← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 1005–1044 · переход к 1010.

стр. 1005

الاختصار على كلمة الشهادة في سببية دخول الجنة اقتصار من بعض الرواة لا من رسول الله ﷺ بدليل مجيئه تامًّا في رواية غيره، ويجوز أن يكون اختصارًا من الرسول ﷺ فيما خاطب به الكفار عبدة الأوثان (١) الذين كان توحيدهم بالله تعالى مصحوبًا بسائر ما يتوقف عليه الإسلام ومستلزمًا له، والكافر إذا كان لا يقرّ بالوحدانية كالوثني والثنوي وقال: لا إله إلا الله وحاله الحال التي حكيناها حكم بإسلامه. قال النووي (٢): ويمكن الجمعُ بين الأدلّة بأن يقال: المراد باستحقاقه الجنّة أنه لا بدّ من دخولها لكل موحد إما معجلًا معافىً، وإما مؤخرًا بعد عقابه، والمراد بتحريم النار تحريم الخلود. وحكي ذلك عن القاضي عياض (٣) وقال: إنه في نهاية الحُسْنِ ولا بدّ من المصير إلى التأويل (٤) لما ورد في نصوص القرآن والسنّة بذكر كثير من الواجبات الشرعية، والتصريح بأن تركها موجب للنار. وكذلك ورود النصوص بذكر كثير من المحرمات وتوعد فاعلها بالنار. وأمّا الأحاديث التي أوردها المصنف [رحمه الله تعالى] (٥) في تأييد ما ذكره من التأويل فالنزاع [فيها] (٦) كالنزاع في إطلاق الكفر على تارك الصلاة، وقد عرفناك أن سبب الوقوع في مضيق التأويل توهم الملازمة بين الكفر وعدم المغفرة، وليس بكلية كما عرفت، وانتفاء كليتها يريحك من تأويل ما ورد في كثير من الأحاديث. منها ما ذكره المصنف [رحمه الله تعالى] (٥).

стр. 1006

ومنها ما ثبت في الصحيح (١) بلفظ: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض". وحديث (٢): "أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم". وحديث (٣): "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأمّا من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأمّا من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب". وحديث (٤): "من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها". وكل هذه الأحاديث في الصحيح. وقد ورد من هذا الجنس أشياء كثيرة، ونقول: من سمّاه رسول الله ﷺ كافرًا سميناه كافرًا ولا نزيد على هذا المقدار، ولا نتأوّل شيء منها لعدم الملجئ إلى ذلك. [الباب الخامس] باب أمر الصبي بالصلاة تمرينًا لا وجوبًا ٢٤/ ٤١٥ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ [رضي الله تعالى عنه] (٥) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مُرُوا صِبْيانَكُمْ بالصَّلاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيهَا لِعَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَينَهُمْ فِي المَضاجِعِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وأبُو داوُدَ) (٧). [صحيح] الحديث أخرجه الحاكم (٨) من حديثه أيضًا.

стр. 1007

والترمذي (١) والدارقطني (٢) من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه عن جدّه بنحوه، ولم يذكر التفرقة. وفي الباب عن أبي رافع عند البزار (٣) بلفظ قال: "وجدنا في صحيفة في قراب رسول الله ﷺ بعد وفاته فيها مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، وفرّقوا بين [مضاجع] (٤) الغلمان والجواري والإخوة والأخوات لسبع سنين، واضربوا أبناءكم على الصلاة إذا بلغوا، أظنه تسع سنين". وعن معاذ بن عبد الله بن خبيب الجُهني أنه قال لامرأته، وفي رواية لامرأة: "متى يصلي الصبي؟ فقالت: كان رجل منا يذكر عن رسول الله ﷺ أنّه قال: إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة"، أخرجه أبو داود (٥). قال ابن القطان (٦): لا تُعرف هذه المرأة ولا الرجل الذي رَوَت عنه.

стр. 1008

وقد رواه الطبراني (١) من هذا الوجه فقال: عن أبي معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه به قال ابن صاعد: إسناده حسن غريب. وفي الباب عن أبي هريرة رواه العقيلي (٢)، وأنس عند الطبراني (٣) بلفظ:

стр. 1009

"مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لثلاث عشرة"، وفي إسناده داود بن المحبر وهو متروك، وقد تفرّد به. والحديث يدلّ على وجوب أمر الصبيان بالصلاة إذا بلغوا سبع سنين وضربهم عليها إذا بلغوا عشرًا، والتفريق بينهم في المضاجع لعشر سنين إذا جعل التفريق معطوفًا على قوله: واضربوهم، أو لسبع سنين إذا جعل معطوفًا على قوله: "مروهم". ويؤيّد هذا الوجه حديث أبي رافع المذكور. وقد ذهبت الهادوية (١) إلى وجوب إجبار ابن العشر على الولي وشرط الصلاة الذي لا تتمّ إلا به حكمه حكمها، ولا فرق بين الذكر والأنثى والزوجة وغيرها. وقال في "الوافي" (٢) والمؤيّد بالله في أحد قوليه: إن ذلك مستحب فقط، وحملوا الأمر على الندب، ولكنه إن صح ذلك في قوله: مروهم لم يصح في قوله: واضربوهم، لأن الضرب إيلام للغير. وهو لا يباح للأمر المندوب. والاعتراض (٣) بأن عدم تكليف الصبي يمنع من حمل الأمر على حقيقته، لأن الإجبار إنما يكون على فعل واجب أو ترك محرم، وليست الصلاة بواجبة على الصبي، ولا تركها بمحظور عليه، مدفوع بأن ذلك إنما يلزم لو اتّحد المحل وهو هنا مختلف، فإن محل الوجوب الولي ومحل عدمه ابن العشر، ولا يلزم من عدم الوجوب على الصغير عدمه على الولي. ٢٥/ ٤١٦ - (وَعَنْ عَائِشةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثةٍ: عَنِ النَّائِم حَتى يَسْتَيقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتى يَعْقِلَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (٤). [صحيح]

стр. 1010

(وَمِثْلُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ لَهُ، وَلِأَبِي دَاوُدَ (١) والتِّرْمِذِيِّ (٢) وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا النسائي (٣)، وأبو داود (٤)، وابن ماجه (٥)، وابن حبان (٦)، والحاكم (٧) من حديث عائشة، قال يحيى بن معين: ليس يرويه إلا حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان - يعني عن - إبراهيم عن الأسود عنها. وأخرجه أيضًا النسائي (٨)، والدارقطني (٩)، والحاكم (١٠)، وابن حبان (١١) وابن خزيمة (١٢)، من حديث عليّ. قال البيهقي: تفرّد برفعه جرير بن حازم، قال الدارقطني في العلل (١٣): وتفرّد به عن جرير عبد الله بن وهب، وخالفه ابن فضيل ووكيع فروياه عن الأعمش موقوفًا، ورواه عطاء بن السائب عن أبي ظبيان عن عليّ وعمر مرفوعًا. قال الحافظ (١٤): وقول ابن فضيل ووكيع أشبه بالصواب. ورواه أبو داود (١٥) من حديث أبي الضحى عن عليّ، ولكن قال أبو زرعة: حديثه عن عليّ مرسل.

