← Общие книги

Общие книги · id 12164

أصول الدعوة وطرقها 3 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (347 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

طريقهما إلى الغار ودّع رسول الله ﷺ مكة التي أحبها، مكة التي وُلِد فيها وترعرع، فقال: ((والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجتُ منك لما خرجت)). وفي رواية أخرى: ((ما أطيبك من بلد وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك)). وفي طريقهما إلى الغار، كان الصديق يمشي أمام الرسول ﷺ أحيانًا، وأحيانًا خلفه، فسأله ﷺ عن السبب، فقال: أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي أمامك، وعندما انتهيا إلى الغار، قال أبو بكر لرسول الله ﷺ : مكانك حتى أستبرئ لك الغار، وبعدما تأكّد من خلوِّ الغار قال: انزل يا رسول الله، فنزل رسول الله ﷺ إلى الغار. موقف قريش بعد فشل خطتها في التخلّص من الرسول ﷺ والخروج من الغار: ١ - إلقاء القبض على عليّ بن أبي طالب للتحقيق معه، وسحبه إلى الكعبة، وضربه لأخذ المعلومات منه. ٢ - جاءت مجموعة منهم إلى بيت الصديق للبحث عنه هناك، أو لأخذ الصديق ليفعلوا معه ما فعلوا مع عليّ، فخرجت إليهم أسماء، فسألوها عن والدها، فقالت: بأنّها لا تدري، فغضب أبو جهل، فلطمها لطمة طرح منها قرطها. ٣ - وضعوا جميع الطرق الخارجة من مكة تحت المراقبة. ٤ - قرروا منح جائزة مقدارها مائتا ناقة من الإبل لمن يعثر عليهما حيين أو ميتين. ٥ - استأجروا قصّاص الآثار ليتَّبِعوا آثارهما حيثما حلّا.

стр. 142

وصل المطاردون إلى فم الغار، فقد روى البخاري عن أبي بكر قال: ((كنت مع النبي ﷺ في الغار، فرفعت رأسي، فإذا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ رأسه رآنا، قال: ما ظنّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما)). وقد روي أنَّ الله أمر شجرة فنبتت في وجه النبي ﷺ ، فسترته، وأمر حمامتين فوقعتا في فم الغار، وأنّ العنكبوت نسجَت على بابه، وقد ضعَّف بعضهم هذه الروايات من حيث الإسناد، والله ﵎ قادر على كل شيء. وحين خمدت نار الطلب، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش، وهدأت قريش بعد استمرار المطاردة ثلاثة أيام بدون جدوى، تهيّأ رسول الله ﷺ وصاحبه للخروج. فلمَّا كانت ليلة الاثنين غرة ربيع الأول السنة الأولى من الهجرة، الموافق السادس عشر من سبتمبر سنة ستمائة واثنين وعشرين من الميلاد ارتحلا، وارتحل معهما عامر بن فهيرة لخدمتهما، وأخذ بهما الدليل على طريق الساحل. وروى البخاري عن الصديق ﵁ قال: ((أسرينا ليلتنا ومن الغد، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق لا يمرّ فيه أحد، فرُفِعَت لنا صخرة طويلة، لها ذيل لم تأتِ عليها الشمس)) الحديث. فنزلوا تحت ظلها بعدما سوّى الصديق لرسول الله ﷺ مكانًا، وأعدَّ له فراشًا، ثم بدا الصديق يستكشف المكان، ويبحث عمَّن حوله، فوجد راعيًا عنده غنم، فحلب له لبنًا قدِمَ به على رسول الله ﷺ ، فشرب منه ﷺ ، ثم قال للصديق: ألم يأن الرحيل؟ قلت: بلى، قال: فارتحلنا. حاول سراقة بن مالك الظفر بالمكافأة، فلاحظ وهو جالسٌ في قومه مرور الرسول ﷺ والصديق معه، فخرج مسرعًا في أثرهما، وكلما قاربهما ساخت أقدام فرسه في التراب، يقول سراقة: فناديت بالأمان فوافقا.

стр. 143

وذكر الإمام البخاري في صحيحه، عن الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجيّ وهو ابن أخي سراقة، أنَّ أباه أخبره، أنه سمع سراقة يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ دية، كل واحد منهما من قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جالسون، فقال: يا سراقة، إني قد رأيت آنفًا أسودة في الساحل، أراها محمدًا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا، انطلقوا بأعيننا، ثم لبست في المجلس ساعة، ثم قمتُ فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرِج بفرسي، وهي من وراء أكمة، فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجة الأرض، وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها، فقمت، فأهويت يدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها، أضرهم أم لا، فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام، تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء، مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له: إنّ قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزئاني ولم يسألاني إلّا أن قالا: اخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدُم، ثم مضى رسول الله ﷺ .

стр. 144

ومرَّ ﷺ على خيمة أمّ معبد الخزاعية، وكانت بفناء خيمتها شاة عجفاء أقعدها الهزال عن الخروج إلى المرعى، فمسح ﷺ على ضرعها، فتفاجت عليه ودرّت، فدعا بقدح يكفي الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة، فشرب الجميع، ثم حلبها مرة أخرى وملأه، ثم تركه عندها. وخرج الركب الميمون، وجاء زوجها، فوجد اللبن عندها، فأخبرته الخبر، وذكرت له أوصاف الرسول ﷺ فقال لها: والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أن أصحبه، ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. إسلام بريدة الأسلمي: ذكر ابن حجر العسقلاني ﵀ في الإصابة، أنّ النبي ﷺ في طريق هجرته إلى المدينة، لقي بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي، فدعاه إلى الإسلام فأسلم، وقد غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة، ويؤخذ من هذا أنّ الداعية لا يفتر عن الدعوة إلى الله، بل يبشّر بدعوته وينشرها ويبلغها للناس، وهذا ما كان من رسول الله ﷺ . دروس من الهجرة النبوية: ومنَ الدروس المستفادة من الهجرة النبوية، إنّ الدارس لهجرة الرسول ﷺ بتفاصيلها، يستخلص منها الدروس التالية: أولًا: التخطيط في الهجرة: فقد كان لخطة الرسول ﷺ في هجرته إلى المدينة العناصر التالية: الهدف: الوصول إلى المدينة بسلام.

стр. 145

الرفيق في الرحلة: الصديق أبو بكر ﵁. الفدائي الذي يفدي الرسول ﷺ : علي بن أبي طالب. المكان الآمن المؤقّت: غار ثور. جهة التموين: أسماء بنت أبي بكر. الاستخبارات: عبد الله بن أبي بكر. دليل الرحلة: عبد الله بن أريقط. مخفي الآثار: عامر بن فهيرة. موعد الانطلاق من الغار: بعد ثلاثة أيام. تفاصيل الخطة وشرحها: إن الرسول ﷺ قرّر ألّا يهاجر وحده، ولا بُدَّ من رفيق يساعده ويستعين به، لقد قرّر الرسول ﷺ أن يكون أبو بكر هو هذا الرفيق، فقد كان شجاعًا لا ينهار أمام الشدائد والمفاجآت، فالرحلة طويلة وشاقة، والسفر يسفر عن أخلاق الرجال. وممّا يجدر ذكره أنَّ أبا بكر استأذن النبي ﷺ في الهجرة، فلم يأذن له، وقال له: ((لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحبًا)). لقد أذن الله للرسول ﷺ والرفيق ينتظر الصحبة، فتوجه إلى بيت أبي بكر، لكنه يعلم أن قريش إنْ أحسّت بذلك ستمنعه، وعيون قريش تراقب حركاته وسكناته، وهي تعلم أنّ تحركات النبي في أول النهار وفي آخره، ويقيل في

стр. 146

وسطه، لا بُدّ أن يفوّت على مخابرات قريش ما تريد، فهم يراقبونه في وقت خروجه وتجواله، ويسكنون بسكونه، وتغفل أعينهم عن مراقبته، فاختار وقتًا لا يخرج فيه عادة، وقت الهاجرة، أي: شدة الحر؛ حيث تخف الحركة، يبقى كل واحد في بيته توقيًا لشدة الحر، دخل بيت الصديق ﵁ في هذا الوقت، فوجد ابنتيه عائشة وأسماء ﵄، فقال: ((أخرج عني من عندك، فقال يا رسول الله، إنهم أهلك، فقال: إنّ الله قد أذن لي في الخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال ﷺ : الصحبة)). والمدقق يجد أن غار ثور جنوب المدينة، وهذا تورية من الرسول ﷺ على العدو؛ لأن الذي سيطارده سيتوجه فورًا إلى الشمال نحو المدينة، ولا يخطر بباله أن يتوجه إلى الجنوب حيث غار ثور؛ لأنه عكس طريق الهجرة تمامًا، إنه التخطيط النبوي العميق، والتنفيذ الدقيق. هذا، وبالله التوفيق.

