← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 1040–1079 · переход к 1045.

стр. 1040

دليل لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور من العترة وغيرهم القائلين: بأن أوّل وقت العصر إذا صار ظلّ كل شيء مثله، وفيه رد لمذهب أبي حنيفة فإنه قال: إن وقت العصر لا يدخل حتى يصير ظل الشيء مثليه وقد تقدم ذكر ذلك. ١٢/ ٤٢٩ - (وَعَنْ أنَسٍ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: صَلَّى لنَا رَسُولُ الله ﷺ العَصْرَ، فأتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَني سَلَمَةَ، فقالَ: يا رَسُولَ الله إنَّا نُرِيدُ أنْ نَنْحَرَ جَزُورًا لَنا وإنَّا نُحِبُّ أنْ تَحْضُرَها، قالَ: "نَعَمْ"، فانْطلَقَ وانْطَلَقْنَا مَعَهُ، فَوَجَدْنَا الجَزُورَ لَمْ تُنْحَرْ، فَنُحِرَتْ ثُمَّ قُطِّعَتْ ثُمَّ طُبِخَ مِنْهَا ثُمَّ أكَلْنَا قَبْلَ أنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (٢). [صحيح] ١٣/ ٤٣٠ - (وَعَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ثُمَّ نَنْحَرُ الجَزُورَ فَنَقْسِمَ عَشَرَ قِسَمٍ، ثُمَّ نَطْبُخُ فَنَأكُلُ لَحْمَهُ نَضِيجًا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] قوله: (ننحر جزورًا لنا) في القاموس (٤): الجَزور: البعيرُ، أو خاصّ بالناقَةِ المجزورَةِ، الجمع جَزائِرُ وجُزُرٌ وجُزراتٌ. والحديثان يدلّان على مشروعية المبادرة بصلاة العصر، فإن نحر الجزور ثم قسمته ثم طبخه ثم أكله نضيجًا ثم الفراغ من ذلك قبل غروب الشمس من أعظم المشعرات بالتبكير بصلاة العصر فهو من حجج الجمهور. ومن ذلك حديث ابن عباس (٥) وجابر (٦) في صلاة جبريل وغير ذلك، وكلُّها ترد ما قاله أبو حنيفة، وقد خالفه الناس في ذلك، ومن جملة المخالفين له أصحابه وقد تقدم ذكر مذهبه. ١٤/ ٤٣١ - (وَعَنْ بُرَيْد الأَسْلَمِيِّ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: كُنَّا مَعَ

стр. 1041

رَسُولِ الله ﷺ في غَزْوَةٍ، فقالَ: "بَكِّرُوا بالصَّلاةِ فِي اليَوْمِ الغَيمِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَاتَهُ صَلاةُ العَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وابنُ مَاجَهْ) (٢) [صحيح] [الحديث في سنن ابن ماجه رجاله رجال الصحيح. ولكنه وهم فيه الأوزاعي فجعل مكان أبي المليح أبا المهاجر (٣). وقد] (٤) أخرجه أيضًا البخاري (٥) والنسائي (٦) عن أبي المليح عن بريدة بنحوه والأمر بالتبكير تشهد له الأحاديث السابقة. وأمّا كون فوت صلاة العصر سببًا لإحباط العمل فقد أخرج البخاري في صحيحه (٧): "من ترك صلاة العصر حبط عمله". وأمّا تقييد التبكير بالغيم فلأنه مظنّة التباس الوقت، فإذا وقع التراخي فربما خرج الوقت أو اصفرّت الشمس قبل فعل الصلاة، ولهذه الزيادة ترجم المصنف [رحمه الله تعالى] (٨) الباب بقوله: وتأكيده في الغيم. والحديث من الأدلّة الدالّة على استحباب التبكير لكن مقيّدًا بذلك القيد، وعلى عظم ذنب من فاتته صلاة العصر، وسيأتي لذلك مزيد بيان. [الباب الخامس] باب بيان أنها الوسطى وما ورد في ذلك في غيرها ١٥/ ٤٣٢ - (عَنْ عَلِيٍّ ﵇ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ يَوْمَ الأَحْزَابِ: "مَلأَ الله قُبُورَهُمْ وَبُيُوتهُمْ نارًا كما شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى حتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٩). [صحيح]

стр. 1042

وَلمُسْلِمٍ (١) وأحْمَدَ (٢) وأبِي داوُدَ (٣): "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطَى صَلاةِ العَصْرِ". [صحيح] ١٦/ ٤٣٣ - (وَعَنْ عَلِيٍّ [رضي الله تعالى عنه] (٤) قالَ: كُنَّا نَرَاهَا الفَجْرَ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "هِيَ صَلاةُ العَصْرِ"، يَعْنِي صَلَاةَ الوُسْطَى. رَوَاهُ عَبْدُ الله بْنُ أحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أبِيهِ) (٥). [صحيح] هذه الرواية الأخيرة رواها ابن مهدي قال: حدثنا سفيان عن عاصم عن زر قال: "قلت لعبيدة: سل عليًا عن الصّلاة الوسطى، فسأله فقال: كنّا نراها الفجر حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر" (٦). قال ابن سيّد الناس: وقد روي ذلك عنه من غير وجه. والحديث يدلّ على أن صلاة الوسطى هي العصر (٧). وقد اختلف الناس في ذلك على أقوال بعد اتفاقّهم على أنها آكد الصلوات. (القولُ الأول): أنها العصر وإليه ذهب عليٌّ بن أبي طالب (٨)، وأبو أيوب (٩)، وابن عمر (١٠)، وابن عباس (١١)،

стр. 1043

وأبو سعيد الخدري (١)، وأبو هريرة (٢)، وأبيّ بن كعب (٣)، وسمرة بن جندب (٤)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (٥)، وعائشة (٦)، وحفصة (٧)، وأم سلمة (٨)، وعبيدة السلماني (٩)، والحسن البصري (١٠)، وإبراهيم النخعي (١١)، والكلبي (١٢)، وقتادة (١٣)، والضحاك (١٤)،

стр. 1044

ومقاتل (١)، وأبو حنيفة (٢)، وأحمد (٣)، وداود (٤)، وابن المنذر (٥)، نقله عن هؤلاء النووي (٦)، وابن سيد الناس في شرح الترمذي وغيرهما، ونقله الترمذي (٧) عن أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم. ورواه المهدي في البحر (٨) عن عليّ والمؤيّد بالله وأبي ثور وأبي حنيفة. (القول الثاني): أنها الظهر، نقله الواحدي عن زيد بن ثابت (٩)، وأبي سعيد الخدري (١٠)، وأسامة بن زيد (١١)، وعائشة (١٢)، ونقله ابن المنذر (١٣) عن عبد الله بن شداد (١٤)، ونقله المهدي في البحر (١٥) عن عليٌّ والهادي والقاسم

