Полный текст (347 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
اشتداد التضييق على الدعوة إلى الله:
قال ابن إسحاق: "ثم إن قريشًا اشتد أمرهم للشقاء الذي أصابهم في عداوة رسول الله ﷺ ومَن أسلم معه منهم، فأغروا برسول الله ﷺ سفهاءهم، فكذبوه وآذوه ورموه بالسحر والشعر والكهانة والجنون، ورسول الله ﷺ مظهر لأمر الله لا يستخفي به، يبادلهم بما يكرهون من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إياهم على كفرهم.
السخرية والتكذيب، وصد الناس عن الدعوة، والاعتداء، والمطالب التعجيزية
وقد سلكت قريش أساليب كثيرة لمجابهة الدعوة؛ والتي منها:
١ - السخرية والتحقير والاستهزاء والتكذيب:
قصدوا بها تخذيل المسلمين وتوهين قواهم المعنوية، فرموا النبي ﷺ بتهم هازلة وشتائم سفيهة، فكانوا ينادونه بالمجنون: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (الحجر: ٦) يصفونه بالسحر والكذب، ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (ص: ٤) وكانوا يشيعونه ويستقبلونه بنظرات ملتهمة ناقمة وعواطف مفتعلة، وعواطف منفعلة هائجة ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُون﴾ (القلم: ٥١).
وكان إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه استهزءوا بهم، وقالوا: هؤلاء جلساؤه، مَنَّ الله عليهم من بيننا؟! قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِين﴾ (الأنعام: ٥٣) وكانوا كما قص الله علينا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ (المطففين: ٢٩ - ٣٣).
стр. 107
وقد أكثروا من السخرية والاستهزاء، وزادوا من الطعن والتضحيك شيئًا فشيئًا، حتى أَثَّر ذلك في نفس رسول الله ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ (الحجر: ٩٧) ثم ثبته الله وأمره بما يذهب بهذا الضيق، فقال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: ٩٩،٩٨) وقد أخبره مِن قَبل أن يكفيه هؤلاء المستهزئين، حيث قال: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (الحجر: ٩٥، ٩٦).
وأخبره أن فعلهم هذا سوف ينقلب وبالًا عليهم، فقال: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (الأنعام: ١٠).
٢ - الحيلولة بين الناس وبين سماعهم القرآن، ومعارضته بأساطير الأولين:
كان المشركون يحولون بين الناس وبين سماعهم القرآن، ودعوة الإسلام بكل طريق يمكن، فكانوا يطردون الناس، ويثيرون الشغب والضوضاء، ويتغنون ويلعبون إذا رأوا النبي ﷺ يتهيأ للدعوة، أو إذا رأوه يصلي ويتلو القرآن. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: ٢٦).
حتى إن النبي ﷺ لم يتمكن من تلاوة القرآن عليهم في مجامعهم ونواديهم إلا في أواخر السنة الخامسة من النبوة، وذلك أيضًا عن طريق المفاجأة دون أن يشعروا بقصده قبل بداية التلاوة.
وكان النضر بن الحارث -أحد شياطين قريش- قد قدم الحيرة، ومعه بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم بسفنديار، وفي رواية عن ابن عباس: أن النضر كان قد اشترى قينة، فكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه اسقيه وغنيه، هذا خير مما يدعوك إليه محمد، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (لقمان: ٦).
стр. 108
٣ - اعتداءات على رسول الله ﷺ :
واخترقت قريش ما كانت تتعاظمه وتحترمه، منذ ظهرت الدعوة على الساحة، فقد صعب على غطرستها وكبريائها أن تصبر طويلًا، فمدّت يد الاعتداء إلى رسول الله ﷺ مع ما كانت تأتيه من السخرية والاستهزاء والتشويه والتلبيس والتشويش، وغير ذلك.
وكان من الطبيعي أن يكون أبو لهب في مقدمتهم وعلى رأسهم، فإنه كان أحد رءوس بني هاشم، فلم يكن يخشى ما يخشاه الآخرون، فكان عدوًّا لدودًا للإسلام وأهله، وقد وقف موقف العداء من رسول الله ﷺ منذ اليوم الأول، واعتدى عليه قبل أن تفكر فيه قريش، وقد أسلفنا ما فعل بالنبي ﷺ في مجلس بني هاشم، وما فعل على الصفا، ورأى رسول الله من المشركين كثير الأذى وعظيم الشدة، خصوصًا إذا ذهب إلى الصلاة عند البيت، وكان من أعظمهم أذى لرسول الله ﷺ جماعة سموا لكثرة أذاهم بالمستهزئين.
فأولهم وأشدهم عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، قال يومًا: يا معشر قريش، إن محمدًا قد أتى ما ترون من عيب دينكم، وشتم آلهتكم، وتسفيه أحلامكم، وسب آبائكم، إني أعاهد الله لأجلسن له غدًا بحجر لا أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، فلما أصبح أخذ حجرًا كما وصف، ثم جلس لرسول الله ينتظره، وغدا ﵊ كما كان يغدو إلى صلاته، وقريش في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد ﵊، احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزمًا ممتقعًا لونه من الفزع، ورمى حجره من يده، فقام إليه رجال من قريش فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟!
стр. 109
قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم، فلما دنوت منه عرض لي فحل من الإبل، والله ما رأيت مثله قط، هم بي أن يأكلني، فلما ذُكر ذلك لرسول الله ﷺ قال: ((ذاك جبريل ولو دنا منه لأخذه)).
وكان أبو جهل كثيرًا ما ينهى الرسول ﷺ عن صلاته عند البيت، فقال له مرة بعد أن رآه يصلي: ألم أنهك عن هذا، فأغلظ له رسول الله ﷺ القول وهدده، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديًا، فأنزل الله تهديدًا له في آخر سورة اقرأ: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (العلق: ١٥ - ١٩).
ومن أذيته للرسول ﷺ ما حكاه عبد الله بن مسعود من رواية البخاري قال: ((كنا مع رسول الله ﷺ في المسجد وهو يصلي، فقال أبو جهل: ألا رجل يقوم إلى فرث جزور بني فلان فيلقه على محمد وهو ساجد، فقام عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، وجاء بذلك الفرث فألقاه على النبي ﷺ وهو ساجد، فلم يقدر أحد من المسلمين -الذين كانوا بالمسجد- على إلقائه عنه؛ لضعفهم عن مقاومة عدوهم، ولم يزل ﵊ ساجدًا حتى جاءت فاطمة بنته فأخذت القذر ورمته، فلما قام دعا على من صنع هذا الصنع القبيح فقال: اللهم عليك بالملأ من قريش، وسمى أقوامًا. قال ابن مسعود: فرأيتهم قتلوا يوم بدر)).
ومما حصل لرسول الله ﷺ مع أبي جهل ((أن هذا ابتاع أجمالًا من رجل يقال له الأراشي، فمطله بأثمانها، فجاء الرجل مجمع قريش يريد منهم مساعدته على أخذ ماله، فدلوه على رسول الله ﷺ لينصفه من أبي جهل؛ استهزاء مما يعلمونه من أفعال ذلك الشقي بالرسول ﷺ فتوجه الرجل إليه وطلب منه المساعدة على أبي جهل، فخرج معه حتى ضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ قال: محمد،
стр. 110
فخرج ممتقعًا لونه، فقال له الرسول ﷺ : أعط هذا حقه، فقال أبو جهل: لا تبرح حتى تأخذه، فلم يبرح الرجل حتى أخذ دينه، فقالت قريش: ويلك يا أبا الحكم! ما رأينا مثل ما صنعت. قال: ويْحكم، والله ما هو إلا أن ضرب عليَّ بابي، حتى سمعت صوته فملئت منه رعبًا، حتى خرجت إليه وإن فوق رأسي فحلًا من الإبل ما رأيت مثله قط، لو أبيت أو تأخرت لأكلني)).
ومن المستهزئين عقبة بن أبي معيط، كان الجار الثاني لرسول الله ﷺ ، وكان يعمل معه كأبي لهب، صنع مرة وليمة ودعا لها كبراء قريش وفيهم رسول الله ﷺ فقال ﵊: ((والله لا آكل طعامك حتى تؤمن بالله فتشهد، فبلغ ذلك أبي بن خلف وكان صديقًا له فقال: ما شيء بلغني عنك؟ قال: لا شيء، دخل منزلي رجل شريف فأبى أن يأكل طعامي حتى أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت له، قال أبي: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدًا فلم تطأ عنقه، وتبصق في وجهه، وتلطم عينه، فلما رأى عقبة رسول الله ﷺ فعل به ذلك)) فأنزل الله فيه سورة الفرقان: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (الفرقان: ٢٧ - ٢٩).
