← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 12139

إدراك الركعة والجماعة والجمعة

محمد بن إبراهيم الغامدي

Полный текст (131 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ووجه الاستدلال: أن الحديث عام في إدراك فضلها وحكمها (١) . القول الثاني: إن كانت الصلاة رباعية لم يدرك حكمها بركعة، وكذا الثلاثية لا يدرك حكمها بركعة وهذا قول الحنفية. وحجتهم في ذلك: أنه لو حلف لا يصلي الظهر مع الإمام ولم يدرك الثلاث لا يحنث؛ لأن شرط حنثه أن يصلي الظهر مع الإمام وقد انفرد عنه بثلاث ركعات، وإن أدرك معه ثلاث وفاته ركعة فعلى ظاهر الجواب لا يحنث؛ لأنه لا يحنث ببعض المحلوف عليه (٢) . ومدرك الثنتين من الثلاثي حكمه حكم مدرك الثلاث من الرباعي، أمَّا مدرك ركعة من الثنائي فالظاهر أنه لا خلاف فيه كما في مدرك الثنتين من الرباعي. وقال السرخسي (٣) : ((للأكثر حكم الكل وضعفه في البحر بما اتفقوا عليه في الأيمان من أنه لو حلف لا يأكل هذا الرغيف لا يحنث إلاَّ بأكله كله فإن الأكثر لا يقام مقام الكل)) (٤) . القول الثالث: أن حكم الجماعة لا يدرك إلاَّ بإدراك جميع الصلاة، وهو المفهوم من قول الحنابلة يقول صاحب المحرر مفسراً معنى إدراك فضل الجماعة

стр. 72

بركعة يقول: ((معناه أصل فضل الجماعة، لا حصولها فيما سبق به فإنه منفرد حساً وحكماً إجماعاً)) (١) . والراجح في نظري هو ما ذهب إليه فقهاء المالكية من أن حكم الجماعة كفضلها لا يدرك إلاَّ بركعة كاملة، وذلك لصحة ما استدلوا به من قول النبي ﷺ : " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة "، وهذا عام في الفضل والحكم، والله أعلم.

стр. 73

المبحث الثاني: من فاته جزء من الصلاة هل يدخل مع الإمام أو ينتظر جماعة أخرى؟ اختلف الفقهاء ﵏ فيمن سبق ببعض الصلاة هل الأفضل أن يدخل مع الإمام أو ينتظر جماعة أخرى يصلي معهم جميع الصلاة؟ ولهم في ذلك أربعة أقوال: القول الأول: يجب الدخول مع الجماعة الأولى ومتابعة الإمام حتى ولولم يدرك ما تدرك به الجماعة بأن أدركه في السجود الأخير أو التشهد، وهذا رأي المالكية (١) ، واستثنوا من كان معيداً لفضل الجماعة فلا يؤمر بالدخول. وقال الأجهوري (٢) : «من لم يدرك ركعة خير بين أن يبني على إحرامه فذاً أو يقطع ويدرك جماعة أخرى إن رجاها فإن لم يرجها فإنه يبني على إحرامه فذاً اتفاقاً» (٣) . القول الثاني: أن من أمكنه إدراك بعض جماعة ورجا إقامة جماعة أخرى فانتظار الثانية أفضل ليحصل له كمال فضيلة الجماعة تامة، وهذا قول الشافعية.

стр. 74

قال في نهاية المحتاج: ((والأوجه أن محله عند أمن فوت فضيلة أول الوقت، أو وقت الاختيار ولو في حالة التيقن وإلاَّ فعلها معهم)) . قال الشيخ الشبراملسي (١) : ((وظاهر قوله: ولو أمكنه إدراك بعض جماعة ... إلخ. ظاهره أنه لا فرق في ذلك بين إدراك إمام الأولى بعد ركوع الركعة الثانية وبين إدراكه قبله كأن أدركه في الركعة الثانية أو الثالثة ولا فرق بين كون الجماعة الأولى أكثر أولا)) . وقال: ((وعبارة شيخنا الزيادي: ويسن لجمع حضروا والإمام قد فرغ من الركوع الأخير أن يصبروا إلى أن يسلم الإمام ثم يحرموا ما لم يضق الوقت وإن خرج بالتأخير وقت الاختيار على الأوجه. وكذا لو سبق ببعض الصلاة ورجا جماعة يدرك معهم الكل: أي إن غلب على ظنه وجودهم وكانوا مساوين لهذه الجماعة في جميع ما مر فمتى كان في هذه شيء مِمَّا يقدم به الجمع القليل كانت أولى)) (٢) . وفي مغني المحتاج: ((فرع: دخل جماعة المسجد والإمام في التشهد الأخير، فعند القاضي حسين (٣) يستحب لهم الإقتداء به، ولا يؤخرون الصلاة جماعة ثانية، وجزم المتولي بخلافه وكلام القاضي في موضع آخر يوافقه وهو المعتمد بل الأفضل للشخص إذا سبق ببعض الصلاة في الجماعة ورجا جماعة أخرى يدرك

стр. 75

معها الصلاة جميعها في الوقت التأخير ليدركها بتمامها معها، وهذا إذا اقتصر على صلاة واحدة وإلاَّ فالأفضل له أن يصليها مع هؤلاء ثم يعيدها مع الآخرين)) (١) . القول الثالث: بناء المسألة على الخلاف فيما تدرك به الجماعة فعلى القول بأنها لا تدرك إلاَّ بركعة فإن كان المدرك أقل من ركعة وكان بعدها جماعة أخرى فصلى معهم في جماعة صلاة تامة، فهذا أفضل فإن هذا يكون مصلياً في جماعة بخلاف الأول، وإن كان المدرك ركعة أو كان أقل، وقلنا إنه يكون مدركاً للجماعة، فهذا قد تعارض إدراكه لهذه الجماعة وإدراكه للثانية من أولها فإن إدراك الجماعة من أولها أفضل كما جاء في إدراكها بحدها، فإن كانت الجماعتان سواء فالثانية من أولها أفضل وإن تميزت الأولى بكمال الفضيلة، أو كثرة الجمع، أو فضل الإمام، أو كونها الراتبة فهي في هذه الجهة أفضل وتلك من جهة إدراكها بحدها أفضل، وقد يترجح هذا تارة وهذا تارة، وأمَّا إن قدر أن الثانية أكمل أفعالاً وإماماً أو جماعة فهنا قد ترجحت من وجه آخر. وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢) . ونقل عنه في الفروع: إن تساوت الجماعتان فالثانية من أولها أفضل (٣) . القول الرابع: إن أدرك جماعةٌ الإمام في التشهد الأخير فدخولهم معه أفضل وإن صلوا جماعة وحدهم فلا حرج، وبهذا أفتى سماحة الشيخ عبد العزيز ابن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة (٤) .