стр. 1045

وأبي العباس وأبي طالب، وهو أيضًا مرويّ عن أبي حنيفة. (القول الثالث): أنها الصبح، وهو مذهب الشافعي صرّح به في كتبه (١)، ونقله النووي (٢)، وابن سيد الناس عن عمر بن الخطاب (٣)، ومعاذ بن جبل (٤)، وابن عباس (٥)، وابن عمر (٦)، وجابر (٧)، وعطاء (٨)، وعكرمة (٩)، ومجاهد (١٠)، والربيع بن أنس (١١)، ومالك بن أنس (١٢)، وجمهور أصحاب الشافعي (١٣)، وقال الماوردي (١٤) من أصحاب الشافعي: إن مذهبه أنها العصر لصحة الأحاديث فيه

стр. 1046

قال: وإنما نصّ على أنها الصبح لأنها لم تبلغه الأحاديث الصحيحة في العصر ومذهبه اتّباع الحديث، ورواه أيضًا في البحر (١) عن عليّ ﵇. (القول الرابع): أنها المغرب وإليه ذهب قبيصة بن ذؤيب (٢). (القول الخامس): أنها العشاء، نسبه ابن سيد الناس وغيره إلى البعض من العلماء (٣)، وصرّح المهدي في البحر (٤) بأنه مذهب الإمامية. (القول السادس): أنها الجمعة في يوم الجمعة (٥) وفي سائر الأيام الظهر، حكاه ابن مقسم في تفسيره، ونقله القاضي عياض عن البعض. (القول السابع): أنها إحدى الخمس مبهمة، رواه ابن سيد الناس عن زيد بن ثابت والربيع بن [خيثم] (٦) وسعيد بن المسيب (٧) ونافع (٨) وشريح (٩) وبعض

стр. 1047

العلماء (١). (القول الثامن): أنها جميع الصلوات الخمس (٢) حكاه القاضي والنووي، ورواه ابن سيد الناس عن البعض. (القول التاسع): أنها صلاتان: العشاء والصبح، ذكره ابن مقسم في تفسيره (٣) أيضًا ونسبه إلى أبي الدرداء (٤). (القول العاشر): أنها الصبح والعصر ذهب إلى ذلك أبو بكر الأبهري (٥). (القول الحادي عشر): أنها الجماعة حكي ذلك عن الإمام أبي الحسن الماوردي (٦). (القول الثاني عشر): أنها صلاة الخوف ذكره الدمياطي (٧)، وقال: حكاه لنا من يوثق به من أهل العلم.

стр. 1048

(القول الثالث عشر): أنها الوتر وإليه ذهب أبو الحسن علي بن محمد السخاوي المقري (١). (القول الرابع عشر): أنها صلاة عيد الأضحى، ذكره ابن سيد الناس في شرح الترمذي، والدمياطي (٢). (القول الخامس عشر): أنها صلاة عيد الفطر، حكاه الدمياطي (٣). (القول السادس عشر): أنها الجمعة فقط، ذكره النووي (٤). (القول السابع عشر): أنها صلاة الضحى، رواه الدمياطي (٥) عن بعض شيوخه ثم تردد في الرواية. احتجّ أهل القول الأول بالأحاديث الصحيحة الصريحة المتفق عليها، ومنها حديث الباب (٦) وما بعده من الأحاديث المذكورة الآتية، وهو المذهب الحق الذي يتعيّن المصير إليه، ولا يرتاب في صحته من أنصف من نفسه وأطرح التقليد والعصبية، وجرَّد النظر إلى الأدلة ولم يعتذر عن أدلّة هذا القول أهل الأقوال الآخرة بشيء يعتدّ به إلا حديث عائشة: "أنها أمرت أبا يونس يكتب لها مصحفًا" الحديث سيأتي (٧)، ويأتي الجواب عن هذا الاعتذار. وأمّا اعتذار من اعتذر عنه بأن الاعتبار بالوسطى من حيث العدد فهو عذر بارد ونصب لنظر فاسد في مقابلة النصوص؛ لأن الوسطى لا يتعيّن أن تكون من حيث العدد لجواز أن تكون من حيث الفضل، على أنه لو سلم أن المراد بها

стр. 1049

الوسطى من حيث العدد لم يتعيّن بذلك غير العصر من سائر الصلوات؛ إذ لا بذ أن يتعين الابتداء ليعرف الوسط، ولا دليل على ذلك، ولو فرضنا وجود دليل يرشد إلى الابتداء لم ينتهض لمعارضة الأحاديث الصحيحة المتّفق عليها المتضمّنة لأخبار الصادق المصدوق أن الوسطى هي العصر، فكيف يليق بالمتديّن أن يعول على مسلك النظر المبني على شفا جرف هار ليتحصّل له به معرفة الصلاة الوسطى، وهذه أقوال رسول الله ﷺ تنادي ببيان ذلك. واحتجّ أهل القول الثاني بأن الظهر متوسطة بين نهاريتين وبأنها في وسط النهار، ونَصْبُ هذا الدليل في مقابلة الأحاديث الصحيحة من الغرائب التي لا تقع لمنصف ولا متيقّظ. واحتجّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ (١)، فلم يذكرها ثم أمر بها حيث قال: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٢)، وأفردها في الأمر بالمحافظة عليها بقوله [تعالى] (٣): ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٤)، وهذا الدليل أيضًا من السقوط بمحل لا يجهل، نعم، أحسن ما يحتج به لهم حديث زيد بن ثابت (٥) وأسامة بن زيد (٦)، وسيأتيان وسنذكر الجواب عليهما (٧). واحتجّ أهل القول الثالث بأن الصبح تأتي في وقت مشقة بسبب برد الشتاء وطيب النوم في الصيف والنعاس وفتور الأعضاء وغفلة الناس (٨)،

стр. 1050

ولورود الأخبار الصحيحة في تأكيد أمرها فخصت بالمحافظة عليها لكونها معرّضة للضياع بخلاف غيرها، وهذه الحجة ليست بشيء. ولكن الأولى الاحتجاج لهم بما رواه النسائي (١) عن ابن عباس قال: "أدْلَجَ رسولُ الله ﷺ ثم عَرَّسَ فلم يستيقظ حتى طلعتِ الشمسُ أو بعضُها فلم يصلِّ حتى ارتفعتِ الشمسُ فصلَّى وهي صلاةُ الوسطى، ويمكن الجواب عن ذلك من وجهين: (الأول): أن ما روي من قوله في هذا الخبر: "وهي صلاة الوسطى"، يحتمل أن يكون من المدرج (٢)، وليس من قول ابن عباس، ويحتمل أن يكون من قوله، وقد أخرج عنه أبو نعيم أنّه قال: "الصلاة الوسطى صلاة العصر" (٣)، وهذا