ومن أشد ما صنعه ذلك الشقي برسول الله ﷺ ما رواه البخاري في صحيحه قال: "بينما النبي يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنق رسول الله ﷺ فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي ﷺ وقال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟! ".
ومن جماعة المستهزئين: العاص بن وائل السهمي القرشي، والد عمرو بن العاص، كان شديد العداوة لرسول الله ﷺ ، وكان يقول: "غَرَّ محمد أصحابه أن
стр. 111
يحيوا بعد الموت، والله ما يهلكنا إلا الدهر" فقال الله ردًّا عليه في دعواه في سورة الجاثية: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (الجاثية: ٢٤).
وكان عليه دَين لخباب بن الأرت أحد رجال المسلمين، فتقاضاه إياه فقال العاصي: "أليس يزعم محمد هذا -الذي أنت على دينه- أن في الجنة ما يبتغي أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم؟ قال خباب: بلى، قال: فأنظرني إلى هذا اليوم، فسأوتى مالًا وولدًا وأقضيك دينك، فأنزل الله في سورة مريم: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (مريم: ٧٧ - ٨٠).
ومن جماعة المستهزئين الأسود بن عبد يغوث الزهري، وهو ابن أخي آمنة أم رسول الله ﷺ وهو من بني زهرة أخوال رسول الله ﷺ ، كان إذا رأى أصحاب النبي مقبلين يقول: "قد جاءكم ملوك الأرض! استهزاءً بهم؛ لأنهم كانوا متقشفين، ثيابهم رثة، وعيشهم خشن، وكان يقول لرسول الله سخرية: أما كُلمت اليوم من السماء؟! ".
ومنهم الأسود بن المطلب الأسدي، ابن عم خديجة، كان هو وشيعته إذا مر عليهم المسلمون يتغامزون، وفيهم نزل في سورة المطففين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ (المطففين: ٢٩ - ٣٢).
ومنهم الوليد بن المغيرة عم أبي جهل، كان من عظماء قريش، وفي سعة من العيش، سمع القرآن مرة من رسول الله ﷺ فقال لقومه بني مخزوم: "والله لقد
стр. 112
سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى عليه، فقالت قريش: صبأ والله الوليد، لتصبأن قريش كلها، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فتوجه وقعد إليه حزينًا وكلمه بما أحماه -أي: أغضبه- فقام فأتاهم فقال: تزعمون أن محمدًا مجنون، فهل رأيتموه يهوس؟! وتقولون: إنه كاهن، فهل رأيتموه يتكهن؟! وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرًا قط؟! وتزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئًا من الكذب؟! فقالوا في كل ذلك: اللهم لا، ثم قالوا: فما هو؟ ففكر قليلًا ثم قال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، فارتج النادي فرحًا، فأنزل الله في شأن الوليد في سورة المدثر مخاطبًا لرسوله ﷺ : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (المدثر: ١١ - ٢٦).
٤ - لجوء المشركين إلى أسئلة تعجيزية ومطالب غير عقلية:
وطالبت قريش أن يريهم الرسول ﷺ معجزات أو مزايا ليست عند البشر العاديين، من ذلك قولهم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلاَ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا*أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، فرد عليهم الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (يونس: ١٥).
стр. 113
وقولهم: وقالوا: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا*أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا*أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلا*أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ﴾ (الإسراء: ٩٠ - ٩٣)، ولذا قال لهم الرسول ﷺ كما جاء في الآية نفسها: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (الإسراء: ٩٣) وسألوه أن يُسيِّر لهم جبال مكة ويقطع لهم الأرض ليزرعوها، ويبعث إليهم من مضى من الآباء الموتى -أمثال قصي- ليسألوه عن صدق محمد ﷺ فرد الله عليهم في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ (الرعد: ٣١).
ولقد كان طلبهم على وجه العناد، لا على وجه طلب الهدى والرشاد. قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (الأنعام: ١٠٩ - ١١١).
وقال سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ (الإسراء: ٥٩) وهكذا دأب كفار مكة على توجيه الأسئلة التعجيزية لرسول الله ﷺ وطلبوا منه أن يحقق لهم أشياء ليست في مقدور البشر، من ذلك أنهم أرسلوا رسلهم إلى أهل الكتاب، يسألون عن مدى علمهم بصدق محمد ﷺ وكيفية كشف مزاعمه.
يقول محمد بن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: "بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة، فسألوا الأحبار عن رسول الله ﷺ ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة، وقد
стр. 114
جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، فقالوا لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فرجل مُتَقَوِّل، فتروا فيه أمركم.
سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم، فإنهم قد كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طوّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هي؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.
فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار اليهود أن نسأله عن أمور وأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن كذا وكذا، وسألوه عن الأمور التي حددها الأحبار، فقال لهم رسول الله ﷺ : ((أخبركم غدًا عما سألتم عنه))، ولم يستثنِ، فانصرفوا عنه.
ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا ينزل عليه من الله وحي، ولا يأتيه جبريل ﵇، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعَدَنا محمد غدًا، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها، ولم يخبرنا بشيء عما سألناه عنه، وتألم رسول الله ﷺ من انقطاع الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، وبعد خمس عشرة يومًا جاءه جبريل ﵇ من الله بسورة أصحاب الكهف، وفيها يعاتبه الله على حزنه عليهم، ويخبره عما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطوَّاف، وقول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: ٨٥).
فلما أخبرهم بنبأ ما سألوه عنه رجعوا إلى أنفسهم، وعلموا أنه لا طاقة لهم بمواجهة رسول الله ﷺ مواجهة عقلية فكرية، ولذا لجئوا إلى العدوان والإيذاء المادي، ونشر الأكاذيب والمفتريات حول محمد ودعوته".
هذا، وبالله التوفيق.
стр. 115
الدرس: ٨ تابع دروس وعبر من مراحل الدعوة إلى الله .
стр. 116
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن
(تابع دروس وعبر من مراحل الدعوة إلى الله
الهجرة إلى الحبشة، وما يستفاد منها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين وبعد:
الهجرة الأولى إلى الحبشة:
كانت بداية الاعتداءات على المسلمين في أواسط أو أواخر السنة الرابعة من النبوة بدأت ضعيفة، ثم لم تزل تشتد يومًا فيومًا، وشهرًا فشهرًا، حتى تفاقمت في أواسط السنة الخامسة، ونبا بهم المقام في مكة، وأخذوا يفكرون في حيلة تنجيهم من هذا العذاب الأليم، وفي هذه الظروف نزلت سورة الزمر، تشير إلى اتخاذ سبيل الهجرة، وتعلن بأنَّ أرض الله ليست بضيقة، قال : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: ١٠).
ولمَّا رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وما كان ينالهم من التعذيب والإهانة، وأنه لا يقدر أن يمنع عنهم ما يصيبهم، نصح المسلمين بالخروج إلى الحبشة، وفي تلك الظروف الحرجة كانت هجرة المسلمين إلى الحبشة فرارًا بدينهم من بلاد الفتنة إلى بلاد الأمان.
ومن الثابت أنَّ المسلمين هاجروا إلى الحبشة مرَّتين، وكانت الهجرة الأولى في شهر رجب من سنة خمس من المبعث، وهم أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، خرجوا متسللين سرًّا.
وقد ثبت من طرق صحيحة ما ورد عن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ وكانت ضمن من هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولى؛ حيث قالت: "لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله ﷺ ، وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله ﷺ في
стр. 117
منعة من قومه وعمه، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله ﷺ : ((إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيها)) فخرجنا إليها أرسالًا حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، فأمنا على ديننا ولم نخش منه شيئًا، وكان عثمان بن عفان أوّل من خرج مهاجرًا، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ .
وأورد الإمام البخاري حديثًا بسندٍ موصول إلى أنس قال: ((أبطأ على رسول الله ﷺ خبرهما، فقدمت امرأة فقالت له: لقد رأيتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار، فقال ﷺ : صحبهما الله)).
إنَّ عثمان لأوّل من هاجر بأهله بعد لوط ﵇، وقد سرد ابن إسحاق وغيره أسماء مهاجرة الحبشة، وهم: عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وأبو حذيفة بن عتبة، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وأبو صبرة بن أبي رهف العامري، وحاطب بن عمرو العامري.
