Полный текст (347 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
قال ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتيبة بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت بابن قط أعق منك، أأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية، فتفضحها على أعين الناس، قال عبد الله بن حذافة: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته.
كذلك غضب النبي ﷺ عند اعتزاله لنسائه:
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: ((لما اعتزل نبي الله نساءه قال: دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، وذلك قبل أن يؤمرنَ بالحجاب، فقال عمر: فقلت: لأعلمنّ ذلك اليوم، قال: فدخلت على عائشة، فقلت: يا بنت أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله، فقالت: ما لي ومالك يابن الخطاب، عليك بعيبتك، قال: فدخلت على حفصة بنت عمر، فقلت لها: يا حفصة قد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله، والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله، فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله؟ قالت: هو في خزانته في المشربة، فدخلت، فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ قاعدًا على أسقف المشرُبة، مدل رجليه على نقير من خشب، وهو جذع يرقى عليه رسول الله ﷺ وينحدر، فناديت: يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ ، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئًا، ثم قلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئًا، ثم رفعت صوتي فقلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله، فإنّي أظن أن رسول الله ظنّ أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله بضرب عنقها لأضربنَّ عنقها، ورفعت صوتي، فأومأ إلي أن: ارقه، فدخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على حصير، فجلست فأدنى عليه
стр. 177
إزاره، وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثّر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله ﷺ ، فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قرظًا في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلّق، قال: فابتدرت عيناي، قال: ما يبكيك يابن الخطاب؟ قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلّا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله وصفوته من خلقه، وهذه خزانتك! فقال: يابن الخطاب، ألَا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قلت: بلى، قال: ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء، فإن كنت طلقتهن فإنّ الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر، والمؤمنون معك، وقلّما تكلمت، وأحمد الله بكلام إلّا رجوت أن يكون الله مصدق قولي، والذي أقول، ونزلت هذه الآية آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ (التحريم: ٥) وقوله: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (التحريم: ٤) وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي، فقلت: يا رسول الله، أطلقتهن؟ قال: لا، قلت: يا رسول الله، إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى، يقولون: طلق رسول الله نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: نعم إن شئت، فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر فضحك، وكان من أحسن الناس ثغرًا، ثم نزل نبي الله ونزلت)).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 178
الدرس: ١٢ تابع هدي النبي ﷺ في تريبة أصحابه .
стр. 179
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني عشر
(تابع هدي النبي ﷺ في تريبة أصحابه)
أثر شخصية الرسول ﷺ في تربية أصحابه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن استن بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد:
أثر شخصية النبي ﷺ في تربية أصحابه:
لقد كان لشخصية الرسول ﷺ عظيم الأثر في شخصية أصحابه -رضوان الله عليهم، فكان الرسول ﷺ بالنسبة لهم، الإنسان الكامل الذي يسعى كل واحد منهم إلى الوصول سماته وصفاته، ولقد كان النبي ﷺ حريصًَا على ترسيخ القيم والمبادئ السامية في نفوسهم وقلوبهم، وكان ذلك أولًا بالفعل قبل القول؛ لأنّ الفعل أرسخ في النفوس، وأقدر على التعبير، ومن ذلك ما يأتي:
معاملته لأصحابه:
يقول أنس خادم رسول الله ﷺ : ((خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي أفٍّ قط، ولا قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لم تركته))، وقالت عائشة ﵂: ((ما ضرب شيئًا قط، ولا ضرب امرأة ولا خادمًا)).
وقال أبو هريرة ﵁: ((دخلت السوق مع رسول الله ﷺ ليشتري سراويل، فوثب البائع إلى يد النبي ﷺ ليقبّلها، فجذب يده ومنعه قائلًا: هذا تفعله الأعاجم بملوكها، ولست بملك، إنما أنا رجل منكم، ثم أخذ السراويل، فأردت أن أحملها فأبى، وقال: صاحب الشيء أحق بأن يحمله)).
وكان ﵊ مرة في سفر مع جماعة، فلمّا حان موعد الطعام عزموا على إعداد شاة يأكلونها، فقال أحدهم: عليّ ذبحها، وقال الآخر: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، فقال النبي ﷺ : وعليّ جمع الحطب، فقالوا: يا رسول الله، نحن نكفيك العمل، فقال: علمت أنكم تكفونني، ولكنني أكره أن أتميز عليكم، وأن الله يكره من عبده أن يراه مميزًا بين أصحابه.
стр. 180
كذلك جاء رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب، فقال لغلام له قصاب: اجعل لي طعامًا يكفي خمسة، فإني أريد أن أدعو النبي ﷺ خامس خمسة، فإنّي قد عرفت في وجهه الجوع، فدعاهم، فجاء معهم رجل، فقال النبي ﷺ لصاحب الدعوة: ((إن هذا قد تبعنا، فإن شئت أن تأذن له فأذن له، وإن شئت أن يرجع رجع، فقال الأنصاري: لا، بل أذنت له)).
وكذلك كان من عادته ﷺ مع أصحابه أنه يقبل معذرة المسيء، ولا يجابه أحدًا بما يكره، وإذا بلغه عن أحدٍ شيء يكرهه، نبّه على خطئه بقوله: ما بال أقوام يفعلون كذا، دون أن يذكر اسمه، ولم يكن يحب أن يقوم له أحد، وكان يجلس حيث انتهى به المجلس، وينزل إلى أسواقهم فيرشدهم إلى الأمانة، وينهاهم عن الخداع والغش في المعاملات.
وكان من عادته ﷺ أن يبشّ إلى كلِّ من يجلس إليه، حتى يظن أنه أحب أصحابه إلى قلبه، ويقرّب إليه ذوي السبق في الإسلام والجهاد، ولو كانوا غمار الناس، ويستشر أولي الرأي فيما هو من شئون السياسة أو الحرب، أو أمور الدنيا، وينزل عند آرائهم ولو خالفت رأيه، كما حصل في معركة بدر وغيرها.
الرسول المعلم ﷺ :
حياة الرسول ﷺ كلها إرشاد وهداية وتعليم، وخاصَّة ما كان من أقواله ﵊، التي قصد بها التشريع والهداية.
((جاء رجل إلى النبي ﷺ يريد الجهاد، فقال: أحيّ والداك؟ فقال: نعم، فقال له الرسول ﷺ : ففيهما فجاهد))، كذلك قبّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس جالس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: ((مَنْ لا يرحم لا يرحم)).
стр. 181
وكذلك جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنا لا نقدر عليك في مجلسك، فواعدنا يومًا نأتك فيه، فقال: موعدكن بيت فلان، فجاءهن لذلك الوعد، وكان فيما حدثهن: ((ما منكن امرأة يموت لها ثلاث من الولد فتحتسبهم إلا دخلت الجنة، فقالت امرأة: واثنان، قال: واثنان)).
كان رسول الله ﷺ مع أصحابه فقال لهم: ((أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله، قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلّا ماله أحب إليه من مال وارثه، فقال ﷺ : مالك ما قدمت، ومال وارثك ما أخرت)).
وعن أبي مسعود قال: كنت أضرب غلامًا لي، فسمعت من خلفي صوتًا: ((اعلم أبا مسعود، الله أقدر عليك منك عليه، فالتفتّ فإذا هو رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله هو حرّ لوجه الله، فقال: أما إنّك لو لم تفعل لمستك النار، أو للفحتك النار)).
وقال ﵊: ((إذا جاء أحد خادمه بطعامه فليجلسه معه، فإن لم يقبل فليناوله منه))، وقال أيضًا: ((لا يقل أحدكم: عبدي أمتي، كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، وليقل: غلامي جاريتي فتاي وفتاتي)).
وسئل النبي ﷺ : ((أي الأعمال خير، قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله، قيل: فأيّ الرقاب أفضل، أي في العتق، قال: أفرأيت إن لم أستطع بعض العمل، قال: فتعين صانعًا، أي تصنع لأخرق -هو الذي لا يحسن صنعة، فقيل له: أفرأيت إن ضعفت، قال: تدع الناس من الشر فإنها صدقة تصدق بها على نفسك)).
قال حرملة بن عبد الله: جئت النبي ﷺ : فقلت: ما تأمرني أعمل؟ فقال ﵊: ((ائت المعروف واجتنب المنكر، وانظر الذي تكرهه أن يقول لك القوم إذا قمت
стр. 182
من عندهم فاجتنبه))، قال حرملة: فلما رجعت تفكرت، فإذا هما -أي: ائت المعروف واجتنب المنكر- لم يدعا شيئًا.
وكذلك خطب رسول الله ﷺ يومًا بالصحابة فقال: ((أيها الناس، اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من قبلكم، وحملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلّوا محارمهم)) وفي رواية أخرى زيادة: ((وإياكم والفحش، فإن الله لا يحب الفاحش المتفحش)).