стр. 1051

صريح لا يتطرّق إليه من الاحتمال ما يتطرّق إلى الأوّل فلا يعارضه. (الوجه الثاني): ما تقرّر من القاعدة أن الاعتبار عند مخالفة الراوي روايته بما روى لا بما رأى، فقد روى عنه أحمد في مسنده (١) قال: "قاتل رسول الله ﷺ عدوًّا فلم يفرغ منهم حتى أخّر العصر عن وقتها، فلما رأى ذلك قال: اللهمّ من حبسنا عن الصلاة الوسطى املأ بيوتهم نارًا أو قبورهم نارًا"، وذكر أبو

стр. 1052

محمد بن الفرس في كتابه في أحكام القرآن أن ابن عباس قرأ: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر﴾ على البدل، على أن ابن عباس لم يرفع تلك المقالة إلى رسول الله ﷺ ، بل قالها من قبل نفسه، وقوله ليس بحجّة. واحتجّ أهل القول الرابع بأن المغرب سبقت عليها الظهر والعصر وتأخّرت عنها العشاء والصبح (١). واحتجّ أهل القول الخامس [بأنها العشاء] (٢) بمثل ما احتجّ به أهل القول الرابع (٣). واحتجّ أهل القول السادس بأن الجمعة قد ورد الترغيب في المحافظة عليها. قال النووي (٤): وهذا ضعيف لأن المفهوم من الإيصاء بالمحافظة عليها إنما كان لأنها معرّضة للضياع وهذا لا يليق بالجمعة، فإن الناس يحافظون عليها في العادة أكثر من غيرها لأنها تأتي في الأسبوع مرة بخلاف غيرها. واحتجّ أهل القول السابع على أنها مبهمة بما روي أن رجلًا سأل زيد بن

стр. 1053

ثابت (١) عن الصّلاة الوسطى فقال: حافظ على الصلوات تصبها فهي مخبوءة في جميع الصلوات خبء ساعة الإجابة في ساعات يوم الجمعة، وليلة القدر في ليالي شهر رمضان، والاسم الأعظم في جميع الأسماء، والكبائر في جملة الذنوب. وهذا قول صحابي ليس بحجة، ولو فرض أن له حكم الرفع لم ينتهض لمعارضة ما في الصحيحين وغيرهما. واحتجّ أهل القول الثامن بأن ذلك أبعث على المحافظة عليها أيضًا، قال النووى (٢): وهذا ضعيف أو غلط لأن العرب لا تذكر الشيء مفصّلًا ثم تجمله وإنما تذكره مجمّلًا ثم تفصله أو تفصل بعضه تنبيهًا على فضيلته. واحتجّ أهل القول التاسع بقوله ﷺ : "لو يعلمونَ ما في العشاء والصبح لأتوهما ولو حَبْوًا" (٣). وقوله: "من صلَّى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صَلَّاها مع

стр. 1054

الصبح في جماعة كان كقيام ليلة" (١)، وهذا الاستدلال مع كونه لا يثبت المطلوب معارض بما ورد في العصر وغيرها من الترغيب والترهيب. واحتجّ أهل القول العاشر بمثل ما احتجّ به للتاسع، وردّ بمثل ما رد. واحتجّ أهل القول الحادي عشر بما ورد من الترغيب في المحافظة على الجماعة، وردّ بأن ذلك لا يستلزم كونها الوسطى، وعورض بما ورد في سائر الصلوات من الفرائض وغيرها. واحتجّ أهل القول الثاني عشر بقول الله تعالى عقب قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (٢)، ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣)، وذكروا وجوهًا للاستدلال كلها مردودة. واحتجّ أهل القول الثالث عشر بأن المعطوف غير المعطوف عليه، فالصلاة الوسطى غير الصلوات الخمس، وقد وردت الأحاديث بفضل الوتر فتعيّنت، والنص الصريح الصحيح يردّه. واحتجّ أهل القول الرابع عشر بمثل ما احتجّ به للذي قبله، ورد بمثل ما رد. واحتجّ أهل القول الخامس عشر، والسادس عشر، والسابع عشر بمثل ذلك، ورد بالنص والمعارضة. إذا تقرّر لك هذا فأعلم أنه ليس في شيء من حجج هذه الأقوال ما يعارض حجج القول الأول معارضة يعتدّ بها في الظاهر إلّا ما سيأتي في الكتاب من الاحتجاج لأهل القول الثاني، وستعرف عدم صلاحيته للتمسّك به. ١٧/ ٤٣٤ - (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ [رضي الله تعالى عنه] (٤) قالَ: حَبَسَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ الله ﷺ عَنْ صَلَاةِ العَصْرِ حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ أوِ اصْفَرَّتْ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطَى صَلاةِ العَصْرِ مَلأَ الله أجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا - أوْ - حَشَا الله أجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا". رَوَاهُ

стр. 1055

أحْمَدُ (١)، ومُسْلِمٌ (٢)، وابْنُ مَاجَهْ) (٣). [صحيح] ١٨/ ٤٣٥ - (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ [رضي الله تعالى عنه] (٤) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "صَلاةُ الوُسْطَىَ صَلاةُ العَصْرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) (٥). [صحيح] ١٩/ ٤٣٦ - (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ [رضي الله تعالى عنه] (٤) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "الصَّلاةُ الوُسْطَى صَلاةُ العَصْرِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦) والتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٧). وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ (٨) أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى"، وَسَمَّاهَا لنَا أَنَّهَا صَلَاةُ العَصْرِ) [صحيح لغيره] حديث ابن مسعود الثاني حديث صحيح أخرجه مسلم (٩) وغيره. وحديث سمرة حسّنه الترمذي في كتاب الصلاة من سننه (١٠)، وصححه في التفسير (١١)، ولكنه من رواية الحسن عن سمرة. وقد اختلف في صحة سماعه منه فقال شعبة: لم يسمع منه شيئًا. وقيل: سمع منه حديث العقيقة. وقال البخاري: قال علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح، ومن أثبت مقدّم على من نفى (١٢). ورواية أحمد ذكرها الحافظ ابن سيد

стр. 1056

الناس في شرح الترمذي ولم يتكلّم عليها، وما في الصحيحين وغيرهما يشهد لها. وفي الباب عن عمر عند النسائي (١) والترمذي (٢) وقال: ليس بإسناده بأس. وعن أبي هريرة عند الطحاوي (٣) والدمياطي (٤)، وأشار إليه الترمذي (٥). وعن أبي هاشم بن عتبة عند الطحاوي (٦)، وأشار إليه الترمذي (٧) أيضًا. وهذه الأحاديث مصرّحة بأن الصلاة الوسطى صلاة العصر، فهي من حجج أهل القول الأول الذي أسلفناه، وقد تقدم تحقيق الكلام في ذلك. قوله: (عن صلاة العصر) هكذا وقع في [صحيحي] (٨) البخاري ومسلم، وظاهره أنه لم يفت غيرها (٩). وفي الموطأ (١٠): أنها الظهر والعصر. وفي الترمذي (١١) والنسائي (١٢) بإسناد لا بأس به من حديث عبد الله بن

