← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 1180–1219 · переход к 1185.

стр. 1180

بها حتى مات فهو مرسل، وفي إسناده عطاء الخراساني (١) وهو مدلس. وروى الطبراني في مسند الشاميين (٢) من طريق جنادة بن أبي أمية عن بلال أنه كان يجعل الأذان والإقامة مثنى مثنى، وفي إسناده ضعف. قال الحافظ (٣): وحديث أبي محذورة في تثنية الإقامة مشهور عند النسائي (٤)، وغيره، انتهى. وحديث أبي محذورة حديث صحيح ساقه الحازمي في الناسخ والمنسوخ (٥) وذكر فيه الإقامة مرتين مرتين، وقال: "هذا حديث حسن على شرط أبي داود والترمذي والنسائي". وسيأتي ما أخرجه عنه الخمسة (٦): "أن النبيّ ﷺ علّمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة"، وهو حديث صححه الترمذي (٧) وغيره وهو متأخّر عن حديث بلال الذي فيه الأمر بإيتار الإقامة لأنه بعد فتح مكّة لأن أبا محذورة من مسلمة الفتح، وبلالًا أمر بإفراد الإقامة أوّل ما شرع الأذان فيكون ناسخًا. وقد روى أبو الشيخ (٨) أن بلالًا أذن بمنى ورسول الله ﷺ ثم مرتين مرتين، وأقام مثل ذلك، إذا عرفت هذا تبيّن لك أن أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج بها لما أسلفناه، وأحاديث إفراد الإقامة وإن كانت أصحّ منها لكثرة طرقها، وكونها في الصحيحين لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة، فالمصير إليها لازم لا سيما مع تأخّر تاريخ بعضها كما عرَّفناك.

стр. 1181

وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز إفراد الإقامة وتثنيتها، قال أبو عمر بن عبد البر (١): "ذهب أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وداود بن علي ومحمد بن جرير إلى إجازة القول بكل ما روي عن رسول الله ﷺ في ذلك وحملوه على الإباحة والتخيير، قالوا كل ذلك جائز لأنه قد ثبت عن النبيّ ﷺ جميع ذلك وعمل به أصحابه، فمن شاء قال الله أكبر [أربعًا] (٢) في أوّل الأذان ومن شاء ثنّى، ومن شاء ثنّى الإقامة ومن شاء أفردها إلّا قوله: قد قامت الصلاة، فإن ذلك مرّتان على كل حال" انتهى. وقد أجاب القائلون بإفراد الإقامة عن حديث أبي محذورة بأجوبة: منها: أن من شرط الناسخ أن يكون أصحّ سندًا وأقوم قاعدة وهذا ممنوع، فإن المعتبر في الناسخ مجرد الصحة لا الأصحيَّة، ومنها أن جماعة من الأئمة ذهبوا إلى أن هذه اللفظة في تثنية الإقامة غير محفوظة، ورووا من طريق أبي محذورة "أن النبيّ ﷺ أمره أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة"، كما ذكر ذلك الحازمي في الناسخ والمنسوخ (٣). وأخرجه البخاري في تاريخه (٤) والدارقطنى (٥) وابن خزيمة (٦)، وهذا الوجه غير نافع لأن القائلين بأنها غير محفوظة غاية ما اعتذروا به عدم الحفظ، وقد حفظ غيرهم من الأئمة كما تقدم ومن علم حجة على من لا يعلم. وأمّا رواية إيتار الإقامة عن أبي محذورة فليست كروايته التشفيع، على أن الاعتماد على الرواية المشتملة على الزيادة. ومن الأجوبة: أن تثنية الإقامة لو فرض أنها محفوظة وأن الحديث بها ثابت لكانت منسوخة، فإن أذان بلال هو آخر الأمرين لأن النبيّ ﷺ لما عاد من حنين ورجع إلى المدينة أقرّ بلالًا على أذانه وإقامته.

