Полный текст (347 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فقد عرفها الشيخ محمد أبو زهرة بقوله: الخطابة: صفة راسخة في نفس المتكلم يقتدر بها على التصرف في فنون القول؛ لمحاولة التأثير في نفوس السامعين، وحَمْلهم على ما يراد منهم بترغيبهم وإقناعهم.
كما عرفها الشيخ علي محفوظ بأنها: ملَكة الاقتدار على الإقناع، واستمالة القلوب، وحمل الغير على ما يراد منه.
وعرفها الدكتور أحمد الحوفي بقوله: هي فن مشافهة الجمهور وإقناعه واستمالته؛ فلا بد من مشافهة، وإلا كانت كتابة أو شعرًا مدونًا، ولا بد من جمهور يستمع؛ وإلا كان الكلام حديثًا أو وصية؛ ولا بد من الإقناع وذلك بأن يوضح الخطيب رأيه للسامعين ويؤيده بالبراهين؛ ليعتقدوه كما اعتقده، ثم لا بد من الاستمالة، والمراد بها: أن يهيج الخطيب نفوس سامعيه أو يهدئها، ويقبض على زمام عواطفهم يتصرف بها كيف شاءَ؛ سارًّا أو محزنًا، مضحكًا أو مبكيًا، داعيًا إلى الثورة أو إلى السكينة.
وإذن فأسس الخطابة: مشافهة، وجمهور، وإقناع، واستمالة.
ومن السهل بعد ذلك أن يتبين قصور تعريف الخطابة بأنها: فن الكلام الجيد؛ لأن الكلام الجيد ينتظم الخطابة والكتابة والشعر، ومن السهل أيضًا أن نرى نقصًا في تعريفها: بأنها القدرة على النظر في كل ما يوصل إلى الإقناع في أي مسألة من المسائل؛ لأن كثيرًا من الكتب مقنع، وكثيرًا من الكتاب مقنعون؛ لأن الأساتذة في شروحهم ومحاضراتهم مقنعون، وليس واحدًا من هؤلاء خطيبًا؛ لأنهم يتجهون إلى العقل لا إلى العاطفة؛ فهم يقنعون ولكنهم لا يستميلون.
ثم من السهل أن نجد نقصًا في تعريف الخطابة بأنها: فن الاستمالة؛ لأن المنظر الطبيعي الراقي يستميل الذواقين للجمال وليس خطبة، ولأن الممثل البارع
стр. 247
يستميل الأنظار بإشارته أو حركته أو زيه أو وقفته دون أن ينطق؛ فليس بخطيب؛ ولأن البائس العاري الجسد المهلهل الثوب المغضن الوجه المعروق الجسد، قد يستميل المحسن بمنظره هذا، وما هو بخطيب.
قيمتها:
الخطابة منذ كانت سلاح المجتمع الإنساني في سلمه وحربه، وفي ترقيته والإسراع به نحو المثل الأعلى الذي يجب أن يقصد إليه؛ فليس بدعًا أن كانت بلاغ النبيين إلى أممهم، والراح الذي يسكبه القواد في نفوس جنودهم قبيل المعركة؛ فيسرعون باسمين إلى قتال أعدائهم، وغصن الزيتون يلوح به دعاة السلام في عالم كربه العداء والخصام، والقوة الساحرة التي يقود بها الزعماء السياسيون والمصلحون الاجتماعيون أممَهم إلى حياة أرقى وأعز وأبقى، ولسان الأحزاب السياسية تنشر به دعوتها وتظفر به على خصومها، ونورًا يهدي القضاة إلى العدالة وتبرئة المظلوم والقصاص من الباغي، ثم هي -في العصر الحديث خاصة- عدة الزعماء والساسة؛ تستند إليها الديمقراطية وتعتمد عليها الدكتاتورية، ويتسلح بها المؤتمرون في المجامع الدولية، ويصعد عليها النواب إلى قمة الشهرة وذيوع الأحدوثة، ويرتقي بها المحامون إلى الصيت الطائر والثراء الغامر.
تاريخ الخطابة:
لقد نشأت الخطابة منذ وجد الاجتماع البشري على وجه الأرض، منذ اجتمع الناس في مكان واحد، استوطنوه وتفهموا بلسان واحد عرفوا الخطابة؛ لأنه من الطبيعي أن يختلفوا في رأي أو عقيدة، ومن الطبيعي أن يتنافسوا على غنيمة أو متاع أو سلطة؛ فيحاول المتفوق أن يستميل إليه من يخالفونه، وأن يقنعهم؛ فإذا
стр. 248
ما أقنعهم واستمالهم فهو خطيب، وقوله خطبة، ثم إنه من الطبيعي أيضًا أن تنشب أمور تستدعي تعاون المجتمع وتضافر قواه على اجتلاب نفع عام مشترك، أو اتقاء ضير؛ فيتصدر بعض النابهين من هذا المجتمع لقيادة الجماعة وزعامتها، عدتهم في ذلك خطابتهم.
على أن الناس في حياتهم القديمة تسلحوا بأسلحة مادية للدفاع والعدوان، وتسلحوا أيضًا بسلاح معنوي هو اللسان، وما زالت الخطابة -إلى الآن- سلاحًا مرهفًا تتصاول به الأمم، وإن جيَّشت جيوشها وافتنت في اختراع القذائف والمدمرات؛ لذلك لم يخلُ من الخطابة سجل أمة وعى التاريخ ماضيها؛ فقد حفظها خط آشور المسماري، وقيدها خط الفراعنة الهيروغليفي، ثم رواها تاريخ اليونان السياسي والأدبي منذ القرن السابع قبل الميلاد، وبها أخضع "بوذا" الجموع الهندية لتعاليمه، وبها أذاع الدين أنبياء بني إسرائيل، وكان لها مكانها العظيم في مجامع العرب قبل الإسلام وفي أسواقهم الأدبية بنوع خاص.
مكانة الخطابة لدى العرب في العصر الجاهلي:
وإذا ما تحدثنا عن الخطابة عند العرب في العصر الجاهلي؛ لوجدنا أن الظروف قد هيأتهم تمامًا ليكونوا خطباء مبرِّزين؛ فالأمية وتباعد الديار، والإحساس العميق بالسيادة عند كل قبيلة، والتنازع فيما بينهم على أتفه الأسباب، وحبهم الجارف للتفاخر بالأحساب والأنساب، وتقديرهم البالغ للشجاعة والإقدام خصوصًا في ساحة الوغى للدفاع عن العرض والشرف والكرامة ... كل ذلك وغيره جعل العرب يهتمون بالخطابة أيما اهتمام؛ حيث كانوا يقدمون خطيبهم إلى جيرانهم من أهل القبائل الأخرى؛ ليعبر عنهم ويفاخرَ بهم، وفي الحروب يهجو ويدفع، وفي المناسبات يهنئ ويحمل البُشرى.
стр. 249
ولقد اتجه العرب إلى الخطابة بفطرتهم دون أن يتأثروا بغيرهم من الأمم الأخرى، وكان استعدادهم لها واضحًا طبيعةً وسجيةً، عاش العرب في الجاهلية أحرارًا أباة للضيم، لُسْنًا فِصاحًا، يتفاخرون بإجادة القول كما يتفاخرون بالشجاعة والكرم، وأسعفتهم بديهة حاضرة، ولغة رنانة غنية، واشتعلت بينهم حروبٌ ومنازعاتٌ؛ فازدهرت الخطابة عندهم؛ لكنهم في الغالب لم يتصوروا الموضوع وحدةً ذات معانٍ مرتبةٍ كما تصور اليونان والرومان؛ وإنما كانت لهم لفتات ونظرات إلى ما يهمهم من الموضوع؛ فلا يستقصون ولا يرتبون الأفكار.
ولعل سبب ذلك: شيوع الارتجال، وفي هذا يقول الجاحظ: وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال؛ وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكر ولا استعانة؛ وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام، وإلى رجز يوم الخصام، أو حين ينتحي على رأس بئر أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة والمناقلة، أو عند صراع أو في حرب؛ فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب وإلى العمود الذي إليه يقصد؛ فتأتيه المعاني أرسالًا، وتنسال عليه الألفاظ انسيالًا، ثم لا يقيده على نفسه، ولا يدرسه أحدًا من ولده، وكانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر وأقهر، وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه من البيان أرفع، وخطباؤهم أوجز، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ أو يحتاجوا إلى تدارس ...
ولهذا كثرت حكمهم القصار، وشاع بينهم الإيجاز، وبان في خطبهم أثر الارتجال والانفلات من ترتيب الخطبة إلى مراحل وأجزاء، واتسمت معانيهم بالصدق والبعد عن المبالغات.