وعن عائشة بنت سعد، أن أباها قال: اشتكيت بمكة شكوى شديدة أي: مرضًا شديدًا، فجاء النبي ﷺ يعودني، فقال: ((يا رسول الله، إني أترك مالًا، وإني لم أترك إلا ابنة واحدة، أفأوصي بثلثي مالي وأترك الثلث؟ قال: لا، قال: أوصي بالنصف وأترك لها النصف؟ قال: لا، قال: أوصي بالثلث وأترك الثلثين؟ فقال ﷺ : الثلث، والثلث كثير، إنك تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفَّفون الناس)).
وكان ممن قال لأبي ذر: ((إفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن طريق الناس لك صدقة، وهدايتك الرجل في أرض الضالة صدقة)).
كذلك مرَّ رجل على النبي ﷺ ومعه بعض الصحابة، فرأى الصحابة من جلده ونشاطه ما أعجبهم، فقال: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله، فقال ﵊: ((إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان)).
стр. 183
وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ يسأله شيئًا من المال، وهو قوي معافى، فقال له الرسول ﷺ : ((أما في بيتك شيء؟ قال: بلى، حلس -أي: كساء غليظ ممتهن- نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من ماء، فقال ﷺ : ائتني بهما، فأتى بهما، فأخذهما النبي ﷺ بيده، وقال: من يشتري هذين، قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال الرسول ﷺ : من يزيد على درهم درهمين أو ثلاثًا، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري، وقال له: اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فائتني به، فأتاه به، فشدّ فيه رسول الله ﷺ عودًا بيده، ثم قال: اذهب فاحتطب، ولا أرينك خمسة عشر يومًا، ففعل، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، فقال رسول الله ﷺ : هذا خير من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلّا لثلاث: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع)).
وسأل رجل رسول الله ﷺ : ((أيّ الإسلام خير؟ فقال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف))، وبينما النبي ﷺ في مجلس يحدّث القوم جاءه أعرابي فقال له: متى الساعة؟ فأجابه: ((إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)).
وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ((يا رسول الله، ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل غضبًا، ويقاتل حمية، فقال ﷺ : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ).
وعن أسماء بنت يزيد قالت: دخلت أنا وخالتي على النبي ﷺ وعلينا أسورة من ذهب، فقال لنا: ((أتعطيان زكاته؟ قالت: فقلنا: لا، فقال: أما تخافان من أن يسوّركما الله أسورة من نار، أديا زكاته)).
стр. 184
وجاء رجل إلى مسجد النبي ﷺ فلما نزل عن ناقته سأل الرسول ﷺ : ((أأطلق ناقتي وأتوكل، فقال ﵊: اعقلها -أي اربطها- وتوكل)).
تأليف قلوب الصحابه واستمالتهم، والاهتمام بأمرهم، وتفقد أحوالهم، وقضاء حوائجهم
تآلف النبي ﷺ لقلوب أصحابه واستمالتهم والاهتمام بأمرهم وتفقد أحوالهم وقضاء حوائجهم:
أولًا: تآلف النبي ﷺ لقلوب أصحابه واستمالتهم:
كان رسول الله ﷺ كما قال عليّ ﵁: "أوسع الناس صدرًا، وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشيرة، وكان يتألّف قلوبهم، ويكرم كريمهم، ويتفقدهم في شئونهم، ويعطي كلًّا من جلسائه نصيبه من التكريم، حتى يحسب جليسه أنه ليس أحد أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه لحاجة صابره؛ حتى يكون هو المنصرف منه، ومن سأله حاجة لم يرده إلّا بها، أو ميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبًا، وصاروا عنده في الحق سواء، دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب، ولا فاحش ولا عياب، ولا مداح، يتغفّل عما لا يحب، ولا يقابل أحدًا بما يكره، إلّا أنه في الحق من أشد الناس غيرة على حرمات الله، وإنكارًا على انتهاك آداب الشريعة، يجالس الفقراء، ويصغى إلى العبد والأرملة والمسكين".
قال أبو هريرة ﵁: ((دخلت السوق مع النبي ﷺ ، فاشترى سراويل، وقال للوزان: زن وأرجح، فوثب البائع إلى يده ﷺ يقبلها، فجذب يده وقال: هذا ما تفعله الأعاجم بملوكها ولست بملك، إنما أنا رجل منكم، ثم أخذ السراويل، فذهبت لأحملها، فقال: صاحب الشيء أحق أن يحمله)).
стр. 185
وكان في مجلسه كثير الصمت، لا يتكلم في غير حاجة، يعرض عمن يتكلم بغير جميل، وكان ضحكه تبسمًا، وكان كلامه فضلًا لا فضول ولا تقصير، مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، قال ابن أبي هالة: كان سكوته ﷺ على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكر.
وإليك نموذج من تأليفه ﷺ لقلوب من حوله:
في السنة السادسة من الهجرة عزم ﵊ على أن يوسّع نطاق دعوته إلى الله، فكتب ثماني كتب إلى ملوك العرب والعجم، وبعث بها إليهم يدعوهم فيها إلى الإسلام، وكان من جملة من كاتبهم بطل من الأبطال، وملك من الملوك، ثمامة بن أثال الحنفي، سيد من سادات بني حنيفة، وشريف من أشرافها، بل هو ملك من ملوك اليمامة، فلا يُعصَى له أمر، ولا يرد له طلب، كان بطلًا مغوارًا فارسًا شجاعًا، فلما وصله كتاب رسول الله ﷺ ما كان منه إلّا أن تلقاه بالازدراء والإعراض، أخذته العزة بالإثم، فأصمَّ أذنيه عن سماع دعوة الحق والخير، ثم ركبه الشيطان فأغراه بقتل رسول الله ﷺ ووأد دعوته، فدأب يتحيّن الفرص للقضاء على النبي -صلى الله عليه سلم، حتى أصاب منه الغرة، وكادت أن تتمّ الجريمة الشنعاء، لولا أنّ أحد أعماله أثناه عن عزيمته، في آخر لحظة نجّى الله النبي ﷺ من شره ومن مكره.
ولكن ثمامة وإن كان قد كفّ عن رسول الله ﷺ ، إلّا أنه لم يكفّ عن أصحاب النبي ﷺ ، جعل يتربّص بهم حتى ظفر بعدد منهم وقتلهم شرَّ قتلة، لما بلغ النبي ﷺ هذا الخبر، ما كان منه إلّا أن أهدَرَ دمه، وأعلن ذلك في أصحابه.
لم يمض على ذلك طويل وقت، حتى عزم ثمامة بن أثال على أداء العمرة، انطلق من أرض اليمامة موليًا وجهه شطر مكة، وهو يمنّي نفسه بالطواف حول
стр. 186
الكعبة، والذبح للأصنام، بينما كان ثمامة في بعض طريقه قريبًا من المدينة، نزلت به نازلة لم تقع له في الحسبان، وذلك أنّ سرية من سرايا النبي ﷺ كانت تجوس خلال الديار؛ خوفًا من أن يطرق المدينة طارق، أو يريدها معتدٍ بشر، فأسرت السرية ثمامة وهي لا تعرفه، وقد أهدر النبي ﷺ دمه، أتت السرية بثمامة إلى المدينة وشدته إلى سارية من سواري المسجد ينتظرون النبي ﷺ أن يقف عليه بنفسه، وعلى أسيرهم، وأن يأمر له بأمره.
لمّا خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد وهمَّ بالدخول، فإذا به يرى ثمامة مربوطًا في السارية، فقال لأصحابه: أتدرون من أخذتم؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال ﷺ : هذا ثمامة بن أثال الحنفي، هذا ثمامة ملك من ملوك العرب، وسيد من سادات بني حنيفة، قال النبي ﷺ لهم: أحسنوا إساره، ثم رجع ﵊ إلى أهله، وقال: اجمعوا ما كان عندكم من طعام وابعثوا به لابن أثال.
ثم أمر بناقته أن تحلب له بالغدو والرواح، وأن يقدّم إليه لبنها، وقد تمَّ ذلك كله قبل أن يلقاه ﵊، أو يكلمه بكلام، ثم إنه أقبل ﵊ على ثمامة يريد أن يستدرجه إلى الإسلام، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال بكل ثقة واعتزاز: عندي يا محمد خير، فإن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد مالًا فسلْ تعط منه ما شئت.