стр. 147

الدرس: ١٠ تابع دروس في فقه الدعوة من خلال الهجرة إلى المدينة .

стр. 148

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العاشر (تابع دروس في فقه الدعوة من خلال الهجرة إلى المدينة) تخطيط النبي ﷺ للهجرة إلى المدينة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين ورحمة الله للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن استنَّ بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين وبعد: تخطيط النبي ﷺ للهجرة: والمدقق يجد أن غار ثور جنوب المدينة، وهذا تورية من الرسول ﷺ على العدو؛ لأنَّ الذي سيطارده سيتوجّه فورًا إلى الشمال نحو مكة، ولا يخطر بباله أن يتوجّه إلى الجنوب حيث غار ثور؛ لأنّه عكس طريق الهجرة تمامًا، إنه التخطيط النبوي العميق، والتنفيذ الدقيق. وتقتضي الخطة أن يلجأ الرسول ﷺ وصاحبه إلى الغار، يخرجان في اليوم الثالث منه، ويتوجّهان نحو المدينة، ويقوم علي بن أبي طالب بالنوم في فراش الرسول ﷺ ، ورَدِّ الأمانات إلى أهلها من مشركي مكة، ويقوم عبد الله بن أبي بكر بعد أن يطوف بنوادي قريش، ويسمع منهم عن الرسول ﷺ ، وما الإجراءات التي سيتخذونها ضده، بتزويد النبي ﷺ بأخبار قريش مساء، بعد أن يقضي طول النهار مع زعمائها وقادتها. - وتقوم أسماء بتزويد النبي ﷺ بالطعام والشراب في النهار، ويأتي عامر بن فهيرة راعي أبي بكر، فيخفي آثار عبد الله وأسماء، وكأنّي بعبد الله بن أبي بكر يأتي في اليوم الأول، فيخبر الرسول ﷺ أن الطلب بشأنه شديد، ويوصي بعدم الخروج من الغار، ويأتي في اليوم الثاني بأخبار أنّ الرصد قد خف، إلّا أن الخروج في اليوم الثاني حَرِج، ولكن التوصية أن يخرج في اليوم الثالث. تأمّل الاتفاق بين التقدير النبوي الذي قدَّره الرسول ﷺ لعبد الله بن أريقط، دليل الطريق، وبين تقرير عبد الله بن أبي بكر.

стр. 149

ثانيًا: الاستعانة بعبد الله بن أريقط: يُستخلَص منها جواز الاستعانة بالمشرك، واتخاذه دليلًا إذا لم يعرف عنه العداوة والغدر والخيانة، واشتُهِر بالصدق والوفاء، فليس بمستهجن أن يتَّصف بعض غير المسلمين ببعض الصفات الحسنة؛ كالكرم والشجاعة والنجدة والوفاء والصدق، وهذا غير الولاء، فإنه لا يحل اتخاذ المسلم غير المسلم وليًّا، قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍُ﴾ (آل عمران: ٢٨). ويؤخَذ من حادثة عبد الله بن أريقط الاستفادة من الكفاءة، وتوظيفها لخدمة الإسلام والدعوة الإسلامية، إن لم يوجد في المسلمين مثلها. ثالثًًا: دور المرأة في الهجرة: يتناسب مع طبيعتها وفطرتها، أُخِذ هذا من دور أسماء وعائشة في تجهيز الراحلتين، ودور أسماء في تمويل الرسول وصاحبه في الغار بالماء والغذاء، ويومًا لا تجد ما تربط به الماء والغذاء، فتشقّ نطاقها شقين، فبشرها النبي ﷺ بأن لها نطاقين في الجنة، ودور أسماء في إقناع جدّها وقد تفقّد المال، وسأل عنه، وقد أخذه ولده المهاجر أبو بكر، فجزع وقال لأسماء: والله لقد فجعكم بماله مع نفسه، فقالت: كلّا، لقد ترك لنا خيرًا كثيرًا، وأخذت بيده ووضعتها على كوْم من الحجارة قد غطته، فقال لا بأس إذا كان لقد ترك لكم هذا، فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، فقالت أسماء: لا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكن أردت أن أسكت الشيخ بذلك. ويؤخَذُ من هذا درس، وهو الاستفادة من موقف أسماء، بأن تقف المرأة الداعية في هذا العصر وفي كل عصر، وعند الملمات، تتحمّل الجوع من أجل دينها

стр. 150

ودعوتها وعقيدتها، وتسكن ثائرة الأهل إذا عضتهم الحاجة بثباتها، وعلّمت أسماء المرأة كيف تخفي أسرار الرسول ﷺ ، وأسرار المؤمنين في كل زمان ومكان؛ حين أنكرت أنّها تعلم عن الرسول ﷺ ، وعن أبيها شيئًا، وقد جاء أبي جهل يسأل عنهما، فلطمها لطمة شديدة أسقطت قرطها من أذنها. فالمرأة المسلمة في هذا الدين مكلفة بحمله ونشره والدفاع عنه، والهجرة إلى دار الإسلام، وتكثير سواد المسلمين، وتقديم ما لديها من خبرة وجهد وجهاد في خدمة المجتمع الإسلامي، وبناء الدولة الإسلامية. رابعًا: التآمر على حياة الرسول ليلة الهجرة فيه أكثر من درس: ١ - أسلوب التصفية الجسدية من الطواغيت للرسل وأتباع الرسل، وسائر الدعاة في سائر الأمكنة والأزمان؛ إذ لمَّا أعياهم الرسول ﷺ بصبره وثباته ورفضه لإغراءاتهم وإغواءاتهم، قرروا قتله، وأن يتوزّع دمه بين القبائل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: ٣٠). ٢ - من أساليب التآمر على الدعاة النفي والتغريب من الوطن، وتقييد حرياتهم حتى لا يتصلوا بالناس، ولا يؤثّروا عليهم، أسلوب قديم حديث يتكرر عند المسلمين منذ عهد النبي ﷺ ، وإلى أن تقوم الساعة. ٣ - في قصة الشيطان الذي ظهر على صورة شيخ نجدي، دلالةٌ أنّ شياطين الإنس والجن متحدون ومتفقون في الهدف، وهو الصدّ عن سبيل الله، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا.

стр. 151

٤ - يظهر مدى حبِّ الصحابة للرسول ﷺ حين رفض الشيخ النجدي اقتراح مَنْ اقترح السجن، بأنَّ الصحابة لن يسلّموه أبدًا، والشواهد على هذا الحب كثيرة، في الهجرة وغيرها. ٥ - فشل القبائل في قتل الرسول ﷺ ، وتوزيع دمه على القبائل، يدل على أن الله تعالى قد تعهَّد بحفظه وحمايته من الأعداء، على حياته، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧). ٦ - أسلوب السخرية والاستهزاء بالدعوة والدعاة أسلوب خبيث استخدمه أبو جهل بقوله: إن محمد يعدكم جنانًا كجنان الأردن. ٧ - يفهم من كلام أبي جهل أنَّ الأردن كانت بلادًا زراعية، تجود فيها المزروعات والفواكه منذ قديم الزمان، ويفهم من ذلك أيضًا أنَّ الأردن كانت مأهولة بالسكان، ومما ينبغي ذكره أن الأردن لا تطلق على الأراضي التي تقع شرقي نهر الأردن، إنّ الأردن في ذلك الوقت وبعد الفتح الإسلامي، وحتى اتفاقية سايكس بيكو، كانت تطلق على شمال الأردن وشمال فلسطين، وإنّ فلسطين كانت تطلق على جنوب الأردن وجنوب فلسطين، وشمال الأردن وشمال فلسطين منذ القدم أراض زراعية كثيرة المياه، بخلاف جنوب الأردن وجنوب فلسطين، فمعظمها أرض شبه صحراوية، قليلة المياه، قليلة الينابيع. ٨ - ثقة النبي ﷺ بربه وبنصره جعلته يتحدّى أبا جهل وسائر المتآمرين المحاصرين له، وينثر الرمل على رءوسهم؛ لأن أبا جهل الذي قال متهكمًا: إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنات كجنان الأردن، وإن أنتم لم تفعلوا كان