وأمَّا النسوة فهنّ: رقية بنت النبي ﷺ ، وسهلة بنت سهل امرأة أبي حذيفة، وأم سلمة بنت أبي أمية امرأة أبي سلمة، وليلى بنت أبي حثمة امرأة عامر بن ربيعة، وقد عُرِفَت هذه بالهجرة الأولى إلى الحبشة.
الهجرة الثانية إلى الحبشة:
عندما كان المسلمون في الحبشة أُشِيع أن قريشًا قد أسلمت، فرجع ناس منهم: عثمان بن مظعون، فلم يجدوا ما أخبروا به صحيحًا، فرجعوا وسار معهم جماعة إلى الحبشة، وهي الهجرة الثانية، وقد ذكرت إحدى الروايات الصحيحة أنَّهم كانوا اثنتين وثمانين رجلًا سوى نسائهم وأبنائهم.
стр. 118
وقيل: إن عدة نسائهم كانت ثماني عشرة امرأة، ولا شكَّ في أن دوافع الهجرة الثانية قد شملت اشتداد البلاء، وتعاظم الفتنة، والتعذيب الدائم للمستضعفين من المسلمين، والعدوان المستمر على أصحاب الرسول ﷺ .
مكيدة قريش بمهاجري الحبشة:
عزَّ على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنًا لأنفسهم ودينهم، فاختاروا رجلين جَلَدَين لبيبين، وهما عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، قبل أن يُسلما، وأرسلوا معهما الهدايا المستطرفة للنجاشي ولبطارقته، وبعد أن ساق الرجلان تلك الهدايا إلى البطارقة، وزوَّداهم بالحجج التي يُطرَد بها أولئك المسلمون، وبعد أن اتفقت البطارقة أن يشيروا على النجاشي بإقصائهم، حضرا إلى النجاشي وقدَّمَا له الهدايا، ثم كلماه وقالا له: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم؛ من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم؛ لتردهم إليهم، فقالت البطارقة: صدقا أيها الملك، فأسلمهم إليهم، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم.
ولكن رأى النجاشي أنه لا بُدَّ من تمحيص القضية وسماع أطرافها جميعًا، فأرسل إلى المسلمين ودعاهم فحضروا، وكانوا قد أجمعوا على الصدق كائنًا ما كان، فقال لهم النجاشي: ما هذا الدين الذي فارقتم به قومكم، ولم تدخلوا به في ديني، ولا دين أحد من هذه الملل؟ قال جعفر بن أبي طالب، وكان هو المتحدث عن المسلمين: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل منا القوي الضعيف، فكنّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منَّا، نعرف نسبه وصدقه
стр. 119
وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، فأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فعدّد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنّا به، واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرَّمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحلَّ لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحلَّ ما كنّا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألّا نظلم عندك أيها الملك.
وبذلك يكون جعفر بن أبي طالب ﵁ قد وضع ملخصًا عامًّا للإسلام والدعوة إليه بين يدي ملك الحبشة ومن حوله، فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه عليّ، فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾ فبكى والله النجاشي حتى اخضلّت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال لهم النجاشي: إنَّ هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فلا والله لا أسلّمهم إليكما، ولا يكادون، يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه، فخرجا، فلمَّا خرجا قال عمرو بن العاص لعبد الله بن أبي ربيعة: والله لآتينه غدًا عنهم بما أستأصل به خضراءهم، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا، ولكن أصرَّ عمرو على رأيه، فلما كان الغد قال للنجاشي: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا،
стр. 120
فأرسل إليهم النجاشي يسألهم عن قولهم في المسيح، ففزعوا، ولكن أجمعوا على الصدق كائنًا ما كان، فلمَّا دخلوا عليه وسألهم قال له جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا ﷺ : هو عبد الله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فأخذ النجاشي عودًا من الأرض، ثم قال: والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته، فقال: وإن نخرتم والله! ثم قال للمسلمين: اذهبوا فأنتم شيومٌ بأرضي، والشيوم: الآمنون بلسان الحبشة، مَنْ سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبرًا من ذهب وأني آذيت رجلًا منكم، والدبر الجبل بلسان الحبشة.
ثم قال لحاشيته: ردوا إليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله منّا الرشوة حين ردَّ علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، قالت أم سلمة -التي تروي هذه القصة: فخرجا من عنده مقبوحين، عليهما ما جاء به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.
ما يستفاد من الهجرة إلى الحبشة:
أولًا: يذكر الحديث سببًا للهجرة إلى الحبشة، وهو قول الرسول ﷺ : ((إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا))، وهذا لا يعني أن هذا هو السبب الوحيد، والباعث الوحيد على الهجرة إلى الحبشة.
ونرى أن هناك سببًا آخر للهجرة، هو البحث عن محضنٍ آمن للدعوة الإسلامية، وإقليم للدولة الإسلامية، وقد ثبت أنَّ مكة لا تصلح أن تكون ذلك المحضن، ولا ذلك الإقليم لدولة الإسلام، وأن يقوم بدراسة الحبشة دراسة ميدانية،
стр. 121
ومدى صلاحيتها لمن هاجر إليها من المسلمين، والذي دفعنا لاستخلاص هذا الباعث، أنّ الذين أرسلهم الرسول ﷺ إلى الحبشة كانت لهم منعة وقوة في قومهم، ولم يكونوا من الفقراء والعبيد المستضعفين، بل كانوا من أشراف قومهم، وكانوا ذوي رأي حصيف وخبرة بالناس؛ كعثمان بن عفان وامرأته، وأبي حذيفة بن عتبة وامرأته، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سلمة وزوجه أم سلمة، وعثمان بن مظعون.
وكان من أهداف هذه الهجرة شرح قضية الإسلام، وموقف قريش منه، وإقناع الرأي العام بعدالة قضية المسلمين، على نحو ما تفعله الدول الحديثة من تحرُّك سياسي بشرح قضاياها وكسب الرأي العام إلى جوارها.
ثانيًا: إنَّ القائد دائم التفكير في أمر جماعته وأتباعه، فهو يبحث لهم عن مكان آمنٍ يأمنون فيه على دينهم، وعلى أنفسهم، وعلى ممارستهم لشعائر هذا الدين، وسائر أنواع العلاقات مع الله ومع الناس، والرسول ﷺ القائد والرائد، هداه الله إلى اختيار الحبشة؛ ليأمن أتباعه على أنفسهم.
ثالثًًا: الدين أهم شيء في حياة المسلم، فهو أغلى من النفس والمال والأهل والولد والعشيرة والأقارب والقوم، وإذا اقتضت سلامة الدين مفارقة الأوطان والأولاد والأهل والقبيلة فليكن، وإن كانت هذه الأمور صعبة وشاقّة على النفس، إنَّ الغربة وهجرة الأوطان وَقْعُها على النفس أليم، وهكذا صمّم المهاجرون إلى الحبشة على هجرة الأوطان والإخوان والأقارب في سبيل الحفاظ على دينهم.
رابعًا: جواز الهجرة إلى بلد غير إسلامي، والحياة فيه حتى يأتي الله بالفرج والنصر، فإنَّ الحبشة كمكة ليست دار إسلام آنذاك، فهما دار كفر، إلّا أنَّ مكة
стр. 122
دار كفر معادية للإسلام والمسلمين، والمسلم ليس آمنًا على دينه وعلى نفسه وماله، والحق أنّ المسلمين قد استفادوا من جوِّ الحرية العقدية المتاح في الحبشة، والذي لم يتوفّر في مكة، فعاشوا فيها آمنين على دينهم وأنفسهم.
ونجد من الواجب علينا هنا أن نستدرك فنقول: إنَّ الحياة في أيّ بلد غير إسلامي توفر الأمن فيه للدعاة يجب أن يكون بعيدًا عن التنازل عن أي شيء من هذا الدين، سواء كان عقيدة أو شريعة، وهذا ما وقفه المهاجرون بقيادة جعفر حينما سئلوا عن عقيدتهم في عيسى.
