← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 970–1009 · переход к 975.

стр. 970

والجواب: أنه يمكن الجمع بين حديث عائشة وابن عباس فلا تعارض، وذلك بأن يقال إن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة إلا الصبح كما روى ابن خزيمة (١) وابن حبان (٢) والبيهقي (٣) عن عائشة، قالت: "فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة واطمأن، زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار"، انتهى. ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية السابقة. ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الأثير في شرح المسند (٤): إن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة وهو مأخوذ مما ذكره غيره أن نزول آية الخوف كان فيها. وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية ذكره الدولابي، وأورده السهيلي بلفظ: بعد الهجرة بعام أو نحوه. وقيل: بعد الهجرة بأربعين يومًا، فعلى هذا المراد بقول عائشة: "فأقرت صلاة السفر"، أي باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف. والمصنف ساق الحديث للاستدلال به على فرضية الصلاة لا أنها استمرّت

стр. 971

منذ فرضت فلا يلزم من ذلك أن القصر عزيمة، ولعلّه يأتي تحقيق ما هو الحق في باب صلاة السفر (١) إن شاء الله تعالى. ٤/ ٣٩٥ - (وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله [رضي الله تعالى عنه] (٢): "أن أعْرَابِيًا جاءَ إلى رَسُولِ الله ﷺ ثَائِرَ الرَّأسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أخبِرْنِي مَا فَرَضَ الله عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: "الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ إلا أَنْ تَطوَّعَ شَيئًا"، قالَ: أخْبِرْنِي مَا فَرَضَ الله عَلَى مِنَ الصِّيَامِ؟ قَالَ: "شَهْرُ رَمَضَانَ إلَّا أَنْ تَطوَّعَ شَيئًا"، قالَ: أخْبِرْنِي مَا فَرَضَ الله عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ قالَ: فأخْبَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ بِشَرَائِعِ الإسْلَامِ كُلِّهَا، فَقَالَ: وَالَّذِي أكْرَمَكَ لا أطَّوَّعُ شَيْئًا وَلا أنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ الله عَلَيَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أفْلَحَ إنْ صَدَقَ"، أوْ "دَخَلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا أبو داود (٤)، والنسائي (٥)، ومالك في الموطأ (٦)، وغير هؤلاء (٧). قوله: (أن أعرابيًا) [و] (٢) في رواية: جاء رجل "زاد أبو داود (٨): من أهل نجد"، وكذا في مسلم (٩) والموطأ (١٠). قوله: (ثائر الرأس) هو مرفوع على الوصف على رواية "جاء رجل"، ويجوز نصبه على الحال، والمراد أن شعره متفرق من ترك الرفاهية، ففيه إشارة إلى قرب عهده بالوفادة، وأوقع اسم الرأس على الشعر إما مبالغة، أو لأن الشعر منه ينبت. قوله: (إلا أن تطَّوّع) بتشديد الطاء والواو، وأصله تتطوّع بتاءين فأدغمت إحداهما، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما. قوله: (والذي أكرمك)، وفي رواية إسماعيل بن جَعْفَر عند البخاري (١١): "والله".

стр. 972

قوله: (أفلح إن صدق) وقع عند مسلم (١) من رواية إسماعيل بن جعفر: "أفلحَ وأبيهِ إنْ صدقَ"، أو "دخلَ الجنَّةَ وأبيهِ إنْ صدقَ"، ولأبي داود (٢) مثله. فإن قيل: ما الجامع بين هذا وبين النهي عن الحلف بالآباء؟ أجيب عن ذلك بأنه كان قبل النهي، أو بأنها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف، أو فيه إضمار اسم الرب كأنه قال: ورب أبيه، أو أنه خاص ويحتاج إلى دليل. وحكى السهيلي عن بعض مشايخه أنّه قال: هو تصحيف، وإنما كان والله فقصرت اللّامان، واستنكره القرطبي، وغفل القرافي فادّعى أن الرواية بلفظ "وأبيه" لم تصح (٣)، وكأنه لم يرتض الجواب فعدل إلى ردّ الخبر وهو صحيح لا مرية فيه. قال الحافظ (٤): وأقوى الأجوبة الأولان. والحديث يدلّ على فرضية الصلاة وما ذكر معها على العباد. قال المصنف (٥) ﵀: وفيه مستدل لمن لم يوجب صلاة الوتر ولا صلاة العيد، انتهى. وقد أوجب قوم الوتر، وآخرون ركعتي الفجر، وآخرون صلاة الضحى، وآخرون صلاة العيد، وآخرون ركعتي المغرب، وآخرون صلاة التحية، ومنهم من لم يوجب شيئًا من ذلك وجعل هذا الحديث صارفًا لما ورد بعده من الأدلة المشعرة بالوجوب. وفي الحديث أيضًا دليل على عدم وجوب صوم عاشوراء وهو إجماع (٦).

стр. 973

وأنَّه ليس في المال حقّ سوى الزكاة (١)، وفيه غير ذلك. وفي جعل هذا الحديث دليلًا على عدم وجوب ما ذكر نظر عندي؛ لأن ما وقع في مبادي التعاليم لا يصح التعلّق به في صرف ما ورد بعده وإلا لزم قصر واجبات الشريعة بأسرها على الخمس المذكورة، وإنه خرق للإجماع وإبطال لجمهور الشريعة، فالحق أنه يؤخذ بالدليل المتأخّر إذا ورد موردًا صحيحًا ويعمل بما يقتضيه من وجوب أو ندب أو نحوهما، وفي المسألة خلاف، وهذا أرجح القولين. والبحث مما ينبغي لطالب الحقّ أن يمعن النظر فيه ويطيل التدبّر، فإن معرفة الحقّ فيه من أهم المطالب العلمية لما ينبني عليه من المسائل البالغة إلى حدّ يقصر عنه العد. وقد أعان الله وله الحمد، على جمع رسالة في خصوص هذا المبحث، وقد أشرت إلى هذه القاعدة في عدة مباحث في غير هذا الباب، وهذا موضع عرض ذكرها فيه. [الباب الثاني] باب قتل تارك الصلاة ٥/ ٣٩٦ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنهما] (٢) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ التَاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لَا إله إلا الله وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقّ الإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح]

стр. 974

وَلِأَحْمَدَ (١) مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ) [صحيح] قوله: (أُمرت)، قال الخطابي (٢): معلوم أن المراد بقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" أهل الأوثان دون أهل الكتاب - لأنهم يقولون: لا إله إلا الله - ويُقَاتَلُون، ولا يُرفع عنهم السيف، وهذا التخصيص بأهل الأوثان إنما يحتاج إليه في الحديث الذي اقتصر فيه على ذكر الشهادة، وجعلت لمجردها موجبة للعصمة. وأمّا حديث الباب فلا يحتاج إلى ذلك لأن العصمة متوقفة على كمال تلك الأمور، ولا يمكن وجودها جميعًا من غير مسلم.