стр. 76

واستدل بعموم قول النبي ﷺ : " إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " متفق عليه (١) . وهذا هو الراجح في نظري - والله أعلم - لأن لفظ الحديث عام في حق كل من أتى المسجد وقد فاته بعض الصلاة وهو أيضاً لم يفرق بين أن تكون الثانية أفضل أو الأولى، والله أعلم.

стр. 77

المبحث الثالث: حكم إقامة جماعة ثانية في المسجد لمن فاتته الأولى المطلب الأول: حكم إقامة جماعة ثانية في المسجد لمن لم يدرك الأولى في غير الحرمين ... المبحث الثالث: حكم إقامة جماعة ثانية في المسجد لمن فاتته الأولى وفيه مطلبان: المطلب الأول: حكم إقامة جماعة ثانية في المسجد لمن لم يدرك الأولى في غير الحرمين الشريفين وصورة ذلك: أن تصلي الجماعة الأولى، وبعدها تحضر جماعة أخرى فيصلون بعد الأولى، وكثيراً ما تقام في المساجد جماعة ثانية بعد الجماعة الأولى لمن سبق بجميع الصلاة، فإن كان مسجداً ليس له إمام راتب فلا كراهة في الجماعة الثانية والثالثة وأكثر بالإجماع، ومثله مسجد على طريق لا تكره فيه أيضاً إعادة الجماعة (١) ، أمَّا إن كان مسجداً له إمام راتب وجماعة معلومين فقد اختلف الفقهاء ﵏ في تكرار الجماعة فيه على قولين: القول الأول: يكره تحريماً تكرار الجماعة في مسجد له إمام وجماعة معلومون بأذان وإقامة وهذا رأي الحنفية. وعلى هذا فإن صلى في هذا المسجد بأذان وإقامة غير أهله أو صلى أهله ولكن بمخافتة الأذان، أو كرر أهله فيه الصلاة بدون أذان ولا إقامة جاز (٢) .

стр. 78

القول الثاني: يكره إعادة الجماعة في المساجد التي لها أئمة مرتبون. وهو قول مالك (١) ، والشافعي-رَحِمَهُما اللهُ- (٢) ، وهو الصحيح المشهور، وبه قطع جمهور الشافعية، وممن كره الجماعة الثانية عثمان البتي والأوزاعي والليث والثوري (٣) . الأدلة: ١- ن النبي ﷺ كان خرج ليصلح بين قوم فعادوا إلى المسجد وقد

стр. 79

صلى أهل المسجد فرجع إلى منْزله فجمع أهله وصلى» (١) . ووجه الاستدلال: أنه لو جاز إعادة الجماعة لما اختار الصلاة في بيته على الجماعة في المسجد (٢) . ويُمكن مناقشته بما يلي: أولاً: بأن الذي في الأحاديث الصحيحة أنه أدركهم في الصلاة، وصلى بهم إماماً (٣) . ثانياً: أن الحديث ولا تعلم صحته من عدمها، وقول الهيثمي: رجاله ثقات لا يكفي للحكم بصحته لاحتمال أن يكون في رواته مدلس وقد عنعنه، أو يكون منهم مختلط، ورواه صاحبه بعد اختلاطه، أو يكون فيه علة أو شذوذ. ثالثاً: أن الحديث ليس نصاً في أنه ﵊ صلى في منزله بل يحتمل أنه صلى بهم في المسجد، وكان ميله إلى منزله ليجمع أهله لا ليصلي فيه، وحينئذٍ يكون الحديث دليلاً لاستحباب الجماعة في المسجد ولو قد صلى فيه سابقاً، ولا يكون دليلاً على الكراهة. رابعاً: لو دلّ الحديث على كراهة تكرار الجماعة لثبت كذلك كراهة الصلاة فيه فرادى لأنه ﷺ لم يصل فيه جماعة ولا منفرداً، وهذا لم يقل به أحد. خامساً: على فرض صحة الحديث وعدم تطرق الاحتمال إليه فإنه لا يدل على الكراهة بل غاية ما يثبت منه جواز الصلاة في البيت (٤) .

стр. 80

٢ - ما روى أبو هلال (١) عن الحسن البصري (٢) قال كان أصحاب النبي ﷺ إذا دخلوا المسجد قد صلى فيه صلوا أفراداً (٣) . ويُمكن أن يناقش: بأنه مرسل ولا حجة في مرسل. ٣ - أن هذا لم يكن يفعله السلف كما ذكر ذلك الشافعي في الأم (٤) . ٤ - أن ذلك يؤدي إلى تشتيت الكلمة، ووقوع العداوة (٥) . ٥ - أن في الإطلاق تقليل الجماعة معنى فإنهم إذا علموا أنها لا تفوتهم لا يجتمعون (٦) . أمَّا المساجد المستطرقة التي لا يختص بها أحد دون أحد فلا يوجد فيها المعنى الذي من أجله منع من تكرار الجماعة وهو ما يؤدي إليه من الفرقة والتشتت وأن يجد أهل البدع فرصتهم فيتخلفوا عن المسجد في وقت الصلاة

