله:
"ذلك لك، وعشرةُ أمْثالِهِ".
قال أبو هريرة: فذلكَ الرَّجلُ آخِرُ أهْل الجَنَّةِ دخولاً الجنَّة (٢١).
٢٧٣٥ - عنْ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ قال:
قُلْنا: يا رسُول الله! هلْ نَرى رَبَّنا يوْمَ القِيامة؟ قال:
"هلْ تُضارُّونَ في رُؤْيةِ الشَّمسِ والقَمَرِ إِذا كانتْ صَحْواً؟ ".
(وفي روايةٍ: "نعم، هل تضارّون في رؤية الشمس بالظهيرة ضوء ليس فيها سحابٌ؟ ". قالوا: لا، قال:
"وهل تضارّون في رؤيةِ القمرِ ليلةَ البدرِ ضوء ليسَ فيها سحابٌ؟ ٥/ ١٧٩ "). قُلْنا: لا، قال:
"فَإِنَّكُمْ لا تُضارُّونَ في رُؤْيةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئذٍ إلا كما تُضارُّونَ في رُؤْيتِهما"، ثُم قال:
стр. 1979
" [إذا كانَ يومُ القيامَةِ] يُنادِي مُنادٍ: لِيَذْهَبْ كلُّ قوْمٍ إلى ما كانوا يَعْبُدُون، فيَذْهبُ أَصْحابُ الصَّليبِ معَ صَليبِهِمْ، وَأَصْحابُ الأَوْثانِ مَعَ أوْثانِهِمْ، وَأَصحاب كُلِّ آلِهةٍ مع آلِهَتِهم، [فلا يبقى مَنْ كانَ يعبُدُ غيرَ اللهِ مِنَ الأصْنامِ والأنْصَابِ إلا يتساقطون في النارِ]، حتى يبْقى مَنْ كانَ يَعْبُدُ الله مِنْ بَرّ أَوْ فاجِرٍ، وَغُبَّراتٍ (٢٢) مِنْ أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كأَنَّها سَرابٌ [يَحْطِمُ بعضُها بعضًا]، فيُقالُ لِلْيَهُودِ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَا نَعْبُدُ عُزَيْرَ بنَ اللهِ، فيُقال: كَذَبْتُم، لم يكنْ للهِ (وفي روايةٍ: ما اتخذَ اللهُ مِنْ) صاحِبةٌ ولا ولَدٍ، فما تُريدون؟ قالوا: [عطشنا]، نُرِيدُ أنْ تَسْقِيَنا، فيُقالُ: اشْربُوا، فيَتَساقَطُون في جَهَنَّم، ثُمَّ يُقالُ لِلنَّصارى: ما كُنْتُم تَعْبدون؟ فيَقُولونَ: كُنَّا نَعْبُدُ المسيحَ بنَ الله، فَيُقالُ: كَذَبْتُم لم يكنْ للهِ (وفي روايةٍ: ما اتخذ الله من) صاحِبة ولا ولد، فما تُرِيدُون؟ فيقُولون: [عطشنا] نُريدُ أنْ تَسْقِيَنا، فيُقالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَساقَطُون، حَتَّى يَبْقى من كانَ يعبدُ اللهَ من بَرٍّ أو فاجرٍ، فيُقالُ لهم: ما يَحْبِسُكُم وقد ذهب الناسُ؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحْوجُ مِنا إليهِ (٢٣) اليومَ، وإنّا سمعنا مُناديا يُنادي: لِيلْحَقْ كلُّ قومٍ بما كانوا يعبدون، وإنّما
стр. 1980
ننتظر ربَّنا، قال: فيأتيهم الجبّار في صورةٍ غيرِ صورتهِ التي رأوه فيها أوّل مرَّةٍ، فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: أنت ربُّنا (وفي روايةٍ: فيقولون: لا نشرك بالله شيئاً "مرتين أو ثلاثاً")، فلا يُكَلِّمُهُ إلا الأنبياءُ، فيقولُ: هل بينَكُم وبينَهُ آيةٌ تَعرفونَه؟ فيقولون: السَّاقُ، فيكشِفُ [ربُّنا ٦/ ٧٢] عن ساقِهِ، فيسْجُدُ له كل مؤمنٍ [ومؤمنةٍ]، ويبقى مَنْ كانَ يسجدُ رياءً وسمعةً، فيذهب كَيْما يسجدَ، فيعودُ ظهرهُ طَبَقاً واحداً، ثم يُؤتى بالجِسرِ (٢٤) فيُجْعَلُ بين ظهريْ جَهنَّمَ، قُلْنا: يا رسول الله! وما الجسْرُ؟ قال: مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عليه خطاطيفُ (٢٥)، وكلاليبُ، وحسكةٌ مُفلطحةٌ (٢٦)، لها شوْكةٌ عُقيفاءُ (٢٧)، تكون بنجْدٍ، يُقال لها: السَّعْدان، المؤمن عليها كالطَّرْفِ، وكالبرقِ، وكالريحِ، وكأجاويدِ الخيلَ والرِّكابِ، فناجِ مُسَلَّمٌ، وناجِ مَخْدوشٌ، ومكدُوسٌ (٢٨) في نار جهنَّمَ، حتى يَمُرَّ آخِرُهم يُسْحَبُ سَحْباً، فما أنتم بأَشدَّ لي مُناشَدةً في الحقِّ قد تبيَّنَ لكم مِنَ المؤمنِ يوْمئذٍ للجبَّارِ، وإذا رأَوْا أنَّهم قد نجوا في إخوانهم، يقولون: ربَّنا إخوانُنا الذين كانوا يُصَلُّونَ معنا، ويصومونَ معنا، ويعْملون معنا، فَيَقُولُ الله تعالى: اذْهَبُوا؛ فمَنْ وجدتم في قلبه مثقالَ دينارٍ من إيمانٍ فأخرِجُوهُ، ويُحَرِّمُ الله صُوَرَهُم على النارِ، فيأْتُونَهُم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمِه، وإلى أنصافِ ساقيهِ، فَيُخْرِجُونَ
стр. 1981
من عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودونَ، فيقولُ: اذْهَبُوا، فمن وجدتم في قلبهِ مثقالَ نصفِ دينارٍ فأخرِجوه، فيخرجون من عَرَفوا، ثم يعودون، فيقُول: اذْهبُوا، فمن وجدتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ من إيمان فأَخْرِجُوه، فيُخرِجونَ من عرفوا" -قال أبو سعيدٍ: فإن لمْ تُصدِّقُوا فَاقْرؤُا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ - فيشْفَعُ النَّبيونَ، والملائكةُ، والمؤمنونَ، فيقول الجبَّارُ: بَقِيَتْ شفاعتي، فيقبضُ قبْضةً من النار فَيُخْرِجُ أقواناً، (وفي روايةٍ: إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، يقولُ الله: مَنْ كانَ في قلبهِ مثقال حبَّة من خردل من إيمان فأخْرِجوه، فيخرجون ٧/ ٢٠٢) قد امْتُحِشُوا (وفي روايةٍ: اسْوَدُّوا ١/ ١١) [وعادوا حُمَماً]، فيُلْقَون في نَهْرٍ بأفواهِ (٢٩) الجنَّةِ، يُقال له: ماءُ الحياةِ، فيَنْبُتُون في حافتَيْهِ كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَيْل، قد رأيتُموها إلى جانبِ الصَّخْرةِ، إلى جانبِ الشَّجرةِ، فما كان إلى الشمسِ منها كان أَخْضَرَ، وما كان منها إلى الظِّلِّ كان أبْيضَ، (وفي روايةٍ: ألم تروا أنها تنبتُ صفراءَ مُلْتَويةً)، فيخرُجونَ كأنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ، فَيُجْعَلُ في رقابهم الخواتيمُ، فيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فيقولُ أهلُ الجنَّةِ: هؤُلاءِ عُتَقَاءُ الرَّحمنِ، أَدْخَلهُمُ الجنَّةَ بغيرِ عملٍ عملُوه، ولا خيْرٍ قدَّمُوهُ، فيُقالُ لَهُمْ: لكم ما رأيتُم، ومِثلُهُ مَعَهُ".
٢٥ - باب ما جاء في قَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾
٢٧٣٦ - عن أنسٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال:
стр. 1982
"لَيُصيبَنَّ أقْواماً سَفْعٌ من النارِ، بذنُوبٍ أصابُوها عقوبةً، ثم يُدْخِلُهُمُ اللهُ الجنَّةَ بِفَضْلِ رحمتهِ، يُقالُ لهم: الجَهنَّمِيُّونَ (وفي روايةٍ: فيسميهم أهلُ الجنةِ الجهنميين ٧/ ٢٠٢) ".