стр. 975

والحديث يدلّ على أن من أخلّ بواحدة منها فهو حلال الدم والمال إذا لم يتب، وسيأتي ذكر الخلاف وبيان ما هو الحق في الباب الذي بعد هذا (١). وفي الاستتابة وصفتها ومدتها خلاف معروف في الفقه (٢). قوله: (إلا بحق الإسلام)، المراد ما وجب به في شرائع الإسلام إراقة الدم كالقصاص وزنا المحصن ونحو ذلك، أو حل به أخذ جزء من المال كأروش الجنايات وقيم المتلفات وما وجب من النفقات وما أشبه ذلك. قوله: (وحسابهم على الله)، المراد فيما يستسرّ به ويخفيه دون ما يعلنه ويبديه. وفيه أن من أظهر الإسلام وأسرّ الكفر يقبل إسلامه في الظاهر، وهذا قول أكثر العلماء. وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل، ويحكى ذلك عن أحمد بن حنبل، قاله الخطابي (٣). وذكر القاضي عياض معنى هذا، وزاد عليه وأوضحه. قال النووي (٤): "وقد اختلف أصحابنا في قبول توبةِ الزنديق وهو الذي ينكر الشرع جملة، قال: فذكروا فيه خمسة أوجه لأصحابنا، والأصوب فيها قبولها مطلقًا للأحاديث الصحيحة المطلقة؛ والثاني: لا تقبل ويتحتم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك في الدار الآخرة فكان من أهل الجنّة. والثالث: إن تاب مرة واحدة قبلت توبته، فإن تكرر ذلك منه لم تقبل. والرابع: إن أسلم ابتداء من غير طلب قبل منه، وإن كان تحت السيف فلا. والخامس: إن كان داعيًا إلى الضلال لم يقبل منه وإلا قبل". قال النووي (٥) أيضًا: ولا بدّ مع هذا: يعني القيام بالأمور المذكورة في الحديث من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله ﷺ ، كما جاء في الرواية

стр. 976

الأخرى التي أشار إليها المصنف [رحمه الله تعالى] (١) وهي من حديث أبي هريرة في صحيح مسلم (٢) بلفظ: "حتَّى يَشْهَدُوا أن لا إله إلا الله، ويُؤمنوا بي وبما جئتُ به، فإذا فعَلُوا ذلك عَصَمُوا منِّي دماءَهم وأموالَهُمْ إلَّا بحقها". ٦/ ٣٩٧ - (وعَنْ أنَسِ بْنِ مالكٍ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ ارْتَدَّتِ العَرَبُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا أبا بَكْرٍ كَيْفَ نُقَاتِلُ العَرَبَ؟ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّما قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتى يَشْهَدُوا أنْ لا إله إلَّا الله وأني رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزكاةَ"، رَوَاهُ النَّسائيّ) (٣). [صحيح لغيره]. الحديث أخرجه أيضًا البيهقي في السنن (٤) [وإسناده في سنن النَّسَائِي هكذا: أخبرنا محمد بن بشَّار، حدَّثنا عمرو بنُ عاصم، حدَّثنا عِمْرانُ أبو العوَّامِ، حدَّثنا مَعْمَرٌ عن الزهريِّ عن أنس فذكره، وكلهم من رجال الصحيح إلا عِمْران أبو العوَّام فإنه صدوق يَهِم (٥). ولكن قد ثبت] (٦) معناه في الصحيحين (٧) لكن بدون أنه قال ذلك أبو بكر في مراجعته لعمر، بل الذي فيهما أن عمر احتج على أبي بكر لما عزم على قتال أهل الردَّة بقول النبيّ ﷺ : "أُمرتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حتى يقولُوا لا إله إلَّا اللَّهُ،

стр. 977

فمَنْ قالَ لا إله إلا الله فقَدْ عَصَمَ نفسه وماله، فقال له أبو بكر: واللَّهِ لأقاتلنَّ من فرَّق بينَ الصلاةِ والزكاةِ، فإنَّ الزكاةَ حق المالِ، واللَّهِ لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه". قال النووي (١): "وفي استدلال أبي بكر واعتراض عمر ﵄ دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله ﷺ ما رواه ابن عمر (٢) وأنس (٣) وأبو هريرة (٤) [رضي الله تعالى عنهم] (٥) - يعني من الأحاديث التي فيها ذكر الصلاة والزكاة - فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف ولما كان احتجّ بالحديث، فإنّه بهذه الزيادة حجّة عليه، ولو سمع أبو بكر هذه الزيادة لاحتجّ بها ولما احتجّ بالقياس والعموم"، انتهى. وإنما ذكرنا هذا الكلام للتعريف بأن المشهور عند أهل الصحيح والشارحين له خلاف ما ذكره النَّسَائِي في هذه الرواية. وسيأتي الكلام على مراجعة أبي بكر وعمر مبسوطًا في كتاب الزكاة (٦). والحديث يدلّ على ما دلّ عليه الذي قبله من أن المخل بواحدة من هذه الخصال حلال الدم ومباح المال. ٧/ ٣٩٨ - (وَعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ [رضي الله تعالى عنه] (٥) قالَ: بَعَثَ عَلِيُّ [رضي الله تعالى عنه] (٥) وَهُوَ بِالْيَمَنِ إلى النَّبِيِّ ﷺ بذُهَيْبَةٍ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، اتَّقِ الله، فَقالَ: "وَيْلَكْ أوَ لَسْتُ أحَقَّ أهْلِ الأرْضِ أنْ يَتَّقِيَ الله"، ثُمَّ وَلَى الرَّجُلُ، فَقالَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ: يا رَسُولَ الله ألا أضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فقالَ: "لا لَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ يُصَلِّي"، فَقالَ خالِدٌ: وكَمْ مِنْ مُصَلّ يَقُولُ بِلِسانِهِ ما لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنّي لَمْ أُومَرْ أنْ أنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلا أشُقَّ بُطُونَهُمْ"، مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٧). [صحيح]

