Полный текст (347 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
موقف الملأ من قريش من دعوة رسول الله ﷺ ، قاوموا هذه الدعوة المباركة، وآذوا رسول الله ﷺ ورموه بالكذب وتآمروا به قال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ* أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ* وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ* مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ (ص: ٤ - ٧)، والملأ في الآية الكريمة هم سادة قريش وقادتها ورؤساؤها وكبراؤها، قالوا لقومهم: استمروا على دينكم ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد ﷺ من التوحيد.
وفي السيرة النبوية الشيء الكثير عن موقف الملأ من قريش وغيرهم من الدعوة إلى الله، التي بلغهم إياها الرسول الكريم ﷺ ، من ذلك ما ذكره ابن هشام في سيرته من أن الرسول ﷺ كان يخرج إلى القبائل ويدعوها إلى الله، وكان يمشي وراءه أبو لهب -وهو من أشراف قريش- ويقول للناس: لا تطيعوه ولا تسمعوا منه، وكذلك عندما خرج رسول الله ﷺ إلى الطائف، واجتمع بنفر منهم -وهم يومئذ سادة ثقيف وأشرافها- ردوه أقبح رد، ولم يكتفوا بذلك، وإنما أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس.
أسباب عداوة الملأ للدعوة إلى الله:
من التأمل في الآيات المسوقة في قصص الأنبياء وما جرى لهم مع أقوامهم، تظهر لنا أسباب مخاصمة الملأ للرسل الكرام، وعداوتهم لهم، ورفضهم دعوتهم، ومن أهم هذه الأسباب: الكبر الذي تغلغل في نفوسهم، وحبهم الرياسة والجاه، والجهالات التي حسبوه أدلة ويقينيات، ونتكلم فيما يلي عن كل سبب مع ما ورد بشأنه من آيات وآثار.
стр. 212
أولًا: الكِبْر:
الكبر خلق ذميم وآفة عظيمة متسقرة في النفس، وتظهر آثاره في الخارج بأشكال مختلفة ومواقف متعددة، ومن آثاره عدم رؤية الحق في غالب الأحيان، أو رؤيته ولكن الكبر يمنع من الاعتراف به والانقياد له، كما يمنع الاعتراف بالفضل لأولي الفضل، ويمنع الكبر من الرؤية الصحيحة لقدر نفسه، فيراها فوق أقدار الناس، فيستنكف أن يكون معهم أو تابعًا لأحد منهم، وقد يقترن الحسد مع الكبر، فيزيد من آثاره سوءًا وصدودًا عن الحق وجحدًا له، ومحاربة لأهله وعداوة لهم، ومن الآيات الدالة على صفة الكبر في الملأ، وما أدت إليه من نتائج غاية في السوء والقبح قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (النمل: ١٤) ففرعون وقومه أنكروا نبوة موسى ﵇ مع أن نفوسهم أيقنت بها، وكان الحامل لهم على إنكارها ظلمهم وتكبرهم على موسى ﵇.
كذلك ما بينه الله تعالى عن الملأ من قريش، وكيف أنهم وصفوا دعوة الرسول ﷺ بالكذب والاختلاق، قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ (ص: ٧) وكيف أنهم وصفوه بالسحر والجنون -قبّحهم الله تعالى- قال تعالى مخبرًا عن الملأ من قوم نوح: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ (هود: ٢٧) فالملأ من قوم نوح يقولون: ما نراك اتبعك إلّا أراذل القوم، وهم الفقراء والضعفاء وأصحاب الحرف الخسيسة، ولم يتبعك السادة والأشراف، ولا القادة والرؤساء، فيكيف نكون معهم ومثلهم في متابعتك.
стр. 213
وفي السيرة النبوية: أنّ الملأ من قريش قالوا لرسول الله ﷺ : لا نرضى أن نكون مع هؤلاء، يعنون ضعفاء المسلمين مثل صهيب وعمار وبلال وخباب، فاطردهم عنك ولا تبقهم في مجلسك إذا دخلنا عليك، فإذا فرغنا من الحديث معك والسماع منك وخرجنا، فأدخلهم إن شئت، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ (الكهف: ٢٨) وقال تعالى عن أولئك المتكبرين المتعجرفين، الذين طلبوا ما طلبوا: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف: ٢٨) وقال تعالى عن المتكبرين عن رسالة الإسلام والإيمان بمحمد ﷺ : ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الزخرف: ٣١، ٣٢) ومعنى هذه الآية الكريمة: أنّ المعترضين على القرآن الكريم، المتكبرين عن الإيمان به، والتصديق بنبوة محمد ﷺ قالوا: هلّا كان إنزال القرآن على رجل كبير في أعينهم من القريتين مكة والطائف، وعن ابن عباس: يعنون بالرجل العظيم جبارًا من جبابرة قريش، فهم بدافع كبرهم النفسي يستصغرون شأن الرسول ﷺ ، ولا يرونه أهلًا للرسالة، وأنهم أو غيرهم من الكبراء هم المستحقون للرسالة وتنزّل الوحي، ورد الله عليهم قولهم بأنّ الأمر بيد الله، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
ثانيا: حب الرياسة والجاه:
والملأ يحبون الرياسة والجاه والتسلط على رقاب العباد، ولذلك فهم يعارضون كل دعوة تسلبهم مكانتهم بين الناس، وتجعلهم تابعين كبقية الناس، وهم يتصورون أن قبولهم الدعوة إلى الله يسلبهم جاههم وسلطانهم، ولذلك يقاومونها ويعادونها، ويأتون بالأباطيل لتبرير عداوتهم، ومن الآيات الدالة على
стр. 214
حبهم للرياسة والجاه، أن هذا الحب كان من أسباب رفضهم دعوة الحق إلى الله تعالى ما يأتي:
١ - في قصة نوح ﵇ قال تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: ٢٤) فالملأ دفاعًا عن رياستهم على الناس، وتسلطهم عليهم يقولون لقومهم: إن نوحًا بدعوته هذه يريد أن يتفضل عليكم، أن يترفع ويتعاظم عليكم ويترأس عليكم، ويريد الملأ بهذا الادعاء صرف الناس عن نوح ﵇؛ لتبقى سيطرتهم ورياستهم عليهم، والحقيقة أن رسل الله لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا، ولا رياسة ولا تعاظمًا، وإنما هم بطبيعة دعوتهم يصيرون أئمة للناس، وتصير لهم الرياسة، ولكن ليست هي مثل رياسة أولئك الملأ المتكبرين على الله.
قال تعالى عن فرعون وملئه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ* قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ* قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٧٥ - ٧٨) ففرعون وملؤه استكبروا عن اتباع الحق والانقياد له، وكانوا قومًا مجرمين، ثم برروا استكبارهم عن الحق بالادِّعاء بأن موسى وهارون يريدان ثنيهم عن الدين الذي كان عليه آباؤهم، أو أنهما يريدان أن تكون لهما الكبرياء، أي: العظمة والرياسة في الأرض.
وقال تعالى عن الملأ من قريش: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ (ص: ٦) هذا بعض ما قاله الملأ من قريش، ومعناه كما جاء في
стр. 215
(تفسير القرطبي): إن هذا لشيء يراد، كلمة تحذير، أي: إنما يريد محمد ﷺ بما يقول الانقياد له، ليعلو علينا، ونكون له أتباعًا، فيتحكم فينا بما يريد، فاحذروا أن تطيعوه.
ثالثا: الجهالة:
والملأ غارق في الجهالة، ولا يشعر بجهالته، فهو يكفر بربه، ويرد دعوته الكريمة التي بعث بها رسله إلى الناس، ويصفها بأنها ضلال، ويرمي مبلغيها وهم الرسل الكرام بالسفاهة وخفة العقل، ويقلّب الدهماء عليهم، ويكيد ضدهم ويعاديهم، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: ٢٣) والمترفون هم الملأ، وجوابهم على دعوة رسل الله أنهم وجدوا آباءهم على ملة ودين، وأنهم مقتفون أثرهم، لا يحيدون عن ذلك، وهذا من جهلهم؛ لأن الباطل لا يتابع، وأن الحق أحق أن يتبع، وهذا التقليد الذميم للباطل القديم الذي كان عليه الآباء والأجداد من أعظم أسباب التمرد على الحق، قال تعالى في داء التقليد الذميم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٧٠) وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ (الأعراف: ١٢٧).
الملأ من قوم فرعون يعتبرون موسى نبي الله والداعي إليه، وأتباعه المؤمنين- مفسدين في الأرض، ويقلّبون فرعون على مقاومتهم والقضاء عليهم، إن جهلهم مع كبرهم وحبهم للرياسة والجاه جعلهم يعتبرون موسى مفسدًا في الأرض.
стр. 216
الملأ هم الملأ في كل زمان ومكان، والملأ بأوصافهم وأخلاقهم التي بينها القرآن الكريم يوجدون في كل مجتمع، وفي كل مكان وزمان، ولهذا فهم يقفون غالبًا في وجه كل دعوة إلى الله تعالى، ويحاربونها بدافع من الكبر الذي يغشى نفوسهم، وبدافع حب الرياسة على الناس، وخوفهم من أن تسلبهم هذه الدعوة الإصلاحية مركزهم ومكانتهم وترفهم، ومما يدل على بقاء الملأ في كل زمان ومكان، معارضين لكل دعوة طيبة خيرة تريد الإصلاح وإيصال الناس إلى خالقهم.