стр. 1057

مسعود أنّه قال: "شغل المشركون رسول الله ﷺ عن أربع صَلوات يوم الخندق حتى ذهبَ من الليل ما شاء الله، فأمر بلالًا فأذّن، ثم أقام فصلّى الظهر، ثم أقام فصلّى العصر، ثم أقام فصلّى المغرب، ثم أقام فصلّى العشاء". ومثله أخرج أحمد (١). والنسائي (٢)، وأشار إليه الترمذي (٣) من حديث أبي سعيد. وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من رجّح ما في الصحيحين كابن العربي، ومنهم من جمع بين الأحاديث في ذلك بأن الخندق كانت وقعته أيامًا، فكان ذلك كلّه في أوقات مختلفة في تلك الأيام، وهذا أَوْلى من الأول لأن حديث أبي سعيد رواه الطحاوي (٤) عن المزني عن الشافعي عن ابن أبي فديك (٥)، عن ابن أبي ذئب (٦)، عن المقبري (٧)، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد (٨) الخدري عن أبيه، وهذا إسناد صحيح جليل.

стр. 1058

وأيضًا لا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع، على أن الزيادة مقبولة بالإجماع إذا وقعت غير منافية للمزيد. قوله: (حتى احمرّت الشمس أو اصفرّت)، وفي بعض روايات الصحيح: "حتى غابت". قيل: إن ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف، قال العلماء: يحتمل أنّه أخّرها نسيانًا لا عمدًا، وكان السبب في النسيان الاشتغال بالعدوّ، وكان هذا عذرًا قبل نزول صلاة الخوف على حسب الأحوال، وسيأتي البحث عن ذلك. ٢٠/ ٤٣٧ - (وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿حافظوا على الصلوات وصلاة العصر﴾، فَقَرَأنَاهَا مَا شَاءَ الله، ثُمَّ نَسَخَهَا الله [تعالى] (١) فنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٢)، فقالَ رَجُلٌ: فَهِيَ إذًا صَلَاةُ العَصْرِ، فَقَالَ: قَدْ أخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ وَكَيْف نَسَخَهَا الله، والله أعْلَمُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣) ومُسْلِمٌ) (٤). [صحيح] أخرجه مسلم (٣) من طريق شقيق بن عُقبة عن البراء وليس في صحيحه عن شقيق غير هذا الحديث. وفيه متمسك لمن قال: إن الصلاة الوسطى هي العصر بقرينة اللفظ المنسوخ وإن لم يكن صريحًا في المطلوب؛ لأنه لا يجب أن يكون معنى اللفظ الناسخ معنى اللفظ المنسوخ، وربما تمسّك به من يرى أنها غير العصر قائلًا: لو كان المراد باللفظ الناسخ معنى اللفظ المنسوخ لم يكن للنسخ فائدة؛ فالعدول إلى لفظ الوسطى ليس إلا لقصد الإبهام، ويجاب عنه بأنه أرشد إلى أن المراد بالناسخ المبهم نفس المنسوخ المعين ما في الباب من الأدلّة الصحيحة. قال المصنف (٥) ﵀ [تعالى] (١): وهو دليل على كونها العصر لأنه خصّها ونصّ عليها في الأمر بالمحافظة، ثم جاء الناسخ في التلاوة متيقّنًا وهو

стр. 1059

في المعنى مشكوك فيه فيستصحب المتيقن السابق، وهكذا جاء عن رسول الله ﷺ تعظيم أمر فواتها تخصيصًا، فروى عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله"، رواه الجماعة (١)، انتهى. قوله: "أهله وماله" روي بنصب اللامين ورفعهما، والنصب هو الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور على أنه مفعول ثان، ومن رفع فعلى ما لم يسمّ فاعله، ومعناه: انتزع منه أهلَه ومالَهُ، وهذا تفسير مالك بن أنس. وأمّا على رواية النصب فقال الخطابي (٢) وغيره: معناه نقص هو أهله وماله وسلبهم فبقي بلا أهل ولا مال، فليحذر من تفويتها كحذره من ذهاب أهله وماله. وقال أبو عمر بن عبد البر (٣): معناه عند أهل اللغة والفقه أنه كالذي يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وترًا، والوتر: الجناية التي يطلب ثأرها فيجتمع عليه غمّ المصيبة وغم مقاساة طلب الثأر. ٢١/ ٤٣٨ - (وَعَنْ أبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ [رضي الله تعالى عنهما] (٤) أنَّهُ قالَ: أمَرَتْنِي عائِشَةُ أنْ أكتُبَ لَهَا مُصْحَفًا، فقالَتْ: إذَا بَلَغْتَ هذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّي ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٥)، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا، فأمْلَتْ عَلَيَّ: ﴿حافِظُوا على الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى وصَلَاةِ العَصْرِ وَقُومُوا لله قَانِتِينَ﴾، قالَتْ عائِشَةُ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ . رَوَاهُ الجماعَةُ إلَّا البُخَارِيَّ وابْنَ مَاجَهْ) (٦). [صحيح] وفي الباب عن حفصة عند مالك في الموطأ (٧): "قال عمرو بن رافع: إنه

стр. 1060

كان يكتب لها مصحفًا فقالت له: إذا انتهيت إلى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١)، فآذنّي، فآذنتها فقالت: اكتب ﴿والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين﴾ ". استدلّ بالحديث من قال: إن الصلاة الوسطى غير صلاة العصر؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، وهو راجع إلى الخلاف الثابت في الأصول في القراءة الشاذّة هل تنزل منزلة أخبار الآحاد، فتكون حجّة كما ذهبت إليه الحنفية وغيرهم؟ أم لا تكون حجة؟ لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر كما ذهبت إلى ذلك الشافعية، والراجح الأول. وقد غلط من استدلّ من الشافعية بحديث عائشة وحفصة على أن الصلاة الوسطى ليست صلاة العصر، لما عرفت من أن مذهبهم في الأصول يأبى هذا الاستدلال، وأجيب عن الاستدلال بهذا الحديث من طرف القائلين بأنها العصر بوجهين: (الأول): أن تكون الواو زائدة في ذلك على حدّ زيادتها في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ (٣). وقوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٤). وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٥). حكي عن الخليل (٦) أنّه قال: يصدّون، والواو مقحمة زائدة.

