← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 1110–1149 · переход к 1115.

стр. 1110

ركعتي الصبح قيل له: كادت الشمس تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين (١). ٥١/ ٤٦٨ - (وَعَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ [رضي الله تعالى عنه] (٢) أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ مَرَّةً بِغَلَسٍ، ثُمَّ صَلَّى مَرَّةً أُخْرَى فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدَ ذلِكَ التَّغْلِيسَ حَتَّى ماتَ لَمْ يَعُدْ إلَى أنْ يُسْفِرَ. رَواهُ أبُو داوُدَ) (٣) [حسن] الحديث [رجاله في سنن أبي داود رجال الصحيح، و] (٤) أصله في الصحيحين (٥)، والنسائي (٦) وابن ماجه (٧). ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نزل جبريل فأخبرني بوقت الصلاة فصلّيت معه، ثم صلّيت معه، ثم صلّيت معه، ثم صلّيت معه، ثم صلّيت معه، يحسب بأصابعه خمس صلوات، فرأيت رسول الله ﷺ صلّى الظهر حين تزول الشمس وربما أخّرها حين اشتدّ الحر، ورأيته يصلّي العصر والشمس مرتفعة بيضاء قبل أن تدخلها الصفرة فينصرف الرجل من الصلاة فيأتي ذا الحليفة قبل غروب الشمس، ويصلّي المغرب حيت تسقط الشمس، ويصلّي العشاء حين يسوَد الأفق وربما أخّرها حتى يجتمع الناس، وصلّى الصبح مرة بغلس ثم صلّى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر"، ولم يذكر رؤيته لصلاة رسول الله ﷺ إلّا أبو داود. قال المنذري (٨): "وهذه الزيادة في قصة الإسفار رواتها عن آخرهم ثقات، والزيادة من الثقة مقبولة" اهـ.

стр. 1111

وقال الخطابي: هو صحيح الإسناد، وقال ابن سيّد الناس: إسناده حسن. قوله: (فأسفر بها) قال في القاموس (١): سَفَرَ الصُّبْحُ يَسْفِرُ؛ أضاءَ وأشْرَقَ اهـ. والغلس: بقايا الظلام، وقد مرّ تفسيره. والحديث يدلّ على استحباب التغليس، وأنه أفضل من الإسفار، ولولا ذلك لما لازمه النبيّ ﷺ حتى مات، وبذلك احتجّ من قال باستحباب التغليس، وقد مرّ ذكر الخلاف في ذلك وكيفيّة الجمع بين الأحاديث. ٥٢/ ٤٦٩ - (وَعَنْ أنَسٍ عَنْ زيدِ بْنِ ثابِتٍ [رضي الله تعالى عنهما] (٢) قالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قُمْنَا إلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: كَمْ كانَ مِقْدارُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] الحديث أخرجه (٤) ابن حبان (٥) والنسائي (٦) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أنس، إني أريد الطعام، أطعمني شيئًا، فجئته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعدما أذن بلال، قال: يا أنس انظر رجلًا يأكل معي، فدعوت زيد بن ثابت، فجاء فتسحّر معه، ثم [قام] (٧) فصلّى ركعتين ثم خرج إلى الصلاة". الحديث يدلّ أيضًا على استحباب التغليس، وأن أوّل وقت الصبح طلوع الفجر لأنه الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب، والمدّة التي بين الفراغ من السحور والدخول في الصلاة وهي قراءة الخمسين آية هي مقدار الوضوء، فأشعر ذلك بأن أول وقت الصبح أول ما يطلع الفجر.

стр. 1112

٥٣/ ٤٧٠ - (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أسْفِرُوا بالفَجْرِ فإنَّهُ أعْظَمُ لِلأَجْرِ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) (٢). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا ابن حبان (٣) والطبراني (٤)، قال الحافظ في الفتح (٥): وصحّحه غير واحد، قال: وأبعد من زعم أنه ناسخ للصلاة في الغلس، وقد احتجّ به من قال بمشروعية الإسفار، وقد تقدم الكلام عليه وعلى الجمع بينه وبين أحاديث التغليس، وقد تقرّر في الأصول أن الخطاب الخاصّ بنا لا يعارضه فعل النبيّ ﷺ ، والأمر بالإسفار لا يشمل النبيّ ﷺ لا على طريق النصوصية ولا الظهور، فملازمته للتغليس وموته عليه لا تقدح في مشروعيّة الإسفار للأمّة لولا أنه فعل ذلك وفعله معه الصحابة، فكان ذلك مشعرًا بعدم الاختصاص به فلا بدّ من المصير إلى التأويل كما سلف. ٥٤/ ٤٧١ - (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً لِغَيْرِ مِيقاتِهَا إلَّا صَلَاتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْعٍ وَصَلَّى الفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقاتِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح]

стр. 1113

وَلمُسْلِمٍ (١): قَبْلَ وَقْتِهَا بِغَلَسٍ. وَلِأَحْمَدَ (٢) وَالبُخَارِيِّ (٣) عَنْ عَبْد الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَدِمْنَا جَمْعًا فَصَلَّى الصَّلَاتَيْنِ كُلَّ صَلَاةٍ وَحْدَهَا بِأَذَانٍ وَإِقامَةٍ وَتَعَشَّى بَيْنَهُمَا ثُمَّ صَلَّى حِينَ طَلَعَ الفَجرِ، قَائِلٌ يَقُولُ: طَلَعَ الفَجْرُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: لَمْ يَطْلُعْ، ثُمَّ قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "إنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا فِي هذَا المَكَانِ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، وَلَا يَقْدُمُ النَّاسُ جَمْعًا حَتَّى يُعْتِمُوا وَصَلَاةَ الفَجْرِ هذِهِ السَّاعَةَ"". [صحيح] قوله: (بجمع) بجيم مفتوحة فميم ساكنة فعين مهملة، وهي المزدلفة، ويوم جمع يوم عرفة، وأيام جمع أيام منى، أفاده القاموس (٤). وإنّما سميت المزدلفة جمعًا لأن آدم اجتمع فيها مع حوّاء وازدلف إليها أي دنا منها. وروي عن قتادة أنّه قال: إنما سميت جمعًا لأنه يجمع فيها بين الصلاتين. وقيل: وصفت بفعل أهلها لأنهم يجتمعون بها ويزدلفون إلى الله، أي يتقرّبون إليه بالوقوف فيها، وقيل غير ذلك. قوله: (حتى يعتموا) أي يدخلوا في العتمة وقد تقدم بيانها، وتمام حديث ابن مسعود في البخاري (٣) بعد قوله: "وصلاة الفجر هذه الساعة ثم وقف حتى أسفر ثم قال، يعني ابن مسعود: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة"، فما أدري أقوله كان أسرع أم دفع عثمان (٥)، فلم يزل يلبّي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر، انتهى. والحديث استدلّ به من قال باستحباب الإسفار؛ لأن قوله قبل ميقاتها قد بيِّن في رواية مسلم (٦) أنه في وقت الغلس، فدلّ على أن ذلك الوقت أعني وقت