تركه النبي ﷺ يومين على هذا الحال، يؤتَى له بالطعام والشراب، ويكرم أيما إكرام، ويحلب له من لبن ناقة النبي ﷺ ثم أتاه بعد يومين فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال ثمامة كلامًا لم يزد عليه شيئًا، قال: ليس عندي إلّا ما قلت لك من قبل، فإن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد مالًا فسلْ تعط منه ما شئت، التفت النبي ﷺ إلى أصحابه وقال: فكوا وثاقه، فكوا وثاق
стр. 187
ثمامة وأطلقوه، ففكوا وثاقه وأطلقوه، غادر ثمامة مسجد رسول الله ﷺ ومضى، حتى إذا بلغ نخلًا من حواشي المدينة فيه ماء، أناخ راحلته عنده، وتطهر من مائه، فأحسن طهوره، ثم أعاد أدراجه إلى المسجد، وما إن بلغ حتى قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
ثم التفت إلى الرسول ﷺ وقال: يا محمد، والله ما كان على ظهر الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، وقد أصبح وجهك الآن أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الأديان كلها إليّ، ووالله ما كان بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح أحب البلاد كلها إلي، ثم أردف قائلًا: لقد كنت أصبت في أصحابك دمًا، فما الذي توجبه عليّ؟
قال ﵊ مبشرًا لثمامة: لا تثريب عليك يا ثمامة، فإن الإسلام يجُبّ ما قبله، وبشره بالخير الذي كتبه الله له بإسلامه، فانبسطت أسارير ثمامة، وقال: والله لأصيبنّ من المشركين أضعاف ما أصبت من أصحابك، ولأضعنّ نفسي وسيفي ومن معي في نصرتك ونصرة دينك.
ثم قال: يا رسول الله، إني خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فبماذا تأمرني أن أفعل، فقال رسول الله ﷺ : امضِ لأداء عمرتك، ولكن على شرعة الله ورسوله، وعلمه ما يقوم به من المناسك.
مضى ثمامة إلى غايته، حتى إذا بلغ بطن مكة، ووقف يجلل بصوته العالي قائلًا: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، فكان ثمامة أول مسلم على ظهر الأرض دخل مكة ملبيًا، سمعت قريش صوت التلبية والتوحيد، فهبت مغضبة مذعورة، استلّت السيوف من الأغماد، اتجهت نحو الصوت لتبطش بهذا الرجل الذي اقتحم عليها عرينها، ولمّا أقبل
стр. 188
القوم على ثمامة رفع صوته بالتلبية والتوحيد، وهو ينظر إليهم بكلِّ كبرياء وعزة، فهمّ فتًى من فتيان قريش أن يرديه بسهم، فأخذوا على يديه، وقالوا: ويحك! أتعلم من هذا؟ إنه ثمامة بن أثال ملك اليمامة، والله إن أصبتموه بسوء قطع قومه عنكم النيرة وأماتونا جوعًا، ثم أقبل القوم على ثمامة بعد أن أعادوا السيوف إلى أغمادها، وقالوا: ما بك يا ثمامة؟ أصبوت وتركت دينك ودين آبائك، قال ﵁: ما صبوت، ولكني تبعت خير دين، اتبعت دين محمد ﷺ ، ثم أردف في كل عزٍّ وافتخار: أقسم برب هذا البيت، إنّه لا يصير لكم بعد عودتي إلى اليمامة حبة من قمحها، ولا شيء من خيراتها حتى تتبعوا دين محمد عن آخركم، رسول الله.
اعتمر ثمامة بن أثال على مرأى من قريش كما أمره ﵊ أن يعتمر، ذبح تقربًا إلى الله، لا إلى الأنصاب والأصنام، ومضى إلى بلاده فأمر قومه أن يحبسوا النيرة عن قريش، وأن يقاطعوا قريشًا حتى ترضخ وتعتذر للنبي ﷺ فاستجابوا له وأطاعوا أمره، قطعوا خيراتهم عن أهل مكة.
أخذت المقاطعة والحصار الذي فرضه ثمامة على قريش يشتد شيئًا فشيئًا، حتى ارتفعت الأسعار على قريش، فشا فيهم الجوع، اشتد فيهم الخوف، حتى خافوا على أنفسهم وأبنائهم أن يهلكوا جوعًا، عند ذلك خضعوا وذلوا وكتبوا للرسول ﷺ يتوسلون ويقولون: إن عهدنا بك إنك تصل الرحم، وتحض على ذلك، وهأنت قد قطعت أرحامنا، فقتلت الآباء بالسيف، وأمتّ الأبناء بالجوع، وإن ثمامة بن أثال قد قطع عنا ميرتنا وأضرّ بنا، فإن رأيت أن تكتب إليه أن يبعث إلينا بما نحتاج إليه فافعل، فما كان منه ﷺ الرحمة المهداة، إلا أن كتب إلى ثمامة بأن يطلق إليهم ميرتهم، فأطلقها.
стр. 189
ظلّ ثمامة ما امتدت به الحياة وافيًا لدينه، حافظًا لعهد نبيه ﷺ فلمّا التحق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى، وطفق العرب يخرجون من دين الله ذرافات ووحدانا، وقام مسيلمة الكذاب في بني حنيفة يدعوهم إلى الإيمان به، وقف ثمامة موقفًا شجاعًا في وجه مسيلمة الكذاب، وقال لقومه: يا بني حنيفة، إياكم وهذا الأمر المظلم الذي لا نور فيه، إنه والله لشقاء كتبه الله على من أخذ به منكم، وبلاء على من لم يأخذ به، ثم قال: يا بني حنيفة، إنه لا يجتمع نبيان في وقت واحد، وإن محمدًا رسول الله ﷺ ، ولا نبي بعده، ولا نبي يشرَك معه، ثم انحاز بمن بقي على الإسلام من قومه، وأخذ يقاتل المرتدين جهادًا في سبيل الله وإعلاء لكلمة الله، فجزى الله ثمامة بن أثال عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأكرمه بعد ذلك بالجنة التي وعد الله بها المتقين.
فلنا مع هذه القصة عبر وعظات ودروس ووقفات، وقد ضرب لنا ﵊ أروع الأمثلة وأجمل الصور في فنّ تعامله، وتنوعه في أسلوبه في دعوته، وعرض رسالته صلوات ربي وسلامه عليه، فمن تلك الدروس:
أولًا: يجب على الدعاة إلى الله أن ينوّعوا في أساليب النصح إلى الله؛ فتارة يكون بالمخاطبة والمحاورة، وتارة يكون بالمكاتبة والمراسلة، كما كان يفعل رسول الله ﷺ .
ثانيًا: يجب أن نتحلى ويتحلى الدعاة إلى الله بالحكمة والبيان والموعظة والإحسان، كما قال الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥) فقد أحسن رسول الله ﷺ مع ثمامة حتى أسلم ثمامة.
ثالثًا: لا بد من استئلاف قلوب الناس بالكلمة الطيبة والعطاء والمساعدة، فقد أكرم ﵊ ثمامة أيّ إكرام، مع أنه من أعداء الله ورسوله، فكان ذلك الإحسان سببًا في إسلامه.
стр. 190
رابعًا: على المسلم أن يسخّر كل ما يملك من طاقات وجَهْد وأموال وعقار وجاه وسلطان وفكر وبيان في سبيل نصرة دين الله تعالى، والذبّ عن عرض رسول الله ﷺ ، فيجب على التجار وأصحاب رءوس الأموال أن يدافعوا عن دين الله ودين رسول الله ﷺ وأن يدافعوا عن عرض رسول الله ﷺ ويضربوا الحصار على تلك الدول الكافرة الظالمة المعتدية بمقاطعتها، وعدم استيراد منتجاتها، كما فعل ثمامة بقريش، بمنعه النيرة حتى رضخوا لأمر رسول الله ﷺ .
خامسًا: اصدع بما تؤمر وأعرض عن الجاهلين: فقد صدَع ثمامة بما أمر به، وأعرض عن الجاهلين، فقد كان أول مسلم على وجه الأرض يدخل مكة ملبيًا بالدعوة إلى دين الله، فالدعوة إلى دين الله والذبّ عن عرض رسول الله ﷺ مسئولية الجميع، وكل إنسان بحسب طاقته وقدرته ومكانته واستطاعته، كما قال الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤).
ثانيًا: الاهتمام بأمر أصحابه ﷺ وتفقّد أحوالهم وقضاء حوائجهم:
لقد كان رسول الله ﷺ شديد الاهتمام بأصحابه، والقارئ للسنة النبوية الشريفة يرى كيف كان النبي ﷺ يعود من مرض من أصحابه، ويتبع جنازة من مات منهم، وإذا افتقد أحدهم في صلاة الصبح سأل عنه، ومن كان منهم في حاجة إلى المال ساعده بماله، وحثّ الصحابة على مساعدته، وهكذا كان حريصًا على المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وعلى إفشاء روح الحب والتعاون والاحترام فيما بينهم.