إن الدوافع التي دفعت الملأ من الأقوام الماضية إلى محاربة رسل الله والدعوة إليه، هي نفسها توجد في نفوس الكبراء والمترفين، فالكبر يعلق في النفوس المريضة، والحرص على الرياسة والجاه والمنزلة موجود في النفوس، وإنما ينقمع بالإيمان، والجهل يخيم على مثل هذه النفوس التي تعشق العلوّ في الأرض، وإذا ما دخل أصل الإيمان في نفوس السادة والكبراء والأشراف، فإن هذا الإيمان يبقى ضعيفًا غالبًا، لا يقوى على منعهم من الصد عن سبيل الله، ولا عن محاربة الدعاة إلى الله تعالى بشبهات واهية من جنس شبهات الملأ القدامى، الذين حاربوا رسل الله وصدوا عن دعوتهم المباركة، وقد تنبه المفسرون إلى أن الملأ يبقون معارضين للدعوة إلى الله.
جاء في تفسير ابن كثير بصدد قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الأعراف: ٦٠) قال: وهكذا حال الفجار، إنما يرون الأبرار في ضلالة، وقال أيضًا في مكان آخر من تفسيره: ثم الواقع غالبًا أن من يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته.
المبحث الثاني: جمهور الناس:
تعريف جمهور الناس: نريد من قولنا: جمهور الناس معظمهم؛ لأن جمهور كل شيء معظمه وأكثره، والمقصود بمعظم الناس ما عدا الملأ، وهم عادة قلة،
стр. 217
أما ما عاداهم فهم أكثرية الناس في أي مجتمع بشري، وهؤلاء الجمهور يكونون عادة مرءوسين للملأ وتابعين لهم، وكما يكونون غالبًا فقراء وضعفاء، ويباشرون مختلف الأعمال والحرف، والجمهور أسرع من غيرهم إلى الاستجابة إلى الحق، فهم أتباع رسل الله، يصدقونهم ويؤمنون بهم قبل غيرهم، قال هرقل لأبي سفيان يوم اجتمع به في الشام، لما سمع هرقل بأنه من مكة، فأراد أن يسأل عن أخبار النبي ﷺ ، قال هرقل: أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم، فقال هرقل: هم أتباع الرسل.
والواقع أن أتباع رسل الله كانوا من جمهور الناس، والملأ قالوا لنوح ﵇: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ وقول الملأ من ثمود كما حكاه الله ﷻ عنهم: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: ٧٥) وكذلك كان أتباع نبينا محمد ﷺ في مكة من الضعفاء، وقد نالهم من المشركين أذًى كثيرًا، قال ابن كثير: ثم الواقع غالبًا أن يتبع الحق ضعفاء الناس.
المبحث الثالث: المنافقون:
تعريف المنافق: المنافق في الاصطلاح الشرعي هو الذي يظهر غير ما يبطنه ويخفيه، فإن كان الذي يخفيه التكذيب بأصول الإيمان فهو المنافق الخالص، وحكمه في الآخرة حكم الكافر، وقد يزيد عليه في العذاب لخداعه المؤمنين بما يظهره لهم من الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (النساء: ١٤٥) وإن كان الذي يخفيه غير الكفر بالله وكتابه ورسوله، وإنما هو
стр. 218
شيء من المعصية لله، فهو الذي فيه شعبة أو أكثر من شعب النفاق، وأساس النفاق الكفر والجبن، أمّا الكفر فهو ما يبطنه المنافق، وأما الجبن فهو الذي يجعل المنافق يظهر خلاف ما يبطنه من الكفر، ولهذا لا يكون المنافق إلّا جبانًا خوّارًا، ضعيف القلب، يحسن الكيد والمواربة والعمل في الظلام، وإذا لقي المؤمنين أظهر لهم نفسه كأنه مؤمن، ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة: ١٤) فهم لجبنهم يقولون: إننا مؤمنون، وإذا خلوا إلى قرنائهم من المنافقين والكاذبين قالوا: نحن نستهزئ بالمؤمنين بقولنا لهم: إننا مؤمنون.
المبحث الرابع: العصاة:
تعريفهم: نريد بالعصاة كصنف من أصناف الناس: من كان عندهم أصل الإيمان، وهو الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولكنهم لا يقومون بحقوق هذه الشهادة، فهم يخالفون بعض أوامر الشرع، ويرتكبون بعض نواهيه، ومنهم المكثر من المعاصي، ومنهم المقلّ، ومنهم بين ذلك على درجات كثيرة جدًّا، ومتنوعة جدًّا، لا يحصيها إلّا الله تعالى، والمسلم غير معصوم من المعصية، جاء في الحديث: ((كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطاءين التوابون)) وتعليل ذلك أنّ نفس الإنسان قابلة لارتكاب المعصية، كما هي قابلة لفعل الطاعة، والمطلوب من المسلم أن يحرص على طاعة الله وعدم معصيته، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس: ٧ - ١٠) وإذا وقع في معصية فعليه أن يسارع إلى التوبة، ويقلع عن معصيته، وينيب إلى ربه.
стр. 219
اتحادٌ بين الأصل الإنساني ووحدة التكاليف الشرعية:
الله يخاطب الناس جميعًا بأنه خلقهم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، فقال : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (الأعراف: ١٨٩) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (النساء: ١) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣)، والرسول ﷺ يقرّر أنّ الناس لآدم، وآدم من تراب.
إن الأديان ضرورية للبشرية وفطرية بها، هذه حقيقة تاريخية وفكرية ودينية أيضًا، فكل إنسان له دين، والذين ينكرون الأديان لا يؤمنون بأي دين منها، ويحاربون كل الأديان، لهم دين جديد هو ألّا يكون لهم دين، فهم عندما رفضوا الدين اتخذوا دينًا آخر وهو الهوى، قال : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية: ٢٣) ولمّا كان الإسلام دعوة إلى الكافة وإلى العالم أجمع، كان رسول الله ﷺ مرسلًا إلى الناس جميعًا، قال تعالى مخاطبًا رسوله ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: ٢٨) وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨) وأنه لا نبي بعد النبي ﷺ ، فهو خاتم النبيين، قال : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧) وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: ١٩).
والنتيجة من كل ذلك أنّ الإسلام هو دين جميع الشعوب والأجيال، فهو دين الجيل الذي بُعث فيه محمد ﷺ ودين الأجيال من بعده حتى يوم الدين؛ لأنه دين
стр. 220
الله ، وأنه لن يقبل من البشر دينًا غيره، قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩) وقال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥) وقال : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: ٢٨٥).
تنوع الخطاب الدعوي وفق أحوال المدعوّين
لا بُدَّ للداعية من اتباع المنهج القرآني والمسلك النبوي في الدعوة إلى الإسلام، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥) وكلمة الحكمة: هي وضع الأمور في نصابها، واتباع الوسائل الحديثة في استجلاب الأنصار وقيادة الناس والجماهير والأتباع، وإفهام الناس، وخصوصًا أهل الغرب، بأنّ الإسلام لا يجعل من العرب شعبًا مختارًا يفضل غيره بسلالة معينة أو دم خالص، بل إن الله اختار هذا الدين لعباده مشتملًا على تعاليم راشدة، وشريعة عادلة، ثم وكِّل إلى العرب أن يحملوا هذه التعاليم والشرائع ليعملوا بها وليعلموها من شاء، ولا بد من القدوة الحسنة في الدعاة إلى الإسلام، والقدوة الحسنة هي أهم الدعائم، فالمسلمون الذين يطوفون الآن في المشارق والمغارب، في أمريكا وفي أوروبا وفي اليابان وفي إفريقيا، لو كانوا صورة صادقة للإسلام الصافي لاستجاب لهم كثيرون، لكنهم يحملون أسماء إسلامية ويتصرفون تصرفات تُحتسَب على الإسلام والمسلمين، ولا بد كذلك من العمل على تأليف القلوب، فإن تأليفها بالأموال أساس من الأسس الإسلامية التي جاء بها القرآن الكريم، فقد جعل للمؤلفة قلوبهم مصرفًا من
стр. 221
مصارف الزكاة والصدقات، وهو ليس شراء للذمم، وإنما هو إظهار لمروءة الإسلام ولتعاليمه في معاونة المحتاجين.
المسلمون هم أمة الإجابة، وذلك أمر مقرر بعد إسلامهم واستجابتهم لنداء الحق، والدخول في دين الله تعالى، ولقد بلّغ رسول الله ﷺ الإسلام، ولم ينتقل إلى ربه إلّا بعد أن أوصل الإسلام إلى العالم المعروف يوم ذاك، وأرسل رسله، وكتب إلى كل ملوك وسلاطين الدنيا، وبعدما أوجد للإسلام قاعدة بشرية تتحمّل مسئوليتها تجاه الدعوة، تتمثل في أبناء الجزيرة العربية، وقد قام الصحابة والتابعون من بعدهم بواجبهم، وشعروا بثقل الأمانة التي تحملوها، فشمّروا عن سواعدهم، وانطلقوا إلى كل مكان أمكنهم أن يصلوا إليه، داعين إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن.