خامسًا: السرية والسرعة في الحركة وسيلة النجاح في مهمة الهجرة إلى الحبشة:
لقد خرج المهاجرون أفواجًا أفواجًا، ولم يخرجوا جميعًا في وقت واحد، وتجمَّعت هذه الأفواج حتى بلغت ثلاثة وثمانين رجلًا وتسع عشرة امرأة، ولقد تسلّل هؤلاء في الخفاء على شكل أفواج، فوجًا بعد فوج، حتى لا تشعر قريش بهم، وتسمع بخبرهم، فتهب لمنعهم من الهجرة، وتستمر في فتنتهم، وتزداد في تعذيبهم، ويوم أن علمت قريش متأخرة بخروج الفوج الأوّل إلى الحبشة سارعت إلى البحر لتمنعهم، وإذا هم قد ركبوا السفينة، وأخذت تبحر بهم في عباب البحر، فرجعوا خاسرين.
سادسًا: البطارقة قوم مرتشون، كان هذا شائعًا عند المشركين وعند غيرهم، ولقد سجّل القرآن هذه الصفة الذميمة لهم بقوله: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ (التوبة: ٣٤) وهذه الصفة يخبرك بها أيضًا أحداث هذه الهجرة؛ إذ حمل عمرو بن العاص وزميله هدايا إلى البطارقة؛ كرشوة لهم حتى يؤيدوهم عند النجاشي فيما يريدون من إعادة المهاجرين إلى مكة، وقد نجح في التأثير عليهم بذلك، فوقف البطارقة يؤيدون طلب عمرو بن العاص وزميله في إعادة المهاجرين من الحبشة إلى مكة.
стр. 123
سابعًا: منطق معكوس:
إذا فسد الناس وفسدت القيم نجد أنَّ المعروف يصبح منكرًا، والمنكر يصبح معروفًا، ويؤمَّن الخائن ويخوّن الأمين، ويحكم الرويبضة، وهو الرجل التافه الحقير، يتكلم في شئون العامّة، لقد وقف عمرو بن العاص يصف هؤلاء المؤمنين الأتقياء الأنقياء بالسفهاء، وأنّهم فتية صغار أغرار، يوجههم طيشهم وضعف عقلهم وفهمهم، أمّا الذين يعبدون الأصنام الحجرية أو البشرية فهؤلاء أصحاب عقول كبيرة، وتصرفات سليمة مليئة بالحكمة، تأمّل قول عمرو: أنَّ فتية منا سفهاء، فارقوا دين قومهم، ووالله الذي لا إله إلا هو إنَّ السفيه هو الذي يرغب عن ملة الإسلام، وعبد الطاغوت وسجد للأوثان والأصنام، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (البقرة: ١٣٠).
ثامنًا: لقد كان هدف قريش من إرسال سفيريها إلى الحبشة وملكها وبطارقتها هو إعادة المهاجرين بدينهم إلى أعتى قلاع الشرك، وفاتنة أهل الإيمان مكة، وقد كان أسلوب عمرو بن العاص في استجلاب البطارقة، وأسلوبه في التحريض على المسلمين، يخدم هدفه ويتناسب تمام التناسب مع الهدف الخبيث، فجاء بأسلوب ذكي، فيه من الغمز والتحريض ما يثير التعاطف ضد المسلمين، تأمَّل عبارته: إن فتية منَّا سفهاء، فارقوا أقوامهم في دينهم، ولم يدخلوا في دينكم، ومع هذا جاءوا لاجئين إلى الملك، يعيشون في حمايته، ويخالفوا دينه.
تاسعًا: يحرم السجود لغير الله من بشر أو شجر أو حجر:
هذا ما نطق به جعفر وتعلّمه من رسول الله ﷺ ، فالسجود عبادة تدل على التذلل والخشوع والانكسار، وهذه العبادة لا تكون إلّا لله ، وينبغي ألّا تكون
стр. 124
لغير الله، وإن كان ملكًا من الملوك، أو عظيمًا من العظماء، أمّا جعفر بن أبي طالب ﵁ يعلمنا العلم والعمل به، فإنه قد يعلم كثير من الناس أحكامًا شرعية، ولكنّهم عند العمل ينكصون على أعقابهم، بل إنهم يعملون نقيض ما تعلموه من أحكام، فإنَّ هيبة الملك ورهبة الأحوال وصعوبة الظروف وحساسيتها لم تؤثّر على جعفر وعلى من معه، فلم يسجدوا، وقد رأوا الناس يسجدون، ولم يجدوا حرجًا وقد عاينهم الملك الذي سيقبل بإقامتهم عنده أو يرفضها، ويرجعهم إلى العذاب والفتنة حين قال: ما لكم لا تحيوني كما يحيوني من أتانا من قومكم؟ فقال جعفر: إننا لا نسجد إلا لله.
أقول: جدير بالذين يطأطئون هاماتهم لطواغيت الأرض وقد أغناهم الله عنهم، ويا ليت هؤلاء يطَّلعون على سيرة الرسول ﷺ وسيرة أصحابه في هذا الشأن، يا ليتهم يطلعون على موقف جعفر يقود المهاجرين إلى الحبشة، وهو يرفض أن يسجد للملك، ويقول له دون تلجلج: إننا لا نسجد إلا لله، إنه الإسلام العزيز الذي يهب أصحابه وأتباعه العزة والمنعة والاستعلاء.
عاشرًا: سمات المجتمع الجاهلي:
قد حدثنا عن صفات المجتمع الجاهلي وسماته من اكتوى بنار جاهليته، وعاش فيها أعوامًا من حياته، إنه جعفر بن أبي طالب، فأبوه زعيم مكة، وبنو هاشم أهل الريادة والقيادة والرئاسة فيها، لقد عانى منها في مكة، وعانى منها بعد خروجه من مكة، وحياته في بلاء الغربة، فجاهلية قريش وكل جاهلية تقوم على الشرك وعبادة الأوثان، وإنّ الضد بعكسه تتميز الأشياء، فذكر الإسلام وخصائصه، وتأثيره في نفوس متبعيه؛ من تحرير من الشرك، وتأليه غير الله، وتحريم الزنا، وخطر سفك الدماء، وحرمة أكل الميتة، وحرمة اعتداء القوي
стр. 125
على الضعيف، لقد كانت استجابة من عنده عقل يميز الأشياء ويفرّق بين الحسنات والسيئات.
حادي عشر: الثقة المطلقة بالقائد:
لقد أخبر جعفر بأنَّ هذا الرسول موثوق عند قومه مؤمنهم وكافرهم، صادق لا يعرف الكذب إلى لسانه سبيلا، ولا إلى قلبه دليلًا، ومن كانت هذه صفاته جدير بأن يصدَّق وأن يتَّبع، وأن يطاع، فصدّقوه وآمنوا بما جاء به من دعوة إلى مكارم الأخلاق وكفٍّ عن شرورها.
ثاني عشر: الابتلاء في هذا الدين سنة لا تتوقف ولا تتخلف:
لقد أخبر جعفر عن هذه السنَّة، وأن الابتلاء لحق هؤلاء المؤمنين في مكة، وكان ابتلاء بالضرّاء، بالأذى، بحرق الأجسام، بخنق الدعاة، بتعذيبهم بوسائل يعجز عنها شياطين الجن، والموقف من هذا الابتلاء الثبات على المبدأ، والصبر على هذا الدين، حتى يأتي الله بالفرج والنصر والتمكين.
ثالث عشر: أسلوب جعفر في عرض قضيته -قضية المسلمين المهاجرين- كان أسلوبًا موفَّقًا ومؤثرًا وصادقًا، وجادًّا ومتميزًا، مما جعل النجاشي يتأثر بقوله، ويطلب أن يسمعه شيئًا من هذا القرآن الذي دعا إلى ما دعا إليه؛ من محاربة الرذائل، والإقبال على الفضائل، لقد بدأ يذكر قبائح الجاهلية التي تحاربها الفطرة السوية، ثم ذكر موقف الإسلام من القبائح، رفضها وتغييرها، والتزامهم بالتغيير، مما ترتَّب عليه الاضطهاد، فكان حسن التأني للأمور وجودة الأسلوب دافعًا للملك أن يتعاطف معهم، وأن يوفّر لهم في بلده الأمن والأمان.
стр. 126
أمَّا البطارقة فإنهم لم يتأثروا؛ لأنهم لا إيمان لهم، وقلوبهم مشغولة بالدنيا، ويبيعون أنفسهم ودينهم وأمانتِهم بهدية من مشرك أو كافر كما علمت.
رابع عشر: إننا نحسب بل نجزم أنَّ النجاشي الذي أسلم، هو هذا النجاشي الذي أعلن تأييده لما قال جعفر في عيسى ﵇؛ إذ نفى عنه صفة الألوهية، ووصفه بالعبودية لله، في حين أن البطارقة غضبوا من وصفه، وأنكروا عليه ذلك.