стр. 978

الحديث اختصره المصنف [رحمه الله تعالى] (١) وترك أطرافًا من أوائله، وتمامه: قال: "ثم نظر إليه وهو مقف فقال: إنه يخرج من ضِئْضِئي هذا قوم يتلون كتاب الله لينًا رطبًا لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود" انتهى. قوله: (بذُهيبة) على التصغير، وفي رواية: "بذَهبة" بفتح الذّال. قوله: (بين أربعة) هم عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل، كذا في صحيح مسلم (٢). قال النووي (٣): "قال العلماء: ذكر عامر هنا غلط ظاهر لأنَّه توفي قبل هذا بسنين، والصواب الجزم بأنه علقمة بن علاثة كما هو مجزوم به، في باقي الروايات". قوله: (فقال خالد بن الوليد) [و] (١) في رواية عمر بن الخطاب وليس بينهما تعارض بل كل واحد منهما استأذن فيه. قوله: (لعله أن يكون يصلي) فيه أن الصلاة موجبة لحقن الدم، ولكن مع بقية الأمور المذكورة في الأحاديث الآخرة. قوله: (لم أومر أن أنقب الخ) معناه: إني أُمرت بالحكم بالظاهر والله متولّي السرائر كما قال ﷺ : "فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" (٤). والحديث استدلّ به على كفر الخوارج (٥) لأنهم المرادون بقوله في آخره:

стр. 979

"قوم يتلون كتاب الله"، كما صرّح بذلك شراح الحديث وغيرهم. وقد اختلف الناس في ذلك. قال النووي (١) بعد أن صرّح هو والخطابي بأن الحديث وأمثاله يدل على كفر الخوارج، وقد كادت هذه المسألة تكون أشد إشكالًا من سائر المسائل، ولقد رأيت أبا المعالي (٢) وقد رغب إليه الفقيه عبد الحق (٣) في الكلام عليها، فاعتذر بأن الغلط فيها يصعب موقعه؛ لأن إدخال كافر في الملّة وإخراج مسلم منها عظيم في الدين. وقد اضطرب فيها قول القاضي أبي بكر الباقلاني (٤)، وناهيك به في علم

стр. 980

الأصول، وأشار ابن الباقلاني إلى أنها من المعوصات، لأن القوم لم يصرّحوا بالتكفير، وإنما قالوا أقوالًا تؤدي إلى ذلك (١). وأنا أكشف لك نكتة الخلاف وسبب الإشكال، وذلك أن المعتزلي مثلًا إذا قال إن الله تعالى عالم ولكن لا علم له، وحيّ ولا حياة له، وقع الاشتباه في تكفيره، لأنا علمنا من دين الأمة ضرورة أن من قال إن الله ليس بحي ولا عالم كان كافرًا، وقامت الحجة على استحالة كون العالم لا علم له، فهل يقول إن المعتزلي إذا نفى العلم نفى أن يكون الله عالمًا، أو يقول قد اعترف بأن الله تعالى عالم فلا يكون نفيه للعلم نفيًا للعالم هذا موضع الإشكال، قال: هذا كلام الماوردي ومذهب الشافعي وجماهير أصحابه وجماهير العلماء أن الخوارج (٢) لا يكفرون. قال الشافعي (٣): أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، وهم طائفة من الرافضة يشهدون لموافقيهم في المذهب بمجرد قولهم، فرد شهادتهم لهذا لا لبدعتهم.

стр. 981

وسيأتي الكلام على الخوارج مبسوطًا في كتاب الحدود (١). وقد استدلّ المصنف [حمه الله تعالى] (٢) (٣) بالحديث على قبول توبة الزنديق، فقال: وفيه مستدلّ لمن يقبل توبة الزنديق، انتهى. وقد تقدم الكلام على ذلك، وما ذكره متوقف على أن مجرد قوله لرسول الله [ ﷺ ] (٤): اتفق الله، زندقة، وهو خلاف ما عرف به العلماء الزنديق (٥). وقد ثبت في رواية أخرى في الصحيح أنّه قال: والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أُريد فيها وجه الله، والاستدلال بمثل هذا على ما زعمه المصنف [رحمه الله تعالى] (٢) أظهر. قال القاضي عياض (٦): حكم الشرع أن من سبّ النبي ﷺ كفر وقتل، ولم يذكر في هذا الحديث أن هذا الرجل قتل. قال المازري (٧): يحتمل أن يكون لم يفهم منه الطعن في النبوّة وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، ويحتمل أن يكون استدلال المصنف ناظرًا إلى قوله في الحديث: "لعله يصلي"، وإلى قوله: "لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس"، فإن ذلك يدل على قبول ظاهر التوبة وعصمة من يصلي، فإذا كان الزنديق قد أظهر التوبة وفعل أفعال الإسلام كان معصوم الدم. ٨/ ٣٩٩ - (وَعَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَدِيّ بْنِ الخِيارِ [رضي الله تعالى عنه] (٢) أن رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ حدَّثَهُ أنَّه أتى رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ في مَجْلِسٍ يُسَارُّهُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ - مِنَ المُنَافِقِينَ، فَجَهَرَ رَسُولُ الله ﷺ فقالَ: "ألَيسَ يَشْهَدُ أنْ لَا إله إلَّا الله"؟ قالَ الأنْصاريُّ: بَلَى يَا رَسُولَ الله ولا شَهَادَةَ لَهُ، قال: "أَلَيسَ يَشْهَدُ أن مُحَمَّدًا رَسُولُ الله"؟