стр. 1061

ومثله في القرآن كثير (١). ومنه قول امرئ القيس: فلمَّا أجَزْنَا ساحَةَ الحيِّ وانْتَحَى … بِنَا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ وقول الآخر: فإذَا [وذاكَ] يا كُبَيْشَةُ لم يكنْ … إلَّا كَلَفَةِ حالِمٍ بخيال الثاني: أن لا تكون زائدة وتكون من باب عطف إحدى الصفتين على الأخرى، وهما لشيء واحد نحو قوله: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ … الهُمَامِ وَلَيْثِ الكتيبةِ في المزدحمْ وقريب من قول الآخر (٢): أكُرُّ عليهم دَعْلَجًا ولَبَانةً … إذَا ما اشْتَكَى وَقْعَ الرِّماحِ تَحَمْحَمَا فعطف لبانة وهو صدره على دعلج وهو اسم فرسه، ومعلوم أن الفرس لا

стр. 1062

يكرّ إلّا ومعه صدره لما كان الصدر يلتقي به ويقع به المصادمة. وقال مكي بن أبي طالب (١) في تفسيره (٢): وليست هذه الزيادة توجب أن تكون الوسطى غير العصر لأن سيبويه (٣) حكى: مررت بأخيك وصاحبك، والصاحب هو الأخ، فكذلك الوسطى هي العصر، وإن عطفت بالواو، انتهى. وتغاير اللفظ قائم مقام تغاير المعنى في جواز العطف. ومنه قول أبي داود الإيادي: سُلِّطَ المَوْتُ والمَنُونُ عَلَيْهِمُ … فلهم في صَدَا المقابِرِ هَام وقول عدي بن زيد العبادي: وقدَّدتِ الأديمَ لراهِشَيْهِ … فألفَى قولَها كذبًا ومَيْنا

стр. 1063

وقول عنترة: حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عهدُه … أقوَى وأقفرَ بعدَ أُمِّ الهَيْثَمِ وقول الآخر: ألَا حَبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ … وهندٌ أتى مِنْ دُوبهَا النّأيُ والبعدُ وهذا التأويل لا بدّ منه لوقوع هذه القراءة المحتملة في مقابلة تلك النصوص الصحيحة الصريحة. وقد روي عن السائب بن يزيد أنه تلا هذه الآية: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر)، وهذا التأويل المذكور يجري في حديث عائشة (١) وحفصة (٢)، ويختصّ حديث حفصة بما روى يزيد بن هرون عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عمرو بن رافع قال: كان مكتوبًا في مصحف حفصة بنت عمر: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر)، ذكر هذه الرواية والرواية السابقة عن السائب ابن سيد الناس في شرح الترمذي. قال المصنف (٣) ﵀ [تعالى] (٤) بعد سياق حديث عائشة ما لفظه: وهذا يتوجه منه كون الوسطى العصر؛ لأن تسميتها في الحثّ على المحافظة دليل على تأكدها، وتكون الواو فيه زاندة كقوله: ﴿آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾ (٥)، أي ضياء، وقوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ﴾ (٦)، أي ناديناه إلى نظائرها، انتهى. ٢٢/ ٤٣٩ - (وَعَنْ زيدِ بْنِ ثابِتٍ [رضي الله تعالى عنه] (٤) قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاة أشَدَّ عَلَى أصْحَابِهِ مِنْهَا فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٧)، وَقالَ: "إنَّ قَبْلَهَا

стр. 1064

صَلَاتينِ وَبَعْدَهَا صَلَاتينِ". رَواهُ أحْمَدُ (١)، وأبُو داوُدَ) (٢). [صحيح] ٢٣/ ٤٤٠ - (وَعَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ [رضي الله تعالى عنهما] (٣) فِي الصَّلَاةِ الوُسْطَى قالَ: هِيَ الظُّهْرُ، إنَّ رَسُولَ الله ﷺ كانَ يُصَلِّي الظُهْرَ بِالهَجِيرِ وَلَا يَكُونُ وَرَاءَه إلَّا الصَّفُّ والصَّفَّانِ، والنَاسُ فِي قَائِلَتِهِمْ وَفِي تِجَارَيهِمْ، فأنْزَلَ الله [تعالى] (٣): ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٤). رَوَاهُ أحْمَدُ) (٥). [حسن لغيره] الحديث الأول سكت عنه أبو داود والمنذري، وأخرجه البخاري في التاريخ (٦) [والنسائي (٧) بإسناد رجاله ثقات] (٨). وأخرج نحو ذلك في الموطأ (٩)، والترمذي عن زيد (١٠) أيضًا. [والحديث الثاني أخرجه أيضًا النسائي (١١) وابن منيع وابن جرير (١٢) والضياء في المختارة (١٣)، ورجال إسناده في سنن النسائي ثقات] (٨). قوله: (الهجير) قال في القاموس (١٤): الهَجِيرَةُ والهَجِيرُ والهاجِرَةُ: نصفُ

стр. 1065

النهارِ عندَ زوالِ الشمسِ مع الظهرِ، أو من عندِ زوالِهَا إلى العصرِ، لأن الناسَ يسكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجَرُوا لشدّة الحر. والأثران استدلّ بهما من قال: إن الصلاة الوسطى هي الظهر، وأنت خبير بأن مجرد كون صلاة الظهر كانت شديدة على الصحابة لا يستلزم أن تكون الآية نازلة فيها، غاية ما في ذلك أن المناسب أن تكون الوسطى هي الظهر، ومثل هذا لا يعارض به تلك النصوص الصحيحة الصريحة الثابتة في الصحيحين (١) وغيرهما من طرق متعدّدة، قد قدمنا لك منها جملة نافعة. وعلى فرض أن قول هذين الصحابيين تصريح ببيان سبب النزول لا إبداء مناسبة، فلا يشكّ من له أدنى إلمام بعلوم الاستدلال أن ذلك لا ينتهض لمعارضة ما سلف على أنه يعارض المرويّ عن زيد بن ثابت، هنا ما قدمنا عنه في شرح حديث عليٌّ فراجعه (٢)، ولعلّك إذا أمعنت النظر فيما حرّرناه في هذا الباب لا تشك بعده أن الوسطى هي العصر. فكُنْ رَجُلًا رجلُهُ في الثرى … وهامةُ هِمَّتِهِ في الثُّرَيَّا قال المصنف (٣) ﵀ [تعالى] (٤) بعد أن ساق الأثرين ما لفظه: وقد احتجّ بهما من يرى تعجيل الظهر في شدّة الحرّ، انتهى. [الباب السادس] باب وقت صلاة المغرب ٢٤/ ٤٤١ - (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ [رضي الله تعالى عنه] (٤) أن رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يُصَلِّي المَغْرِبَ إذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلا النَّسَائِيَّ (٥). [صحيح]

стр. 1066

وفي الباب عن جابر عند أحمد (١). وعن زيد بن خالد عند الطبراني (٢). وعن أنس عند أحمد (٣) وأبي داود (٤). وعن رافع بن خديج عند البخاري (٥) ومسلم (٦).

