← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 1075–1114 · переход к 1080.

стр. 1075

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ. وَللْبُخَارِيِّ (١) وأبِي دَاوُدَ (٢): وكانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وتُقامُ الصَّلَاةُ فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإمَامِ"). [صحيح] قوله: (حضر العشاء)، قال في القاموس (٣): هو طعام العشي وهو ممدود كسماء. قوله: (فابدءوا بالعشاء) أي بأكله. الحديث الأول يدلّ على وجوب تقديم العَشاء على صلاة المغرب إن حضر. والحديثان الآخران يدلّان على وجوب تقديم العَشاء إذا حضر على المغرب وغيرها، لما يشعر به تعريف الصلاة من العموم. وقال ابن دقيق العيد (٤): الألف واللام في الصلاة لا ينبغي أن يحمل على الاستغراق ولا على تعريف الماهية، بل ينبغي أن يحمل على المغرب بما ورد في بعض الروايات: "إذا وضع العشاء وأحدكم صائم فابدءوا به قبل أن تصلّوا"، وهو صحيح (٥). وكذلك صح (٦) أيضًا: "فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب"، انتهى. وأنت خبير بأن التنصيص على المغرب لا يقتضي تخصيص عموم الصلاة لما تقرّر في الأصول من أن موافق العام لا يخصّص به، فلا يصلح جعله قرينة لحمل اللام على ما لا عموم فيه ولو سلم عدم العموم لم يسلم عدم الإطلاق، وقد تقرّر أيضًا في الأصول أن موافق المطلق لا يقتضي التقييد، ولو سلمنا ما ذكره باعتبار أحاديث الباب لتأييده بأن لفظ العشاء يخرج صلاة النهار، وذلك

стр. 1076

مانع من حمل اللام على العموم لم يتم له باعتبار حديث: "لا صلاة بحضرة طعام"، عند مسلم (١) وغيره (٢). ولفظ صلاة نكرة في سياق النفي، ولا شك أنها من صيغ العموم. ولإطلاق الطعام وعدم تقييده بالعشاء فذكر المغرب من التنصيص على بعض أفراد العام، وليس بتخصيص على أن العلّة التي ذكرها شرّاح الحديث للأمر بتقديم العشاء كالنووي (٣) وغيره مقتضية لعدم الاختصاص ببعض الصلوات، فإنهم قالوا: إنها اشتغال القلب بالطعام وذهاب كمال الخشوع في الصلاة عند حضوره، والصلوات متساوية الأقدام في هذا. وظاهر الأحاديث أنه يقدم العَشاء مطلقًا سواء كان محتاجًا إليه أم لا، وسواء كان خفيفًا أم لا، وسواء خشي فساد الطعام أو لا، وخالف الغزالي (٤) فزاد: قيد خشية فساد الطعام، والشافعية فزادوا قيد الاحتياج، ومالك فزاد قيد أن يكون الطعام خفيفًا. وقد ذهب إلى الأخذ بظاهر الأحاديث ابن حزم (٥) والظاهرية، ورواه الترمذي (٦) عن أبي بكر وعمر وابن عمر وأحمد وإسحق. ورواه العراقي عن الثوري فقال: يجب تقديم الطعام، وجزموا ببطلان الصلاة إذا قدمت. وذهب الجمهور إلى الكراهة، وظاهر الأحاديث أيضًا أنه يقدم الطعام وإن خشي خروج الوقت وإليه ذهب ابن حزم (٥)، وذكره أبو سعيد المتولي (٧) وجهًا لبعض الشافعية (٨). وذهب الجمهور إلى أنه إذا ضاق الوقت صلّى على حاله

стр. 1077

محافظة على الوقت ولا يجوز تأخيرها، قالوا: لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا تفوته لأجله، وظاهر قوله: "ولا تعجل حتى [تفرغ] (١) "أنه يستوفي حاجته من الطعام بكمالها، وهو يرد ما ذكره بعض الشافعية من أنه يقتصر على تناول لقمات يكسر بها سَورة الجوع. قال النووي (٢): وهذا الحديث صريح في إبطاله. وقد استدلّ بالأحاديث المذكورة على أن الجماعة ليست بواجبة. قال ابن دقيق العيد (٣): وهذا صحيح إن أريد به أن حضور الطعام مع التشوّف إليه عذر في ترك الجماعة، وإن أريد به الاستدلال على أنها ليست بفرض من غير عذر لم يصح ذلك، انتهى. ويؤيّده أن ابن حبان وهو من القائلين بوجوب الجماعة جعل حضور الطعام عذرًا في تركها. وقد استدلّ أيضًا بهذه الأحاديث على التوسعة في وقت المغرب، وقد تقدم الكلام في ذلك، وقد ألحق بالطعام ما يحصل بتأخيره تشويش الخاطر بجامع ذهاب الخشوع الذي هو روح الصلاة. وقوله: (إذا حضر العَشاء ووضع عَشاء أحدكم)، دليل على اعتبار الحضور الحقيقي. ومن نظر إلى المعنى من أهل القياس لا يقصر الحكم على الحضور بل يقول به عند وجود المعنى وهو التشوّف إلى الطعام، ولا شكّ أن حضور الطعام مؤثر لزيادة الاشتغال به، والتطلّع إليه، ويمكن أن يكون الشارع قد اعتبر هذه الزيادة في تقديم الطعام، وقد تقرّر في الأصول أن محل النص إذا اشتمل على وصف يمكن أن يكون معتبرًا لم يلغ. قال ابن دقيق العيد (٤): إنه لا يبعد إلحاق ما كان متيسّر الحضور عن قرب بالحاضر.

стр. 1078

[الباب الثامن] باب جواز الركعتين قبل المغرب ٣٠/ ٤٤٧ - (عَنْ أنَسٍ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: كانَ المُؤَذِّنُ إذا أذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ كَذلِكَ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: إلا قَلِيلٌ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَالْبُخَارِيُّ (٣). [صحيح] وَفِي لَفْظٍ: كُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ، فَقِيلَ لَهُ: أكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَّاهُمَا؟ قالَ: كانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا. رَوَاهُ مُسْلمٌ (٤) وَأَبُو دَاوُدَ) (٥). [صحيح] تقريره ﷺ لمن رآه يصلّي في ذلك الوقت يدلّ على عدم كراهة الصلاة فيه، ولا سيما والفاعل لذلك عدد كثير من الصحابة. وفي المسألة مذهبان للسلف استحبّهما جماعة من الصحابة والتابعين، ومن المتأخّرين أحمد (٦) وإسحق، ولم يستحبهما الأربعة الخلفاء ﵃، وآخرون من الصحابة ومالك (٧) وأكثر الفقهاء. وقال النخعي (٨): هما بدعة. احتجّ من قال بالاستحباب بما في هذا الباب من الأحاديث الصحيحة، وبما أخرجه ابن حبان (٩) من حديث عبد الله بن مغفل: "أن النبيّ ﷺ