стр. 81

فإذا قضيت دخلوا فجمعوا، فيكون في هذا اختلاف وتفرق كلمة (١) . وبناء على هذا فقد اختلف أصحاب هذا القول فيما يفعل من دخل المسجد ووجد الصلاة قد قضيت: فظاهر الرواية عند الحنفية أنهم يصلون فرادى (٢) ، وهو رأي الشافعي ﵀ فإن صلوا جماعة أجزأتهم عنده، وهو رأي الإمام مالك (٣) . إلاَّ أن مالكاً ﵀ قال: إن طمع أن يدرك جماعة من الناس في مسجد آخر غيره فلا بأس أن يخرج إلى تلك الجماعة. وإن كانوا جماعة فلا بأس أن يخرجوا من المسجد فيجمعوا وهم جماعة إلاَّ أن يكون في المسجد الحرام أو المسجد النبوي الشريف (٤) . وكما هو ظاهر من كلام مالك لا فرق في كراهة تكرار الجماعة بين أن يكون الداخل واحداً أو جماعة. أمَّا عند الشافعية فإن كان الداخل واحداً استحب لبعض الحاضرين الذين صلوا أن يصلوا معه لتحصل له الجماعة ويستحب أن يشفع له من له عذر في عدم الصلاة معه إلى غيره ليصلي معه (٥) . وذلك للحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري أن رجلاً جاء وقد صلى رسول الله ﷺ فقال: "من يتصدق على هذا فقام رجل فصلى معه " (٦) .

стр. 82

القول الثاني: لاتكره إعادة أو تكرار الجماعة، وهو قول ابن مسعود، وعطاء، والحسن، والنخعي، وقتادة، وإسحاق، وأحمد رحم الله الجميع (١) . واستدلوا بما يأتي: ١ - قول النبي ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة "، وفي رواية: " بسبع وعشرين درجة " (٢) ، وهذا عام. ٢ - ما روى أبو سعيد ﵁ قال: جاء رجل، وقد صلى رسول الله ﷺ قال: " أيكم يتجر على هذا؟ "، فقام رجل فصلى معه. قال الترمذي: حديث حسن، ورواه الأثرم وأبو داود فقال: " ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه "،

стр. 83

وروى الأثرم بإسناده عن أبي أمامة عن النبي ﷺ مثله وزاد: قال: فلما صليا، قال: " وهذان جماعة " (١) . ٣- أنه قادر على الجماعة فاستحب له فعلها كما لو كان المسجد في ممر الناس (٢) . الترجيح: نلاحظ من خلال ما مرّ أن أدلة القول الأول بعضها سلم من المناقشة وبعضها لم يسلم بينما سلمت أدلة القول الثاني من المناقشة، ولذلك فإني أرى أن الراجح - والله أعلم - أنه إن اعتاد قوم التخلف عن الصلاة مع الإمام ليصلوا جماعة بعده، فهؤلاء يكره لهم ذلك ويُنكر عليهم؛ لأن هؤلاء يعلم من حالهم أنهم إنَّما تخلفوا ليفرقوا بين المسلمين فيمنعون من ذلك. وتحمل أدلة القول الأول عليه، أمَّا من لم تجر له عادة بذلك فلا كراهة - إن شاء الله - لأن عملهم هذا ليس فيه مكايدة ولا تفريقاً بين المسلمين، وبهذا نعمل أدلة الفريقين، والله تعالى أعلم.

стр. 84

المطلب الثاني: تكرار الجماعة في الحرمين الشريفين لتكرار الجماعة في الحرمين الشريفين صورتان: الصورة الأولى: أن يكون لكل جماعة إمام راتب مثل أن يكون لكل أهل مذهب من المذاهب الأربعة إمام راتب يصلي بأهل مذهبه، ويذكر بأن هذا كان موجوداً في الحرمين الشريفين وقد ظهر ذلك في حوالي المائة السابعة (١) ، وقيل: في المائة السادسة (٢) ، ولم يكن قبل ذلك حتى إذا كان زمن موحد الجزيرة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود جمع المصلين على إمام واحد وهو عمل جليل يذكر فيشكر (٣) . فهذه الصورة اختلف العلماء ﵏ فيها هل هي من باب إعادة الجماعة بعد الإمام الراتب، ويكون الإمام الراتب من يصلي في مقام إبراهيم وهو الأول، ومن بعده حكمه حكم إعادة الجماعة بعد الإمام الراتب أو أشد من ذلك في الكراهة بل رُبَّمَا انتهى إلى المنع، أو أنّ صلاتهم جائزة لا كراهة فيها ومقاماتهم كمساجد متعددة؟ ولهم في ذلك قولان:

стр. 85

القول الأول: يكره تعدد الأئمة الراتبين بمسجدي مكة والمدينة، وهذا هو قول عند الحنفية (١) وقول عند المالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) . وحكى البعض الإجماع عليه (٥) . واستدلوا بما يلي: ١ - أن الأمة مجمعة قبل خلاف المخالف على أن هذه الصلاة لاتجوز، وأن أقل أحوالها الكراهة فالقول بعدم الكراهة خرق للإجماع. ذلك أن محل الخلاف إنَّما هو في مسجد ليس له إمام راتب أوله إمام راتب، وأقيمت الصلاة في جماعة ثم جاء آخرون فأرادوا إقامة تلك الصلاة جماعة. أمَّا حضور جماعتين أو أكثر في مسجد واحد ثم تقام الصلاة فيتقدم الإمام الراتب فيصلي وأولئك عكوف من غير ضرورة تدعوهم إلى ذلك، تاركون لإقامة الصلاة مع الإمام الراتب متشاغلون بالنوافل والحديث حتى تنقضي صلاة الأول أو تحضر الصلاة الواحدة كالمغرب فيقيم كل إمام الصلاة جهراً يسمعها الكافة ووجوهم مترائية والمقتدون بهم مختلطون في الصفوف ويسمع كل واحد من الأئمة قراءة الآخرين ويركعون ويسجدون، فبعضهم في الركوع وبعضهم في السجود وآخرين في الرفع، فهذا لا يجوز والأمة مجمعة على عدم