لقد قال لجعفر ولهم حين سمع عقيدة المسلمين في عيسى ﵇: أنَّ مصدر عقيدة المسلمين وغيرهم في الله، قبل التحريف واحدة: إنها عقيدة التوحيد، المحاربة للشرك، فالله غني عن الولد والوالد والزوجة، والذي يقول هذا كافر في دين الله.
وأمّام ضغط البطارقة والدولة لهم فيها نفوذ كبير، كتم النجاشي إيمانه بالله وتوحيده وعبادته، وترك أوضار الشرك وعقيدة التثليث، ولكن الرسول ﷺ كان عالمًا بحقيقة إيمان الرجل فنعاه، وبعد موته صلى عليه صلاة الجنازة.
خامس عشر: الحبشة لا تصلح أن تكون محضنًا للدعوة الإسلامية، وإقليمًا للدولة الإسلامية: لقد تبيّن من الدراسة الميدانية أنَّ الحبشة لا تصلح لتكون إقليم الدولة الإسلامية المرتقبة لعدة أسباب هي:
١ - النظام الحاكم في الحبشة نظام ملكي ضعيف وغير مستقر، وبخاصَّة بين النجاشي الحاكم وبين مخالفيه من أسرته الحاكمة، الذين ينازعونه الملك، وقد وصل هذا النزاع إلى حدِّ القتال، ولقد عانى المسلمون من هذه الحالة القلق والاضطراب، وكانت ساعات حرجة؛ لأنها تقرر مصيرهم.
٢ - إنَّ الملك -وإن كان حاكمًا على الحبشة- لم يكن قد بسط نفوذه على الناس، ولم يكن ليجرأ على إعلان عقيدته وإيمانه، بل كان ينكر ذلك
стр. 127
بلسانه حينما يسأل عن ذلك، ولم يعلم المسلمون بإسلامه في المدينة إلّا يوم موته، عن طريق الرسول ﷺ حين نعاه إلى المسلمين، وصلى عليه صلاة الجنازة.
إنَّ حاكمًا لم يجرؤ على إعلان عقيدته أمام شعبه لا يصلح هو أن يحوّل هذا البلد إلى إقليم للدولة الإسلامية، ولا محضنًا للدعوة الإسلامية، يسيّر الجيوش لخدمتها ونشرها، والمحافظة على دعاتها.
٣ - إنّ للبطارقة نفوذًا ملموسًا في الدولة، وهذا النفوذ يعادي الإسلام ويعادي التوحيد، بل هو متضامن كما علمت مع المشركين.
مرحلة ما بعد وفاة أبي طالب والسيدة خديجة، والرحلة إلى الطائف
مرحلة ما بعد وفاة عمه أبي طالب والسيدة خديجة، وما تبع ذلك من مزيد من الاضطهاد للدعوة:
لقد قضى رسول الله ﷺ عشر سنوات من الجهاد والصبر والثبات على المبدأ في مكة، لم تلن له قناة، ولم تلن له عريكة، يدعو إلى الله على بصيرة، وكان يؤازره في هذه الفترة عمه أبو طالب، فقد وقف بجانبه، يدافع عنه، ويصد عنه كل عدوان، ويشاركه في تحمل الأذى من المشركين في مكة.
وقد علمتَ في خبر المقاطعة كيف انضمَّ أبو طالب وبنو هاشم مؤمنهم وكافرهم إلى شِعب أبي طالب مع الرسول ﷺ ، ومع المؤمنين ثلاث سنوات، يتحملون شظف العيش وقسوته، وقد تعاهدت قريش على مقاطعتهم جميعًا، حتى جاعوا جوعًا شديدًا، فأكلوا أوراق الشجر، وتقرحت أشداقهم، وكان أبو
стр. 128
طالب يخشى على الرسول ﷺ من القتل، فكان يخفي مكان نومه كل ليلة، ويحرسه هو وأقرباؤه.
لقد مرِضَ أبو طالب في العام العاشر من البعثة، وشعر الرسول ﷺ بدنوّ أجل أبي طالب، وحاول جاهدًا أن يدخل أبو طالب الإسلام، فدعاه إلى الإيمان بالله، وأن يشهد شهادة الحق وشهادة التوحيد؛ حتى يشفع له رسول الله ﷺ عند ربه بها، وألحّ عليه الرسول ﷺ في مرض موته، فأبى استكبارًا وحمية جاهلية، خشية أن يعيّر بأنه ترك دين آبائه وأجداده، واتبع دين الحق والاستقامة والخير، ومات على الكفر، فكان حطبًا لنار جهنم، وكان في ضحضاح من النار.
بهذا جاءت الأخبار الصحيحة، فقد روى الإمام البخاري ﵀ في صحيحه بإسناده، عن ابن المسيب، عن أبيه، أن أبا طالب لمَّا حضرته الوفاة، دخل عليه النبي ﷺ ، وعنده أبو جهل، فقال: ((أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله)) فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : ((لأستغفرنَّ لك ما لم أنه عنه))، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (التوبة: ١١٣)، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (القصص: ٥٦).
مما يجدر ذكره أنَّ أبا طالب ظلَّ يحامي ويدافع عن الرسول ﷺ حتى وفاته، ومع ذلك كله فقد علمت أنَّ الوحي أخبر بمصيره النار وبئس المصير، فقد روى البخاري ﵀ في صحيحه، بإسناده إلى العباس بن عبد المطلب، أخي أبي طالب، أنه قال للرسول ﷺ : ((ما أغنيت عن عمك، فوالله كان يحوطك ويغضب لك، قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)).
стр. 129
وبعد موت أبي طالب بقليل من الأيام توفّيت زوج الرسول ﷺ خديجة بنت خويلد ﵂، أم المؤمنين، وسيدة نساء أهل الجنة في الجنة، وقد وقفت بجانب رسول الله ﷺ ، وآمنت برسالته، بل هي أول من آمن من الناس بهذا الدين، وشدت من روْع رسول الله ﷺ ، وواسته بمالها ورجاحة عقلها، تخفف ما يجد من عنت المشركين، وتهدئ من روعه، وهي تقول له وقد أخبرها أنه خائف على نفسه: "كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر".
لقد حزن النبي ﷺ على فراق عمه أبي طالب؛ لما علمت من دفاعه عنه إذا اشتدت قريش في إيذائه، حتى قال: ((ما نالت قريش مني شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب))، وحزن أيضًا في هذا العام حزنًا شديدًا لموت زوجه خديجة؛ حتى سمى هذا العام بعام الحزن، وكان ذلك في العام العاشر من البعثة.
لقد كان الرسول ﷺ كثير الذكر لها بعد موتها، يثني عليها، ويستغفر لها، حتى كان ذلك يؤجّج نار الغيرة في قلب عائشة ﵂، قالت عائشة ﵂: ((كان رسول الله ﷺ إذا ذكر خديجة، لم يكد يسأم من ثناء عليها، واستغفار لها، فذكرها يومًا، فحملتني الغيرة، فقلت: لقد عوّضك الله عن كبيرة السن، قالت: فرأيته غضب غضبًا، سقطت في خلدي البال والقلب والنظرة وقلت في نفسي: اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء، فلمّا رأى النبي ﷺ ما لقيت قال: كيف قلت؟! والله لقد آمنت بي إذ كذَّبني الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، ورُزقت منها الولد وحرمتموه مني)).
إن مما لا شك فيه أنَّ موت أبي طالب كان محزنًا للنبي ﷺ ، وكان أشد حزنًا له موت زوجه خديجة ﵂؛ لما قدّمه أبو طالب وقدمته خديجة لرسول الله ﷺ ،
стр. 130
أمَّا أبو طالب فقد حدثتنا كتب السيرة والسنة عن جهوده لنصرة الرسول ﷺ ، منها: ما قاله ابن إسحاق: وكان له عضدًا وحرزًا في أمره، ومنعة وناصرًا على قومه. وأمَّا خديجة ﵂ فقد كانت له وزير صدق على الإسلام، يشكو إليها وتخفف مصابه، وتسري عنه، وهذا الحزن له أسباب أخرى، وهو ما تَبِع موتها من طمع الأعداء في إيذاء الرسول ﷺ ، وضعف الاستجابة له ولدعوته في هذه الفترة، التي تلت الوفاة، بل لقد سُدّت السبل في وجهه في مكة وفي خارج مكة، وهذا ولا شك يحزنه حزنًا شديدًا.