стр. 1011

ورواه ابن ماجه (١) من حديث القاسم بن يزيد عن عليّ، وهو مرسل أيضًا كما قال أبو زرعة. ورواه الترمذي (٢) من حديث الحسن البصري عن عليّ، قال أبو زرعة: لم يسمع الحسن من عليّ شيئًا. وروى الطبراني (٣) من طريق برد بن سنان عن مكحول عن أبي إدريس الخولاني قال: أخبرني غير واحد من أصحاب النبيّ [ ﷺ ] ثوبان ومالك بن شداد، وغيرهما فذكر نحوه. قال الحافظ (٤): وفي إسناده مقال، وبُرد مختلف فيه. وروي أيضًا (٥) من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: وإسناده ضعيف. والحديث يدلّ على عدم تكليف الصبي والمجنون والنائم ما داموا متّصفين بتلك الأوصاف. قال ابن حجر في التلخيص (٦) حاكيًا عن ابن حبان: إن الرفع مجاز عن عدم التكليف، لأنه يكتب له فعل الخير، انتهى. وهذا في الصبي ظاهر. وأمّا في المجنون فلا تتصف أفعاله بخير ولا شرّ إذ لا قصد له (٧)، والموجود منه من صور الأفعال لا حكم له شرعًا.

стр. 1012

وأمّا في النائم ففيه بُعد، لأن قصده منتفٍ أيضًا فلا حكم لما صدر منه من الأفعال حال نومه. وللناس كلام في تكليف الصبي بجميع الأحكام أو ببعضها ليس هذا محل بسطه، وكذلك النائم. [الباب السادس] باب أن الكافر إذا أسلم لم يقض الصلاة ٢٦/ ٤١٧ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ [رضي الله تعالى عنه] (١) أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ"، رَواهُ أحْمَدُ) (٢). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا الطبراني (٣) والبيهقي (٤) من حديثه. وابن سعد (٥) من حديث جبير بن مطعم. وأخرج مسلم في صحيحه (٦) معناه من حديث عمر وأيضًا بلفظ: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله". وفي صحيح مسلم (٧) أيضًا من حديث عبد الله بن مسعود قال: قلنا:

стр. 1013

يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أوخذ بالأول والآخر" فهذا مقيد، والحديث الأول مطلق، وحمل المطلق على المقيد واجب، فهدم الإسلام ما كان قبله مشروط بالإحسان. قوله: (يجبّ ما قبله) أي يقطعه، والمراد أنه يذهب أثر المعاصي التي قارفها حال كفره، وأما الطاعات التي أسلفها قبل إسلامه فلا يجبّها لحديث حكيم بن حزام عند مسلم (١) وغيره (٢): "أنّه قال لرسول الله ﷺ : أرأيت أمورًا كنت أتحنّث بها في الجاهلية، هل لي فيها من شيء؟ فقال له رسول الله ﷺ : "أسْلمْتَ على ما أسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ"، وقد قال المازري (٣): إنه لا يصح تقرّب الكافر فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه حال شركه، لأن من شرط المتقرّب أن يكون عارفًا بما تقرب إليه، والكافر ليس كذلك، وتابعه القاضي عياض (٤) على تقرير هذا الإشكال. قال في الفتح: واستضعف ذلك النووي (٥) فقال: الصواب الذي عليه المحقّقون، بل [بعضهم نقل] (٦) الإجماع فيه أن الكافر إذا فعل أفعالًا جميلة كالصدقة وصلة الرحم، ثم أسلم ومات على الإسلام أن ثواب ذلك يكتب له.

стр. 1014

[ثانيًا] أبواب المواقيت المواقيت جمع ميقات وهو القدر المحدود للفعل من الزمان والمكان. [الباب الأول] باب وقت الظهر ١/ ٤١٨ - (عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ الله [رضي الله تعالى عنه] (١) أن النَّبِيَّ ﷺ جاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ فقالَ لَهُ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ جاءَهُ العَصْرَ فقالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى العَصْرَ حِينَ صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ جاءَهُ المَغْرِبَ فقالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى المَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ جاءَهُ العِشاءَ فقالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى العِشاءَ حِينَ غابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ جاءهُ الفَجْرَ فقالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى الفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الفَجْرُ، أوْ قالَ: سَطَعَ الفَجْرُ، ثُمَّ جاءَهُ مِنَ الغَدِ لِلظُّهْرِ فقالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ جاءَهُ العَصْرَ فقالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى العَصْرَ حِينَ صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ جاءَهُ المَغْرِبَ وَقْتًا وَاحِدًا لَمْ يَزُلْ عَنْهُ، ثُمَّ جاءَهُ العِشاءَ حِينَ ذَهَبَ نِصْفُ اللَّيْلِ، أوْ قالَ: ثُلُثُ اللَّيْلِ فَصَلَّى العِشاءَ، ثُمَّ جاءَهُ حِينَ أسْفَرَ جِدًا، فقالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى الفَجْرَ، ثُمَّ قالَ: ما بَيْنَ هذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وَقْتٌ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) والنَّسَائِيُّ (٣) والتِّرْمِذِيُّ (٤) بِنَحْوِهِ. وقالَ

стр. 1015

البُخَارِيُّ (١): هُوَ أصَحُّ شَيءٍ في المَوَاقِيتِ). [صحيح] ٢/ ٤١٩ - (وَللْتِّرْمِذِيِّ (٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رضي الله تعالى عنهما] (٣) أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "أمَّنِي جِبْرِيلُ ﵇ عِنْدَ البَيتِ مَرَّتَينِ"، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ جابِرٍ، إلَّا أَنَّهُ قالَ فِيه: وَصَلَّى المَرَّةَ الثَّانِيَةَ حِينَ صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ العَصْرِ بالأَمْسِ. وَقالَ فِيه: ثُمَّ صَلَّى العِشاءَ الآخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلثُ اللَّيْلِ، وَفِيهِ: ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ هذا وَقْتُ الأنْبِياءِ مِنْ قَبْلِكَ، والْوَقْتُ فِيما بَيْنَ هذَيْنِ الوَقْتَيْنِ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ). [صحيح لغيره] أما حديث جابر فأخرجه أيضًا ابن حبان (٤)، والحاكم (٥)، وروى الترمذي (١) في سننه عن البخاري أنه أصحُّ شيء في الباب، كما قال المصنف ﵀ [تعالى] (٣). وأمّا حديث ابن عباس فأخرجه أيضًا أحمد (٦) وأبو داود (٧) وابن خزيمة (٨) والدارقطني (٩) والحاكم (١٠)، وفي إسناده ثلاثة مختلف فيهم. (أولهم) عبد الرحمن بن أبي الزناد (١١)، كان ابن مهدي لا يحدّث عنه.

