← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 1145–1184 · переход к 1150.

стр. 1145

كان إذا [غزا] (١) بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانًا كفّ عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم". ومنها طول الملازمة من أوّل الهجرة إلى الموت لم يثبت أنه ترك ذلك في سفر ولا حضر إلّا يوم المزدلفة، فقد صحّح كثير من الأئمة أنه لم يؤذن فيها وإنما أقام، على أنه قد أخرج البخاري (٢) من حديث ابن مسعود: "أنه ﷺ صلّاها في جمع بأذانين وإقامتين". وبهذا الترك على ما فيه من الخلاف احتجّ من قال بعدم الوجوب، وخصّ بعض القائلين بالوجوب الرجال بوجوبهما ولم يوجبهما على النساء استدلالًا بحديث: "ليس على النساء أذان ولا إقامة" عند البيهقي (٣) من حديث ابن عمر بإسناد صحيح (٤)، إلّا أنه قال ابن الجوزي (٥): لا يعرف مرفوعًا. وقد رواه البيهقي (٦) وابن

стр. 1146

عدي (١) من حديث أسماء مرفوعًا وفي إسناده الحكم بن عبد الله الأيلي (٢) وفيه

стр. 1147

ضعف جدًّا، ولحديث: "النساء عيٌّ وعورات، فاستروا عيهنّ بالسكوت وعوراتهنّ بالبيوت" (١). ٢/ ٤٨٦ - (وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ [رضي الله تعالى عنه] (٢) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "إذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أكبَرُكُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] قوله: (أحدكم) يدلّ على أنه لا يعتبر السن والفضل في الأذان كما يعتبر في إمامة الصّلاة. وقد استدلّ بهذا من قال بأفضلية الإمامة على الأذان، لأن كون الأشرف أحقّ بها مشعر بمزيد شرف لها. وفي لفظ للبخاري (٤): "فإذا أنتما خرجتما فأذّنا"، ولا تعارض بينه وبين ما

стр. 1148

في حديث الباب لأن المراد بقوله: "أذنا"، أي من أحبّ منكما أن يؤذن فليؤذن، وذلك لاستوائهما في الفضل. والحديث استدلّ به من قال: بوجوب الأذان لما فيه من صيغة الأمر، وقد تقدم الخلاف في ذلك. ٣/ ٤٨٧ - (وَعَنْ مُعَاوِيةَ [رضي الله تعالى عنه] (١) أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "إنَّ المُؤَذنِينَ أطْوَلُ النَّاسِ أعْناقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَواهُ أحْمَدُ (٢)، وَمُسْلِمُ (٣)، وابْنُ مَاجَهْ (٤). [صحيح] وفي الباب عن أبي هريرة (٥) وابن الزبير (٦) بألفاظ مختلفة. قوله: (أطول الناس أعناقًا) هو بفتح الهمزة جمع عنق. واختلف السلف والخلف في معناه، فقيل: معناه أكثر الناس تشوّفًا إلى رحمة الله؛ لأن المتشوّف يطيل عنقه لما يتطلّع إليه، فمعناه كثرة ما يرونه من الثواب.

стр. 1149

وقال النضر بن شميل (١): إذا ألجم الناس العرق يوم القيامة طالت أعناقهم لئلا ينالهم ذلك الكرب والعرق. وقيل: معناه أنهم سادة ورؤساء، والعرب تصف السادة بطول العنق. وقيل: معناه أكثر أتباعًا. وقال ابن الأعرابي (٢): أكثر الناس أعمالًا، قال القاضي عياض وغيره: وروي بعضهم إعناقًا بكسر الهمزة، أي إسراعًا إلى الجنّة، وهو من سير العنق، قال ابن أبي داود (٣): سمعت أبي يقول: معناه أن الناس يعطشون يوم القيامة فإذا عطش الإنسان انطوت عنقه، والمؤذنون لا يعطشون فأعناقهم قائمة. وفي صحيح ابن حبان (٤) من حديث أبي هريرة: "يُعرفون بطول أعناقهم يوم القيامة". زاد السراج: "لقولهم: لا إله إلّا الله"، وظاهره الطول الحقيقي فلا يجوز المصير إلى التفسير بغيره إلا لمُلجئ. والحديث يدلّ على فضيلة الأذان وأن صاحبه يوم القيامة يمتاز عن غيره، ولكن إذا كان فاعله غير متّخذ أجرًا عليه، وإلّا كان فعله لذلك من طلب الدنيا والسعي للمعاش وليس من أعمال الآخرة.

стр. 1150

وقد استدلّ بهذا الحديث من قال: إن الأذان أفضل من الإمامة وهو نصّ الشافعي في الأم وقول أكثر أصحابه. وذهب بعض أصحابه إلى أن الإمامة أفضل وهو نصّ الشافعي أيضًا قاله النووي (١)، وبعضهم ذهب إلى أنهما سواء، وبعضهم إلى أنه إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجمع خصالها فهي أفضل وإلّا فالأذان، قاله أبو عليّ (٢) وأبو القاسم بن كجّ (٣) والمسعودي والقاضي حسين من أصحاب الشافعي (١). واختلف في الجمع بين الأذان والإقامة، فقال جماعة من أصحاب الشافعي: إنه يستحب أن لا يفعله، وقال بعضهم: يكره، وقال محقّقوهم وأكثرهم: لا بأس به بل يستحب. قال النووي (٤): وهذا أصحّ، وفي البيهقي (٥) مرفوعًا من حديث جابر النهي عن ذلك، قال الحافظ: لكن سنده ضعيف.