стр. 86

جوازه (١) . ٢ - ما يترتب على التعدد من فوات فضيلة أول الوقت لمن يتأخر أو فوات كثرة الجميع (٢) . القول الثاني: لا يكره التعدد على الوجه المذكور بل هو جائز، وبه أفتى بعض المالكية (٣) وبعض الحنفية، ومال إليه ابن عابدين (٤) وخرجه على قول أبي يوسف أن الجماعة الثانية إذا لم تكن على الهيئة الأولى لا تكره (٥) . تدلوا بما يلي: ١ - أن مسجدي مكة والمدينة ليس لها جماعة معلومون فلا يصدق عليه أنه مسجد محلة بل هو كمسجد الشارع لا يكره فيه تكرار الجماعة إجماعاً (٦) . ويُمكن أن يناقش: بأن تعدد الجماعة هنا في صورة النزاع تختلف عن صورة تكرارها في مسجد الشارع، ففي مسجد الشارع تصلى جماعة بعد أخرى وليس لكل جماعة إمام راتب بل الإمام الراتب للجماعة الأولى، أمَّا أن يصلي جماعات وكل جماعة بإمام راتب وتصلي جماعة والأخرى حاضرة تشاهد، فهذا

стр. 87

قياس مع الفارق. ٢ - أن الجماعة الثانية ليست كهيئة الأولى وبالعدول عن المحراب تختلف الهيئة، وإذا اختلف زالت الكراهة (١) . ويُمكن أن يناقش: بعدم التسليم أن الثانية ليست كهيئة الأولى بل هي مثلها وإن تغير المحراب. والراجح في نظري هو القول الأول، وذلك لعدم صحة ما وجه به أصحاب القول الآخر لقولهم، بالإضافة إلى أن هذا لم يكن معروفاً في القرون المفضلة، وإنَّما هو بدعة نشأ بسبب اختلاف المذاهب، فالشافعي لا يرى جواز الصلاة خلف الحنفي أو المالكي التارك للبسملة ونحو ذلك (٢) ، وهذا مِمَّا أبطله المحققون من أهل العلم (٣) . الصورة الثانية: أن تفوت أشخاصاً الجماعة مع الإمام فيصلون جماعة بعد الأولى وعلى غير الهيئة السابقة فهذه الصورة اختلف في حكمها على قولين: القول الأول: الكراهة، وهذا هو الظاهر من قول الحنفية (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) حيث يطلقون القول بكراهة تكرار الجماعة على هذه الصورة دون

стр. 88

تفريق بين مسجدي مكة والمدينة وغيرهما، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهي المذهب (١) . ووجهه: أن المتخلف إذا علم أنه يصلي في جماعة أخرى من غير كراهة حمله ذلك على التواني في حضور الجماعة مع الإمام الراتب (٢) . القول الثاني: عدم الكراهة، وهو قول عند الحنفية ورجحه ابن عابدين وخرجه على قول أبي يوسف من أن الجماعة الثانية إذا لم تكن على الهيئة الأولى فلا تكره (٣) ، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٤) . واستدلوا بما يلي: ١- ما روى أبو سعيد ﵁ قال: جاء رجل، وقد صلى رسول الله ﷺ فقال: " أيكم يتجر على هذا؟ " فقام رجل فصلى معه. قال الترمذي: ((حديث حسن)) . وفي رواية فقال: " ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه ". وروى الأثرم بإسناده عن أبي أمامة عن النبي ﷺ مثله وزاد: قال: فلما صليا قال: " وهذان جماعة " (٥) .

стр. 89

ووجه الاستدلال: أن هذا إعادةٌ للجماعة والظاهر أنه كان في مسجد النبي ﷺ فدلّ على عدم الكراهة. ويُمكن أن يناقش: بأن هذا المتأخر يحتمل أن له عذراً في التأخر عن الجماعة الأولى فلم يكره في حقه. ٢ - أن مسجدي مكة والمدينة ليس لهما جماعة معلومون فلا يصدق عليه أنه مسجد محله بل هو كمسجد الشارع، ومسجد الشارع لا كراهة في تكرار الجماعة فيه إجماعاً (١) . ويُمكن مناقشته: بأنا لو سلمنا أنه كمسجد الشارع ليس له جماعة معلومون فإنَّما يعذر في التأخير من كان له عذر وقت إقامة الجماعة الأولى، أمَّا من ليس له عذر فهو مفرط في المبادرة وإدراك الجماعة الأولى، ولذا فيترجح لي القول بالكراهة، والله أعلم.

стр. 90

الفصل الثالث: إدراك الجمعة المبحث الأول: إدراك ركعة من الجمعة مع الإمام المطلب الأول: حكم من أدرك مع الإمام ركعة ... الفصل الثالث: إدراك الجمعة وفيه مبحثان: المبحث الأول: إدراك ركعة من الجمعة مع الإمام. المبحث الثاني: إدراك أقل من ركعة من صلاة الجمعة. المبحث الأول: إدراك ركعة من الجمعة مع الإمام وفيه مطلبان: المطلب الأول: حكم من أدرك مع الإمام ركعة الخطبة شرط في الجمعة لا تصح بدونها في قول أكثر أهل العلم (١) ، قال في المغني: ((ولا نعلم فيه مخالفاً إلاَّ الحسن)) (٢) ، ولم يختلف أهل العلم أن مَنْ أدرك بعض الخطبة وصلى مع الإمام أنه مدرك للجمعة (٣) . واختلفوا فيمن أدرك ركعة من الجمعة وفاته جميع الخطبة هل يكون مدركاً لها أو لا على قولين: القول الأول: أن من أدرك ركعة مع الإمام من الجمعة فقد أدرك الجمعة وإن لم يدرك الخطبة، وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء، وممن قال بذلك ابن مسعود، وابن عمر، وأنس، وسعيد ابن المسيب، والحسن البصري، وعلقمة، والأسود، وعروة بن الزبير، والزهري، والنخعي، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور، والأوزاعي، وابن المنذر (٤) ، وهو قول أبي حنيفة

стр. 91

وصاحبيه (١) ومالك (٢) والشافعي (٣) وأحمد (٤) . واستدلوا بما يأتي: الدليل الأول: عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أو غيرها فقد أدرك الصلاة" (٥) . الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك " (٦) .