стр. 982

قالَ: بَلَى وَلَا شَهَادَةَ لَهُ، قالَ: "أَلَيْسَ يُصَلِّي"؟ قالَ: بَلَى وَلَا صَلَاةَ لَهُ، قال: "أُولئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي الله عَنْ قَتْلِهِمْ"، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (١) وأحْمَدُ (٢) في مُسْنَدَيْهِمَا). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا مالك في الموطأ (٣). وفيه دلالة على أن الواجب المعاملة للناس بما يعرف من ظواهر أحوالهم من دون تفتيش وتنقيش، فإن ذلك مما لم يتعبدنا الله به، ولذلك قال: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس" (٤)، وقال لأسامة لما قال له: "إنما قال ما قال يا رسول الله تقية، - يعني الشهادة -: هل شققت عن قلبه؟ " (٥). واعتباره ﷺ لظواهر الأحوال كان ديدنًا له وهجيرًا في جميع أموره، منها قوله ﷺ لعمّه العباس لما اعتذر له يوم بدر بأنه مكره، فقال له: "كان ظاهرك علينا" (٦)، وكذلك حديث: "إنما أقضي بما أسمع، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذنه إنما أقطع له قطعة من نار" (٧)، وكذلك حديث:

стр. 983

"إنما نحكم بالظاهر" (١)، وهو وإن لم يثبت من وجه معتبر فله شواهد متفق على صحتها، ومن أعظم اعتبارات الظاهر ما كان منه ﷺ مع المنافقين من التغاضي والمعاملة بما يقتضيه ظاهر الحال. [الباب الثالث] باب حُجَّة من كفَّر تاركَ الصَّلاة ٩/ ٤٠٠ - (عَنْ جابِرٍ [رضي الله تعالى عنه] (٢) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَينَ الكُفرِ تَرْكُ الصَّلاةِ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلا البُخَارِيَّ وَالنَّسَائِيَّ) (٣). [صحيح] الحديث يدلّ على أن ترك الصلاة من موجبات الكفر، ولا خلاف بين المسلمين في كفر من ترك الصلاة منكرًا لوجوبها إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة.

стр. 984

وإن كان تركه لها تكاسلًا مع اعتقاده لوجوبها كما هو حال كثير من الناس، فقد اختلف الناس في ذلك. فذهبت العترة والجماهير من السلف والخلف، منهم مالك (١) والشافعي (٢) إلى أنه لا يكفر بل يفسق، فإن تاب وإلا قتلناه حدًّا كالزاني المحصن، ولكنه يقتل بالسيف. وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر، وهو مرويّ عن علي بن أبي طالب ﵇، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي (٣). وذهب أبو حنيفة (٤) وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي إلى أنه لا يكفر ولا يقتل بل يعزَّر ويحبس حتى يصلي. احتجّ الأولون على عدم كُفْرِهِ بقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٥)، وبما سيأتي في الباب الذي بعد هذا (٦) من الأدلة، واحتجوا على قتله بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٧)، وبقوله ﷺ : "أُمرتُ أن أقاتلَ النَّاسَ حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيمُوا الصَّلاةَ، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءَهم وأموالَهم إلا بحقِّها"، الحديث متفق عليه (٨).

стр. 985

وتأوّلوا قوله ﷺ : "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" (١)، وسائر أحاديث الباب على أنه مستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر وهي القتل، أو أنه محمول على المستحل، أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر، أو على أن فعله فعل الكفار. واحتجّ أهل القول الثاني بأحاديث الباب. واحتجّ أهل القول الثالث على عدم الكفر بما احتجّ به أهل القول الأول، وعلى عدم القتل بحديث: "لا يحل دمُ امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث" (٢)، وليس فيه الصلاة. والحق أنه كافر يقتل، أما كفره فلأن الأحاديث قد صحَّت أن الشارع سمى تارك الصَّلاة بذلك الاسمِ وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة، فتركها مقتض لجواز الإطلاق، ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها الأولون لأنا نقول: لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة، ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفرًا، فلا ملجئ إلى التأويلات التي وقع الناس في مضيقها. وأما أنه يقتل فلأن

стр. 986

حديث: "أمرت أن أقاتل الناس" (١)، يقضي بوجوب القتل لاستلزام المقاتلة له، وكذلك سائر الأدلة المذكورة في الباب الأول، ولا أوضح من دلالتها على المطلوب، وقد شرط الله في القرآن التخلية بالتوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٢)، فلا يُخلَّى من لم يقم الصلاة. وفي صحيح مسلم (٣): "سيكون عليكم أمراء فتعرفون وتُنكرون، فمن أنكرَ فقد برئ عنقُه، ومَنْ كره فقد سَلِمَ، ولكن من رضي وتابعَ"، فقالوا: ألا نقاتلهم؟ قال: "لا ما صَلُّوا"، فجعلَ الصَّلاةَ هي المانعة من مقاتلة أمراءِ الجَوْر. وكذلك قوله لخالد في الحديث السابق (٤): "لعلَّه يُصلِّي"، فجعل المانع من القتل نفس الصلاة، وحديث: "لا يحل دم امرئ مسلنم" (١)، لا يعارض مفهومه المنطوقات الصحيحة الصريحة. والمراد بقوله في حديث الباب: "بينَ الرجل وبينَ الكفرِ تركُ الصَّلاة"، كما قال النووي (٥): إن الذي يمنع من كفره كونه لم يترك الصلاة، فإن تركَها لم يبق بينه وبين الكفر حائل. وفي لفظ لمسلم (٦): "بينَ الرجل وبين الشرك والكفرِ تركُ الصَّلاة". ومن الأحاديث الدالّة على الكفر حديث الربيع بن أنس [عن أنس عن النبيّ ﷺ ] (٧): "من ترك الصلاة متعمّدًا فقد كفر جهارًا"، ذكره الحافظ في التلخيص (٨). وقال: سئل الدارقطني عنه فقال: رواه أبو النضر عن أبي جعفر عن

стр. 987

الربيع موصولًا وخالفه علي بن الجعد فرواه عن أبي جعفر عن الربيع مرسلًا وهو أشبه بالصواب. وأخرجه البزار (١) من حديث أبي الدرداء بدون قوله: "جهارًا". وأخرج ابن حبان في الضعفاء (٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "تارك الصلاة كافر" واستنكره. ورواه أبو نعيم (٣) من حديث أبي سعيد، وفيه عطية وإسماعيل بن يحيى وهما ضعيفان.