стр. 1067

وعن أبي أيوب عند أحمد (١) وأبي داود (٢) والحاكم (٣). وعن أُمّ حبيبة أشار إليه الترمذي (٤). وعن العباس بن عبد المطلب عند ابن ماجه (٥)، قال الترمذي (٦): وحديث العباس قد روي موقوفًا وهو أصح. وعن أبيّ بن كعب ذكره ابن أبي حاتم في العلل (٧). وعن السائب بن يزيد عند أحمد (٨). وعن رجل من أسلم من أصحاب النبيّ ﷺ عند النسائي (٩) والبغوي في

стр. 1068

معجمه (١) قوله ﷺ : (وتوارت بالحجاب) وقع في صحيح البخاري (٢) إذا توارت بالحجاب، ولم يجر للشمس ذكر إحالة على فهم السامع، وما يعطيه قوة الكلام، وهو تفسير للجملة الأولى أعني قوله: "إذا غربت الشمس". والحديث يدلّ على أن وقت المغرب يدخل عند غروب الشمس، وهو مجمع عليه، وأن المسارعة بالصلاة في أوّل وقته مشروعة. وقد اختلف السلف فيها هل هي ذات وقت أو وقتين؟ فقال الشافعي (٣): إنه ليس لها إلّا وقت واحد، وهو أول الوقت، هذا هو الذي نصّ عليه في كتبه القديمة والجديدة، ونقل عنه أبو ثور (٤) أن لها وقتين، الثاني منهما ينتهي إلى مغيب الشفق، قال الزعفراني: وأنكر هذا القول جمهور الأصحاب، ثم اختلف أصحاب الشافعي في المسألة على طريقين. أحدهما: القطع بأن لها وقتًا فقط. والثاني: على قولين، أحدهما هذا، والثاني يمتدّ إلى مغيب الشفق، وله أن يبدأ بالصلاة في كل وقت من هذا الزمان. قال النووي (٥): وهو الصحيح، وقد نقل أبو عيسى الترمذي (٦) عن العلماء كافّة من الصحابة فمن بعدهم كراهة تأخير المغرب، وتمسّك القائل

стр. 1069

بأن لها وقتًا واحدًا بحديث جبريل (١) السابق، وقد ذكرنا كيفية الجمع بينه وبين الأحاديث القاضية بأن للمغرب وقتين في باب أوّل وقت العصر. وقد اختلف العلماء بعد اتّفاقهم على أن أول وقت المغرب غروب الشمس في العلامة التي يعرف بها الغروب، فقيل: بسقوط قرص الشمس بكماله، وهذا إنما يتمّ في الصحراء، وأمّا في العمران فلا. وقيل: برؤية الكوكب الليلي، وبه قالت القاسمية (٢)، واحتجّوا بقوله: "حتى يطلع الشاهد"، والشاهد: النجم، أخرجه مسلم (٣) والنسائي (٤) من حديث أبي بصرة. وقيل: بل بالإظلام، وإليه ذهب زيد بن عليّ وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن عيسى وعبد الله بن موسى والإمام يحيى (٥) لحديث: "إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، فقد أفطر الصائم"، متّفق عليه من حديث ابن عمر (٦) وعبد الله بن أبي أوفى (٧). ولما في حديث جبريل (٨) من رواية ابن عباس بلفظ: "فصلّى بي حين وجبت الشمس وأفطر الصائم" ولحديث الباب وغير ذلك. وأجاب صاحب البحر (٩) عن هذه الأدلّة بأنها مطلقة، وحديث: "حتى يطلع الشاهد" (١٠) مقيّد، وردّ بأنه ليس من المطلق والمقيد، وغايته أن يكون طلوع الشاهد أحد أمارات غروب الشمس، على أنه قد قيل: إن قوله: والشاهد النجم" مدرج، فإن صح ذلك لم يبعد أن يكون المراد بالشاهد ظلمة الليل، ويؤيّد ذلك:

стр. 1070

حديث السائب بن يزيد عند أحمد (١) والطبراني (٢) مرفوعًا بلفظ: "لا تزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل طلوع النجم". وحديث أبي أيوب (٣) مرفوعًا: "بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم". وحديث أنس (٤) ورافع بن خديج (٥) قال: "كنّا نصلّي مع النبيّ ﷺ ثم نرمي فيرى أحدنا موقع نبله". وأمّا آخر وقت المغرب، فذهب الهادي والقاسم (٦) وأحمد بن حنبل وإسحق وأبو ثور وداود إلى أن آخره ذهاب الشفق الأحمر، لحديث جبريل (٧)، وحديث ابن عمرو بن العاص (٨)، وقد مرّا. وقال مالك وأبو حنيفة: إنه ممتدّ إلى الفجر، وهو أحد قولَيْ الناصر، وقد سبق ذكر ما ذهب إليه الشافعي. ٢٥/ ٤٤٢ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ [رضي الله تعالى عنه] (٩) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ أوْ عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا المَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١٠) وَأَبُو دَاوُدَ) (١١). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا الحاكم في المستدرك (١٢)، وفي إسناده محمد بن إسحق، ولكنه صرّح بالتحديث.

стр. 1071

وفي الباب عن العباس بن عبد المطلب عند ابن ماجه (١)، والحاكم (٢) وابن خزيمة (٣) في صحيحه بلفظ: "لا تزالُ أمّتي على الفِطرةِ ما لم يؤخِّروا المغربَ حتى تشتبِكَ النجومُ". قال محمد بن يحيى (٤): "اضطَّربَ الناسُ في هذا الحديثِ ببغدادَ، فذهبتُ أنا وأبو بكر الأعْيَنُ (٥) إلى العوَّامِ بن عبَّاد بن العوامِ (٦)، فأخرجَ إلينا أصلَ أبيه، فإذا الحديثُ فيه". وأخرجه أبو بكر البزار من حديث إبراهيم بن موسى عن عباد بن العوام بسنده، ثم قال: لا يعلمه يروى - يعني عن العباس - إلَّا من هذا الوجه، ورواه غير واحد عن عمر بن إبراهيم عن قتادة عن الحسن مرسلًا (٧). قال الترمذي (٨): وحديث العباس قد روي عنه موقوفًا وهو أصح. قال ابن سيد الناس: ومراد البزار بالمرسل هنا الموقوف؛ لأنه متّصل الإسناد إلى العباس، وذكر الخلال بعد إيراد هذا الحديث أنّه قال أبو عبد الله: هذا حديث منكر. والحديث يدلّ على استحباب المبادرة بصلاة المغرب وكراهة تأخيرها إلى اشتباك النجوم.