стр. 92

الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (١) . وهو عام في جميع الصلوات. الدليل الرابع: أنه قول من سميناهم من الصحابة - رِضْوَانُ الله عَلَيْهِمْ - ولا مخالف لهم في عصرهم (٢) . الدليل الخامس: القياس على سائر الصلوات بجامع أن كلاً صلاة (٣) . القول الثاني: أن من فاته جميع الخطبة فقد فاتته الجمعة وفرضه أن يصلي الظهر أربعاً. وهو قول عطاء، ومكحول، ومجاهد، وطاووس، قال النووي: وحكى أصحابنا مثله عن عمر بن الخطاب ﵁ (٤) . ووجهه: أن الخطبة شرط للجمعة، فلاتكون جمعة في حق من لم يوجد في حقه شرطها (٥) . ويُمكن أن يناقش: بأن العمومات قد دلت على أن الصلاة تدرك بركعة والجمعة صلاة فتدرك بركعة كسائر الصلوات، والقول بأن الخطبة شرط للجمعة مسلّم لكنها شرط في حق الجميع وليس في حق كل فرد، فلو صلوا جميعاً جمعة بدون خطبة لم تصح، والله أعلم. والراجح في نظري هو قول الجمهور أن الجمعة تدرك بركعة لحديث أبي هريرة السابق وهو حديث صحيح، وهو عام في جميع الصلوات.

стр. 93

المطلب الثاني: شروط الركعة التي تدرك بها الجمعة لقد اشترط الفقهاء ﵏ الذين يقولون بأن الجمعة لا تدرك إلاَّ بركعة شرطين في هذه الركعة: أحدهما: أن يدرك ركوعها؛ لأن الركعة لا تدرك إلاَّ بإدراك الركوع، ثم هناك شروط للركوع الذي يدرك به الركعة، وقد مر الكلام عليها في أول البحث عند الكلام على إدراك الركعة (١) . الشرط الثاني: أن يدرك السجدتين أيضاً مع الإمام وقد جاء هذا الشرط مصرحاً به عند المالكية (٢) والشافعية (٣) ، وهو ظاهر كلام الخرقي من الحنابلة، وهو رواية عن الإمام أحمد (٤) . ووجهه: أن من لم يدرك السجدتين أيضاً فهو لم يدرك ركعة كاملة فلا يكون مدركاً للجمعة (٥) . والرواية الثانية عن أحمد ﵀ أنه لا يشترط أن يدرك السجدتين (٦) . ووجهه: أنه قد أحرم بالصلاة مع الإمام في أول ركعة أشبه ما لو ركع

стр. 94

وسجد معه (١) . ويُمكن أن يناقش: بأن النبي ﷺ علق إدراك الجمعة على إدراك ركعة كاملة مع الإمام ومن أدرك الركوع وفاته السجود لم يكن مدركاً للركعة كاملة مع الإمام فتفوته الجمعة. ولذا فيترجح لي - والله أعلم - القول الأول؛ ولأن الأخذ به أحوط؛ لأنه إذا لم يكن مدركاً للجمعة وصلى الظهر أربعاً فقد أدّى الفرض بيقين. وبناءً على هذا الشرط فإن من أدرك الركوع مع الإمام وفاته السجود لم يخل إمَّا أن يكون فاته حقيقة لعذر من زحام أو غفلة أو نوم غير ناقض للوضوء ونحو ذلك، أو يكون قد شك في إدراك إحدى السجدتين أو تذكر أنها فاتته. فأمَّا إن علم في الركعة الثانية أنه ترك إحدى السجدتين من الركعة التي أدركها مع الإمام أو شكّ في تركها فقد اختلفوا في ذلك على قولين: القول الأول: أن جمعته لا تصح، وهو المعتمد عند المالكية (٢) ، وهو قول الشافعية (٣) ، وهو قياس الرواية الثانية عن الإمام أحمد في المزحوم إذا لم يسجد إلاَّ بعد سلام الإمام أن الركعة تفوته (٤) . وعلى هذا فيتمها ظهراً لكن يرى المالكية أنه إن تذكر السجدة قبل أن يركع في التي بعدها، أو بعد أن ركع ولم يرفع رأسه منها فعليه أن يرجع ويسجد السجدة التي بقيت عليه.

стр. 95

أمَّا إذا لم يذكر إلاَّ بعد رفعه من الركوع فعليه أن يمضي في صلاته وتكون تلك الركعة هي أول صلاته ويلغي الركعة الأولى، ويسجد للسهو بعد السلام (١) . ويوافق الشافعيةُ المالكيةَ في أنه إن ذكرها وهو قائم أو راكع في الثانية عاد وأتى بالسجدة (٢) . وذلك: لقوله- ﵊: "لا صلاة لمن عليه الصلاة" (٣) . ووجه الاستدلال منه: أن من عليه شيء من الركعة الأولى لا تصح له الركعة الثانية؛ لأن عليه صلاة قبلها وهي الركعة الأولى. ولأن عليه ترتيب الأفعال فتأتي الركعة الثانية بعد تمام الأولى (٤) . ويختلف الشافعية والمالكية فيمن ذكر سجدة من الأولى وهو في التشهد، فعند المالكية يلغو ما فعله في الأولى ويكون عمله فيها كلا عمل، وتكون الثانية هي الأولى (٥) . وعند الشافعية يكون عمله في الثانية ملغى كلا عمل إلاَّ سجدة يجبر بها الركعة الأولى ثم يقوم ويتم صلاته ويسجد للسهو قبل السلام (٦) .