стр. 1114

الغلس متقدم على ميقات الصلاة المعروف عند ابن مسعود، فيكون ميقاتها المعهود هو الإسفار لأنه الذي يتعقّب الغلس، فيصلح ذلك للاحتجاج به على الإسفار، وقد تقدم الكلام على ذلك (١). ٥٥/ ٤٧٢ - (وَعَنْ أبِي الرَّبِيعِ [رضي الله تعالى عنه] (٢) قالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَقُلْتُ لَه: إنِّي أُصَلِّي مَعَكَ ثُمَّ أَلْتَفِتُ فَلَا أَرَى وَجْهَ جَلِيسِي ثُمَّ أحْيَانًا تُسْفِرُ، فقالَ: كَذلِكَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَحْبَبْتُ أنْ أُصَلِّيها كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيها. رَواهُ أحْمَدُ) (٣) [إسناده ضعيف] الحديث في إسناده أبو الربيع (٤) المذكور. قال الدارقطني: مجهول. وهو من جملة ما تمسك به القائلون باستحباب الإسفار، لأن ابن عمر كان يسفر بعد موته ﷺ ، فلو كان منسوخًا لما فعله، ولا يخفاك أن غاية ما فيه أن النبيّ ﷺ كان أحيانًا يغلس وأحيانًا يسفر، وهذا لا يدلّ على أن الإسفار أفضل

стр. 1115

من التغليس، إنما يدلّ على أن النبيّ ﷺ فعل الأمرين وذلك مما لا نزاع فيه، إنما النزاع في الأفضل، وفعل ابن عمر لا يدلّ على عدم النسخ المتنازع فيه وهو نسخ الفضيلة لما سلف، إنما يدلّ على عدم نسخ الجواز وذلك أمر متفق عليه. ٥٦/ ٤٧٣ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى اليَمَنِ، فقالَ: "يَا مُعَاذُ إذَا كانَ فِي الشِّتَاءِ فَغَلِّسْ بالفَجْرِ وَأَطِلِ القِرَاءَةَ قَدْرَ ما يَطِيقُ النَّاسُ وَلَا تملَّهُمْ، وَإِذَا كانَ الصَّيْفُ فَأسْفِرْ بالفَجْرِ فَإِنَّ اللَّيْلَ قَصِيرٌ وَالنَّاسُ يَنامُونَ فأمْهِلْهُمْ حَتَّى يُدْرِكُوا". رَواهُ الحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ البَغَوِيُّ في شَرْحِ السُّنَّةِ (٢)، وأخْرَجَهُ بَقِيٌّ بْنُ مخْلدٍ في مُسْنَدِهِ المُصَنَّفِ) (٣). [ضعيف جدًّا] الحديث [أخرجه أيضًا أبو نعيم في الحلية (٤) كما قال السيوطي في الجامع الكبير، و] (٥) فيه التفرقة بين زمان الشتاء والصيف في الإسفار والتغليس معلّلًا

стр. 1116

بتلك العلّة المذكورة في الحديث، ولكنه لا يعارض أحاديث التغليس لما في حديث أبي مسعود السابق (١) من التصريح بملازمته ﷺ للتغليس حتى مات فكان آخر الأمرين منه [ ﷺ ] (٢)، وهذا الحديث ظاهر في التقدم لما فيه من التاريخ بخروج معاذ إلى اليمن، فلا بدّ من تأويله بما تقدم. [الباب الرابع عشر] باب بيان أن من أدرك بعض الصلاة في الوقت فإنه يتمّها ووجوب المحافظة على الوقت ٥٧/ ٤٧٤ - (عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ [رضي الله تعالى عنه] (٣) أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "مَنْ أدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أدْرَكَ العَصْرَ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ (٤). [صحيح] وَلِلْبُخَارِيِّ (٥): "إذَا أدْرَكَ أحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلاةِ العَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتهُ") [صحيح] ٥٨/ ٤٧٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ [رضي الله تعالى عنها] (٣) قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أدْرَكَ مِنَ العَصْرِ سَجْدَةً قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أوْ مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أنْ تَطْلعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أدْرَكَهَا". رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وَمُسْلِمٌ (٧) والنَّسَائِيُّ (٨) وابْنُ مَاجَهْ (٩)، والسَّجْدَةُ هُنَا الرَّكْعَةُ). [صحيح]

стр. 1117

قوله: (فقد أدرك) قال النووي (١): أجمع المسلمون على أن هذا ليس على ظاهره وأنه لا يكون بالركعة مدركًا لكل الصلاة وتكفيه، وتحصل الصلاة بهذه الركعة بل هو متأوّل، وفيه إضمار تقديره، فقد أدرك حكم الصلاة أو وجوبها أو فضلها، انتهى. وقيل: يحمل على أنه أدرك الوقت. قال الحافظ (٢): وهذا قول الجمهور. وفي رواية (٣) من حديث أبي هريرة: "من صلّى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس وصلّى ما بقي بعد غروب الشمس لم تفته العصر"، وقال مثل ذلك في الصبح. وفي رواية للبخاري (٤) من حديث أبي هريرة أيضًا: "فليتم صلاته"، وللنسائي (٥): "فقد أدرك الصلاة كلّها إلّا أنه يقضي ما فاته"، وللبيهقي (٦): "فليصل إليها أخرى"، ويؤخذ من هذا الردّ على الطحاوي حيث خصّ الإدراك باحتلام الصبي وطهر الحائض وإسلام الكافر ونحو ذلك، وأراد بذلك نصرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد صلاته لأنه لا يكملها إلّا في وقت الكراهة، وهو مبنيّ على أن الكراهة تتناول الفرض والنفل، وهي خلافية مشهورة. قال الترمذي (٧): وبهذا يقول الشافعي وأحمد وإسحق وخالف أبو حنيفة (٨) فقال: من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته، واحتجّ في ذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس (٩)، وادّعى بعضهم أن أحاديث النهي ناسخة لهذا الحديث.

стр. 1118

قال الحافظ (١): وهي دعوى تحتاج إلى دليل وأنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن بأن تحمل أحاديث النهي على ما لا سبب له من النوافل، انتهى. قلت: وهذا أيضًا جمع بما يوافق مذهب الحافظ، والحق أن أحاديث النهي عامّة تشمل كُلِّ صلاة، وهذا الحديث خاص فيبنى العام على الخاص، ولا يجوز في ذلك الوقت شيء من الصلوات إلّا بدليل يخصّه، سواء كان من ذوات الأسباب أو غيرها، ومفهوم الحديث أن من أدرك أقلّ من ركعة لا يكون مدركًا للوقت، وأن صلاته تكون قضاء، وإليه ذهب الجمهور. وقال البعض: أداء. والحديث يردّه، واختلفوا إذا أدرك من لا تجب عليه الصلاة كالحائض تطهر، والمجنون يعقل، والمغمى عليه يفيق، والكافر يسلم، دون ركعة من وقتها هل تجب عليه الصلاة أم لا، وفيه قولان للشافعي (٢)، أحدهما: لا تجب، وروي عن مالك عملًا بمفهوم الحديث وأصحهما عن أصحاب الشافعي أنها تلزمه، وبه قال أبو حنيفة لأنه أدرك جزءًا من الوقت فاستوى قليله وكثيره، وأجابوا عن مفهوم الحديث بأن التقييد بركعة خرج مخرج الغالب ولا يخفى ما فيه من البعد، وأمّا إذا أدرك أحد هؤلاء ركعة وجبت عليه الصلاة بالاتفاق بينهم، ومقدار هذه الركعة قدر ما يكبِّر ويقرأ أمّ القرآن ويركع ويرفع ويسجد سجدتين.