стр. 250
ولعل هذا من تأثير الشعر في الخطابة من حيث الإيجاز والجمل القصار، أو لعل السبب ميلهم إلى النظر الجزئي والتعبير العاجل السريع الموجز؛ يقول الدكتور أحمد الحوفي: ولست أوافق الجاحظ على دعواه: أن العرب هم الخطباء في قوله: وجملة القول: أنا لا نعرف الخطب إلا للعرب والفرس؛ وأما الهند فإنما لهم معانٍ مدونة وكتب مجلدة، لا تضاف إلى رجل معروف، ولليونان فلسفة وصناعة ومنطق، وكان صاحب المنطق نفسه -يقصد أرسطو- بكيء اللسان غير موصوف بالبيان، وفي الفرس خطباء؛ إلا أن كل كلام للفرس وكل معنى للعجم فإنما هو عن طول فكرة وعن اجتهاد وخلوة، وعن مشاورة ومعاونة وعن طول التفكير ودراسة الكتب.
لا أوافق الجاحظ؛ لأن العرب من أخطب الأمم حقيقةً، ومن أحسنها بيانًا، وأحضرها بديهةً؛ ولكن الجاحظ غمط الأمم الأخرى حقها مدفوعًا بالعصبية للعرب حين كان الشعوبية يجحدون فضل العرب، ويحاولون أن يفرضوا مجدهم؛ أما إذا نظرنا إلى الارتجال والإعداد؛ وجدنا العرب أكثر الأمم ارتجالًا وأقلها إعدادًا؛ لأن الخطيب اليوناني ما كان ليتصدَّى للخطابة قبل أن يعد وينسق؛ مخافةَ النقد، وكذلك كان الخطيب الروماني؛ فقد كان "شيشرون" ينقح خطبَه ويتدرب على إلقائها قبل أن يخطب، وما زال هذا دأبه إلى سن الستين.
على أن الإسلام قد نقل العرب نقلًا جديدًا؛ فنمى الخطابة وقواها؛ إذ كانت من وسائله في الدعوة، ثم كانت من أسلحة الأحزاب السياسية التي نشأت بعد ذلك، وهي ضرورية في كل جمعة وعيد، ثم إنهم تأثروا بالقرآن الكريم والحديث الشريف والثقافة الإسلامية والعربية والدخيلة؛ فتعددت مجالي القول، وتنوعت الخطابة، والتصقت المعاني، وتسلسلت وصارت الخطبة ذات طابع لا
стр. 251
تكاد تحيد عنهم؛ كأن تبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم يأتي الموضوع، ثم الختام. لكن أثر اليونان كان فيهم ضعيفًا، من هذه الناحية ونواحي الأدب كله؛ لأنهم عكفوا على ترجمة علوم اليونان ولم يترجموا أدبهم، وإذا كان إسحاق بن حنين قد ترجم كتاب (الخطابة) لأرسطو؛ فإن أثره كان ضعيفًا في الخطباء لأنه لم يُشَع بينهم؛ ولأن الفطرة غلبت عليهم؛ ولأن الخطابة لم تكن تعلَّم كما كانت تعلم عند اليونان والرومان، وحتى المؤدبون كانوا يعلمون الشعر والكتابة ولا يعلمون الخطابة، ثم إن نظرة أرسطو إلى الخطابة نظرة متفلسفة، والعرب لم يميلوا إلى فلسفة أدبهم.
على أن العرب لم تكن لهم خطابة قضائية؛ لأنهم كانوا يعتمدون في تقاضيهم على البينة واليمين؛ فلم يكن هناك مجال يتصاول فيه الخطباء، ولم يكن عندهم محلفون يجد الخطيب في استمالتهم وإقناعهم، وكانت خطبهم السياسية -على كثرتها- حزبيةً مذهبيةً أكثرَ منها عامة؛ لأن نظام الحكم لم يكن برلمانيًّا كنظام الأمم الديمقراطية المعاصرة، أو كنظام اليونان في عهد الديمقراطية.
ونلاحظ أن الخطب الحفلية -التكريم، والتأبين، والوفود- قليلة عندهم وموجزة؛ على أن في تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده كثيرًا من الخطباء المصاقع الذين أجادوا الافتنان في الخطب السياسية والوعظية والحربية.
فإذا ما نظرنا إلى الناحية النظرية؛ وجدنا الجاحظ قد تناول كثيرًا من أمور الخطابة في كتابه (البيان والتبيين)؛ إذ تحدث عن مقوماتها وآثارها، وصفات الخطباء ومزاياهم وعيوبهم، وانطلاقهم وحَصْرهم وملابسهم، واعتمادهم على المخاصر والعصي والقسي ... إلخ، وتحدث عن البدء والختام والإيجاز والإسهاب ... إلى غير ذلك من المسائل الموصولة بالخطابة؛ لكن كتاب الجاحظ
стр. 252
تناول هذه الموضوعاتِ كلها في مواضعَ متفرقة لا يجمعها نسق واحد؛ لأن الكتاب عرض للبيان العربي شعره ونثره، وعرض للبلغاء من شعراء وكتاب وخطباء، وكانت الخطابة تجيء مفرقةً هنا وهناك؛ لأن الجاحظ لا يعدو هذا المسلك في مؤلفاته.
ولم يكد يمضي على كتاب الجاحظ نصف قرن حتى ظهر كتاب (نقد النثر) الذي تناول الخطابة في أحد فصوله.
هذا؛ وقد نظر العرب إلى حالهم ومنازعتهم؛ فوضعوا نظامًا يكفل الأمن ويقلل الصراع؛ وكأن هذا النظام نفسه سبب لازدهار الخطابة العربية وتنوع أغراضها. وفحوى هذا النظام: أقاموا أسواقًا تدور مع أيام السنة في جميع أماكن الجزيرة؛ وحتى يحققوا أكبر فائدة من هذه الأسواق جعلوها مكانًا للكسب المادي وتقوية للشعور القوي القومي، ودفعًا للتسابق الأدبي واللغوي والعقلي، وقد اختاروا لهذه الأسواق الأشهر الحرم؛ حتى يضمنوا لأنفسهم الحركة الآمنة والقول الجريء والنقد الحر؛ وأقاموها في سائر أنحاء الجزيرة؛ لكي يشترك الجميع فيها؛ حتى يحققوا أكبر الفائدة منها.
ومن أقدم الخطباء المشهورين: كعب بن لُؤي الجد السابع لرسول الله ﷺ وقد كان يخطب العرب في الشئون المختلفة، ويحث كِنانة على البر وأعمال الخير، وكان مهيبًا مسموعَ الكلمة، ولما مات أكبروا موتَه وأرخوا به، وظلوا يتخذونه تاريخًا حتى عام الفيل؛ فأرخوا به حتى كانت الهجرة النبوية؛ فاتخذها عمر بن الخطاب مبدأً لتاريخ المسلمين. ومن مشهوريهم بعد ذلك: قيس بن خارجة بن سنان: خطيب داحس والغبراء، وكذلك أكثم بن صيفى، والحارث بن عياد، وقيس بن مسعود، وغيرهم.
стр. 253
خصائص الخطابة في العصر الجاهلي وأغراضها
خصائص الخطابة في العصر الجاهلي:
قد تميزت الخطابة في العصر الجاهلي بخصائص عدة، منها ما يلي:
أولًا: خصائصها اللفظية:
أ - اتسامها بقصر الجمل وسرد الحكم: حتى تكاد تنقطع الصلة بين جملة وأخرى.
ب - قوة الألفاظ وجزالتها: حتى كانت تصل أحيانًا إلى الخشونة، ولعل السبب في ذلك قوة نفوسهم؛ لأن الكلمات صورة حية لنفس قائلها؛ تجيش صدورهم باليأس؛ فتنطق ألسنتهم بما يعتمل في صدورهم.
جـ- وجود بعض الألفاظ الغريبة: وذلك تأثرًا ببعض القبائل التي تنطقها مثل حِمير.
د- استعمالها في معانيها الحقيقة، وعدم اللجوء كثيرًا إلى المجاز، ويرجع السبب في ذلك إلى إحاطتهم الكاملة بلغتهم، وعلمهم علمًا صحيحًا بمدلولات الألفاظ، ووجه دلالتها عليها وقلة حاجتهم إلى استعمال لفظ في مدلول آخر، وهذا لا يمنع أن يكون في كلامهم الكنايات الرائعة والأمثال السائرة والتشبيهات المحكمة؛ فإن ذلك كان عندهم ولكن لم يكن كثيرًا في خطبهم؛ لإرسالهم القولَ ارتجالًا من غير تحضير وتهيئة.
стр. 254
ثانيًا: خصائصها المعنوية:
أ - أنها نظرية تنشأ عن اللمحة العارضة والفكرة الطارئة وعفو الخاطر من غير إرهاق للفكر ولا تعمق في النظر.