٢٦ - باب قوْلِ الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾
(قلتُ: أسند فيه حديث ابن مسعود المتقدم برقم ١٩٥٧/ ج ٣).
٢٧ - باب ما جاءَ في تَخْليقِ السَّماواتِ والأَرْضِ وغيرها من الخلائق
وهو فعلُ الربِّ ﵎ وأمْرُهُ، فالربُّ بِصفاتِهِ وفعلِهِ وأمْرِهِ، وهْو الخالِقُ، هُوَ المُكَوِّنُ غيْرُ مخلوقٍ، وما كانَ بفعلِه وأمرِهِ وتخليقِه وتكوينِه فهو مفعولٌ ومخلوقٌ ومكوَّنٌ (٣٠).
(قلتُ: أسند فيه طرفاً من حديث ابن عباس المتقدم "ج١/ ٤ - الوضوء/ ٥ - باب").
٢٧٣٧ - عنْ أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ :
"إذا دعوتُمُ اللهَ فاعْزِمُوا في الدُّعاءِ، ولا يَقُولَنَّ أحدُكم: [اللهم ٨/ ١٥٣] إنْ شِئْتَ فأعْطِني، فإنَّ اللهَ لا مُسْتكْرِهَ له (٣١) ".
٢٧٣٨ - عَنْ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال:
"مَثَلُ المؤْمِنِ كَمَثَلِ خامَةِ الزَّرعِ، يَفِيءُ (٣٢) وَرَقُهُ، مِنْ حيْثُ أتَتْها الرّيحُ تُكَفِّئُها، فإذا سكَنَتِ اعْتدَلَتْ، وكذلكَ المؤْمِنُ يُكَفَّأُ بالبَلاءِ، ومَثَلُ الكافرِ كَمَثَلِ الأرْزَةِ، صمَّاءُ مُعْتَدلةٌ، حتَّى يَقْصِمَها اللهُ إذا شاءَ".
٣٢ - باب قوْلِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، ولم يَقُلْ: ماذا خلق ربُّكُم، وقال جلَّ ذِكْرُهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾
١٤٤٠ - وقالَ مَسْرُوق: عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إذا تَكَلَّمَ اللهُ بِالوحيِ سمع أهْلُ السَّماواتِ شَيْئاً، فإذا فُزِّعَ عنْ قُلُوبهم وَسَكَن الصَّوْتُ، عَرَفُوا أنَّه الحقُّ مِنْ رَبِّكُم، وَنادَوْا: ماذا قال ربُّكُمْ؟ قالُوا: الحَقَّ.
стр. 1985
٨٨٨ - ويُذْكَرُ عن جابرٍ عن عبْد الله بن أُنَيْسٍ قال: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ:
"يَحْشُرُ اللهُ العِبادَ فيناديهمْ بِصوْتٍ يسمعه من بَعُدَ كما يَسْمَعُهُ من قَرُبَ: أنا الملكُ، أنا الدَّيَّانُ".
٣٣ - باب كلامِ الرَّبِّ مع جبْريلَ ونِداءِ اللهِ الملائكةَ
١٤٤١ - وقال معمرٌ: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ أي: يُلْقَى عليْكَ، وتلقَّاهُ أنتَ؛ أيْ: تأْخُذُهُ عنْهُ، ومِثْلُهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾.
٣٤ - باب قول الله تعالى: ﴿أنْزلَهُ بعلمِهِ والملائكَةُ يشهدُونَ﴾
١٤٤٢ - قال مُجاهِدٌ: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾: بيْنَ السَّماءِ السَّابعةِ والأَرْضِ السابعةِ (٣٣).
٣٥ - باب قولِ الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾، ﴿لَقَوْلٌ فصْل﴾: حَقٌّ، ﴿وما هُوَ بِالهَزْلِ﴾: باللَّعبِ
٢٧٣٩ - عَنْ أبي هُريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال:
"يقول اللهُ: إذا أرادَ عبْدي أنْ يعملَ سَيِّئَةً فلا تكْتُبوها عليه حتى يعمَلَها، فإِنْ عمِلَها فاكْتُبُوها بِمِثْلِها، وإنْ تَرَكَها مِنْ أجْلي فاكْتُبُوها لَهُ حَسَنَةً، وإذا أرادَ أنْ
стр. 1986
يَعْمل حسنةً فلَمْ يعْمَلْها فاكتُبُوها له حسنةً، فإنْ عَمِلَها فاكْتُبُوها له بعشْرِ أمْثالها، إلى سَبْعِمِائَةٍ".