стр. 1016

وقال أحمد: مضطرب الحديث، وقال النسائي: ضعيف وقال يحيى بن معين وأبو حاتم: لا يحتج به. وقال الشافعي: ضعيف، وما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد. وقال ابن عدي (١): بعض ما يرويه لا يتابع عليه، وقد وثقه مالك، واستشهد البخاري بحديثه عن موسى بن عقبة في باب: التطوّع بعد المكتوبة (٢). وفي حديث "لا تَمَنَّوا لقاء العدو" (٣). (والثاني) شيخه عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة (٤)، قال أحمد: متروك الحديث، وقال ابن نمير: لا أقدم على ترك حديثه، وقال فيه ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال ابن سعد: ثقة. وقال ابن حبان: كان من أهل العلم. ولكنه قد توبع في هذا الحديث، فأخرجه عبد الرزاق (٥) عن العمري عن عمر بن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه عن ابن عباس بنحوه. قال ابن دقيق العيد (٦): هي متابعة حسنة. (والثالث): حَكِيم بن حَكِيم (٧) وهو ابن عبَّاد بن حُنَيْف، قال ابن سعد (٨): كان قليل الحديث، ولا يحتجون بحديثه.

стр. 1017

وحديث ابن عباس هذا قد صححه ابن عبد البر (١) وأبو بكر بن العربي (٢)، قال ابن عبد البر: إن الكلام في إسناده لا وجه له. وأخرجه من طريق سفيان عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش، فسلمت طريقه من التضعيف بعبد الرحمن بن أبي الزناد. وكذلك أخرجه من هذا الوجه أبو داود (٣) وابن خزيمة (٤)، قال أبو عمر: وذكره عبد الرزاق (٥) عن عمر بن نافع وابن أبي سبرة عن عبد الرحمن بن الحارث بإسناده، وذكره (٦) أيضًا عن عمر بن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه عن ابن عباس. وفي الباب عن أبي هريرة عند الترمذي (٧) والنسائي (٨) بإسناد حسن، وصححه ابن السكن (٩) والحاكم (١٠)، وحسّنه الترمذي، ولكن فيه أن للمغرب وقتين. ونقل عن البخاري أنه خطأ (١١). ورواه الحاكم (١٢) من طريق أخرى وقال: صحيح الإسناد.

стр. 1018

وعن بريدة عند الترمذي (١) أيضًا وصححه. وعن أبي موسى عند مسلم (٢) وأبي داود (٣) والنسائي (٤) وأبي عوانة (٥) وأبي نعيم، قال الترمذي في كتاب العلل (٦): إنه حسنه البخاري. وعن أبي مسعود عند مالك في الموطأ (٧)، وإسحاق بن راهويه (٨)، والبيهقي (٩) في الدلائل، وأصله في الصحيحين (١٠) من غير تفصيل، وفصله أبو داود (١١). وعن أبي سعيد الخدري عند أحمد في مسنده (١٢) والطحاوي (١٣). وعن عمرو بن حزم رواه إسحاق بن راهويه (١٤).

стр. 1019

وعن البراء ذكره ابن أبي خيثمة (١). وعن أنس عند الدارقطني (٢)، وابن السكن في صحيحه (٣)، والإسماعيلي في معجمه (٤)، وأشار إليه الترمذي (٥)، ورواه عنه النسائي (٦) بنحوه، وأبو أحمد الحاكم في الكنى (٧). وعن ابن عمر عند الدارقطني (٨) قال الحافظ (٩): بإسناد حسن، لكن فيه عنعنة ابن إسحاق. ورواه ابن حبان في الضعفاء (١٠) من طريق أخرى، فيها محبوب بن الجهم، وهو ضعيف (١١). وعن مجمع بن جارية عند الحاكم (١٢).

стр. 1020

قوله - في الحديث -: (قم فصله) الهاء هاء السكت. قوله: (حين وجبت الشمس) الوجوب: السقوط، والمراد سقوطها للغروب. وقوله: (زالت الشمس)، أي مالت إلى جهة المغرب. قوله: (حين صار ظل كل شيء مثله) الظل: الستر، ومنه قولهم: أنا في ظلك، وظل الليل سواده، لأنه يستر كل شيء، وظل الشمس ما ستر به الشخوص من مسقطها. قال ابن عبد البر (١): وكانت إمامة جبريل بالنبيِّ ﷺ في اليوم الذي يلي ليلة الإسراء، وأوّل صلاة أدّيت كذلك الظهر على المشهور. وقيل: الصبح كما ثبت من حديث ابن عباس عند الدارقطني (٢). قال الحافظ (٣): والصحيح خلافه. وذكر ابن أبي خيثمة عن الحسن أنه ذكر له أنه لما كان عند صلاة الظهر نودي: إن الصلاة جامعة، ففزع الناس فاجتمعوا إلى نبيهم [صلى الله تعالى عليه وسلم] (٤) فصلّى بهم الظهر أربع ركعات، يؤمّ جبريل محمدًا، ويؤمّ محمد الناس لا يسمعهم فيهنّ قراءة. وذكر عبد الرزاق (٥) عن ابن جريج قال: قال نافع بن جبير وغيره: لما أصبح النبيّ ﷺ من الليلة التي أُسْرِيَ به فيها لم يَرُعْه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس ولذلك سُمِّيَتِ: الأُولى، فأمر، فصيح بأصحابه: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصلى جبريل بالنبيّ [صلى الله تعالى عليه وسلم] (٤)، وصلّى النبيّ بالناس، وطوّل الركعتين الأولتين، ثم قصّر الباقيتين.

стр. 1021

وسيأتي للمصنف وغيره في شرح حديث أبي موسى أن صلاة جبريل كانت بمكة مقتصرين على ذلك. قال الحربي: إن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل الغروب، وصلاة قبل طلوع الشمس. وقال أبو عمر (١): قال جماعة من أهل العلم: إن النبيّ ﷺ لم يكن عليه صلاة مفروضة قبل الإسراء إلا ما كان أمر به من صلاة الليل على نحو قيام رمضان، من غير توقيت ولا تحديد ركعات معلومات، ولا لوقت محصور. وكان ﷺ يقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه. وقامه معه المسلمون نحوًا من حول حتى شق عليهم ذلك، فأنزل الله [تعالى] (٢) التوبة عنهم، والتخفيف في ذلك، ونسخه وحطّه فضلًا منه ورحمة، فلم يبق في الصلاة فريضة إلا الخمس. والحديث يدلّ على أن للصلوات وقتين وقتين إلا المغرب، وسيأتي الكلام على ذلك. وعلى أن الصلاة لها أوقات مخصوصة لا تجزئ قبلها بالإجماع، وعلى أن ابتداء وقت الظهر الزوال، ولا خلاف في ذلك يعتدّ به، وآخره مصير ظل الشيء مثله. واختلف العلماء هل يخرج وقت الظهر بمصير ظل الشيء مثله أم لا؟ فذهب الهادي (٣) ومالك وطائفة من العلماء أنه يدخل وقت العصر، ولا يخرج وقت الظهر، وقالوا: يبقى بعد ذلك قدر أربع ركعات صالحًا للظهر والعصر أداء. قال النووي في شرح مسلم (٤): واحتجّوا بقوله ﷺ : "فصلّى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلّى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله" وظاهره اشتراكهما في قدر أربع ركعات.