وإليك بعض مظاهر هذا الاهتمام وذلك الحرص منه ﷺ على أصحابه:
стр. 191
عن أنس ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا افتقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه، فإن كان غائبًا دعا له، وإن كان شاهدًا زاره، وإن كان مريضًا عاده))، وعن علي بن الحسين أنّ رسول الله ﷺ صلّى صلاة فعجّل فيها، فقال النبي ﷺ : ((إنما عجلت أني سمعت صبيًّا يبكي، فخشيت أن يشق ذلك على أبويه)).
وعن أنس أن أعربيًّا أتى النبي ﷺ فسأله، وعليه برد، فجذبه فشقّ البرد حتى بقيت الحاشية في عنق النبي ﷺ ، فأمر له النبي ﷺ بشيء.
وعن أبي هريرة قال: ((والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع، وإن كنت لأعتمد بيدي على الأرض من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون فيه، فمر بي أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ، ما أسأله عنها إلّا ليستتبعني، فمرّ ولم يفعل، ثم مرّ أبو القاسم ﷺ ، فعرف ما في نفسي وما في وجهي، فتبسّم وقال: أبا هر، الحق، فاتبعته، فدخل فاستأذنت فأذن لي، فوجد لبنًا في قدح، فقال لأهله: أنى لكم هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان، فقال: يا أبا هر، انطلق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: فأحزنني ذلك، وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا مال، إذا جاءته صدقة أرسل بها إليهم، ولم يرزأ منها شيئًا، وإذا جاءته هدية أرسل إليهم فأشركهم، فأصاب منها.
قال: فأحزنني إرساله إياي، وقلت: أرجو أن أشرب من هذا اللبن شربة أتغذّى بها، فما يغني عني هذا اللبن في أهل الصفة، وأنا الرسول، فإذا جاءوا أمرني، فكنت أنا أعطيهم، ولم يكن في طاعة الله وطاعة رسوله بد، فانطلقت إليهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم، فأخذوا مجالسهم من البيت، وقال ﷺ :
стр. 192
أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: قم فأعطهم، فآخذ القدح، فأعطي الرجل حتى يروى، ثم يردّه إليّ حتى روي جميع القوم، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ فأخذ القدح فوضعه على يديه، ثم رفع رأسه فنظر إليّ فتبسَّم، وقال: اقعد، فقعدت، فشربت، وقال: اشرب، فما زال يقول: اشرب اشرب، حتى قلت: والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا، قال: فأرني، فرددت إليه الإناء، فحَمَد الله وشرب منه)).
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا حدّث بالحديث أو سأل عن الأمر كرره ثلاثًا ليفهم ويُفهم عنه.
وعن جابر بن عبد الله قال: ((قفلنا مع رسول الله ﷺ من غزوة، فتعجّلت على بعير لي قطوف، فلحقني راكب من خلفي فنخس بعيري بعنزة كانت معه، فانطلق بعيري كأجود ما أنت راءٍ من الإبل، فإذا النبي ﷺ فقال: ما يعجلك؟ قلت: كنت حديث عهد بعرس، قال: أبكرًا أم ثيبًا؟ قلت: ثيبًا، قال: فهلّا جارية تلاعبها وتلاعبك، قال: فلما ذهبنا لندخل قال: أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا -أي: عشاء- لكي تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة)).
وغيرها من المواقف والأحاديث التي تدل على حرصه ﷺ على أصحابه واهتمامه بهم، وتفقده لأحوالهم برغم ما كان من ضيق وقته وكثرة أشغاله ﷺ .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 193
الدرس: ١٣ تعريف بالمدعو وبيان حقوقه وواجباته، وسنة الاختلاف .
стр. 194
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث عشر
(تعريف بالمدعو وبيان حقوقه وواجباته، وسنة الاختلاف)
التعريف بالمدعو، وبيان حقوقه وواجباته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سلك طريقه وصار على نهجه واتبع هداه وبعد:
من هو المدعو؟
الإنسان، أي إنسان كان هو المدعو إلى الله تعالى؛ لأن الإسلام رسالة الله الخالدة، بعث الله به محمدًا ﷺ إلى الناس أجمعين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨) وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: ٢٨) وهذا العموم بالنسبة للمدعوين لا يستثنَى منه أي إنسان مخاطب بالإسلام ومكلف بقبوله والإذعان له، وهو البالغ العاقل، مهما كان جنسه ونوعه ولونه ومهنته وإقليمه، وكونه ذكرا أو أنثى، إلى غير ذلك من الفروق بين البشر، ولذلك كان ممن آمن بمحمد ﷺ العربي كأبي بكر، والحبشي كبلال، والرومي كصهيب، والفارسي كسلمان، والمرأة كخديجة، والصبي كعلي بن أبي طالب، والغني كعثمان بن عفان، والفقير كعمار، وعلى هذا فالدعوة إلى الله عامة لجميع البشر وليست خاصة لجنس دون جنس، أو طبقة دون طبقة، أو فئة دون فئة، ولهذا يخاطب القرآن البشر بصفتهم الآدمية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (البقرة: ٢١) وقال سبحانه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: ٣١).
وعلى الداعي أن يفقه عموم دعوته إلى الله، ويحرص على إيصالها لكلّ إنسان يستطيع الوصول إليه، وهذا لا يناقض ابتداء الداعي بالأقربين إليه، فيدعوهم قبل البعيدين؛ لأن لكل إنسان الحق في إيصال الدعوة إليه، فليس الأبعد بأولى من الأقرب، بل الأقرب أولى؛ لسهولة تبليغه واحتمال صيرورته داعيًا أيضًا بعد
стр. 195
إسلامه، فيسهل إيصال الدعوة إلى البعيدين، ولهذا جاء في القرآن الكريم: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤) وهذا وإن كان خطابًا لرسول الله ﷺ ولكنه يشمل الدعاة إلى الله، فعليهم أن ينذروا الأقربين إليهم، مبتدئين بأفراد أسرهم وأقاربهم ومن يعرفونهم، بل إنّ دعوة الأهل وأفراد الأسرة أوجب من غيرهم؛ لأنّ الداعي إن كان رب أسرة فإنه مسئول عنه ((كلكم راع ومسئول عن رعيته)) وهذه المسئولية تشمل القيام بشئونهم المادية؛ من توفير الطعام والشراب والمسكن، ونحو ذلك من الأشياء المادية، كما تشمل شئونهم الدينية؛ بتعليمهم ما يلزمهم من أمور الإسلام ودعوتهم إليه، قال تعالى مثنيًا على أحد رسله الكرام: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ﴾ وقال تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم: ٦) ووقايتهم من النار تكون بدعوتهم إلى الإسلام، وطاعة أوامر الله وترك نواهيه.
حقوق المدعو:
ومن حقِّ المدعو أن يؤتى ويُدعَى، أي أنَّ الداعي يأتيه ويدعوه إلى الله تعالى، ولا يجلس الداعي في بيته وينتظر مجيء الناس إليه، وهكذا كان يفعل ذلك الداعي الأول نبينا الكريم محمد ﷺ ، يأتي مجالس قريش ويدعوهم، ويخرج إلى القبائل في منازلها في موسم قدومها مكة، ويدعوهم، ويذهب إلى ملاقاة من يقدم إلى مكة ويدعوه، فقد جاء في سيرة ابن هشام: فكان رسول الله ﷺ يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب، يدعوهم إلى الله، ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حين يبيّن عن الله ما بعثه به، فيقف على منازل القبائل من العرب فيقول: ((يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه، هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي، وتمنعوني حتى أبيّن عن الله ما بعثني به)).
стр. 196
وكان ﷺ لا يسمع بقادم إلى مكة من العرب له اسم وشرف إلّا تصدى له، فدعاه على الله وعرض عليه ما عنده، ولم يكتفِ ﷺ بأهل مكة ومن كان يأتيها، وإنما ذهب إلى خارجها، ذهب إلى الطائف يدعو أهلها، فلما انتهى إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، فجلس إليهم رسول الله ﷺ فدعاهم إلى الله، ونسأل هنا: لماذا كان المدعوّ يؤتى ويدعى ولا يأتي؟ والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: إن وظيفة الرسول الكريم ﷺ التبليغ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة: ٦٧) وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (النور: ٥٤) وهذا التبليغ قد يستلزم نقلة الرسول ﷺ إلى مكان من يراد تبليغه؛ لاحتمال عدم وصول خبر الدعوة إليه، أو إنها وصلته بصورة غير صحيحة، أو وصلته بصورة صحيحة ولكن لم ينهض، فيأتي إلى الرسول ﷺ ليسمع منه، فلأجل هذه الاحتمالات كان الرسول ﷺ يأتي إلى أماكن الناس لتبليغهم الدعوة إلى الله.
الوجه الثاني: شفقته ﷺ على عباد الله، وحرصه على هدايتهم، وتخليصهم من الكفر، كل ذلك كان يحمله على الذهاب إليهم في أماكنهم ومنازلهم، ويبلّغهم الدعوة إلى الله.