стр. 1151

٤/ ٤٨٨ - (وَعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الإمامُ ضامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أرْشِدِ الأئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٢)، وأبُو دَاوُدَ (٣)، والتِّرْمِذِيُّ) (٤). [صحيح] الحديث رواه الشافعي (٥) من طريق إبراهيم بن أبي يحيى، وابن حبان (٦) وابن خزيمة (٧) كلّهم من طريق سهيل بن أبي صالح (٨) عن أبيه عن أبي هريرة. وأخرجه من ذكر المصنف عن الأعمش (٩) عن أبي صالح عن أبي هريرة. وروي أيضًا عن أبي صالح عن عائشة (١٠)

стр. 1152

قال أبو زرعة (١): حديث أبي هريرة أصحّ من حديث عائشة. وقال محمد البخاري عكسه، وذكر علي بن المديني أنه لم يثبت واحد منهما، وقال أيضًا: لم يسمع سهيل هذا الحديث من أبيه إنما سمعه من الأعمش، ولم يسمعه الأعمش من أبي صالح بيقين لأنه يقول فيه: [نُبئت] (٢) عن أبي صالح، وكذا قال البيهقي في المعرفة (٣). وقال الدارقطني في العلل (٤): رواه سليمان (٥) وروح بن القاسم (٦) ومحمد بن جعفر وغيرهم عن سهيل عن الأعمش (٧)، قال: وقال

стр. 1153

أبو بدر (١) عن الأعمش: حدّثت عن أبي صالح (٢). وقال ابن فضيل (٣) عنه عن رجل عن أبي صالح (٤). وقال الثوري: لم يسمع الأعمش هذا الحديث من أبي صالح، وصحّح حديث أبي هريرة وعائشة جميعًا ابن حبان (٥)، وقال: قد سمع أبو صالح هذين الخبرين من عائشة وأبي هريرة جميعًا. وقال ابن عبد الهادي (٦): أخرج مسلم بهذا الإسناد يعني سهيلًا عن أبيه نحوًا من أربعة عشر حديثًا. وفي الباب عن ابن عمر أخرجه أبو العباس السراج (٧)، وصحّحه الضياء في المختارة. وعن أبي أمامة عند أحمد (٨).

стр. 1154

وعن جابر عند ابن الجوزي في العلل (١). ورواه البزار (٢) عن أبي هريرة وزاد فيه بذلك الإسناد: "قالوا: يا رسول الله لقد تركتنا نتنافس في الأذان بعدك، فقال: إنه يكون بعدكم قوم سفلتهم مؤذنهم"، قال الدارقطني (٣): هذه الزيادة ليست محفوظة، وأشار ابن القطان إلى أن البزار وهو [المتفرّد] (٤) بها، قال الحافظ (٥): وليس كذلك، فقد جزم ابن عدي (٦) بأنها من أفراد أبي حمزة، وكذا قال الخليلي وابن عبد البرّ، وأخرجه البيهقي (٧) من غير طريق البزار، فبرئ من عهدتها. وأخرجها ابن عدي (٥) في ترجمة عيسى بن عبد الله عن يحيى بن عيسى الرملي عن الأعمش، واتّهم بها عيسى وقال: إنما تعرف هذه الزيادة بأبي حمزة. قال ابن القطان (٨): أبو حمزة ثقة ولا عيب للإسناد إلّا ما ذكر من الانقطاع، ويجاب عنه بأن الواسطة قد عرفت وهو الأعمش كما تقدم، فلا يضرّ هذا الانقطاع [ولا تعدّ] (٩) علّة. وأمّا الانقطاع الثاني بين الأعمش وأبي صالح الذي تقدم فيه قوله عن رجل.

стр. 1155

فيجاب عنه بأن ابن نمير (١) قد قال: عن الأعمش، عن أبي صالح: ولا أراني إلّا قد سمعته منه (٢). وقال إبراهيم بن حميد الرؤاسي: قال الأعمش: وقد سمعته من أبي صالح. وقال هشيم: عن الأعمش: حدّثنا أبو صالح عن أبي هريرة ذكر ذلك الدارقطني فبيَّنت هذه الطرق أن الأعمش سمعه عن غير أبي صالح ثم سمعه منه. قال اليعمري: والكل صحيح والحديث متّصل (٣). قوله: (الإمام ضامن) الضمان في اللغة: الكفالة والحفظ والرعاية، والمراد أنهم ضمناء على الإسرار بالقراءة والأذكار، حكي ذلك عن الشافعي في الأم (٤). وقيل: المراد ضمان الدعاء أن يعمّ القوم به ولا يخصّ نفسه. وقيل: لأنه يتحمّل القيام والقراءة عن المسبوق. وقال الخطابي (٥): معناه أنه يحفظ على القوم صلاتهم، وليس من الضمان الموجب للغرامة. قوله: (والمؤذن مؤتمن)، قيل: المراد أنه أمين على مواقيت الصلاة.

стр. 1156

وقيل: أمين على حرم الناس لأنه يشرف على المواضع العالية. والحديث استدلّ به على فضيلة الأذان وعلى أنه أفضل من الإمامة لأن الأمين أرفع حالًا من الضمين، وقد تقدم الخلاف في ذلك، ويؤيّد قول من قال: إن الإمامة أفضل، أن النبيّ ﷺ والخلفاء الراشدين بعده أمّوا ولم يؤذِّنوا، وكذا كبار العلماء بعدهم. ٥/ ٤٨٩ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي شَظِيَّةِ بِجَبَلٍ يُؤَذِّنُ لِلْصَّلاةِ وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ : انْظُرُوا إلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِلْصَّلاةِ يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ". رَواهُ أحْمَدُ (٢) وَأَبُو داوُدَ (٣) والنَّسَائِيُّ) (٤). [صحيح] الحديث [رجال إسناده ثقات، وقد] (٥) أخرجه أيضًا سعيد بن منصور، والطبراني (٦)، والبيهقي (٧). وفي البخاري (٨) والموطأ (٩) والنسائي (١٠) بلفظ: "إذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جنّ ولا إنس ولا شيء إلّا شهد له يوم القيامة". قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ (١١) (١٢).