стр. 1182

قالوا: وقد قيل لأحمد بن حنبل (١): أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زيد لأن حديث أبي محذورة بعد فتح مكة، قال: أليس قد رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة فأقرّ بلالًا على أذان عبد الله بن زيد، وهذا أنهض ما أجابوا به، ولكنه متوقف على نقل صحيح أن بلالًا أذّن بعد رجوع النبيّ ﷺ إلى المدينة، وأفرد الإقامة ومجرد قول أحمد بن حنبل لا يكفي، فإن ثبت ذلك كان دليلًا لمذهب من قال بجواز الكل ويتعيّن المصير إليه، لأن فعل كل واحد من الأمرين عقب الآخر مشعر بجواز الجميع لا بالنسخ. ٨/ ٤٩٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنهما] (٢) قَالَ: إنَّمَا كَانَ الأذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، والإقَامَةُ مَرَّة مَرَّة. غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، وَكُنَّا إذا سَمِعْنَا الإقامَةَ تَوَضَّأْنَا ثُمَّ خَرَجْنَا إلَى الصَّلَاةِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٣)، وَأَبُو دَاوُدَ (٤)، والنَّسَائِيُّ) (٥). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا الشافعي (٦)، وأبو عوانة (٧)، والدارقطني (٨)، وابن خزيمة (٩)، وابن حبان (١٠)، والحاكم (١١).

стр. 1183

وفي إسناده أبو جعفر (١) المؤذن، قال شعبة: لا يحفظ لأبي جعفر غير هذا الحديث. وقال ابن حبان (٢): اسمه محمد بن مسلم بن مهران. وقال الحاكم (٣): اسمه عمير بن يزيد بن حبيب الخطمي. قال الحافظ (٤): ووهم الحاكم في ذلك. ورواه أبو عوانة (٥) والدارقطني (٦) من حديث سعيد بن المغيرة، عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. قال الحافظ (٧): "وأظن سعيدًا وهم فيه، وإنما رواه عيسى عن شعبة كما تقدم، لكن سعيد وثّقه أبو حاتم، ورواه ابن ماجه (٨) من حديث سعد القرظ مرفوعًا: "كان أذان بلال مثنى مثنى وإقامته مفردة". وعن أبي رافع نحوه (٩) وهما ضعيفان، وقد صرح اليعمري (١٠) في شرح الترمذي أن حديث ابن عمر إسناده صحيح. والحديث يدلّ على أن الأذان مثنى والإقامة مفردة إلّا الإقامة، وقد تقدم البحث عن ذلك. ٩/ ٤٩٣ - (وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ [رضي الله تعالى عنه] (١١) أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 1184

عَلَّمَهُ هَذَا الأذَانَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ، أشْهَدُ أن لَا إله إلَّا اللَّهُ، أشْهَدُ أن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أشْهَدُ أن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ مَرَّتَيْنِ، أشْهَدُ أن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، لَا إلهَ إلَّا الله. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) والنَّسَائِيُّ (٢)، وذَكَرَ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهِ أَرْبَعًا. وَللْخَمْسَةِ (٣) عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأذَانَ تِسْعَ عَشَرَةَ كَلِمَةً وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشَرَةَ كَلِمَةً. قَالَ التِّرْمِذِيُّ (٤): حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ). [صحيح] الرواية الأولى أخرجها أيضًا بتربيع التكبير في أوّله الشافعي (٥)، وأبو داود (٦)، وابن ماجه (٧)، وابن حبان (٨). وقال ابن القطان: الصحيح في هذا تربيع التكبير، وبه يصح كون الأذان تسع عشرة كلمة كما في الرواية الثانية مضمومًا إلى تربيع التكبير الترجيع. قال الحافظ (٩) حاكيًا عن ابن القطان: وقد وقع في بعض روايات مسلم بتربيع التكبير وهي التي ينبغي أن [يعد] (١٠) في الصحيح اهـ. وقد رواه أبو نعيم في المستخرج (١١) والبيهقي (١٢) بتربيع التكبير، وقال

стр. 1185

بعده: أخرجه مسلم عن إسحق، وكذلك أخرجه أبو عوانة في مستخرجه (١) من طريق ابن المديني عن معاذ. والرواية الثانية أخرجها أيضًا الدارمي (٢)، والدارقطني (٣)، والحاكم في مستدركه (٤)، والبيهقي (٥)، وتكلّم عليه بأوجه من التضعيف ردّها ابن دقيق العيد في "الإمام" (٦) وصحح الحديث، وأخرجه أيضًا الطبراني. قوله: (تسع عشرة كلمة) لأن التكبير في أوّله مربع والترجيع في الشهادتين يصير كل واحدة منهما أربعة ألفاظ، والحيعلتين أربع كلمات والتكبير [كلمتان] (٧) وكلمة التوحيد في آخره. قوله: (سبع عشرة) بتربيع التكبير في أوّل الإقامة وترك الترجيع وزيادة قد قامت الصلاة مرتين وباقي ألفاظها كالأذان، فتكون الإقامة ذلك المقدار. والحديث يدلّ على تربيع التكبير والترجيع، وتربيع تكبير الإقامة وتثنية باقي ألفاظها، وقد تقدم الكلام على جميع هذه الأطراف مستوفًا، وقد عرفت مما سلف أن حديث أبي محذورة راجح؛ لأنه متأخر ومشتمل على الزيادة لا سيما مع كون النبيّ ﷺ هو الذي لقنه إياه. ١٠/ ٤٩٤ - (وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ [رضي الله تعالى عنه] (٨) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي سُنَّةَ الأذَانِ، فَعَلَّمَهُ وَقَالَ: [فَإِنْ كانَ صَلَاةُ الصُّبْحِ قُلْتَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، اللَّهُ أكبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، لَا إلهَ إلَّا للَّهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٩)، وَأَبُو دَاوُدَ (١٠). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا ابن حبان (١١) والنسائي (١٢) وصححه ابن خزيمة (١٣)،