стр. 96

ووجهه: أن قيامه إلى الثانية قبل كمال الأولى يبطل ما فعله في الثانية من قيام وركوع ولا يحتسب له بشيء منه حتى يأتي بما عليه من سجود الركعة الأولى فوجب إذا سجد في الثانية أن يكون سجوده فيها مصروفاً إلى الركعة الأولى لبطلان ما سواه من القيام والركوع (١) . القول الثاني: إن علم بفوات سجدة من الركعة الأولى أو شكّ هل سجد سجدة واحدة أو اثنتين فإن كان ذلك قبل أن يشرع في قراءة الثانية رجع فسجد للأولى فأتمها وقضى الثانية وتمت جمعته، وإن كان قد شرع في قراءة الثانية بطلت الأولى وصارت الثانية أولاهُ ويتمها جمعة أيضاً، وهذا قول الحنابلة ونص أحمد ﵀ في رواية الأثرم أنه إن تذكر في الثانية ترك سجدة من الأولى ولم يكن شرع في القراءة أنه يرجع ويسجد للأولى فيتمها ويقضي الثانية وتتم جمعته (٢) . ووجهه: ١ - القياس على المزحوم في الجمعة إذا زال الزحام والإمام راكع في الثانية فإنه يتبعه ويسجد معه، ويكون السجود من الثانية دون الأولى (٣) . ويُمكن أن يناقش: بأنه قياس على مختلف فيه، ولا يصح القياس على مختلف فيه (٤) . ٢ - أنه إذا لم يذكر السجدة إلاَّ بعد الشروع في قراءة الركعة الثانية فقد ترك ركناً وتعذر استدراكه لتلبسه بالركعة التي بعدها فتلغوا الركعة التي ترك منها الركن وتصير التي شرع فيها عوضاً عنها، بخلاف ما لو ذكره قبل

стр. 97

الشروع في القراءة فيلزمه العود؛ لأن القيام غير مقصود في نفسه إذ لايلزم منه إلاَّ قدر القراءة الواجبة وهي المقصودة (١) . والراجح في نظري - والله أعلم - أن من علم بترك السجود وهو في الركعة الثانية لا يكون مدركاً للركعة كاملة مع الإمام لما مرّ من أنه يشترط أن يدرك السجدتين أيضاً مع الإمام؛ لأن النبي ﷺ علق إدراك الصلاة على إدراك ركعة مع الإمام، والظاهر أنها ركعة كاملة ولا تكون كاملة إلاَّ إذا أدرك معه السجدتين، والله أعلم. واختلفوا في كيفية عوده على ثلاثة أقوال: الأول: أن عليه أن يعود فيجلس ثم يسجد سواء جلس قبل قيامه أم لا، وهو قول مالك في سماع أشهب، وهو القول المعتمد عند المالكية (٢) ، وأحد الأوجه الثلاثة عند الشافعية (٣) . ووجهه: القياس على السعي فلا يجوز إلاَّ عقيب طواف، فلو طاف وصبر زماناً ثم أراد السعي لم يجز حتى يستأنف الطواف، ثم يعقبه السعي فكذا السجدة الثانية لا تصح إلاَّ عقيب جلوس (٤) . ويُمكن أن يناقش: بأن الطواف عبادة مستقلة يشرع تكرارها بخلاف الجلوس بين السجدتين. الثاني: ليس عليه أن يجلس بل ينحط من فوره ساجداً مطلقاً سواء جلس قبل قيامه أم لا وهو قول عند المالكية ورواه أشهب عن مالك (٥) ، وهو الوجه

стр. 98

الثاني عند الشافعية (١) . ووجهه: أن الجلسة غير مقصودة في نفسها، وإنَّما أزيدت للفصل بين السجدتين والقيام فاصل بينهما ونائب عن الجلسة (٢) . ويُمكن أن يناقش: بعدم التسليم بأنها غير مقصودة في نفسها بل هي مقصودة بدليل أنه لو قام بعد السجدة الأولى عامداً ثم سجد الثانية يكون تاركاً لركن من أركان الصلاة (٣) . الثالث: أنه إن كان قد جلس قبل قيامه انحط ساجداً من فوره من غير جلوس وإن لم يكن قد جلس عاد فجلس ثم سجد، وهو قول عند المالكية (٤) ، وهو ظاهر مذهب الشافعي وصححه في الحاوي (٥) ، وهو قول الحنابلة (٦) . ووجهه: أن هذه الجلسة ركن في الصلاة مقصود لقوله ﷺ : " ثم اجلس حتى تطمئن جالساً " (٧) . فإذا كان قد فعله لم يلزمه إعادته كسائر أركان الصلاة (٨) . وهذا هو الراجح إن شاء الله، وذلك لعدم سلامة ما استدل به للقولين

стр. 99

السابقين؛ ولأنّ الجلسة بين السجدتين ركن فمن أتى به لم يأت به مرة أخرى ومن لم يأت به كان عليه أن يأت به، والله أعلم. الصورة الثانية: أن يعلم أنه ترك سجدة لكنه لم يعلم من أي الركعتين: إذا علم المصلي أنه ترك سجدة ولم يعلم من أي الركعتين فقد اختلف الفقهاء القائلون بأن الجمعة لا تدرك إلاَّ بركعة على قولين: القول الأول: أنه يجعلها من الأخيرة فيسجد في الحال ثم يقوم ويأتي بركعة. وهذا قول ابن القاسم (١) ، وقياس قوله في المزحوم أن الجمعة تفوته (٢) . ووجهه: أنه إذا سجد أيقن أنه قد أتم الركعة الأخيرة (٣) . ووجه إتيانه بركعة هو: جواز أن يكون النقص من التي قبلها ومن شك في ترك السجدة فحكمه كحكم الموقن بتركها في وجوب إتيانه بها (٤) . القول الثاني: أنه يجعلها من الأولى ويأتي بركعة مكانها، وهو قول الشافعية (٥) والحنابلة (٦) ، وهو قول أشهب من المالكية (٧) . ووجهه: أن الشاك يبني على اليقين، واليقين هنا أن يجعل النقص من الأولى (٨) . ثم اختلفوا هل يتمها ظهراً أو جمعة؟ .