لقد امتدت أيدي السفهاء لتخنقه وهو يصلي في ظل الكعبة، وقام سفيه آخر بنثر التراب على رأس رسول الله ﷺ ، ثم دخل بيته والتراب على رأسه، فقامت إحدى بناته، فجعلت تغسل التراب وهي تبكي، ورسول الله ﷺ يقول لها: ((لا تبكِ يا بنية، فإن الله مانع أباك)).
هذا الصدّ والأذى كان في مكة، وكان في الطائف، وكان في كل مكان يذهب رسول الله ﷺ إليه ليبلّغ دعوة ربه ، ويطلب النصرة، وقد كان من ثقيف من الصدِّ والأذى ما هو أشد على نفس النبي ﷺ .
إنَّ الأحداث التي جرت بعد الوفاة كان لها أثر أشدّ على نفس النبي ﷺ ، فأحزنته حزنًا شديدًا، وقد نزلت سورة هود بعد عام الحزن بقليلٍ، تواسي الرسول ﷺ عمّا أصابه، وعمَّا واجهه من غطرسة القريب والبعيد، وتحدد رسالته ومهمته بالنذارة والإنذار، قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (هود: ١٢).
لقد وضَّحت الآية الضيق النفسي الذي كان يجده في هذه الفترة من مضايقة هؤلاء الكفار.
стр. 131
رحلة الرسول ﷺ إلى الطائف:
تروي كتب السنة والسيرة أنّ رسول الله ﷺ بعد أن ماتت زوجته، ومات عمه أبو طالب، الذي كان يدافع عنه وهو على شركه وكفره، ازدادت قريش في إيذاء الرسول ﷺ ، والتضييق عليه، فتوجّه نحو الطائف؛ حيث تقيم قبيلة ثقيف؛ لعله يجد فيها القبول لدعوته، والنصرة له لتبليغ رسالة ربه، لقد وصل رسول الله ﷺ إلى الطائف، والتقى سادة ثقيف، وهم ثلاثة إخوة، فجلس إليهم، ودعاهم إلى الله، وكلمهم في نصرة الإسلام، والقيام معه على من خالفه، فردوا عليه ردًّا قبيحًا، بين ساخر منه ومتهكم عليه، وبين مكذّب له وممتنع عن كلامه؛ إذ قال أحدهم: هو يمرط ستار الكعبة إن كان أرسله الله رسولًا. وقال الثاني: أما وجد الله أحدًا أرسله غيرك. وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا لئن كنت رسولًا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرًا من أن أردَّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك.
ومكثَ رسول الله ﷺ في ثقيف يبلّغ رسالة ربه، فما آمن معه أحد على المستوى الشعبي والمستوى الرسمي، فأراد أن يعود إلى مكة، وطلب منهم أن يكتموا خبره عن قريش؛ حتى لا يشمتوا به، ولا يتجرءوا على إيذائه، ففعلوا عكس ما طلب منهم، وأمعنوا في إيذائه، فأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وقعد له أهل الطائف صفين على طريقه، فلمَّا مرَّ جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعها إلّا رضخوها بالحجارة حتى أدموه، فخلص منهم وهما يسيلان بالدماء.
هذا، وبالله التوفيق.
стр. 132
الدرس: ٩ دروس في فقه الدعوة من خلال الهجرة إلى المدينة .
стр. 133
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع
(دروس في فقه الدعوة من خلال الهجرة إلى المدينة)
المسلمون يبدءون الهجرة إلى المدينة بعد بيعة العقبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين ورحمة الله للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن استنّ بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:
المسلمون يبدءون الهجرة إلى المدينة:
بعد بيعة العقبة الثانية أخذ المسلمون يهاجرون من مكة إلى المدينة، وظلَّ الرسول ﷺ ينتظر الإذن من ربه، وكان الرسول ﷺ قد أراه الله دار هجرته وهي المدينة.
روى الإمام البخاري ﵀ في صحيحه، بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : ((إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابّتين، وهما الحرّتان)) والحرة أرض ذات حجارة سود كأنها قد احترقت.
وعن عائشة ﵂ قالت: ((لمَّا صدر السبعون عن رسول الله ﷺ طابت نفسه، وقد جعل الله له منعة وقومًا، أهل حرب وعدة ونجدة، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين؛ لما يعلمون من الخروج، فضيّقوا على أصحابه، وتعبّثوا بهم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى، فشكا ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ، فاستأذنوه في الهجرة، فقال: قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابّتين. ثم خرج إليهم مسرورًا وحدّد لهم مكان الهجرة، فقال: يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها، فجعل القوم يتجهّزون ويترافقون ويتواسون ويخرجون، ويخفون ذلك)).
هجرة عمر كانت علنًا، وهجرة غيره كانت سرًّا، كان المسلمون يهاجرون سرًّا؛ لأن قريشًا كانت تمنع كل من يريد الهجرة بالقوة وتؤذيه، أمّا عمر فقد أعلن أنه سيهاجر، وحدّد موعد هجرته متحديًا، فقد روى ابن عساكر وابن السمان في (الموافقة)، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "ما علمت أحدًا من المهاجرين
стр. 134
هاجر إلا مختفيًا، إلّا عمر بن الخطاب ﵁ فإنه لمَّا همَّ بالهجرة تقلّد سيفه، وتنكّب قوسه، وأنفض بدنه -أي: أخرج أسهمًا من كنانته- وجعلها في يديه معدّة للرمي بها، واختصر عنزته، أي: حملها مضمومة إلى خاصرته، ومضى قِبَل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعًا، ثم أتى المقام فصلّى ركعتين، ثم وقف على الحلق، واحدة واحدة، فقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلّا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه، أو ييتم ولده، أو ترمّل زوجته، فليتبعني وراء هذا الوادي، فما تبعه أحد".
وقفة تأمل:
إنَّ القارئ لأحداث الهجرة يجد أنَّ الجميع وفي مقدمتهم رسول الله ﷺ قد هاجروا سرًّا وخفية عن قريش، أمّا عمر بن الخطاب ﵁ فقد هاجر علانية، فماذا نستفيد من هذا؟
أقول: إنّ عمر بن الخطاب لم يكن أشجع المسلمين، بل كان من بينهم، فمن هو أشجع منه، بل إن رسول الله ﷺ لا يدانيه عمر في الشجاعة، كما علمنا من سيرته ﷺ في الحرب؛ إذ كان أقرب المسلمين المقاتلين في ميدان المعركة إلى العدو، وكان إذا اشتدت الحرب وحَمِي الوطيس اتقى الصحابة -رضوان الله عليهم- بما فيهم علي بن أبي طالب برسول الله ﷺ .
والحكمة من هجرة الرسول ﷺ سرًّا تعود إلى أنَّ تصرفه يعدُّ تشريعًا عامًّا لجميع المسلمين، بخلاف اجتهاد عمر في هجرته، والرسول مطلوب منه التيسير على المسلمين، وهجرته علنًا وحمل المسلمين على الاقتداء به فيه حرج شديد لهم، وتكليف لهم بما يشقّ عليهم، والله ﵎ جعل أساس التكليف نفي
стр. 135
الحرج، فقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: ٧٨) وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: ١٨٥) فالحيطة والحذر، والأخذ بالأسباب، والتخفي من العدو، أمور مشروعة ومستحبة، أخذ بها الرسول ﷺ ، وعمر لم يأخذ بها، والاقتداء بالرسول في هذه الأمور مطلوب، وعدم الحيطة والحذر مرفوض في الشرع على عمومه.
ويمكننا أيضًا أن نستخلص من فعل عمر في الهجرة على النحوِّ الذي هاجر فيه، وإقرار الرسول ﷺ له، وعدم إنكاره عليه هجرته على هذه الصورة، جواز أن يتحدّى الفرد العدو الكثير من المشركين، معتزًّا بإيمانه وإسلامه.
هذا ولقد ترك الرسول ﷺ أسلوب الهجرة وطريقها إلى المسلمين، فاتخذوا أسلوب السرّية، وهو ينسجم مع طبيعة المرحلة الدعوية، وشعارها: سرّية التنظيم، فالحركة كانت سرّية، وكان المشركون يفتنون من هاجر ويمنعونه ويؤذونه، أمّا عمر فقد خرج مهاجرًا علنًا يتحمّل مسئولية إعلانه، ووفقه الله لإرهاب عدوه، وقد استأذن رسول الله ﷺ بهجرته، فأذن له.