стр. 1157

وأخرج عبد الرزاق (١) والمقدسي والنسائي (٢) في المواعظ من سننه عن سلمان رفعه: "إذا كان الرجل في أرض قيٍّ (٣)، أي قفر، فتوضأ، فإن لم يجد الماء تيمّم، ثم ينادي بالصلاة ثم يقيمها ويصلّيها، إلّا أمّ من جنود الله صفًا". ورواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن معتمر التيمي (٤) عن أبيه. وروى نحوه البيهقي (٥) والطبراني في الكبير (٦). والحديث يدلّ على شرعية الأذان للمنفرد، فيكون صالحًا لرد قول من قال: إن شرعية الأذان تختصّ بالجماعة. وفيه أيضًا أن الأذان من أسباب المغفرة للذنوب. وقد أخرج أبو داود (٧) والنسائي (٨) وابن ماجه (٩) وابن خزيمة (١٠) وابن حبان (١١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "يُغْفَرُ للمؤذّن مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس". وفي إسناده أبو يحيى الراوي له عن أبي هريرة. قال ابن القطان (١٢):

стр. 1158

لا يعرف، وادّعى ابن حبان في الصحيح (١) أن اسمه سمعان. وقد رواه البيهقي (٢) من وجهين آخرين عن الأعمش، قال تارة: عن أبي صالح، وتارة عن مجاهد، عن أبي هريرة، ومن طريق أخرى عن مجاهد عن ابن عمر (٣). ورواه أحمد (٤) والنسائي (٥) من حديث البراء بن عازب بلفظ: "المؤذن يغفر له مدّ صوته، ويصدقه من سمعه من رطب ويابس وله مثل أجر من صلّى معه". وصحَّحه ابن السكن (٦). ورواه أحمد (٧) والبيهقي (٨) من حديث مجاهد عن ابن عمر. وفي فضل الأذان أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما مصرِّحة [بعظيم] (٩) فضله وارتفاع درجته، وأنه من أجلِّ الطاعات التي يتنافس فيها المتنافسون، ولكن بذلك الشرط الذي عرَّفناك في شرح حديث معاوية (١٠). قال المصنف (١١) ﵀ [تعالى] (١٢) بعد أن ساق حديث الباب: وفيه دليل على أن الأذان يسنّ للمنفرد، وإن كان بحيث لا يسمعه أحد.

стр. 1159

الشظية: الطريقة كالجدة (١)، انتهى. ويقال: الشظية للقطعة المرتفعة من الجبل، وهي بالظاء المعجمة. [الباب الثاني] باب صفة الأذان ٦/ ٤٩٠ - (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسيِّبِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ [رضي الله تعالى عنهم] (٢) قالَ: لمَّا أجْمَعَ رَسُولُ الله ﷺ أنْ يَضْرِبَ بالنَّاقُوسِ وَهُو لَهُ كَارِهٌ لِمُوَافَقَتِهِ النَّصارَى طافَ بِي مِنَ اللَّيْلِ طَائِفٌ وَأَنَا نَائِمٌ: رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أخْضَرَانِ وَفِي يَدِهِ نَاقُوسٌ يَحْمِلُهُ قالَ: فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ الله أتَبيعُ النَّاقُوسَ، قالَ: وَما تَصْنَعُ بِهِ؟ قالَ: قُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إلَى الصَّلَاةِ، قالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذلِكَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أشْهَدُ أنْ لَا إِله إِلَّا الله، أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا الله، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، أشْهَدُ أن مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، لَا إلهَ إلَّا الله. قال: ثم استأخر غير بعيد، قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاةَ: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. قالَ: فَلَمَّا أصْبَحْتُ أتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فأخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إن هذِهِ الرُّؤْيَا حَقٌّ إنْ شَاءَ الله"، ثُمَّ أمَرَ بِالتَّأْذِينِ فَكانَ بِلَالٌ مَوْلَى أبِي بَكْرٍ يُؤَذِّنُ بِذلِكَ وَيَدْعُو رَسُولَ الله ﷺ إلى الصَّلَاةِ، قالَ: فَجَاءَهُ فَدَعاهُ ذاتَ غَدَاةٍ إلَى الفَجْرِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَائِمٌ، فَصَرَخَ بِلَالٌ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ

стр. 1160

النَّوْمِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: فَأُدْخِلَتْ هذِهِ الكَلِمَةُ فِي التَّأْذِينِ إلَى صَلَاةِ الفَجْرِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وأبُو دَاوُدَ (٢) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَفِيهِ: فَلَمَّا أصْبَحْتُ أتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فأخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ: "إنَّها لَرُؤيَا حَقٌّ إنْ شَاءَ الله، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيهِ مَا رَأَيْتَ فَإِنَّهُ أنْدَى صَوْتًا مِنْكَ"، قالَ: فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ ويُؤَذِّنُ بِهِ، قالَ: فَسَمِعَ ذلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ يَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي أُرِيَ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "فَلِلَّهِ الحَمْدُ". وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ (٣) هذا الطَّرفَ (٤) مِنْهُ بِهذِهِ الطَّرِيقِ (٥) وقالَ: حَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحْيحٌ). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا من الطريقة الأولى الحاكم (٦)، وقال: [هذه] (٧) أمثل الروايات في قصة عبد الله بن زيد لأن سعيد بن المسيب قد سمع من عبد الله بن زيد، ورواه يونس (٨) ومعمر (٩) وشعيب (١٠) وابن إسحق عن الزهري، ومتابعة هؤلاء لمحمد بن إسحق عن الزهري ترفع احتمال التدليس الذي تحتمله عنعنة ابن إسحق. وأخرجه أيضًا من الطريقة الثانية ابن خزيمة (١١) وابن حبان (١٢) في

стр. 1161

صحيحيها، والبيهقي (١) وابن ماجه (٢). قال محمد بن يحيى الذهلي: ليس في أخبار عبد الله بن زيد أصح من حديث محمد بن إسحق عن محمد بن إبراهيم التيمي، يعني هذا، لأن محمدًا قد سمع من أبيه عبد الله بن زيد. وقال ابن خزيمة في صحيحه (٣): هذا حديث صحيح ثابت من جهة النقل لأن محمدًا سمع من أبيه وابن إسحق سمع من التيمي، وليس هذا مما دلسه. وقد صحح هذه الطريقة البخاري فيما حكاه الترمذي في العلل (٤) عنه. وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود من حديث محمد بن عمرو الواقفي (٥) عن محمد بن عبد الله عن عمه (٦) عبد الله بن زيد ومحمد بن عمرو