стр. 100

فذهب الشافعية (١) والحنابلة (٢) في أحد الوجهين أنه يتمها ظهراً؛ لأنه لم يدرك السجدتين بيقين ومن شرط إدراك الجمعة إدراك الركعة بسجدتيها (٣) . والوجه الثاني عند الحنابلة أن يصليها جمعة قياساً على من شكّ هل سجد مع الإمام سجدة أو سجدتين وذكر ذلك في الركعة الثانية بعد شروعه في القراءة (٤) ، وهو قياس قول أشهب في المزحوم (٥) . ويُمكن أن يناقش هذا القياس بأنه قياس على مختلف فيه وقد مرّ في الصورة الأولى ذكر الخلاف، وأنّ من الفقهاء من قال يرجع ويسجد ويكون حينئذٍ مدركاً للركعة وإن لم يرجع فليس بمدرك لها وقد فاتته الجمعة. الترجيح: يلاحظ بعد هذا العرض لأقوال الفقهاء في هذه المسألة أن الفقهاء متفقون على أن الركعة التي نسي سجدتها قد فاتت لكونه ترك منها ركناً لا يُمكن تداركه، واتفقوا على الأخذ باليقين، واليقين أن تكون الركعة المتروك منها سجدة هي الأولى. واختلفوا: هل تصح جمعته أو لا بناءً على اختلافهم في أصل الشرط، فذهب ابن القاسم والشافعية وأحد الوجهين عند الحنابلة إلى أنها لا تصح جمعته. والوجه الثاني أنها تصح، وهو قول أشهب ولم يسلم للحنابلة ما احتجوا به. ولذا فالراجح في نظري - والله أعلم - هو القول الأول: أن جمعته لا

стр. 101

تصح؛ لأنه لم يدرك السجدتين مع الإمام، والله أعلم. أمَّا إن فاته السجود بسبب زحام ونحوه: فإن زال الزحام قبل أن يسلم الإمام سجد وتبعه وتصح الركعة، ويكون مدركاً للجمعة (١) ، وإن لم يزل الزحام حتى سلم الإمام فيسجد بعد سلام الإمام، وهذا رأي المالكية والحنابلة. لكن هل يكون مدركاً للجمعة إذا سجد بعد سلام الإمام؟ فيه خلاف على قولين: الأول: أنه يكون مدركاً للركعة فهو كمن سجد مع الإمام، وهو قول أشهب، ورواية عن أحمد. والثاني: لا يكون مدركاً للركعة، ولاتصح جمعته، وهو قول ابن القاسم، ورواية ثانية عن أحمد (٢) ، وقول الشافعية (٣) . والثاني أولى في نظري؛ لأنه لم يدرك ركعة كاملة مع الإمام فالأحوط أن يصليها ظهراً؛ لأن صلاته ظهراً يكون بذلك أدّى الفرض، ولو صلاها جمعة لاحتمل أن لا تصح جمعة، كما لا تصح ظهراً فخروجاً من عهدة الواجب بيقين يصليها ظهراً، والله أعلم.

стр. 102

المبحث الثاني: إدراك أقل من ركعة من صلاة الجمعة المطلب الأول: حكم من أدرك من الجمعة أقل من الركعة ... المبحث الثاني: إدراك أقل من ركعة من صلاة الجمعة وفيه مطلبان: المطلب الأول: حكم من أدرك من الجمعة أقل من الركعة. اختلف أهل العلم فيمن أدرك أقل من ركعة من الجمعة هل يكون مدركاً لها أو لا على قولين: القول الأول: أن من أدرك أقل من ركعة من الجمعة فقد أدركها، وهذا قول الحنفية، وحكي رواية عن أحمد (١) ، ثم اختلف فقهاء الحنفية في القدر الذي يكون به مدركاً للركعة، فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد في رواية عنه وزفر إلى أن من أدرك الإمام في سجود الركعة الثانية أو في التشهد كان مدركاً للجمعة. وذلك لوجود المشاركة في بعض أركان الصلاة. فإن أدركه بعد ما قعد قدر التشهد أو بعد ما سلم وعليه سجدتا سهو وعاد إليهما فإنه يكون مدركاً للجمعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وحجتهما في ذلك: أن المشاركة في التحريمة وجدت. وخالفهما محمد زفر فقال: لا يكون مدركاً للجمعة لعدم المشاركة في شيء من أركان الصلاة. وحيث قالوا لايكون مدركاً فيصلي أربع ركعات إلاَّ أنها عند محمد ليست ظهراً محضاً حتى إنه قال يقرأ في الأربع كلها. وعن محمد في افتراض القعدة الأولى روايتان:

стр. 103

إحداهما: أنها فرض وهي رواية الطحاوي (١) عنه، وعليهما فيجلس بعد ركعتين لا محالة اعتباراً للجمعة. والثانية: أنها ليست بفرض وهي رواية المعلى (٢) عنه. فكأن محمداً ﵀ سلك طريقة الاحتياط لتعارض الأدلة، فأوجب ما يخرجه من الفرض بيقين جمعة كان الفرض أو ظهراً (٣) . ونوقش: بأن هذا الاحتياط لا معنى له فإنه إن كان ظهراً فلا يُمكنه أن يبنيها على تحريمة عقدها للجمعة، وإن كانت جمعة فلا تكون الجمعة أربع ركعات (٤) . واحتج أبو حنيفة وأبو يوسف بما يلي: أولاً: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا " (٥) . ووجه الاستدلال: أنه أمر المسبوق بقضاء ما فاته ومن أدرك الإمام في

стр. 104

السجود أو في التشهد من صلاة الجمعة فإنَّما فاته صلاة الإمام وهي ركعتان (١) . ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من أدرك الإمام في التشهد يوم الجمعة فقد أدرك الجمعة " (٢) . ثالثاً: أن سبب اللزوم هو التحريمة وقد شارك الإمام فيها وبنى تحريمته على تحريمة الإمام فيلزمه ما لزم الإمام كسائر الصلوات (٣) . رابعاً: أن المسافر إذا اقتدى بالمقيم يتعين عليه الإتمام من غير فرق بين أن يدرك معه ركعة أو أقل (٤) . المناقشة: نوقش الدليل الأول حديث " وما فاتكم فاقضوا " بأنه قد روي: "وما فاتكم فأتموا" فإذا كان القضاء حجة علينا فالإتمام حجة عليكم فيسقطان جميعاً، أو يستعملان معاً، فيكون معنى قوله ﷺ " فاقضوا" إذا أدركوا ركعة، "وأتموا" إذا أدركوا دون الركعة (٥) . ونوقش الدليل الرابع: بأن المسافر خلف المقيم ينتقل من إسقاط إلى إيجاب، ومن نقصان إلى كمال، فكان القليل والكثير في الإدراك سواء كإدراك آخر الوقت، وفي الجمعة ينتقل من إيجاب إلى إسقاط، ومن كمال إلى نقصان فلم ينتقل إلاَّ بشيء كامل فسقط هذا الاستدلال (٦) .