стр. 1079

صلّى قبل المغرب ركعتين"، فقد ثبتتا عنه ﷺ قولًا - كما سيأتي - وفعلًا وتقريرًا. واحتجّ من قال بالكراهة بحديث عقبة بن عامر (١) الذي قد مرّ ذكره في باب وقت صلاة المغرب، وهو يدلّ على شرعية تعجيلها، وفعلهما يؤدّي إلى تأخير المغرب. والحقّ أن الأحاديث الواردة بشرعية الركعتين قبل المغرب مخصّصة لعموم أدلّة استحباب التعجيل. قال النووي (٢): وأمّا قولهم يؤدّي إلى تأخير المغرب فهذا خيال منابذ للسنّة ولا يلتفت إليه، ومع هذا فهو زمن يسير لا تتأخّر به الصلاة عن أوّل وقتها. وأمّا من زعم النسخ فهو مجازف لأن النسخ لا يصار إليه إلّا إذا عجزنا عن التأويل والجمع بين الأحاديث وعلمنا التاريخ، وليس هنا شيء من ذلك، انتهى. وهذا الاستحباب ما لم تقم الصلاة كسائر النوافل؛ لحديث: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة" (٣). واعلمْ أنَّ التعليل للكراهة بتأدية الركعتين إلى تأخير المغرب مشعر بأنه لا خلاف في أنه يستحب لمن كان في المسجد في ذلك الوقت منتظرًا لقيام الجماعة، وكان فعله للركعتين لا يؤثر في التأخير كما يقع من الانتظار بعد الأذان للمؤذن حتى ينزل من المنارة، ولا ريب أن ترك هذه السنة في ذلك الوقت الذي لا اشتغال فيه بصلاة المغرب ولا بشيء من شروطها مع عدم تأثير فعلها للتأخير من الاستحواذات الشيطانية التي لم يَنْجُ منها إلا القليل.

стр. 1080

قوله: (شيء)، التنوين فيه للتعظيم، أي لم يكن بينهما شيءٌ كثير، ونفي الكثير يقتضي إثبات القليل، وبهذا يجمع بين هذه الرواية ورواية قليل. وقال ابن المنيِّر (١): يجمع بين الروايتين بحمل النفي المطلق على المبالغة مجازًا، والإثبات القليل على الحقيقة؛ وقد طوَّل الكلام في ذلك الحافظ في الفتح (٢)، فليرجع إليه. ٣١/ ٤٤٨ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ [رضي الله تعالى عنه] (٣) أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ رَكعَتَينِ"، ثُمَّ قالَ: "صَلّوا قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَينِ"، ثُمَّ قالَ عِنْدَ الثَّالِثَةِ: "لِمَنْ شَاءَ"، كَرَاهِيَةَ أنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤) والبُخَارِيُّ (٥) وأبُو داوُدَ (٦). [صحيح] وفي رِوَايَةٍ: "بَينَ كُلِّ أذَانَينِ صَلاةٌ، بَينَ كُلِّ أذَانَينِ صَلاةٌ"، ثمَّ قالَ في الثَّالِثَةِ: "لِمَنْ شَاءَ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ (٧). [صحيح] زاد الإسماعيلي في روايته عن القواريري (٨) عن عبد الوارث (٩) في الرواية الأولى ثلاث مرات، وهو موافق لما في رواية البخاري لأنها بلفظ قال في الثالثة، وفي رواية لأبي نعيم في المستخرج (١٠): "قالها ثلاثًا ثم قال: لمن شاء". قوله: (كراهية أن يتخذها الناس سنّة)، قال المحبّ الطبري: لم يرد نفي

стр. 1081

استحبابها لأنه لا يمكن أن يأمر بما لا يستحب، بل هذا الحديث من أدلّ الأدلة على استحبابها. ومعنى قوله: "سنّة"، أي شريعة وطريقة لازمة، وكأن المراد انحطاط مرتبتها عن رواتب الفرائض، ولهذا لم يعدها أكثر الشافعية في الرواتب، واستدركها بعضهم وتُعقب أنه لم يثبت أن النبيّ ﷺ واظب عليها. قوله: (بين كل أذانين)، المراد بالأذانين الأذان والإقامة تغليبًا. والرواية الأولى من حديث الباب تدلّ على استحباب هاتين الركعتين بخصوصها، والرواية الأخرى بعمومها، وقد عرفت الخلاف في ذلك. ٣٢/ ٤٤٩ - (وَعَنْ أبِي الخَيْرِ [رضي الله تعالى عنه] (١) (٢) قالَ: أَتَيْتُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، فَقُلْتُ لَهُ: ألَا أُعَجِّبُكَ مِنْ أبِي تَمِيمٍ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ، فقالَ عقبَةُ: إنَّا كُنَّا نَفْعَلهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قُلْتُ: فَمَا يَمْنَعُكَ الآنَ؛ قالَ: الشَّغْلُ (٣). رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَالْبُخَارِيُّ) (٥). [صحيح] قوله: (ألا أُعَجِّبُك) بضم أوّله وتشديد الجيم من [التعجّب] (٦). قوله: (من أبي تميم) هو عبد الله بن مالك الجيشاني، بفتح الجيم وسكون التحتانية بعدها معجمة، تابعي كبير مخضرم أسلم في عهد رسول الله ﷺ ، وقد عدّه جماعة في الصحابة. قال الحافظ في الفتح (٧): وفيه رد على قول القاضي أبي بكر بن العربي: إنه لم يفعلهما أحد بعد الصحابة لأن أبا تميم تابعي وقد فعلهما. والحديث يدلُّ على مشروعية صلاة الركعتين قبل المغرب، وقد تقدم الكلام على ذلك.

стр. 1082

وقوله: (على عهد رسول الله ﷺ )، هذه الصيغة فيها خلاف مذكور في الأصول وعلم الاصطلاح، هل لها حكم الرفع وهل تشعر باطلاع النبيّ ﷺ على ذلك، فليطلب من موضعه (١). ٣٣/ ٤٥٠ - (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ [رضي الله تعالى عنه] (٢) قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا بِلالُ أجْعَلْ بَينَ أذَانِكَ وإقَامَتِكَ نَفَسًا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ طَعَامِهِ فِي مَهَلٍ وَيَقْضِي المُتَوَضِّئُ حَاجَتَهُ فِي مَهَلٍ"، رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ فِي المُسْنَدِ (٣). [ضعيف] الحديث من رواية أبي الجوزاء عن أبي بن كعب ولم يسمع منه. و [قد] (٤) أخرج نحوه الترمذي (٥) من حديث جابر بزيادة:

стр. 1083

"والمعتصر (١) إذا دخل لقضاء الحاجة"، قال الترمذي (٢): "لا نعرفه إلّا من حديث عبد المنعم وإسناده مجهول" (٣)، انتهى. وفي إسناده ضعيفان يرويه أحدهما عن الآخر، فأوّلهما عبد المنعم بن نعيم، قال البخاري (٤) وأبو حاتم (٥) وابن حبان (٦): منكر الحديث، وقال النسائي (٧): ليس بثقة. وثانيهما يحيى بن مسلم وهو البكاء، بصري لم يرضه يحيى بن سعيد. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال أبو حاتم (٨): شيخ، وقال يحيى بن معين: ليس [بذلك] (٩). وقال أحمد (١٠): ليس بثقة، وقال النسائي (١١): متروك وفيه كلام طويل. وله شاهد من حديث أبي هريرة وسلمان أخرجهما أبو الشيخ وكلّها واهية، قال الحاكم (١٢): ليس في إسناده مطعون غير عمرو بن فائد. قال الحافظ (١٣): لم يقع إلّا في روايته هو، ولم يقع في رواية الباقين لكن فيه عبد المنعم صاحب السقاء (١٤) وهو كاف في تضعيف الحديث، انتهى. والحديث يدلّ على مشروعية الفصل بين الأذان والإقامة وكراهة الموالاة