стр. 988

قال العراقي: لم يصح من أحاديث الباب إلا حديث جابر المذكور (١)، وحديث بريدة الذي سيأتي (٢). وأخرج ابن ماجة (٣) من حديث أبي الدرداء قال: "أوصاني خليلي ﷺ أن لا تُشْرِكَ بالله وإن قُطِّعْتَ وحُرِّقْتَ، وأن لا تتركَ صلاةً مكتوبةً متعمِّدًا، فمن تركَها متعمَّدًا فقد برئت منه الذمة، ولا تشربِ الخمرَ فإنها مفتاح كلِّ شرٍّ"، قال الحافظ (٤): وفي إسناده ضعف. ورواه الحاكم في المستدرك (٥). ورواه أحمد (٦) والبيهقي (٧) من طريق أخرى وفيه انقطاع.

стр. 989

ورواه الطبراني من حديث عبادة بن الصامت (١)، ومن حديث معاذ بن جبل (٢) وإسنادهما ضعيفان. وقال ابن الصلاح (٣) والنووي (٤): إنه حديث منكر. واختلف القائلون بوجوب قتل تارك الصلاة، فالجمهور أنه يضرب عنقه بالسيف. وقيل: يضرب بالخشب حتى يموت.

стр. 990

واختلفوا أيضًا في وجوب الاستتابة، فالهادوية توجبها وغيرهم لا يوجبها لأنه يقتل حدًا، ولا تسقط التوبة الحدود كالزاني والسارق. وقيل: إنه يقتل لكفره، فقد حكى جماعة الإجماع على كفره كالمرتدّ وهو الظاهر، وقد أطال الكلام المحقّق ابن القيم في ذلك في كتابه في الصلاة (١). والفرق بينه وبين الزاني واضح، فإن هذا يقتل لتركه الصلاة في الماضي وإصراره على تركها في المستقبل، والترك في الماضي يتدارك بقضاء ما تركه بخلاف الزاني فإنه يقتل بجناية تقدمت لا سبيل إلى تركها. واختلفوا هل يجب القتل لترك صلاة واحدة أو أكثر، فالجمهور أنه يقتل لترك صلاة واحدة، والأحاديث قاضية بذلك، والتقييد بالزيادة على الواحدة لا دليل عليه. قال أحمد بن حنبل (٢): إذا دعي إلى الصلاة فامتنع وقال: لا أصلي، حتى خرج وقتها وجب قتله، وهكذا حكم تارك ما يتوقف صحة الصلاة عليه من وضوء أو غسل أو استقبال القبلة أو ستر عورة، وكل ما كان ركنًا وشرطًا (٣). ١٠/ ٤٠١ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ [رضي الله تعالى عنه] (٤) قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "العَهْدُ الَّذِي بَينَنا وَبَينَكُمْ الصَّلاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ) (٥). [صحيح]

стр. 991

الحديث صحّحه النسائي والعراقي ورواه ابن حبان (١) والحاكم (٢). وهو يدلّ على أن تارك الصلاة يكفر، لأن الترك الذي جعل الكفر معلقًا به مطلق عن التقييد، وهو يصدق بمرة لوجود ماهية الترك في ضمنها، والخلاف في المسألة. والتصريح بما هو الحق فيها قد تقدم في الذي قبله. ١١/ ٤٠٢ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ العُقَيْلِي [رضي الله تعالى عنهما] (٣) قالَ: "كَانَ أصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ لا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأعْمالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلاةِ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) (٤). [صحيح موقوف] الحديث رواه الحاكم وصححه على شرطهما (٥)، وذكره الحافظ في التلخيص (٦) ولم يتكلم عليه والظاهر من الصيغة أن هذه المقالة اجتمع عليها الصحابة، لأن قوله: "كان أصحاب رسول الله" جمع مضاف، وهو من المُشعرات بذلك. ١٢/ ٤٠٣ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ [﵃] (٣) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ ذَكَرَ الصَّلاةَ يَوْمًا فَقالَ: "مَنْ حافَظَ عَلَيهَا كانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجاةَ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَنْ لَمْ يُحافِظْ عَلَيهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا ولَا بُرْهانًا وَلا نجاةً، وكانَ

стр. 992

يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ قارُونَ وَفِرْعَوْنَ وهامانَ وَأُبَيّ بْنِ خَلَفٍ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (١). [ضعيف] الحديث أخرجه أيضًا الطبراني في الكبير (٢) والأوسط (٣). وقال في مجمع الزوائد (٤): رجال أحمد ثقات. وفيه أنه لا انتفاع للمصلي بصلاته إلّا إذا كان محافظًا عليها، لأنه إذا انتفى كونها نورًا وبرهانًا ونجاة مع عدم المحافظة انتفى نفعها. وقوله: (وكان يوم القيامة مع قارون) الخ، يدلّ على أن تركها كفر متبالغ، لأن هؤلاء المذكورين هم أشد أهل النار عذابًا، وعلى تخليد تاركها في النار كتخليد من جعل منهم في العذاب، فيكون هذا الحديث مع صلاحيته للاحتجاج مخصّصًا لأحاديث خروج الموحدين، وقد ورد من هذا الجنس شيء كثير في السنة، ويمكن أن يقال مجرد المعية والمصاحبة لا يدلّ على الاستمرار والتأبيد لصدق المعنى اللغوي بلبثه معهم مدة، لكن لا يخفى أن مقام المبالغة يأبى ذلك وسيأتي في الباب الثاني (٥) ما يعارضه.