ب - كما جاءت خطبهم غيرَ متماسكة الأجزاء وغير مسلسلة الأفكار؛ لأنهم لم يكونوا أهل علوم يسودهم التفكير المنظم والتقسيم المستغرق لكل جوانب الموضوع؛ ولذلك كان المعنى عندهم لا يأتي مرتبًا. وأصدق الخطب التي تدل على ذلك خطب أكثم بن صيفَى؛ فإن مَن ينظر فيها يجد أنها جاءت حكمًا متناثرة؛ بل هي در منثور غير منتظم في عقد، وأحيانًا يتحد الغرض في الخطبة فتأتي متماسكة؛ ولكن هذا النوع جاء نادرًا؛ وإذا جاء يأتي موجزًا كل الإيجاز؛ كخطبة أبي طالب في زواج النبي ﷺ من السيدة خديجة ﵂.
جـ- عدم مجافاتها للواقع بمراعاة الصدق فيها بعيدًا عن المجازفة والمبالغة؛ وذلك للميول والرغبة في قول الحق وصراحة الرأي.
د- كانت معبرة عن خبرتهم وتجاربهم في دروب الحياة وميادينها، تأتي في غير إرهاق ولا تعب.
ثالثًا: خصائص الأسلوب:
أ - الارتجال: وهو ظاهر فيها؛ إذ يلاحظ عدم التنسيق وترابط الأفكار.
ب - البعد عن التكلف لعدم التهيؤ والاستعداد لها مسبقًا.
جـ- السجع، وقصر الفواصل، وتمييز اللفظ، وضرب الأمثال، واستنتاج العبر والعظات.
стр. 255
أغراض الخطابة في العصر الجاهلي:
أ - الصلح:
كانت العداوة والخصومات بين العرب في الجاهلية غالبًا ما تنتهي بفضل خطباء نابهين، يلقون من الأقوال المؤثرة ما يؤلف بين القلوب المتنافرة، ويصلح بين النفوس المتخاصمة، ويحول العداوة إلى محبة وسلام، وذلك ببيان مزايا الأمن والأمان والمودة والوئام، وكذلك نتيجة العداوة والخصام من قتل وتشريد وضياع للأنفس والأموال.
ومثال ذلك نقله "مرثد الخير بن ينكف" في الصلح بين حيين من العرب: سبيع بن الحارث، وميثم بن مثوب، وكانا قد تنازعا في الشرف وتشاحنَا؛ فقال مرثد في الصلح بينهما: إن التخبط وامتطاء الهجاج، واستحقاب اللجاج، سيقفكما على شفا هوةٍ في توردها بوار الأصيلة، وانقطاع الوسيلة؛ فتلافيَا أمرَكما قبل انتكاث العهد، وانحلال العقد، وتشتت الألفة، وتباين السهمة، وأنتما في فسحة رافهة، وقدم واطدة، والمودة مثرية، والبقية معرضة؛ فقد عرفتم أنباء من كان قبلكم من العرب ممن عصى النصيح، وخالف الرشيد، وأصغى إلى التقاطع؛ ورأيتم ما آلت إليه عواقب سوء سعيهم، وكيف كان صيور أمرهم؛ فتلاقوا القرحة قبل تفاقم الثأي، واستفحال الداء، وإعواز الدواء، استحكمت الشحناء، وإذا استحكمت الشحناء تقضبت عرى الإبقاء وشمل البلاء.
ب - المفاخرة والمنافرة:
حيث كان الخطيب يقف فيجرد لسانه وألفاظه وعباراته في بيان مزاياه ومزايا قبيلته، من ناحية الحسب والنسب والأصل العريق، وقد يبالغ في ذلك إلى حد
стр. 256
كبير؛ كما أنه يحاول أن يسلب غيره كل المعاني والصفات الكريمة، وها هو علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل تحادثَا، ثم أخذ كل منهما يسلب الآخر ما فيه من صفات الخير.
وقد ظلت المفاخرات والمنافرات جارية في العرب حتى جاء الإسلام؛ فنهى عنها، ومنع التمايز والتفاضل الذي يظنه الناس تمايزًا وتفاضلًا، وحصر التفاضل بين الناس في التقوى والعمل الصالح، وهما لا يعلمهما إلا الله تعالى؛ لأنهما عملان خالصان لله فلا يجوز التباهي بهما، والتباهي بهما يفسدهما ويذهب بثوابهما.
جـ- الرثاء:
فالعربي القديم كان يتميز بعاطفة جياشة وحس مرهف؛ ولذلك كان يتأثر بشدة عندما تحل به مصيبة، أو تنزل به نازلة؛ فينطلق لسانه معبرًا عما يجيش في نفسه ويختلج في أعماقه، ومن ذلك ما قاله أكثم بن صيفى في تعزيته لعمرو بن هند في أخيه:
"أيها الملك، إن أهل هذه الدار سفر لا يحلون عقد الرحال إلا في غيرها، وقد أتاك ما ليس بمردود عنك، وارتحل عنك ما ليس براجع إليك، وأقام معك من سيظعن عنك ويدعك، واعلم أن الدنيا ثلاثة أيام: فأمس عظة وشاهد عدل؛ فجعك بنفسه، وأبقى لك وعليك حكمه، واليوم غنيمة وصديق أتاك ولم تأتِه، طالت عليك غيبته، وستسرع عنك رحلته، وغد لا تدري من أهله، وسيأتيك إن وجدتك؛ فما أحسن الشكر للمنعم والتسليم للقادر، وقد مضت لنا أصول نحن فروعها؛ فما بقاء الفروع بعد أصولها؟! واعلم أن أعظم من المصيبة: سوء الخلق منها، وخير من الخير معطيه، وشر من الشر فاعله".
стр. 257
والخطبة -كما هو واضح من كلماتها- تهوِّن من شأن الدنيا، وتذكر الناس بأنهم عنها راحلون.
د- الوصايا:
قد يشعر صاحب المكانة العالية والمنزلة الرفيعة في أهله وعشيرته بدنو أجله وقرب رحيله؛ فيلقي على سمع أحبابه وأنصاره ما ينبغي أن يكونوا عليه في حياتهم من بعده؛ كوصية ذي الأصبع العدواني لابنه والتي قال فيها:
"يا بني، إن أباك قد فني وهو حي، وعاش حتى سأم العيش؛ وإني موصيك بما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته؛ فاحفظ عني؛ ألِن جانبك لقومك يحبوك؛ وتواضع لهم يرفعوك؛ وابسط لهم وجهك يطيعوك؛ ولا تستأثر عليهم بشيء يودوك؛ وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم؛ يكرمك كبارهم ويكبر على مودتك صغارهم، واسمح بمالك، واحمِ حريمك، وأعزز جارك، وأعِنْ من استعان بك، وأكرم ضيفك، وأسرع النهضة في الصريخ؛ فإن لك أجلًا لا يعدوك؛ وصن وجهك عن مسألة أحد شيئًا فبذلك يتم سؤددك.
ومن ذلك أيضًا: وصية أكثم بن صيفى لبنيه، والتي جاء فيها:
يا بني تميم، الصبر على جرع الحلم أعذب من جني ثمر الندامة، ومن جعل عرضه دون ماله استهدف للذنب، كلم اللسان أنكى من كلم السنان، والكلمة مرهونة ما لم تنجم من الفم؛ فإذا نجمت فهي أسد محرب، أو نار تلهب، ورأي الناصح اللبيب دليل لا يجوز ونفاذ الرأي في الحرب أجدى من الطعن والضرب.
هـ- خطب الزواج:
فقد كان من العادات المتأصلة فيهم أن يقوم ولي الزوج بخطبة يبين فيها مزايا وخصال الخير في الزوج، ورغبته في الزوجة وقبوله لها.
стр. 258
من ذلك: خطبة أبي طالب في زواج النبي ﷺ من السيدة خديجة بنت خويلد ﵂ والتي قال فيها:
الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلدًا حرامًا وبيتًا محجوجًا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن محمدَ بنَ عبدِ اللهِ بنَ أخي مَن لا يُوازَنُ به فتًى مِن قُريشٍ إلا رَجَحَ عليه؛ برًِّا، وفَضْلًا، وكَرَمًا، وعَقْلًا، ومَجْدًا، ونُبلًا، وإن كان في المال قَلَّ؛ فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبةٌ ولها فيه مثلُ ذلك، وما أحببتم من الصداق فعليه.
والدعوة إلى الوحدة ونبذ الخلافات:
وهذا من أعظم وأنبل الأغراض التي اهتم بها الخطباء العرب في العصر الجاهلي؛ حيث كانوا يدعون في بعض خطبهم إلى جمع الشمل وإزالة أسباب الفرقة؛ لأن فيها الضعف والضياع وذهاب الريح، وكانوا يتخذون من الأسواق وغيرها مكانًا للالتقاء بالجموع الغفيرة من الناس؛ ليعم النفع وينتشر الحب والسلام، ومن الذين فعلوا ذلك عبد المطلب جد رسول الله ﷺ أمام سيف بن ذي يزن، عندما ذهب إليه وفد من قريش بعد أن أجلى الحبشة عن بلاد العرب.