стр. 1084

بينهما لما في ذلك من تفويت صلاة الجماعة على كثير من المريدين لها؛ لأن من كان على طعامه أو غير متوضئ حال النداء إذا استمرّ على أكل الطعام أو توضأ للصلاة فاتته الجماعة أو بعضها بسبب التعجيل وعدم الفصل لاسيما إذا كان مسكنه بعيدًا من مسجد الجماعة، فالتراخي بالإقامة نوع من المعاونة على البرّ والتقوى المندوب إليها. قال المصنف (١) رحمه الله تعالى: وكل هذه الأخبار تدلّ على أن للمغرب وقتين وأن السنّة أن يفصل بين أذانها وإقامتها بقدر ركعتين، انتهى. وقد تقدم الكلام على وقت المغرب وأمّا أن الفصل مقدار ركعتين فلم يثبت. وقد ترجم البخاري (٢) باب كم بين الأذان والإقامة، ولكن لما كان التقدير لم يثبت لم يذكر الحديث، قال ابن بطال (٣): لا حدّ لذلك غير تمكّن دخول الوقت واجتماع المصلّين. [الباب التاسع] باب في أن تسميتها بالمغرب أولى من تسميتها بالعشاء ٣٤/ ٤٥١ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغَفَّلِ [﵁] (٤) أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لَا يَغْلِبَنَّكُمْ الأعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاِتكُمْ المَغْرِبِ"، قالَ: وَالأعْرَابُ تَقُولُ: هِيَ العِشَاءُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٥). [صحيح] قوله: (والأعراب تقول هي العشاء)؛ لأن العشاء لغة أول ظلام الليل والمعنى النهي عن تسمية المغرب بالعشاء كما تفعل الأعراب، فإذا وقعت الموافقة لهم فقد غلبتهم الأعراب عليها إذ من رجع إليه خصمه فقد غلبه.

стр. 1085

وقد اختلف في علّة النهي عن ذلك، فقيل: هي خوف التباس المغرب بالعشاء، وقيل: العلّة الجامعة أن تسميتها بالعشاء مخالفة لإذن الله [تعالى] (١)، فإنه سمّى الأولى المغرب والثانية العشاء الآخرة، وقيل غير ذلك، والله أعلم. [الباب العاشر] باب وقت صلاة العشاء وفضل تأخيرها مع مراعاة حال الجماعة وبقاء وقتها المختار إلى نصف الليل ٣٥/ ٤٥٢ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنهما] (١) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "الشَّفَقُ الحُمْرَةُ فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتِ الصَّلَاةُ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) (٢). [ضعيف] الحديث [قال الدارقطني في الغرائب: هو غريب وكل رواته ثقات، وقد] (٣) رواه أيضًا ابن عساكر والبيهقي (٤) وصحَّح وقفه، وقد ذكره الحاكم في المدخل (٥) وجعله مثالًا لما رفعه المخرجون من الموقوفات. وقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه (٦) عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: "ووقت صلاة المغرب إلى أن أيذهب] (٧) حمرة الشفق"، قال ابن خزيمة (٨): إن صحت هذه اللفظة أغنت عن جميع الروايات، لكن تفرّد بها محمد بن يزيد. قال الحافظ (٩): محمد بن يزيد صدوق. قال البيهقي (١٠): روي هذا الحديث عن عمر (١١)، وعليّ، وابن عباس (١٢)، وعبادة بن الصامت (١٣)، وشداد بن

стр. 1086

أوس (١٠)، وأبي هريرة (١)، ولا يصح فيه شيء. قال المصنف (٢) ﵀: وهو يدلّ على وجوب الصلاة بأوّل الوقت، انتهى. وفي ذلك خلاف في الأصول مشهور. والحديث يدلّ على صحة قول من قال: "إن الشفق الحمرة"، وهم ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وعبادة من الصحابة (٣). والقاسم والهادي والمؤيد بالله وأبو طالب وزيد بن علي والناصر من أهل البيت (٤). والشافعي وابن أبي ليلى والثوري وأبو يوسف ومحمد من الفقهاء (٥)، والخليل والفراء من أئمّة اللغة (٦). قال في القاموس (٧): الشفق: الحمرة، ولم يذكر الأبيض. وقال أبو حنيفة والأوزاعي والمزني (٨)، وبه قال الباقر: بل هو الأبيض،

стр. 1087

واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (١)، ولا غسق قبل ذهاب البياض، وردّ بأن ذلك ليس بمانع كالنجوم. وقال أحمد بن حنبل (٢): الأحمر في الصحارى والأبيض في البنيان، وذلك قول لا دليل عليه، ومن حجج الأوّلين ما روي عنه ﷺ : "أنه صلّى العشاء لسقوط القمر لثالثة الشهر"، أخرجه أحمد (٣) وأبو داود (٤) والترمذي (٥) والنسائي (٦) [من حديث النعمان بن بشير] (٧). قال ابن العربي (٨): وهو صحيح وصلّى قبل غيبوبة الشفق. قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي (٩): وقد علم كل من له علم بالمطالع والمغارب أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل الأول، وهو الذي حدّ عليه [الصلاة] والسلام خروج أكثر الوقت به فصحّ يقينًا أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الأول بيقين، فقد ثبت بالنصّ أنه داخل قبل مغيب الشفق الذي هو البياض، فتبيّن بذلك يقينًا أن الوقت دخل بالشفق الذي هو الحمرة، انتهى. وابتداء وقت العشاء مغيب الشفق إجماعًا لما تقدم في حديث جبريل (١٠) وفي حديث التعليم (١١)، وهذا الحديث وغير ذلك، وأما آخره فسيأتي الخلاف فيه. ٣٦/ ٤٥٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ [رضي الله تعالى عنها] (١٢) قالَتْ: أعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِالْعَتْمَةِ فَنَادَى عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ والصِّبْيَانُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "مَا يَنْتَظِرُهَا غَيْرُكُمْ"، ولَمْ تُصَلَّ يَوْمَئِذٍ إلَّا بِالمَدِينَةِ ثُمَّ قَالَ: "صَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيلِ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) (١٣). [صحيح]

стр. 1088

[الحديث رجال إسناده في سنن النسائي رجال الصحيح إلا شيخ النسائي عمرو بن عثمان وهو صدوق] (١). والحديث متفق عليه (٢) من حديثها بنحو هذا اللفظ. وفي الباب عن زيد بن خالد أشار إليه الترمذي (٣). وعن ابن عمر عند مسلم (٤). وعن معاذ عند أبي داود (٥). وعن أبي بكرة رواه الخلال من حديث عبد الله بن أحمد عن أبيه (٦).

стр. 1089

وعن عليّ ﵁ عند البزار (١). وعن أبي سعيد (٢)، وعائشة (٣)، وأنس (٤)، وأبي هريرة (٥)، وجابر بن سمرة (٦)، وجابر بن عبد الله (٧) [رضي الله تعالى عنهم] (٨) وسيأتي. قوله: (أعتم)، أي دخل في العتمة، ومعناها أخّرها. والعتمة لغة: حَلْبٌ بعد هُوِيٍّ من الليل بعدًا من الصعاليك. والمراد بها هنا صلاة العشاء، وإنما سمّيت بذلك لوقوعها في ذلك الوقت. وفي القاموس (٩): "والعتمةُ مُحرَّكَةً: ثلثُ الليلِ الأوَّلُ بعد غيبوبةِ الشفقِ، أو وقتُ صلاةِ العشاء الآخرة" اهـ. وهذا الحديث يدلّ على استحباب تأخير صلاة العشاء عن أوّل وقتها. وقد اختلف العلماء هل الأفضل تقديمها أم تأخيرها، وهما مذهبان مشهوران للسلف وقولان لمالك والشافعي. فذهب فريق إلى تفضيل التأخير محتجًّا بهذه الأحاديث المذكورة في هذا الباب وذهب فريق آخر إلى