стр. 993

[الباب الرابع] باب حجة من لم يكفر تارك الصلاة ولم يقطع عليه بخلود في النار ورجا له ما يرجى لأهل الكبائر ١٣/ ٤٠٤ - (عَنْ ابْنِ مُحَيْريز [رضي الله تعالى عنه] (١) "أن رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنانَةَ يُدْعَى المُخْدَجِيَّ سَمِعَ رَجُلًا بالشَّامِ يُدْعَى أبا مُحَمَّدٍ يَقُولُ: إنَّ الوِتْرَ واجِبٌ، قالَ المُخْدَجِيُّ: فَرحْتُ إلى عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فأخْبَرْتُهُ، فَقالَ عُبادَةُ: كَذَبَ أبُو مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "خَمْسُ صَلَوَات كَتَبَهُنَّ الله على العِبادِ، مَنْ أتَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُن شَيئًا اسْتِخْفافًا بِحَقِّهِنَّ كانَ لَهُ عِنْدَ الله عَهْدٌ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، ومَنْ لَمْ يَأتِ بِهِنَّ فَلَيسَ لَهُ عِنْدَ الله عَهْدٌ، إنْ شاءَ عَذَّبَهُ، وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وأبُو داوُدَ (٣) والنَّسَائِيُّ (٤) وَابْنُ ماجَة (٥)، وَقالَ فِيهِ: "ومَنْ جاءَ بِهِنَّ قَدْ انْتَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفافًا بِحَقِّهِنَّ"). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا مالك في الموطأ (٦)، وابن حبان (٧)، وابن السكن (٨). قال ابن عبد البر (٩): هو صحيح ثابت لم يختلف عن مالك فيه، ثم قال: والمخدجي مجهول لا يعرف إلّا بهذا الحديث. قال الشيخ تقي الدين القشيري (١٠): انظر إلى تصحيحه لحديثه مع حكمه

стр. 994

بأنه مجهول وقد ذكره ابن حبان في الثقات (١). ولحديثه شاهد من حديث أبي قتادة عند ابن ماجة (٢) ومن حديث كعب بن عجرة عند أحمد (٣). ورواه أبو داود (٤) أيضًا عن الصُّنَابُحي

стр. 995

قال: "زعم أبو محمد أن الوتر واجب، فقال عبادة بن الصامت"، وساق الحديث. والمُخْدَجي (١) المذكور في هذا الإسناد هو بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة ثم جيم بعدها ياء النسب، قيل: اسمه رُفيع. وأبو محمد المذكور هو مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم بن زيد بن ثعلبة بن عثمان بن مالك بن النجار. وقيل: مسعود بن زيد بن سبيع يعد في الشاميين، وقد عدّه الواقدي وطائفة من البدريين، ولم يذكره ابن إسحاق فيهم، وذكره جماعة في الصحابة. وقول عبادة: "كذب أبو محمد"، أي أخطأ، ولا يجوز أن يراد به حقيقة الكذب لأنه في الفتوى، ولا يقال لمن أخطأ في فتواه كذب. وأيضًا قد ورد في الحديث ما يشهد لما قاله كحديث: "الوتر حقّ فمن لم يوتر فليس منّا"، عند أبي داود (٢) من حديث بريدة وغيره من الأحاديث. وسيأتي بسط الكلام على ذلك في باب إن الوتر سنة مؤكّدة (٣) إن شاء الله تعالى. والحديث ساقه المصنف [رحمه الله تعالى] (٤) للاستدلال به على عدم كفر من ترك الصلاة وعدم استحقاقه للخلود في النار لقوله: "إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له"، وقد عرفناك في الباب الأول أن الكفر أنواع: منها ما لا ينافي المغفرة ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سمّاها الشارع كفرًا، وهو يدلّ على عدم استحقاق كل تارك للصلاة للتخليد في النار (٥).

стр. 996

قوله: (استخفافًا بحقهن)، هو قيد للمنفي لا للنفي. قوله: (كان له عند الله عهد أن يدخله الجنّة)، فيه متمسك للمرجئة (١) القائلين بأن الذنوب لا تضر من حافظ على الصلوات المكتوبة، وهو مقيد بعدم المانع كأحاديث من قال لا إله إلا الله ونحوها لورود النصوص الصريحة كتابًا وسنّة بذكر ذنوب موجبة للعذاب كدم المسلم وماله وعرضه وغيره، ذلك مما يكثر تعداده. ١٤/ ٤٠٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رضي الله تعالى عنه] (٢) قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إنَّ أوَّلَ ما يحاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، فإنْ أتمَّها وإلَّا قِيلَ: انْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعِ؟ فإنْ كانَ لَهُ تَطَوُّعِ أُكمِلَتِ الفَرِيضَةُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ يُفْعَلُ بِسائِرِ الأعْمالِ المَفْرُوضَةِ مِثْل ذلِكَ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ) (٣). [صحيح] الحديث أخرجه أبو داود من ثلاث طرق (٤): طريقتين متصلتين بأبي هريرة (٥) والطريق الثالثة بتميم الداري (٦)، وكلها لا مطعن فيها، ولم يتكلم عليه هو ولا المنذري بما يوجب ضعفه (٧). وأخرجه النسائي (٨) من طريق إسنادها

стр. 997

جيد، ورجالها رجال الصحيح كما قال العراقي (١) وصححها ابن القطان. وأخرج الحديث الحاكم في المستدرك (٢) وقال: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وفي الباب عن تميم الداري عند أبي داود (٣) وابن ماجه (٤) بنحو حديث أبي هريرة، قال العراقي: وإسناده صحيح. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٥) وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم. وعن أنس عند الطبراني في الأوسط (٦). وعن أبي سعيد قال العراقي: رويناه في الطيوريات في انتخاب السلفي منها، وفي إسناده حصين بن مخارق (٧)، نسبه الدارقطني إلى الوضع.