стр. 1162

ضعيف، واختلف عليه فيه فقيل: عن محمد بن عبد الله. وقيل: عبد الله بن محمد. قال ابن عبد البر (١): إسناده حسن من حديث الإفريقي. قال الحاكم (٢): وأما أخبار الكوفة في هذه القصة يعني في تثنية الأذان والإقامة فمدارها على حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، واختلف عليه فيه فمنهم من قال عن معاذ بن جبل، ومنهم من قال عن عبد الله بن زيد، ومنهم من قال غير ذلك. الحديث فيه تربيع التكبير. وقد ذهب إلى ذلك الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء كما قال النووي (٣). ومن أهل البيت الناصر والمؤيّد بالله والإمام يحيى (٤). واحتجّوا بهذا الحديث، فإن المشهور فيه التربيع، وبحديث أبي محذورة الآتي (٥). وبأن التربيع عمل أهل مكّة وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة وغيرهم. وذهب مالك وأبو يوسف ومن أهل البيت زيد بن علي والصادق والهادي والقاسم إلى تثنيته (٦) محتجّين بما وقع في بعض روايات هذا الحديث من التثنية، وبحديث أبي محذورة الآتي (٧) في رواية مسلم (٨) عنه، وفيه: "إن الأذان مثنى فقط"، وبأن التثنية عمل أهل المدينة وهم أعرف بالسنن.

стр. 1163

وبحديث أمره ﷺ لبلال بتشفيع الأذان وإيتار الإقامة وسيأتي (١). والحق أن روايات التربيع أرجح لاشتمالها على الزيادة وهي مقبولة لعدم منافاتها وصحة مخرجها (٢). وفي الحديث ذكر الشهادتين مثنى مثنى، وقد اختلف الناس في ذلك فذهب أبو حنيفة والكوفيون والهادوية والناصر (٣) إلى عدم استحباب الترجيع تمسكًا بظاهر الحديث. والترجيع: هو العود إلى الشهادتين مرتين مرتين برفع الصوت بعد قولها مرتين مرتين بخفض الصوت، ذكر ذلك النووي في شرح مسلم (٤). وفي كلام الرافعي ما يشعر بأن الترجيع اسم للمجموع من السر والجهر. وفي شرح المهذب (٥) والتحقيق والدقائق والتحرير أنه اسم للأول. وذهب الشافعي ومالك وأحمد وجمهور العلماء كما قال النووي (٤) إلى أن الترجيع في الأذان ثابت لحديث أبي محذورة الآتي (٦) وهو حديث صحيح مشتمل على زيادة غير منافية فيجب قبولها، وهو أيضًا متأخر عن حديث عبد الله بن زيد. قال في شرح مسلم (٤): إن حديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حُنين، وحديث عبد الله بن زيد في أول الأمر، ويرجحه أيضًا عمل أهل مكة والمدينة به. قال النووي (٤): وقد ذهب جماعة من المحدثين وغيرهم إلى التخيير بين فعل الترجيع وتركه. وفيه التثويب في صلاة الفجر لقول سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة

стр. 1164

في التأذين إلى صلاة الفجر، يعني قول بلال: "الصلاة خير من النوم"، وزاد ابن ماجه (١): "فأقرّها رسول الله ﷺ "، وفي إسناده ضعف جدًّا. وروى أيضًا ابن ماجه (٢) وأحمد (٣) والترمذي (٤) من حديث بلال بلفظ: "لا تُثَوِّبَنَّ في شيءٍ من الصَّلاةِ إلا في صلاةِ الفجر"، وفيه أبو إسماعيل الملائي وهو ضعيف مع انقطاعه بين عبد الرحمن بن أبي ليلى وبلال. وقال ابن السكن (٥): لا يصحّ إسناده.

стр. 1165

ورواه الدارقطني (١) من طريق أخرى وفيه أبو سعيد البقال وهو نحو أبي إسماعيل في الضعف. وبيان الانقطاع بين ابن أبي ليلى (٢) وبلال (٣) أن ابن أبي ليلى مولده سنة سبع عشرة ووفاة بلال سنة عشرين أو إحدى وعشرين بالشام، وكان مرابطًا بها قبل ذلك من أوائل فتوحها فهو شامي، وابن أبي ليلى كوفي، فكيف يسمع منه مع حداثة السن وتباعد الديار. وقد روي إثبات التثويب من حديث أبي محذورة قال: "علمني رسول الله ﷺ الأذان وقال: إذا كنت في أذان الصبح فقلت: حيّ على الفلاح، فقل: الصلاة خير من النوم"، أخرجه أبو داود (٤) وابن حبان (٥) مطولًا من حديثه وفيه هذه

стр. 1166

الزيادة، وفي إسناده محمد بن عبد الملك (١) بن أبي محذورة وهو غير معروف الحال، والحارث بن عبيد (٢) وفيه مقال. وذكره أبو داود (٣) من طريق أخرى عن أبي محذورة وصححه ابن خزيمة (٤) من طريق ابن جريج. ورواه النسائي (٥) من وجه آخر، وصححه أيضًا ابن خزيمة (٦)، ورواه بقي بن مخلد. وروى التثويب أيضًا الطبراني (٧) والبيهقي (٨) بإسناد حسن عن ابن عمر بلفظ: كان الأذان بعد حيّ على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرّتين، قال اليعمري: وهذا إسناد صحيح. وروى ابن خزيمة (٩) والدارقطني (١٠) والبيهقي (١١) عن أنس أنّه قال: من السنّة إذا قال المؤذن في الفجر حيّ على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم، قال ابن سيد الناس اليعمري: وهو إسناد صحيح.