стр. 1090

تفضيل التقديم محتجًّا بأن العادة الغالبة لرسول الله ﷺ هي التقديم، وإنما أخّرها في أوقات يسيرة لبيان الجواز والشغل والعذر، ولو كان تأخيرها أفضل لواظب عليه وإن كان فيه مشقة. وردّ بأن هذا إنما يتم لو لم يكن منه ﷺ إلّا مجرد الفعل لها في ذلك الوقت، وهو ممنوع لورود الأقوال كما في حديث ابن عباس وأبي هريرة وعائشة وغير ذلك، وفيها تنبيه على أفضلية التأخير وعلى أن ترك المواظبة عليه لما فيه من المشقة كما صرّحت بذلك الأحاديث، وأفعاله ﷺ لا تعارض هذه الأقوال. وأمّا ما ورد من أفضلية أول الوقت على العموم، فأحاديث هذا الباب خاصّة، فيجب بناؤه عليها، وهذا لا بدّ منه. [و] (١) [قوله: (ولم تصل يومئذ إلا بالمدينة)، أي لم تصل بالهيئة المخصوصة وهي الجماعة إلا بالمدينة، ذكر معناه في الفتح (٢)] (٣). قوله: (فيما بين أن يغيب الشفق) إلخ، قد تقدم أن تحديد أوّل وقت العشاء بغيبوبة الشفق أمر مجمع عليه، وإنما وقع الخلاف هل هو الأحمر أو الأبيض، وقد سلف ما هو الحق. ٣٧/ ٤٥٤ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ [رضي الله تعالى عنه] (٤) قالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤَخِّرُ العِشَاءَ الآخِرَةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥)، وَمُسْلِمٌ (٦)، وَالنَّسَائِيُّ) (٧). [صحيح] ٣٨/ ٤٥٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ [رضي الله تعالى عنها] (٤) قالَتْ: كَانُوا يُصَلُّونَ العَتْمَةَ فِيمَا بَيْنَ أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ. أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٨). [صحيح] ٣٩/ ٤٥٦ - (وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ [رضي الله تعالى عنه] (٤) قالَ: قالَ

стр. 1091

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْلَا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أنْ يُؤَخِّرُوا العِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أوْ نِصْفِهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَابْنُ مَاجَهْ (٢) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) (٣). [صحيح] الحديث الأول يدلّ على استحباب مطلق التأخير للعشاء وجواز وصفها بالآخرة وأنه لا كراهة في ذلك، وقد حكي عن الأصمعي (٤) الكراهة. والحديث الثاني يدلّ على استحباب تأخيرها أيضًا وامتداد وقتها إلى ثلث الليل. والحديث الثالث فيه التصريح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، وقد تقدم الكلام في ذلك، وفيه بيان امتداد الوقت إلى ثلث الليل أو نصفه. وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فذهب عمر بن الخطاب (٥) والقاسم والهادي (٦) والشافعي (٧) وعمر بن عبد العزيز (٨) إلى أن آخر وقت العشاء ثلث الليل، واحتجّوا بحديث جبريل (٩) وحديث أبي موسى (١٠) في التعليم وقد تقدّما، وفي قول للشافعي أن آخر وقتها نصف الليل، واحتجّ بما تقدم في حديث عبد الله بن عمرو (١١)، في باب أوّل وقت العصر وفيه: ووقت صلاة العشاء إلى

стр. 1092

نصف الليل، وبحديث أبي هريرة المذكور هنا (١)، وبحديث عائشة (٢) وأنس (٣) وأبي سعيد (٤) وستأتي، وغير ذلك. وهذه الأحاديث المصير إليها متعيّن لوجوه: (الأول): لاشتمالها على الزيادة وهي مقبولة. (الثاني): اشتمالها على الأقوال والأفعال، وتلك أفعال فقط، وهي لا تتعارض ولا تعارض الأقوال. (والثالث): كثرة طرقها. (والرابع): كونها في الصحيحين، فالحق أن آخر وقت اختيار العشاء نصف الليل، وما أجاب به صاحب البحر (٥) من أن النصف مجمل فصَّله خبر جبريل فليس على ما ينبغي، وأمّا وقت الجواز والاضطرار فهو ممتدّ إلى الفجر لحديث أبي قتادة عند مسلم (٦)، وفيه: "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقتُ الصلاة الأخرى"، فإنه ظاهر في امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الصلاة الأخرى إلا صلاة الفجر، فإنها مخصوصة من هذا العموم بالإجماع. وأمَّا حديث عائشة (٧) الآتي بلفظ: "حتى ذهب عامة الليل"، فهو وإن كان فيه إشعار بامتداد وقت اختيار العشاء إلى بعد نصف الليل، ولكنه مؤوّل لما سيأتي. ٤٠/ ٤٥٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ [رضي الله تعالى عنه] (٨) قالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ

стр. 1093

يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ والشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتِ الشَّمْسُ، والعِشاءَ أحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا وَأحْيَانًا يُعَجِّلُ إذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وإذَا رَآهُمْ أبْطَئُوا أخَّرَ، وَالصُّبْحَ كانُوا أوْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلّيهَا بِغَلَسٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] قوله: (بالهاجرة) هي شدّة الحر نصف النهار عقب الزوال، سمّيت بذلك من الهجر وهو الترك؛ لأن الناس يتركون التصرّف حينئذ لشدّة الحر ويقيلون، وقد تقدم تفسيرها بنحو من هذا. قوله: (والشمس نقية)، أي صافية لم تدخلها صفرة. قوله: (إذا وجبت) أي غابت، والوجوب: السقوط كما سبق. قوله: (إذا رآهم اجتمعوا) (١) فيه مشروعية ملاحظة أحوال المؤتمّين والمبادرة بالصلاة مع اجتماع المصلّين لأن انتظارهم بعد الاجتماع ربما كان سببًا لتأذّي بعضهم، وأمّا الانتظار قبل الاجتماع فلا بأس به لهذا الحديث؛ ولأنه من باب المعاونة على البرّ والتقوى. قوله: (بغلس)، الغَلَسُ محركةً: ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيلِ، قاله في القاموس (٢). والحديث يدلّ على استحباب تأخير صلاة العشاء، لكن مقيدًا بعدم اجتماع المصلّين. ٤١/ ٤٥٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ [رضي الله تعالى عنها] (٣) قالَتْ: أعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عامَّةُ اللَّيْلِ حَتَّى نَامَ أهْلُ المَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى، فقالَ: "إنَّهُ لوَقْتُهَا، لَوْلَا أَنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤) وَالنَّسَائِيُّ) (٥). [صحيح] قوله: (أعتم) قد تقدم الكلام عليه.