стр. 1022

قال (١): وذهب الشافعي والأكثرون إلى أنه لا اشتراك بين وقت الظهر ووقت العصر، بل متى خرج وقت الظهر بمصير ظل الشيء مثله غير الظل الذي يكون عند الزوال، دخل وقت العصر، وإذا دخل وقت العصر لم يبق شيء من وقت الظهر. واحتجّوا بحديث ابن عمرو بن العاص عند مسلم (٢) مرفوعًا بلفظ: "وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر"، الحديث. قال (١): وأجابوا عن حديث جبريل بأن معناه فرغ من الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، وشرع في العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله، فلا اشتراك بينهما. قال (١): وهذا التأويل متعيّن للجمع بين الأحاديث، ولأنه إذا حمل على الاشتراك يكون آخر وقت الظهر مجهولًا لأنه إذا ابتدأ بها حين صار ظل كل شيء مثله لم يعلم متى فرغ منها، وحينئذ لا يحصل بيان حدود الأوقات، وإذا حمل على ذلك التأويل حصل معرفة آخر الوقت، فانتظمت الأحاديث على اتفاق. ويؤيّد هذا أن إثبات ما عدا الأوقات الخمسة دعوى مفتقرة إلى دليل خالص عن شوائب المعارضة، فالتوقف على المتيقن هو الواجب حتى يقوم ما يلجئ إلى المصير إلى الزيادة عليها. وفي الحديث أيضًا ذكر بقية أوقات الصلوات، وسيعقد المصنف [رحمه الله تعالى] (٣) لكل واحد منها بابًا، وسنتكلم على كل واحد منها في بابه إن شاء الله [تعالى] (٣).

стр. 1023

[الباب الثاني] باب تعجيلها وتأخيرها في شدة الحر ٣/ ٤٢٠ - (عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ [رضى الله تعالى عنه] (١) قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ إذا دَحَضَتِ الشَّمْسُ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) ومُسْلِمٌ (٣) وابْنُ ماجَهْ (٤) وأبُو داوُدَ (٥). [صحيح] وفي الباب أيضًا عن أنس عند البخاري (٦)، ومسلم (٧)، والنسائي (٨)، والترمذي (٩) وقال: صحيح. وعن خباب عند الشيخين (١٠). وعن أبي برزة عندهما (١١) أيضًا. وعن ابن مسعود عند ابن ماجه (١٢) وفيه زيد بن جَبِيرَة (١٣) قال أبو حاتم: ضعيف، وقال البخاري: منكر الحديث.

стр. 1024

وعن زيد بن ثابت أشار إليه الترمذي (١). وعن أم سلمة عند الترمذي (٢) أيضًا. قوله: (دَحضت (٣) الشمس) هو بفتح الدال والخاء المهملتين وبعدهما ضاد معجمة، أي: زالت. والحديث يدلّ على استحباب تقديمها، وإليه ذهب الهادي والقاسم (٤) والشافعي والجمهور (٥) للأحاديث الواردة في أفضلية أول الوقت، وقد خصَّه الجمهور بما عدا أيام شدة الحر، وقالوا: يستحب الإبراد فيها إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج، وسيأتي تحقيق ذلك. ٤/ ٤٢١ - (وَعَنْ أنَسٍ [رضي الله تعالى عنه] (٦) قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ في أيَّامِ الشِّتَاءِ، ومَا نَدْرِي أمَا ذَهَبَ مِنَ النَّهارِ أكْثَرُ أوْ ما بَقِيَ مِنْهُ. رَوَاهُ أحْمَدُ) (٧). [إسناده ضعيف]

стр. 1025

٥/ ٤٢٢ - (وَعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ [رضي الله تعالى عنهما] (١) قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا كانَ الحَرُّ أبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذا كانَ البَرْدُ عَجَّلَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (٢)، وَللْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ) (٣). [صحيح] ٦/ ٤٢٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ، فإن شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيحِ جَهَنَّمَ". رَوَاهُ الْجَماعَةُ) (٤). [صحيح] [حديث أنس الأول أخرجه أيضًا عبد الرزاق (٥)] (٦). وفي الباب عن ابن عمر عند البخاري (٧) وابن ماجه (٨). وعن أبي موسى عند النسائي (٩). وعن عائشة عند ابن خزيمة (١٠).

стр. 1026

وعن المغيرة عند أحمد (١) وابن ماجه (٢) وابن حبان (٣). وفي رواية للخلال (٤): "وكان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الإبراد". وعن أبي سعيد عند البخاري (٥). وعن عمرو بن عبسة عند الطبراني (٦). وعن صفوان عند ابن أبي شيبة (٧) والحاكم (٨) والبغوي (٩). وعن ابن عباس عند البزار (١٠)، وفيه [عمرو] (١١) بن صهبان وهو ضعيف.

стр. 1027

وعن عبد الرحمن بن جارية عند الطبراني (١). وعن عبد الرحمن بن علقمة عند أبي نعيم (٢). قوله: (فأبردوا بالصلاة)، أي أخّروها عن ذلك الوقت وادخلوا بها في وقت الإبراد، وهو الزمان الذي يتبيّن فيه انكسار شدّة الحر ويوجد فيه برودة. يقال: أبرد الرجل: أي صار في برد النهار. وفيح جهنم: شدّة حرها وشدّة غليانها. قال القاضي عياض (٣): اختلف العلماء في معناه، فقال بعضهم: هو على ظاهره. وقيل: بل هو على وجه التشبيه والاستعارة، وتقديره إن شدّة الحر تشبه نار جهنم فاحذروه واجتنبوا ضرره، قال: والأول أظهر. وقال النووي (٤): هو الصواب لأنه ظاهر الحديث، ولا مانع من حمله على حقيقته فوجب الحكم بأنه على ظاهره، انتهى. ويدلّ عليه حديث: "إن النار اشتكت إلى ربّها فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف"، وهو في الصحيح (٥). وحديث: "إن لجهنم نفسين"، وهو كذلك. والأحاديث تدلّ على مشروعية الإبراد، والأمر محمول على الاستحباب. وقيل: على الوجوب، حكى ذلك القاضي عياض (٦)، وهو المعنى الحقيقي له. وذهب إلى الأول جماهير العلماء لكنهم خصّوا ذلك بأيام شدة الحر كما