стр. 1186

وفي إسناده محمد بن عبد الملك (١) بن أبي محذورة، والحارث بن عبيد (٢) والأوّل غير معروف، والثاني فيه مقال ولكنه قد روي من طريق أخرى. وقد قدمنا الكلام على الحديث وعلى فقهه في شرح حديث عبد الله بن زيد، فليرجع إليه. [الباب الثالث] باب رفع الصوت بالأذان ١١/ ٤٩٥ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ [رضي الله تعالى عنه] (٣) أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ ويَابِسٍ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيُّ) (٤). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا ابن خزيمة (٥) وابن حبان (٦)، وفي إسناده أبو يحيى (٧) الراوي له عن أبي هريرة، قال ابن القطان (٨): لا يعرف، وادّعى ابن حبان في الصحيح (٩) أن اسمه سمعان. ورواه البيهقي (١٠) من وجهين آخرين عن الأعمش، قال تارة عن أبي صالح، وتارة عن مجاهد عن أبي هريرة. قال [الدارقطني] (١١): الأشبه أنه عن مجاهد مرسل، وفي العلل لابن أبي حاتم (١٢): سئل أبو زرعة عن حديث منصور (١٣) فقال فيه عن عطاء رجل من أهل المدينة ووقفه.

стр. 1187

ورواه أبو أسامة (١) عن الحرث بن الحكم عن أبي هبيرة يحيى بن عباد عن شيخ من الأنصار، فقال: الصحيح حديث منصور. ورواه أحمد (٢) والنسائي (٣) من حديث البراء بن عازب بلفظ: "المؤذن يغفر له مدّ صوته، ويصدقه من يسمعه من رطب ويابس، وله مثل أجر من صلّى معه"، وصحَّحه ابن السكن (٤). ورواه أحمد (٥) والبيهقي (٦) من حديث مجاهد عن ابن عمر. وفي الباب عن أنس عند ابن عدي (٧). وعن أبي سعيد عند الدارقطني في العلل (٨). وعن جابر عند الخطيب في الموضح (٩) وغير ذلك. والحديث يدلّ على استحباب مدّ الصوت في الأذان لكونه سببًا للمغفرة وشهادة الموجودات، ولأنه أمر بالمجيء إلى الصلاة، فكل ما كان أدعى لإسماع المأمورين بذلك كان أولى؛ ولقوله ﷺ لأبي محذورة: "ارجع فارفع صوتك"، وهذا أمر برفع الصوت. قيل: هو تمثيل بمعنى أنه لو كان بين المكان الذي يؤذن فيه والمكان الذي يبلغه صوته ذنوب تملأ تلك المسافة لغفرها الله له. ١٢/ ٤٩٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أن أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ قالَ لَهُ: إنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ والْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا

стр. 1188

إنْسٌ وَلَا شَيءٌ إِلَّا يَشْهَدُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَالْبُخَارِيُّ (٢)، وَالنَّسَائِيُّ (٣)، وابْنُ مَاجَهْ (٤). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا الشافعي (٥)، ومالك في الموطأ (٦)، وغيرهما. قوله: (تحب الغنم والبادية) أي لأجل الغنم، لأن فيها ما يحتاج في إصلاحها إليه من الرعي وهو في الغالب لا يكون إلا بالبادية. قوله: (في غنمك أو في باديتك) يحتمل أن يكون "أو" شكًا من الراوي، ويحتمل أن يكون للتنويع؛ لأن الغنم قد لا تكون في البادية، ولأنه قد يكون في البادية حيث لا غنم. قوله: (فارفع صوتك)، فيه دليل لمن قال باستحباب الأذان للمنفرد وهو الراجح عند الشافعية (٧). قوله: (مدى صوت المؤذن)، أي غاية صوته. قوله: (جن ولا إنس ولا شيء) ظاهره يشمل الحيوانات والجمادات، فهو من العام بعد الخاص. والحديث الأول يبين معنى الشيء المذكور هنا لأن الرطب واليابس لا يخرج عن الاتّصاف بأحدهما شيء من الموجودات. وفي رواية لابن خزيمة (٨): "لا يسمع صوته شجر ولا مدر ولا حجر ولا جن ولا إنس"، وبهذا يظهر أن التخصيص بالملائكة كما قال القرطبي أو بالحيوان كما قال غيره غير ظاهر وغير ممتنع عقلًا ولا شرعًا أن يخلق الله في الجمادات [المقدرة] (٩) على السماع والشهادة، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (١٠).

стр. 1189

وفي صحيح مسلم (١): "إني لأعرف حجرًا كان يسلّم عليّ". ومنه ما ثبت في البخاري (٢) وغيره من قول النار: "أكل بعضي بعضًا". قال الزين بن المنيِّر: والسِّرّ في هذه الشهادة مع أنها تقع عند عالم الغيب والشهادة أن أحكام الآخرة جرت على نَعْتِ أحكام الخلقِ في الدنيا من توجه الدعوى والجواب والشهادة. وقيل: المراد بهذه الشهادة إشهار المشهود له بالفضل وعلوّ الدرجة، وكما أن الله [تعالى] (٣) يفضح بالشهادة قومًا كذلك يكرم بالشهادة آخرين. وفي الحديث استحباب رفع الصوت بالأذان، وقد تقدم تعليل ذلك وفيه أن حب الغنم والبادية لا سيما عند نزول الفتنة من عمل السلف الصالح. [الباب الرابع] باب المؤذن يجعل أصبعيه في أذنيه ويلوي عنقه عند الحيعلة ولا يستدير ١٣/ ٤٩٧ - (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ [رضي الله تعالى عنه] (٣) قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِمَكَّةَ وَهُوَ بِالأَبْطَحِ (٤) فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِنْ أُدم قالَ: فَخَرَجَ بِلَالٌ بِوَضُوئِهِ فَمِنْ نَاضِحٍ وَنَائِلٍ، قالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ كَأنّي أَنْظُرُ إلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ، قَالَ: فَتَوَضَّأَ وَأَذَنَ بِلَالٌ فَجَعَلْتُ أتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا يَقُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ. قالَ: ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الحِمَارُ وَالْكَلْبُ لَا يَمْنَعُ. وَفِي رِوَايَةٍ: تَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ

стр. 1190

يُصَلّي حَتَّى رَجَعَ إلَى المَدِينَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وَلِأَبِي دَاوُدَ (٢): رَأَيْتُ بِلَالًا خَرَجَ إلَى الأبْطَحِ، فَأَذَّنَ فَلَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ لَوَى عُنُقَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَمْ يَسْتَدِرْ. [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ: رَأَيْتُ بِلَالًا يُؤَذِّنُ وَيَدُورُ وَأَتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا وَأُصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ قالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءُ أَرَاهَا مِنْ أدَم، قالَ: فَخَرَجَ بِلَالٌ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْعَنَزَةِ فَرَكَزَهَا فَصَلَّى رَسُولُ الله ﷺ وعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَرِيقِ سَاقَيْهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣) وَالترْمِذِيُّ (٤) وَصَحَّحَهُ). [صحيح] الحديث أخرجه النسائي (٥) بزيادة: "فجعل يقول في أذانه هكذا ينحرف يمينًا وشمالًا". وابن ماجه (٦) بزيادة: "رأيته يدور في أذانه"، لكن في إسناده الحجاج بن أرطاة (٧).