стр. 1167

وفي الباب عن عائشة عند ابن حبان (١). وعن نعيم النحام (٢) عند البيهقي (٣). وقد ذهب إلى القول بشرعية التثويب عمر بن الخطاب (٤)، وابنه (٥)، وأنس (٦)، والحسن البصري (٧)، وابن سيرين (٨)، والزهري (٩)، ومالك (١٠)، والثوري (١١)، وأحمد (١٢)، وإسحاق (١٣)، وأبو ثور (١٤)، وداود (١٥)، وأصحاب الشافعي (١٦)، وهو رأي الشافعي في القديم، ومكروه عنده في الجديد، وهو مرويّ عن أبي حنيفة (١٧). واختلفوا في محله، فالمشهور أنه في صلاة الصبح فقط، وعن

стр. 1168

النخعي (١) وأبي يوسف أنه سنّة في كل الصلوات. وحكى القاضي أبو الطيّب (٢) عن الحسن بن صالح أنه يستحب في أذان العشاء. وروي عن الشعبي وغيره أنه يستحب في العشاء والفجر. والأحاديث لم ترد بإثباته إلا في صلاة الصبح لا في غيرها، فالواجب الاقتصار على ذلك، والجزم بأن فعله في غيرها بدعة كما صرّح بذلك ابن عمر (٣) وغيره. وذهبت العترة والشافعي في أحد قوليه إلى أن التثويب بدعة، قال في البحر (٤): أحدثه عمر، فقال ابنه: هذه بدعة (٥). وعن عليّ [عليه

стр. 1169

السلام] (١) حين سمعه: لا تزيدوا في الأذان ما ليس منه، ثم قال بعد أن ذكر حديث أبي محذورة وبلال، قلنا: لو كان لما أنكره علي وابن عمر وطاوس، سلمنا فأمَرَ به إشعارًا في حال لا شرعًا جمعًا بين الآثار، انتهى. وأقول: قد عرفت مما سلف رفعه إلى النبيّ ﷺ والأمر به على جهة العموم من دون تخصيص بوقت دون وقت، وابن عمر لم ينكر مطلق التثويب بل أنكره في صلاة الظهر. ورواية الإنكار عن عليّ ﵇ بعد صحتها لا تقدح (٢) في مرويّ غيره؛ لأن المثبت أولى ومن علم حجة، والتثويب زيادة ثابتة فالقول [بها] (٣) لازم. والحديث ليس فيه ذكر حيّ على خير العمل، وقد ذهبت العترة إلى إثباته وأنه بعد قول المؤذن: حيّ على الفلاح، قالوا: يقول مرتين حي على خير العمل ونسبه المهدي في البحر (٤) إلى أحد قولي الشافعي وهو خلاف ما في كتب الشافعية، فإنّا لم نجد في شيء منها هذه المقالة بل خلاف ما في كتب أهل

стр. 1170

البيت، قال في الانتصار (١): إن الفقهاء الأربعة لا يختلفون في ذلك، يعني في أن حيّ على خير العمل ليس من ألفاظ الأذان، وقد أنكر هذه الرواية الإمام عز الدين في شرح البحر وغيره ممن له اطّلاع على كتب الشافعية. احتجّ القائلون بذلك بما في كتب أهل البيت كأمالي (٢) أحمد بن عيسى (٣) والتجريد (٤) والأحكام (٥) وجامع آل محمد (٦) من إثبات ذلك مسندًا إلى رسول الله ﷺ . قال في الأحكام: وقد صحّ لنا أن حيّ على خير العمل كانت على عهد رسول الله ﷺ يؤذن بها ولم تطرح إلا في زمن عمر، وهكذا قال الحسن بن يحيى، روي ذلك عنه في جامع آل محمد [ ﷺ ] (٧). وبما أخرج البيهقي في سننه الكبرى (٨) بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر أنه كان يؤذن بحي على خير العمل أحيانًا. وروى (٩) فيها عن علي بن الحسين أنه قال هو الأذان الأول.

стр. 1171

وروى المحب الطبري في أحكامه عن زيد بن أرقم أنه أذن بذلك، قال المحب الطبري: رواه ابن حزم (١) ورواه سعيد بن منصور في سننه عن أبي أُمامة بن سهل البدري، ولم يرو ذلك من طريق غير أهل البيت مرفوعًا (٢).

стр. 1172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1173

وقول بعضهم - الجلال (١) -: وقد صحح ابن حزم (٢) والبيهقي (٣) والمحب الطبري وسعيد بن منصور ثبوت ذلك عن علي بن الحسين وابن عمر وأبي أمامة بن سهل موقوفًا ومرفوعًا ليس - خبر - بصحيح اللهمّ [إلا] (٤) أن يريد بقوله مرفوعًا قول علي بن الحسين هو الأذان الأوّل، ولم يثبت عن ابن عمر وأبي أمامة الرفع في شيء من كتب الحديث. وأجاب الجمهور عن أدلّة إثباته بأن الأحاديث الواردة بذكر ألفاظ الأذان في الصحيحين وغيرهما من دواوين الحديث ليس في شيء منها ما يدلّ على ثبوت ذلك، قالوا: وإذا صحّ ما روي من أنه الأذان الأول فهو منسوخ بأحاديث الأذان لعدم ذكره فيها. وقد أورد البيهقي حديثًا في نسخ ذلك ولكنه من طريق لا يثبت النسخ بمثلها. وفي الحديث إفراد الإقامة إلا التكبير في أوّلها وآخرها وقد قامت الصلاة، وقد اختلف الناس في ذلك وسنذكر ذلك وما هو الحق في شرح حديث أنس الآتي (٥) بعد هذا. قوله في الحديث: (أن يضرب بالناقوس) هو الذي تضرب به النصارى لأوقات صلاتهم، وجمعه نواقيس، والنقس ضرب الناقوس. قوله: (حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح) اسم فعل معناه أقبلوا إليها وهلمّوا إلى الفوز والنجاة، وفتحت الياء لسكونها وسكون الياء السابقة المدغمة. قوله: (فإنه أندى صوتًا منك)، أي أحسن صوتًا منك. وفيه دليل على استحباب اتخاذ مؤذن حسن الصوت. وقد أخرج الدارمي (٦) وأبو الشيخ بإسناد متّصل بأبي محذورة: "أن رسول الله ﷺ أمر بنحو عشرين رجلًا فأذّنوا فأعجبه صوت أبي محذورة فعلمه الأذان".