٢٧٤٠ - عنْ أبي هُرَيْرةَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال:
"قالَ اللهُ: إذا أحَبَّ عَبْدِي لِقائي أحْبَبْتُ لِقاءَهُ، وإذا كرِهَ لِقَائي كَرِهْتُ لِقاءَهُ".
٢٧٤١ - عن أبي هُرَيْرةَ قالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ عبْداً أصابَ ذَنْباً -وَرُبَّما قال: أَذْنَبَ ذَنْباً- فقال: ربِّ! أَذْنَبْتُ ذَنْباً، ورُبَّما قالَ: أصَبْتُ، فاغْفِرْ (٣٤)، فقالَ ربُّهُ: أَعَلِمَ عبْدي أنّ له رباً يَغْفِرُ الذَّنبَ، ويأخذُ به؟! غفرتُ لِعَبْدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أصابَ ذنباً أوْ أذنب ذنباً، فقال: ربِّ أذْنبتُ أو أَصَبْتُ آخرَ، فَاغْفِرْهُ، فقالَ: أَعَلِمَ عبْدي أنَّ له رباً يَغْفِرُ الذَّنبَ، ويأخذُ به؟ غَفَرْتُ لِعَبْدي، ثُمَّ مكثَ ما شاءَ الله، ثُمَّ أَذْنبَ ذَنْباً، ورُبَّما قال: أصابَ ذَنْباً، فقال: ربِّ أَصَبْتُ، أوْ قال: أَذْنبتُ آخرَ، فاغْفِرهُ لي، فقال: أَعَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا يَغْفِرُ الذَّنبَ ويأخذُ به؟ غَفَرْتُ لِعَبْدي (ثلاثاً)، فَلْيَعْمَلْ ما شاءَ".
٢٧٤٢ - عَنْ أبي سعيد عن النبيِّ ﷺ ؛ أنَّه ذَكَر رَجُلاً فيمن [كان ٧/ ١٨٥] سَلَفَ -أوْ فيمن كان قبْلكم- قال كلمةً (٣٥) (وفي روايةٍ: رغَسه الله ٤/ ١٥١) يعني
стр. 1987
أعطاه الله مالاً وولداً، فلما حَضَرت الوَفاةُ قال لِبَنيه: أيَّ أبٍ (٣٦) كُنْتُ لكم؟ قالوا: خَيْرَ أبٍ، قال: فإِنَّه لم يَبْتَئِرْ (٣٧)، أو لم يبْتئزْ -[فسرها قتادة: لم يدَّخر ٧/ ١٨٥]- عِنْدَ الله (وفي روايةٍ: لم أعمل) خَيْراً [قط]، وإنْ يَقْدِرِ اللهُ عَلَيْه (وفي روايةٍ: وإن يَقْدَم على الله) يُعَذِّبْهُ، فانْظُروا إذا مُتُّ فأحْرِقُوني، حتى إذا صِرْتُ فحْماً فاسْحَقُوني، أوْ قال: فاسْحكوني، (وفي روايةٍ: فاسهكوني)، فإذا كانَ يوْمُ ريحٍ عاصفٍ فأذْرُوني (٣٨) فيها، فقال نبيُّ الله ﷺ : "فأَخذَ مواثيقهُم على ذلك وربِّي، ففعَلُوا، ثُمَّ أذْرَوْهُ في يَوْمٍ عاصِفٍ، فقال الله : كُنْ، فإذا هو رجلٌ قائِمٌ، قال اللهُ: أيْ عَبْدي! ما حملك على أن فعلتَ ما فعلتَ؟ قال: مخافتُكَ، أوْ فرَقٌ مِنْك (وفي روايةٍ: مخافتُك -دون شك- ٤/ ١٥١) (٣٩)، قالَ: فما تلافاهُ أنْ رحِمَهُ [اللهُ] عِنْدَها. وقال مرَّةً أُخْرى: فَما تَلافاهُ (٤٠) غَيْرُها (وفي روايةٍ: فتلقاه برحمته) ".
٢٧٤٣ - فَحَدَّثْتُ بِهِ أبَا عُثْمانَ فقال: سَمِعْتُ هذا مِنْ سلْمانَ؛ غيْرَ أنَّه زاد فيه: [فاذروني] في البَحْرِ. أوْ كما حَدَّثَ.