стр. 1094

قوله: (حتى ذهب عامّة الليل)، قال النووي (١): التأخير المذكور في الأحاديث كله تأخير لم يخرج به عن وقت الاختيار وهو نصف الليل أو ثلث الليل على الخلاف المشهور، والمراد بعامّة الليل كثير منه، وليس المراد أكثره، ولا بدّ من هذا التأويل لقوله ﷺ : "إنه لوقتها"، ولا يجوز أن المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل؛ لأنه لم يقل أحد من العلماء: إن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل، انتهى. قوله: (لولا أن أشقّ على أمّتي) فيه تصريح بما قدمنا من أن ترك التأخير إنما هو للمشقّة. والحديث يدل على مشروعية تأخير صلاة العشاء إلى آخر وقت اختيارها، وقد تقدم الكلام على ذلك. ٤٢/ ٤٥٩ - (وَعَنْ أنَسٍ [رضي الله تعالى عنه] (٢) قالَ: أخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قالَ: "قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا أمَا إنَّكُمْ فِي صَلاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا"، قالَ أنَسٌ: كَأنّي أنْظُرُ إلى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] قوله: (قد صلّى الناس)، أي المعهودون ممن صلّى من المسلمين إذ ذاك. قوله: (وبيص خاتمه) هو بالباء الموحدة والصاد المهملة: البريق. والخاتم بكسر التاء وفتحها، ويقال أيضًا خاتام وخيتام أربع لغات، قاله النووي (٤). والحديث يدلّ على مشروعيّة تأخير صلاة العشاء والتعليل بقوله: أما إنكم … إلخ، يشعر بأن التأخير لذلك، قال الخطابي وغيره: إنما استحبّ تأخيرها لتطول مدة الانتظار للصلاة، ومنتظر الصلاة في صلاة. ٤٣/ ٤٦٠ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ [رضي الله تعالى عنه] (٢) قالَ: انْتَظَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً لِصَلَاةِ العِشاءِ حَتَّى ذَهَبَ نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، قالَ: فجَاءَ فَصَلَّى بِنَا، ثُمَّ قالَ: "خُذُوا مَقَاعِدَكُمْ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي

стр. 1095

صَلَاةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا، وَلَوْلَا ضَعْف الضَّعِيفِ، وَسُقْمُ السَّقِيمِ، وحَاجَةُ ذِي الحَاجَةِ، لأَخَّرْتُ هذ الصَّلَاةَ إلَى شَطْرِ اللَّيْلِ". رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَأَبُو داوُدَ) (٢). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا ابن ماجه (٣) من حديثه، والنسائي (٤)، [وابن خزيمة (٥)، وغيرهم] (٦) وإسناده صحيح. قوله: (ليلة) فيه إشعار بأنه لم يكن يواظب على ذلك. قوله: (شطر الليل) الشطر: نصف الشيء وجزؤه، ومنه حديث الإسراء: "فوضع شطرها"، أي بعضها، قاله في القاموس (٧). قوله: (ولولا ضعف الضعيف) هذا تصريح بأفضلية التأخير لولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة. والحديث من حجج من قال بأن التأخير أفضل وقد تقدم الخلاف في ذلك. قال المصنف (٨) ﵀ [تعالى] (٩): قلت: قد ثبت تأخيرها إلى شطر الليل عنه ﵇ [قولًا وفعلًا] (١٠) [منه] (١١)، وهو مثبت زيادة على أخبار ثلث الليل والأخذ بالزيادة أولى، انتهى. وهذا صحيح وقد أسلفنا ذكره. [الباب الحادي عشر] باب كراهية النوم قبلها والسمر بعدها إلا في مصلحة ٤٤/ ٤٦١ - (عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ [رضي الله تعالى عنه] (٩) أن النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْتَحِبُّ أنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ الّتي يَدْعُونَهَا العَتَمَةَ، وَكانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا.

стр. 1096

وَالْحَدِيَثَ بَعْدَهَا. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ) (١). [صحيح] وفي الباب عن عائشة عند ابن حبان (٢). وعن أنس أشار إليه الترمذي (٣). وعن ابن عباس رواه القاضي أبو الطاهر الذهلي (٤). وعن ابن مسعود، وسيأتي (٥). قال الترمذي (٦): وقد كَرِهَ أكثرُ أهل العلم النومَ قبلَ صلاة العشاء، ورخَّصَ في ذلك بعضهم، وقال ابن المبارك (٧): "أكثرُ الأحاديث على الكراهة ورخَّصَ بعضهم في النوم قبلَ صلاة العشاء في رمضان". قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: وقد كرهه جماعة وأغلظوا فيه منهم ابن عمر وعمر وابن عباس، وإليه ذهب مالك ورخّص فيه بعضهم منهم علي وأبو موسى وهو مذهب الكوفيين، وشرط بعضهم أن يجعل معه من يوقظه لصلاتها،

стр. 1097

وروي عن ابن عمر مثله وإليه ذهب الطحاوي (١). وقال ابن العربي (٢): إن ذلك جائز لمن علم من نفسه اليقظة قبل خروج الوقت بعادة، أو يكون معه من يوقظه، والعلّة في الكراهة قبلها لئلا يذهب النوم بصاحبه ويستغرقه فتفوته، أو يفوته فضل وقتها المستحب، أو يترخّص في ذلك الناس، فيناموا عن إقامة جماعتها. احتجّ من قال بالكراهة بحديث الباب وما بعده. واحتجّ من قال بالجواز بدون كراهة بما أخرجه البخاري وغيره (٣) من حديث عائشة: "أن رسول الله ﷺ أعتم بالعشاء حتى ناداه عمر نام النساء والصبيان ولم ينكر عليهم"، وبحديث ابن عمر (٤): "أن رسول الله ﷺ شغل عنها ليلة فأخّرها حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا (٥)، ثم رقدنا ثم استيقظنا، ثم خرج علينا رسول الله ﷺ " الحديث، ولم ينكر عليهم. قال ابن سيد الناس: وما أرى هذا من هذا الباب، ولا نعاسهم في المسجد وهم في انتظار الصلاة من النوم المنهيّ عنه، وإنما هو من السِّنَة التي هي مبادي النوم؛ كما قال: وَسْنَانُ أقْصَدَهُ النعاسُ فرنَّقَتْ … في جفنهِ سِنَةٌ وليسَ بنائِمِ (٦) وقد أشار الحافظ في الفتح (٧) إلى الفرق بين هذا النوم والنوم المنهيّ عنه.

стр. 1098

قوله: (والحديث بعدها) سيأتي الخلاف في ذلك. ٤٥/ ٤٦٢ - (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: جَدَبَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّمَرَ بَعْدَ العِشَاءِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه (٢)، وَقالَ: جَدَبَ: يَعْنِي زَجَرَنَا عَنْهُ، نَهَانَا عَنْهُ). [حسن لغيره] الحديث رجاله في سنن ابن ماجه رجال الصحيح، وقد أشار إليه الترمذي (٣) وذكره الحافظ ابن سيد الناس في شرح الترمذي، ولم يتعقبه بما يوجب ضعفًا. وقد أخرج الإمام أحمد (٤)

стр. 1099

والترمذي (١) عن ابن مسعود نحوه من وجه آخر بلفظ: "لا سمر بعد الصلاة"، - يعني العشاء الآخرة - "إلا لأحد رجلين: مصلٍّ أو مسافر". ورواه الحافظ ضياء الدين المقدسي في الأحكام من حديث عائشة مرفوعًا بلفظ: "لا سمر إلا لثلاثة: مصلٍّ، أو مسافر، أو عروس". قوله: (جدب) هو بجيم فدال مهملة مفتوحتين فباء، كمنع وزنًا ومعنى، ومنه سنة مجدبة أي ممنوعة الخير. والحديث يدلّ على كراهة السمر بعد العشاء، وسيأتي الخلاف في ذلك. ٤٦/ ٤٦٣ - (وَعَنْ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنه] (٢) قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْمُرُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ اللَّيْلَةَ كَذلِكَ فِي الأمْرِ مِنْ أمْرِ المُسْلِمِينَ وَأَنَا مَعَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣) والتِّرْمِذِيُّ) (٤). [صحيح لغيره] الحديث حسّنه أيضًا [الترمذي] (٥) وأخرجه النسائي (٦) ورجاله رجال الصحيح، وإنما قصر به عن التصحيح الانقطاع الذي فيه بين علقمة وعمر (٧).