стр. 1072

وقد عكست الروافض القضية فجعلت تأخير صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم، مستحبًا والحديث يرده. قال النووي في شرح مسلم (١): إن تعجيل المغرب عقب غروب الشمس مجمع عليه، قال: وقد حكي عن الشيعة فيه شيء لا التفات إليه ولا أصل له. وأمّا الأحاديث الواردة في تأخير المغرب إلى [قريب] (٢) سقوط الشفق فكانت لبيان جواز التأخير، وقد سبق إيضاح ذلك لأنها كانت جوابًا للسائل عن الوقت، وأحاديث التعجيل المذكورة في هذا الباب وغيره إخبار عن عادة رسول الله ﷺ المتكرّرة التي واظب عليها إلّا لعذر فالاعتماد عليها. ٢٦/ ٤٤٣ - (وَعَنْ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ قالَ: قالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: ما لَكَ تَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ، وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِيهَا بِطُوَلى الطُّولَيَيْنِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣) وأحْمَدُ (٤) والنَّسَائِيُّ (٥)، وزَادَ عَنْ عُرْوَةَ طُولَي الطُّولَيَيْنِ الأعْرَافِ، وَللْنَّسَائِيِّ (٦): رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِيهَا بِطُوَلى الطُّولَيَيْنِ والمص). [صحيح] قوله: (بقصار المفصّل) قال في الضياء: هو من سورة محمد إلى آخر القرآن، وذكر في القاموس (٧) أقوالًا عشرة من (الحُجراتِ) إلى آخِرِهِ، قال في الأصحِّ (٨) أو

стр. 1073

من (الجاثية) أو (القتال) أو (قاف) (١) أو (الصافات) أو (الصف) أو (تبارك) (٢) أو (إنا فتحنا لك) (٣) أو (سبحِ اسمَ ربك) (٤) أو (الضحى) (٥). ونسب بعض هذه الأقوال إلى من قال بها. قال: وسمّيَ مفصلًا لكثرة الفصول بين سورِهِ، أو لقلَّةِ المنسوخ. قوله: (بطولى الطوليين) في الفتح (٦): الطوليين: الأعراف والأنعام في قول، وتسميتهما بالطوليين إنما هو لعرف فيهما، لا أنهما أطول من غيرهما، وفسّرهما ابن أبي مليكة بالأعراف والمائدة، والأعراف أطول من صاحبتها، قال الحافظ (٧): إنه حصل الاتفاق على تفسير الطولى بالأعراف. والحديث يدلّ على استحباب التطويل في قراءة المغرب، وقد اختلفت حالات النبيّ ﷺ فيها فثبت عند الشيخين (٨) من حديث جبير بن مطعم أنّه قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، وثبت أنه قرأ في المغرب بالصافّات، وأنه قرأ فيها بحم الدخان، وأنه قرأ بسبح اسم ربك الأعلى، وأنه قرأ بالتين والزيتون، وأنه قرأ بالمعوّذتين، وأنه قرأ بالمرسلات، وأنه قرأ بقصار المفصل".

стр. 1074

وسيأتي تحقيق ذلك في باب جامع القراءة في الصلاة (١) إن شاء الله تعالى. والمصنف (٢) [رحمه الله تعالى] (٣) ساق الحديث هنا للاستدلال به على امتداد وقت المغرب، ولهذا قال: وقد سبق بيان امتداد وقتها إلى غروب الشفق في عدّة أحاديث، انتهى. وكذلك استدلّ الخطابي (٤) وغيره بهذا الحديث على امتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق. قال الحافظ (٥): وفيه نظر؛ لأن من قال إن لها وقتًا واحدًا لم يحده بقراءة معينة، بل قالوا: لا يجوز تأخيرها عن أوّل غروب الشمس، وله أن يمدّ القراءة فيها، ولو غاب الشفق، ثم قال (٦): ولا يخفى ما فيه لأن تعمد إخراج بعض الصلاة عن الوقت ممنوع، ولو أجزأت، فلا يحمل ما ثبت عن النبيّ ﷺ على ذلك. [الباب السابع] باب تقديم العَشاء إذا حضر على تعجيل صلاة المغرب ٢٧/ ٤٤٤ - (عَنْ أنَسٍ [رضي الله تعالى عنه] (٣) أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "إذَا قُدِّمَ العَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ، وَلَا تَعَجَّلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ") (٧). [صحيح] ٢٨/ ٤٤٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ وَحَضَرَ العَشَاءَ فَأبْدَءُوا بِالْعَشَاءِ") (٨). [صحيح] ٢٩/ ٤٤٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنهما] (٣) قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةِ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ وَلَا تَعْجَلْ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْهُ" (٩) [صحيح]

стр. 1075

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ. وَللْبُخَارِيِّ (١) وأبِي دَاوُدَ (٢): وكانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وتُقامُ الصَّلَاةُ فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإمَامِ"). [صحيح] قوله: (حضر العشاء)، قال في القاموس (٣): هو طعام العشي وهو ممدود كسماء. قوله: (فابدءوا بالعشاء) أي بأكله. الحديث الأول يدلّ على وجوب تقديم العَشاء على صلاة المغرب إن حضر. والحديثان الآخران يدلّان على وجوب تقديم العَشاء إذا حضر على المغرب وغيرها، لما يشعر به تعريف الصلاة من العموم. وقال ابن دقيق العيد (٤): الألف واللام في الصلاة لا ينبغي أن يحمل على الاستغراق ولا على تعريف الماهية، بل ينبغي أن يحمل على المغرب بما ورد في بعض الروايات: "إذا وضع العشاء وأحدكم صائم فابدءوا به قبل أن تصلّوا"، وهو صحيح (٥). وكذلك صح (٦) أيضًا: "فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب"، انتهى. وأنت خبير بأن التنصيص على المغرب لا يقتضي تخصيص عموم الصلاة لما تقرّر في الأصول من أن موافق العام لا يخصّص به، فلا يصلح جعله قرينة لحمل اللام على ما لا عموم فيه ولو سلم عدم العموم لم يسلم عدم الإطلاق، وقد تقرّر أيضًا في الأصول أن موافق المطلق لا يقتضي التقييد، ولو سلمنا ما ذكره باعتبار أحاديث الباب لتأييده بأن لفظ العشاء يخرج صلاة النهار، وذلك