وجاء في كتاب (الأدب العربي وتاريخه في العصر الجاهلي): أن الوصايا من الخطب؛ وإنما تكون من حكيم لقومه، أو من سيد لعشيرته، أو أَب لبنيه، أو من أم لابنتها، ويغلب أن يكون ذلك عند الإحساس بالأجل أو العزم على الرحلة:
فمن ذلك: وصية النعمان بن ثواب العبدي، قال في (مجمع الأمثال): وكان رجلًا يوصي بنيه ويحملهم على أدبه؛ فأوصى أحدهم -وكان صاحب حرب- قال: "يا بني، إن الصارم ينبو والجواد يكبو والأثر يعفو؛ فإذا شهدت حربًا
стр. 259
فرأيتَ نارها تسعر وبطلها يخطُر وبحرها يزخر وضعيفها ينصر وجبانها يجسر؛ فأقلل المكث والانتظار؛ فإن الفرار غير عار إذا لم تكن طالب ثار".
ومنها: ما قالته امرأة عوف بن محلم الشيباني، وكان عمرو بن جحل جد امرئ القيس الشاعر قد خطبها إلى أبيها فزوجها منه؛ فلما كان بناؤه بها أوصتها أمها وصية لم تدع شيئًا من تأديب المرأة وكفايتها إلا وعته فيها، قالت:
"أي بنية، إنك فارقت بيتك الذي منه خرجت، وعشكَ الذي فيه درجت إلى رجل لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه؛ فكوني له أمةً يكن لك عبدًا، واحفظي له خصالًا عشرًا يكن لك ذخرًا:
أما الأولى والثانية: فالخشوع له بالقناعة وحسن السمع له والطاعة، وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لموضع عينيه وأنفه؛ فلا تقع عينُه منك على قبيح ولا يشم منك إلا أطيبَ ريح؛ وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه؛ فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة، أما السابعة والثامنة: فالاحتراس بماله والإرعاء على حَشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير، وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصين له أمرًا ولا تفشين له سرًّا؛ فإنك إن عصيت أمره أوغرت صدره؛ وإن أفشيت سره لم تأمني غدره، ثم إياك والفرحَ بين يديه إذا كان مهتمًّا والكآبة بين يديه إذا كان فرحًا".
المنافرة:
ومن النثر المأثور عن أهل هذا العصر ما كان يقع أولًا على جهة المحاورة بين رجلين، ثم يتورط أحدهما أو كلاهما؛ فينزع بهما الجدل إلى المنافرة: وهي التحاكم إلى الأشراف من حكام العرب؛ ليفصلوا بينهما ويقضي الحَكَم لأحدهما أو يسوي بينهما:
стр. 260
ومن ذلك: ما وقع لعامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة العامريين، وحديثهما مشهور، قالوا: إن عامرًا وقف لعلقمة يومًا فجعل ينازعه الشرفَ في قومه، وتفاقم بينهما الأمر، وكان مما قاله عامر: والله لَأَنَا أشرف منك حسبًا وأثبت منك نسبًا وأطول قصدًا، قال علقمة: أنافرك: وإني لبر وإنك لفاجر، وإني لولود وإنك لعاقر، وإني لوفي وإنك لغادر. قال عامر: أنافرك: وإني أنشر منك أُمة، وأطول قمة، وأبعد همة. وطال بينهما الكلام؛ فتواعدَا على الخروج إلى من يحكم بينهما، وجعلَا يطوفان الأحياءَ، وهاب الناس أن يحكِّموا بينهما؛ خيفةَ أن يقع في حييهما الشر؛ حتى دفعَا إلى هرم بن قطبة الفزاري؛ فلما علِمَ بأمرهما أمر بنيه أن يفرقوا جماعة الناس؛ تفاديًا من الفتنة، وجعل يطاولهما ويخوف كل واحد منهما من صاحبه؛ حتى لم يبقَ لواحد منهما هم سوى أن يسوي في حكمه بينهما، ثم دعاهما بعد ذلك والناس شهود؛ فقال لهما: أنتما كركبتي البعير تقعان إلى الأرض معًا وتقومان معًا؛ فرضيَا بقوله وانصرفا عنه إلى حييهما، وقد عمِّر هرم هذا إلى أيام عمر بن الخطاب ﵁ فقال عمر: "أيهما كنتَ منفرًا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لو قلتُها الآن لعادت جزعةً -يعني: الفتنة أو الحرب- فقال له عمر: إنك لأهل لموضعك من الرياسة".
وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 261
الدرس: ١٧ بلاغة الرسول ﷺ وأثرها في الخطابة .
стр. 262
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع عشر
(بلاغة الرسول ﷺ وأثرها في الخطابة)
أثر القرآن في بلاغة الرسول، وبلوغه ﷺ الغاية في البيان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
أ- أثر القرآن الكريم في بلاغة الرسول ﷺ :
الرسول ﷺ أكثر الخلق تأثرًا بكتاب الله على الإطلاق، لقد كان محمد ﷺ آية في فصاحة القول وسمو البيان، بل كان أبلغ العرب قاطبة، وهذه قضية لم تكن في يوم من الأيام موضع ارتياب من منصف قديم أو حديث، صديق أو عدو، وقد كانت هذه البلاغة العالية أثرًا طبيعيًّا لأسباب توافرت لها، ونتيجة حتمية لمقدمات أدت إليها، فالنبي محمد عربي، وهو من خير العرب قبيلة، ومن أعلاهم نسبًا، ومن أعظمهم بيتًا.
العرب سادة الأمم، وقريش سادة العرب، وبنو هاشم سادة قريش، ومحمد سيد بني هاشم، بل هو -صلوات الله عليه- سيد الأولين والآخرين، ومن مظاهر سيادة قريش أنها كانت أفصح قبائل العرب لهجة، وأصفاها بيانًا، وأعذبها منطقًا، وأقواها لسانًا.
ولقد تهيأ للغة القرشية قبل الإسلام من عوامل النقاء والصفاء والفصاحة والبيان، ما جعلها جديرة بأن ينزل بها القرآن، بأن ينزل بها كتاب الله تعالى، ذلك الكتاب الذي تحدى العرب ببلاغته وفصاحته، بالقول الجزل واللطيف العذب من ألفاظه، وبالرائع البارع من تراكيبه، وبالرفيع السامي من معانيه.
ولم يكد يقترب يوم ميلاد الإسلام حتى كانت اللغة القرشية سيدة لغات العرب بلاغة وفصاحة، وهذا مصداق قوله تعالى في شأن القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥) ومن المؤكد أن القرآن نزل كله أو جله بلغة قريش،
стр. 263
وقد وصف القرآن الكريم قريشًا باللدد في الخصومة. قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (مريم: ٩٧) وأكد هذا المعنى في قوله سبحانه: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (الزخرف: ٥٧، ٥٨) فوصفهم بالجدل وبالخصومة الشديدة.
وهذه الأوصاف -اللدد والمبالغة في الخصومة والجدل- كلها تعني ذرابة اللسان ونصاعة البيان، والقدرة على تصريف القول وتشقيقه، والذهاب به كل مذهب عند المحاجة بين هذه القبائل، القرشية المستقرة في بطحاء مكة.
وبين هؤلاء القوم الذين عُرفوا باللَّسن والفصاحة، قضى محمد بن عبد الله طفولته الثانية وشبابه وكهولته، ويصرح النبي ﷺ بأثر نسبه في قريش واسترضاعه في بني سعد، فيقول: ((أنا أعربكم؛ أنا من قريش، ولساني لسان سعد بن بكر)) أما السر الأعظم في بلاغة الرسول ﷺ فهو التدبير الإلهي بأن يكون محمد أفصح العرب، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: ١١٣) فقد امتن الله على رسوله بأنه أنزل عليه الكتاب والحكمة، وبأنه علمه علومًا لم يكن يدري عنها شيئًا، والله سبحانه إنما يمتن بجلائل النعم، فلا شك أن مما تدل عليه هذه الآية أن الله ألهم رسوله روائع البيان، وخصه بالمثل الأعلى في فصاحة اللسان.
ب- شواهد على أن الرسول بلغ الغاية في البيان البشري:
وذلك في قوله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (النساء: ١١٣) دليل على سمو بلاغة النبي، ذلك أن الله امتن عليه بتعليمه ما لم يكن يعلم،
стр. 264
وبأن فضله عليه عظيم، فلا جرم يكون الرسول ﷺ في الفصاحة مثالًا يحتذى بين قوم يقدسون البيان، كما كان مثالًا يحتذى في مكارم الأخلاق.