стр. 1119

والحديث يدلّ على أن الصلاة التي أُدركت منها ركعة، قبل خروج الوقت أداء لا قضاء، وفي ذلك إشكالات عند أئمة الأصول. قوله: (سجدةً) المراد بها الركعة كما ذكر المصنف ومسلم في صحيحه (١). وقد ثبت عند الإسماعيلي بلفظ: ركعة مكان سجدة، فدلّ على أن الاختلاف في اللفظ وقع من الرواة، وقد ثبت أيضًا عند البخاري (٢) من طريق مالك بلفظ: "من أدرك ركعة". قال الحافظ (٣): ولم يختلف على راويها في ذلك، فكان عليها الاعتماد. قال الخطابي (٤): المراد بالسجدة، الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إنما يكون تمامها سجودها فسمّيت على هذا سجدة، انتهى. وإدراك الركعة، قبل خروج الوقت لا يخصّ صلاة الفجر والعصر لما ثبت عند البخاري (٥) ومسلم (٦) وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "من أدركَ ركعةً من الصلاة فقد أدركَ الصلاة"، وهو أعمّ من حديث الباب. قال الحافظ (٧): ويحتمل أن تكون اللام عهدية ويؤيّده أن كلًا منهما من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة، وهذا مطلق وذاك يعني حديث الباب مقيد فيحمل المطلق على المقيد، انتهى. ويمكن أن يقال: إن حديث الباب دلّ بمفهومه على اختصاص ذلك الحكم بالفجر والعصر، وهذا الحديث دلّ بمنطوقه على أن حكم جميع الصلوات لا يختلف في ذلك، والمنطوق أرجح من المفهوم فيتعيّن المصير إليه ولاشتماله على الزيادة التي ليست منافية للمزيد. قال النووي (٨): وقد اتّفق العلماء على أنه لا يجوز تعمّد التأخير إلى هذا الوقت، انتهى.

стр. 1120

وقد قدّمنا الكلام على اختصاص هذا الوقت بالمضطرّين في أوائل الأوقات، فارجع إليه. ٥٩/ ٤٧٦ - (وَعَنْ أبِي ذَرٍّ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ أنْتَ إذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ أوْ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ "، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قالَ: "صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَة"، وَفِي رِوايَةٍ: "فإنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَأَنْتَ فِي المَسْجِدِ فَصَلِّ"، وَفِي أُخْرَى: "فَإِنْ أَدْرَكتْكَ - يَعْنِي الصَّلَاةَ - مَعَهُمْ فَصَلِّ وَلَا تَقُلْ: إنِّي قَدْ صَلَّيْتُ فَلَا أُصَلِّي". رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَمُسْلِمٌ (٣) والنَّسَائِيُّ (٤). [صحيح] قوله: (يميتون الصلاة)، أي يؤخّرونها فيجعلونها كالميت الذي خرجت روحه، والمراد بتأخيرها عن وقتها المختار لا عن جميع وقتها، فإن المنقول عن الأمراء المتقدّمين والمتأخّرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، ولم يؤخّرها أحد منهم عن جميع وقتها، فوجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع. قوله: (فإن أدركتها) إلخ، معناه صلِّ في أول الوقت وتصرّف في شغلك فإن صادفتهم بعد ذلك وقد صلّوا أجزأتك صلاتك، وإن أدركت الصلاة معهم فصلّ معهم، وتكون هذه الثانية لك نافلة. الحديثُ يدلُّ على مشروعية الصلاة لوقتها وترك الاقتداء بالأمراء إذا أخّروها عن أوّل وقتها، وأن المؤتمّ يصلّيها منفردًا ثم يصلّيها مع الإمام فيجمع بين فضيلة أوّل الوقت وطاعة الأمير. ويدلّ على وجوب طاعة الأمراء في غير معصية لئلا تتفرّق الكلمة وتقع الفتنة، ولهذا ورد في الرواية الأخرى: "إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا مجدّع الأطراف" (٥). وقوله: (فإنها لك نافلة) صريح أن الفريضة الأولى والنافلة الثانية.

стр. 1121

[الكلام على إعادة الصلاة في جماعة]: وقد اختلف في الصلاة التي تصلّى مرتين هل الفريضة الأولى أو الثانية، فذهب الهادي والأوزاعي وبعض أصحاب الشافعي (١) إلى أن الفريضة الثانية إن كانت في جماعة والأولى في غير جماعة، وذهب المؤيّد بالله والإمام يحيى وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي (٢) إلى أن الفريضة الأولى، وعن بعض أصحاب الشافعي أن الفرض أكملهما. وعن بعض أصحاب الشافعي أيضًا أن الفرض أحدهما على الإبهام فيحتسب الله بأيّتهما شاء. وعن الشعبي وبعض أصحاب الشافعي (٢) أيضًا كلاهما فريضة. احتجّ الأولون بحديث يزيد بن عامر عند أبي داود (٣) مرفوعًا وفيه: "فإذا جئت الصلاة فوجدت الناس يصلون فصلّ معهم وإن كنت صلّيت ولتكن لك نافلة" وهذه مكتوبة، ورواه الدارقطني (٤) بلفظ: "وليجعل التي صلّى في بيته نافلة"، وأجيب بأنها رواية شاذّة مخالفة لرواية الحفّاظ والثقات، كما قال البيهقي وقد ضعفها النووي، وقال الدارقطني: هي رواية ضعيفة شاذّة (٥). واستدلّ القائلون بأن الفريضة هي الأولى سواء كانت جماعة أو فرادى

стр. 1122

بحديث يزيد بن الأسود عند أحمد (١) وأبي داود (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) والدارقطني (٥) وابن حبان (٦) والحاكم (٧) وصححه ابن السكن (٨) بلفظ: "شهدت مع النبيّ ﷺ حجّته فصلّيت معه الصبح في مسجد الخيف فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصلّيا معه فقال: عليّ بهما فجيء بهما ترعد فرائصهما، [قال] (٩): ما منعكما أن تصلّيا معنا؟ فقالا: يا رسول الله إنّا قد كنّا صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، إذا صلّيتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد الجماعة فصلّيا معهم فانها لكما نافلة"، قال الشافعي في القديم (١٠): إسناده مجهول، لأن يزيد بن الأسود ليس له راوٍ غير ابنه ولا لابنه جابر راوٍ غير يعلى. قال الحافظ (١١): يعلى من رجال مسلم، وجابر وثّقه النسائي وغيره، قال: وقد وجدنا لجابر راويًا، غير يعلى، أخرجه ابن منده في المعرفة. ومن حجج أهل القول الثاني حديث الباب (١٢) فإنه صريح في المطلوب ولأن تأدية الثانية بنية [الفريضة] (١٣) [يستلزم] (١٤) أن يصلّي في يوم مرتين، وقد ورد النهي عنه من حديث ابن عمر مرفوعًا: "لا تصلّوا صلاة في يوم