стр. 1076

مانع من حمل اللام على العموم لم يتم له باعتبار حديث: "لا صلاة بحضرة طعام"، عند مسلم (١) وغيره (٢). ولفظ صلاة نكرة في سياق النفي، ولا شك أنها من صيغ العموم. ولإطلاق الطعام وعدم تقييده بالعشاء فذكر المغرب من التنصيص على بعض أفراد العام، وليس بتخصيص على أن العلّة التي ذكرها شرّاح الحديث للأمر بتقديم العشاء كالنووي (٣) وغيره مقتضية لعدم الاختصاص ببعض الصلوات، فإنهم قالوا: إنها اشتغال القلب بالطعام وذهاب كمال الخشوع في الصلاة عند حضوره، والصلوات متساوية الأقدام في هذا. وظاهر الأحاديث أنه يقدم العَشاء مطلقًا سواء كان محتاجًا إليه أم لا، وسواء كان خفيفًا أم لا، وسواء خشي فساد الطعام أو لا، وخالف الغزالي (٤) فزاد: قيد خشية فساد الطعام، والشافعية فزادوا قيد الاحتياج، ومالك فزاد قيد أن يكون الطعام خفيفًا. وقد ذهب إلى الأخذ بظاهر الأحاديث ابن حزم (٥) والظاهرية، ورواه الترمذي (٦) عن أبي بكر وعمر وابن عمر وأحمد وإسحق. ورواه العراقي عن الثوري فقال: يجب تقديم الطعام، وجزموا ببطلان الصلاة إذا قدمت. وذهب الجمهور إلى الكراهة، وظاهر الأحاديث أيضًا أنه يقدم الطعام وإن خشي خروج الوقت وإليه ذهب ابن حزم (٥)، وذكره أبو سعيد المتولي (٧) وجهًا لبعض الشافعية (٨). وذهب الجمهور إلى أنه إذا ضاق الوقت صلّى على حاله

стр. 1077

محافظة على الوقت ولا يجوز تأخيرها، قالوا: لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا تفوته لأجله، وظاهر قوله: "ولا تعجل حتى [تفرغ] (١) "أنه يستوفي حاجته من الطعام بكمالها، وهو يرد ما ذكره بعض الشافعية من أنه يقتصر على تناول لقمات يكسر بها سَورة الجوع. قال النووي (٢): وهذا الحديث صريح في إبطاله. وقد استدلّ بالأحاديث المذكورة على أن الجماعة ليست بواجبة. قال ابن دقيق العيد (٣): وهذا صحيح إن أريد به أن حضور الطعام مع التشوّف إليه عذر في ترك الجماعة، وإن أريد به الاستدلال على أنها ليست بفرض من غير عذر لم يصح ذلك، انتهى. ويؤيّده أن ابن حبان وهو من القائلين بوجوب الجماعة جعل حضور الطعام عذرًا في تركها. وقد استدلّ أيضًا بهذه الأحاديث على التوسعة في وقت المغرب، وقد تقدم الكلام في ذلك، وقد ألحق بالطعام ما يحصل بتأخيره تشويش الخاطر بجامع ذهاب الخشوع الذي هو روح الصلاة. وقوله: (إذا حضر العَشاء ووضع عَشاء أحدكم)، دليل على اعتبار الحضور الحقيقي. ومن نظر إلى المعنى من أهل القياس لا يقصر الحكم على الحضور بل يقول به عند وجود المعنى وهو التشوّف إلى الطعام، ولا شكّ أن حضور الطعام مؤثر لزيادة الاشتغال به، والتطلّع إليه، ويمكن أن يكون الشارع قد اعتبر هذه الزيادة في تقديم الطعام، وقد تقرّر في الأصول أن محل النص إذا اشتمل على وصف يمكن أن يكون معتبرًا لم يلغ. قال ابن دقيق العيد (٤): إنه لا يبعد إلحاق ما كان متيسّر الحضور عن قرب بالحاضر.

стр. 1078

[الباب الثامن] باب جواز الركعتين قبل المغرب ٣٠/ ٤٤٧ - (عَنْ أنَسٍ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: كانَ المُؤَذِّنُ إذا أذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ كَذلِكَ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: إلا قَلِيلٌ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَالْبُخَارِيُّ (٣). [صحيح] وَفِي لَفْظٍ: كُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ، فَقِيلَ لَهُ: أكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَّاهُمَا؟ قالَ: كانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا. رَوَاهُ مُسْلمٌ (٤) وَأَبُو دَاوُدَ) (٥). [صحيح] تقريره ﷺ لمن رآه يصلّي في ذلك الوقت يدلّ على عدم كراهة الصلاة فيه، ولا سيما والفاعل لذلك عدد كثير من الصحابة. وفي المسألة مذهبان للسلف استحبّهما جماعة من الصحابة والتابعين، ومن المتأخّرين أحمد (٦) وإسحق، ولم يستحبهما الأربعة الخلفاء ﵃، وآخرون من الصحابة ومالك (٧) وأكثر الفقهاء. وقال النخعي (٨): هما بدعة. احتجّ من قال بالاستحباب بما في هذا الباب من الأحاديث الصحيحة، وبما أخرجه ابن حبان (٩) من حديث عبد الله بن مغفل: "أن النبيّ ﷺ

стр. 1079

صلّى قبل المغرب ركعتين"، فقد ثبتتا عنه ﷺ قولًا - كما سيأتي - وفعلًا وتقريرًا. واحتجّ من قال بالكراهة بحديث عقبة بن عامر (١) الذي قد مرّ ذكره في باب وقت صلاة المغرب، وهو يدلّ على شرعية تعجيلها، وفعلهما يؤدّي إلى تأخير المغرب. والحقّ أن الأحاديث الواردة بشرعية الركعتين قبل المغرب مخصّصة لعموم أدلّة استحباب التعجيل. قال النووي (٢): وأمّا قولهم يؤدّي إلى تأخير المغرب فهذا خيال منابذ للسنّة ولا يلتفت إليه، ومع هذا فهو زمن يسير لا تتأخّر به الصلاة عن أوّل وقتها. وأمّا من زعم النسخ فهو مجازف لأن النسخ لا يصار إليه إلّا إذا عجزنا عن التأويل والجمع بين الأحاديث وعلمنا التاريخ، وليس هنا شيء من ذلك، انتهى. وهذا الاستحباب ما لم تقم الصلاة كسائر النوافل؛ لحديث: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة" (٣). واعلمْ أنَّ التعليل للكراهة بتأدية الركعتين إلى تأخير المغرب مشعر بأنه لا خلاف في أنه يستحب لمن كان في المسجد في ذلك الوقت منتظرًا لقيام الجماعة، وكان فعله للركعتين لا يؤثر في التأخير كما يقع من الانتظار بعد الأذان للمؤذن حتى ينزل من المنارة، ولا ريب أن ترك هذه السنة في ذلك الوقت الذي لا اشتغال فيه بصلاة المغرب ولا بشيء من شروطها مع عدم تأثير فعلها للتأخير من الاستحواذات الشيطانية التي لم يَنْجُ منها إلا القليل.
следующие страницы →