стр. 1028

يشعر بذلك التعليل بقوله: "فإن شدة الحر من فيح جهنم" (١)، ولحديث أنس (٢) المذكور في الباب. وظاهر الأحاديث عدم الفرق بين الجماعة والمنفرد، وقال أكثر المالكية (٣): الأفضل للمنفرد التعجيل، والحق عدم الفرق لأن التأذّي بالحر الذي يتسبّب عنه ذهاب الخشوع يستوي فيه المنفرد وغيره. وخصّه الشافعي (٣) بالبلد الحار، وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون المسجد من مكان بعيد لا إذا كانوا مجتمعين أو كانوا يمشون في ظل، فالأفضل التعجيل. وظاهر الأحاديث عدم الفرق، وقد ذهب إلى الأخذ بهذا الظاهر أحمد (٤) وإسحاق (٤) والكوفيون وابن المنذر (٥)، ولكن التعليل بقوله: "فإن شدة الحر"، يدلّ على ما ذكره من التقييد بالبلد الحار. وذهب الهادي والقاسم (٦) وغيرهما إلى أن تعجيل الظهر أفضل مطلقًا وتمسكوا بحديث جابر بن سمرة المذكور في أول الباب (٧)، وبسائر الروايات المذكورة هنالك، وبأحاديث أفضلية أول الوقت على العموم كحديث أبي ذرّ عند البخاري (٨) ومسلم (٩) وغيرهما، قال: "سألت النبيّ ﷺ : أيّ العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاةُ على وقتها"، وبحديث خباب عند مسلم (١٠) قال: "شكونا إلى رسول الله ﷺ حرّ الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا - أي لم يعذرنا - ولم يزل شكوانا"، وزاد ابن المنذر (١١) والبيهقي (١٢): "وقال: إذا زالت الشمس فصلّوا"، وتأوّلوا حديث الإبراد بأن معناه صلّوا أوّل الوقت أخذًا من برد النهار

стр. 1029

وهو أوّله، وهو تعسّف يرده قوله [ ﷺ ] (١): "فإن شدّة الحر من فيح جهنم"، وقوله: "فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة". ويجاب عن ذلك بأن الأحاديث الواردة بتعجيل الظهر وأفضلية أوّل الوقت عامة أو مطلقة، وحديث الإبراد خاص أو مقيد، ولا تعارض بين عام وخاص ولا بين مطلق ومقيد. وأجيب عن حديث خباب (٢) بأنه، كما قال الأثرم والطحاوي منسوخ، قال الطحاوي (٣): ويدلّ عليه حديث المغيرة (٤): "كنّا نصلي بالهاجرة فقال لنا: أبردوا"، فبيَّن أن الإبراد كان بعد التهجير. وقال آخرون: إن حديث خباب محمول على أنهم طلبوا تأخيرًا زائدًا على قدر الإبراد؛ لأن الإبراد أن يؤخر بحيث يصير للحيطان فيء يمشون فيه ويتناقص الحرّ. وحمل بعضهم حديث الإبراد على ما إذا صار الظل فيئًا، وحديث خباب على ما إذا كان الحصى لم يبرد، لأنه لا يبرد حتى تصفرّ الشمس، فلذلك رخّص في الإبراد ولم يرخص في التأخير إلى خروج الوقت، وعلى فرض عدم إمكان الجمع فرواية الخلال السابقه (٥) عن المغيرة بلفظ: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الإبراد". وقد صحح أبو حاتم وأحمد حديث المغيرة (٦)، وعدّه البخاري محفوظًا من أعظم الأدلّة الدالّة على النسخ كما قاله من قدمنا، ولو سلم جهل التاريخ وعدم معرفة المتأخر لكانت أحاديث الإبراد أرجح لأنها في الصحيحين (٧)، بل في جميع الأمهات بطرق متعدّدة. وحديث خباب في مسلم (٨) فقط، ولا شك أن المتفق عليه مقدم، وكذا ما جاء من طرق.

стр. 1030

٧/ ٤٢٤ - (وَعَنْ أبِي ذَرٍّ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ فأرَادَ المُؤَذِّنُ أنْ يُؤَذِّنَ لِلْظُّهْرِ، فقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أبْرِدْ"، ثُمَّ أرَادَ أنْ يُؤَذِّنَ، فقالَ لَهُ: "أبْرِدْ"، حتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ، فقالَ النَّبِي ﷺ : "إنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأبْرِدُوا بالصَّلَاةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٢). [صحيح] قوله: (فَيْء التُّلول) قال ابن سِيده: الفَيْء ما كان شمسًا فنسخه الظِّلُّ، والجمع أفياء وفيوء، وفاء الفيء فيئًا: تحوَّلَ، وتفيَّأ فيه: تظلَّلَ. قال ابن قُتيبة: يتوهَّم الناس أن الظِّلَّ والفيء بمعنى، وليس كذلك: بل الظِّل يكون غدوةً وعشيَّةً ومن أوّل النهار إلى آخره، وأمّا الفئ فلا يكون إلّا بعد الزوال، ولا يقال لما قبل الزوال، وإنما قيل لما بعد الزوال: فيء، لأنه ظِلٌّ فاءَ من جانب إلى جانب، أي رجع، والفيء: الرجوع (٣). ونسبه النووي في شرح مسلم (٤) إلى أحل اللغة. والتلول جمع تل: وهو الربوة من التراب المجتمع، والمراد أنه أخّر تأخيرًا كثيرًا حتى صار للتلول فيء وهي منبطحة لا يصيرُ لها فيء في العادة إلّا بغد زوال الشمس بكثير. الحديث يدلُّ على مشروعية الإبراد، وقد تقدّم الكلام عليه مستوفى. قال المصنف (٥) ﵀: وفيه دليل على أن الإبراد أوْلَى وإن لم ينتابوا المسجد من بُعْدٍ، لأنه أمر به مع اجتماعهم معه، انتهى. أشار ﵀ [تعالى] (١) بهذا إلى ردّ ما قاله الشافعي، وقد قدمنا حكاية ذلك عنه (٦).

стр. 1031

[الباب الثالث] باب أول وقت العصر وآخره في الاختيار والضرورة قد سبق في حديث ابن عباس (١) وجابر (٢) في باب وقت الظهر. ٨/ ٤٢٥ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو [رضي الله تعالى عنهما] (٣) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَقْتُ صَلاةِ الظُّهْرِ ما لَمْ يَحْضُرِ العَصْرُ، وَوَقْتُ صَلاةِ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلاةِ المَغْرِبِ ما لَمْ يَسْقُطْ ثَوَرُ الشَّفَقِ، وَوَقْتُ صَلاةِ العِشَاءِ إلى نِصْفِ اللَّيلِ، وَوَقْتُ صَلاةِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) ومُسْلِمٌ (٥) والنَّسائِيُّ (٦) وأبُو داوُدَ (٧)، وفي روايةٍ لِمُسْلِمٍ (٨): "وَوَقْتُ الْفَجْرِ ما لَمْ يَطْلُعْ قَرْنُ الشَّمْسِ الأوَّلِ - وَفِيهِ (٩) - وَوَقْتُ صَلَاةِ العَصْرِ ما لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَيَسْقُطَ قَرْنُهَا الأوَّلُ"). قوله: (ثور الشفق) هو بالثاء المثلثة، أي ثورانه وانتشاره ومعظمه. وفي القاموس (١٠): أنه حمرة الشفق الثائرة فيه. قوله: (قرن الشمس) هو ناحيتها، أو أعلاها، أو أوّل شعاعها، قاله في القاموس (١١). وقوله: (ويسقط قرنها الأوّل) المراد به الناحية، كما قال النووي (١٢).