الوجه الثالث: إن البعيد عن الإسلام قلبه مريض، ومرضى القلوب لا يعرفون مرضهم، ولا يحسون به، فلا يشعرون بالحاجة إلى علاجه، فلا بدّ من إخبارهم بمرضهم من قِبَل الرسل الكرام، ولا ينتظرون مجيئهم إليهم ليخبروهم، بل يذهبون إليهم ويخبرونهم بالمرض والعلاج؛ لأن من أعراض مرضهم إعراضهم عن الدعوة والمجيء إلى صاحبها، وعلى الداعي المسلم أن يقتدي برسول الله ﷺ -
стр. 197
فينتقل إلى الناس في أماكنهم ومجالسهم وقراهم، ويبلّغهم الإسلام ويدعوهم إلى الله تعالى، ويا حبذا لو توزّع الدعاة إلى القرى والمحلات، وتفرّغ كل واحد منهم إلى جهة، وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي: "يتكفّل كل عالم بإقليم أو بلدة أو محلة أو مسجد أو مشهد، فيعلم أهله دينهم، وتمييز ما يضرهم عمَّا ينفعهم، وما يشقيهم عمّا يسعدهم، ولا ينبغي أن يصبر إلى أن يُسأل عنه، بل ينبغي أن يتصدى إلى دعوة الناس إلى نفسه، فإنهم ورثة الأنبياء، والأنبياء ما تركوا الناس على جهلهم، بل كانوا ينادونهم إلى مجامعهم، ويدورون على أبواب دورهم في الابتداء، ويطلبون واحدًا واحدًا، فيرشدونهم، وهذا فرض عين على العلماء كافّة، وعلى السلاطين كافّة أن يرتبوا في كل قرية وفي كل محلة فقيهًا متدينًا يعلّم الناس دينهم، فإن الخلق لا يولدون إلّا جهّالًا، فلا بدّ من تبليغ الدعوة إليهم في الأصل والفرع، لا يستهان بأي إنسان، لا يجوز للداعي أن يستصغر شأن أيّ إنسان، أو أن يستهين به فلا يدعوه؛ لأنّ من حق كل إنسان أن يدعَى، وقد يكون هذا الذي لا يقيم له الداعي وزنًا سيكون له عند الله وزن كبير بخدمته للإسلام والدعوة إليه.
وهكذا، كان رسول الله ﷺ يدعو كل إنسان يلقاه أو يذهب إليه، جاء في السيرة النبوية: أنّ الرسول ﷺ بعد أن عرض نفسه الكريمة على قبائل العرب التي وافت الموسم في مكة، وكان ذلك قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، ولم يستجب لهم منهم أحد، لقي ستة نفر من الخزرج عند العقبة من منى، وهم يحلقون رءوسهم، فجلس إليهم رسول الله ﷺ فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا لله ولرسوله وآمنوا، ثم رجعوا إلى قومهم بالمدينة، وذكروا لهم رسول الله ﷺ ، ودعوهم إلى الإسلام، ففشا فيهم حتى لم يبقَ دار من دور الأنصار إلّا فيه ذكر رسول الله ﷺ ، فرسول الله ﷺ لم يستصغر شأن أولئك الستة وهم
стр. 198
يحلقون رءوسهم، بعد أن لم يستجب له أحد من القبائل النازلة حوالي مكة، ولم يقل في نفسه الكريمة: أي أمل في هؤلاء المشغولين بحلق رءوسهم، ثم إن أولئك الستة كانوا هم الدعاة الأول إلى الإسلام في المدينة، فعلى الداعي أن يقتدي بهدي رسول الله ﷺ ولا يستهين بأحد فيزهد في دعوته، فقد يكون الخير الكثير على يد هذا الذي لا يرى فيه خيرًا الآن.
واجبات المدعو:
وإذا كان من حقّ المدعو أن يؤتَى ويُدعَى وأن لا يستهان به ولا يستصغر شأنه، فإن عليه أن يستجيب إذا ما دعي إلى الله؛ لأنه يدعى إلى الخير والحق، ويستجيب لنداء ربه ﷻ وعلى ذلك فالمدعوون هم مقصد العملية الدعوية كلها، وهم الغاية التي يراد إحداث تأثير فيها، وحتى يتحقق التأثير المطلوب في المدعوين يحتاج الدعاة إلى معرفة مسبَقة بالمدعوين، تمكنهم من الالتقاء بهم، وإحداث نوع من التجاذب والتجاوب معهم.
إن الإنسان عموما ينظر لغيره بمرآته، ويفسر ما يرى بطبيعته ومشاعره، ويقبل على من يحرص عليه، ويسمع من يخاطب عواطفه وقلبه، هذه الحقائق الفطرية المتصلة بالإنسان تحتم معرفته قبل المجيء إليه، وإعداد الموضوع الذي سيعرض عليه، وصياغة الأسلوب المناسب لخطابه، وباللغة التي يفهمها، وبواسطة هذا الإعداد يمكن الوصول الجادّ للمدعوين.
إن معرفة خصائص الجمهور النفسية والفكرية ليس أمرًا سهلًا، ولكنه يحتاج إلى دراسات نظرية وميدانية توضّح جوانب معينة في المدعوين، تتصل بأنواعهم وأجناسهم وأمزجتهم وثقافتهم وأديانهم، فلقد اختار الله لكل أمة رسولًا من
стр. 199
بينها، بعد أن عايشهم وخبرهم وأحاط بمذاهبهم وأخلاقهم، وذلك من صناعة الله وتقديره، نلحظ ذلك في قصص القرآن الكريم؛ حيث إن نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم -عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه- قد أرسِلوا إلى أقوامهم بعد أن عاشوا قبلهم مدة ما قبل الرسالة، ولذلك كان رسل الله -عليهم الصلاة والسلام- يدعون قومهم إلى التوحيد، وبعدها ينتقلون مباشرة إلى توجيههم نحو الصواب، ووجوب التخلّص من الرذائل التي كانت متفشية فيهم.
إنّ الرسل كانوا يتحرّكون بوحي من الله تعالى، ومع ذلك فقد جعل الله حركتهم أسوة للمؤمنين، يتخذونها منهجًا للدعوة، ودستورًا للعمل الخير الأمين.
سنة الاختلاف، والاختلاف فى علم الفقه، والاختلاف بين الصحابة
الاختلاف بين الناس سنة من سنن الله في الخلق والتكوين، يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (هود: ١١٨، ١١٩) قال ابن كثير: "يخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة، من إيمان وكفران، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (يونس: ٩٩) وقوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (هود: ١١٩) أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآراءهم"، وقال عكرمة: "مختلفين في الهدى"، وقال الحسن: "مختلفين في الرزق، سخر بعضهم بعضًا، والمشهور الصحيح الأول، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (هود: ١١٩) أي: الموحدين من أتباع الرسل، الذين تمسّكوا بما أمروا به من الدين، أخبرتهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ذلك دأبهم، حتى كان النبي ﷺ وخاتم الرسل والأنبياء، فاتبعوه وصدقوه ووازروه، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة؛ لأنهم الفرقة الناجية، كما جاء في الحديث المروي في المسانيد والسنن، من طرقٍ يشد
стр. 200
بعضها بعضًا: ((إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقت على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)) رواه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة.
كما قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: ٢١٣) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: ٥٩) أمّا الاختلاف الذي يؤدي إلى إضعاف الأمة وتفرقها فهو منهي عنه، من ذلك ما رواه الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: ((خطبنا عمر، فقال: يأيها الناس، إني قمت فيكم مقام رسول الله ﷺ فينا، فقال: أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو مع الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة)) وروي في الصحيحين أنّ رسول الله ﷺ ذكر أنّ من فارق الجماعة شبرًا فمات، مات ميتة جاهلية، وعن ابن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: ((إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذّ إلى النار)).
الاختلاف في علم الفقه:
يقول الشيخ الإمام محمد أبو زهرة: "يجب أن نقرّر أنّ الاختلاف الفقهي في غير ما جاء به نصٌّ من الكتاب والسنة، كان دراسة عميقة لمعاني الكتاب والسنة، وما
стр. 201
يستنبط منهما من أقيسة، ولم يكن افتراقًا، بل كان خلافًا في النظر، ولا شك أن هذا النوع من الاختلاف فيه تيسير على المسلمين، يقول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا؛ لأنه لو كان قولًا واحدًا لكان الناس في ضيق".