стр. 1191

ورواه الحاكم (١) بزيادة ألفاظ وقال: قد أخرجاه إلّا أنهما لم يذكرا فيه إدخال الأصبعين في الأذنين والاستدارة، وهو صحيح على شرطهما. ورواه ابن خزيمة (٢) بلفظ: "رأيت بلالًا يؤذن يتبع بفيه، يميل رأسه يمينًا وشمالًا" ورواه (٣) من طريق أخرى بزيادة: "ووضع الأصبعين في الأذنين"، وكذا رواه [أبو عوانة في صحيحه (٤) وأبو نعيم في] (٥) مستخرجه (٦) بزيادة: "رأى أبو جحيفة بلالًا يؤذن ويدور وأصبعاه في أذنيه"، وكذا رواه البزار (٧). وقال البيهقي (٨): الاستدارة لم ترد من طريق صحيحة لأن مدارها على سفيان الثوري وهو لم يسمعه من عون بن أبي جحيفة إنما سمعه عن رجل عنه، والرجل يتوهم أنه الحجاج، والحجاج غير محتجّ به، قال: ووهم عبد الرزاق (٩) في إدراجه. وقد وردت الاستدارة من وجه آخر أخرجه أبو الشيخ (١٠) في كتاب الأذان من طريق حماد وهشيم جميعًا عن عون والطبراني (١١) من طريق إدريس الأودي عنه وفي الإفراد للدارقطني (١٢) عن بلال: "أمرنا رسول الله ﷺ إذا أذنّا وأقمنا أن لا نزيل أقدامنا عن مواضعها"، وإسناده ضعيف. قوله: (فمن ناضح ونائل) الناضح: الآخذ من الماء لجسده تبرّكًا ببقية وضوئه ﷺ . والنائل: الآخذ ممَّا في جسد صاحبه لفراغ الماء لقصد التبرّك. وقيل: إن بعضهم كان ينال ما لا يفضل منه شيء، وبعضهم كان ينال منه ما ينضحه على غيره.

стр. 1192

وفي رواية في الصحيح (١): "ورأيت بلالًا أخرج وضوءًا فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء فمن أصاب منه شيئًا تمسح به، ومن لم يصب أخذ من بلل صاحبه"، وبهذه الرواية يتبين المراد من تلك العبارة، والنضح: الرشّ، وقد تقدم الكلام عليه. قوله: (ههنا وههنا) ظرفا مكان، والمراد بهما جهة اليمين والشمال كما فسّره بذلك الراوي. وللحديث فوائد وفيه أحكام سيأتي بسط الكلام عليها في مواضعها، والمقصود منه ههنا الاستدلال على مشروعية التفات المؤذن يمينًا وشمالًا وجعل الأصبعين في الأذنين حال الأذان، والالتفات المذكور هنا مقيد بوقت الحيعلتين، وقد بوّب له ابن خزيمة (٢) فقال: "باب انحراف المؤذن عند قوله حي على الصلاة حيّ على الفلاح بفمه لا ببدنه كله، وإنما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الرأس". وقد اختلفت الروايات في الاستدارة، ففي بعضها أنه كان يستدير وفي بعضها ولم يستدر كما سلف، ولكنها لم ترو الاستدارة إلّا من طريق حجاج (٣) وإدريس الأودي (٤) وهما ضعيفان، وقد رويت من طريق ثالثة وفيها ضعيف [وهو محمد العرزمي] (٥). وقد خالف هؤلاء الثلاثة من هو مثلهم أو أمثل وهو قيس بن الربيع (٦) فرواه عن عون قال في حديثه: "ولم يستدر"، أخرجه أبو داود (٧) كما تقدم.

стр. 1193

قال الحافظ (١): ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عنى بها استدارة الرأس، ومن نفاها عنى استدارة الجسد كلّه، ومشى ابن بطال (٢) ومن تبعه على ظاهره، فاستدلّ به على جواز الاستدارة. قال ابن دقيق العيد (٣): فيه دليل على استدارة المؤذن للإسماع عند التلفظ بالحيعلتين، واختلف هل يستدير ببدنه كله أو بوجهه فقط وقدماه قارّتان، واختلف أيضًا هل يستدير في الحيعلتين الأولتين مرة، وفي الثانيتين مرة أو يقول حيّ على الصلاة عن يمينه ثم حيّ على الصلاة عن شماله، وكذا في الأخرى، وقد رجّح هذا الوجه بأنه يكون لكل جهة نصيب من كل كلمة، قال: والأول أقرب إلى لفظ الحديث، انتهى كلامه بالمعنى. وروي عن أحمد (٤) أنه لا يدور إلّا إذا كان على منارة لقصد إسماع أهل الجهتين، وبه قال أبو حنيفة (٥) وإسحق (٦)، وقال النخعي (٧) والثوري (٨) والأوزاعي (٩) والشافعي (١٠) وأبو ثور (١١) وهو رواية عن أحمد (١٢):