стр. 1123

مرتين" عند أبي داود (١) والنسائي (٢) وابن خزيمة (٣) وابن حبان (٤). وأمّا جعله مخصّصًا بما يحدث فيه فضيلة فدعوى عاطلة عن البرهان، وكذا حمله على التكرير لغير عذر. وفي الحديث دليل على أنه لا بأس بإعادة الصبح والعصر وسائر الصلوات؛ لأن النبيّ ﷺ أطلق الأمر بالإعادة ولم يفرق بين صلاة وصلاة فيكون مخصّصًا لحديث: "لا صلاة بعد العصر وبعد الفجر" (٥)، ولأصحاب الشافعي وجه أنه لا يعيد الصبح والعصر تمسّكًا بعموم حديث: "لا صلاة"، ووجه أنه لا يعيد بعد المغرب لئلا تصير شفعًا. قال النووي (٦): وهو ضعيف. قلت: وكذلك الوجه الأول لأن الخاص مقدم على العام وهم يوجبون بناء العام على الخاص مطلقًا كما تقرّر في الأصول لهم، واحتجّ من قال بأنهما فريضة بعدم المخصّص بالاعتداد بأحدهما ورد بحديث: "لا ظهران في يوم" (٧)، وحديث: "لا تصلّي صلاة في يوم مرتين" (٨). ٦٠/ ٤٧٧ - (وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ [رضي الله تعالى عنه] (٩) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 1124

قالَ: "سَتَكُونُ عَلَيكُمْ [أُمَرَاءُ بَعْدِي] (١) تَشْغَلُهُمْ أشْيَاءُ عَنِ الصَّلاةِ لِوَقْتِهَا، حتى يذهبَ وقتُها فَصَلُّوا الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُصَلِّي مَعَهُمْ؟ فَقالَ: "نَعَمْ إنْ شِئْتَ". رَواهُ أبُو داوُدَ (٢) وأحْمَدُ (٣) بِنَحْوِهِ، وَفي لَفْظٍ: "وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ تَطَوُّعًا"). [صحيح] الحديث [رجال إسناده في سنن أبي داود ثقات، وقد] (٤) أخرجه أيضًا ابن ماجه (٥)، وسكت أبو داود والمنذري عن الكلام عليه، وقد عرفت ما أسلفناه عن ابن الصلاح والنووي وغيرهما من صلاحية ما سكت عنه أبو داود للاحتجاج. وحديث أبي ذر (٦) الذي قبله يشهد لصحته. وفيه دليل على وجوب تأدية الصلاة لوقتها، وترك ما عليه أُمراء الجور من التأخير وعلى استحباب الصلاة معهم لأن الترك من دواعي الفرقة، وعدم الوجوب لقوله في هذا الحديث: "إن شئت"، وقوله: "تطوّعًا"، وقد تقدم الكلام على فقه الحديث. قال المصنف (٧) رحمه الله تعالى: وفيه دليل لمن رأى المعادة نافلة، ولمن لم يكفر تارك الصلاة، ولمن أجاز إمامة الفاسق، انتهى. استنبط المؤلّف من هذا الحديث والذي قبله ثلاثة أحكام، وقد تقدم الكلام على الأول منها في شرح حديث أبي ذرّ وعلى الثاني في أوّل كتاب الصلاة. وأمّا الثالث فلعلّه يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في الجماعة. والحق جواز الائتمام بالفاسق، لأن الأحاديث الدالّة على المنع كحديث: "لا يؤمَّنَّكم ذو جراءة في دينه" (٨)، وحديث: "لا يؤمَّنَّ فاجر

стр. 1125

مؤمنًا" (١)، ونحوهما، ضعيفة لا تقوم بها حجّة. وكذلك الأحاديث الدالَّة على جواز الائتمام بالفاسق؛ كحديث: "صلّوا [وراء] (٢) من قال لا إله إلّا الله" (٣)، وحديث: "صلّوا خلف كل برّ

стр. 1126

وفاجر" (١) ونحوهما ضعيفة أيضًا، ولكنها متأيّدة بما هو الأصل الأصيل، وهو

стр. 1127

أن من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره، فلا ننتقل عن هذا الأصل إلى غيره إلّا لدليل ناهض وقد جمعنا في هذا البحث رسالة مستقلّة، وليس المقام مقام بسط الكلام في ذلك (١). [الباب الخامس عشر] باب قضاء الفوائت ٦١/ ٤٧٨ - (عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ [رضي الله تعالى عنه] (٢) أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَّا ذلِكَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣).

стр. 1128

وَلِمُسْلِمٍ (١): "إذَا رَقَدَ أحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أوْ غَفَلَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ") (٢). [صحيح] ٦٢/ ٤٧٩ - (وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا، فَإِن اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " (٢). رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا البُخَارِيَّ والتِّرْمِذِيَّ) (٣). [صحيح] قوله: (من نسي) تمسّك بدليل الخطاب من قال: إن العامد لا يقضي الصلاة لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أن من لم ينسَ لا يصلّي، وإلى ذلك ذهب داود وابن حزم (٤) وبعض أصحاب الشافعي (٥)، وحكاه في البحر (٦) عن ابني الهادي والأستاذ، ورواية عن القاسم والناصر. قال ابن تيمية حفيد المصنف (٧): والمنازعون لهم ليس لهم حجّة قط يرد إليها عند التنازع وأكثرهم يقولون: لا يجب القضاء إلّا بأمر جديد، وليس معهم هنا أمر ونحن لا ننازع في وجوب القضاء فقط، بل ننازع في قبول القضاء منه

стр. 1129

وصحّة الصلاة في غير وقتها، وأطال البحث في ذلك واختار ما ذكره داود ومن معه والأمر كما ذكره، فإنّي لم أقف مع البحث الشديد للموجبين للقضاء على العامد وهم من عدا من ذكرنا على دليل ينفق في سوق المناظرة، ويصلح للتعويل عليه في مثل هذا الأصل العظيم إلا حديث: "فدَين الله أحق أن يقضى" (١)، باعتبار ما يقتضيه اسم الجنس المضاف من العموم، ولكنهم لم يرفعوا إليه رأسًا، وأنهض ما جاءوا به في هذا المقام قولهم: إن الأحاديث الواردة بوجوب [القضاء] (٢) على الناسي يستفاد من مفهوم خطابها وجوب القضاء على العامد؛ لأنها من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فتدلّ بفحوى الخطاب وقياس الأولى على المطلوب وهذا مردود؛ لأن القائل بأن العامد لا يقضي لم يرد أنه أخفّ حالًا من الناسي، بل صرّح بأن المانع من وجوب القضاء على العامد أنه لا يسقط الإثم عنه فلا فائدة فيه، فيكون إثباته مع عدم النص عبثًا، بخلاف الناسي والنائم فقد أمرهما الشارع بذلك وصرّح بأن القضاء كفارة لهما لا كفارة لهما سواه. ومن جملة حججهم أن قوله في الحديث: "لا كفارة لها إلَّا ذلك"، يدلّ على أن العامد مراد بالحديث لأن النائم والناسي لا إثم عليهما، قالوا: فالمراد بالناسي التارك سواء كان عن ذهول أم لا. ومنه قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٤)، ولا يخفى عليك أن هذا الكلام يستلزم عدم وجوب القضاء على الناسي والنائم لعدم الإثم الذي جعلوا الكفارة منوطة به والأحاديث الصحيحة قد صرّحت بوجوب ذلك عليهما، وقد استضعف الحافظ في الفتح (٥) هذا الاستدلال، وقال: الكفارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد، على أنه قد قيل: إن المراد بالكفارة هي الإتيان بها تنبيهًا على أنه لا يكفي مجرد التوبة والاستغفار من دون فعل لها. وقد أنصف ابن دقيق العيد فردّ جميع ما تشبثوا به، والمحتاج إلى إمعان النظر ما ذكرنا لك سابقًا من عموم حديث: "فدين الله أحق أن يقضى" (١)،