٣٦ - باب كلامِ الرَّبِّ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ الأنْبِياءِ وَغَيْرِهِمْ
٢٧٤٤ - عن أنسٍ ﵁ قالَ: سمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ:
стр. 1988
"إذا كانَ يوْمُ القِيامَةِ شُفِّعْتُ، فقلتُ: يا ربِّ! أَدخِلِ الجنَّةَ من كان في قلبِهِ خرْدَلةٌ، فيدخُلُون، ثُمَّ أقولُ: أدْخِلِ الجنَّةَ مَنْ كان في قلبِهِ أدْنى شيءٍ"، فقال أنَسٌ: كأَنّي أنظرُ إلى أصابعِ رسولِ اللهِ ﷺ .
٢٧٤٥ - عن مَعْبدِ بنِ هلالٍ العنزي قال:
اجتمعنا ناسٌ من أهل البصرةِ، فذهبْنا إلى أنسِ بنِ مالكٍ، وذهبْنا معنا بثابتٍ إليه يسألُهُ لنا عن حديثِ الشفاعةِ؟ فإذا هُوَ في قصرِهِ، فوافقْنا يُصلّي الضُّحى، فاستأْذَنَّا، فأذِنَ لنا، وهو قاعدٌ على فراشه، فقُلْنا لثابتٍ: لا تسأَلْهُ عن شيءٍ أوّلَ مِنْ حديثِ الشفاعةِ، فقالَ: يا أبا حَمزةَ! هؤُلاءِ إخوانُكَ من أهلِ البصرةِ جاؤوك يسألونَكَ عن حديث الشفاعةِ؟ فقال: حدثَنا محمدٌ ﷺ قال:
"إذا كان يومُ القيامة ماجَ الناسُ بعضُهُم في بعضٍ، (وفي طريق: يجمعُ الله المؤمنين يومَ القيامةِ [حتى يُهِمّوا بذلك ٨/ ١٨٣] فيقولونَ: لو استَشْفَعْنا إلى ربِّنا حتى يريحَنا مِنْ مكانِنا هذا ٨/ ١٧٢)، فيأتُونَ آدَمَ فيقولون: [أما ترى الناسَ؟ [أنت آدمُ أبو البشرِ ٨/ ٢٠٣] (وفي روايةٍ: أبو الناسِ ٥/ ١٤٧)، خلقَكَ اللهُ بيدِهِ [وأسكَنَكَ جَنَّتَه] وأسجد لكَ ملائكتَهُ، وعلَّمك أسماءَ كلِّ شيءٍ]، [ف] اشْفعْ لنا إلى ربِّكَ [حتى يريحَنا من مكانِنا هذا]، فيقولُ: لستُ لها -[ويذكُرُ خطيئَتةُ التي أصابَ: أكلَهُ من الشجرةِ، وقد نُهِيَ عنها، [فيستحي]- ولكن ائتوا نوحاً، [فإنَّه] أولُ نبيٍ (وفي روايةٍ: رسولٍ) بعثَه اللهُ تعالى إلى أهلِ الأرضِ، فيأتون نوحاً، فيقولُ: لَستُ هناكُم -ويذكُرُ خطيئتَه التي أصابَ: سؤالَه ربَّه بغيرِ علمٍ-
стр. 1989
[فيستحي، فيقول:]، ولكن عليكم بإبراهيم، فإنّه خليلُ الرحمنِ، فيأتون إبراهيمَ، فيقول: لستُ لها، [ويَذْكُرُ [لهم] ثلاثَ كلماتٍ كَذَبَهُنَّ] ولكن عليكم بموسى؛ فإنه كليمُ الله، (وفي طريق: ائتوا موسى: عبداً آتاهُ الله التوراةَ وكلَّمَه [تكليماً]، وقرَّبَه نجياً، قال:) فيأتُونَ موسى، فيقولُ: لسْتُ لَها، [ويذكرُ لهم خطيئَته التي أصابَ]: [قتلَ النَّفْسِ بغيرِ نفسٍ، فيستحي من ربِّه، فيقولُ:] ولكنْ عليكُمْ بعيسى، فإنه [عبدُ الله ورسولُهُ، و] روحُ اللهِ وكلمتُهُ، [قال:] فيأتون عيسى، فيقولُ: لستُ لها، ولكنْ عليكم بمحمدٍ ﷺ ، (وفي طريق: ائتوا محمداً ﷺ : عبداً غفر الله له ما تَقَدَّمَ من ذنبِهِ وما تأخرَ) فيأتوني، [فأنْطَلِقُ]، فأستأذِنُ على ربِّي [في دارِه] فيؤْذَنْ لي [عليه] (٤١) ويلهِمُني محامدَ أحمده بها -لا تحضُرُني الآن-، فأحمَدُه بتلك المحامِدِ، (وفي طريق: فإذا رأيتُ ربِّي وقعتُ) له
стр. 1990
ساجداً، [فيدَعُني ما شاءَ اللهُ أنْ يَدَعَني]، فيقالُ (وفي طريق: فيقولُ): يا مُحمدُ! ارفعْ رأسَكَ، وقلْ يُسْمَعْ لكَ، وسَلْ تُعط، واشفعْ تُشَفَّعْ، [قال: فأرفعُ رأسي]، فأقولُ: يا ربِّ! أُمتي أُمتي، فيقولُ: انطلقْ فأَخْرِجْ مَنْ كانَ في قلبِهِ أدنى أدنى مِثْقالَ حبَّة مِنْ خردلٍ مِنْ إيمان فأَخْرِجْهُ من النارِ، فأنطلقُ فأفعلُ [فأُدْخلُهم الجنة، ثم أرجعُ فأقول: يا ربِّ ما بقيَ في النارِ إلا من حَبَسَهُ القرآنُ، ووجبَ عليه الخلودُ].
[قال أبو عبد الله: "إلا من حَبَسَه القرآنُ"، يعني قولَ الله تعالى: ﴿خالدين فيها﴾].
فَلَمَّا خَرَجْنا مِنْ عِنْدِ أنسٍ قُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحابِنا: لَوْ مَرَرْنا بالحسن، وهو متوارٍ (٤٢) في مَنْزِلِ أبي خَليفةَ بِما حَدَّثنا أنسُ بن مالكٍ، فأتَيناهُ فسلَّمْنا عليه، فأَذِن لنا، فَقُلنا له: يا أبا سعيدٍ! جِئْناك من عند أخيكَ أنسِ بنِ مالكٍ، فلم نرَ مثل ما حدَّثنا في الشَّفاعةِ، فقال: هيهِ (٤٣)، فحَدَّثْناهُ بالحديث، فانْتهى إلى هذا الموْضع، فقال: هيه، فقُلْنا: لَمْ يَزِدْ لنا على هذا، فقال: لقدْ حَدَّثني وهْوَ جميعٌ (٤٤) مُنْذ عِشرين سنة، فلا أدْري أنسيَ، أم كرِهَ أن تتَّكِلُوا، قُلْنا: يا أبا سعيدٍ! فَحَدَّثْنا، فَضَحِكَ وقال: خُلِقَ الإنسانُ عجولاً، ما ذَكَرْتُهُ إلا وأنا أُريدُ أنْ أُحَدَّثَكُمْ: حَدَّثَني كما حَدَّثكم به؛ قال:
"ثُمَّ أَعودُ الرَّابعةَ فأحمدهُ بتلك، ثم أخِرُّ له ساجِداً، فيُقالُ: يا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ
стр. 1991
رأْسَكَ، وقُلْ يُسْمعْ، وسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يا ربِّ! ائْذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله (٤٥)، فيقُولُ: وعِزَّتي، وجلالي، وكبْرِيائي، وعَظَمَتي، لأُخْرِجَنَّ مِنْها مَن قال: لا إله إلا الله".