وانتشار الإسلام بدأ ببعثة النبي ﷺ ، وهو مستمر حتى الآن، فلقد بدأ بالدعوة سرًّا في مكة، ثم كان الجهر بها، وبعد الهجرة كانت الغزوات والفتوحات حتى وصل للعالم كله، وهكذا ظهر الإسلام في جزيرة العرب، ومن مكة والمدينة كان انطلاقه، ولم ينتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلّا وقد أسلمت الجزيرة العربية كلها، ودخلت في دين الله تعالى جميعًا.
وبعدها قال الرسول ﷺ : ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)) وفي نفس الوقت وصل البلاغ إلى أقاليم العالم بواسطة الرسائل والوفود وحركة التجار، وانتشار أخبار الإسلام والمسلمين، بما فيها من مزايا ومحاسن، ومن الجزيرة العربية بدأ انطلاق الفاتحين، ففتحوا بلاد الشام ومصر، اللذين مثّلا نقطتي الانطلاق لنشر الإسلام شرقًا وغربًا، ومن مصر تحرك المسلمون بإسلامهم في موجات متتابعة إلى جهات ثلاث، بواسطة الدعاة والفاتحين، فمن مصر اتجهت الانطلاقة الأولى
стр. 222
إلى الشمال الإفريقي، وتمَّ فتحه، فدخلت ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا في الإسلام، ومن الشمال الإفريقي امتدَّ الإسلام إلى الأندلس والبرتغال وجنوب فرنسا.
ومن مصر أيضًا كانت الانطلاقة الثانية إلى الجنوب، وتمَّ فتح بلاد النوبة والسودان وتشاد، ووقفت عند حدود الصحراء الكبرى، ومن مصر كذلك كانت الانطلاقة الثالثة إلى الشمال؛ حيث ركب المسلمون البحر الأبيض، وفتح أهم جزره مثل تكريت وصقلية، وغيرها، وباستقرار الإسلام في السودان صار السودان مركزًا رئيسيًّا للدعاة والعلماء بالنسبة لأفريقيا، وقد ساهم عرب الجزيرة في مساعدة السودانيين في إيصال الإسلام إلى شرق أفريقيا، فركبوا البحر الأحمر إلى قارة أفريقيا، وتمكنوا مع السودانيين والأحباش في نشر الإسلام في أوغندا وكينيا وزيمبابوي ومقديشيو وجزر القمر وتنزانيا وغيرها.
وهكذا وصل الإسلام إلى كل إفريقيا في القرن الأول لظهور الإسلام ما عدا جنوب أفريقيا، فقد وصلها الإسلام متأخرًا مع المهاجرين المسلمين، الذين جاءوا من الهند وبلاد المغرب وأفريقيا.
ومن بلاد الشام، الجناح الشرقي للإسلام، وصل الإسلام إلى بلاد فارس إيران، ومن إيران تحرك الإسلام جنوبًا إلى الهند، وشرقا إلى بلاد التركستان وأفغانستان، ومن بلاد التركستان انطلق الإسلام إلى الصين، وقد قام عرب الجزيرة بركوب البحر إلى الجنوب الذي كانوا يذهبون إليه تجارًا، يحملون الإسلام في سلوكهم ونشاطهم، وتمكنوا بذلك من نشر الإسلام في الجزر وأشباه الجزر الموجودة في المحيط الهندي، وبذلك دخل الإسلام في الملاوي وإندونيسيا والفلبين وماليزيا وسيلان، ولما استقرّ الإسلام في وسط وجنوب آسيا، اهتمّ أهل هذه
стр. 223
البلاد بالإسلام فانطلقوا به إلى الشمال عكس اتجاهه السابق، ونشروا الإسلام في تركيا وبلاد الأناضول وشرق أوروبا، وهكذا انتشر الإسلام في قارات العالم في القرون الأولى.
أحوال الدعوة في الأقطار الإسلامية، وكيف تكون الدعوة على الوجه الأمثل
أحوال الدعوة في الأقطار الإسلامية:
المسلمون اليوم أحوج الناس إلى اكتشاف حقيقة الإسلام مرة أخرى، بعدما عمَّ الجهل بالإسلام، وتحوّل عند البعض إلى ثقافة فكرية لا تأثير لها في واقع الحياة، وامتلأ نشاط المسلمين بنظم وأنشطة غير إسلامية، لدرجة أنّ من ينظر إلى أحوال الناس يتخيّل نفسه في مجتمع لا إسلام فيه، فالنساء في الطريق عاريات مائلات مميلات، والخلاعة والمجون سمة الشباب، ودور اللهو والعبث تستقبل روادها ليل نهار، والإعلام بصوره جميعًا خلط بين الجد والهزل، وصوت الباطل فيه أعلى من الحق، في كثير من الأحيان، والمؤسسات الدينية تعمل بلا خطة منتظمة، وبعيدًا عن هدف مقصود، والدعوة في جملتها تحتاج لتخطيط وتنظيم وإشراف، ولا بد من مضاعفة الجهد، وتنشيط العمل على كل من يريد العمل لله بصدق وإخلاص.
كيف تتم الدعوة على الوجه الأمثل بين المسلمين:
بعد تفهُّم طبائع الناس وحقيقة الدعوة، كان على الوسائل أن تقوم بدورها في الإبلاغ على وجه يضمن نجاحها في الغالب، وهذا الضمان ضرورة عرّفها الله -سبحانه وتعالى
стр. 224
- لرسوله ﷺ وهو يأمره بقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (الأعلى: ٩) وبقوله : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (الأنعام: ٦٨) وهكذا عرّف الله رسوله أن يتخذ المناسبة الحسنة، فيذكّر حين يغلب على ظنّه أن الذكرى ستنفع، ويترك القوم حينما يلقاهم يعبثون بآيات الله؛ لأنهم لا يسمعون ساعتئذٍ، وسيعرضون عن الدعوة إذا عرضت عليهم، ومن الأساليب ذاتها نعرف كيف نعرض الدعوة في حسن وجمال.
وعرضها الحسن يتطلب شقين: شقًّا يتعلق بالدعوة، وشقًّا يتعلق بالناس، أمّا الشق الذي يتعلق بالناس فهو يتكون من نقاط، تلاحظه الأساليب فيما يلي:
أولًا: تقدير الإنسان:
حيث أعطى الله للإنسان كثيرًا من النعم، وسخر له الكون كله، ورزقه العقل ليفهم الأمور ويتدبرها، فلما جاءت الدعوة لم تنقص الإنسان شيئًا، بل أعلنت محافظتها على كثير من المسائل الفطرية؛ إذ بينت أنه لا إكراه في الدين؛ لأن الإكراه لا يتفق مع طبيعة الدين الذي يحتاج إلى إخلاص شامل للظاهر والباطن معًا، وبينت كذلك أنّ الناس جميعًا سواء، فهم لا يتمايزون بسبب النسب أو الجاه.
ثانيًا: ملاحظة التنوع البشري:
وتلاحظ الوسائل تنوع الناس أمام الأدلة، وقد رأينا كيف أنّ العلماء أجمعوا على أنّ من الناس من تكفيه الأدلة الخطابية، ومنهم من تكفيه الأدلة البرهانية اليقينية، ومنهم المجادل اللدود، ومن هنا أتت الأساليب مراعية هذا التنوع، فجاءت المواعظ الحسنة، والحكمة، والجدل بالحسنى؛ لتتناسب مع كافة الطوائف.
стр. 225
ثالثًا: التنوع الغريزي:
من المعلوم أن الجبلّة البشرية تنطوي على مجموعة من الصفات، لا يمكن إزالتها بالكلية، وقد لاحظ النبي ﷺ هذه الجبلة في الناس، فلم يحاول هدمها، وإنما ترقّى بها، فهو في المال يعطي رجالًا لا لحاجاتهم، وإنما لشدة حبهم للمال، ويبين ذلك ﷺ بقوله: ((إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، مخافة أن يكبه الله في النار)) وفي الفخر يعطيه لأبي سفيان يوم فتح مكة ويقول: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)).
أما الشق المتعلق بالدعوة، فهو يتمثل في النقاط التالية:
١ - تقدير الدعوة:
تبدأ الأساليب في مناقشة عقائد الناس، مبينة فسادها من واقع فكر الناس أنفسهم، وقد رأينا كيف جادل سيدنا إبراهيم الناس في ألوهية الأصنام والكواكب والأشخاص، وكيف بينت القصة ضلال الكافرين والمشركين، وإنما بدأت الأساليب بذلك، حتى لا تترك الناس في ضلالهم؛ لكي تدعوهم بالحق بعد تخليصهم من الباطل.