стр. 152

فيكم الذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم نارًا تحرقون فيها، ويخرج الرسول ﷺ وهو ينثر الرمل على رأسه وعلى غيره. نتائج الهجرة لقد تكوّنت الدولة الإسلامية بعد الهجرة النبوية، وأنشأ رسول الله ﷺ المؤسسات العسكرية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية، وأنجز أمورًا لم تكن لتتمَّ إلا بعد الهجرة وبناء الدولة. أولًا: التكافل الاجتماعي: لقد آخى رسول الله ﷺ بين المسلمين؛ من مهاجرين وأنصار، وتقاسموا الأموال والديار، وقدَّم أصحاب الأموال أموالهم لإخوانهم؛ ابتغاء مرضاة الله وثوابه، وبناء على أمر الرسول ﷺ تآخوا أخوين أخوين، ولقد وصف الله هذا التكافل بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩). ولقد روى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه، بإسناده إلى إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: ((لمَّا قدِموا المدينة آخى رسول الله ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمِّها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها تزوجتها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين السوق؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلّا ومعه فضل من أقط وسمن)).

стр. 153

ما يؤخذ من هذا: ١ - فضيلة الإيثار، وقد كانت هذه خصلة عند أهل المدينة، قد امتدحهم الله بها، وهذا تشجيع لكل مؤمن أن يؤثر أخاه ولو على نفسه، في أيّ مغنم من مغانم الدنيا. ٢ - إنَّ عبد الله بن عوف عفَّ عن مشاركة سعد بن الربيع في ماله، ولم يرضَ أن يكون عيلة على غيره، بل بادر من أول يوم يعمل ويكتسب بيده. ٣ - ويؤخَذ من هذا أنَّ عبد الرحمن بن عوف كان ناجحًا في تجارته، وممن عناهم الرسول ﷺ : ((التاجر الصدوق الأمين يحشر مع النبيين والصديقين والشهداء)). ويفهم أيضًا أنّ التجارة باب من أبواب الرزق والكسب الحلال. ثانيًا: تنظيم شعب الدولة الإسلامية: لقد وحَّد الرسول ﷺ بعد هجرته بين سكان المدينة من الأنصار والمهاجرين واليهود، فكتب كتابًا ينظم شعب المدينة، ويقرّر الحقوق والواجبات لكلٍّ من فئات الشعب، فهو رئيس الدولة، وهو الحاكم لهذه الدولة، ويجب أن تخضع له كل الفئات، ويلتزم أوامره في الداخل والخارج. ثالثًا: بناء الاقتصاد الإسلامي: لقد حلَّ الرسول ﷺ بالمدينة، فوجد اليهود مسيطرين على الاقتصاد المدني، وسوق بني قينقاع هي السوق المقصودة والمعتمدة عند الناس، على الرغم من تحكُّم اليهود في الناس، واحتكار السلع، واستغلال حاجة الناس، إزاء هذا

стр. 154

الوضع قرَّر الرسول ﷺ تصويب الوضع، وإقامة سوق إسلامية في التعامل، إسلامية في الإدارة، إسلامية في كل شيء، وقد أقامها بالفعل، فأقبل الناس على هذه السوق، وهجروا سوق يهود بني قينقاع. وهكذا استطاع المسلمون أن يسيطروا على اقتصاد المدينة، ويتحكموا فيه، ويقهروا اليهود في أدق اختصاصاتهم. رابعًا: تكوين القوة العسكرية المعاصرة: إنَّ الإسلام قرّر إعلان الحرب على أعداء هذا الدين، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (الأنفال: ٣٩)، ومن ثَمَّ فالصراع المسلّح قائم بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، ومعسكر الكفر سيشحذ كل طاقاته وإمكاناته في هذا الصراع، فما على أهل الإيمان إلّا الاستعداد والإعداد والتخطيط. ولقد اهتمَّ الرسول ﷺ من أول يوم ببناء جيش قوي، يكون حارسًا للدولة الإسلامية، وحاميًا للدعاة في الخارج، وكاسرًا لشوكة الأعداء المحاربين، وهذا يتطلب جيشًا معاصرًا، فقد استوعب كل قضايا عصره؛ من حيث التخطيط والتدريب والتسليح، ولهذا لم يكتفِ الرسول ﷺ بما عند العرب من أسلحة، بل بعث نفرًا من المسلمين ليتعلّموا صناعة الدبابات إلى جرش في اليمن، وكانت اليمن يوم ذاك خاضعة لحكم الفرس، وكانت دولة الفرس متطورة في أسلحتها، وقد مهَر من ذَهَب إلى اليمن في صناعة الدبابات والمنجنيق، فصنعها المسلمون واستخدموها في حصار الطائف، كما تروي كتب السيرة. إنَّ شراء الأسلحة لا يحلّ المشكلة؛ لأن الذي يبيع قد يمنع في وقت من الأوقات، إنّ ما أقدم عليه النبي ﷺ يشعرك بأهمية الاستقلال في هذا الدين، الاستقلال في كل شيء، ومن ذلك أن يُصنَع السلاح بأيد إسلامية متوضئة.

стр. 155

خامسًا: إنشاء المؤسسات التربوية "المساجد": إن كتب السيرة النبوية تروي لنا أنَّ رسول الله ﷺ قد اهتمَّ بالمؤسسات التربوية، وهي المساجد، وقبل أن يصل إلى المدينة قد أقام في قباء مسجدًا، سمِّي مسجد قباء، وهو أوّل مسجد في الإسلام، صلى فيه أيامًا، ثم سار بعد ذلك، فأدركته الصلاة يوم الجمعة عند بني سالم بن عوف، فبنى عندهم مسجدًا، وصلى فيه بهم الجمعة، وكانت أول جمعة في المدينة، واشترى الأرض من وليّها، وأمر النبي ﷺ بنبش قبور المشركين التي فيها، وقطع نخيلها، ونقِلَت عظام الموتى، ثم بنى مسجده، وهو المسجد النبوي اليوم، والصلاة فيه بألف صلاة. وحديث بناء المسجد في أرض الغلامين اليتيمين رواه الإمام البخاري في صحيحه. إنّ الملفت للنظر اهتمام الرسول ﷺ ببناء المساجد والإكثار منها، وهذا يدل على مكانة المسجد في الإسلام وأهميته، والذي يدقّق النظر في وظيفة المسجد ورسالته، يجد له أكثر من وظيفة، فهو مكان لتأدية الصلاة، ومكان للتربية، يربِّي الرسول ﷺ المسلمين رجالًا ونساءً وشيوخًا وغلمانًا، ويعلمهم القرآن، فهو بمثابة المدارس والمعاهد والجامعات. وكان المسجد منبر إعلام وإشعاع فكري بالنسبة للمسلمين، يجتمعون فيه للبحث في قضاياهم العامّة، يتعارفون فيه، يتكاتفون ويتكافلون، ويتزاورون ويتحابون، ويحدثهم الرسول ﷺ عن قضاياهم، ويقدم لهم الحلول، وكان يحدثهم عن أحوال الغزوات أحيانًا، كما حدث في سرية مؤتة؛ إذ أخبر المسلمين بمجريات الأمور أثناء وقوع الغزوة، بعد أن جمعهم في المسجد، فقال ﷺ : ((ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي، إنهم انطلقوا حتى لقوا العدو، فأصيب زيد بن حارثة شهيدًا، فاستغفروا له، فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فشدَّ على القوم حتى قُتِل شهيدًا، اشهدوا له بالشهادة، فاستغفروا له، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن

стр. 156

رواحة، فأثبت قدميه حتى أصيب، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، فرفع الرسول ﷺ إصبعيه قال: اللهم هو سيف من سيوفك فانصره)). وكان المسجد مقرًّا للقضاء، يقضي فيه الرسول ﷺ بين المتخاصمين بالحق والعدل، لا تأخذه في الله لومة لائم. وكان المسجد مركز تجمُّع للجيوش الإسلامية، ومركز انطلاق كذلك، تنطلق منه الجيوش بقيادة رسول الله ﷺ أو بتوجيهاته وتوصياته، اغزُ باسم الله، وعلى بركة الله، يحدّد أهداف السرايا والبعوث، ويدعو إلى آداب الإسلام في القتال. وكان المسجد مقرًّا للشورى، يستشير الرسول ﷺ المسلمين فيه، فهو بمثابة مجلس الأمة، تُعرض فيه قضاياها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ويفكر المسلمون وأهل الحل والعقد خاصّة بإيجاد الحلول المناسبة لتلك القضايا، في جوٍّ من الحرية في التفكير. إنَّ على العلماء والدعاة والمسئولين أن يعيدوا للمسجد قدسيته، بإعادة إليه رسالته، فيكون مدرسة ومعهدًا وجامعة، ومحضنًا للتربية، ومجلسًا للأمة، ومركز إشعاع فكري، وتوجيه خلقي، وتوعية سياسية، ومنبرًا لقول كلمة الحق. ملامح شخصية الرسول ﷺ - شخصية الرسول ﷺ في بيته ومع أهله: كان رسول الله ﷺ في معيشته، في نفسه، لا يتكلف في لباس ولا طعام، يلبس ما تيسّر، وأكثر لبسه المعتاد من لباس الناس، وكان يلبس جيد الثياب إذا اقتضى الأمر لمقابلة وفود، أو لمناسبة عيد، وكان يأكل ما يجده، فإن وجد اللحم والحلوى أكل، وإن لم يجد إلا الخبز والزيت أو الخل أكل، وإن لم يجد ما يأكله بات طاويًا، وربما شدَّ على بطنه الحجر من شدة الجوع.

стр. 157

وكان ينام على فراض من جلد حشوه ليف، ويجلس على الحصير، وينام عليها كثيرًا. معيشته في بيته: كان حلو المعاشرة لزوجاته، كثير المسامرة لهنّ، متحملًا لأخلاقهنّ، وخاصة غيرتهن، وكان يقول: ((خيركم خيركم لأهله))، وكان نساءه يحتملن منه شدة الحال وخشونة العيش، وكان يسره ذلك منهنّ، فلمّا فكّرن يومًا أن يطلبن منه التوسعة والزينة والمطعم، شقّ ذلك عليه، وهجرهنّ شهرًا لا يكلمهن، ثم نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا* وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب:٢٨، ٢٩). فلمّا نزلت هاتان الآيتان خيّرَ نساءه وبدأ بعائشة، وقال لها: ((ما أحبّ أن تختاري حتى تستأمري أبواك)) ثم تلا عليها الآيات، وفيها التخيير بين أن تبقى عنده على شظف العيش وخشونة الحياة، وبين أن يفارقها ويمتعها متاعًا جميلًا، فكان جوابها على الفور: أفيك أستأمر أبواي، بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وكذلك فعل بكلِّ واحدة من نسائه على انفراد، فكان جوابها كجواب عائشة، وهي لا تعلم بما أجابت به غيرها. وظلَّ هكذا شأنه مع نسائه من التقشف وخشونة العيش حتى توفاه الله. تقول السيدة عائشة ﵂: "ما شبع آل محمد يومين من خبز بُرّ، ولقد كنا نمكث الشهر والشهرين لا يوقد في بيتنا نار، وما كان طعامنا إلّا التمر والماء، ولقد توفِّي رسول الله ﷺ وما في بيتنا شيء يأكله ذو كبد، إلّا كسرة خبز من شعير على رفٍّ لي"، وقال أنس: "رَهن النبي ﷺ درعًا له على شعير يأخذه لطعام أهله".

стр. 158

عمله في بيته ﷺ : سئِلت عائشة ﵂: ماذا كان يعمل رسول الله ﷺ في البيت؟ فقالت: "كان بشرًا من البشر، يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب شاته، ويعمل ما يعمل الرجل في بيته، فإذا حضرت الصلاة خرج". خشيته وعبادته ﷺ : كان رسول الله ﷺ كثير المراقبة لله واسع الخشية منه، عظيم العبادة له، ففي الليل متهجدًا راكعًا ساجدًا، حتى تتورّم قدماه، وتفيض عيناه بالدمع من خشية الله، حتى يسمَع لصدره أزيز كأزيز الرجل المرجل من البكاء، فتقول له في ذلك السيدة عائشة ﵂: ((أتفعل ذلك يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّر، فيجيبها: أفلا أكون عبدًا شكورًا)). وكان كثير اللهج باسم الله ، فإذا أكل أو شرب، أو قام أو قعد، أو ابتدأ شيئًا، أو فعل أمرًا، بدأ ذلك كله بسم الله الرحمن الرحيم، وإذا اختتمه بالحمد لله رب العالمين. وكان لا يفتر عن الدعاء لربه، ومن دعائه ﵊: ((اللهم إني أعوذ بك من عمل لا ينفع، وعمل لا يرفع، ودعاء لا يسمع، اللهم إني أسألك من الخير كله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك، اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء)).

стр. 159

ولما كذّبته ثقيف في الطائف وآذته، وأغرت به سفهاءها يرجمونه بالأحجار، حتى دميت قدماه، اتجه إلى الله خالقه بهذا الدعاء الرهيب: ((اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، إلى من تكلني، إلى عدوٍّ يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أنّ عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أضاءت له السموات الأرض، وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تحلّ علي غضبك، أو ينزل بي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)). مزاحه ودعابته ﷺ : وممَّا يتصل بطيب النفس حب الدعابة البريئة، والمزاح مع الأصحاب والمترددين عليه، فقد كان ﷺ يحب الدعابة، ويبتسم بالنكتة اللطيفة، ويمازح أصحابه، ويداعبهم بالنكات اللطيفة، جاءته امرأة عجوز تطلب إليه أن يدعو الله لها بدخول الجنة، فقال لها مداعبًا: ((أوَمَا علمت أنّ الجنة لا تدخلها عجوز؟ فولّت تبكي، فقال: ردوها، أما قرأت قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً* فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا* عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ (الواقعة:٣٥ - ٣٧))) وجاءته امرأة من الأنصار تشكو إليه زوجها، فقال: ((أزوجك الذي في عينه بياض)) فجزعت؛ إذ ظنّت أن بعينه عيبًا لم تطلّع عليه، فأفهمها أنّ كل إنسان في عينه بياض حول المقلة، وجاءه أعرابي يسأله أن يمنحه ناقة يركب عليها في سفره، فقال له: ((أنا حاملك على ولد ناقة، فقال: وما أصنع به يا رسول الله؟! فقال ﷺ : وهل تلد الإبل إلا النوق)).

стр. 160

وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني لأمزح وما أقول إلا خيرًا)). تواضعه وسماحته ﷺ : قد رأيت فيما مرَّ معك من معاملته لأصحابه أنَّها معاملة نبيّ كريم، وزعيم محبوب، وإنسان عظيم، استمدَّ عظمته من خصائصه لا من جاهه ولا من نفوذه، ومما يروع في سيرة رسول الله ﷺ أنه ظلّ هو الإنسان المتواضع، تواضع الأنبياء العظماء في مختلف مراحل دعوته؛ حين كان مضطهدًا، وحين كان منتصرًا، وحين كان وحيدًا، وحين كان سيد الجزيرة العربية المطاع، حين كان في أشد المحن، وما عهدنا بمثل هذا في تاريخ العظماء، وما كان محمد عظيمًا فحسب، ولكنه رسول الله أيضًا، يوم فتح الله له مكة، وانهزمت أمام جحافل جيوشه قريش الطاغية الباغية، التي ناصبته العداء نحوًا من عشرين عامًا، دخل مكة على جمل له، مطأطئ الرأس خضوعًا لله وشكرًا، وجاءه الرجال خائفين، وفيهم رجل ترتعد فرائسه، فقال له: ((هوّن عليك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد)). وظل رسول الله ﷺ يستمع إلى العبد والعجوز والأرملة والمسكين، يقف في الطريق لكل من يستوقفه، ويصافح كل من يلقاه، فلا يترك يده حتى يكون الذي استوقفه هو الذي يترك يده، يتفقّد أصحابه، ويزور مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويستمع إلى مشاكلهم، ويشاركهم أحزانهم وأفراحهم. رحمته وشفقته ﷺ : كان ﷺ واسع الرحمة بالأطفال والنساء والضعفاء، سمع بكاء صبي وهو في الصلاة، فخفّف صلاته؛ كي لا تفتن أمه التي كانت تصلي وراءه، ومرَّ بعد