فالله سبحانه لا يمتن على رسله إلا بالفضائل الكبرى، ولا يصف فضله بأنه عظيم حتى يكون من ذلك تمييزه الرسول على أقرانه بفصاحة اللسان، وقوة البيان، وربما أشارت إلى ذلك أيضًا الآية الكريمة: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (الضحى: ٥) فهي لم تذكر ما يعطيه الله لرسوله، أي أن المفعول الثاني ليعطي قد حُذف، وحذف المفعول يُؤذِن بالعموم، فلا شك أن مما أعطاه الله لرسوله -فرضي- البيان، ولا يكون الرضا حتى يكون متفوقًا فيه على غيره من فصحاء العرب.
والبيان فضيلة في كل بيئة وفي كل زمان ومكان، وهو عند العرب في حياة النبي وقبلها فضيلة الفضائل، ثم إن سياق الآية يفيد أن الله سيعطيه جلائل النعم، فبدهي أن الله أعطى لرسوله نعمة البيان على أتم ما تكون، ومما يدل على ذلك ما ورد في الآية الكريمة ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (النساء: ٦٣) والمعنى: قولًا بليغًا في أنفسهم، أي يغوص فيها ويبلغ غاية ما يراد منها. وقيل: أن المراد بالقول البليغ أن يكون الوعظ بكلام بليغ، وكل المعاني تؤكد أنما يقوله الرسول يتسم بالبلاغة ويمتاز بها.
قال السيد رشيد رضا في تفسيره (المنار): "وفي الآية شهادة للنبي ﷺ بالقدرة على الكلام البليغ، وهي شهادة له بالحكمة ووضع الكلام في موضعه، وهذا بمعنى إيتاء الله تعالى نبيه داود الحكمة وفصل الخطاب، وما أوتي نبي فضيلة إلا أوتي مثلها خاتم النبيين ﷺ . وشهادة الله تعالى له في هذا المقام أكبر شهادة، وقد تكرر في القرآن الكريم ذكر التبيين على أنه بعض الغايات التي أنزل القرآن من
стр. 265
أجلها. قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: ٦٤).
ولا يمكن أن يقوم الرسول بهذا التكليف الشاق، وأن يؤدَى على أكمل وجه هذه المهام المتعددة، إلا إذا كان غاية في البيان ومثلًا عاليًا في الفصاحة، كما لا بد أن يكون له امتياز على أولئك الفصحاء الأبيِناء، حتى يظهر فضله موضع فخرهم وأنبل فضائلهم، فلا يتعاظمهم إلا أن يكون الرسول فيه المثل الأعلى، فالبيان هو الوسيلة الناجحة في الإقناع، وإلزام المدعوين الحجة، وحملهم على أن يصدقوا الرسول فيما جاء به، وأن يخجلوا من تكذيبه بعد أن تقوم عليهم الحجة، ويفحمهم البرهان بالفصاحة التي وهبها الله سبحانه لهارون، وقد خاف موسى أن يضيق صدره ولا ينطلق لسانه، حين يكذبه القوم الظالمون، قال حين يكذبه القوم الظالمون فرعون وملؤه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ (الشعراء: ١٢، ١٣) وعبارة القرآن: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ (القصص: ٣٥) رائعة قوية.
ولا شك أن فصاحة هارون كانت العامل الأقوى في شد العضد؛ لأنها هي التي نوه بها موسى وأعلن عن حاجته القصوى إليها، فالفصاحة -إذن- من أقوى الدعائم التي تقوم عليها الرسالات، ومن أهم الوسائل التي يتحقق بها البلاغ.
جـ- الصحابة يصفون بلاغة الرسول ﷺ :
روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: ((ما سمعت كلمة غريبة من العرب إلا سمعتها من رسول الله ﷺ وسمعته يقول: مات حتف أنفه، وما سمعتها من عربي قبله، وقد وصف النبي مرة سحابة، وأصحابه يسمعون فقالوا له: ما رأينا الذي هو أفصح منك!! فقال: وما يمنعني من ذلك، فإنما أنزل القرآن بلساني، لسان عربي مبين)).
стр. 266
ويروي الرواة أن أبا بكر ﵁ قال للنبي ﷺ : ((لقد طفت في العرب وسمعت فصحاءهم، فما سمعت الذي هو أفصح منك!! فقال ﵊: أدبني ربي فأحسن تأديبي)) وفي معنى هذا الحديث حديث آخر، روي عن علي ﵁ رواه عنه العسكري قال: ((قدم بنو فهد بن زيد على النبي ﷺ فقالوا: أتيناك من غور تهامة، وذكر خطبتهم وما أجابهم به الرسول ﷺ ثم قال، أي علي: فقلنا: نبي الله، نحن بني أب واحد، ونشأنا في بلد واحد، وإنك تكلم العرب بلسان لا نفهم أكثره، فقال: أدبني ربي، ونشأت في بني سعد بن بكر)).
وفي كتاب (الرعد والبرق) لابن أبي الدنيا في حديث مرسل: أن أعرابيًّا قال للنبي ﷺ : "ما رأيت أفصح منك". وروي عن عمر أن النبي ﷺ كان يكلم أبا بكر بلسان كأنه أعجم، لا يَفهم مما يقولان شيئا.
أمور مهمة في وصف بلاغة الرسول ﷺ وأمثلة من كلامه
أ- منطق الرسول ﷺ :
ذكر النبي ﷺ في حديث صحيح أن الأنبياء قليلو الكلام قال: ((إنا معاشر الأنبياء بُكَّاء)). وجعل الجاحظ من أسباب قلة كلام الرسول ﷺ النفور من التكلف، والبعد من الصنعة، وشدة المحاسبة للنفس، وذكر في هذا الموضع قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (ص: ٨٦) فأكثر أحوال النبي ﷺ الإقلال من الكلام، ولكن ذلك ليس عن عجز بل كراهية للتكلف، وإظهار القدرة على الكلام، وقد كان ذلك شأن كثيرين من بلغاء العرب، ولا يزال شأن كثيرين من صناع الكلام.
стр. 267
قال الجاحظ: "والذي تجود به القريحة وتعطيه النفس سهوًا رهوًا مع قلة لفظه وعدد هجائه أحمد أمرًا، وأحسن موقعًا من القلوب، وأنفع للمستمعين من كثير خرج بالكد والعلاج. قال: والدليل الواضح والشاهد القاطع قول النبي ﷺ : ((نصرت بالرعب وأعطيت جوامع الكلم)) وهي الألفاظ القليلة المحتوية على المعاني الكثيرة، وقد كان ﷺ يكره الإكثار من الكلام والمبالغة والتكلف فيه، وفي ذلك يقول: ((ألا أخبركم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة؟!: أحاسنكم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون، ألا أخبركم بأبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجالس يوم القيامة؟!: الثرثارون المتفيهقون)) ويقول: ((أبغض الرجال إلى الله تعالى البليغ، الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها)).
وقد نهى ﷺ عن التشادق فقال: ((إياي والتشادق)) وهو أن يلوي المتكلم شدقه تفصحًا. وقال: ((إن الله يكره الانبعاق في الكلام، فنضر الله وجه رجل أوجز في كلامه واقتصر على حاجته)).
وكما بغض الإكثار رغب في الإيجاز، في مثل قوله لجرير بن عبد الله البجلي: ((يا جرير، إذا قلت فأوجز وإذا بلَّغْتَ حاجتك فلا تتكلف)) ونلاحظ أن النبي ﷺ وهو المثل الأعلى في البلاغة البشرية، لم يكتف بالتبغيض في الثرثرة والتكلف، بل أخرج هذه المعاني في كلمات قاصية تناسب هذه المعاني، وحين شبه جاء بتشبيه من شأنه العون على ما يريده، مِن تهجين الكلام الزائد عن الحاجة، وقد كان يمكن أن يعبر عن هذه المعاني التي عبرت عنها هذه الألفاظ: المتفيهقون، الثرثارون، التشادق، الانبعاق، بألفاظ مرادفة لها أخف منها وأعذب، ولكن من المتفق عليه أن من بلاغة الكلام التطابق التام بين المعاني والألفاظ المعبرة عنها.
стр. 268
وقد روي عن عائشة ﵂ في صفة منطق الرسول قولها: ((ما كان رسول الله يسرد كسردكم هذا، ولكن كان يتكلم بكلام بيِّن فَصْل، يحفظه من جلس إليه)). وقد جاء في وصف أم معبد لمنطق الرسول ﷺ ما يشبه وصف عائشة قالت: ((إن صَمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هزر، كأن منطقه خرزات نظم يتحررن)). وفي وصف هند بن أبي هالة لمنطق رسول الله ﷺ وأحواله ما يؤكد كل ما سبق، وكان هند وصافًا لرسول الله ﷺ قال: ((كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان دائم الفكرة، ليست له راحة ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فصلًا لا فضول فيه ولا تقصير)).