стр. 1130

لاسيما على قول من قال: إن وجوب القضاء بدليل هو الخطاب الأوّل الدالّ على وجوب الأداء، فليس عنده في وجوب القضاء على العامد فيما نحن بصدده تردّد لأنه يقول: المتعمّد للترك قد خوطب بالصلاة ووجب عليه تأديتها فصارت دينًا عليه، والدين لا يسقط إلّا بأدائه، إذا عرفت هذا علمت أن المقام من المضايق وأن قول النووي في شرح مسلم (١) بعد حكاية قول من قال: لا يجب القضاء على العامد أنه خطأ من قائله وجهالة من الإفراط المذموم. وكذلك قول المقبلي في المنار (٢): إن باب القضاء ركب على غير أساس ليس فيه كتاب ولا سنّة، إلى آخر كلامه من التفريط. قوله: (لا كفارة لها إلّا ذلك) استدلّ بالحصر الواقع في هذه العبارة على الاكتفاء بفعل الصلاة عندى ذكرها وعدم وجوب إعادتها عند حضور وقتها من اليوم الثاني، وسيأتي الكلام على ذلك عند الكلام على حديث عمران بن حصين في آخر هذا الباب (٣). والأمر بفعلها عند الذكر يدلّ على وجوب المبادرة بها فيكون حجّة لمذهب من قال بوجوبه على الفور، وهو الهادي والمؤيّد بالله والناصر وأبو حنيفة وأبو يوسف والمزني والكرخي (٤). وقال القاسم ومالك والشافعي: وروي عن المؤيّد بالله أنه على التراخي (٥) واستدلّوا في قضاء الصلاة بما في بعض روايات حديث نوم الوادي من "أنه لما استيقظ النبيّ ﷺ بعد فوات الصلاة بالنوم أخّر قضاءها واقتادوا رواحلهم حتى خرجوا من الوادي" (٦)، وردّ بأن التأخير لمانع آخر وهو ما دلّ عليه الحديث بأن ذلك الوادي كان به شيطان، ولأهل القول الأول حجج غير مختصّة بقضاء الصلاة، وكذلك أهل القول الآخر. واعلم أن الصلاة المتروكة في وقتها لعذر النوم والنسيان لا يكون فعلها بعد

стр. 1131

خروج وقتها المقدّر لها لهذا العذر قضاء، وإن لزم ذلك باصطلاح الأصول لكن الظاهر من الأدلة أنها أداء لا قضاء، فالواجب الوقوف عند مقتضى الأدلّة حتى ينتهض دليل يدلّ على القضاء. والحديثان يدلّان على وجوب فعل الصلاة إذا فاتت بنوم أو نسيان وهو أجماع. قال المصنف (١) رحمه الله تعالى بعد أن ساق حديث أبي هريرة: وفيه أن الفوائت يجب قضاؤها على الفور، وأنها تقضى في أوقات النهي وغيرها، وأن من مات وعليه صلاة فإنها لا تقضى عنه ولا يطعم عنه لها لقوله: "لا كفارة لها إلا ذلك"، وفيه دليل على أن شرّع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد نسخه (٢)، انتهى. ٦٣/ ٤٨٠ - (وَعَنْ أبِي قَتَادَةَ [رضي الله تعالى عنه] (٣) قالَ: ذَكَرُوا لِلْنَّبِيِّ ﷺ نَوْمَهُمْ عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "إنَّهُ لَيسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي اليَقَظَةِ، فَإِذَا

стр. 1132

نَسِيَ أحَدكُمْ صَلاةً أوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذا ذَكَرَهَا". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (١) والتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٢). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا أبو داود (٣) من حديثه. قال الحافظ (٤): وإسناده على شرط مسلم، ورواه مسلم (٥) بنحوه في قصة نومهم في صلاة الفجر ولفظه: "ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلّها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلّها عند وقتها". الحديث يدلّ على أن النائم ليس بمكلف حال نومه وهو إجماع، ولا ينافيه إيجاب الضمان عليه لما أتلفه وإلزامه أرش ما جناه، لأن ذلك من الأحكام الوضعية لا التكليفية، وأحكام الوضع تلزم النائم والصبي والمجنون بالاتفاق. وظاهر الحديث أنه لا تفريط في النوم سواء كان قبل دخول وقت الصلاة أو بعده قبل تضيّقه. وقيل: إنه إذا تعمّد النوم قبل تضيق الوقت واتّخذ ذلك ذريعة إلى ترك الصلاة لغلبه ظنّه أنه لا يستيقظ إلّا وقد خرج الوقت كان آثمًا، والظاهر أنه لا إثم عليه بالنظر إلى النوم لأنه فعله في وقت يباح فعله فيه فيشمله الحديث، وأمّا إذا نظر إلى التسبّب به للترك فلا إشكال في العصيان بذلك، ولا شكّ في إثم من نام بعد تضيق الوقت لتعلق الخطاب به، والنوم مانع من الامتثال، والواجب إزالة المانع، وقد تقدم الكلام على قوله في الحديث: "فإذا نسي أحدكم صلاة" إلخ. ٦٤/ ٤٨١ - (وَعَنْ أبِي قَتَادَةَ [﵁] (٦) فِي قِصَّةِ نَوْمِهِمْ عَنْ صَلَاةِ الفَجْرِ قالَ: ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى الغَدَاةَ فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٧) وَمُسْلِمٌ (٨). [صحيح]