٢ - تجزئة الدعوة:
وتدعو الناس على مهل، وتجزئ للناس دعوتها، فلا تقدمها لهم جملة حتى لا تثقل عليهم، وتلاحظ استعداد الناس للجزء الذي تقدمه لهم، ومن هنا استمرّ النبي ﷺ يدعو مدة طويلة إلى التوحيد وهو في مكة، ولم يتنقل إلى غير التوحيد؛ لأنه أراد أن يلمس أسس الدعوة، ويعرضه لهؤلاء المشركين، فمكث ﷺ يدعو
стр. 226
بالتوحيد حتى شرعت الصلاة قبيل الهجرة، ويلاحظ أنّ الدعوة كانت تقدّم الأهم على المهم، ولذلك قدّمت التوحيد وإثبات الرسالة على سائر تعاليمها؛ لأنهما الأصل.
٣ - تكرار الدعوة:
ومن خلال الأساليب يظهر التكرار واضحًا للدعوة، لما في التكرار من فائدة، فهو يشعر بالأهمية، ويحرك العقل والوجدان.
٤ - بيان الغاية من الدعوة:
تحديد أي شيء هو مقدمة نجاحه، وبيان فائدته أقوى دليل على خلوده، ولقد اهتمت الأساليب بادئ ذي بدئ ببيان أهداف الدعوة، فعرّفت أن الإيمان بالدعوة يحقق في الدنيا النجاة من الضرر، والتمكين في الأرض، والنصر والفوز، ويحقق في الآخرة السعادة والأمان، بل إن سائر تعاليم الدعوة هادفة إلى حفظ الضرورات الخمسة، التي تحقق سعادة الدنيا والآخرة.
٥ - الدليل المناسب:
وتحقق الأساليب بأدلتها فائدة عظيمة؛ ذلك أنها تلاحظ نوعية المدعوين، ومدى تقدمهم، وتأتي لهم بالأدلة المناسبة، فمثلًا: تكون الأدلة بالمحسوسات أحيانًا، وبالمعنويات أحيانًا أخرى، وبهما معًا أحيانًا أخرى، وذلك يحقق لها الوصول إلى أفهام الناس أجمعين، والدعوة تستطيع أن تنوع دليلها وتصنعه في شكل قصة، أو في مثل، وهكذا تبعًا لطبيعة من تخاطبهم، خاصة وأنها أحاطت بهم، ومن الأوْلى أن تكون الأدلة مستنتجة من نعم الله الكاملة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 227
الدرس: ١٥ معاملة غير المسلمين وكيف يدعون إلى الإسلام .
стр. 228
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس عشر
(معاملة غير المسلمين وكيف يُدعَون إلى الإسلام)
القاعدة الأولى في معاملة أهل الذمة في دار الإسلام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
القاعدة الأولى في معاملة أهل الذمة في دار الإسلام: أن لهم من الحقوق مثل ما للمسلمين إلا في أمور محددة مستثناة؛ كما أن عليهم ما على المسلمين من واجبات إلا ما استثنى:
- حق الحماية:
فأول هذه الحقوق: هو حق تمتعهم بحماية الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي، وهذه الحماية تشمل حمايتهم من كل عدوان خارجي، ومن كل ظلم داخلي؛ حتى ينعموا بالأمان والاستقرار.
أ- الحماية من الاعتداء الخارجي:
أما الحماية من الاعتداء الخارجي؛ فيجب لهم ما يجب للمسلمين، وعلى الإمام أو ولي الأمر في المسلمين بما له من سلطة شرعية وما لديه من قوة عسكرية أن يوفر لهم هذه الحماية، قال في (مطالب أولي النهى) من كتب الحنابلة: يجب إلى الإمام حفظ أهله الذمة ومنع من يؤذيهم، وفك أسرهم، ودفع من قصدهم بأذى إن لم يكونوا بدار حرب؛ بل كانوا بدارنا ولو كانوا منفردين ببلد، وعلل ذلك بأنهم جرت عليهم أحكام الإسلام وتأبَّد عقدُهم؛ فلزمه ذلك كما يلزمه للمسلمين.
وينقل الإمام القرافي المالكي في كتبه (الفروق) قول الإمام الظاهري ابن حزم في كتابه (مراتب الإجماع): أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا
стр. 229
يقصدونه؛ وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح؛ ونموت دون ذلك؛ صونًا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ ؛ فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة، وحكى في ذلك إجماع الأمة، وعلق على ذلك القرافي بقوله: فعقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال صونًا لمقتضاه عن الضياع إنه لعظيم.
ومن المواقف التطبيقية لهذا المبدأ الإسلامي: موقف شيخ الإسلام ابن تيمية حينما تغلب التتار على الشام، وذهب الشيخ ليكلم قطلو شاه في إطلاق الأسرى؛ فسمح القائد التتري للشيخ بإطلاق أسرى المسلمين، وأبى أن يسمح له بإطلاق أهل الذمة؛ فما كان من شيخ الإسلام إلا أن قال: لا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسارى من اليهود والنصارى؛ فهم أهل ذمتنا ولا ندع أسيرًا لا من أهل الذمة ولا من أهل الملة؛ فلما رأى إصراره وتشدده أطلقهم له.
ب - الحماية من الظلم الداخلي:
وأما الحماية من الظلم الداخلي؛ فهو أمر يوجبه الإسلام ويشدد في وجوبه، ويحذر المسلمين أن يمدوا أيديهم أو ألسنتهم إلى أهل الذمة بأذى أو عدوان؛ فالله تعالى لا يحب الظالمين ولا يهديهم؛ بل يعاجلهم بعذابه في الدنيا أو يؤخر لهم العقاب مضاعفًا في الآخرة.
وقد تكاثرت الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الظلم وتقبيحه وبيان آثاره الوخيمة في الآخرة والأولى، وجاءت أحاديث خاصة تحذر من ظلم غير المسلمين من أهل العهد والذمة؛ يقول الرسول ﷺ : ((من ظلم معاهدًا، أو انتقصه حقًّا، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة))، وقال ﷺ : ((من آذى ذميًّا؛ فأنا خصمه؛ ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة)) وقال أيضًا: ((من آذى ذميًّا فقد آذاني؛ ومن آذاني فقد آذى الله)).
стр. 230
وفي عهد النبي ﷺ لأهل نجران: أنه لا يؤخذ منهم رجل بظلم آخر؛ ولهذا كله اشتدت عناية المسلمين منذ عهد الخلفاء الراشدين بدفع الظلم عن أهل الذمة وكف الأذى عنهم، والتحقيق في كل شكوى تأتي من قِبَلهم.
كان عمر ﵁ يسأل الوافدين عليه من الأقاليم عن حال أهل الذمة، خشية أن يكون أحد من المسلمين قد أفضى إليهم بأذى؛ فيقولون له: ما نعلم إلا وفاء -أي بمقتضى العهد والعقد الذي بينهم وبين المسلمين- وهذا يقتضي أن كلًّا من الطرفين وفّى بما عليه، وعلي بن أبي طالب ﵁ يقول: "إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا".
- حق التدين:
ويحمي الإسلام فيما يحميه من حقوق أهل الذمة: حق الحرية، وأول هذه الحريات: حرية الاعتقاد والتعبد؛ فلكل ذي دين دينه ومذهبه، لا يُجبر على تركه إلى غيره، ولا يُضغط عليه أي ضغط ليتحول منه إلى الإسلام، وأساس هذا الحق: قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: ٢٥٦) وقوله سبحانه: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٩٩) قال ابن كثير في تفسير الآية الأولى: أي لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام؛ فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا تحتاج إلى أن يُكره أحد على الدخول فيه.
وسبب نزول الآية كما ذكر المفسرون يبين لنا جانبًا من إعجاز هذا الدين: فقد رووا عن ابن عباس قال: كانت امرأة تكون مقلاة -أي قليلة النسل- فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، كان يفعل ذلك نساء الأنصار في الجاهلية؛ فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار؛ فقال آباؤهم: لا
стр. 231
ندع أبناءنا -يعنون لا ندعهم يعتنقون اليهودية- فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: ٢٥٦).
فرغم أن محاولات الإكراه كانت من آباء يريدون حماية أبنائهم من التبعية لأعدائهم المحاربين الذين يخالفونهم في دينهم وقوميتهم، ورغم الظروف الخاصة التي دخل بها الأبناء دين اليهودية وهم صغار، ورغم ما كان يسود العالم كله حينذاك من موجات التعب والاضطهاد للمخالفين في المذهب؛ فضلًا عن الدين كما كان في مذهب الدولة الرومانية التي خيرت رعاياها حينًا بين التنصر والقتل؛ فلما تبنت المذهب الملكاني؛ أقامت المذابح لكل من لا يدين به من المسيحيين من اليعاقبة وغيرهم، رغم كل هذا رفض القرآن الإكراه؛ بل من هداه الله وشرح صدره ونوّر بصيرته دخل فيه على بينة؛ ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا -كما قال ابن كثير.