стр. 161

انتهاء إحدى المعارك بجثة امرأة مقتولة، فغضب وقال: ((ألم أنهكم عن قتل النساء؟! ما كانت هذه لقاتل))، وبلغت رحمته بالحيوان حدًّا عجيبًا، فقد أمال الإناء إلى هرّة أرادت الشرب، ورأى جملًا هزيلًا فقال: ((اتقوا الله في هذه البهائم، أطعموها واركبوها صالحة))، وبلغت معاملته للأرقّاء ووصاياه فيهم حدًّا لم يعرفه التاريخ، وكل ذلك دليل على ما فاضت به نفسه الكبيرة من معاني الرحمة والشفقة. مشاركته لآلام الناس: اشتكت إليه فاطمة بنته ما تلقاه من أعمال البيت من شدة وعناء، وطلبت إليه أن يخدمها خادمًا، فرفض ﵊ ذلك، وقال لها: ((لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع)). وذهبت أم الحكم بنت الزبير وأختها فاطمة تسألان النبي ﷺ معونة على أعمالهما البيتية، فقال لهما: ((سبقكما يتامى بدر)) وأتى النبي ﷺ بيت فاطمة يزوره، ثم عدل فلم يدخل عليها، فبعثت عليًّا ليسأل عن سبب عدوله عن زيارتها، فأجابه الرسول ﷺ : ((إني رأيت على بابها سترًا موشيًا)) فعاد عليّ إلى فاطمة فأخبرها الخبر، فقالت فاطمة: ليأمرني فيه بما شاء، فقال ﵊: ((لترسلي به إلى فلان)) أهل بيت بهم حاجة، وأراد زيارتها مرة أخرى، فعاد كذلك دون أن يدخل عليها، فأرسلت تسأله عن سرِّ ذلك أيضًا، فأجابها: ((إني وجدت في يدها سوارين من فضة)) فبلغها ذلك، فأرسلتهما إليه، فباعهما النبي ﷺ بدرهمين ونصف، وتصدق بهما على الفقراء.

стр. 162

زهده في الدنيا ﷺ : قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (طه: ١٣١) قال بقية بن الوليد، عن الزبيدي، عن الزهري، عن محمد بن عبد الله بن عباس قال: ((كان ابن عباس يحدّث أنَّ الله تعالى أرسل إلى نبيه ﷺ ملكًا من الملائكة معه جبريل، فقال الملك: إنّ الله يخيّرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا وبين أن تكون ملكًا نبيًّا، فالتفت النبي ﷺ كالمستشير له، فأشار جبريل إلى رسول الله ﷺ : أن تواضع، فقال رسول الله ﷺ : بل أكون عبدًا نبيًّا)). وقال عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، حدثني ابن عباس أنّ عمر ﵁ قال: ((دخلت على رسول الله ﷺ في خزانته، فإذا هو مضطجع على حصير، فأدنى عليه إزاره وجلس، وإذا الحصير قد أثّر بجنبه، فقلبت عيني في خزانة رسول الله ﷺ ، فإذا ليس فيها شيء من الدنيا غير قبضتين، أو قال: قبضة من شعير، وقبضة من أرز نحو الصاعين، وإذا أفيق معلق أو أفيقان، قال: فابتدرت عيناي، فقال رسول الله ﷺ : ما يبكيك يابن الخطاب؟ قلت: يا رسول الله، ومالي لا أبكي وأنت صفوة الله ورسوله وخيرته، وهذا خزانتك، وكسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت هكذا؟ فقال: يابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا، قلت: بلى يا رسول الله، قال: فاحمد الله تعالى)) أخرجه مسلم. هذا وبالله التوفيق.

стр. 163

الدرس: ١١ هدي النبي ﷺ في تريبة أصحابه .

стр. 164

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي عشر (هدي النبي ﷺ في تريبة أصحابه) تربية الصحابة على أخلاق الإسلام السامية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سلك طريقه وسار على نهجه واتبع هداه وبعد: لقد حرص الرسول ﷺ على تربية أصحابه على أخلاق الإسلام، كما حرصوا على التأسِّي به، على أنه لم يكلهم إلى ذلك فحسب، بل كان يتعهدهم بالإرشاد إلى الخِلال الحميدة، ويمرنهم على الأخذ بها، ويشجّع المحسن منهم ولو بالكلمة الطيبة، حتى تصير ملكة وخلقًا، وحتى يتنافس فيها المتنافسون. من إرشاده إلى الأخلاق الفاضلة قوله: ((ثلاث من كن فيه استوجب الثواب، واستكمل الإيمان: خلق يعيش به في الناس، وورع يحجزه عن محارم الله، وحلم يردُّ به جهل الجاهل)) أخرجه البزار من حديث أنس. وقوله: ((إن أحبكم إليَّ وأقربكم مني منزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون)) أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة، وعن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال: أراد معاذ بن جبل سفرًا إلى جهة فقال: ((يا نبي الله أوصني، قال: اعبد الله ولا تشرك به شيئًا، قال: زدني، قال: إذا أسأت فأحسن، قال: زدني، قال: استقم وليحسن خلقك)) أخرجه ابن حبان في صحيحه. وقوله: ((اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب)) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة. وقوله: ((عفُّوا تعفّكم نساؤكم، وبرّوا آباءكم تبركم أبناؤكم)) رواه الطبراني من حديث عائشة، وقوله: ((ما من شيء بأثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من

стр. 165

خلق حسن، وإنّ الله يبغض الفاحش البذيء)) أخرجه الترمذي عن أبي الدرداء، والبذيء بفتحٍ فكسر ثم تشديد، الذي يتكلّم بالفحش ورديء الكلام. وقوله: ((إن لله خََلْقًا خلقهم لحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله)) رواه الطبري وقال: ((أحبّ الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تطرد عنه جزعًا، أو تقضي عنه دينًا)) رواه أبو الشيخ من حديث ابن عمر. وقوله: ((إن أطيب الكسب كسب التجار، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذمّوا، وإذا باعوا لم يمدحوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسّروا)) رواه البيهقي من حديث معاذ ﵁. وعن ابن عباس قال: وقع بين خالد بن الوليد وعمَّار بن ياسر ﵄ كلام، فقال عمار: لقد هممت بألّا أكلمك أبدًا، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ((يا خالد، ما لك ولعمار؟ رجل من أهل الجنة قد شهد بدرًا، وقال لعمار: إنّ خالدًا يا عمار سيف من سيوف الله على الكفار، قال خالد: فما زلت أحب عمارًا من يومئذ)). وقوله ﷺ : ((اتَّق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وقال ﷺ : ((من سعادة المرء حسن الخلق، ومن شقاوته سوء الخلق)) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن جابر بن عبد الله. وقوله: ((إن هذه الأخلاق من الله، فمن أراد الله به خيرًا منحه خلقًا حسنًا، ومن أراد به شرًّا منحه خلقًا سيئًا)) رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة.