стр. 1100

وفي الباب عن عبد الله بن عمر عند البخاري (١) ومسلم (٢)، وقد ذكرنا لفظه في شرح حديث أبي برزة (٣). وعن أوس بن حذيفة أشار إليه الترمذي (٤). وعن ابن عباس وسيأتي (٥) الحديث. استدلّ به على عدم كراهة السمر بعد العشاء لحاجة. قال الترمذي (٦): "وقد اختلف أهلُ العلم من أصحاب النبيّ ﷺ والتابعين ومن بعدهم في السمر بعد العشاء فكره قومٌ منهم السمرَ بعد صلاة العشاء، ورخَّصَ بعضُهم إذا كان في مَعْنَى العلم وما لا بُدَّ منه من الحوائج، وأكثرُ الحديث على الرُّخْصَةِ". وهذا الحديث يدلّ على عدم كراهة السمر بعد العشاء إذا كان لحاجة دينية عامة أو خاصة، وحديث أبي برزة (٧) وابن مسعود (٨) وغيرهما على الكراهة. وطريقة الجمع [بينهما] (٩) بأن توجه أحاديث المنع إلى الكلام المباح الذي ليس فيه فائدة تعود على صاحبه، وأحاديث الجواز إلى ما فيه فائدة تعود على

стр. 1101

المتكلّم، أو يقال: دليل كراهة الكلام والسمر بعد العشاء عام مخصّص بدليل جواز الكلام والسمر بعدها في الأمور العائدة إلى مصالح المسلمين. قال النووي (١): واتّفق العلماء على كراهة الحديث بعدها إلّا ما كان في خير. قيل: وعلّة الكراهة ما يؤدّي إليه السهر من مخافة غلبة النوم آخر الليل عن القيام لصلاة الصبح في جماعة، أو الإتيان بها في وقت الفضيلة والاختيار، أو القيام للورد من صلاة أو قراءة في حق من عادته ذلك، ولا أقل لمن أمن من ذلك من الكسل بالنهار عمّا يجب من الحقوق فيه والطاعات. ٤٧/ ٤٦٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رضي الله تعالى عنه] (٢) قالَ: رَقَدْتُ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ لَيْلَةَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهَا لأنْظُرَ كَيْفَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [بِاللَّيْلِ] (٣)، قالَ: فَتَحَدَّثَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أهْلِهِ ساعَةً ثُمَّ رَقَدَ، وَسَاقَ الحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (٤). [صحيح] الحديث استدلّ به من قال بجواز السمر مطلقًا لأن التحدّت الواقع منه ﷺ لم يقيد بما فيه طاعة، ولا بأس بتقييده بما فيه طاعة جمعًا بين الأدلّة كما سبق، على أنه يمكن أن يكون وقوع ذلك منه ﷺ لبيان الجواز، وللإشعار بالمنع من حمل الأدلّة القاضية بمنع السمر على التحريم، ويمكن أن يقال: إن العلّة التي ذكرناها للكراهية منتفية في حقّه ﷺ لأمنه من غلبة النوم وعروض الكسل، ويجاب بمنع أمنه من غلبة النوم مسندًا بنومه في الوادي (٥)، وأمّا أمنه من عروض

стр. 1102

الكسل فمسلَّم إن لم يكن ذلك من الأمور العارضة لطبيعة الإنسان الخارجة عن الاختيار. [الباب الثاني عشر] باب تسميتها بالعشاء والعتمة ٤٨/ ٤٦٥ - (عَنْ مالِكٍ عَنْ سُمَيّ (١) عَنْ أبِي صالِحٍ (٢) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ [رضي الله تعالى عنهم] (٣) أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ والصِّفِّ الأوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيهِ لاسْتَهَمُوا عَلَيهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إلَيهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). زَادَ أحْمَدُ (٥) فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَبْدِ الرزَّاقِ، فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: أمَا تَكْرَهُ أنْ تَقُولَ العَتمَة، قالَ: هكَذَا قالَ الَّذِي حَدَّثَنِي). [صحيح] قوله: (لو يعلم الناس ما في النداء والصفّ الأول) أي من مزيد الفضل وكثرة الأجر. قوله: (لأتوهما)، أي لأتوا المحل الذي يصلّيان فيه جماعة وهو المسجد. قوله: (ولو حبوًا)، أي زحفًا إذا منعهم مانع من المشي، كما يزحف الصغير.

стр. 1103

ولابن أبي شيبة (١) من حديث أبي الدرداء: "ولو حبوًا على المرافق والركب". الحديث يدلّ على استحباب القيام بوظيفة الأذان والملازمة للصف الأول والمسارعة إلى جماعة العشاء والفجر، وسيأتي الكلام على ذلك. ويدلّ على: جواز تسمية العشاء بالعتمة. وقد ورد من حديث عائشة عند البخاري (٢) بلفظ: "أعتم النبيّ ﷺ بالعتمة". ومن حديث جابر عند البخاري (٣) أيضًا بلفظ: "صلّى لنا النبيّ ﷺ ليلةً صلاة العشاء، وهي التي يَدعو الناس العتمة". ومن حديث غيرهما (٤) أيضًا. وقد استشكل الجمع بين هذا الحديث وبين حديث ابن عمر الآتي (٥)، فقال النووي (٦) وغيره: الجواب عن حديث أبي هريرة من وجهين: (أحدهما): أنه استعمل لبيان الجواز وأن النهي عن العتمة للتنزيه لا التحريم. (والثاني): أنه يحتمل أنه خوطب بالعتمة من لا يعرف العشاء فخوطب بما يعرفه، أو استعمل لفظ العتمة لأنه أشهر عند العرب، وإنما كانوا يطلقون العشاء على المغرب كما في صحيح البخاري (٧) ومسلم (٨) بلفظ: " [لا تغلبنَّكم] (٩) الأعراب

стр. 1104

على اسم صلاتكم المغرب"، قال: والأعراب تقول: هي العشاء، وقد تقدم هذا الحديث والكلام عليه. وقيل: إن النهي عن تسمية العتمة عتمة ناسخ للجواز، وفيه أنه يحتاج في مثل ذلك إلى معرفة التاريخ والعلم بتأخّر حديث المنع. قال الحافظ في الفتح (١): ولا يبعد أن ذلك كان جائزًا فلما كثر إطلاقهم له نهوا عنه لئلا تغلب السنة الجاهلية على السنَّة الإسلامية، ومع ذلك فلا يحرم ذلك بدليل أن الصحابة الذين رووا النهي استعملوا التسمية المذكورة، وأما استعمالها في مثل حديث أبي هريرة، فلدفع الالتباس بالمغرب، والله أعلم. اهـ. ٤٩/ ٤٦٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنهما] (٢) قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا [تَغْلِبَنَّكُمُ] (٣) الأعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاِتكُمْ، ألَا إنَّهَا العِشاءُ وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالإبِلِ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) ومُسْلِمٌ (٥) والنَّسَائِيُّ (٦) وابْنُ مَاجَهْ (٧)، وفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (٨): "لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاِتِكُمْ العِشاءِ، فإنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ العِشاءُ وإنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الإبِلِ") [صحيح] الحديث أخرج نحوه ابن ماجه (٩) من حديث أبي هريرة بإسناد حسن، قاله الحافظ (١٠). وأخرج نحوه أيضًا البيهقي (١١) وأبو يعلى (١٢) من حديث عبد الرحمن بن عوف.