стр. 1032

والحديث فيه ذكر أوقات الصلوات الخمس، وقد تقدم الكلام في الظهر، وسيأتي الكلام على وقت المغرب والعشاء والفجر كل في بابه. وأمّا وقت العصر فالحديث يدلّ على امتداد وقته إلى اصفرار الشمس، كما في الرواية الأولى من حديث الباب، وإلى سقوط قرنها أي غروبه، كما في الرواية الثانية منه. وحديث: "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر" (١)، يدلّ على أن إدراك بعضها في الوقت يجزئ، وإلى هذا ذهب الجمهور (٢)، وقال أبو حنيفة (٣): آخره الاصفرار. وقال الاصطخري: آخره المثلان، وبعدها قضاء. والأحاديث تردّ عليهم، ولكنه استدلّ الاصطخري بحديث جبريل السابق (٤)، وفيه: "أنه صلّى العصر اليوم الأوّل عند مصير ظل الشيء مثله، واليوم الثاني عند مصير ظل الشيء مثليه"، وقال بعد ذلك: "الوقت ما بين هذين الوقتين"، وقد أجيب عن ذلك بحمل حديث جبريل على بيان وقت الاختيار، لا لاستيعاب وقت الاضطرار والجواز. وهذا الحمل لا بدّ منه للجمع بين الأحاديث، وهو أولى من قول من قال: إن هذه الأحاديث ناسخة لحديث جبريل، لأن النسخ لا يصار إليه مع إمكان

стр. 1033

الجمع، وكذلك لا يصار إلى [الترجيح] (١). ويؤيّد هذا الجمع حديث: "تلك صلاة المنافق". وسيأتي (٢) بعد هذا الحديث، فمن كان معذورًا كان الوقت في حقه ممتدًّا إلى الغروب، ومن كان غير معذور كان الوقت له إلى المثلين، وما دامت الشمس بيضاء نقية، فإن أخّرها إلى الاصفرار وما بعده كانت صلاته صلاة المنافق المذكورة في الحديث. وأمّا أوّل وقت العصر، فمذهب العترة (٣) والجمهور أنه مصير ظل الشيء مثله لما تقدم في حديث جبريل، وقال الشافعي: الزيادة على المثل. وقال أبو حنيفة: المثلان، وهو فاسد تردّه الأحاديث الصحيحة. قال النووي في شرح مسلم (٤): قال أصحابنا: للعصر خمسة أوقات: وقت فضيلة، واختيار، وجواز بلا كراهة، وجواز مع كراهة، ووقت عذر. فأمّا وقت الفضيلة فأوّل وقتها، ووقت الاختيار يمتد إلى أن يصير ظل الشيء مثليه، ووقت الجواز إلى الاصفرار، ووقت الجواز مع الكراهة حال الاصفرار إلى الغروب، ووقت العذر هو وقت الظهر في حق من يجمع بين [الظهر والعصر] (٥) لسفر أو مطر، ويكون العصر في هذه الأوقات الخمسة أداء، فإذا فاتت كلها بغروب الشمس، صارت قضاء"، انتهى. قال المصنف (٦) ﵀ [تعالى] (٧): وفيه دليل على أن للمغرب وقتين، وأن الشّفق: الحُمرة، وأن وقت الظهر [يعاقبه] (٨) وقتُ العصر، وأن تأخير العشاء إلى نصف الليل جائز، انتهى. قوله: وفيه دليل على أن للمغرب وقتين، استدلّ على ذلك بقوله في الحديث: "ووقت المغرب ما لم يسقط ثوَر الشفق" (٩).

стр. 1034

قال النووي في شرح مسلم (١): وذهب المحقّقون من أصحابنا إلى ترجيح القول بجواز تأخيرها ما لم يغب الشفق، وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك، ولا يأثم بتأخيرها عن أوّل الوقت، وهذا هو الصحيح أو الصواب الذي لا يجوز غيره. والجواب عن حديث جبريل حين صلّى المغرب في اليومين في وقت واحد من ثلاثة أوجه: (أحدها): أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار، ولم يستوعب وقت الجواز، وهذا جار في كل الصلوات سوى الظهر. (والثاني): أنه متقدم في أوّل الأمر بمكة، وهذه الأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق، متأخرة في آخر الأمر بالمدينة، فوجب اعتمادها. (والثالث): أن هذه الأحاديث أصح إسنادًا من حديث بيان جبريل، فوجب تقديمها"، انتهى. وقوله: وإن الشفق: الحمرة. قد أخرج ابن عساكر في غرائب مالك (٢) والدارقطني (٣) والبيهقي (٤) عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "الشفق: الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة". ولكنه صحح البيهقي (٥) وقفه، وقد ذكر نحوه الحاكم، وسيذكره المصنف [رحمه الله تعالى] (٦) (٧) في باب: وقت صلاة العشاء.

стр. 1035

وقوله: وإن تأخير العشاء إلى [نصف] (١) الليل إلخ، سيأتي تحقيق ذلك في باب: وقت صلاة العشاء (٢). ٩/ ٤٢٦ - (وَعَنْ أنَسٍ [﵁] (٣) قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "تِلْكَ صَلَاةُ المُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حتَّى إذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ قامَ فَنَقَرَهَا أرْبَعًا لَا يَذْكُرُ الله إلا قَلِيلًا". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلَّا البُخَارِيَّ وابْنَ مَاجَهْ) (٤). [صحيح] الحديث رواه أبو داود (٥) بتكرير قوله: "تلك صلاة المنافق". قوله: (بين قرني [الشيطان]) (٦)، اختلفوا فيه. فقيل: هو على حقيقته وظاهر لفظه، والمراد أنه يحاذيها بقرنيه عند غروبها، وكذلك عند طلوعها، لأن الكفار يسجدون لها حينئذ، فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، [وتخيّل] (٧) لنفسه ولأعوانه إنما يسجدون له. وقيل: هو على المجاز، والمراد بقرنه وقرنيه: علوّه وارتفاعه وسلطانه وغلبة أعوانه، وسجود مطيعيه من الكفار للشمس، قاله النووي (٨). وقال الخطابي (٩): هو تمثيل، ومعناه أن تأخيرها بتزيين الشيطان ومدافعته لهم عن تعجيلها، كمدافعة ذوات القرون لما تدفعه. قوله: (فنقرها) المراد بالنقر سرعة الحركات كنقر الطائر، قال الشاعر: لا أذوقُ النَّوْمَ إلا غِرَارًا … مِثْلَ حَسْوِ الطَّيْرِ ماءَ الثماد وفي الحديث دليل على كراهة تأخير الصلاة إلى وقت الاصفرار، والتصريح بذمّ من أخّر صلاة العصر بلا عذر، والحكم على صلاته بأنها صلاة المنافق، ولا أردع لذوي الإيمان وأفزع لقلوب أهل العرفان من هذا.