٣٧ - باب قوْلِهِ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾
٢٧٤٦ - عنْ شريكِ بنِ عبْدِ الله أنَّه قال: سَمِعْتُ ابن مالكٍ يقول:
ليْلة أُسْريَ بِرَسُول الله ﷺ مِنْ مسْجِدِ الكعْبةِ، إنَّه جاءَهُ ثلاثةُ نفرٍ قبْلَ أنْ يوحى إليْه، وهْو نائِمٌ (٤٦) في المسْجدِ الحرامِ، فقال أوَّلُهُم: أَيُّهُمْ هُوَ؟ (٤٧) فقال أَوْسَطُهُمْ: هُوَ خَيْرُهم، فقال آخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ، فَكانَتْ تِلْكَ اللَّيْلة، فَلَمْ يَرَهُم حتى أَتَوهُ ليْلةً أخرى فيما يرى قلبه، و [النبيّ ﷺ ٤/ ١٦٨] تنامُ عينُهُ ولا ينامُ قَلْبُهُ، وكذلك الأنْبِياءُ تنامُ أَعْيُنُهم ولا تنام قُلُوبُهُم، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتى احْتَمَلُوهُ، فوَضَعُوهُ عِنْد بِئْرِ زمزم، فَتَوَلاه منهم جبريل، فشقَّ جبريل ما بين نَحْرِه إلى لَبَّتِهِ، حتَّى فرغَ مِنْ صدْرِهِ وجَوْفِهِ، فغسله مِن ماءِ زمزم بيده، حتَّى أنْقى جوْفَهُ، ثُمَّ أُتي بِطَسْتٍ مِن ذهبٍ، فيه تَوْرٌ من ذهبٍ، مَحْشُوًّا إيماناً وحِكْمةً، فحشا به صدْرَهُ ولَغاديده -يعْني عُروقَ حلْقِه-، ثُمَّ أطْبقه.
стр. 1992
ثم عرج به إلى السماءِ الدنيا، فضربَ باباً من أبوابها، فناداهُ أهلُ السماءِ: مَنْ هذا؟ فقالَ: جبريلُ، قالُوا: وَمَنْ معك؟ قال: معيَ مُحَمَّد، قال: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: نعم، قالوا: فمرحباً به وأهْلاً، فيَسْتبْشرُ به أهلُ السماءِ، لا يعلمُ أهْل السماءِ بما يُريد اللهُ به في الأرضِ حتّى يُعْلِمَهُم، فوجد في السماء الدُّنْيا آدمَ، فقال لهُ جِبْريلُ: هذا أبُوكَ، فسَلِّم عليه، فسلَّمَ عليه، وردَّ عليه آدمُ، فقال: مرْحباً وأهْلاً يا بُنيَّ، نِعْمَ الابْنُ أنْتَ، فإذا هُو في السَّماءِ الدُّنيا بنهرين يطَّردان، فقال: ما هذان النَّهران يا جِبْريل؟ قالَ: هذان النّيلُ والفُراتُ، عُنْصرهما، ثُمَّ مضَى به في السَّماءِ، فإذا هُوَ بِنَهَرٍ آخرَ، عليْهِ قصْرٌ من لؤْلؤٍ وزبرْجدٍ، فضرب يده فإذا هو مسْكٌ، قال: ما هذا يا جبْريلُ؟ قال: هذا الكوْثر الذي خبأ لك ربُّكَ.
ثم عَرَجَ إلى السَّماءِ الثانيةِ، فقالتِ الملائكةُ له مثلَ ما قالتْ له الأولى: مَنْ هذا؟ قال: جِبْريلُ، قالوا: ومن معك؟ قال: محمَّدٌ ﷺ ، قالوا: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرْحباً به وأهْلاً.
ثم عرَج به إلى السماءِ الثالثةِ، وقالُوا لهُ مثْلَ ما قالتِ الأولى والثَّانيةُ.
ثُمَّ عَرَجَ به إلى الرَّابعةِ، فقالوا له مِثْلَ ذلك.
ثُمَّ عرج به إلى الخامسةِ، فقالُوا لهُ مثْل ذلك.
ثُمَّ عرج به إلى السَّادسةِ، فقالُوا له مثل ذلك.
ثم عرج به إلى السماءِ السابعة، فقالُوا له مثلَ ذلكَ، كُلُّ سماءٍ فيها أنْبِياءُ قد سمّاهم، فأوْعيْتُ منهم إدْريسَ في الثَّانية، وهارُون في الرَّابِعة، وآخَرَ في الخامِسة لَمْ
стр. 1993
أحْفظِ اسْمَهُ، وإبْراهيمَ في السَّادِسَةِ، وَمُوسى في السَّابعة بتفْضيلِ كلامِ اللهِ، فقالَ موسى: ربِّ لمْ أَظُنَّ أنْ يُرْفَعَ عليَّ أحدٌ.
ثُمَّ عَلا به فوق ذلك بما لا يعْلَمُهُ إلا اللهُ، حتى جاءَ سِدرةَ المنتهى، ودنا الجبَّارُ ربُّ العِزَّةِ (٤٨) فتَدَلَّى، حتَّى كانَ مِنْهُ قابَ قوْسين أو أدْنى، فأَوْحى اللهُ فيما أوْحى خَمْسينَ صلاةً على أُمَّتِك كل يوْمٍ وليْلةٍ.