وقد ذكر الحافظ أبو نعيم في (حلية الأولياء) عن عبد الله بن الحكم قال: سمعت مالك بن أنس -رحمه الله تعالى- يقول: "شاورني هارون الرشيد في أن يعلق (الموطأ) في الكعبة، ويحمل الناس على ما كان فيه، فقلت: لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكلّ عند نفسه مصيب، فقال: وفقك الله يا أبا عبد الله".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في (الفتاوى): "صنّف رجل كتابًا في الاختلاف، فقال أحمد: لا تسمه كتاب الاختلاف، ولكن سمه السعة"، وروى ابن سعد في (الطبقات) عن الواقدي قال: "سمعت مالك بن أنس يقول: لمّا حجّ المنصور قال لي: إني قد عزمت على أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوه إلى غيره، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سيق إليهم، ودانوا به من اختلاف الناس، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم".
وقال ابن قدامة المقدسي -رحمه الله تعالى: "وأما بالنسبة إلى إمام في فروع الدين؛ كالطوائف، وهي المذاهب الفقهية الأربعة، فليس بمذموم، فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة".
стр. 202
روى أبو نعيم بسنده عن سفيان الثوري أنه قال: "إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه"، وذكر ابن مفلح في (الآداب الشرعية) عن الإمام أحمد، أنّه لا إنكار على من اجتهد فيما يصوغ فيه خلاف في الفروع، فقال: "وقد قال أحمد في رواية المروذي: لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهب، ولا يشدد عليهم".
روى الخطيب البغدادي عن سفيان الثوري: "ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهي أحد من إخواني أن يأخذ به"، وقال ابن رجب الحنبلي: "والمنكر الذي يجب إنكاره ما كان مجمعًا عليه، فإن المختلف فيه، فمن أصحابنا من قال: لا يجب إنكاره على من فعله مجتهدًا أو مقلدًا لمجتهد تقليدًا سائغًا"، وقال ابن قدامة: "لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه، فإنه لا إنكار على المجتهدات".
وقال الدهلوي: "لقد كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم فيهم من يقرأ البسملة، وفيهم من لا يقرأها، ومنهم من لا يجهر بها، ومنهم من يسرّ بها، وكان منهم من يقنط في الفجر، ومنهم من لا يقنط، ومنهم من لا يتوضأ من الحجامة، ومنهم من يتوضأ من ذلك، إلى أن قال: ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض مثلما كان أبو حنيفة أو أصحابه، والشافعي، وغيرهم، يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم، وإن كانوا لا يقرءون البسملة لا سرًّا ولا جهرًا".
هذا وقد اختلف أصحاب النبي ﷺ وهم في الطريق لحرب بني قريظة، حول حديث النبي ﷺ لهم: ((لا يصلينَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة)) فأدركتهم الصلاة في الطريق، فقال قوم: لا نصلي إلّا في بني قريظة، وفاتتهم صلاة العصر، وقال قوم: لم يرد منا تأخير الصلاة، فصلوا في الطريق، فلم يعب
стр. 203
واحدًا من الطائفتين إذن، فالنبي ﷺ لم يأمر أحد الفريقين بالقضاء، ولم يعنفه على اجتهاده.
قال ابن عبد البر: "ونهى السلف -رحمهم الله تعالى- عن الجدال في الله -جل ثناؤه- في صفاته وأسمائه، وأمّا الفقه فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر؛ لأنه علم يحتاج فيه إلى ردّ الفروع على الأصول؛ للحاجة إلى ذلك، وليس الاعتقادات كذلك".
وقال الآمدي: "وإن أفضى الخلاف بين المجتهدين، فإن ذلك غير محذور مطلقًا، فإن جميع الشرائع والملل كلها من عند الله، وهي مختلفة، ولا محذور فيها، وإلا لما كانت مشروعة من عند الله، كيف وأن الأمة الإسلامية معصومة من الخطأ على ما عُرِف، فلو كان الاختلاف مذمومًا ومحذورًا على الإطلاق لكانت الصحابة مع اشتهار اختلافهم وتباين أقوالهم في المسائل الفقهية مخطئة، بل الأمة قاطبة، وذلك ممتنع، وعلى هذا فيجب حمل ما ورد من ذم الاختلاف والنهي عنه على الاختلاف في التوحيد والإيمان بالله ورسوله، والقيام بنصرته، وفيما المطلوب فيه بالقطع دون الظن، والاختلاف بعد الوفاق، واختلاف العامّة ومن ليس له أهلية النظر والاجتهاد".
اختلاف الصحابة:
قال أبو الحسن الأشعري صاحب كتاب (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين): "اختلف الناس بعد نبيهم ﷺ في أشياء كثيرة، ضلّل بعضهم بعضًا، وبرئ بعضهم من بعض، فصاروا فرقًا متباينين، وأحزابا متشتتين، إلّا أن الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم".
стр. 204
قال محقق هذا الكتاب محمد محي الدين عبد الحميد معلقًا على كلام الأشعري: "اعلم أولًا أنّ أصحاب الرسول كانوا كلهم أجمعون عند وفاة النبي ﷺ وبعدها على عقيدة واحدة، وطريق واحد، ولم يكن أحدهم ليختلف مع الآخر، إلا في فهمٍ أوتي في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، يعرضه على أخيه، فإن لم يكن عنده ما يدفعه من سنة أو فهم في كتاب أو سنة، رجع إلى قول أخيه، وتقبله أحسن القبول، إلّا قومًا كانوا يبطنون النفاق ويظهرون الوفاق، كان منهم المعروف في عصر النبي ﷺ وإذا أنت نظرت فيما اختلفوا فيه وجدتهم قد اختلفوا في أمور اجتهادية، لا يوجب الخلاف في أحدها إيمانًا ولا كفرًا، بل لا يوجب الخلاف فيها كلها مجتمعة إيمانًا ولا كفرًا، ووجدت أنهم قد كان غرض كل واحد من المختلفين في كل مسألة منها إقامة مراسم الدين، وإدانة مناهج الشرع القويم، بل أنت تجدهم قد اختلفوا في بعض هذه المسائل، والرسول ﷺ بين أظهرهم لم يفارق هذه الدنيا، ثم جاء من بعد عصرهم -رضوان الله تعالى عليهم- قوم استغلوا أحيانًا اختلاف الصحابة في بعض المسائل، واتخذوا من هذا الخلاف سبيلًا يسلكونه إلى تفريق كلمة هذه الأمة، وراحوا يلتمسون لبعض وجهات النظر أدلة لم يقتنع بها الذين خالفوا هذا الاتجاه في العصر السابق، بل لعلّ الذين كانوا يرون هذا الاتجاه قد عدلوا عنه، ولم يبقوا متمسكين به، إمّا اقتناعًا بما استدل به من خالفهم، وإما إبقاء على وحدة الأمة واستمساكها، بالإيلاف الذي امتنّ الله تعالى به عليهم؛ إذ لم يكن في أحد الرأيين ما يخالف نصًّا من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ وهم بذلك يضربون أروع المثل لفناء الفرد في الجماعة الصالحة".
ونستطيع أن نقسّم لك بعد الذي أسلفناه الاختلاف الحاصل في المسائل الاجتهادية بين الصحابة إلى قسمين:
стр. 205
القسم الأول: الاختلاف في مسائل لم تصل فيما بعد من شعار جماعة من أهل الفرق.
القسم الثاني: الاختلاف في مسائل اجتهادية أيضًا، اتخذها قوم من بعدهم تكأة، إمّا للطعن في بعض الصحابة، وإمّا جعلوها أساسًا لنحلتهم، أو استدلوا بها في مسألة من مسائلهم التي اتخذوها شعارًا لهم، وهذا التقسيم يمكن أن يأخذ من قول المؤلف عقيب ذكر الاختلاف في شأن عثمان ﵁ وعقيب الاختلاف في عهد علي، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم، ونضرب لك أمثلة من كل واحد من هذين النوعين؛ ليتضح أمرهما اتضاحًا لا نحتاج معه إلى شيء.
لمَّا اشتد الوجع برسول الله ﷺ قال لمن حوله من أصحابه: ((أأتوني بقرطاس أكتب لكم كتابًا، لا تضلوا بعدي)) فاختلف من حوله: هل يجيئون بقرطاس ليملي عليهم الرسول -صلوات الله وسلامه عليه، أم يكتفون بما علموه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وقال عمر بن الخطاب: إن النبي قد غيّبه الوجع، حسبنا كتاب الله، وكثر اللغط في ذلك، حتى قال النبي ﷺ : ((قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع)).
كذلك كان النبي ﷺ قبيل مرضه الذي عقِبَه انتقاله للرفيق الأعلى، قد جهّز جيشًا، وجعل على رأسه أسامة بن زيد، ولما أخذه المرض توقّف الجيش عن المسير، وقال النبي ﷺ في آخر حياته: ((جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلّف عنه)) مع هذا اختلفوا أيتمون بعث أسامة إيذانًا للعرب ولغيرهم بأنّ وجع النبي ﷺ ووفاته لم تثنِ عزائم أصحابه عن إتمام ما شرع لهم، أم يبقون أسامة ومن معهم يترقّبون ما يكون من العرب، فقد كان بعضهم يخشى انتقاد العرب، اختلفوا في ذلك قبيل وفاة النبي ﷺ وبعد وفاته، ولكن أبا بكر ﵁ أصرّ على اتّباع الأمر، ثقة منه بأن البركة في اتباع أمره ﷺ وأنّ في بعثه إرهابًا لمن تحدثه نفسه من العرب بالانتقاد.