стр. 1133

الحديث أورده مسلم مطوّلًا وذكر فيه قصة أبي قتادة مع رسول الله ﷺ في نومه على راحلته وأن أبا قتادة دعمه ثلاث مرات، وأخرج النسائي (١) وابن ماجه (٢) طرفًا منه. قوله: (ثم أذن بلال) فيه استحباب الأذان للصلاة الفائتة. قوله: (فصلّى) إلخ، فيه استحباب قضاء السنة الراتبة لأن الظاهر أن هاتين الركعتين اللتين قبل الغداة هما سنّة الصبح. قوله: (كما كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يومٍ) فيه إشارة إلى أن صفة قضاء الفائتة كصفة أدائها، فيؤخذ منه أن فائتة الصبح يقنت فيها وإلى ذلك ذهبت الشافعية، وسيأتي الكلام على القنوت وتحقيق ما هو الحقّ فيه. ويؤخذ منه أيضًا أنه يجهر في الصبح المقضية بعد طلوع الشمس. ولهذا قال المصنف (٣) ﵀: وفيه دليل على الجهر في قضاء الفجر نهارًا، انتهى. وقال بعض أصحاب الشافعي: إنه يسنّ فقط، وحمل قوله كما كان يصنع على الأفعال فقط، وفيه ضعف. ٦٥/ ٤٨٢ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ [رضي الله تعالى عنه] (٤) قالَ: سَرَيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا كانَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسْنَا فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى أيْقَظَنَا حَرُّ الشَّمْسِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا يَقُومُ دَهِشًا إلَى طَهُورِهِ، ثُمَّ أمَرَ بِلالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ، ثُمَّ أقامَ فَصَلَّيْنَا فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَا نُعِيدُهَا فِي وَقْتِهَا مِنَ الغَدِ؟ فَقالَ: "أيَنْهَاكُمْ رَبُّكُمْ تَعَالَى عَنِ الرِّبَا وَيَقْبَلُهُ مِنْكُمْ". رَواهُ أحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (٥). [صحيح] الحديث [أخرجه ابن خزيمة (٦) وابن حبان (٧) في صحيحيهما وابن أبي

стр. 1134

شيبة (١) والطبراني (٢). و] (٣) أخرجه البخاري (٤) ومسلم (٥) مطولًا عن أبي رجاء العطاردي عن عمران، وليس فيهما ذكر الأذان والإقامة ولا قوله: "فقالوا: يا رسول الله ألا نعيدها" إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٦) من حديث الحسن عن عمران وفيه ذكر الأذان والإقامة دون قوله: "فقالوا: يا رسول الله" إلى آخر الحديث المذكور، ولكنه أخرج هذه الزيادة التي في حديث الباب النسائي (٧)، وذكرها الحافظ في الفتح واحتجّ بها، ويعارضها ما في صحيح مسلم (٨) من حديث أبي قتادة بلفظ: "فإذا كانَ الغَدُ فليُصلِّها عندَ وقتِها"، وما في سنن أبي داود (٩) من حديث عمران بن حصين بلفظ: "من أدرك منكم صلاة الغداة من غدٍ صالحًا فليقض مثلها"، ويشهد لصحة تلك الرواية ما تقدم في أوّل الباب من حديث أنس (١٠) بلفظ: "لا كفارة لها إلا ذلك"، ويدلّ على صحتها إجماع المسلمين على عدم وجوب قضاء تلك الصلاة التي فعلها النائم عند استيقاظه والساهي عند ذكره إذا حضر وقتها. كما صرّح بذلك الخطابي (١١) والحافظ (١٢) ابن حجر، والمعارضة برواية مسلم السابقة غير صحيحة لاحتمال أن يريد بقوله: فليصلّها عند وقتها، أي الصلاة التي تحضر لأنه ربما توهم أن وقتها قد تحوّل إلى ذلك الوقت الذي

стр. 1135

ذكرها فيه، ولا يريد أنه يعيد الصلاة بعد خروج وقتها، ذكر معنى ذلك النووي والحافظ وغيرهما. وأمّا رواية أبي داود، فقال الحافظ (١): إنها خطأ من راويه، قال: وحكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري. وقد ذكر الحافظ في الفتح (١) أنه رواها أبو داود من حديث عمران بن حصين ورأيناها في السنن من حديث أبي قتادة الأنصاري (٢)، ولم يتفرّد بها عمران حتى يقال في تضعيفها أنها من رواية الحسن عنه. وقد صرّح علي بن المديني وأبو حاتم وغيرهما أن الحسن لم يسمع منه ولكنها لا تنتهض لمعارضة حديث الباب بعد تاييده بما أسلفنا لاسيما بعد تصريح الحافظ بأنها خطأ. قال المصنف (٣) ﵀ [تعالى] (٤) بعد سياقه لحديث الباب: فيه دليل على أن الفائتة يسنّ لها الأذان والإقامة والجماعة، وأن النداءين مشروعان في السفر، وأن السنن الرواتب تقضى، انتهى. قوله: (عرّسنا)، التعريس (٥): نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة، هكذا قاله الخليل. وقال أبو زيد: هو النزول أي وقت كان من ليل أو نهار. قوله: (فأذّن ثم أقام) سيأتي الكلام على الأذان والإقامة في القضاء في باب من عليه فائتة (٦)، آخر الأذان إن شاء الله تعالى. [الباب السادس عشر] باب الترتيب في قضاء الفوائت ٦٦/ ٤٨٣ - (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [رضي الله تعالى عنهما] (٤) أن عُمَرَ جاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَقالَ:

стр. 1136

يا رَسُولَ اللَّهِ ما كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ حَتَّى كادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، فقالَ النَّبِيِّ ﷺ : "واللَّهِ ما صَلَّيتُها"، فَتَوَضَّأَ وَتَوَضَّأْنَا فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] قوله: (عن جابر) قد اتّفق الحفاظ من الرواة أن هذا الحديث من رواية جابر عن النبيّ ﷺ إلا حجاج بن نصير فإنه رواه عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير، فقال فيه: عن جابر عن عمر فجعله في مسند عمر. قال الحافظ (٢): تفرّد بذلك حجاج وهو ضعيف. قوله: (يسبّ كفار قريش) لأنهم كانوا السبب في تأخيرهم الصلاة عن وقتها. قوله: (ما كدت)، لفظة كاد من أفعال المقاربة، فإذا قلت: كاد زيد يقوم، فُهم منه أنه قارب القيام ولم يقم كما تقرّر في النحو (٣). والحديث يدلّ على وجوب قضاء الصلاة المتروكة لعذر الاشتغال بالقتال، وقد وقع الخلاف في سبب ترك النبيّ ﷺ وأصحابه لهذه الصلاة، فقعل: تركوها نسيانًا، وقيل: شغلوا فلم يتمكّنوا وهو الأقرب كما قال الحافظ (٤). وفي سنن النسائي (٥) عن أبي سعيد أن ذلك قبل أن ينزل الله [ ] (٦) في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٧)، وسيأتي الحديث (٨). وقد استدلّ بهذا الحديث على وجوب الترتيب بين الفوائت المقضيّة والمؤدّاة، [فأبو] (٩) حنيفة (١٠)

стр. 1137

ومالك (١) والليث (٢) والزهري (٣) والنخعي (٤) وربيعة قالوا: بوجوب تقديم الفائتة على خلاف بينهم. وقال الشافعي (٥) والهادي والقاسم (٦): لا يجب، ولا ينتهض استدلال الموجبين بالحديث للمطلوب لأن الفعل بمجرّده لا يدلّ على الوجوب. قال الحافظ (٧): إلّا أن يستدل بعموم قوله ﷺ : "صلّوا كما رأيتموني أصلي" (٨)، فيقوي، قال: وقد اعتبر ذلك الشافعية في أشياء غير هذه، انتهى. وقد استدلّ للموجبين أيضًا بأن توقيت المقضية بوقت الذكر أضيق من توقيت المؤدّاة فيجب تقديم ما تضيق. والخلاف في جواز التراخي إنما هو في