стр. 105

وأيضاً: التمام خلف المقيم لا يفتقر إلى الجماعة فلم يعتبر فيه إدراك ما يعتد به في جماعة، والجمعة من شرطها الجماعة، فاعتبر في إدراكها ما يعتد به في جماعة (١) . القول الثاني: أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركاً للجمعة ويصلي الظهر أربعاً، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم ابن مسعود وابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب والحسن وعلقمة والأسود وعروة والزهري والنخعي والثوري وإسحاق وأبو ثور (٢) ، ومن الفقهاء مالك (٣) والشافعي (٤) وأحمد (٥) ، وهو المذهب المعروف، ورواية عن محمد بن الحسن (٦) من الحنفية. واستدلوا بما يأتي: أولاً: قوله ﷺ : " من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة " (٧) . رواه الحاكم من ثلاث طرق، وقال: ((أسانيدها صحيحة)) ورواه ابن ماجة والدارقطني والبيهقي، وفي إسناده ضعف (٨) .

стр. 106

ووجه الاستدلال: أن مفهومه أن من أدرك أقل من ذلك لم يكن مدركاً لها. ونوقش: بأنه من رواية الزهري، والثقات من أصحابه كمعمر والأوزاعي ومالك رووا أنه قال: من أدرك ركعة من صلاة فقد أدركها، فأمَّا ذكر الجمعة فهذه الزيادة، وزيادة: من أدركهم جلوساً صلى أربعاً. رواه ضعفاء أصحابه نقله في البدائع (١) عن الحاكم الشهيد (٢) . ولو ثبتت الزيادة فتأويلها: وإن أدركهم جلوساً قد سلموا عملاً بالدليلين بقدر الإمكان (٣) . ويُمكن الجواب عنه: بأن الحديث روى من طريق صحيحة كما سبق في تخريجه (٤) . ثانياً: روى عن النبي ﷺ أنه قال: " من أدرك يوم الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى، ومن أدرك دونها صلاها أربعاً " (٥) .

стр. 107

ونوقش: بأنه ضعيف كما هو مبين في تخريجه. ثالثاً: روى عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أو غيرها فقد أدرك الصلاة " (١) . ونوقش: بأن الحديث لايصلح للاحتجاج به، قال الحافظ في التلخيص: قال ابن أبي داود والدارقطني تفرد به بقية عن يونس، وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه هذا خطأ في المتن والإسناد، وإنَّما هو عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً: "من أدرك من صلاة ركعة فقد أدركها ". وأمَّا قوله: " من صلاة الجمعة " فوهم. وقال الحافظ: إن سلم من وهم بقية ففيه تدليس التسوية؛ لأنه عنعن لشيخه (٢) . وأُجيب: بأن بقية موثق وقد زالت تهمة التدليس لتصريحه بالتحديث (٣) . وذكر في سبل السلام (٤) أن إسناده صحيح لكن قوى أبو حاتم إرساله. وقال: كثرة طرقه يقوي بعضها بعضاً مع أنه أخرجه الحاكم من ثلاثة طرق عن أبي هريرة وقال: أسانيدها صحيحة على شرط الشيخين (٥) .

стр. 108

رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (١) . قال الشافعي: معناه: لم تفته تلك الصلاة ومن لم تفته الجمعة صلاها ركعتين (٢) . خامساً: القياس على الإمام إذا انفضوا عنه قبل أن يصلي ركعة (٣) . ومعناه أن الإمام لو كبر معه جماعة ثم انفضوا عنه قبل أن يصلي ركعة لم تصبح جمعته لكونه يصلي ركعة كاملة في جماعة. والراجح في نظري هو قول الجمهور أن الجمعة لا تدرك بأقل من ركعة؛ وذلك لحديث أبي هريرة ﵁: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» وهو عام في الجمعة وغيرها. ولأن الشارع علق إدراك الوقت بركعة فكذلك الصلاة واحتياطاً للعبادة، والله أعلم.

стр. 109

المطلب الثاني مايفعل من أدرك من الجمعة أقل من ركعة ... المطلب الثاني: ما يفعل من أدرك من الجمعة أقل من الركعة إن من أدرك دون الركعة يكون مدركاً للجمعة عند الحنفية؛ ولذا فهو ينوي الجمعة أمَّا عند الجمهور فلا يكون مدركاً للجمعة، وحينئذٍ ففرضه أن يصلي الظهر أربعاً، وهل ينوي الجمعة أو الظهر؟ . لقد اختلف الفقهاء ﵏ فيما ينويه على خمسة أقوال: القول الأول: أنه ينوي جمعة ويتمها جمعة، وهذا قول الحنفية، وبناءً عليه

стр. 110

فلو نوى الظهر لم يصح اقتداؤه. ووجهه: أنه مدرك للجمعة فيشترط له نية الجمعة (١) . ويُمكن أن يناقش: بعدم التسليم أنه مدرك للجمعة إذ الجمعة لاتدرك إلاَّ بركعة كاملة مع الإمام، وهذا لم يدرك ركعة كاملة. القول الثاني: إن أدرك الإمام بعد قيامه من ركوع الثانية نوى ظهراً ولم يصح أن ينوي جمعة، وإن التبس عليه الأمر أحرم بما أحرم به إمامه، وذلك مثل أن يجده قائماً من الركوع ولم يعلم بأنه قائم من ركوع الثانية، وإن لم يفعل بل نوى جمعة أجزأه، وهذا قول المالكية (٢) . ووجهه: أن نية الصلاة المعينة بكونها ظهراً مثلاً أو عصراً فرض، فمن تعمد نية غير الصلاة التي يصليها فقد أخل بالفرض، وكان ذلك تلاعباً، واستثني من ذلك الجمعة عند الالتباس فقط فتصح الظهر بنية الجمعة؛ لأن شروط الجمعة أكثر من شروط الظهر ونية الأخص - وهي الجمعة - تستلزم نية الأعم - وهي الظهر - بخلاف العكس (٣) .
следующие страницы →