стр. 206
كذلك لما أذيع نعي النبي ﷺ هال الخبر بعض أصحابه، حتى غيب عقولهم فاختلفوا: أمات الرسول ﷺ أم لم يمت، حتى قال عمر بن الخطاب -وهو من هو في- هذا الصدد: "من قال إنّ رسول الله ﷺ قد مات ضربته بالسيف" ووقف أبو بكر ﵁ يعلن أن النبي ﷺ قد لحق بربه، وأن شأنه في هذا الأمر شأن غيره من الناس، ويتلو على الذين هالتهم المصيبة قول الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٤) ويسمع عمر المضطرب القويّ الضعيف عن احتمال الفاجعة هذه الآية الكريمة، فيثوب إليه الرشد، ويعلم أنّ وعد الله حق، ويتذكر ما حفظه من قبل من هذه الآية، ومن نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (الزمر: ٣٠) ومن نحو قوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٤) فيخضع لقضاء الله، ويؤمن بأن الله تعالى قد اختار لرسوله ما عنده، بعد أن أكمل به الدين الذي رضيه لهم، ويقول: "والله لكأنّي لم أسمع هذه الآية من قبل".
كذلك، اختلفوا في المكان الذي يدفنون فيه رسول الله ﷺ : أيذهبون بجثمانه الطاهر إلى مكة فيدفنونه هناك في مقابر آبائه؛ ولأن مكة مكان مولده ومبعثه، ثم فيها البيت الحرام الذي جعله الله قبلته، وفيها قبر أبيه إسماعيل ﵇ أم يذهبون به إلى بيت المقدس فيدفنونه هناك؛ حيث يوجد قبر أبيه الخليل إبراهيم ﵇ وكثير من الأنبياء، أم يبقونه في المدينة؛ لأنها دار هجرته، ومقر أنصاره الذين أظهر الله بهم دينه، ويقف أبو بكر الصديق ﵁ في هذه المسألة موقف الحكيم الرزين، فيروي لهم، أنّه سمع النبي ﷺ يقرّر أن الأنبياء يدفنون حيث يقبضون، فتجتمع كلمتهم على أن يدفن في حجرة عائشة التي مات بها، وهي في داره ﷺ الملاصقة لمسجده والشارعة أبوابها فيه.
стр. 207
كما حدث أن استحلّ جماعة من العرب منع الزكاة بعد موت النبي ﷺ ويختلف الصحابة في أمرهم: أيقاتلونهم كما كان النبي ﷺ يقاتل الكفار، أم يتركونهم مخافة ألا يقووا على قتالهم، فتضيع هيبة العرب إياهم، وينحاز عمر بن الخطاب إلى القائلين بترك قتالهم، ويشتد في خلاف أبي بكر، ويستدل لما ذهب إليه من الرأي، ويقول لأبي بكر: كيف نقاتلهم وقد قال رسول الله ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم)) ويجد أبو بكر مساغًا للردّ عليه، ويقول له: أليس قد قال النبي ﷺ بعد هذا: ((إلّا بحقها)) ومن حقها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، ويذعن عمر ﵁ وينقاد لفهم أبي بكر في الحديث.
ويحارب المسلمين من ارتدّ من العرب، ويحاربون غيرهم، وفي المسلمين كثير ممن حفظ القرآن الكريم، ويموت بعض هؤلاء في حروب الردة وغيرها، فيخاف عمر أن يستحرّ القتل في حفظة القرآن الكريم، فيذهب إلى أبي بكر يلتمس منه أن يجمع القرآن، ويعرضه على ثقات الحفاظ، ويأبى أبو بكر ﵁؛ لأن ذلك شيء لم يفعله رسول الله ﷺ ، ويحاول عمر إقناعه بأن المصلحة فيما يدعوه إليه، وأن الضرر الذي ينجم عن الامتناع أكثر مما يتعلل به، وينضم إلى أبي بكر جماعة من الصحابة، ولكن إخلاص عمر ﵁ في الذي يدعوهم إليه، ما يزال يدفعه إلى مقاولتهم وحجاجهم حتى يشرح الله صدورهم لما شرح له صدر عمر، فيؤخذوا في جمع الصحف والعسب والرقاع والأدم، ويرسم أبو بكر الطريق إلى بلوغ هذه الغاية، ويستقر رأي جميعهم على ما شرح الله له صدور الذين كانوا يختلفون.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 208
الدرس: ١٤ أصناف المدعوين وكيفية دعوتهم، والدعوة على الوجه الأمثل .
стр. 209
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع عشر
(أصناف المدعوين وكيفية دعوتهم، والدعوة على الوجه الأمثل)
أصناف المدعوين: الملأ، وجمهور الناس، والمنافقون، والعصاة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
في كل مجتمع يوجَد سادة كما يوجد أشراف لهم نفوذ فيه، وقد يكون بأيديهم السلطان، وهؤلاء هم الصفّ الأول من المدعوين، ويسميهم القرآن الملأ.
وإزاء هؤلاء يوجد جمهور الناس وعامّتهم، وهؤلاء هم الصنف الثاني من المدعوين.
فإذا ما استجاب الناس إلى الدعوة إلى الله، ودخل الإيمان في قلوبهم، وصارت الغلبة للمؤمنين، وصار المجتمع إسلاميًّا- أمكن عند ذاك ظهور صنف آخر يظهر الإسلام رياءً ونفاقًا ويبطن الكفر، وهؤلاء هم المنافقون، وهم الصنف الثالث من أصناف المدعوين.
كما أن من دخل في الإسلام قد يكون إسلامه ضعيفًا، وإيمانه رقيقًا، مما يجعل انزلاقه إلى المعاصي سهلًا، وهؤلاء هم العصاة، ويكوّنون الصنف الرابع من أصناف المدعوين، ولا بد من الكلام عن هذه الأصناف في المباحث التالية:
المبحث الأول: الملأ:
تعريف الملأ: يستعمل القرآن الكريم كلمة الملأ في قصصه عن الرسل الكرام، وما جرى لهم من أقوامهم، والملأ كما يقول المفسرون: هم أشراف القوم وقادتهم ورؤساؤهم وسادتهم، فهم إذن البارزون في المجتمع وأصحاب النفوذ فيه، الذين يعتبرهم الناس أشرافًا وسادة، أو يعتبرون حسب مفاهيم المجتمع وقيمه أشراف المجتمع وسادته، ومن ثَمَّ يستحقون في عرف الناس قيادة المجتمع والزعامة والرئاسة فيه، وقد يباشرون ذلك فعلًا، وإطلاق كلمة الملأ على هؤلاء
стр. 210
في القرآن الكريم بهذا المعنى هو من قبيل بيان الواقع، لا من قبيل بيان استحقاقهم فعلًا للشرف والسيادة والقيادة والرئاسة، ويشبه هذا الإطلاق ما ورد في رسائل النبي ﷺ إلى رؤساء فارس والروم ومصر، فقد جاء في بعض هذه الرسائل مخاطبة الرسول الكريم ﷺ إلى رئيس الروم بعبارة: إلى عظيم الروم، فإطلاق هذه العبارة على رئيس الروم من قبيل بيان واقعة، وهو أنه عظيم في نظر الروم؛ لرئاسته لهم، وليس بيانًا لاستحقاقه هذا الوصف.
الملأ والدعوة إلى الله:
والوصف الغالب على الملأ من كل قوم معاداتهم للدعوة إلى الله، فقد قاوموا دعوة الرسل الكرام إلى الله تعالى، وكانوا هم الذين يتولون كبر المقاومة الأثيمة للدعوة إلى الله، ويقودون حملة التكذيب والافتراء والتضليل ضد أنبياء الله تعالى، يدل على ذلك قول ربنا ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (سبأ: ٣٤، ٣٥) يخبر الله في هذه الآية الكريمة رسولَه محمد ﷺ مسليًا له، أنه ما أرسل من رسول إلى قرية إلّا قال مترفوها وهم أولي القوة والحشمة والثروة والترف والرياسة، وقادة الناس في الشر: لا نؤمن به ولا نتبعه، وقال تعالى عن سيدنا نوح ﵇: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الأعراف: ٥٩) فقال الملأ من قومه: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الأعراف: ٦٠).