стр. 166

وقال: ((إنّ الله قسَّم بينكم أخلاقكم كما قسَّم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلّا من يحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه، قلت يا رسول الله: وما بوائقه؟ قال: غشمه وظلمه)) أخرجه أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ والغشم -بفتح فسكون- الظلم، فالعطف تفسير. وقال: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا)) رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح، كما قال ﷺ : ((من أحسن فيما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه)) أخرجه الحاكم عن ابن عمرو، وقال أنس ﵁: ((لقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله: ألَا فعلت كذا)) متفق عليه. هذا، إلى ما غرسه في نفوسهم من ملكة النظر والبحث والاستنباط؛ إذ لم يكن همّه على المعجزات، بل توجيه النفوس إلى النظر في آيات الله، في الأنفس والآفاق، فنشأ من ذلك: ١ - معرفة الخالق التي هي رأس المعارف والعلوم اليقينية. ٢ - تقوية غريزة حب النظام والجمال، وناهيك بجمال الطبيعة. ٣ - تربية ملكة تقدير الجمال والنظام، والبحث في الروابط والأسباب، وفي ذلك تربية الأفكار وتنمية العقول؛ لأن شأنها الميل إلى التعليل والاستنتاج، وناهيك بتربية العقول والأفكار، وما ينشأ عنها من الآثار الحسنة، ولهذا كان الصحابة ومَن بعدَهم من السلف الصالح، من الشخصيات اليقظة التي لا

стр. 167

تخدعها الشعوذة والخرافات والأوهام، بل قلَّ أن تجد للكهانة بين أبناء الأمة الإسلامية سوقًا نافقة، كما تجدها في سائر الديانات، ذلك أنَّ الإسلام قام على النظر في البرهان، قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ١١١). ٤ - غرس مبادئ قوة العزم والرأي، واستقلال الفكر، والاعتماد على النفس، ولهذا لم يجد النبي ﷺ في أصحابه ضعفًا في مواقف الجدِّ، فلم يجد همَمَهم فاترة، وعقولهم قاصرة، كما وجد موسى ﵇ في بني إسرائيل ذلك الخَوَر الفاضح، حين ذهب بهم إلى العدو، إذا بهم ينكصون على أعقابهم، ويخاطبونه بلسان الخائر الجبان: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: ٢٤) ألَا بعدًا لقوم لا يؤمنون، ألهذا كانوا يقترحون الآيات ويمعنون في طلب المعجزات، كلا لم يجد من أصحابه مثل هذا. وُدُّ النبي ﷺ ووفاؤه، وتفقُّد أحوال أصحابه، وكرمه ودّه ﷺ ووفاؤه: كان ﷺ أكثر ما يكون ودًّا ووفاء للضعفاء والبسطاء من الذين حملوا معه أعباء الدعوة وأثقال الجهاد، وذات يوم مرَّ أبو سفيان على سليمان وصهيب وبلال، وكانوا عبيدًا فأعتقوا، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدوّ الله مأخذها، فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها؟ فأتى النبي ﷺ فقصَّ عليه فقال: ((يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك)) فانطلق إليهم أبو بكر فقال: أغضبتم يا إخوتي؟ قالوا: لا، يغفر الله لك، لقد خشي النبي ﷺ أن يكون قد مسَّهم حرج أو استشعروا إهانة، وهم البسطاء الضعفاء، الذين لم يكن لهم شرف ولا كرامة إلّا بالإسلام، فإنه

стр. 168

لشرف لا يعدوه شرف، كرامة لا تعلو عليها كرامة، فأي سموّ ارتقى إليه هذا الإنسان العظيم الذي وسع خلقه كل الناس، وعمّ أرجاء الدنيا. ولنواصل المسيرة مع شيء من ذلك النبع الفيّاض في حياة الرسول الوفي ﷺ : كان يقف كل يوم عقب صلاة الصبح ويقول: ((هل فيكم مريض أعوده؟ هل فيكم جنازة أتبعها؟ فإن قالوا: لا، قال: من رأى منكم رؤيا فليقصها))، وتموت امرأة كانت تباشر خدمة المسجد، ويدفنها المسلمون دون أن يعلموا النبي ﷺ ، ثم يعرف النبي بوفاتها بعد ذلك، فيحزن ويقول لأصحابه متألمًا: ((هلّا أعلمتموني))، قالوا: ماتت بالليل، وكانت ظلمة، فكرهنا أن نشقّ عليك، فيذهب ﵊ إلى قبرها، ويدعو الله لها، ثم ينطلق إلى أهلها فيقدّم لهم العزاء والسلوى. ويبلغ به الوفاء مبلغًا هو في غاية السمو والجلال، وذلك حين يقدُم عليه وفد النجاشي ملك الحبشة، الذي كان له يد بيضاء على المسلمين الذين هاجروا إلى بلاده فرارًا من ظلم قريش، واستجابة لأمر رسول الله ﷺ فيقوم النبي بنفسه على خدمة الوفد ورعايته، فيقول له أصحابه: يا رسول الله، إنا نكفيك هذا، فيقول: ((إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإني أحب أن أكافأهم)). لقد كافأهم بنفسه؛ لأن ردَّ الجميل عنده لا يقبل الإنابة، إنهم قد أكرموا أصحابه من أجله في ديارهم، وأعزوهم في هجرتهم وغربتهم، وكذلك يكون الوفاء. وهو وفيّ في غضبه مثل وفائه في رضاه، ودودٌ في حزنه مثل ودّه في سروره، وذلك غاية الكمال والجلال، في أعقاب معركة حنين قسّم الغنائم على المهاجرين دون الأنصار، وهم الذين تحملوا عبء المعركة وأهوالها، وهم الذين ثبتوا مع رسول ﷺ حتى تبدّل الفرار انتصارًا، وضاقت نفوس الأنصار لحرمانهم من

стр. 169

الغنائم، وتحدّثوا في ذلك، وعلم ﵊ بهذا، فقام فيهم خطيبًا وقال: ((يا معشر الأنصار، ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألّف الله بين قلوبكم، قالوا: بلى، قال: ألَا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: وماذا نقول يا رسول الله؟ وبماذا نجيبك؟ المَنُّ لله ورسوله، قال: والله لو شئتم فقلتم فصدّقتم وصُدِّقتم، جئتنا وحيدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك، وخائفًا فأمّنّاك، ومخذولًا فنصرناك، فقالوا: المَنّ لله ورسوله، فقال: أوجدتم في نفوسكم يا معاشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألّفت بها قومًا أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام، أفلا ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، فوالذي نفسي بيده، لو أن الناس سلكوا شعبًا وسلك الأنصار شعبًا، لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، فبكى القوم، وقالوا: رضينا بالله ربًّا، ورسوله قسمًا، ثم انصرفوا وقد رضوا واطمأنوا)). فليس حرمان الأنصار من الغنائم تخليًا عنهم، ولا قَلَا لهم، ولا نكرانًا لدورهم، ولا جحودًا لسجلهم المشرّف في تاريخ الدعوة، ولكنّه لحكمة أجَلّ وأعظم، أما الودّ فباقٍ على حاله، وأمّا الوفاء فهو منهم ولهم وبهم؛ لأنهم أنصاره وكفى. وكان له مع الأنصار أيضًا مواقف تفيض ودًّا ووفاءً، وهم بذلك جديرون، فبعد أن أتمّ الله عليه نعمته، وأكمل له دينه، ففتح له مكة، ودانت له جزيرة العرب، سمع همسات الأنصار من حوله: إن دولة المدينة قد دالت، فإن محمدًا سيبقى في بلده مسقط رأسه، والتي يحمل إليها أسمى معاني الحب والوفاء، من يوم أن تركها إلى يومنا هذا، والتي كان يتوجّه إليها دائمًا بقوله: ((والله إنك لأحب البلاد إلى الله، وإنك لأحبّ البلاد إلي، ولولا أنّ قومك أخرجوني منك ما خرجت))،

стр. 170

والآن قد عاد إليها وطاب له المقام فيها، ويسمع الرسول منهم ذلك، فيذهب إليهم ويقول لهم في ودٍّ ووفاء: ((يا معشر الأنصار، معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم))، وهنا ترتفع أصواتهم شاكرة لله فضله، وللرسول وفاءه. إنه سيعود إليهم وسيموت ويدفَن في المدينة، ذلك البلد الأمين الذي آواه وأيده ونصره وأعزه، عرفانًا بالجميل، ووفاء للذكرى، وتقديرًا لأهله الكرام الأوفياء. كان ﷺ وفيًّا للكرام الأوفياء، محبًّا لهم على البعد، مقدرًا لهم على السمعة، وكان يعطيهم حقهم من التكريم والتعظيم والوفاء، ولم يكن هذا بغريب على شيمة رسول الله ﷺ . بعد أن انتهت إحدى المعارك بين المسلمين وأعدائهم، وقد انتصر فيها المسلمون، ووقع في أيديهم عدد من الأسرى، سيقوا إلى النبي ﷺ ، تقدّمت إحدى الأسيرات ووقفت بين يدي الرسول الكريم ﷺ وقالت: يا محمد، هلك الولد، وغاب الرافد، فإن رأيت أن تمنَّ علي، وتخلّي عني، ولا تشمت بي الأعداء، فإني ابنة سيد قومه، إن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويفشي السلام، ولا يرد طالب حاجة، فقال ﷺ : ((من أبوك؟)) قالوا: حاتم الطائي، فقال: ((لو كان أبوها مسلمًا لترحمنا عليه، فخلوا سبيلها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق))، فخرجت إلى أخيها عدي وقالت: ائت محمدًا، فإن فيه خصال الخير كلها، إنه يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الضعيف، ويعرف حق الكبير، وما رأيت أحدًا أجود منه ولا أكرم.