فالإيمان عند المسلمين ليس مجرد كلمة تلفظ باللسان أو طقوس تؤدى بالأبدان؛ بل أساسه إقرار القلب وإذعانه وتسليمه؛ ولهذا لم يعرف التاريخ شعبًا مسلمًا حاول إجبار أهل الذمة على الإسلام؛ كما أقر بذلك المؤرخون الغربيون أنفسهم.
وكذلك صان الإسلام لغير المسلمين معابدهم وراعى حرمة شعائرهم؛ بل جعل القرآن من أسباب الإذن في القتال: حماية حرية العبادة، وذلك في قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الحج: ٣٩، ٤٠).
стр. 232
وقد رأينا كيف اشتمل عهد النبي ﷺ إلى أهل نجران: أن لهم جوار الله وذمة رسوله على أموالهم وملتهم وبِيَعهم، وفي عهد عمر بن الخطاب إلى أهل إيلياء القدس نص على حريتهم الدينية وحرمة معابدهم وشعائرهم: "هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسائر ملتها: لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم ولا يُنتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبها، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود" -كما رواه الطبراني.
وكل ما يطلبه الإسلام من غير المسلمين أن يراعوا مشاعر المسلمين وحرمة دينهم؛ فلا يظهروا شعائرهم وصلبانهم في الأمصار الإسلامية، ولا يحدثوا كنيسة في مدينة إسلامية لم تكن لهم فيها كنيسة من قبل؛ وذلك لما في الإظهار والإحداث من تحدي الشعور الإسلامي مما قد يؤدي إلى فتنة واضطراب.
على أن من فقهاء المسلمين من أجاز لأهل الذمة إنشاء الكنائس والبيع وغيرها من المعابد في الأمصار الإسلامية، وفي البلاد التي فتحها المسلمون عنوة، أي: أن أهلها حاربوا المسلمين ولم يسلموا لهم إلا بحد السيف إذا أذن لهم إمام المسلمين بذلك؛ بناء على مصلحة رآها ما دام الإسلام يقرهم على عقائدهم، وقد ذهب إلى ذلك الزيدية والإمام ابن القاسم من أصحاب مالك.
ويبدو أن العمل جرى على هذا في تاريخ المسلمين وذلك منذ عهد مبكر؛ فقد بنيت في مصر عدة كنائس في القرن الأول الهجري، مثل: كنيسة ماري مرقص بالإسكندرية ما بين عامي ٣٩ و٥٦ هجرية؛ كما بنيت أول كنيسة بالفسطاط في حارة الروم ما بين عامي ٤٧ و٦٨ هجرية؛ كما سمح عبد العزيز بن مروان حين
стр. 233
أنشأ مدينة حلوان ببناء كنيسة فيها، وهذا التسامح مع المخالفين في الدين من قوم قامت حياتهم كلها على الدين وتم لهم به النصر والغلبة أمر لم يعهد في تاريخ الديانات، وهذا ما شهد به الغربيون أنفسهم.
يقول العلامة الفرنسي غوستاف لوبون: رأينا من آي القرآن التي ذكرناها آنفًا أن مسامحة محمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديان التي ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص، وسنرى كيف سار خلفاؤه على سنته، وقد اعترف بذلك التسامح بعض علماء أوروبا المرتابون، أو المؤمنون القليلون الذين أمعنوا النظر في تاريخ العرب.
والعبارات الآتية التي اقتطفها من كتب الكثيرين منهم تثبت أن رأينا في هذه المسألة ليس خاصًّا بنا؛ قال روبرت سن: أن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وأنهم مع امتشاقهم الحسام نشرًا لدينهم تركوا من لم يرغبوا فيه أحرارًا في التمسك بتعاليمهم الدينية.
تسامح فريد:
إن التسامح الديني والفكري له درجات ومراتب؛ فالدرجة الدنيا من التسامح: أن تدع لمخالفك حرية دينه وعقيدته، ولا تجبره بالقوة على اعتناق دينك أو مذهبك؛ بحيث إذا أبى حكمت عليه بالموت أو العذاب أو المصادرة أو النفي أو غير ذلك من ألوان العقوبات والاضطهادات؛ فتدع له حرية الاعتقاد؛ ولكن لا تمكنه من ممارسة واجباته الدينية التي تفرضها عليه عقيدته، والامتناع مما يعتقد تحريمه عليه.
والدرجة الوسطى من التسامح: أن تدع له حق الاعتقاد بما يراه من ديانة ومذهب، ثم لا تضيق عليه بترك أمر يعتقد وجوبه أو فعل أمر يعتقد حرمته؛
стр. 234
فإذا كان اليهودي يعتقد حرمة العمل يوم السبت؛ فلا يجوز أن يكلف بعمل في هذا اليوم؛ لأنه لا يفعله إلا وهو يشعر بمخالفة دينه، وإذا كان النصراني يعتقد بوجوب الذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد؛ فلا يجوز أن يمنع من ذلك في هذا اليوم.
والدرجة التي تعلو هذه في التسامح: ألا تضيق على المخالفين فيما يعتقدون حله في دينهم أو مذهبهم وإن كنت تعتقد أنه حرام في دينك أو مذهبك، وهذا ما كان عليه المسلمون مع المخالفين من أهل الذمة إذ ارتفعوا إلى الدرجة العليا من التسامح؛ فقد التزموا كل ما يعتقده غير المسلم أنه حلال في دينه، ووسعوا له في ذلك، ولم يضيقوا عليه بالمنع والتحريم، وكان يمكنهم أن يحرموا ذلك مراعاة لشريعة الدولة ودينها، ولا يتهموا بكثير من التعصب أو قليل؛ وذلك لأن الشيء الذي يحله دين من الأديان ليس فرضًا على أتباعه أن يفعلوه؛ فإذا كان دين المجوسي يبيح له الزواج من أمه أو أخته؛ فيمكنه أن يتزوج من غيرهما ولا حرج، وإذا كان دين النصراني يحل له أكل الخنزير؛ فإنه يستطيع أن يعيش عمره دون أن يأكل الخنزير، وفي لحوم البقر والغنم والطير متسع له.
ومثل ذلك الخمر؛ فإذا كان الإنجيل قد جاء بإباحتها؛ فليس من فرائض المسيحية أن يشرب المسيحي الخمر؛ فلو أن الإسلام قال للذميين: دعوا زواج المحارم وشرب الخمر وأكل الخنازير مراعاة لشعور إخوانكم المسلمين لم يكن عليهم في ذلك أي حرج ديني؛ لأنهم إذا تركوا هذه الأشياء لم يرتكبوا في دينهم منكرًا ولو أخلوا بواجب مقدس؛ ومع هذا لم يقل الإسلام ذلك، ولم يشأ أن يضيق على غير المسلمين في أمر يعتقدون حله، وقال للمسلمين: اتركوهم وما يدينون.
стр. 235
روح التسامح عند المسلمين:
على أن هناك شيئًا آخر لا يدخل في نطاق الحقوق التي تنظمها القوانين، ويلزم بها القضاء، وتشرف على تنفيذها الحكومات؛ ذلك هو روح السماحة التي تبدو في حسن المعاشرة، ولطف المعاملة، ورعاية الجوار، وسعة المشاعر الإنسانية من البر والرحمة والإحسان، وهي الأمور التي تحتاج إليها الحياة اليومية ولا يغني فيها قانون ولا قضاء، وهذه الروح لا تكاد توجد في غير المجتمع الإسلامي.
تتجلى هذه السماحة في مثل قول القرآن في شأن الوالدين المشركين اللذين يحاولان إخراج ابنهما من التوحيد إلى الشرك: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان: ١٥).
وفي (ترغيب القرآن في البر والإقساط) إلى المخالفين الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين قال : ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: ٨) وفي قول القرآن يصف الأبرار من عباد الله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: ٨) ولم يكن الأسير حين نزلت الآية إلا من المشركين.
وفي (قول القرآن) يجيب عن شبهة المسلمين في مشروعية الإنفاق على ذويهم وجيرانهم من المشركين المصرّين: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٧٢).
وقد روى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: أن النبي ﷺ بعث إلى أهل مكة مالًا لما قحطوا ليوزع على فقرائهم؛ هذا على الرغم مما قاساه من أهل مكة من العنت والأذى هو وأصحابه، روى الإمام أحمد والشيخان عن أسماء بنت أبي
стр. 236
بكر قالت: قدمت أمي وهي مشركة؛ فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله؛ إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم؛ صِلي أمك.
وفي (قول القرآن) يبيِّن أدب المجادلة مع المخالفين: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ (العنكبوت: ٤٦)، وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الرسول ﷺ لأهل الكتاب يهودًا كانوا أو نصارى؛ فقد كان يزوروهم ويكرمهم، ويحسن إليهم، ويعود مرضاهم ويأخذ منهم ويعطيهم.
ذكر ابن إسحاق في السيرة: أن وفد نجران -وهم من النصارى- لما قدموا على رسول الله ﷺ بالمدينة دخلوا عليه مسجده بعد العصر؛ فكانت صلاتهم؛ فقاموا يصلون في مسجده؛ فأراد الناس منعهم؛ فقال رسول الله ﷺ : ((دعوهم)) فاستقبل المشرق فصلوا صلاتهم.