فالملأ من قوم نوح هم الذين تصدّوا للدعوة إلى الله، وهم الذين نسبوا نبيهم إلى الضلال المبين، وهذا من أعظم الظلم والصد عن سبيل الله؛ إذ يوصف الحق الذي جاء به نوح من ربه بالضلال، ولكن هذا هو منطق الملأ، وكذلك كان
стр. 211
موقف الملأ من قريش من دعوة رسول الله ﷺ ، قاوموا هذه الدعوة المباركة، وآذوا رسول الله ﷺ ورموه بالكذب وتآمروا به قال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ* أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ* وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ* مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ (ص: ٤ - ٧)، والملأ في الآية الكريمة هم سادة قريش وقادتها ورؤساؤها وكبراؤها، قالوا لقومهم: استمروا على دينكم ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد ﷺ من التوحيد.
وفي السيرة النبوية الشيء الكثير عن موقف الملأ من قريش وغيرهم من الدعوة إلى الله، التي بلغهم إياها الرسول الكريم ﷺ ، من ذلك ما ذكره ابن هشام في سيرته من أن الرسول ﷺ كان يخرج إلى القبائل ويدعوها إلى الله، وكان يمشي وراءه أبو لهب -وهو من أشراف قريش- ويقول للناس: لا تطيعوه ولا تسمعوا منه، وكذلك عندما خرج رسول الله ﷺ إلى الطائف، واجتمع بنفر منهم -وهم يومئذ سادة ثقيف وأشرافها- ردوه أقبح رد، ولم يكتفوا بذلك، وإنما أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس.
أسباب عداوة الملأ للدعوة إلى الله:
من التأمل في الآيات المسوقة في قصص الأنبياء وما جرى لهم مع أقوامهم، تظهر لنا أسباب مخاصمة الملأ للرسل الكرام، وعداوتهم لهم، ورفضهم دعوتهم، ومن أهم هذه الأسباب: الكبر الذي تغلغل في نفوسهم، وحبهم الرياسة والجاه، والجهالات التي حسبوه أدلة ويقينيات، ونتكلم فيما يلي عن كل سبب مع ما ورد بشأنه من آيات وآثار.
стр. 212
أولًا: الكِبْر:
الكبر خلق ذميم وآفة عظيمة متسقرة في النفس، وتظهر آثاره في الخارج بأشكال مختلفة ومواقف متعددة، ومن آثاره عدم رؤية الحق في غالب الأحيان، أو رؤيته ولكن الكبر يمنع من الاعتراف به والانقياد له، كما يمنع الاعتراف بالفضل لأولي الفضل، ويمنع الكبر من الرؤية الصحيحة لقدر نفسه، فيراها فوق أقدار الناس، فيستنكف أن يكون معهم أو تابعًا لأحد منهم، وقد يقترن الحسد مع الكبر، فيزيد من آثاره سوءًا وصدودًا عن الحق وجحدًا له، ومحاربة لأهله وعداوة لهم، ومن الآيات الدالة على صفة الكبر في الملأ، وما أدت إليه من نتائج غاية في السوء والقبح قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (النمل: ١٤) ففرعون وقومه أنكروا نبوة موسى ﵇ مع أن نفوسهم أيقنت بها، وكان الحامل لهم على إنكارها ظلمهم وتكبرهم على موسى ﵇.
كذلك ما بينه الله تعالى عن الملأ من قريش، وكيف أنهم وصفوا دعوة الرسول ﷺ بالكذب والاختلاق، قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ (ص: ٧) وكيف أنهم وصفوه بالسحر والجنون -قبّحهم الله تعالى- قال تعالى مخبرًا عن الملأ من قوم نوح: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ (هود: ٢٧) فالملأ من قوم نوح يقولون: ما نراك اتبعك إلّا أراذل القوم، وهم الفقراء والضعفاء وأصحاب الحرف الخسيسة، ولم يتبعك السادة والأشراف، ولا القادة والرؤساء، فيكيف نكون معهم ومثلهم في متابعتك.
стр. 213
وفي السيرة النبوية: أنّ الملأ من قريش قالوا لرسول الله ﷺ : لا نرضى أن نكون مع هؤلاء، يعنون ضعفاء المسلمين مثل صهيب وعمار وبلال وخباب، فاطردهم عنك ولا تبقهم في مجلسك إذا دخلنا عليك، فإذا فرغنا من الحديث معك والسماع منك وخرجنا، فأدخلهم إن شئت، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ (الكهف: ٢٨) وقال تعالى عن أولئك المتكبرين المتعجرفين، الذين طلبوا ما طلبوا: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف: ٢٨) وقال تعالى عن المتكبرين عن رسالة الإسلام والإيمان بمحمد ﷺ : ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الزخرف: ٣١، ٣٢) ومعنى هذه الآية الكريمة: أنّ المعترضين على القرآن الكريم، المتكبرين عن الإيمان به، والتصديق بنبوة محمد ﷺ قالوا: هلّا كان إنزال القرآن على رجل كبير في أعينهم من القريتين مكة والطائف، وعن ابن عباس: يعنون بالرجل العظيم جبارًا من جبابرة قريش، فهم بدافع كبرهم النفسي يستصغرون شأن الرسول ﷺ ، ولا يرونه أهلًا للرسالة، وأنهم أو غيرهم من الكبراء هم المستحقون للرسالة وتنزّل الوحي، ورد الله عليهم قولهم بأنّ الأمر بيد الله، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
ثانيا: حب الرياسة والجاه:
والملأ يحبون الرياسة والجاه والتسلط على رقاب العباد، ولذلك فهم يعارضون كل دعوة تسلبهم مكانتهم بين الناس، وتجعلهم تابعين كبقية الناس، وهم يتصورون أن قبولهم الدعوة إلى الله يسلبهم جاههم وسلطانهم، ولذلك يقاومونها ويعادونها، ويأتون بالأباطيل لتبرير عداوتهم، ومن الآيات الدالة على
стр. 214
حبهم للرياسة والجاه، أن هذا الحب كان من أسباب رفضهم دعوة الحق إلى الله تعالى ما يأتي:
١ - في قصة نوح ﵇ قال تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: ٢٤) فالملأ دفاعًا عن رياستهم على الناس، وتسلطهم عليهم يقولون لقومهم: إن نوحًا بدعوته هذه يريد أن يتفضل عليكم، أن يترفع ويتعاظم عليكم ويترأس عليكم، ويريد الملأ بهذا الادعاء صرف الناس عن نوح ﵇؛ لتبقى سيطرتهم ورياستهم عليهم، والحقيقة أن رسل الله لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا، ولا رياسة ولا تعاظمًا، وإنما هم بطبيعة دعوتهم يصيرون أئمة للناس، وتصير لهم الرياسة، ولكن ليست هي مثل رياسة أولئك الملأ المتكبرين على الله.
قال تعالى عن فرعون وملئه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ* قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ* قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٧٥ - ٧٨) ففرعون وملؤه استكبروا عن اتباع الحق والانقياد له، وكانوا قومًا مجرمين، ثم برروا استكبارهم عن الحق بالادِّعاء بأن موسى وهارون يريدان ثنيهم عن الدين الذي كان عليه آباؤهم، أو أنهما يريدان أن تكون لهما الكبرياء، أي: العظمة والرياسة في الأرض.
وقال تعالى عن الملأ من قريش: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ (ص: ٦) هذا بعض ما قاله الملأ من قريش، ومعناه كما جاء في
стр. 215
(تفسير القرطبي): إن هذا لشيء يراد، كلمة تحذير، أي: إنما يريد محمد ﷺ بما يقول الانقياد له، ليعلو علينا، ونكون له أتباعًا، فيتحكم فينا بما يريد، فاحذروا أن تطيعوه.
ثالثا: الجهالة:
والملأ غارق في الجهالة، ولا يشعر بجهالته، فهو يكفر بربه، ويرد دعوته الكريمة التي بعث بها رسله إلى الناس، ويصفها بأنها ضلال، ويرمي مبلغيها وهم الرسل الكرام بالسفاهة وخفة العقل، ويقلّب الدهماء عليهم، ويكيد ضدهم ويعاديهم، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: ٢٣) والمترفون هم الملأ، وجوابهم على دعوة رسل الله أنهم وجدوا آباءهم على ملة ودين، وأنهم مقتفون أثرهم، لا يحيدون عن ذلك، وهذا من جهلهم؛ لأن الباطل لا يتابع، وأن الحق أحق أن يتبع، وهذا التقليد الذميم للباطل القديم الذي كان عليه الآباء والأجداد من أعظم أسباب التمرد على الحق، قال تعالى في داء التقليد الذميم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٧٠) وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ (الأعراف: ١٢٧).
الملأ من قوم فرعون يعتبرون موسى نبي الله والداعي إليه، وأتباعه المؤمنين- مفسدين في الأرض، ويقلّبون فرعون على مقاومتهم والقضاء عليهم، إن جهلهم مع كبرهم وحبهم للرياسة والجاه جعلهم يعتبرون موسى مفسدًا في الأرض.
следующие страницы →