стр. 171

غضبه ﷺ وشدته في الحق كان رسول الله ﷺ لا يخشى في الله لومة لائم، وهذه بعض المواقف التي غضب فيها الرسول ﷺ : فلقد غضب عندما قيل له: إن فلانة ماتت واستراحت، أخرج الإمام أحمد في المسند، من حديث عائشة ﵂ قالت: ((جاء بلال إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ماتت فلانة واستراحت، فغضب رسول الله ﷺ وقال: إنما يستريح من دخل الجنة))، قال قتيبة: من غفر له. كما غضب ﷺ عندما تكلّم البعض في إمارة أسامة بن زيد وأبيه ﵄، قال أهل السير: دعا رسول الله ﷺ أسامة، فقال: سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فعسكَر بالجرف، وخرج في عسكره أبو بكر وعمر وسعد وسعيد وأبو عبيدة، فتكلّم قوم وقالوا: يُستَعْمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين، فغضب رسول الله ﷺ غضبًا شديدًا، فخرج وقد عَصَّب رأسه بعصابة، فصعد المنبر وقال: ((أمّا بعد، فما مقالة بلغتني عنكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله، وايم الله، إن كان للإمارة خليقًا، وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة)). واشتد برسول الله ﷺ وجعه، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر: ((إن تطعنوا في إمارته -يريد أسامة بن زيد ﵄ فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وايم الله، إن كان لخليقًا لها، وايم الله، إن كان لأحبّ الناس إليّ، وايم الله، إنّ هذا لها لخليق -يريد أسامة بن زيد- وايم الله، إن كان لأحبهم إليّ من بعده، فأوصيكم به، فإنه من صالحيكم)).

стр. 172

قوله ﷺ : ((وايم الله، إن كان لخليقًا لها)) أي حقيقًا بها، وفيه جواز إمارة العتيق، وجواز تقديمه على العرب، وجواز تولية الصغير على الكبار، فقد كان أسامة صغيرًا جدًّا، توفي النبي ﷺ وهو ابن ثمان عشرة سنة، وقيل: عشرين، وجواز تولية المفضول على الفاضل للمصلحة، وفي هذه الأحاديث فضائل ظاهرة لزيد ولأسامة ﵄. كذلك غضب النبي ﷺ عند الجَوْر في الوصية: عن الذيّال بن عبيد بن حنظلة بن حزيم، عن حنيفة، سمعت جدي يقول: قال حنيفة لابنه حزيم: اجمع لي بنيك، فإني أريد أن أوصي، فجمعهم ثم قال: جمعتهم يا أبتاه، قال: فإني أوّل ما أوصي به مائة من الإبل التي كنّا نسمي المطيبة في الجاهلية صدقة على يتيمي هذا، في حجره، قال: اسم اليتيم ضرس بن قطيعة، قال حزيم لأبيه حنيفة: إني أسمع بنيك يقولون: إنما تقرّ بها عين أبينا، فإذا مات اقتسمناها، وقسمنا له مثل نصيب بعضنا، قال: أسمعتهم يقولون ذلك؟ قال: نعم، قال: فبيني وبينك رسول الله ﷺ ، فانطلقنا إليه، فإذا هو جالس فقال: من هؤلاء المقبلون، فقالوا: هذا حنيفة النعم، أكثر الناس بعيرًا بالبادية، قال: فمن هذان حواليه؟ قالوا: أمّا الذي عن يمينه فابنه حزيم الأكبر، ولا نعرف الذي عن يساره، فلمّا جاءوا إلى النبي ﷺ سلّم حنيفة على رسول الله ﷺ ، ثم سلّم حزيم، فقال النبي ﷺ : يا أبا حزيم، ما رفعك إلينا؟ قال: هذا رفعني وضرب فخذ حزيم، قال: أوَليس هذا حزيم؟ قال: نعم، قال: يا رسول الله، إني رجل كثير المال، عليّ ألف بعير، وأربعون من الخيل، سوى مالي في البيوت، خشيت أن يفجأني الموت أو أمر الله، فأردت أن أوصي، فأوصيت بمائة من الإبل التي كنا نسميها في الجاهلية المطيبة، صدقة على يتيمي هذا في حجرته، قال: فرأيت

стр. 173

الغضب في وجه رسول الله ﷺ حتى جثا على ركبتيه، ثم قال: ((ألا لا -ثلاث مرار- إنما الصدقة خمس، وإلّا فعشر، وإلا فخمس عشرة، وإلّا فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلّا فثلاثون، فإن كثرت فأربعون))، قال: فبادره حنيفة قال: فأشهدك يا رسول الله إنها أربعون من التي كنا نسميها المطيبة في الجاهلية، قال: فودّعه حنيفة، فقال رسول الله ﷺ : ((فأين يتيمك يا أبا حُزيم))، قال: هو ذاك النائم، قال: وكان شبيه المحتلم، فقال النبي ﷺ : ((لعظمت هذه هراوة يتيم))، ثم إن حنيفة وبنيه قاموا إلى أبا عِرْهم، فقال حزيم: يا رسول الله، إن لي بنين كثيرة، منهم ذو اللحى، ومنهم دون ذلك، وهذا أصغرهم وهو حنظلة، فقسمت عليه يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : ((ادنُ يا غلام، فدنا منه، فرفع يديه فوضعهما على رأسه، ثم قال: بارك الله فيه))، قال الذيال: فرأيت حنظلة يؤتَى بالرجل الوارم وجهه، والشاة الوارم ضرعها، فيتفل في كفّه، ثم يضعه على صلعته، ثم يقول: باسم الله، على أثر يد رسول الله ﷺ ، ثم يمسح الورم فيذهب. وكذلك غضب النبي ﷺ عند حثّ خباب ﵁ بالصبر على ما يلقاه من أذى: عن قيس بن أبي حازم، عن خباب ﵁ قال: ((أتينا رسول الله ﷺ وهو متوسّد بردة في ظل الكعبة، فشكونا إليه، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألَا تدعو الله لنا؟ فجلس محمرًا وجهه، فقال: قد كان من قبلكم، يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، ثم يؤتى بالمنشار فيجعل على رأسه، فيجعل فرقتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويمشّط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يصير الراكب ما بين صنعاء وحضرموت، ما يخاف إلّا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)).

стр. 174

وخباب هو ابن الأرت، وكان ممن أوذي في الله، سُبي في الجاهلية، فاشترته أم أنمار، وكان حدادًا، وكان النبي ﷺ يألفه قبل النبوة، فلمّا شرّفه الله بها أسلم خباب، فكانت مولاته تعذبه بالنار، فتأتي بالحديدة المحماة فتجعلها على ظهره ليكفر، فلا يزيده ذلك إلّا إيمانًا. وقوله: متوسّدٌ بردة -أي: كساء مخططًا- والمعنى: جاعل البردة وسادة له، من توسّد الشيء جعله تحت رأسه، فشكونا: أي الكفار، ألَا تدعو الله لنا، أي: على المشركين فإنهم يؤذوننا، فقوله: محمرًا وجهه، أي: من أثر النوم، ويحتمل أن يكون من الغضب، وبه جزم ابن التين. قاله الحافظ. فيُحفر له بصيغة المجهول، أي: يجعل له حفرة، بالمنشار -بكسر الميم- وهو آلة يشقّ بها الخشبة، فيجعل فرقتين: أي يجعل الرجل شقين، يعني: يقطع نصفين، ما يصرفه ذلك: أي لا يمنعه ذلك العذاب الشديد عن دينه، ويمشّط بصيغة المجهول بأمشاط الحديد، جمع المشط وهو ما يتمشّط به الشعر، ما دون عظمه من لحم وعصب. قوله: والذئب على غنمه: أي ما يخاف إلا الذئب على غنمه، ولا يخفى ما فيه من المبالغة في حصول الأمن وزوال الخوف، ولكنكم تستعجلون: أي سيزول عذاب المشركين، فاصبروا على أمر الدين كما صبر من سبقكم، قال ابن بطال: أجمعوا على أنّ من أكرِه على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة. وأما غير الكفر، فإن أكره على أكل الخنزير مثلًا فالفعل أولى. قال المحققون من العلماء: إذا تلفّظ المكره بالكفر فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلّا مجرى المعاريض، فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، ومتى لم يكن كذلك