وعقب المجتهد ابن القيم على هذه القصة في (الهدي النبوي)؛ فذكر مما فيها من الفقه جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين، وتمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضًا إذا كان ذلك عارضًا، ولا يمكنون من اعتياد ذلك.
وروى أبو عبيد في (الأموال) عن سعيد بن المسيب: "أن رسول الله ﷺ تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود فهي تجرى عليهم". وروى البخاري عن أنس أن النبي ﷺ عاد يهوديًّا وعرض عليه الإسلام؛ فأسلم؛ فخرج وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنقذه به من النار))، وروى البخاري أيضًا أن النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله، وقد كان في وسعه أن يستقرض من أصحابه، وما كانوا ليضنوا عليه بشيء؛ ولكنه أراد أن يعلم أمته، وقبِل النبي ﷺ الهدايا من غير المسلمين، واستعَّان في سلمه وحربه بغير المسلمين؛ حيث ضمن ولاءهم له،
стр. 237
ولم يخشَ منهم شرًّا ولا كيدًا؛ ومرت عليه جنازة فقام لها ﷺ واقفًا؛ فقيل له: إنها جنازة يهودي؛ فقال ﵊: ((أليست نفسًا؟!)).
وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الصحابة والتابعين لغير المسلمين؛ فعمر يأمر بصرف معاش دائم ليهودي وعياله من بيت مال المسلمين، ثم يقول قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (التوبة: ٦٠) وهذا من مساكين أهل الكتاب، ويمر في رحلته إلى الشام بقوم مجذومين من النصارى؛ فيأمر بمساعدة اجتماعية لهم من بيت مال المسلمين، وأصيب عمر بضربة رجل من أهل الذمة أبي لؤلؤة المجوسي؛ فلم يمنعه ذلك أن يوصي الخليفة من بعده -وهو على فراش الموت-: فيقول: أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا، وأن يوفي بعهدهم وأن يقاتل من وراءهم؛ وألا يكلفهم فوق طاقتهم.
وابن عمر يوصي غلامه أن يعطي جاره اليهودي من الأضحية، ويكرر الوصية مرة بعد مرة؛ حتى دهش الغلام وسأله عن سر هذه العناية بجار يهودي، قال ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)) وماتت أم الحارث بن أبي ربيعة، وهي نصرانية؛ فشيعها أصحاب رسول الله ﷺ وكان بعض أجلاء التابعين يعطون نصيبًا من صدقة الفطر لرهبان النصارى، ولا يرون في ذلك حرجًا؛ بل ذهب بعضهم كعكرمة وابن سيرين والزهري إلى جواز إعطائهم من الزكاة نفسها.
وروى ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد: أنه سئل عن الصدقة فيمن توضع؟ فقال: في أهل ملتكم من المسلمين وأهل ذمتكم، وذكر القاضي عياض في (ترتيب المدارك) قال: حدث الدارقطني: أن القاضي إسماعيل بن إسحاق دخل عليه الوزير عبدون بن صاعد النصراني وزير الخليفة المعتضد بالله العباسي فقام له القاضي ورحب به: فرأى إنكار الشهود لذاك، فلما خرج الوزير قال القاضي
стр. 238
إسماعيل: قد علمت إنكاركم، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ (الممتحنة: ٨). وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين المعتضد، وهذا من البر؛ وتتجلى هذه السماحة بعد ذلك في مواقف كثير من الأئمة والفقهاء في الدفاع عن أهل الذمة واعتبار أعراضهم وحرماتهم كحرمات المسلمين.
ونكتفي هنا بكلمات نيرة للفقيه الأصولي المحقق شهاب الدين القرافي شارحًا بها معنى البر الذي أمر الله به المسلمين في شأنهم؛ فذكر من ذلك: الرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وإكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة، لا على سبيل الخوف والذلة، واحتمال إذايتهم في الجوار، وعن قدرة على إزالته لطفًا منا بهم لا خوفًا ولا تطيعًا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم وحفظ غيبتهم: إذا تعرض أحد لأذيتهم وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم وإيصالهم إلى جميع حقوقهم.
الأساس الفكري لتسامح المسلمين، وتبليغ الدعوة لغير المسلمين
الأساس الفكري لتسامح المسلمين:
- وأساس النظرة المتسامحة التي تسود المسلمين في معاملة مخالفيهم في الدين يرجع إلى الأفكار والحقائق الناصعة التي غرسها الإسلام في عقول المسلمين وقلوبهم، وأهمها:
١ - اعتقاد كل مسلم بكرامة الإنسان، أيًّا كان دينه أو جنسه أو لونه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: ٧٠) وهذه الكرامة المقررة توجب لكل إنسان حق الاحترام والرعاية.
стр. 239
ومن الأمثلة العملية: ما ذكرناه من قبل: وهو ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله: "أن جنازة مرت على النبي ﷺ فقام لها واقفًا؛ فقيل له: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي فقال: ((أليست نفسًا)). بلى ولكل نفس في الإسلام حرمة ومكانة؛ فما أروع الموقف وما أروع التفسير والتعليل.
٢ - اعتقاد المسلم أن اختلاف الناس في الدين واقع -بمشيئة الله تعالى- الذي منح هذا النوع من خلقه الحرية والاختيار فيما يفعل ويدع: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩) ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود: ١١٨)، والمسلم يوقن أن مشيئة الله لا راد لها ولا معقب؛ كما أنه لا يشاء إلا ما فيه الخير والحكمة.
٣ - وليس المسلم مكلفًا أن يحاسب الكافرين على كفرهم، أو يعاقب الضالين على ضلالهم؛ فهذا ليس إليه، وليس موعده هذه الدنيا؛ إنما حسابهم إلى الله في يوم الحساب وجزاؤهم متروك إليه في يوم الدين؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الحج: ٦٨، ٦٩) يخاطب رسوله في شأن أهل الكتاب: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (الشورى: ١٥) وبهذا يستريح ضمير المسلم، ولا يجد في نفسه أي أثر للصراع بين اعتقاده بكفر الكافر وبين مطالبته ببره والإقساط إليه، وإقراره على ما يراه من دين واعتقاد.
٤ - إيمان المسلم بأن الله تعالى يأمر بالعدل، ويحب القسط، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ولو مع المشركين، ويكره الظلم، ويعاقب الظالمين ولو كان الظلم من مسلم لكافر؛ قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٨) وقال ﷺ :
стр. 240
((دعوة المظلوم -وإن كان كافرًا- ليس دونها حجاب)) قال ﷺ : ((دعوة المظلوم ليس دونها حجاب)).
شهادة التاريخ:
وقد حفل الواقع التاريخي للأمة الإسلامية في مختلف عصورها وشتى أقدارها بأروع مظاهر التسامح الذي لا يزال الناس يتطلعون إليه إلى اليوم في معظم بقاع الأرض؛ فلا يجدونه، وهذه معاملة المسلمين في العصرين الأموي والعباسي لغير المسلمين من أهل الذمة:
أما في العصر الأموي؛ فأكتفي بنقل هذه السطور من كتاب (قصة الحضارة) لـ"وول ديورانت" يقول: لقد كان أهل الذمة المسيحيون الزرادشتيون واليهود والصابئون يتمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرًا في البلاد المسيحية في هذه الأيام؛ فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، ولم يفرض عليهم أكثر من ارتداء زي ذي لون خاص وأداء ضريبة عن كل شخص، تختلف باختلاف دخله وتتراوح بين دينار وأربعة دنانير.
ولم تكن هذه الضريبة تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح، ويعفى منها الرهبان والنساء والذكور الذين هم دون البلوغ والأرقاء والشيوخ والعجزة والعمى الشديد والفقر، وكان الذميون يعفون في نظير ذلك من الخدمة العسكرية، أو إن شئت فقل: لا يُقبلون فيها، ولا تفرض عليهم الزكاة البالغ قدرها: ٢.٥% المائة من الدخل السنوي.
وكان لهم على الحكومة أن تحميهم، ولم تكن تقبل شهادتهم في المحاكم الإسلامية؛ ولكنهم كانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم وقضاتهم وقوانينهم.
стр. 241
أما العصر العباسي -عصر ازدهار الحضارة الإسلامية- ومكانة أهل الذمة فيه؛ فيكفينا مؤنة الحديث فيه صفحة أخرى ننقلها من كتاب (الإسلام وأهل الذمة) للدكتور الخربطلي؛ لأنه يعتمد فيما يقرره على المراجع التاريخية الأساسية، أو على كتابات المستشرقين أنفسهم:
اشتهر بين أهل الذمة في العصر العباسي كثير من العظماء مثل: جرجيس بن يختيشوع، طبيب الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وقد وثق الخليفة فيه وأكرمه، ومن هؤلاء: جبرائيل بن يختيشوع، طبيب هارون الرشيد، الذي قال الرشيد عنه: كل من كانت له حاجة إليّ فليخاطب بها جبريل؛ لأني أفعل كل ما يسألني فيه ويطلبه مني، وكان مرتب الطبيب عشرة آلاف درهم شهريًّا.