أجواء مكة بعد رحيل المسلمين منها:
ذكر البخاري أن أوّل من هاجر إلى المدينة مصعب بن عمير، وعبد الله بن أم مكتوم، وذكر ابن إسحاق وابن سعد أنّ أول من هاجر هو أبو سلمة بن عبد الأسد، وجزم بذلك موسى بن عقبة، وقد جمع الحافظ بن حجر بين ما ذكره البخاري وأصحاب السير، بحمل الأوّليّة على صفة خاصة، هي أنّ أبا سلمة خرج لها لقصد الإقامة بالمدينة، بخلاف مصعب، فكان عليه نية الإقامة بها؛ ليعلّم من أسلم من أهلها، فلكلٍّ أولية من جهة.
стр. 136
قال ابن إسحاق عن هجرة أبي سلمة: هاجر إلى المدينة قبل بيعة العقبة بسنة، وكان قدِم على رسول الله ﷺ مكة من أرض الحبشة، فلمّا آذته قريش، وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار، خرج إلى المدينة مهاجرًا.
محنة أبي سلمة:
عن أمّ سلمة قالت: لمَّا أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة، رحّل لي بعيري، ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة في حجري، ثم خرج بي، فلمّا رأته رجال بني المغيرة قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه، على ما نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فأخذوني منه، قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، فقالوا: لا والله، لا نترك ابنتنا عندها، فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي إلى المدينة، ففُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني، قالت: فكنت أخرج كل غداة، فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي سنة أو قريبًا منها، حتى مرَّ بي رجل من بني عمي، فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا ترحموا هذه المسكينة؟ فرّقتم بينها وبين زوجها وابنها، فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، قالت: وردَّ بنو عبد الأسد إلي ابني، ثم خرجت أريد زوجي، وما معي أحد من خلق الله، قالت: أتبلّغ ممن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن أبي طلحة، أخا بني عبد الدار، فقال لي: إلى أين يا بنت أمية، قلت: أريد زوجي بالمدينة، قال: أوَما معك أحد؟ فقلت: لا والله، إلا الله وابني هذا، قال: والله ما لك من مترك، فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلًا من العرب كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت فحط عن
стр. 137
البعير، ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى عنّي إلى شجرة فاضطجّع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلي بعيري فقدّمه، فرحّله ثم استأخر عني، وقال: اركبي، حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية، وكان أبو سلمة بها نازلًا، فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعًا إلى مكة، فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبًا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة.
وعندما أراد صهيب الهجرة، قال له المشركون: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي، أتخلون سبيلي؟ قال: فإني جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: ((ربح صهيب)).
استئذان أبي بكر الرسول ﷺ في الهجرة، وتآمر قريش على قتل رسول الله ﷺ :
فكّر الصديق ﵁ في الهجرة، وعندما أراد أن يهاجر طلب منه الرسول ﷺ الانتظار؛ ليصحبه في هجرته عندما يؤذَن له بذلك، فأخذ الصديق في الاستعداد لهذه الهجرة، فاشترى راحلتين، وظلّ يعلفهما لمدة أربعة أشهر.
وقد روى الحاكم أنَّ رسول الله ﷺ قال لجبريل ﵇: ((من يهاجر معي؟ قال: أبو بكر الصديق))، وفي بعض الروايات أنَّ أبا بكر كثيرًا ما يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة، فيقول له: ((لا تعجل، لعلّ الله يجعل لك صاحبًا)) فيطمع أبو بكر أن يكون هذا الصاحب رسول الله ﷺ .
عندما علم المشركون بما تمَّ في بيعة العقبة الثانية، وعندما رأوا المسلمين يهاجرون إلى المدينة، شعروا بالخطر من تجمُّع المسلمين بالمدينة، وخرج الرسول ﷺ إليهم،
стр. 138
فبدءوا يفكّرون في القضاء على هذا الخطر المحتمل المتمثّل في تهديد تجارتهم، وتنامِي قوة الإسلام الذي وقفوا أمامه طوال ثلاث عشرة سنة.
وفي يوم الخميس السادس والعشرين من شهر صفر، السنة الرابعة عشرة من النبوة، الموافق للثاني عشر من سبتمبر عام ستمائة واثنين وعشرين لميلاد المسيح ﵇، بعد شهرين ونصف تقريبًا من بيعة العقبة الكبرى، عقد زعماء قريش اجتماعًا خطيرًا في دار الندوة؛ ليتشاوروا في أنجح الوسائل للتخلُّص من الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: ٣٠).
وقد أجمل القرآن الكريم في هذه الآية الآراء التي طُرِحَت في هذا الاجتماع الخطير.
وفي رواية عن ابن عباس: ٍ أنّهم عندما اجتمعوا في دار الندوة للتشاور في أمر الرسول ﷺ ، جاءهم إبليس على هيئة شيخ جليل من أهل نجد، فقالوا: من الشيخ؟ قال: من أهل نجد، سمع بالذي اتعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألّا يعدمكم رأيًا ونصحًا، وعندما دارت المناقشات اقترح أحد المؤتمرين أن يحبسوا رسول الله ﷺ ، قال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه -كما تقولون- ليخرجن أمره من وراء الباب، هذا الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه، ثم يكاثروكم به، حتى يغلبوكم على أمركم.
ثم اقترح أحدهم أن ينفوه، فدحض النجدي الاقتراح، مبينًا حسن حديث رسول الله ﷺ ، ومنطقه، وأسره القلوب، سيجذب الناس إليه، ويغلب بهم قريشًا، وأخيرًا اقترح أبو جهل أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شابًّا فتيًّا وسطًا
стр. 139
فيهم، ويعطَى كل واحد منهم سيفًا صارمًا، فيضربون جميعًا بأسيافهم محمدًا ضربة رجل واحد؛ ليتفرق دمه بين القبائل، ولا يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فيرضوا بالدية، وأيّد النجدي هذا الاقتراح، ووافق عليه الجميع، وتفرقوا على ذلك، ولم يبق إلّا التنفيذ، وعلّل السهيلي حضور إبليس على هيئة رجل من نجد أنهم قالوا بأنَّ اجتماعهم لا يحضره أحد من تهامة؛ لأن هواهم مع محمد ﷺ .
الإعداد والتخطيط للهجرة، والدروس المستفادة منها
الإعداد والتخطيط للهجرة:
الإذن بالهجرة والتخطيط لها، وتجمُّع قريش حول بيت رسول الله ﷺ لقتله والخروج من بيت الصديق إلى غار ثور:
لمّا تمَّ اتخاذ القرار الغاشم بقتل النبي ﷺ ، نزل إليه جبريل بوحي ربه تعالى، وأخبره بمؤامرة قريش، وأنَّ الله قد أذن له في الخروج، وحدّد له وقت الهجرة قائلًا: ((لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه))، وذهب النبي ﷺ في الهاجرة إلى أبي بكر الصديق، ليتفق معه على خطة الهجرة.
قالت عائشة ﵂: بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلّا أمر، قالت: فجاء رسول الله ﷺ ، فاستأذن فأذِنَ له فدخل، فتأخّر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما جاء بك إلّا أمر حدث، فقال رسول
стр. 140
الله ﷺ لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: لا عين عليك، إنما هما ابنتاي، وفي لفظ: أهلك، فقال: إن الله قد أذن في الخروج والهجرة. فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: نعم، قالت عائشة: فوالله ما أنّ أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ.
وفي هذا اللقاء تمَّ الاتفاق على خُطَّة الخروج من مكة، وعاد إلى بيته ﷺ ، غادر رسول الله ﷺ بيته في ليلة سبع وعشرين من شهر صفر، سنة أربعة عشرة من النبوة، الموافق الثاني عشر والثالث عشر من سبتمبر سنة ستمائة واثنين وعشرين من الميلاد.
وأتى دار الصديق، ومنها خرَج إلى الغار، وتقدَّم معنا أنَّ الصديق قد جهَّز راحلتين منذ فترة لهذه الساعة، ساعة ميلاد الدولة الإسلامية، فقال الصديق لرسول الله ﷺ : ((خذ إحدى راحلتي هاتين، فقال ﷺ : بالثمن، لا أركب بعيرًا ليس لي، قال: هو لك، قال: ولكن بالثمن، قال: أخذتها بكذا وكذا، فقال: أخذتها بذلك))، وقيل: بأنّ هذه الراحلة هي الجدعاء، وكان الثمن ثمانمائة درهم، قالت عائشة: فحهزناها أحثّ الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فشقّت أسماء بنت الصديق قطعة من نطاقها لتربط به القربة، وقد عرفت بذات النطاقين.