стр. 175

كان كافرًا؛ لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها، مثاله: أن يقال له: اكفر بالله، فيقول: باللاهي. كذلك غضب النبي ﷺ عندما طلبت منه قريش رد عبدين كانا أسلما، وأتيا إلى رسول الله ﷺ قبل صلح الحديبية. عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: خرج عبدان إلى رسول الله ﷺ يوم الحديبية، قبل الصلح، فكتب إليه مواليهم، قالوا: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربًا من الرقّ، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله، ردّهم إليهم، فغضب رسول الله ﷺ وقال: ((ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا، وأبَى أن يردّهم وقال: هم عتقاء الله ). كذلك غضب النبي ﷺ عندما سُئل عن أشياء كرهها: عن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج حين زاغت الشمس، فصلّى لهم صلاة الظهر، فلما سلّم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أنّ قبلها أمورًا عظامًا، ثم قال: من أحب أن يسألني عن شيء فليسألني عنه، فوالله لا تسألونني عن شيء إلّا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا، قال أنس بن مالك ﵁: فأكثر الناس البكاء حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ، وأكثر رسول الله ﷺ أن يقول: سلوني، فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله، قال: أبوك حذافة، فلمّا أكثر رسول الله ﷺ من أن يقول: سلوني، برك عمر ﵁ فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، قال: فسكت رسول الله ﷺ حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله ﷺ : أولى والذي نفس محمد بيده، لقد عرضت عليّ الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر.

стр. 176

قال ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتيبة بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت بابن قط أعق منك، أأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية، فتفضحها على أعين الناس، قال عبد الله بن حذافة: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته. كذلك غضب النبي ﷺ عند اعتزاله لنسائه: عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: ((لما اعتزل نبي الله نساءه قال: دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، وذلك قبل أن يؤمرنَ بالحجاب، فقال عمر: فقلت: لأعلمنّ ذلك اليوم، قال: فدخلت على عائشة، فقلت: يا بنت أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله، فقالت: ما لي ومالك يابن الخطاب، عليك بعيبتك، قال: فدخلت على حفصة بنت عمر، فقلت لها: يا حفصة قد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله، والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله، فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله؟ قالت: هو في خزانته في المشربة، فدخلت، فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ قاعدًا على أسقف المشرُبة، مدل رجليه على نقير من خشب، وهو جذع يرقى عليه رسول الله ﷺ وينحدر، فناديت: يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ ، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئًا، ثم قلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئًا، ثم رفعت صوتي فقلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله، فإنّي أظن أن رسول الله ظنّ أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله بضرب عنقها لأضربنَّ عنقها، ورفعت صوتي، فأومأ إلي أن: ارقه، فدخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على حصير، فجلست فأدنى عليه

стр. 177

إزاره، وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثّر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله ﷺ ، فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قرظًا في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلّق، قال: فابتدرت عيناي، قال: ما يبكيك يابن الخطاب؟ قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلّا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله وصفوته من خلقه، وهذه خزانتك! فقال: يابن الخطاب، ألَا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قلت: بلى، قال: ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء، فإن كنت طلقتهن فإنّ الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر، والمؤمنون معك، وقلّما تكلمت، وأحمد الله بكلام إلّا رجوت أن يكون الله مصدق قولي، والذي أقول، ونزلت هذه الآية آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ (التحريم: ٥) وقوله: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (التحريم: ٤) وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي، فقلت: يا رسول الله، أطلقتهن؟ قال: لا، قلت: يا رسول الله، إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى، يقولون: طلق رسول الله نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: نعم إن شئت، فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر فضحك، وكان من أحسن الناس ثغرًا، ثم نزل نبي الله ونزلت)). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 178

الدرس: ١٢ تابع هدي النبي ﷺ في تريبة أصحابه .

стр. 179

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني عشر (تابع هدي النبي ﷺ في تريبة أصحابه) أثر شخصية الرسول ﷺ في تربية أصحابه الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن استن بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد: أثر شخصية النبي ﷺ في تربية أصحابه: لقد كان لشخصية الرسول ﷺ عظيم الأثر في شخصية أصحابه -رضوان الله عليهم، فكان الرسول ﷺ بالنسبة لهم، الإنسان الكامل الذي يسعى كل واحد منهم إلى الوصول سماته وصفاته، ولقد كان النبي ﷺ حريصًَا على ترسيخ القيم والمبادئ السامية في نفوسهم وقلوبهم، وكان ذلك أولًا بالفعل قبل القول؛ لأنّ الفعل أرسخ في النفوس، وأقدر على التعبير، ومن ذلك ما يأتي: معاملته لأصحابه: يقول أنس خادم رسول الله ﷺ : ((خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي أفٍّ قط، ولا قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لم تركته))، وقالت عائشة ﵂: ((ما ضرب شيئًا قط، ولا ضرب امرأة ولا خادمًا)). وقال أبو هريرة ﵁: ((دخلت السوق مع رسول الله ﷺ ليشتري سراويل، فوثب البائع إلى يد النبي ﷺ ليقبّلها، فجذب يده ومنعه قائلًا: هذا تفعله الأعاجم بملوكها، ولست بملك، إنما أنا رجل منكم، ثم أخذ السراويل، فأردت أن أحملها فأبى، وقال: صاحب الشيء أحق بأن يحمله)). وكان ﵊ مرة في سفر مع جماعة، فلمّا حان موعد الطعام عزموا على إعداد شاة يأكلونها، فقال أحدهم: عليّ ذبحها، وقال الآخر: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، فقال النبي ﷺ : وعليّ جمع الحطب، فقالوا: يا رسول الله، نحن نكفيك العمل، فقال: علمت أنكم تكفونني، ولكنني أكره أن أتميز عليكم، وأن الله يكره من عبده أن يراه مميزًا بين أصحابه.

стр. 180

كذلك جاء رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب، فقال لغلام له قصاب: اجعل لي طعامًا يكفي خمسة، فإني أريد أن أدعو النبي ﷺ خامس خمسة، فإنّي قد عرفت في وجهه الجوع، فدعاهم، فجاء معهم رجل، فقال النبي ﷺ لصاحب الدعوة: ((إن هذا قد تبعنا، فإن شئت أن تأذن له فأذن له، وإن شئت أن يرجع رجع، فقال الأنصاري: لا، بل أذنت له)). وكذلك كان من عادته ﷺ مع أصحابه أنه يقبل معذرة المسيء، ولا يجابه أحدًا بما يكره، وإذا بلغه عن أحدٍ شيء يكرهه، نبّه على خطئه بقوله: ما بال أقوام يفعلون كذا، دون أن يذكر اسمه، ولم يكن يحب أن يقوم له أحد، وكان يجلس حيث انتهى به المجلس، وينزل إلى أسواقهم فيرشدهم إلى الأمانة، وينهاهم عن الخداع والغش في المعاملات. وكان من عادته ﷺ أن يبشّ إلى كلِّ من يجلس إليه، حتى يظن أنه أحب أصحابه إلى قلبه، ويقرّب إليه ذوي السبق في الإسلام والجهاد، ولو كانوا غمار الناس، ويستشر أولي الرأي فيما هو من شئون السياسة أو الحرب، أو أمور الدنيا، وينزل عند آرائهم ولو خالفت رأيه، كما حصل في معركة بدر وغيرها. الرسول المعلم ﷺ : حياة الرسول ﷺ كلها إرشاد وهداية وتعليم، وخاصَّة ما كان من أقواله ﵊، التي قصد بها التشريع والهداية. ((جاء رجل إلى النبي ﷺ يريد الجهاد، فقال: أحيّ والداك؟ فقال: نعم، فقال له الرسول ﷺ : ففيهما فجاهد))، كذلك قبّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس جالس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: ((مَنْ لا يرحم لا يرحم)).
следующие страницы →