واهتم الكُتَّاب المسلمون بالأديان والمذاهب؛ فكان ابن حزم الأندلسي مُلمًّا بالإنجيل واللاهوت المسيحي إلمامًا تامًّا، وألمّ ابن خلدون بالإنجيل والتنظيمات الكنسية وتحدث عن بعضها في مقدمته، وكان القلقشندي يرى ضرورة معرفة الكتاب بأعياد الذميين الدينية.
وذكر المقريزي كثيرًا من التفاصيل عن أعياد النصارى واليهود وتحدث عن فرقهم المختلفة، وذكر أسماء بطارقة الإسكندرية، وتحدث كل من القزويني والمسعودي عن طوائف أهل الذمة؛ نرى هذا واضحًا في كتاب (التنبيه والإشراف) للمسعودي.
واعترف كيرتون بتسامح حكام المسلمين؛ فقال: كان سلوك الحكام المسلمين في الغالب أحسن من القانون المفروض عليهم تنفيذه على الذميين، وليس أدل على ذلك من كثرة استحداث الكنائس وبيوت العبادة في المدن العربية الخالصة، ولم تخلُ دواوين الدولة قط من العمال النصارى واليهود؛ بل إنهم كانوا يتولون في بعض الأحيان أرفع المناصب وأخطرها فاكتنزوا الثروات الضخمة، وتكاثروا وتكاثرت لديهم الأموال الطائلة كما اعتاد المسلمون المساهمة في الأعياد المسيحية.
стр. 242
تبليغ الدعوة لغير المسلمين:
دعوة غير المسلمين إلى الإسلام إما أن تكون في الداخل أو الخارج؛ فدعوة غير المسلمين الذين يعيشون في بلاد الإسلام تكون من خلال المعاملة الطيبة؛ بحيث يشعرون أن الإسلام هو الذي يحث المسلمين على ذلك، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى؛ على المسلمين، وخصوصًا الدعاة منهم، أن يكونوا قدوة طيبة ومثالًا صالحًا لدينهم بأن يتخلقوا بأخلاق الإسلام، وأن يترجموه على أنفسهم ترجمة عملية؛ فيتأثر بهم من يخالطهم من غير المسلمين.
أما دعوة غير المسلمين في البلاد الغير إسلامية؛ فله عدة طرق:
منها:
١ - استئجار بعض الصحف والمجلات الغربية في هذه الدول؛ بل إنشاء مجلات إسلامية، وخاصة للأطفال، تشرح الإسلام على بساطته وجماله.
٢ - الاتصال بالعلماء والأدباء الغربيين، وإطلاعهم على الإسلام من مصادره ومن منبعيه الفياضين وهما: الكتاب، والسنة.
٣ - تأليف الكتب والنشرات المبسطة، أو الرسائل الصغيرة المبسطة التي تشتمل على حقائق الإسلام، وتترجم إلى لغة الأقوام المراد تبشيرها، ودعوتهم إلى الإسلام؛ بحيث تكون هذه الكتب والنشرات والرسائل موضحة لحقائق الإسلام من ناحية العقيدة، ومن ناحية العبادة، ومن ناحية التكليفات الخاصة بالمجتمع؛ فتكتب باللغات الأوروبية، واليابانية، والإفريقية كلها.
٤ - التعاون مع الغربيين الذين أسلموا لوضع المخططات لنشر الإسلام، والاستعانة بهم في نشر الدعوة إلى الإسلام بين قومهم.
стр. 243
٥ - إنشاء المعاهد الإسلامية في البلاد التي يتوجه إليها الدعاة الإسلاميون، وأن تكون مزودة بتفسيرات من القرآن الكريم بلغة تلك البلاد؛ وكذلك بتفسيرات من الأحاديث النبوية بتلك اللغات أيضًا.
٦ - تقوية الإذاعات العربية لإيصال الإسلام إلى أسماع جميع الغربيين بأساليب حديثة ومشرقة.
٧ - إعلام الغربيين بما جاء في كتابهم من تحريف وتناقض ومعوقات عن التقدم والرقي، وما جاء في كتبهم من توحيد الإله، ونبوة المسيح، وبعثة الرسول محمد ﷺ .
٨ - إفهام الدول الشيوعية بأن الإسلام ليس أفيونًا للجماهير -كما زعم لهم الزاعمون- بدليل أن مسيو جارودي -وهو شيوعي فرنسي- عاش ردحًا من الزمن في جبهة التحرير الجزائرية؛ اعترف بأن الدين الإسلامي هو الذي أوقد شرارة هذا الكفاح العزيز الغالي، وغذاها على مدى الأيام والسنين، وأن الإسلام يستحيل أن يوصف بأنه مخدر للشعوب.
٩ - الاستعانة بالسينما والمسرح لعرض التمثيليات الإسلامية، بعيدًا عن شخصيات الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- والصحابة -رضوان الله عليهم- بعد مراجعتها من الجهات الدينية المختصة.
١٠ - لا بد أن ينتظم طرق الدعوة إلى الإسلام: الدافع الديني للدعوة؛ لأنه -لا شك- هو الأساس قبل التنظيم وقبل الهيئات التي تنظم هذه الدعاية إلى الإسلام؛ فلا بد من الإيمان الصادق؛ وإذا لم يوجد هذا الانبعاث فلا يمكن أن ينجح أي تنظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 244
الدرس: ١٦ أساليب الإقناع والتأثير النفسي: الخطابة .
стр. 245
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس عشر
(أساليب الإقناع والتأثير النفسي: الخطابة)
الخطابة: تعريفها، وقيمتها، وتاريخها، ومكانتها في العصر الجاهلي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومَن سلك طريقه، وصار على نهجه، واتبع هداه، وبعد:
تعريف الخطابة:
جاء في (المعجم الوجيز): خطب الناس وفيهم وعليهم خطابة وخطبة: ألقى عليهم خطبة، وجاء معناها في (لسان العرب) و"الخطبة": مصدر الخطيب، وخطب الخاطب على المنبر، ورجل خطيب حسن الخطبة، وجمع الخطيب خطباء خطَب -بالضم- خطابة -بالفتح-: صار خطيبًا، وفي (المصباح المنير): خاطبه مخاطبةً وخطابًا: وهو الكلام بين متكلم وسامع، ومنه اشتقاق الخطبة، وجاء في (مختار الصحاح): خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابًا، وخطب على المنبر خُطبة -بضم الخاء- وخطابة.
تعريف الخطابة عند القدماء:
فقد عرفها أرسطو بقوله: هي القدرة على النظر في كل ما يوصل إلى الإقناع في أي مسألة من المسائل.
وعرفها ابن رشد بقوله: هي قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأشياء المفردة.
وعرفها ابن خلدون: بأنها القياس المفيد في ترغيب الجمهور، وحملهم على المراد منهم، وما يجب أن يستعمل في ذلك من المقالات.
تعريف الخطابة عند المحدثين:
стр. 246
فقد عرفها الشيخ محمد أبو زهرة بقوله: الخطابة: صفة راسخة في نفس المتكلم يقتدر بها على التصرف في فنون القول؛ لمحاولة التأثير في نفوس السامعين، وحَمْلهم على ما يراد منهم بترغيبهم وإقناعهم.
كما عرفها الشيخ علي محفوظ بأنها: ملَكة الاقتدار على الإقناع، واستمالة القلوب، وحمل الغير على ما يراد منه.
وعرفها الدكتور أحمد الحوفي بقوله: هي فن مشافهة الجمهور وإقناعه واستمالته؛ فلا بد من مشافهة، وإلا كانت كتابة أو شعرًا مدونًا، ولا بد من جمهور يستمع؛ وإلا كان الكلام حديثًا أو وصية؛ ولا بد من الإقناع وذلك بأن يوضح الخطيب رأيه للسامعين ويؤيده بالبراهين؛ ليعتقدوه كما اعتقده، ثم لا بد من الاستمالة، والمراد بها: أن يهيج الخطيب نفوس سامعيه أو يهدئها، ويقبض على زمام عواطفهم يتصرف بها كيف شاءَ؛ سارًّا أو محزنًا، مضحكًا أو مبكيًا، داعيًا إلى الثورة أو إلى السكينة.
وإذن فأسس الخطابة: مشافهة، وجمهور، وإقناع، واستمالة.
ومن السهل بعد ذلك أن يتبين قصور تعريف الخطابة بأنها: فن الكلام الجيد؛ لأن الكلام الجيد ينتظم الخطابة والكتابة والشعر، ومن السهل أيضًا أن نرى نقصًا في تعريفها: بأنها القدرة على النظر في كل ما يوصل إلى الإقناع في أي مسألة من المسائل؛ لأن كثيرًا من الكتب مقنع، وكثيرًا من الكتاب مقنعون؛ لأن الأساتذة في شروحهم ومحاضراتهم مقنعون، وليس واحدًا من هؤلاء خطيبًا؛ لأنهم يتجهون إلى العقل لا إلى العاطفة؛ فهم يقنعون ولكنهم لا يستميلون.