стр. 1105

كذلك زاد الشافعي (١) في روايته في حديث ابن عمر: وكان ابن عمر إذا سمعهم يقولون العتمة صاح وغضب. وأخرج عبد الرزاق (٢) هذا الموقوف (٣) من وجه آخر، وروى ابن أبي شيبة (٤) عن ابن عمر أنّه قال له ميمون بن مهران: من أوّل من سمى العشاء العتمة؟ قال: الشيطان. والحديث يدلّ على كراهة تسمية العشاء بالعتمة، وقد ذهب إلى ذلك ابن عمر (٥) وجماعة من السلف (٦)، ومنهم من قال بالجواز، وقد نقله ابن أبي شيبة (٧) عن أبي بكر الصديق وغيره، ومنهم من جعله خلاف الأولى، وقد نقله ابن المنذر (٨) عن مالك والشافعي واختاره. قال الحافظ (٩) وهو الراجح: واستدلّوا على ذلك بحديث أبي هريرة (١٠) المتقدم، وقد تقرّر أن جواز المصير إلى الترجيح مشروط بتعذّر الجمع، ولم يتعذّر ههنا كما عرفت في شرح الحديث الأوّل. قوله: (يعتمون) قد تقدم تفسير ذلك في باب وقت صلاة العشاء (١١). [الباب الثالث عشر] باب وقت صلاة الفجر وما جاء في التغليس بها والإسفار قد تقدم بيان وقتها في غير حديث. ٥٠/ ٤٦٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ [رضي الله تعالى عنها] (١٢) قالَتْ: كُنَّ نِسَاءُ

стр. 1106

المُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةَ الفَجْرِ، مُتَلَفِّعاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضينَ الصَّلَاةَ لَا يَعْرِفُهُنَّ أحَدٌ مِنَ الغَلَسِ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ (١)، وَللْبُخَارِيِّ (٢): وَلَا يَعْرِفُ بَعْضَهُنَّ بَعْضًا). [صحيح] قوله: (نساء المؤمنات) صورته صورة إضافة الشيء إلى نفسه، واختلف في تأويله وتقديره. فقيل: تقديره نساء الأنفس المؤمنات. وقيل: نساء الجماعات المؤمنات. وقيل: إن نساء هنا بمعنى الفاضلات، أي فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم أي فضلاؤهم ومقدَّموهم. وقوله: (كن) قال الكرماني: هو مثل أكلوني البراغيث؛ لأن قياسه الإفراد وقد جمع. قوله: (متلفّعات) هو بالعين المهملة بعد الفاء، أي متجلّلات ومتلففات. والمُرُوط جمع مِرْط (٣) بكسر الميم: الأكسية المعلمة من خَزٍّ أو صوف أو غير ذلك. قوله: (لا يعرفهن أحد)، قال الداودي (٤): معناه ما يعرفن أنساءٌ هنّ أم رجال. وقيل: لا يعرف أعيانهن. قال النووي (٥): وهذا ضعيف لأن المتلفّعة في النهار أيضًا لا يعرف عينها فلا يبقى في الكلام فائدة، وتعقب بأن المعرفة إنّما تتعلق بالأعيان، ولو كان المراد الأول لعبّر عنه بنفي العلم. قال الحافظ (٦): وما ذكره من أن المتلفعة بالنهار لا يعرف عينها فيه نظر؛ لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب ولو كان بدنها مغطّى. قال الباجي (٧): وهذا يدلّ على أنهن كنّ سافرات؛ إذ لو كنّ متقنعات لكان المانع من المعرفة تغطيتهن لا التغليس.

стр. 1107

قوله: (من الغلس) "من" ابتدائية أو تعليلية، ولا معارضة بين هذا وبين حديث أبي برزة أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه لأن هذا إخبار عن رؤية المتلفعة على بعد، وذاك إخبار عن رؤية الجليس. والحديث يدلّ على استحباب المبادرة بصلاة الفجر في أوّل الوقت. وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهبت العترة ومالك (١) والشافعي (٢) وأحمد (٣) وإسحق (٤) وأبو ثور (٥) والأوزاعي (٦) وداود بن علي (٧) وأبو جعفر الطبري (٨)، وهو المرويّ عن عمر (٩)، وعثمان (١٠) وابن الزبير (١١) وأنس (١٢) وأبي موسى (١٣)

стр. 1108

وأبي هريرة (١)، إلى أن التغليس أفضل وأن الإسفار غير مندوب. وحكى هذا القول الحازمي (٢) عن بقية الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي مسعود الأنصاري، وأهل الحجاز. واحتجّوا بالأحاديث المذكورة في هذا الباب وغيرها، ولتصريح أبي مسعود في الحديث (٣) الآتي بأنها كانت صلاة النبيّ ﷺ التغليس حتى مات ولم يعد إلى الإسفار. وذهب الكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه (٤) والثوري (٥) والحسن بن حي وأكثر العراقيين وهو مرويّ عن علي (٦) وابن مسعود (٧) إلى أن الإسفار أفضل.

стр. 1109

واحتجّوا بحديث: "أسفروا بالفجر"، وسيأتي نحوه (١). وقد أجاب القائلون بالتغليس عن أحاديث الإسفار بأجوبة: منها: أن الإسفار التبين والتحقّق، فليس المراد إلّا تبين الفجر وتحقّق طلوعه، وردّ بما أخرجه ابن أبي شيبة (٢) وإسحق وغيرهما بلفظ: "ثوّب بصلاة الصبح يا بلال حين يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار". ومنها: أن الأمر بالإسفار في الليالي المقمرة، فإنه لا يتحقّق فيها الفجر إلَّا بالاستظهار في الإسفار. وذكر الخطابي (٣) أنه يحتمل أنهم لما أمروا بالتعجيل صلّوا بين الفجر الأول والثاني طلبًا للثواب، فقيل لهم: صلّوا بعد الفجر الثاني، وأصبحوا بها، فإنه أعظم لأجركم، فإن قيل: لو صلّوا قبل الفجر لم يكن فيها أجر، فالجواب أنهم يؤجرون على نيّتهم وإن لم تصح صلاتهم لقوله: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر" (٤). وقال أبو جعفر الطحاوي (٥): إنما يتفق معاني آثار هذا الباب بأن يكون دخوله ﷺ في صلاة الصبح مغلسًا ثم يطيل القراءة حتى ينصرف عنها مسفرًا، وهذا خلاف قول عائشة لأنها حكت أن انصراف النساء كان وهن لا يعرفن من الغلس، ولو قرأ رسول الله ﷺ بالسور الطوال ما انصرف إلّا وهم قد أسفروا ودخلوا في الإسفار جدًّا، ألا ترى إلى أبي بكر ﵁ حين قرأ البقرة في

стр. 1110

ركعتي الصبح قيل له: كادت الشمس تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين (١). ٥١/ ٤٦٨ - (وَعَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ [رضي الله تعالى عنه] (٢) أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ مَرَّةً بِغَلَسٍ، ثُمَّ صَلَّى مَرَّةً أُخْرَى فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدَ ذلِكَ التَّغْلِيسَ حَتَّى ماتَ لَمْ يَعُدْ إلَى أنْ يُسْفِرَ. رَواهُ أبُو داوُدَ) (٣) [حسن] الحديث [رجاله في سنن أبي داود رجال الصحيح، و] (٤) أصله في الصحيحين (٥)، والنسائي (٦) وابن ماجه (٧). ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نزل جبريل فأخبرني بوقت الصلاة فصلّيت معه، ثم صلّيت معه، ثم صلّيت معه، ثم صلّيت معه، ثم صلّيت معه، يحسب بأصابعه خمس صلوات، فرأيت رسول الله ﷺ صلّى الظهر حين تزول الشمس وربما أخّرها حين اشتدّ الحر، ورأيته يصلّي العصر والشمس مرتفعة بيضاء قبل أن تدخلها الصفرة فينصرف الرجل من الصلاة فيأتي ذا الحليفة قبل غروب الشمس، ويصلّي المغرب حيت تسقط الشمس، ويصلّي العشاء حين يسوَد الأفق وربما أخّرها حتى يجتمع الناس، وصلّى الصبح مرة بغلس ثم صلّى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر"، ولم يذكر رؤيته لصلاة رسول الله ﷺ إلّا أبو داود. قال المنذري (٨): "وهذه الزيادة في قصة الإسفار رواتها عن آخرهم ثقات، والزيادة من الثقة مقبولة" اهـ.