ومن حديث عمر ﵁: ((كان ﷺ أوجز الناس كلامًا، وبذلك جاءه جبريل، وكان مع الإيجاز يجمع كل ما أراد)). وقد وُصف رسول الله ﷺ بأنه كان جهير الصوت، أحسن الناس نغمة. ومن قول البراء ﵁: ((ما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه)) وروي عن قتادة ﵀ قوله: ((ما بعث الله نبيًّا إلا حسن الوجه حسن الصوت)).
ب- أثر الرسول ﷺ في الخطابة:
وَصف البلغاء لبلاغة الرسول ﷺ :
للجاحظ وصف طويل لكلام الرسول ﷺ ومما جاء فيه: "هو الكلام الذي قل عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجل عن الصنعة ونُزِّه عن التكلف، واستعمل المبسوط في جانب البسط، والمقصور في جانب القصر، وهجر الغريب الحوشي ورغب عن الهجين السوقي، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم،
стр. 269
ولا يَحتج إلا بالصدق ولا يطلب الفلج إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة ولا يبطئ ولا يعجل".
وقال الزمخشري: "هذا اللسان العربي كأن الله مخضه، وألقى زبدته على لسان النبي ﷺ فما من خطيب يقاومه إلا نكص متفكك الرحل، وما من مصقع يناهزه إلا رجع فارغ السجل".
وقال القاضي عياض في كتابه (الشفا): "وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان ﷺ بالمحل الأفضل والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قَول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل أمة منها بلسانها، ويحاورها بلغتها ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه وتفسير قوله، مَن تأمل حديثه وسبره علم ذلك وتحققه".
يقول الرافعي: "إن أسلوب النبي ﷺ أسلوب منفرد في هذه اللغة، قد بان من غيره بأسباب طبيعية فيه، وإنك لا ترى فيه حرفًا مضطربًا، ولا لفظة مستكرهة على معناها، ولا كلمة غيرها أتم منها أداء للمعنى، وأن جهات الصنعة في الكلام من اللغة والبيان والحكمة، قد سلمت للنبي ﷺ على أتمها، ولم تسلم لبليغ غيره قط، واللغة في النبي فطرية، والبيان بيان أفصح الناس نشأة وأقواهم من الذكاء والإلهام، وأما الحكمة فتلك حكمة النبوة وتبصير الوحي، وتأديب الله تعالى".
стр. 270
وبعد هذا الإيراد لما قاله الصحابة والبلغاء في وصف بلاغة الرسول ﷺ نحب أن نقف عند أمور:
الأول: أن هذه الأوصاف شملت كل ما يتصل بالكلام:
فالرسول قليل الكلام طويل السكوت، لا يتكلم إلا إذا دعت إلى الكلام حاجة، معتدل في إلقاء كلامه، لا يبطئ بطأ ملحوظًا ولا يسرع، وهو ﷺ حسن الصوت جهيره، حلو المنطق عذب الألفاظ، يفخم الحروف حين ينطق بها طبيعة لا تكلفًا، ليس فيه عيب خلقي يجور على الحروف فيلويها أو ينقصها، ولا يعمد إلى التكلف ولا يرضاه، فإن التكلف يجعل الكلام ثقيلًا مملولًا، والتكلف -كما يقول الجاحظ- ما دخل في شيء إلا أفسده.
وتناولت الأوصاف الألفاظ المفردة والجمل المركبة والمعاني، فألفاظه ﷺ مألوفة مأنوسة، إلا حين يقتضي المعنى لفظًا يناسبه، فيختار الرسول اللفظ الأقل إلفًا، ولكنه ينأى عن الغريب الوحشي وعن السوقي المبتذل، وألفاظه جزلة حين يقتضي المعنى الجزالة، رقيقة حين يتطلب المعنى الرقة، وفي الحالتين هي واضحة الدلالة على معانيها، كل كلمة تعبر بدقة عن تمام معناها.
والأسلوب سهل لا تعقيد فيه ولا التواء، آخذ بحظه الوفير من البيان، موجز حيث لا يحمد إلا الإيجاز، مبسوط حيث يقتضي المقام البسط، فِطري مطبوع.
أما معانيه فتمتاز بالصحة، لُحمتها الصدق وسداها الحكمة والحق، بعيدة عن الخيال، منزهة عن المواربة والخلابة والتمويه.
стр. 271
الثاني: وصف كلام الرسول ﷺ بأنه فضل:
وهذا الوصف من أدل الدلائل على البلاغة وسمو الحكمة، فالبليغ الذي ينطق بالكلمة فتُحسم بها الأمور وتنقاد لها العقول، هو صاحب منطق سليم وفكر قويم، وحكمة بارعة وقدرة فذة، على إسكات من يجاذبه الرأي أو يراجعه القول، وكان النبي ﷺ كذلك مع لطف الخطاب ولين الجانب وسجاحة الخلق، وهذه أمثلة قليلة ولها نظائر كثيرة في كلامه ﷺ .
١ - عن أم سلمة ﵂ قالت: ((كنت عند رسول الله ﷺ وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فقال النبي ﷺ : ((احتجبا منه)) فقلت: يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا، فقال النبي ﷺ : ((أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه)). فالكلمة حاسمة فاصلة، ولذلك لم تستطع واحدة منهما أن تراجع النبي بعدها.
٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((لما فتحت مكة قسم النبي ﷺ تلك الغنائم في قريش، فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن غنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فجمعهم فقال: ما الذي بلغني عنكم؟ قالوا: هو الذي بلغك، وكانوا لا يكذبون فقال: أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وفي رواية البخاري: بالشاة والبعير إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟! فقالوا: بلى، فقال: لو سلك الناس واديًا أو شعبًا وسلك الأنصار واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعب الأنصار)).
стр. 272
وفي رواية أخرى تتعلق بغنائم حنين، بيَّن لهم الرسول ﷺ السر في إعطائه القرشيين، وهو أن يتألف قلوب سادتهم، وأن الأنصار قالوا: "يا رسول الله، قد رضينا".
فلا شك أن كلمة الرسول ﷺ كانت حاسمة للموقف، وكانت مرضية للأنصار، ومن لطيف ما فيها مقابلة الرسول ﷺ نفسه وقد جلى عن هذه المبالغة بالشاة والبعير، فكأنه يقول لهم: أتغضبون لأن انقلبتم بمن لا يوزن به شيء، وانقلب الناس بهذا المال الذي لا يُعد شيئًا في جانب ما ترجعون به إلى بيوتكم.
وقد جاء ذلك صريحًا في قول النبي ﷺ : ((فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به)) وهكذا اقتنع الأنصار بأن نصيبهم أوفى وأوفر وأكرم وأجل، ورضوا وهم يعلمون أن النبي يحبهم ويعزهم، ويذكرون قوله فيهم: ((لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، والأنصار شعار والناس بِثار)) كما في البخاري وغيره.
وهذا نموذج من خطب النبي ﷺ ، فبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال: ((أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن المؤمن بين مخافتين: بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشيبة قبل الكبرة، ومن الحياة قبل الموت، فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار)).
بين يدي الساعة:
عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل)) رواه الترمذي.
стр. 273
الأبحاث البلاغية:
١ - في قوله ﷺ : ((بين يدي الساعة)) استعارة مكنية، وطريق إجراء هذه الاستعارة أن نقول: شبه الساعة برجل، وحذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو اليد، على سبيل الاستعارة المكنية بجامع القرب بين كل منهما، فاليد قريبة من الرجُل، والفتن قريبة من الساعة.
٢ - في قوله: ((فتنًا كقطع الليل المظلم)) تشبيه يسمى مرسلًا مفصَّلًا؛ لأن أداة التشبيه قد ذكرت فيه وهي الكاف، فهو مرسل من هذا الوجه، ومفصل لأن وجه الشبه وهو الظلمة قد ذكر فيه، وقد تمت فيه الأركان.
٣ - في قوله: ((يصبح)) و ((يمسي)) وفي قوله: ((مؤمنًا)) و ((كافرًا)) تَقابل جميل، وهذا ما يسمى في علم البلاغة الطباق، كقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ (الكهف: ١٨) والطباق هو أن يجمع المتكلم بين لفظين متقابلين، وقد يكون الطباق في الفعل كما في الأول: ((يصبح)) و ((يمسي))، وقد يكون في الاسم كما في قوله: ((مؤمنًا)) و ((كافرًا))، وقد يكون في الحرف كقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: ٢٢٨).
٤ - قوله: ((يبيع دينه بعرض من الدنيا)) جملة خبرية يقصد منها التحذير والتخويف.
الحرية الشخصية:
عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء، مروا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم
стр. 274
وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا)) رواه البخاري والترمذي.