ثم من السهل أن نجد نقصًا في تعريف الخطابة بأنها: فن الاستمالة؛ لأن المنظر الطبيعي الراقي يستميل الذواقين للجمال وليس خطبة، ولأن الممثل البارع
стр. 247
يستميل الأنظار بإشارته أو حركته أو زيه أو وقفته دون أن ينطق؛ فليس بخطيب؛ ولأن البائس العاري الجسد المهلهل الثوب المغضن الوجه المعروق الجسد، قد يستميل المحسن بمنظره هذا، وما هو بخطيب.
قيمتها:
الخطابة منذ كانت سلاح المجتمع الإنساني في سلمه وحربه، وفي ترقيته والإسراع به نحو المثل الأعلى الذي يجب أن يقصد إليه؛ فليس بدعًا أن كانت بلاغ النبيين إلى أممهم، والراح الذي يسكبه القواد في نفوس جنودهم قبيل المعركة؛ فيسرعون باسمين إلى قتال أعدائهم، وغصن الزيتون يلوح به دعاة السلام في عالم كربه العداء والخصام، والقوة الساحرة التي يقود بها الزعماء السياسيون والمصلحون الاجتماعيون أممَهم إلى حياة أرقى وأعز وأبقى، ولسان الأحزاب السياسية تنشر به دعوتها وتظفر به على خصومها، ونورًا يهدي القضاة إلى العدالة وتبرئة المظلوم والقصاص من الباغي، ثم هي -في العصر الحديث خاصة- عدة الزعماء والساسة؛ تستند إليها الديمقراطية وتعتمد عليها الدكتاتورية، ويتسلح بها المؤتمرون في المجامع الدولية، ويصعد عليها النواب إلى قمة الشهرة وذيوع الأحدوثة، ويرتقي بها المحامون إلى الصيت الطائر والثراء الغامر.
تاريخ الخطابة:
لقد نشأت الخطابة منذ وجد الاجتماع البشري على وجه الأرض، منذ اجتمع الناس في مكان واحد، استوطنوه وتفهموا بلسان واحد عرفوا الخطابة؛ لأنه من الطبيعي أن يختلفوا في رأي أو عقيدة، ومن الطبيعي أن يتنافسوا على غنيمة أو متاع أو سلطة؛ فيحاول المتفوق أن يستميل إليه من يخالفونه، وأن يقنعهم؛ فإذا
стр. 248
ما أقنعهم واستمالهم فهو خطيب، وقوله خطبة، ثم إنه من الطبيعي أيضًا أن تنشب أمور تستدعي تعاون المجتمع وتضافر قواه على اجتلاب نفع عام مشترك، أو اتقاء ضير؛ فيتصدر بعض النابهين من هذا المجتمع لقيادة الجماعة وزعامتها، عدتهم في ذلك خطابتهم.
على أن الناس في حياتهم القديمة تسلحوا بأسلحة مادية للدفاع والعدوان، وتسلحوا أيضًا بسلاح معنوي هو اللسان، وما زالت الخطابة -إلى الآن- سلاحًا مرهفًا تتصاول به الأمم، وإن جيَّشت جيوشها وافتنت في اختراع القذائف والمدمرات؛ لذلك لم يخلُ من الخطابة سجل أمة وعى التاريخ ماضيها؛ فقد حفظها خط آشور المسماري، وقيدها خط الفراعنة الهيروغليفي، ثم رواها تاريخ اليونان السياسي والأدبي منذ القرن السابع قبل الميلاد، وبها أخضع "بوذا" الجموع الهندية لتعاليمه، وبها أذاع الدين أنبياء بني إسرائيل، وكان لها مكانها العظيم في مجامع العرب قبل الإسلام وفي أسواقهم الأدبية بنوع خاص.
مكانة الخطابة لدى العرب في العصر الجاهلي:
وإذا ما تحدثنا عن الخطابة عند العرب في العصر الجاهلي؛ لوجدنا أن الظروف قد هيأتهم تمامًا ليكونوا خطباء مبرِّزين؛ فالأمية وتباعد الديار، والإحساس العميق بالسيادة عند كل قبيلة، والتنازع فيما بينهم على أتفه الأسباب، وحبهم الجارف للتفاخر بالأحساب والأنساب، وتقديرهم البالغ للشجاعة والإقدام خصوصًا في ساحة الوغى للدفاع عن العرض والشرف والكرامة ... كل ذلك وغيره جعل العرب يهتمون بالخطابة أيما اهتمام؛ حيث كانوا يقدمون خطيبهم إلى جيرانهم من أهل القبائل الأخرى؛ ليعبر عنهم ويفاخرَ بهم، وفي الحروب يهجو ويدفع، وفي المناسبات يهنئ ويحمل البُشرى.
стр. 249
ولقد اتجه العرب إلى الخطابة بفطرتهم دون أن يتأثروا بغيرهم من الأمم الأخرى، وكان استعدادهم لها واضحًا طبيعةً وسجيةً، عاش العرب في الجاهلية أحرارًا أباة للضيم، لُسْنًا فِصاحًا، يتفاخرون بإجادة القول كما يتفاخرون بالشجاعة والكرم، وأسعفتهم بديهة حاضرة، ولغة رنانة غنية، واشتعلت بينهم حروبٌ ومنازعاتٌ؛ فازدهرت الخطابة عندهم؛ لكنهم في الغالب لم يتصوروا الموضوع وحدةً ذات معانٍ مرتبةٍ كما تصور اليونان والرومان؛ وإنما كانت لهم لفتات ونظرات إلى ما يهمهم من الموضوع؛ فلا يستقصون ولا يرتبون الأفكار.
ولعل سبب ذلك: شيوع الارتجال، وفي هذا يقول الجاحظ: وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال؛ وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكر ولا استعانة؛ وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام، وإلى رجز يوم الخصام، أو حين ينتحي على رأس بئر أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة والمناقلة، أو عند صراع أو في حرب؛ فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب وإلى العمود الذي إليه يقصد؛ فتأتيه المعاني أرسالًا، وتنسال عليه الألفاظ انسيالًا، ثم لا يقيده على نفسه، ولا يدرسه أحدًا من ولده، وكانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر وأقهر، وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه من البيان أرفع، وخطباؤهم أوجز، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ أو يحتاجوا إلى تدارس ...
ولهذا كثرت حكمهم القصار، وشاع بينهم الإيجاز، وبان في خطبهم أثر الارتجال والانفلات من ترتيب الخطبة إلى مراحل وأجزاء، واتسمت معانيهم بالصدق والبعد عن المبالغات.
стр. 250
ولعل هذا من تأثير الشعر في الخطابة من حيث الإيجاز والجمل القصار، أو لعل السبب ميلهم إلى النظر الجزئي والتعبير العاجل السريع الموجز؛ يقول الدكتور أحمد الحوفي: ولست أوافق الجاحظ على دعواه: أن العرب هم الخطباء في قوله: وجملة القول: أنا لا نعرف الخطب إلا للعرب والفرس؛ وأما الهند فإنما لهم معانٍ مدونة وكتب مجلدة، لا تضاف إلى رجل معروف، ولليونان فلسفة وصناعة ومنطق، وكان صاحب المنطق نفسه -يقصد أرسطو- بكيء اللسان غير موصوف بالبيان، وفي الفرس خطباء؛ إلا أن كل كلام للفرس وكل معنى للعجم فإنما هو عن طول فكرة وعن اجتهاد وخلوة، وعن مشاورة ومعاونة وعن طول التفكير ودراسة الكتب.
لا أوافق الجاحظ؛ لأن العرب من أخطب الأمم حقيقةً، ومن أحسنها بيانًا، وأحضرها بديهةً؛ ولكن الجاحظ غمط الأمم الأخرى حقها مدفوعًا بالعصبية للعرب حين كان الشعوبية يجحدون فضل العرب، ويحاولون أن يفرضوا مجدهم؛ أما إذا نظرنا إلى الارتجال والإعداد؛ وجدنا العرب أكثر الأمم ارتجالًا وأقلها إعدادًا؛ لأن الخطيب اليوناني ما كان ليتصدَّى للخطابة قبل أن يعد وينسق؛ مخافةَ النقد، وكذلك كان الخطيب الروماني؛ فقد كان "شيشرون" ينقح خطبَه ويتدرب على إلقائها قبل أن يخطب، وما زال هذا دأبه إلى سن الستين.
على أن الإسلام قد نقل العرب نقلًا جديدًا؛ فنمى الخطابة وقواها؛ إذ كانت من وسائله في الدعوة، ثم كانت من أسلحة الأحزاب السياسية التي نشأت بعد ذلك، وهي ضرورية في كل جمعة وعيد، ثم إنهم تأثروا بالقرآن الكريم والحديث الشريف والثقافة الإسلامية والعربية والدخيلة؛ فتعددت مجالي القول، وتنوعت الخطابة، والتصقت المعاني، وتسلسلت وصارت الخطبة ذات طابع لا
следующие страницы →