стр. 1138

المطلقات لا المؤقتات المضيقة. وقد اختلف أيضًا في الترتيب بين المقضيات أنفسها، وسنذكره في شرح الحديث الآتي. ٦٧/ ٤٨٤ - (وَعَنْ أبِي سَعِيدٍ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: حُبِسْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى كانَ بَعْدَ المَغْرِبِ بِهَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ كُفِينَا، وَذلِكَ قولُ اللَّهِ : ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (٢)، قال: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلالًا فأقامَ الظُّهْرَ فَصَلَّاهَا فَأحْسَنَ صَلَاتَهَا كَما كانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أمَرَهُ فَأقامَ العَصْرَ فَصَلَّاهَا فأحْسَنَ صَلَاتَهَا كما كانَ يُصَلِّيهَا في وَقْتِهَا، ثُمَّ أمَرَهُ فأقامَ المَغْرِبَ فَصَلَّاهَا كَذلِكَ، قالَ: وَذلِكَ قَبْلَ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣)، رَواهُ أحْمَدُ (٤) والنَّسائِيُّ (٥) ولَمْ يَذْكُرِ المَغْرِبَ). [صحيح] [الحديث رجال إسناده رجال الصحيح، وسيأتي ذكر من صحّحه] (٦). وفي الباب عن عبد الله بن مسعود عند الترمذي (٧) والنسائي (٨) بلفظ: "إن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق"، وساقا نحو الحديث. وأخرج نحوه مالك في الموطأ (٩).

стр. 1139

قوله: (بهوي)، الهوي بفتح الهاء وكسر الواو وبياء مشدّدة: السقوط، والمراد بعد دخول طائفة من الليل. والحديث يدلّ على وجوب قضاءِ الصلاة المتروكة لعذر الاشتغال بحرب الكفار ونحوهم، لكن إنما كان هذا قبل شرعية صلاة الخوف كما في آخر الحديث، والواجب بعد شرعيّتها على من حبس بحرب العدوّ أن يفعلها. وقد ذهب الجمهور إلى أن هذا منسوخ بصلاة الخوف (١)، وذهب مكحول وغيره من الشاميين إلى جواز تأخير صلاة الخوف إذا لم يتمكّن من أدائها، والصحيح الأوّل لما في آخر هذا الحديث، والحديث مصرّح بأنها [فاتته] (٢) صلاة الظهر والعصر، وحديث جابر المتقدم (٣) مصرّح بأنها العصر، وحديث عبد الله بن مسعود (٤) مصرِّح بأنها أربع صلوات، فمن الناس من اعتمد الجمع، فقال: إن وقعة الخندق بقيت أيامًا فكان في بعض الأيام الفائت العصر فقط، وفي بعضها الفائت [العصر والظهر] (٥)، وفي بعضها الفائت أربع صلوات، ذكره النووي (٦) وغيره. ومن الناس من اعتمد الترجيح فقال: إن الصلاة التي شغل عنها رسول الله ﷺ واحدة وهي العصر ترجيحًا لما في الصحيحين على ما في غيرهما، ذكره أبو بكر بن العربي (٧)، قال ابن سيد الناس: والجمع أرجح، لأن حديث أبي سعيد رواه الطحاوي (٨) عن المزني عن الشافعي حدّثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال: وهذا إسناد صحيح جليل، انتهى. وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (٩) وابن حبان (١٠) في صحيحيهما وصححه ابن

стр. 1140

السكن، وقد تقدم نحو هذا في باب الصلاة الوسطى، على أن حديث الباب ونحوه متضمّن للزيادة فالمصير إليه متحتم، واقتصار الراوي على ذكر العصر فقط لا يقدح في قول غيره إنها العصر والظهر أو الأربع الصلوات، وغايته أنه روى ما علم وترك ما لم يعلم، ومن علم حجة على من لم يعلم، ولا يحتاج إلى الجمع بتعدّد واقعة الخندق مع هذا. والحديث أيضًا يدلّ على الترتيب بين الفوائت المقضية، وقد قال بوجوبه زيد بن علي والناصر وأبو حنيفة، وقال الشافعي والهادي والإمام يحيى (١): إنه غير واجب وهو الظاهر لأن مجرد الفعل لا يدلّ على الوجوب إلّا أن يستدل بعموم قوله ﷺ : "صلّوا كما رأيتموني أصلّي" (٢) كما سبق، ولكنه غير خالص عن شوب اعتراض ومعارضة. وفي الحديث دليل على استحباب قضاء الفوائت في الجماعة وخالف فيه الليث بن سعد، والحديث يردّ عليه. قال المصنف (٣) رحمه الله تعالى: وفيه دليل على الإقامة للفوائت وعلى أن صلاة النهار وإن قضيت ليلًا لا يجهر فيها، وعلى أن تأخيره يوم الخندق نسخ بشرع صلاة الخوف، انتهى.

стр. 1141

[ثالثًا] أبواب الأذان الأذان لغة: الإعلام، نقل ذلك النووي في شرح مسلم (١) عن أهل اللغة. وشرعًا: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، وهو مع قلّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقائد كما بيَّن ذلك الحافظ في الفتح (٢) نقلًا عن القرطبي، وقد اختلف في الأفضل من الأذان، والإمامة وسيأتي ما يرشد إلى الصواب. وقد اختلف في أيّ وقت كان ابتداء شرعية الأذان، فقيل: نزل على رسول الله ﷺ مع فرض الصلاة، وقد روى ذلك ابن حبان (٣) عن ابن عباس بإسناد فيه عبد العزيز بن عمران (٤) وهو ممن لا تقوم به حجّة. وعند الدارقطني (٥) من حديث أنس، قال الحافظ (٦): وإسناده ضعيف. وعند الطبراني (٧) عن ابن عمر وذكر أنه في ليلة الإسراء، وفي إسناده طلحة بن زيد (٨) وهو متروك.

стр. 1142

وعند ابن مردويه (١) من حديث عائشة مثله، وفيه من لا يعرف. وعند البزار (٢) وغيره عن عليّ، وفي إسناده زياد بن المنذر (٣) أبو الجارود وهو متروك، قال الحافظ (٤): والحقّ أنه لا يصح شيء من هذه، وقد أطال الكلام في ذلك في الفتح (٥)، فليرجع إليه. وقيل: كان فرض الأذان عند قدوم المسلمين المدينة لما ثبت عند البخاري (٦) ومسلم (٧) والترمذي (٨) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٩) من حديث عبد الله بن عمر قال: "كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة وليس ينادي بها أحد فتكلّموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتّخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: اتخذوا قرنًا مثل قرن اليهود، قال: فقال عمر: ألا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : يا بلال قُمْ فنادِ بالصَّلاة". وهذا أصحّ ما ورد في تعيين ابتداء وقت الأذان. [الباب الأول] باب وجوبه وفضيلته ١/ ٤٨٥ - (عَنْ أبِي الدَّرْدَاءِ [رضي الله تعالى عنه] (١٠) قالَ: سَمِعْتُ