стр. 1036

وقوله: (يجلس يرقب الشمس) فيه إشارة إلى أن الذم متوجه إلى من لا عذر له. وقوله: (فنقرها أربعًا) فيه تصريح بذم من صلّى مسرعًا بحيث لا يكمل الخشوع والطمأنينة والأذكار، وقد نقل بعضهم الاتفاق على عدم جواز التأخير إلى هذا الوقت لمن لا عذر له، وهذا من أوضح الأدلّة القاضية بصحة الجمع بين الأحاديث التي ذكرناها في الحديث الذي قبل هذا. ١٠/ ٤٢٧ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى [رضي الله تعالى عنه] (١) عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: وَأَتَاهُ سَائِلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَأَمَرَ بِلَالًا فأقَامَ الفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الفَجْرُ، والنَّاسُ لا يَكادُ يَعْرِفُ بَعْضهُمْ بَعْضًا، ثمَّ أمَرَهُ فأقامَ الظُّهْرَ حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ، والقائِلُ يَقُولُ: انْتَصَفَ النَّهارُ أوْ لَمْ، وكانَ أعْلَمَ مِنْهُمْ، ثمَّ أمَرَهُ فأقامَ العَصْرَ والشَمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، ثمَّ أمَرَهُ فأقامَ المَغْرِبَ حِينَ وَقَبَتِ الشَّمْسُ، ثمَّ أمَرَهُ فأقامَ العِشاءَ حِينَ غابَ الشَّفَقُ، ثمَّ أخَّرَ الفَجْرَ مِنَ الغَدِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا والقائِلُ يَقُولُ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ أوْ كادَتْ، وأخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى كانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ العَصْرِ بالأَمْسِ، ثمَّ أخَّرَ العَصْرَ فانْصَرَفَ مِنْهَا، والقَائِلُ يَقُولُ: احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى كانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشفَقِ، وفي لَفْظٍ: فَصَلَّى المَغْرِبَ قَبْلَ أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وأخَّرَ العِشَاءَ حَتَّى كانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ، ثمَّ أصْبَحَ فَدَعا السَّائِلَ فقالَ: "الْوَقْتُ فِيمَا بَينَ هذَيْنِ". رَواهُ أحْمَدُ (٢) ومُسْلِمٌ (٣) وأبُو داوُدَ (٤) والنّسائي (٥). [صحيح] ورَوَى الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيُّ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيّ) (٦). [صحيح] حديث بُريدة صحَّحه الترمذي (٧)، ولفظه: "أن رجلًا سألَ رسول الله ﷺ

стр. 1037

عن وقت الصلاة، فقال: صلِّ معنا هذين الوقتين، فلما زالت الشمس أمر بلالًا فأذَّن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمَره فأقام العصر، والشمس مرتفعة بيضاء نقيّة، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر؛ فلما أن كان اليوم الثاني أمره، فأبردَ بالظهر وأنعم أن يبردَ بها، وصلَّى العصر والشمس مرتفعة أخّرها فوقَ الذي كان، وصلَّى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلَّى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل، وصلَّى الفجر فأسفر بها، ثم قال: "أين السائل عن وقت الصلاة"؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال: "وقت صَلاتِكم بينَ ما رأيتم". قوله: (وأتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يردّ عليه شيئًا)، أي: لم يرد جوابًا ببيان الأوقات باللفظ، بل قال له: صلِّ معنا لتعرفَ ذلك، ويحصل لك البيان بالفعل، كما وقع في حديث بُريدة أنه قال له: "صلِّ معنا هذين اليومين"، وليس المراد أنه لم يجب عليه بالقول ولا بالفعل، كما هو الظاهر من حديث أبي موسى؛ لأن المعلوم من أحواله أنه كان يُجيب من سأله عمّا يحتاج إليه، فلا بدّ من تأويل ما في حديث أبي موسى من قوله: "فلم يرد عليه شيئًا"، بما ذكرنا. وقد ذكر معنى ذلك النووي (١). قوله: (انشقّ الفجر) أي طلع. وقوله: (والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا)، بيان لذلك الوقت. قوله: (وَقَبَتِ الشَّمس) هو بقاف فباء موحدة فتاء مثناة، يقال: وقبت الشمس وقبًا ووقوبًا: غربت، ذكر معناه في القاموس (٢). وفي الحديث بيان مواقيت الصلاة، وفيه تأخير وقت الحصر إلى قريب احمرار الشمس، وفيه: "أنه أخّر العشاء حتى كان ثلث الليل"، وفي حديث عبد الله بن عمرو السابق (٣) أنه أخّرها إلى نصف الليل، وهو بيان لآخر وقت الاختيار، وسيأتي تحقيق ذلك.

стр. 1038

قال المصنف (١) رحمه الله تعالى: وهذا الحديث يعني حديث الباب في إثبات الوقتين للمغرب، وجواز تأخير العصر ما لم تصفرّ الشمس، أولى من حديث جبريل ﵇، لأنه كان بمكّة في أوّل الأمر، وهذا متأخّر ومتضمّن زيادة فكان أولى، وفيه من العلم جواز تأخير البيان عن وقت السؤال، انتهى. وهكذا صرّح البيهقي (٢) والدارقطني (٣) وغيرهما أن صلاة جبريل كانت بمكة، وقصة المسألة بالمدينة، وصرّحوا بأن الوقت الآخر لصلاة المغرب رخصة. وقد ذكرنا طرفًا من ذلك في شرح حديث جبريل (٤)، وفيه زيادة أن ذلك في صبيحة ليلة الإسراء. وقوله: (الوقت فيما بين هذين الوقتين) ينفي بمفهومه وَقْتِيَّةَ ما عداهُ. ولكن حديث: "من أدرك من العصر ركعة قبل غروب الشمس، ومن الفجر ركعة قبل طلوع الشمس" (٥) وغيره، منطوقات، وهي أرجح من المفهوم، ولا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع، وقد أمكن بما عرفت في شرح حديث عبد الله بن عمرو (٦)، ولو صرت إلى الترجيح لكان حديث أنس (٧) المذكور قبل هذا مانعًا من التمسّك بتلك المنطوقات، فالمصير إلى الجمع لا بدّ منه. [الباب الرابع] باب ما جاء في تعجيلها وتأكيده مع الغيم ١١/ ٤٢٨ - (عَنْ أنَسٍ [رضي الله تعالى عنه] (٨) قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ

стр. 1039

يُصَلِّي العَصْرَ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلى العَوَالِي فَيَأتِيهِمْ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلا التّرْمِذِيَّ (١). وَللْبُخَارِيِّ (٢): وَبَعْضُ العَوَالِي مِنَ المَدِينَةِ على أَرْبَعَةِ أمْيالٍ أوْ نَحْوِهِ، وَكَذلِكَ لأحْمَدَ (٣) وأبِي دَاوُدَ (٤) مَعْنَى ذلِكَ). [صحيح]. قوله: (فيذهب) في رواية لمسلم (٥): "ثم يذهب الذاهب إلى قباء"، وفي رواية له (٦) أيضًا: "ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون". قوله: (والشمس مرتفعة حية). قال الخطابي (٧): حياتها وجود حرها. قال أبو داود في سننه (٨) بإسناده إلى خيثمة أنه قال: حياتها أن تجد حرّها. قوله: (إلى العوالي) هي القرى التي حول المدينة أبعدها على ثمانية أميال من المدينة، وأقربها ميلان وبعضها على ثلاثة أميال، وبه فسّرها مالك، كذا في شرح مسلم للنووي (٩). والحديث يدلُّ على استحباب المبادرة بصلاة العصر أوّل وقتها؛ لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين وثلاثة والشمس لم تتغيّر بصفرَة ونحوها إلا إذا صلّى العصر حين صار ظل الشيء مثله. قال النووي (١٠): ولا يكاد يحصل هذا إلّا في الأيام الطويلة وهو