стр. 1174

وأخرجه أيضًا ابن حبان (١) من طريق أخرى. ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٢). قال الزبير بن بكار (٣): كان أبو محذورة أحسن الناس صوتًا وأذانًا. ولبعض شعراء قريش (٤) في أذان أبي محذورة: أما وربِّ الكعبةِ المستوره … وما تَلا مُحَمَّدٌ مِن سُوره والنَّغَماتِ مِنْ أبي مَحْذُوره … لأفعلنَّ فعلةً مَذْكُوره وفي رواية للترمذي (٥) بلفظ: "فقم مع بلال فإنه أندى أو أمدّ صوتًا منك فألق عليه ما قيل لك"، والمراد بقوله: أو أمد صوتًا منك، أي أرفع صوتًا منك. وفيه استحباب رفع الصوت بالأذان، وسيذكر المصنف لذلك بابًا بعد هذا الباب (٦). ٧/ ٤٩١ - (وَعَنْ أنَسٍ [رضي الله تعالى عنه] (٧) قالَ: أُمِرَ بِلَالٌ أنْ يَشْفَعَ الأذَانَ ويُوتِرَ الإقامَةَ إلَّا الإقامة. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ) (٨). [صحيح]

стр. 1175

[وليس فيه للنسائي (١)، والترمذي (٢)، وابن ماجه (٣)، إلا الإقامة] (٤). قوله: (أُمِرَ بلال) هو في معظم الروايات على البناء للمفعول. وقد اختلف أهل الأصول والحديث في اقتضاء هذه الصيغة للرفع، والمختار عند محقّقي الطائفتين أنها تقتضيه لأن الظاهر أن المراد بالآمر من له الأمر الشرعي الذي يلزم اتّباعه، وهو الرسول ﷺ لا سيما في أمور العبادة، فإنها إنما تؤخذ عن توقيف ويؤيّد هذا ما وقع في رواية روح عن عطاء: "فأمر بلالًا" بالنصب وفاعل أمر هو النبيّ ﷺ ، وأصرح من ذلك رواية النسائي (٥) وغيره عن قتيبة عن عبد الوهاب بلفظ: "أن النبيّ ﷺ أمر بلالًا"، قال الحاكم (٦): صرّح برفعه إمام الحديث بلا مدافعة قتيبة، قال الحافظ (٧): ولم يتفرّد به. فقد أخرجه أبو عوانة (٨) من طريق عبدان المروزي ويحيى بن معين كلاهما عن عبد الوهاب، وطريق يحيى عند الدارقطني (٩) أيضًا، ولم يتفرّد عبد الوهاب. وقد رواه البلاذري (١٠) من طريق أبي شهاب الحنّاط (١١) عن أبي قلابة (١٢)، وقضية وقوع ذلك عقب المشاورة في أمر النداء إلى الصلاة ظاهر في أن الآمر بذلك هو النبيّ ﷺ لا غيره، كما استدلّ به ابن المنذر وابن حبان. قال ابن سيد الناس: والآمر بذلك النبيّ ﷺ من غير شك. وقد روى البيهقي (١٣) فيه بالسند الصحيح عن أنس: "أن رسول الله ﷺ أمر

стр. 1176

بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة" لا ما حكي عن بعضهم من أن الآمر لبلال بذلك كان من بعد رسول الله ﷺ ؛ إذ من المنقول أن بلالًا لم يؤذن لأحد بعد [موت] (١) رسول الله ﷺ ، إلا لأبي بكر. وقيل: لم يؤذن لأحد بعد موت رسول الله ﷺ إلا مرة واحدة بالشام. قوله: (أن يشفع الأذان) بفتح أوّله وفتح الفاء، أي يأتي بألفاظه شفعًا، وهو مفسر بقوله: "مثنى مثنى". قال الحافظ (٢): لكن لم يختلف في أن كلمة التوحيد التي في آخره مفردة، فيحمل قوله: مثنى، على ما سواها، انتهى. فتكون أحاديث تشفيع الأذان وتثنيته مخصّصة بالأحاديث التي ذكرت فيها كلمة التوحيد مرة واحدة، كحديث عبد الله بن زيد ونحوه. قوله: (إلا الإقامة) ادعى ابن منده والأصيلي (٣) أن قوله: "إلا الإقامة" من كلام أيوب وليس من الحديث، وفيما قالاه نظر؛ لأن عبد الرزاق (٤) رواه عن معمر عن أيوب بسنده متّصلًا بالخبر مفسرًا، وكذا أبو عوانة في صحيحه (٥) والسراج في مسنده (٦)، والأصل أن كل ما كان [في] (٧) الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه ولا دليل. ورواية أيوب زيادة من حافظ فلا يقدح في صحتها عدم ذكر خالد الحذاء لها. وقد ثبت تكرير لفظ: قد قامت الصلاة في حديث ابن عمر مرفوعًا وسيأتي (٨). وقد استشكل عدم استثناء التكبير في الإقامة فإنه يثنى كما تقدّم في حديث عبد الله بن زيد (٩). وأُجيب بأنه وتر بالنسبة إلى تكبير الأذان فإن التكبير في أول الأذان أربع، وهذا إنما يتم في تكبير أوّل الأذان لا في آخره كما قال الحافظ (١٠)، وأنت خبير بأن ترك استثنائه في هذا الحديث لا يقدح في ثبوته لأن روايات التكرير زيادة مقبولة.