стр. 998

وعن صحابي لم يسم عند أحمد في المسند (١). والحديث يدلّ على أن ما لحق الفرائض من النقص كمَّلته النوافل. وأورده المصنف [رحمه الله تعالى] (٢) في حجج من قال بعدم الكفر، لأن نمّصان الفرائض أعمّ من أن يكون نقصًا في الذات وهو ترك بعضها، أو في الصفة وهو عدم استيفاء أذكارها أو أركانها وجبرانها بالنوافل، مشعر بأنها مقبولة مثاب عليها والكفر ينافي ذلك، وقد عرفت الكلام على ذلك فيما سلف، ثم أورد من الأدلّة ما يعتضد به قول من لم يكفر تارك الصلاة، وعقبه بتأويل لفظ الكفر الواقع في الأحاديث، فقال (٣): (ويعضِّد هذا المذهب عمومات). ١٥/ ٤٠٦ - (مِنْهَا ما رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ - الله ﷺ : "مَنْ شَهِدَ أنْ لَا إلهَ إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وأن عِيسَى عَبْدُ الله وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلَى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنْهُ، والْجَنَّةَ والنَّارَ حَقٌّ، أدْخَلَهُ الله

стр. 999

الجَنَّةَ عَلى ما كانَ مِنَ العَمَلِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] ١٦/ ٤٠٧ - (وَعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ ومُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ: "يَا مُعَاذُ"، قالَ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله وسَعْدَيْكَ ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وأن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، [إلَّا حَرَّمَهُ الله عَلى] (٢) النَّارِ"، قالَ: يا رَسُولَ الله أفَلَا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قالَ: "إذَنْ يَتَّكِلُوا"؛ فأخْبَرَ بِهَا مُعاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأثُّمًا: أيْ خَوْفًا مِنَ الإثْمِ بِتَرْكِ الخَبرِ بِهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] ١٧/ ٤٠٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رضي الله تعالى عنه] (٤) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لِكُل نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتعجَّلَ كُل نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وإني اخْتَبَأْتُ دَعْوَّتِي شَفاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَهِيَ نائِلَةٌ إنْ شاءَ الله مَنْ ماتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بالله شَيئًا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (٥). [صحيح] ١٨/ ٤٠٩ - (وَعَنْهُ (٦) أيْضًا أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "أسْعَدُ الناسِ بِشَفَاعَتِي مَنْ قالَ لا إلهَ إلَّا الله خالِصًا مِنْ قَلْبِهِ"، رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧). [صحيح]. وَقَدْ حَمَلُوا أحادِيثَ التَّكفِيرِ على كُفْرِ النِّعْمَةِ أوْ عَلَى مَعْنَى فقَدْ قارَبَ الكُفْرَ، وَقَدْ جاءَتْ أحاديثُ في غَيْرِ الصَّلاةِ أُرِيدَ بِها ذلكَ). ١٩/ ٤١٠ - (فَرَوى ابْنُ مَسْعُودٍ [رضي الله تعالى عنه] (٤) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "سِبابُ المُسْلِمِ فُسوقٌ، وَقِتالُهُ كُفْرٌ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٨). [صحيح]

стр. 1000

٢٠/ ٤١١ - (وَعَنْ أبِي ذَرٍّ [رضي الله تعالى عنه] (١) أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لَيسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيرِ أبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إلَّا كَفَرَ، ومَنِ ادَّعَى ما لَيسَ لَهُ فَلَيسَ مِنَّا، وَلْيَتَبوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٢). [صحيح] ٢١/ ٤١٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُما بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، والنِّياحَةُ عَلَى المَيِّتِ"، رَواهُ أحْمَدُ (٣) ومُسْلِمٌ) (٤). [صحيح] ٢٢/ ٤١٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنهما] (١) قالَ: كانَ عُمَرُ يَحْلفُ وأبي، فَنَهاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقالَ: "مَنْ حَلَفَ بِشَيءِ دُونَ الله فَقَدْ أشْرَكَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (٥). [صحيح] ٢٣/ ٤١٤ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ [رضي الله تعالى عنهما] (١) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : مُدْمِنُ الخَمْرِ إنْ مَاتَ لَقِيَ الله [تعالى] (١) كَعَابِدِ وَثَنٍ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ) (٦).

стр. 1001

انْتَهَى كَلامُ المُصَنِّفِ [رحمه الله تعالى] (١) (٢). [حسن لغيره] وأقول: قد أطبق أئمة المسلمين من السلف والخلف والأشعرية (٣) والمعتزلة (٤) وغيرهم أن الأحاديث الواردة بأن من قال: "لا إله إلا الله دخل

стр. 1002

الجنّة" (١)، مقيّدة بعدم الإخلال بما أوجب الله [تعالى] (٢) من سائر

стр. 1003

الفرائض وعدم فعل كبيرة من الكبائر التي لم يتب فاعلها عنها، وأن مجرد الشهادة لا يكون موجبًا لدخول الجنّة فلا يكونُ حجةً على المطلوب. ولكنهم اختلفوا في خلود من أخلّ بشيء من الواجبات أو قارف شيئًا من المحرمات في النار مع تكلمه بكلمة الشهادة وعدم التوبة عن ذلك، فالمعتزلة جزموا بالخلود، والأشعرية قالوا: يعذب في النار ثم ينقل إلى الجنّة. وكذلك اختلفوا في دخوله تحت المشيئة، فالأشعرية وغيرهم قالوا بدخوله تحتها، والمعتزلة منعت من ذلك وقالوا: لا يجوز على الله المغفرة لفاعل الكبيرة مع عدم التوبة عنها. وهذه المسائل محلّها علم الكلام (١)، وإنما ذكرنا هذا للتعريف بإجماع

стр. 1004

المسلمين على أن هذه الأحاديث مقيدة بعدم المانع، ولهذا أوّلها السلف؛ فحكي عن جماعة منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي، ورفى بأن راوي بعض هذه الأحاديث أبو هريرة (١) وهو متأخّر الإسلام، أسلم عام خيبر سنة سبع بالاتفاق، وكانت إذ ذاك أحكام الشريعة مستقرة من الصلاة والزكاة والصيام والحجِّ وغيرها. وحكى النووي (٢) عن بعضهم أنّه قال: هي مجملة تحتاج إلى شرح، ومعناه: من قال الكلمة وأدّى حقها وفريضتها، قال: وهذا قول الحسن البصري. وقال البخاري (٣): إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك، ذكره في كتاب اللباس. وذكر الشيخ أبو عمر [و] (٤) بن الصلاح (٥) أنه يجوز أن يكون ذلك: أعني