ثُمَّ هَبَطَ حتَّى بلغ موسى، فاحْتبسَه موسى، فقال: يا محمدُ! ماذا عَهِدَ إليكَ ربُّكَ؟ قال: عهِدَ إليَّ خَمْسين صلاةً كلَّ يوْمٍ وليْلةٍ، قال: إنَّ أُمَّتَكَ لا تسْتطيعُ ذلك، فارْجع فليُخَفِّفْ عَنْك ربُّك وعَنهم، فالْتفَتَ النبيُّ ﷺ إلى جِبْريلَ، كأنَّهُ يسْتَشيرُهُ في ذلك، فأشارَ إليه جبْريلُ أنْ: نعم إن شِئْتَ، فعلا به إلى الجبَّارِ، فقال: وهْو مكانَهُ (٤٩): يا ربِّ! خَفَّفْ عَنَّا؛ فإنَّ أُمَّتي لا تَسْتطيعُ هذا، فَوَضعَ عنه عشر صلواتٍ.
ثُمَّ رجع إلى موسى، فاحْتَبَسَهُ، فلَمْ يزل يُرَدِّدُهُ موسى إلى ربِّه، حتَّى صارتْ إلى خمْسِ صلواتٍ.
ثُمَّ احْتَبَسَهُ موسى عِنْد الخمْسِ، فقال: يا مُحمَّدُ! والله لقدْ راوَدْتُ بني إسْرائيل قومي على أَدنى من هذا فَضَعُفُوا، فتركوهُ، فأُمَّتُكَ أضْعفُ أجْساداً، وقُلُوباً، وأبْداناً، وأبْصاراً، وأَسْماعاً، فارْجعْ فلْيُخَفِّفْ عَنْكَ ربُّكَ، كُلَّ ذلك يلْتَفِتُ
стр. 1994
النبيُّ ﷺ إلى جِبْريلَ ليُشيرَ عليه، ولا يكرَهُ ذلك جِبْريلُ، فرفعه عِنْدَ الخامسة، فقال: يا ربِّ! إنَّ أُمَّتي ضُعَفاءُ، أجسادُهُمْ، وقلوبُهُم، وأسماعُهُم، وأبدانُهُم، فخفِّفْ عنَّا.
فقال الجبَّارُ: يا محمَّدُ! قال: لبَّيْك وسعديكَ، قال: إنَّه لا يُبدَّلُ القوْلُ لديَّ، كما فَرَضْتُ عليْكَ في أُمِّ الكِتاب، قال: فكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أمْثالها، فهي خمْسونَ في أمِّ الكتاب، وهي خمْسٌ عليْكَ.
فرجع إلى مُوسى، فقال: كيْفَ فعلتَ؟ فقال: خَفَّفَ عنَّا، أعْطانا بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أمْثالِها، قالَ مُوسى: قَدْ واللهِ راودتُ بني إسْرائيلَ على أدْنى مِنْ ذلك فتركُوهُ، ارْجع إلى ربِّك فليخفِّف عنك أيْضاً، قال رسولُ الله ﷺ : يا مُوسى! قد والله اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا اخْتَلَفْتُ إليْهِ، قال: فاهْبِطْ بِسْمِ الله".
قال: واسْتَيْقَظَ وَهْوَ في المسجدِ الحرامِ (٥٠).
٣٨ - باب كلام الرَّبِّ مع أهْلِ الجنَّةِ
٢٧٤٧ - عنْ أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ :
"إنَّ الله يَقُولُ لأهلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنَّة! فَيَقُولون: لبَّيْكَ ربَّنا وسعْدَيكَ، والخَيْرُ في يَدَيْكَ، فيَقُولُ: هَلْ رضيتُم؟ فيقُولُونَ: وَما لنا لا نَرْضى يا ربَّ! وَقَدْ أعطيتنا ما لمْ تُعْطِ أحداً مِنْ خَلْقِكَ، فيقُولُ: ألا أُعْطيكُم أَفْضلَ مِنْ ذلك؟ فَيَقُولونَ: يا ربِّ! وأَيُّ شَيءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذلك؟ فيَقُولُ: أَحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْواني، فلا أَسْخَطُ عليْكُم بَعْدَهُ أبداً".