стр. 1177

الحديث يدل على وجوب الأذان والإقامة، وعلى أن الأذان مثنى، وقد تقدّم الكلام على ذلك. ويدلّ على إفراد الإقامة إلا الإقامة. وقد اختلف الناس في ذلك فذهب الشافعي وأحمد وجمهور العلماء إلى أن ألفاظ الإقامة إحدى عشرة كلمة كلّها مفردة إلا التكبير في أوّلها وآخرها، ولفظ: "قد قامت الصلاة"، فإنها مثنى مثنى واستدلّوا بهذا الحديث، وحديث ابن عمر الآتي (١)، وحديث عبد الله بن زيد السابق (٢). قال الخطابي (٣): مذهب جمهور العلماء والذي جرى به العمل في الحرمين والحجاز، والشام، واليمن، ومصر، والمغرب إلى أقصى بلاد الإسلام أن الإقامة فرادى. قال أيضًا: مذهب كافة العلماء أنه يكرّر قوله: قد قامت الصلاة إلّا مالكًا، فإن المشهور عنه أنه لا يكرّرها. وذهب الشافعي في قديم قوليه إلى ذلك، قال النووي (٤): ولنا قول شاذ أنه [يقول] (٥) في التكبير الأوّل الله أكبر مرة وفي الأخير مرة، ويقول: قد قامت الصلاة مرة. قال ابن سيد الناس (٦): وقد ذهب إلى القول بأن الإقامة إحدى عشرة كلمة عمر بن الخطاب وابنه وأنس والحسن البصري والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحق وأبو ثور ويحيى بن يحيى وداود وابن المنذر (٧). قال البيهقي (٨): وممن قال بإفراد الإقامة سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز.

стр. 1178

قال البغوي (١): هو قول أكثر العلماء. وذهبت الحنفية والهادوية والثوري وابن المبارك (٢) وأهل الكوفة إلى أن ألفاظ الإقامة مثل الأذان عندهم مع زيادة قد قامت الصلاة مرتين. واستدلّوا بما في رواية من حديث عبد الله بن زيد عند الترمذي (٣) وأبي داود (٤) بلفظ: "كان أذانُ رسولِ الله ﷺ شَفْعًا شَفْعًا في الأذانِ والإقامةِ"، وأجيب عن ذلك بأنه منقطع كما قال الترمذي (٥)، وقال الحاكم (٦) والبيهقي (٧): الروايات عن عبد الله بن زيد في هذا الباب كلها منقطعة، وقد تقدم ما في سماع ابن أبي ليلى من عبد الله بن زيد. ويجاب عن هذا الانقطاع بأن الترمذي (٨) قال بعد إخراج هذا الحديث: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد ما لفظه، وقال شعبة: عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثنا أصحاب محمد ﷺ أن عبد الله بن زيد رأى الأذان في المنام، قال الترمذي (٨): وهذا أصح، انتهى. وقد روى ابن أبي ليلى (٩) عن جماعة من الصحابة منهم عمر وعليّ وعثمان وسعد بن أبي وقاص وأُبيّ بن كعب والمقداد وبلال وكعب بن عجرة وزيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان وصهيب وخلق يطول ذكرهم، وقال: أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبيّ ﷺ كلهم من الأنصار فلا علّة للحديث؛ لأنه على

стр. 1179

الرواية عن عبد الله بدون توسيط الصحابة مرسل عن الصحابة وهو في حكم المسند، وعلى روايته عن الصحابة عنه مسندًا [ومحمد بن] (١) عبد الرحمن وإن كان بعض أهل الحديث يضعفه فمتابعة الأعمش إياه عن عمرو بن مرّة ومتابعة شعبة كما ذكر ذلك الترمذي (٢) مما يصحح خبره وإن خالفاه في الإسناد وأرسلا فهي مخالفة غير قادحة. واستدلّوا أيضًا بما رواه الحاكم (٣) والبيهقي في الخلافيات (٤) والطحاوي (٥) من رواية سويد بن غفلة (٦) أن بلالًا كان يثني الأذان والإقامة وادّعى الحاكم فيه الانقطاع (٧). قال الحافظ (٨): ولكن في رواية الطحاوي سمعت بلالًا، ويؤيّد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة (٩) عن جبر بن علي عن شيخ يقال له الحفص (١٠) عن أبيه (١١) عن جدّه وهو سعد القرظ (١٢) قال: أذن بلال حياة رسول الله ﷺ ثم أذن لأبي بكر في حياته ولم يؤذن في زمان عمر، وسويد بن غفلة هاجر في زمن أبي بكر. وأمّا ما رواه أبو داود (١٣) من أن بلالًا ذهب إلى الشام في حياة أبي بكر فكان

стр. 1180

بها حتى مات فهو مرسل، وفي إسناده عطاء الخراساني (١) وهو مدلس. وروى الطبراني في مسند الشاميين (٢) من طريق جنادة بن أبي أمية عن بلال أنه كان يجعل الأذان والإقامة مثنى مثنى، وفي إسناده ضعف. قال الحافظ (٣): وحديث أبي محذورة في تثنية الإقامة مشهور عند النسائي (٤)، وغيره، انتهى. وحديث أبي محذورة حديث صحيح ساقه الحازمي في الناسخ والمنسوخ (٥) وذكر فيه الإقامة مرتين مرتين، وقال: "هذا حديث حسن على شرط أبي داود والترمذي والنسائي". وسيأتي ما أخرجه عنه الخمسة (٦): "أن النبيّ ﷺ علّمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة"، وهو حديث صححه الترمذي (٧) وغيره وهو متأخّر عن حديث بلال الذي فيه الأمر بإيتار الإقامة لأنه بعد فتح مكّة لأن أبا محذورة من مسلمة الفتح، وبلالًا أمر بإفراد الإقامة أوّل ما شرع الأذان فيكون ناسخًا. وقد روى أبو الشيخ (٨) أن بلالًا أذن بمنى ورسول الله ﷺ ثم مرتين مرتين، وأقام مثل ذلك، إذا عرفت هذا تبيّن لك أن أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج بها لما أسلفناه، وأحاديث إفراد الإقامة وإن كانت أصحّ منها لكثرة طرقها، وكونها في الصحيحين لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة، فالمصير إليها لازم لا سيما مع تأخّر تاريخ بعضها كما عرَّفناك.