الأبحاث البلاغية:
١ - قوله ﷺ : ((مثل القائم)) و ((كمثل قوم استهموا)) فيه تشبيه يسمى تشبيهًا تمثيليًّا؛ لأن وجه الشبه صورة منتزعة من متعدد، وهذا النوع من التشبيه له تأثير عظيم على النفس، فإنه إذا وقع في صدر القول بعث المعنى إلى النفس، بوضوح وجلاء مؤيَد بالبرهان؛ ليقنع السامع، وإذا جاء بعد تمام المعاني كان كالبرهان، الذي تثبت به الدعوى والحجة، التي توجب الإذعان، مثل قول الشاعر:
لا ينزل المجد إلا في منازلنا ... كالنوم ليس له مأوى سوى المقل
٢ - بين لفظ: ((أعلاها)) ولفظ ((أسفلها)) طباق بين اسمين، والطباق هو الجمع بين لفظين متقابلين في المعنى، كما هو معلوم في علم البديع، وكذلك يوجد طباق بين قوله: ((القائم)) و ((الواقع)).
٣ - ((وإن أخذوا على أيديهم)) في هذا اللفظ كناية لطيفة، فقد كنى عن المنع بالأخذ على الأيدي، فهو -إذن- كناية عن صفة، أي: فإذا منعوهم عن تنفيذ ما أرادوا ... إلخ.
الجنة تحت ظلال السيوف:
عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف))
стр. 275
ثم قال النبي ﷺ : ((اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)).
الأبحاث البلاغية:
١ - ((الجنة تحت ظلال السيوف)) قال القرطبي: "هذا من الكلام النفيس البديع، الذي جمع ضروب البلاغة من جزالة اللفظ وعذوبته، وحسن استعارته، وشمول المعاني الكثيرة، مع الألفاظ الوجيزة، بحيث تعجز الفصحاء اللسن والبلغاء المصاقع، عن الإتيان بنظيره وشكله، فإنه استفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد، والإخبار عن ثوابه، إلى أن قال: وهذا كما جاء في الحديث الشريف: ((الجنة تحت أقدام الأمهات)) ففي التعبير استعارة تصريحية، فالمجاهد في سبيل الله يدخل الجنة بسبب جهاده، وصبره على لقاء العدو، وضربه بالسيف، حتى كأن السيوف أصبح لها من كثرتها ظلال تظلل الضاربين".
٢ - ((منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب)) فيه من علم البديع ما يسمى بالسجع، وهو ما اتفقت فيه أكثر الفقرات في الوزن والتقفية، ولا يُستحسن السجع إلا إذا جاء عفوًا.
كان بيان القرآن الكريم، وتشريع أحكام جديدة لم ترد في القرآن، وتثبيت عقائد المسلمين في الألوهية، والبعث، والنبوة، وتهذيب أخلاق المؤمنين، وتقويم سلوكهم، كانت كل هذه الأغراض الأساسية للحديث النبوي الشريف، وقد خاطب الله رسوله ﷺ بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٤٤).
стр. 276
فكان الحديث تفصيلًا لما أُجمل في القرآن، وتوضيحًا لما أبهم فيه، وبيانًا لمتشابهه، كما أن الأحكام التي وردت في الحديث النبوي -ولم يرد لها ذكر في القرآن- هي أحكام شرعية صحيحة ثابتة، يلزم العمل بها، كما يلزم العمل بما جاء في القرآن، فالسنة هي المصدر الثاني للشريعة الإسلامية، وقد يحاول بعض الجهلة أو بعض الضالين المضلين، أن يشكك في حكم من الأحكام، بحجة أنه لم يرد في القرآن الكريم، وربما فعل بعضهم ذلك تظرفًا أو تهربًا من عقوبة، كما روي أن شاعرًا أندلسيًّا سكر، فأُخذ إلى القاضي ليقيم عليه حد الشرب، فلما مثل بين يدي القاضي أنشد أبياتًا جاء فيها:
قرأت كتاب الله تسعين مرة ... فلم أرَ فيه للشراب حدودًا
وهي مغالطة واضحة، كأن كل حكم لم يرد في القرآن لا يصح العمل به، ولو أخذنا بقول هذا الشاعر ومن يضلون ضلاله من سكارى عصرنا، سكارى الشراب، سكارى الجهل، وسكارى الانحراف، لأهملنا كثيرًا من تعاليم الإسلام، فعدد الصلوات ليس في القرآن، وكثير من أحكام الصوم ليس في القرآن، وكذلك أفعال الحج وغيرها من العبادات والمعاملات، ليس في القرآن، وقد قال ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وقال: ((خذوا عني مناسككم)).
وقد ابتلي بعض العلماء قديمًا بمن طلب منه أن يدله على مأخذ حكم شرعي، وكان من الأحكام التي جاءت في السنة، فذكر العالم الحديث النبوي الذي تضمن هذا الحكم المسئول عنه، فقال السائل: هل ورد هذا الحكم في القرآن؟ فقال العالم: نعم. قال السائل: في أيِّ آية؟ قال العالم: في قوله
стр. 277
تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) وفي قوله سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: ٨٠).
وقد رويت عن الرسول ﷺ أحاديث، وُصف كل منها بأنه ثلث الإسلام. قوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)) قال أبو القاسم حمزة بن محمد: "سمعت أهل العلم يقولون: هذا الحديث ثلث الإسلام".
حديث آخر:
ما رواه النعمان بن بشير، أن رسول الله ﷺ قال: ((الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه)).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 278
الدرس: ١٨ من أنواع الخطابة الدينية: خطبة الجمعة .
стр. 279
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن عشر
(من أنواع الخطابة الدينية: خطبة الجمعة)
الجمعة: تعريفها، وفضلها، وسننها، وشروطها، ووقتها، ومن تجب عليهم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
والجمعة بضم الميم وإسكانها وفتحها: مِن الاجتماع، سمي اليوم به لأنه جُمع فيها خلق آدم من الماء والطين، روى علي بن أبي طلحة عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ : لأي شيء سمي يوم الجمعة؟ قال: ((لأن فيها طُبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة، من دعا الله فيها استجيب له)) أخرجه أحمد بسند رجاله رجال الصحيح.
وقيل: سمي بذلك لاجتماع الأنصار مع أسعد بن زرارة فيه، فصلى بهم وذكّرهم، فسموه بالجمعة بعد أن كان يسمى يوم العروبة، أي: يوم التحسين؛ لأنه يوم تجمل.
وهو أفضل أيام الأسبوع. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح، حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة، إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم، وهو يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه)).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال عبد الله بن سلام: "قد علمت أية ساعة هي، فقلت له: فأخبرني بها، فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة من يوم الجمعة، فقلت له: كيف هي آخر ساعة من يوم الجمعة، وقد قال رسول الله ﷺ : ((لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي)) وتلك الساعة لا يصلى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله ﷺ : ((من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي))؟ فقلت: بلى. قال: هو ذاك". وصححه الترمذي.
стр. 280
فضل الجمعة وآدابها وسننها وشروطها:
أ- فضيلة الجمعة:
هذا يوم عظيم، عظم الله به الإسلام وخصص به المسلمين. قال الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (الجمعة: ٩) فحرم الاشتغال بأمور الدنيا وبكل صارف عن السعي إلى الجمعة، وقال ﷺ : ((إن الله فرض عليكم الجمعة في يومي هذا في مقامي هذا)). وقال ﷺ : ((من ترك الجمعة ثلاثًا من غير عذر طبع الله على قلبه، وفي لفظ آخر: فقد نبذ الإسلام وراء ظهره)).
واختلف رجل إلى ابن عباس يسأله عن رجل مات، لم يكن يشهد جمعة ولا جماعة فقال: في النار، فلم يزل يتردد إليه شهرًا يسأله عن ذلك وهو يقول: في النار، وفي الخبر: إن أهل الكتابين أُعطوا يوم الجمعة فاختلفوا فيه فصرفوا عنه، وهدانا الله تعالى له، وأخره لهذه الأمة وجعله عيدًا لهم، فهم أولى الناس به سبقًا، وأهل الكتابين لهم تبع.
وقال ﷺ : ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم ﵇ وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وهو عند الله يوم المزيد، كذلك تسميه الملائكة في السماء، وهو يوم النظر إلى الله تعالى في الجنة)). وفي الخبر: إن لله في كل جمعة ستمائة ألف عتيق من النار، وعن أبي هريرة ﵁: ذَكر النبي ﷺ الجمعة فقال: ((فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي، يسأل الله شيئًا إلا أعطاه الله إياه، وأشار بيده يقللها)) أخرجه الشافعي والسبعة إلا أبا داود والترمذي.
стр. 281
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: ((يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، لا يوجد مسلم يسأل الله شيئًا إلا آتاه الله، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر)) أخرجه أبو داود والنسائي. وقال ابن عبد البر: "إنه أثبت شيء في هذا الباب، وأكثر الأحاديث على هذا، وبه قال أكثر أهل العلم".