стр. 1143

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ ثَلَاثةٍ لَا يُؤَذِّنُونَ وَلَا تُقَامُ فِيهمُ الصَّلَاةُ إلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِم الشَّيْطَانُ". رَواهُ أحْمَدُ) (١). [حسن] الحديث أخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣) وابن حبان (٤) والحاكم (٥) وقال: صحيح الإسناد، ولكن لفظ أبي داود: "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلّا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية". الحديث استدلّ به على وجوب الأذان والإقامة، لأن الترك الذي هو نوع من استحواذ الشيطان يجب تجنّبه. وإلى وجوبهما ذهب أكثر العترة وعطاء وأحمد بن حنبل ومالك والإصطخري كذا في البحر (٦)، ومجاهد والأوزاعي وداود كذا في شرح الترمذي (٧). وقد حكى الماوردي (٨) عنهم تفصيلًا في ذلك، فحكى عن مجاهد أن الأذان والإقامة واجبان معًا لا ينوب أحدهما عن الآخر، فإن تركهما أو أحدهما فسدت صلاته. وقال الأوزاعي: يعيد إن كان وقت الصلاة باقيًا وإلّا لم يعد، وقال عطاء: الإقامة واجبة دون الأذان، فإن تركها لعذر أجزأه ولغير عذر قضى.

стр. 1144

وفي البحر (١) أن القائل بوجوب الإقامة دون الأذان الأوزاعي، وروي عن أبي طالب أن الأذان واجب دون الإقامة. وعند الشافعي (٢) وأبي حنيفة (٣) أنهما سنّة. واختلف أصحاب الشافعي على ثلاثة أقوال (٤)، الأول: أنهما سنّة. الثاني: فرض كفاية. الثالث: سنّة في غير الجمعة وفرض كفاية فيها. وروى ابن عبد البرّ (٥) عن مالك وأصحابه أنهما سنة مؤكّدة واجبة على الكفاية. وقال آخرون: الأذان فرض على الكفاية. ومن أدلّة الموجبين للأذان قوله في حديث مالك بن الحويرث الآتي (٦): "فليؤذِّن لكم أحدُكُمْ"، وفي لفظ للبخاريّ (٧): "فأذِّنا ثم أقيما". ومنها حديث أنس المتفق (٨) عليه بلفظ: "أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة"، والآمر له النبيّ ﷺ كما سيأتي. ومنها ما في حديث عبد الله بن زيد الآتي (٩) من قوله: "إنها لرؤيا حق إن شاء الله ثم أمر بالتأذين". وما سيأتي من قوله ﷺ لعثمان بن أبى العاص: "اتّخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا" (١٠). ومنها حديث أنس عند البخاري (١١) وغيره قال: "إن النبيَّ ﷺ

стр. 1145

كان إذا [غزا] (١) بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانًا كفّ عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم". ومنها طول الملازمة من أوّل الهجرة إلى الموت لم يثبت أنه ترك ذلك في سفر ولا حضر إلّا يوم المزدلفة، فقد صحّح كثير من الأئمة أنه لم يؤذن فيها وإنما أقام، على أنه قد أخرج البخاري (٢) من حديث ابن مسعود: "أنه ﷺ صلّاها في جمع بأذانين وإقامتين". وبهذا الترك على ما فيه من الخلاف احتجّ من قال بعدم الوجوب، وخصّ بعض القائلين بالوجوب الرجال بوجوبهما ولم يوجبهما على النساء استدلالًا بحديث: "ليس على النساء أذان ولا إقامة" عند البيهقي (٣) من حديث ابن عمر بإسناد صحيح (٤)، إلّا أنه قال ابن الجوزي (٥): لا يعرف مرفوعًا. وقد رواه البيهقي (٦) وابن

стр. 1146

عدي (١) من حديث أسماء مرفوعًا وفي إسناده الحكم بن عبد الله الأيلي (٢) وفيه

стр. 1147

ضعف جدًّا، ولحديث: "النساء عيٌّ وعورات، فاستروا عيهنّ بالسكوت وعوراتهنّ بالبيوت" (١). ٢/ ٤٨٦ - (وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ [رضي الله تعالى عنه] (٢) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "إذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أكبَرُكُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] قوله: (أحدكم) يدلّ على أنه لا يعتبر السن والفضل في الأذان كما يعتبر في إمامة الصّلاة. وقد استدلّ بهذا من قال بأفضلية الإمامة على الأذان، لأن كون الأشرف أحقّ بها مشعر بمزيد شرف لها. وفي لفظ للبخاري (٤): "فإذا أنتما خرجتما فأذّنا"، ولا تعارض بينه وبين ما

стр. 1148

في حديث الباب لأن المراد بقوله: "أذنا"، أي من أحبّ منكما أن يؤذن فليؤذن، وذلك لاستوائهما في الفضل. والحديث استدلّ به من قال: بوجوب الأذان لما فيه من صيغة الأمر، وقد تقدم الخلاف في ذلك. ٣/ ٤٨٧ - (وَعَنْ مُعَاوِيةَ [رضي الله تعالى عنه] (١) أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "إنَّ المُؤَذنِينَ أطْوَلُ النَّاسِ أعْناقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَواهُ أحْمَدُ (٢)، وَمُسْلِمُ (٣)، وابْنُ مَاجَهْ (٤). [صحيح] وفي الباب عن أبي هريرة (٥) وابن الزبير (٦) بألفاظ مختلفة. قوله: (أطول الناس أعناقًا) هو بفتح الهمزة جمع عنق. واختلف السلف والخلف في معناه، فقيل: معناه أكثر الناس تشوّفًا إلى رحمة الله؛ لأن المتشوّف يطيل عنقه لما يتطلّع إليه، فمعناه كثرة ما يرونه من الثواب.

стр. 1149

وقال النضر بن شميل (١): إذا ألجم الناس العرق يوم القيامة طالت أعناقهم لئلا ينالهم ذلك الكرب والعرق. وقيل: معناه أنهم سادة ورؤساء، والعرب تصف السادة بطول العنق. وقيل: معناه أكثر أتباعًا. وقال ابن الأعرابي (٢): أكثر الناس أعمالًا، قال القاضي عياض وغيره: وروي بعضهم إعناقًا بكسر الهمزة، أي إسراعًا إلى الجنّة، وهو من سير العنق، قال ابن أبي داود (٣): سمعت أبي يقول: معناه أن الناس يعطشون يوم القيامة فإذا عطش الإنسان انطوت عنقه، والمؤذنون لا يعطشون فأعناقهم قائمة. وفي صحيح ابن حبان (٤) من حديث أبي هريرة: "يُعرفون بطول أعناقهم يوم القيامة". زاد السراج: "لقولهم: لا إله إلّا الله"، وظاهره الطول الحقيقي فلا يجوز المصير إلى التفسير بغيره إلا لمُلجئ. والحديث يدلّ على فضيلة الأذان وأن صاحبه يوم القيامة يمتاز عن غيره، ولكن إذا كان فاعله غير متّخذ أجرًا عليه، وإلّا كان فعله لذلك من طلب الدنيا والسعي للمعاش وليس من أعمال الآخرة.
следующие страницы →