стр. 1181

وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز إفراد الإقامة وتثنيتها، قال أبو عمر بن عبد البر (١): "ذهب أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وداود بن علي ومحمد بن جرير إلى إجازة القول بكل ما روي عن رسول الله ﷺ في ذلك وحملوه على الإباحة والتخيير، قالوا كل ذلك جائز لأنه قد ثبت عن النبيّ ﷺ جميع ذلك وعمل به أصحابه، فمن شاء قال الله أكبر [أربعًا] (٢) في أوّل الأذان ومن شاء ثنّى، ومن شاء ثنّى الإقامة ومن شاء أفردها إلّا قوله: قد قامت الصلاة، فإن ذلك مرّتان على كل حال" انتهى. وقد أجاب القائلون بإفراد الإقامة عن حديث أبي محذورة بأجوبة: منها: أن من شرط الناسخ أن يكون أصحّ سندًا وأقوم قاعدة وهذا ممنوع، فإن المعتبر في الناسخ مجرد الصحة لا الأصحيَّة، ومنها أن جماعة من الأئمة ذهبوا إلى أن هذه اللفظة في تثنية الإقامة غير محفوظة، ورووا من طريق أبي محذورة "أن النبيّ ﷺ أمره أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة"، كما ذكر ذلك الحازمي في الناسخ والمنسوخ (٣). وأخرجه البخاري في تاريخه (٤) والدارقطنى (٥) وابن خزيمة (٦)، وهذا الوجه غير نافع لأن القائلين بأنها غير محفوظة غاية ما اعتذروا به عدم الحفظ، وقد حفظ غيرهم من الأئمة كما تقدم ومن علم حجة على من لا يعلم. وأمّا رواية إيتار الإقامة عن أبي محذورة فليست كروايته التشفيع، على أن الاعتماد على الرواية المشتملة على الزيادة. ومن الأجوبة: أن تثنية الإقامة لو فرض أنها محفوظة وأن الحديث بها ثابت لكانت منسوخة، فإن أذان بلال هو آخر الأمرين لأن النبيّ ﷺ لما عاد من حنين ورجع إلى المدينة أقرّ بلالًا على أذانه وإقامته.

стр. 1182

قالوا: وقد قيل لأحمد بن حنبل (١): أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زيد لأن حديث أبي محذورة بعد فتح مكة، قال: أليس قد رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة فأقرّ بلالًا على أذان عبد الله بن زيد، وهذا أنهض ما أجابوا به، ولكنه متوقف على نقل صحيح أن بلالًا أذّن بعد رجوع النبيّ ﷺ إلى المدينة، وأفرد الإقامة ومجرد قول أحمد بن حنبل لا يكفي، فإن ثبت ذلك كان دليلًا لمذهب من قال بجواز الكل ويتعيّن المصير إليه، لأن فعل كل واحد من الأمرين عقب الآخر مشعر بجواز الجميع لا بالنسخ. ٨/ ٤٩٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنهما] (٢) قَالَ: إنَّمَا كَانَ الأذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، والإقَامَةُ مَرَّة مَرَّة. غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، وَكُنَّا إذا سَمِعْنَا الإقامَةَ تَوَضَّأْنَا ثُمَّ خَرَجْنَا إلَى الصَّلَاةِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٣)، وَأَبُو دَاوُدَ (٤)، والنَّسَائِيُّ) (٥). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا الشافعي (٦)، وأبو عوانة (٧)، والدارقطني (٨)، وابن خزيمة (٩)، وابن حبان (١٠)، والحاكم (١١).

стр. 1183

وفي إسناده أبو جعفر (١) المؤذن، قال شعبة: لا يحفظ لأبي جعفر غير هذا الحديث. وقال ابن حبان (٢): اسمه محمد بن مسلم بن مهران. وقال الحاكم (٣): اسمه عمير بن يزيد بن حبيب الخطمي. قال الحافظ (٤): ووهم الحاكم في ذلك. ورواه أبو عوانة (٥) والدارقطني (٦) من حديث سعيد بن المغيرة، عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. قال الحافظ (٧): "وأظن سعيدًا وهم فيه، وإنما رواه عيسى عن شعبة كما تقدم، لكن سعيد وثّقه أبو حاتم، ورواه ابن ماجه (٨) من حديث سعد القرظ مرفوعًا: "كان أذان بلال مثنى مثنى وإقامته مفردة". وعن أبي رافع نحوه (٩) وهما ضعيفان، وقد صرح اليعمري (١٠) في شرح الترمذي أن حديث ابن عمر إسناده صحيح. والحديث يدلّ على أن الأذان مثنى والإقامة مفردة إلّا الإقامة، وقد تقدم البحث عن ذلك. ٩/ ٤٩٣ - (وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ [رضي الله تعالى عنه] (١١) أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 1184

عَلَّمَهُ هَذَا الأذَانَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ، أشْهَدُ أن لَا إله إلَّا اللَّهُ، أشْهَدُ أن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أشْهَدُ أن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ مَرَّتَيْنِ، أشْهَدُ أن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، لَا إلهَ إلَّا الله. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) والنَّسَائِيُّ (٢)، وذَكَرَ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهِ أَرْبَعًا. وَللْخَمْسَةِ (٣) عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأذَانَ تِسْعَ عَشَرَةَ كَلِمَةً وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشَرَةَ كَلِمَةً. قَالَ التِّرْمِذِيُّ (٤): حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ). [صحيح] الرواية الأولى أخرجها أيضًا بتربيع التكبير في أوّله الشافعي (٥)، وأبو داود (٦)، وابن ماجه (٧)، وابن حبان (٨). وقال ابن القطان: الصحيح في هذا تربيع التكبير، وبه يصح كون الأذان تسع عشرة كلمة كما في الرواية الثانية مضمومًا إلى تربيع التكبير الترجيع. قال الحافظ (٩) حاكيًا عن ابن القطان: وقد وقع في بعض روايات مسلم بتربيع التكبير وهي التي ينبغي أن [يعد] (١٠) في الصحيح اهـ. وقد رواه أبو نعيم في المستخرج (١١) والبيهقي (١٢) بتربيع التكبير، وقال
следующие страницы →