стр. 1005

الاختصار على كلمة الشهادة في سببية دخول الجنة اقتصار من بعض الرواة لا من رسول الله ﷺ بدليل مجيئه تامًّا في رواية غيره، ويجوز أن يكون اختصارًا من الرسول ﷺ فيما خاطب به الكفار عبدة الأوثان (١) الذين كان توحيدهم بالله تعالى مصحوبًا بسائر ما يتوقف عليه الإسلام ومستلزمًا له، والكافر إذا كان لا يقرّ بالوحدانية كالوثني والثنوي وقال: لا إله إلا الله وحاله الحال التي حكيناها حكم بإسلامه. قال النووي (٢): ويمكن الجمعُ بين الأدلّة بأن يقال: المراد باستحقاقه الجنّة أنه لا بدّ من دخولها لكل موحد إما معجلًا معافىً، وإما مؤخرًا بعد عقابه، والمراد بتحريم النار تحريم الخلود. وحكي ذلك عن القاضي عياض (٣) وقال: إنه في نهاية الحُسْنِ ولا بدّ من المصير إلى التأويل (٤) لما ورد في نصوص القرآن والسنّة بذكر كثير من الواجبات الشرعية، والتصريح بأن تركها موجب للنار. وكذلك ورود النصوص بذكر كثير من المحرمات وتوعد فاعلها بالنار. وأمّا الأحاديث التي أوردها المصنف [رحمه الله تعالى] (٥) في تأييد ما ذكره من التأويل فالنزاع [فيها] (٦) كالنزاع في إطلاق الكفر على تارك الصلاة، وقد عرفناك أن سبب الوقوع في مضيق التأويل توهم الملازمة بين الكفر وعدم المغفرة، وليس بكلية كما عرفت، وانتفاء كليتها يريحك من تأويل ما ورد في كثير من الأحاديث. منها ما ذكره المصنف [رحمه الله تعالى] (٥).

стр. 1006

ومنها ما ثبت في الصحيح (١) بلفظ: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض". وحديث (٢): "أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم". وحديث (٣): "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأمّا من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأمّا من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب". وحديث (٤): "من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها". وكل هذه الأحاديث في الصحيح. وقد ورد من هذا الجنس أشياء كثيرة، ونقول: من سمّاه رسول الله ﷺ كافرًا سميناه كافرًا ولا نزيد على هذا المقدار، ولا نتأوّل شيء منها لعدم الملجئ إلى ذلك. [الباب الخامس] باب أمر الصبي بالصلاة تمرينًا لا وجوبًا ٢٤/ ٤١٥ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ [رضي الله تعالى عنه] (٥) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مُرُوا صِبْيانَكُمْ بالصَّلاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيهَا لِعَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَينَهُمْ فِي المَضاجِعِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وأبُو داوُدَ) (٧). [صحيح] الحديث أخرجه الحاكم (٨) من حديثه أيضًا.

стр. 1007

والترمذي (١) والدارقطني (٢) من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه عن جدّه بنحوه، ولم يذكر التفرقة. وفي الباب عن أبي رافع عند البزار (٣) بلفظ قال: "وجدنا في صحيفة في قراب رسول الله ﷺ بعد وفاته فيها مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، وفرّقوا بين [مضاجع] (٤) الغلمان والجواري والإخوة والأخوات لسبع سنين، واضربوا أبناءكم على الصلاة إذا بلغوا، أظنه تسع سنين". وعن معاذ بن عبد الله بن خبيب الجُهني أنه قال لامرأته، وفي رواية لامرأة: "متى يصلي الصبي؟ فقالت: كان رجل منا يذكر عن رسول الله ﷺ أنّه قال: إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة"، أخرجه أبو داود (٥). قال ابن القطان (٦): لا تُعرف هذه المرأة ولا الرجل الذي رَوَت عنه.

стр. 1008

وقد رواه الطبراني (١) من هذا الوجه فقال: عن أبي معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه به قال ابن صاعد: إسناده حسن غريب. وفي الباب عن أبي هريرة رواه العقيلي (٢)، وأنس عند الطبراني (٣) بلفظ:

стр. 1009

"مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لثلاث عشرة"، وفي إسناده داود بن المحبر وهو متروك، وقد تفرّد به. والحديث يدلّ على وجوب أمر الصبيان بالصلاة إذا بلغوا سبع سنين وضربهم عليها إذا بلغوا عشرًا، والتفريق بينهم في المضاجع لعشر سنين إذا جعل التفريق معطوفًا على قوله: واضربوهم، أو لسبع سنين إذا جعل معطوفًا على قوله: "مروهم". ويؤيّد هذا الوجه حديث أبي رافع المذكور. وقد ذهبت الهادوية (١) إلى وجوب إجبار ابن العشر على الولي وشرط الصلاة الذي لا تتمّ إلا به حكمه حكمها، ولا فرق بين الذكر والأنثى والزوجة وغيرها. وقال في "الوافي" (٢) والمؤيّد بالله في أحد قوليه: إن ذلك مستحب فقط، وحملوا الأمر على الندب، ولكنه إن صح ذلك في قوله: مروهم لم يصح في قوله: واضربوهم، لأن الضرب إيلام للغير. وهو لا يباح للأمر المندوب. والاعتراض (٣) بأن عدم تكليف الصبي يمنع من حمل الأمر على حقيقته، لأن الإجبار إنما يكون على فعل واجب أو ترك محرم، وليست الصلاة بواجبة على الصبي، ولا تركها بمحظور عليه، مدفوع بأن ذلك إنما يلزم لو اتّحد المحل وهو هنا مختلف، فإن محل الوجوب الولي ومحل عدمه ابن العشر، ولا يلزم من عدم الوجوب على الصغير عدمه على الولي. ٢٥/ ٤١٦ - (وَعَنْ عَائِشةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثةٍ: عَنِ النَّائِم حَتى يَسْتَيقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتى يَعْقِلَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (٤). [صحيح]
следующие страницы →