وقيل: إن ساعة الإجابة من وقت جلوس الخطيب على المنبر، إلى أن يفرغ من الصلاة. قال أبو بردة بن أبي موسى الأشعري: "قال لي عبد الله بن عمر: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة؟ قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((هي ما بين أن يجلس الإمام -يعني على المنبر- إلى أن تقضى الصلاة)). واختار ابن القيم أن ساعة الإجابة منحصرة في أحد الوقتين المذكورين، وأن أحدهما لا يعارض الآخر؛ لاحتمال أن يكون ﷺ دل على أحدهما في وقت، وعلى الآخر في وقت آخر، وهذا كقول ابن عبد البر: الذي ينبغي الاجتهاد في الدعاء في الوقتين المذكورين".
ب- من تجب عليهم الجمعة:
والجمعة تجب على المسلم الذكر الحر المكلف المقيم الصحيح، الخالي من الأعذار. عن طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: ((الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: مملوك وامرأة وصبي ومريض)) رواه أبو داود وقال: لم يسمع طارق من النبي ﷺ إلا أنه في سنن أبي داود بلفظ: ((عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض)) بلفظ: أو. وفي الباب عن تميم الداري وابن عمر: ((ليس على مسافر جمعة)) وفيه أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((خمسة لا جمعة عليهم: المرأة، والمسافر، والعبد، والصبي، وأهل البادية)).
стр. 282
وإذا عرفت هذا فقد اجتمع من الأحاديث أنها لا تجب الجمعة على ستة أنفس: الصبي، وهو متفق على أنه لا جمعة عليه، والمملوك، وهو متفق عليه إلا عند داود، فقال بوجوبها عليه لدخوله تحت عموم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ (الجمعة: ٩) فإنه تقرر في الأصول دخول العبيد في الخطاب. وأجيب عنه بأنه خصصته الأحاديث وإن كان فيها مقال، فإنه يقوي بعضها بعضًا.
والمرأة، وهو مجمع على عدم وجوبها عليها، وقال الشافعي: "يستحب للعجائز حضورها بإذن الزوج" ورواية البحر عنه أنه يقول بالوجوب عليهن، خلاف ما هو مصرح به في كتب الشافعية. والمريض، فإنه لا يجب عليه حضورها إذا كان يتضرر به، والمسافر لا يجب عليه حضورها، وهو يُحتمل أن يراد به مباشرة السفر.
جـ- وقت الجمعة:
الوقت وإن كان شرطًا لكل صلاة، لكن الجمعة تختص بأنها لا تصح إلا فيها، بخلاف غيرها من الصلوات، فإنها تقضى بعده، ووقتها عند الحنفيين ومالك والشافعي والجمهور وقت الظهر. قال أنس بن مالك: ((كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة إذا مالت الشمس)) أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والبيهقي والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو الذي أجمع عليه أكثر أهل العلم أن وقت الجمعة إذا زالت الشمس لوقت الظهر.
وقال سلمة بن الأكوع: ((كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء)) أخرجه أحمد ومسلم والبيهقي.
ويمتد وقتها إلى آخر وقت الظهر إلحاقًا لها بها لوقوعها موضعها، وتلزم الجمعة بالزوال لأن ما قبله وقت جواز، وفعلها بعده أفضل، خروجًا من الخلاف،
стр. 283
ولأنه الوقت الذي كان ﷺ يصليها فيه في أكثر أوقاته، والأَولى فعلها عقب الزوال صيفًا وشتاء، وصحح بعض الحنابلة أنه لا يدخل وقتها إلا في الساعة السادسة من النهار، وقال: ولنا على جوازها في الساعة السادسة السنة والإجماع؛ أما السنة فما روى جابر بن عبد الله قال: ((كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس)) أخرجه مسلم. وعن سهل بن سعد قال: ((ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله ﷺ ) متفق عليه.
قال ابن قتيبة: "لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال". وقال سلمة: ((كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان فيء)) أي: ليس لها ظل ممتد يستظل به، رواه أبو داود.
وخطبة الجمعة لها شروط، وشروط صحة الجمعة عند الأئمة الأربعة والجمهور لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: ٩) والذكر هو الخطبة لاشتمالها عليه أمر بالسعي إليه، فيكون واجبًا؛ لأنه لا يجب السعي لغير الواجب، ولمواظبته ﷺ على الخطبة. قال ابن عمر: ((كان النبي ﷺ يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم ثم يقوم فيخطب)) أخرجه السبعة إلا ابن ماجه، وهذا لفظ أبي داود.
ولم يرد أنه ﵊ أو أحد من الخلفاء الراشدين فمن بعدهم، صلى الجمعة بدون خطبة، فهي من جملة الخصوصيات التي لم يرد إسقاط الركعتين إلا مع مراعتها، فكانت شرطًا.
ويشترط عند المالكية والشافعية خطبتان، وهو مشهور مذهب الحنبلية، ومنه قوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ولم يثبت أنه ﷺ صلى الجمعة بدون
стр. 284
خطبتين. وقال الحنفيون والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وابن المنذر: "الشرط خطبة واحدة، والثانية سنة، وهو رواية عن أحمد" وقال الحسن البصري والظاهرية وابن الماجشون المالكي: "الخطبة مستحبة". قال الشوكاني: "وهذا هو الظاهر" وأجاب عن أدلة الجمهور بما ملخصه:
أ- أن استمراره ﷺ على الخطبة في كل جمعة، فهو مجرد فعل لا يفيد الوجوب، فضلًا عن الشرطية.
وقوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) لا يدل على وجوب الخطبة؛ لأنها ليست صلاة، بل ولا يدل على وجوب الصلاة على الصفة التي كان يصليها؛ لأنه كان يواظب على أشياء ليست واجبة، كما يدل عليه حديث المسيء صلاته، فإنه لم يعلمه التشهد وكان يواظب عليه.
واستدلالهم بقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: ٩) يفيد وجوب الخطبة؛ لأن الذكر ليس نصًّا في الخطبة، بل محتمل لها وللصلاة، وحمله على الصلاة أولى للاتفاق على وجوبها، بخلاف الخطبة ففي وجوبها خلاف، ورُد بأن وجوب الخطبتيْن ظاهر من المواظبة عليهما، وهو بيان لصفة صلاة الجمعة الواجبة، وهذا ظاهر مطابق لقواعد الأصول ودقائق الشريعة المطهرة. وأيضًا فإن صلاة الجمعة وجبت بهذه الصفة التي واظب عليها رسول الله ﷺ ، فمن قصر فيها عما كان عليه العمل، فإنه لم يؤد ما وجب عليه، وهو واضح في الشرطية.
ب- بأن تواتر العمل بهذه الصفة من عهد النبي ﷺ إلى الآن، والأحاديث الصحيحة بينت هذه الصفة تفصيلًا، فلم يصلها رسول الله ﷺ مرة بدون خطبتين، وهذه المواظبة المستمرة لا يصح حملها إلا على أنها بيان لهذا الواجب يلحق به في الوجوب.
стр. 285
جـ- بأن تأدية الخطبة داخل تحت كيفية الصلاة المأمور بها في حديث: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) لقيام الخطبتين مقام ركعتين. قال الشيخ منصور بن إدريس: "عن ابن عمر وعائشة: قصرت الصلاة من أجل الخطبتين، فهما بدل ركعتين، فالإخلال بأحدهما إخلال بإحدى الركعتين".
آداب الجمعة
بيان آداب الجمعة على ترتيب العادة، وهي عشر جمل:
الأول: أن يستعد لها يوم الخميس عزمًا عليها واستقبالًا لفضلها، فيشتغل بالدعاء والاستغفار والتسبيح بعد العصر يوم الخميس؛ لأنها ساعة قوبلت بالساعة المبهمة في يوم الجمعة.
قال بعض السلف: "إن لله فضلًا سوى أرزاق العباد، لا يعطي من ذلك الفضل إلا من سأله عشية الخميس ويوم الجمعة".
ويغسل في هذا اليوم ثيابه ويبيضها، ويعد الطيب إن لم يكن عنده، ويفرغ قلبه من الأشغال التي تمنعه من البكور إلى الجمعة، وينوي في هذه الليلة صوم يوم الجمعة؛ فإن له فضلًا، وليكن مضمومًا إلى يوم الخميس أو السبت لا مفردًا فإنه مكروه، ويشتغل بإحياء هذه الليلة بالصلاة وختم القرآن، فلها فضل كثير، وينسحب عليها فضل يوم الجمعة.
الثاني: إذا أصبح ابتدأ بالغسل بعد طلوع الفجر، وإن كان لا يبكر فأقربه إلى الرواح أحب؛ ليكون أقرب عهدًا بالنظافة، فالغسل مستحب استحبابًا مؤكدًا، وذهب بعض العلماء إلى وجوبه. قال ﷺ : ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم))
следующие страницы →