стр. 1040

دليل لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور من العترة وغيرهم القائلين: بأن أوّل وقت العصر إذا صار ظلّ كل شيء مثله، وفيه رد لمذهب أبي حنيفة فإنه قال: إن وقت العصر لا يدخل حتى يصير ظل الشيء مثليه وقد تقدم ذكر ذلك. ١٢/ ٤٢٩ - (وَعَنْ أنَسٍ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: صَلَّى لنَا رَسُولُ الله ﷺ العَصْرَ، فأتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَني سَلَمَةَ، فقالَ: يا رَسُولَ الله إنَّا نُرِيدُ أنْ نَنْحَرَ جَزُورًا لَنا وإنَّا نُحِبُّ أنْ تَحْضُرَها، قالَ: "نَعَمْ"، فانْطلَقَ وانْطَلَقْنَا مَعَهُ، فَوَجَدْنَا الجَزُورَ لَمْ تُنْحَرْ، فَنُحِرَتْ ثُمَّ قُطِّعَتْ ثُمَّ طُبِخَ مِنْهَا ثُمَّ أكَلْنَا قَبْلَ أنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (٢). [صحيح] ١٣/ ٤٣٠ - (وَعَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ثُمَّ نَنْحَرُ الجَزُورَ فَنَقْسِمَ عَشَرَ قِسَمٍ، ثُمَّ نَطْبُخُ فَنَأكُلُ لَحْمَهُ نَضِيجًا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] قوله: (ننحر جزورًا لنا) في القاموس (٤): الجَزور: البعيرُ، أو خاصّ بالناقَةِ المجزورَةِ، الجمع جَزائِرُ وجُزُرٌ وجُزراتٌ. والحديثان يدلّان على مشروعية المبادرة بصلاة العصر، فإن نحر الجزور ثم قسمته ثم طبخه ثم أكله نضيجًا ثم الفراغ من ذلك قبل غروب الشمس من أعظم المشعرات بالتبكير بصلاة العصر فهو من حجج الجمهور. ومن ذلك حديث ابن عباس (٥) وجابر (٦) في صلاة جبريل وغير ذلك، وكلُّها ترد ما قاله أبو حنيفة، وقد خالفه الناس في ذلك، ومن جملة المخالفين له أصحابه وقد تقدم ذكر مذهبه. ١٤/ ٤٣١ - (وَعَنْ بُرَيْد الأَسْلَمِيِّ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: كُنَّا مَعَ

стр. 1041

رَسُولِ الله ﷺ في غَزْوَةٍ، فقالَ: "بَكِّرُوا بالصَّلاةِ فِي اليَوْمِ الغَيمِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَاتَهُ صَلاةُ العَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وابنُ مَاجَهْ) (٢) [صحيح] [الحديث في سنن ابن ماجه رجاله رجال الصحيح. ولكنه وهم فيه الأوزاعي فجعل مكان أبي المليح أبا المهاجر (٣). وقد] (٤) أخرجه أيضًا البخاري (٥) والنسائي (٦) عن أبي المليح عن بريدة بنحوه والأمر بالتبكير تشهد له الأحاديث السابقة. وأمّا كون فوت صلاة العصر سببًا لإحباط العمل فقد أخرج البخاري في صحيحه (٧): "من ترك صلاة العصر حبط عمله". وأمّا تقييد التبكير بالغيم فلأنه مظنّة التباس الوقت، فإذا وقع التراخي فربما خرج الوقت أو اصفرّت الشمس قبل فعل الصلاة، ولهذه الزيادة ترجم المصنف [رحمه الله تعالى] (٨) الباب بقوله: وتأكيده في الغيم. والحديث من الأدلّة الدالّة على استحباب التبكير لكن مقيّدًا بذلك القيد، وعلى عظم ذنب من فاتته صلاة العصر، وسيأتي لذلك مزيد بيان. [الباب الخامس] باب بيان أنها الوسطى وما ورد في ذلك في غيرها ١٥/ ٤٣٢ - (عَنْ عَلِيٍّ ﵇ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ يَوْمَ الأَحْزَابِ: "مَلأَ الله قُبُورَهُمْ وَبُيُوتهُمْ نارًا كما شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى حتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٩). [صحيح]

стр. 1042

وَلمُسْلِمٍ (١) وأحْمَدَ (٢) وأبِي داوُدَ (٣): "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطَى صَلاةِ العَصْرِ". [صحيح] ١٦/ ٤٣٣ - (وَعَنْ عَلِيٍّ [رضي الله تعالى عنه] (٤) قالَ: كُنَّا نَرَاهَا الفَجْرَ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "هِيَ صَلاةُ العَصْرِ"، يَعْنِي صَلَاةَ الوُسْطَى. رَوَاهُ عَبْدُ الله بْنُ أحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أبِيهِ) (٥). [صحيح] هذه الرواية الأخيرة رواها ابن مهدي قال: حدثنا سفيان عن عاصم عن زر قال: "قلت لعبيدة: سل عليًا عن الصّلاة الوسطى، فسأله فقال: كنّا نراها الفجر حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر" (٦). قال ابن سيّد الناس: وقد روي ذلك عنه من غير وجه. والحديث يدلّ على أن صلاة الوسطى هي العصر (٧). وقد اختلف الناس في ذلك على أقوال بعد اتفاقّهم على أنها آكد الصلوات. (القولُ الأول): أنها العصر وإليه ذهب عليٌّ بن أبي طالب (٨)، وأبو أيوب (٩)، وابن عمر (١٠)، وابن عباس (١١)،

стр. 1043

وأبو سعيد الخدري (١)، وأبو هريرة (٢)، وأبيّ بن كعب (٣)، وسمرة بن جندب (٤)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (٥)، وعائشة (٦)، وحفصة (٧)، وأم سلمة (٨)، وعبيدة السلماني (٩)، والحسن البصري (١٠)، وإبراهيم النخعي (١١)، والكلبي (١٢)، وقتادة (١٣)، والضحاك (١٤)،

стр. 1044

ومقاتل (١)، وأبو حنيفة (٢)، وأحمد (٣)، وداود (٤)، وابن المنذر (٥)، نقله عن هؤلاء النووي (٦)، وابن سيد الناس في شرح الترمذي وغيرهما، ونقله الترمذي (٧) عن أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم. ورواه المهدي في البحر (٨) عن عليّ والمؤيّد بالله وأبي ثور وأبي حنيفة. (القول الثاني): أنها الظهر، نقله الواحدي عن زيد بن ثابت (٩)، وأبي سعيد الخدري (١٠)، وأسامة بن زيد (١١)، وعائشة (١٢)، ونقله ابن المنذر (١٣) عن عبد الله بن شداد (١٤)، ونقله المهدي في البحر (١٥) عن عليٌّ والهادي والقاسم
следующие страницы →