стр. 1111

وقال الخطابي: هو صحيح الإسناد، وقال ابن سيّد الناس: إسناده حسن. قوله: (فأسفر بها) قال في القاموس (١): سَفَرَ الصُّبْحُ يَسْفِرُ؛ أضاءَ وأشْرَقَ اهـ. والغلس: بقايا الظلام، وقد مرّ تفسيره. والحديث يدلّ على استحباب التغليس، وأنه أفضل من الإسفار، ولولا ذلك لما لازمه النبيّ ﷺ حتى مات، وبذلك احتجّ من قال باستحباب التغليس، وقد مرّ ذكر الخلاف في ذلك وكيفيّة الجمع بين الأحاديث. ٥٢/ ٤٦٩ - (وَعَنْ أنَسٍ عَنْ زيدِ بْنِ ثابِتٍ [رضي الله تعالى عنهما] (٢) قالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قُمْنَا إلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: كَمْ كانَ مِقْدارُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] الحديث أخرجه (٤) ابن حبان (٥) والنسائي (٦) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أنس، إني أريد الطعام، أطعمني شيئًا، فجئته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعدما أذن بلال، قال: يا أنس انظر رجلًا يأكل معي، فدعوت زيد بن ثابت، فجاء فتسحّر معه، ثم [قام] (٧) فصلّى ركعتين ثم خرج إلى الصلاة". الحديث يدلّ أيضًا على استحباب التغليس، وأن أوّل وقت الصبح طلوع الفجر لأنه الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب، والمدّة التي بين الفراغ من السحور والدخول في الصلاة وهي قراءة الخمسين آية هي مقدار الوضوء، فأشعر ذلك بأن أول وقت الصبح أول ما يطلع الفجر.

стр. 1112

٥٣/ ٤٧٠ - (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أسْفِرُوا بالفَجْرِ فإنَّهُ أعْظَمُ لِلأَجْرِ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) (٢). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا ابن حبان (٣) والطبراني (٤)، قال الحافظ في الفتح (٥): وصحّحه غير واحد، قال: وأبعد من زعم أنه ناسخ للصلاة في الغلس، وقد احتجّ به من قال بمشروعية الإسفار، وقد تقدم الكلام عليه وعلى الجمع بينه وبين أحاديث التغليس، وقد تقرّر في الأصول أن الخطاب الخاصّ بنا لا يعارضه فعل النبيّ ﷺ ، والأمر بالإسفار لا يشمل النبيّ ﷺ لا على طريق النصوصية ولا الظهور، فملازمته للتغليس وموته عليه لا تقدح في مشروعيّة الإسفار للأمّة لولا أنه فعل ذلك وفعله معه الصحابة، فكان ذلك مشعرًا بعدم الاختصاص به فلا بدّ من المصير إلى التأويل كما سلف. ٥٤/ ٤٧١ - (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً لِغَيْرِ مِيقاتِهَا إلَّا صَلَاتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْعٍ وَصَلَّى الفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقاتِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح]

стр. 1113

وَلمُسْلِمٍ (١): قَبْلَ وَقْتِهَا بِغَلَسٍ. وَلِأَحْمَدَ (٢) وَالبُخَارِيِّ (٣) عَنْ عَبْد الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَدِمْنَا جَمْعًا فَصَلَّى الصَّلَاتَيْنِ كُلَّ صَلَاةٍ وَحْدَهَا بِأَذَانٍ وَإِقامَةٍ وَتَعَشَّى بَيْنَهُمَا ثُمَّ صَلَّى حِينَ طَلَعَ الفَجرِ، قَائِلٌ يَقُولُ: طَلَعَ الفَجْرُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: لَمْ يَطْلُعْ، ثُمَّ قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "إنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا فِي هذَا المَكَانِ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، وَلَا يَقْدُمُ النَّاسُ جَمْعًا حَتَّى يُعْتِمُوا وَصَلَاةَ الفَجْرِ هذِهِ السَّاعَةَ"". [صحيح] قوله: (بجمع) بجيم مفتوحة فميم ساكنة فعين مهملة، وهي المزدلفة، ويوم جمع يوم عرفة، وأيام جمع أيام منى، أفاده القاموس (٤). وإنّما سميت المزدلفة جمعًا لأن آدم اجتمع فيها مع حوّاء وازدلف إليها أي دنا منها. وروي عن قتادة أنّه قال: إنما سميت جمعًا لأنه يجمع فيها بين الصلاتين. وقيل: وصفت بفعل أهلها لأنهم يجتمعون بها ويزدلفون إلى الله، أي يتقرّبون إليه بالوقوف فيها، وقيل غير ذلك. قوله: (حتى يعتموا) أي يدخلوا في العتمة وقد تقدم بيانها، وتمام حديث ابن مسعود في البخاري (٣) بعد قوله: "وصلاة الفجر هذه الساعة ثم وقف حتى أسفر ثم قال، يعني ابن مسعود: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة"، فما أدري أقوله كان أسرع أم دفع عثمان (٥)، فلم يزل يلبّي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر، انتهى. والحديث استدلّ به من قال باستحباب الإسفار؛ لأن قوله قبل ميقاتها قد بيِّن في رواية مسلم (٦) أنه في وقت الغلس، فدلّ على أن ذلك الوقت أعني وقت

стр. 1114

الغلس متقدم على ميقات الصلاة المعروف عند ابن مسعود، فيكون ميقاتها المعهود هو الإسفار لأنه الذي يتعقّب الغلس، فيصلح ذلك للاحتجاج به على الإسفار، وقد تقدم الكلام على ذلك (١). ٥٥/ ٤٧٢ - (وَعَنْ أبِي الرَّبِيعِ [رضي الله تعالى عنه] (٢) قالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَقُلْتُ لَه: إنِّي أُصَلِّي مَعَكَ ثُمَّ أَلْتَفِتُ فَلَا أَرَى وَجْهَ جَلِيسِي ثُمَّ أحْيَانًا تُسْفِرُ، فقالَ: كَذلِكَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَحْبَبْتُ أنْ أُصَلِّيها كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيها. رَواهُ أحْمَدُ) (٣) [إسناده ضعيف] الحديث في إسناده أبو الربيع (٤) المذكور. قال الدارقطني: مجهول. وهو من جملة ما تمسك به القائلون باستحباب الإسفار، لأن ابن عمر كان يسفر بعد موته ﷺ ، فلو كان منسوخًا لما فعله، ولا يخفاك أن غاية ما فيه أن النبيّ ﷺ كان أحيانًا يغلس وأحيانًا يسفر، وهذا لا يدلّ على أن الإسفار أفضل
следующие страницы →