وروي أنّ رسول الله ﷺ قال: ((إن لها نطاقين في الجنة)) واستأجرا رجلًا ماهرًا بالطريق، وواعداه بعد ثلاث في الغار، وقد أمناه وهو على كفره، وقد أسلم بعد ذلك، واسمه عبد الله بن أريقط، وخرج الصديق بجميع ماله، وكان خمسة آلاف درهم؛ لينفقه في سبيل الله، كما أنفق أكثر من خمسة وثلاثين ألفًا قبل ذلك في سبيل الله، وقد خرجا من بابٍ خلفيّ في بيت الصديق، متنكرين، وفي
стр. 141
طريقهما إلى الغار ودّع رسول الله ﷺ مكة التي أحبها، مكة التي وُلِد فيها وترعرع، فقال: ((والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجتُ منك لما خرجت)).
وفي رواية أخرى: ((ما أطيبك من بلد وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك)).
وفي طريقهما إلى الغار، كان الصديق يمشي أمام الرسول ﷺ أحيانًا، وأحيانًا خلفه، فسأله ﷺ عن السبب، فقال: أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي أمامك، وعندما انتهيا إلى الغار، قال أبو بكر لرسول الله ﷺ : مكانك حتى أستبرئ لك الغار، وبعدما تأكّد من خلوِّ الغار قال: انزل يا رسول الله، فنزل رسول الله ﷺ إلى الغار.
موقف قريش بعد فشل خطتها في التخلّص من الرسول ﷺ والخروج من الغار:
١ - إلقاء القبض على عليّ بن أبي طالب للتحقيق معه، وسحبه إلى الكعبة، وضربه لأخذ المعلومات منه.
٢ - جاءت مجموعة منهم إلى بيت الصديق للبحث عنه هناك، أو لأخذ الصديق ليفعلوا معه ما فعلوا مع عليّ، فخرجت إليهم أسماء، فسألوها عن والدها، فقالت: بأنّها لا تدري، فغضب أبو جهل، فلطمها لطمة طرح منها قرطها.
٣ - وضعوا جميع الطرق الخارجة من مكة تحت المراقبة.
٤ - قرروا منح جائزة مقدارها مائتا ناقة من الإبل لمن يعثر عليهما حيين أو ميتين.
٥ - استأجروا قصّاص الآثار ليتَّبِعوا آثارهما حيثما حلّا.
стр. 142
وصل المطاردون إلى فم الغار، فقد روى البخاري عن أبي بكر قال: ((كنت مع النبي ﷺ في الغار، فرفعت رأسي، فإذا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ رأسه رآنا، قال: ما ظنّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما)).
وقد روي أنَّ الله أمر شجرة فنبتت في وجه النبي ﷺ ، فسترته، وأمر حمامتين فوقعتا في فم الغار، وأنّ العنكبوت نسجَت على بابه، وقد ضعَّف بعضهم هذه الروايات من حيث الإسناد، والله ﵎ قادر على كل شيء.
وحين خمدت نار الطلب، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش، وهدأت قريش بعد استمرار المطاردة ثلاثة أيام بدون جدوى، تهيّأ رسول الله ﷺ وصاحبه للخروج.
فلمَّا كانت ليلة الاثنين غرة ربيع الأول السنة الأولى من الهجرة، الموافق السادس عشر من سبتمبر سنة ستمائة واثنين وعشرين من الميلاد ارتحلا، وارتحل معهما عامر بن فهيرة لخدمتهما، وأخذ بهما الدليل على طريق الساحل.
وروى البخاري عن الصديق ﵁ قال: ((أسرينا ليلتنا ومن الغد، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق لا يمرّ فيه أحد، فرُفِعَت لنا صخرة طويلة، لها ذيل لم تأتِ عليها الشمس)) الحديث. فنزلوا تحت ظلها بعدما سوّى الصديق لرسول الله ﷺ مكانًا، وأعدَّ له فراشًا، ثم بدا الصديق يستكشف المكان، ويبحث عمَّن حوله، فوجد راعيًا عنده غنم، فحلب له لبنًا قدِمَ به على رسول الله ﷺ ، فشرب منه ﷺ ، ثم قال للصديق: ألم يأن الرحيل؟ قلت: بلى، قال: فارتحلنا.
حاول سراقة بن مالك الظفر بالمكافأة، فلاحظ وهو جالسٌ في قومه مرور الرسول ﷺ والصديق معه، فخرج مسرعًا في أثرهما، وكلما قاربهما ساخت أقدام فرسه في التراب، يقول سراقة: فناديت بالأمان فوافقا.
стр. 143
وذكر الإمام البخاري في صحيحه، عن الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجيّ وهو ابن أخي سراقة، أنَّ أباه أخبره، أنه سمع سراقة يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ دية، كل واحد منهما من قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جالسون، فقال: يا سراقة، إني قد رأيت آنفًا أسودة في الساحل، أراها محمدًا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا، انطلقوا بأعيننا، ثم لبست في المجلس ساعة، ثم قمتُ فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرِج بفرسي، وهي من وراء أكمة، فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجة الأرض، وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها، فقمت، فأهويت يدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها، أضرهم أم لا، فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام، تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء، مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له: إنّ قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزئاني ولم يسألاني إلّا أن قالا: اخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدُم، ثم مضى رسول الله ﷺ .
стр. 144
ومرَّ ﷺ على خيمة أمّ معبد الخزاعية، وكانت بفناء خيمتها شاة عجفاء أقعدها الهزال عن الخروج إلى المرعى، فمسح ﷺ على ضرعها، فتفاجت عليه ودرّت، فدعا بقدح يكفي الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة، فشرب الجميع، ثم حلبها مرة أخرى وملأه، ثم تركه عندها.
وخرج الركب الميمون، وجاء زوجها، فوجد اللبن عندها، فأخبرته الخبر، وذكرت له أوصاف الرسول ﷺ فقال لها: والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أن أصحبه، ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلًا.
إسلام بريدة الأسلمي:
ذكر ابن حجر العسقلاني ﵀ في الإصابة، أنّ النبي ﷺ في طريق هجرته إلى المدينة، لقي بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي، فدعاه إلى الإسلام فأسلم، وقد غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة، ويؤخذ من هذا أنّ الداعية لا يفتر عن الدعوة إلى الله، بل يبشّر بدعوته وينشرها ويبلغها للناس، وهذا ما كان من رسول الله ﷺ .
دروس من الهجرة النبوية:
ومنَ الدروس المستفادة من الهجرة النبوية، إنّ الدارس لهجرة الرسول ﷺ بتفاصيلها، يستخلص منها الدروس التالية:
أولًا: التخطيط في الهجرة:
فقد كان لخطة الرسول ﷺ في هجرته إلى المدينة العناصر التالية:
الهدف: الوصول إلى المدينة بسلام.
стр. 145
الرفيق في الرحلة: الصديق أبو بكر ﵁.
الفدائي الذي يفدي الرسول ﷺ : علي بن أبي طالب.
المكان الآمن المؤقّت: غار ثور.
جهة التموين: أسماء بنت أبي بكر.
الاستخبارات: عبد الله بن أبي بكر.
دليل الرحلة: عبد الله بن أريقط.
مخفي الآثار: عامر بن فهيرة.
موعد الانطلاق من الغار: بعد ثلاثة أيام.
تفاصيل الخطة وشرحها:
إن الرسول ﷺ قرّر ألّا يهاجر وحده، ولا بُدَّ من رفيق يساعده ويستعين به، لقد قرّر الرسول ﷺ أن يكون أبو بكر هو هذا الرفيق، فقد كان شجاعًا لا ينهار أمام الشدائد والمفاجآت، فالرحلة طويلة وشاقة، والسفر يسفر عن أخلاق الرجال.
وممّا يجدر ذكره أنَّ أبا بكر استأذن النبي ﷺ في الهجرة، فلم يأذن له، وقال له: ((لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحبًا)).
لقد أذن الله للرسول ﷺ والرفيق ينتظر الصحبة، فتوجه إلى بيت أبي بكر، لكنه يعلم أن قريش إنْ أحسّت بذلك ستمنعه، وعيون قريش تراقب حركاته وسكناته، وهي تعلم أنّ تحركات النبي في أول النهار وفي آخره، ويقيل في
следующие страницы →