стр. 1194

إنه يستحبّ الالتفات في الحيعلتين يمينًا وشمالًا، ولا يدور ولا يستدير سواء كان على الأرض أو على منارة. وقال مالك (١): لا يدور ولا يلتفت إلّا أن يريد إسماع الناس. وقال ابن سيرين (٢): يكره الالتفات. والحقّ استحباب الالتفات حال الأذان بدون تقييد، وأما الدوران فقد عرفت اختلاف الأحاديث فيه، وقد أمكن الجمع بما تقدم فلا يصار إلى الترجيح. وفي الحديث استحباب وضع الأصبعين في الأذنين (٣)، وفي ذلك فائدتان ذكرهما العلماء، الأولى: أن ذلك أرفع لصوته، قال الحافظ (٤): وفيه حديث ضعيف (٥) من طريق سعد القرظ عن بلال.

стр. 1195

والثانية: أنه علامة للمؤذن ليعرف من يراه على بعد أو من كان به صمم أنه يؤذن. قال الترمذي (١): استحبّ أهل العلم أن يدخل المؤذن أصبعيه في أذنيه في الأذان، قال: واستحبّه الأوزاعي في الإقامة أيضًا ولم يرد في الأحاديث كما قال الحافظ (٢) تعيين الأصبع التي يستحب وضعها، وجزم النووي (٣) بأنها المسبِّحة، وإطلاق الأصبع مجاز عن الأنملة. [الباب الخامس] باب الأذان في أول الوقت وتقديمه عليه في الفجر خاصة ١٤/ ٤٩٨ - (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ [رضي الله تعالى عنه] (٤) قالَ: كانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ لَا يَخْرُمُ، ثُمَّ لَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَإِذَا خَرَجَ أقَامَ حِينَ يَرَاهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥)، وَمُسْلِمٌ (٦)، وَأَبُو دَاوُدَ (٧)، وَالنَّسَائِيُّ) (٨). [صحيح] قوله: (لا يخرم) أي لا يترك شيئًا من ألفاظه. الحديث فيه المحافظة على الأذان عند دخول وقت الظهر بدون تقديم ولا تأخير، وهكذا سائر الصلوات إلّا الفجر لما سيأتي. وفيه أيضًا أن المقيم لا يقيم إلّا إذا أراد الإمام الصلاة، وقد أخرج ابن عدي (٩) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة" وضعفه، ولعل تضعيفه له لأن في إسناده شريكًا القاضي (١٠).

стр. 1196

وقد أخرج البيهقي (١) نحوه عن عليّ ﵁ من قوله، وقال: ليس بمحفوظ، ورواه أبو الشيخ (٢) من طريق أبي الجوزاء (٣) عن ابن عمه، وفيه معارك (٤) وهو ضعيف. ويعارض حديث الباب وما في معناه ما عند البخاري (٥)، ومسلم (٦)، وأبي داود (٧)، والترمذي (٨)، والنسائي (٩)، بلفظ: "أنه قال ﷺ : إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني"، أي خرجت، لأنه يدلّ على أن المقيم شرع في الإقامة قبل خروجه، ويمكن الجمع بين الحديثين بأن بلالًا كان يراقب خروج النبيِّ ﷺ فيشرع في الإقامة عند أوّل رؤيته له قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا، ويشهد لهذا ما أخرجه عبد الرزاق (١٠) عن ابن جريج عن ابن شهاب: "أن الناس كانوا ساعة يقول المؤذّن الله أكبر يقومون إلى الصلاة فلا يأتي النبيّ ﷺ مقامه حتى تعتدل الصفوف". وفي صحيح مسلم (١١)، وسنن أبي داود (١٢)، ومستخرج أبي عوانة (١٣): "أنهم كانوا يعدلون الصفوف قبل خروجه ﷺ ". وفي حديث أبي قتادة (١٤): "أنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة ولو لم

стр. 1197

يخرج النبيّ ﷺ "، فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شغل يبطئ فيه عن الخروج، فيشقّ عليهم الانتظار. قال المصنف (١) رحمه الله تعالى بعد ذكر حديث الباب: وفيه أن الفريضة تغني عن تحية المسجد، انتهى. ١٥/ ٤٩٩ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ [رضي الله تعالى عنه] (٢) أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لَا يَمْنَعَنَّ أحَدَكُمْ أَذَانَ بِلَال مِنْ سُحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّن - أوْ قَالَ: يُنَادِي بِلَيْلٍ - لِيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ وَيُوقظَ نَائِمُكُمْ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلا التِّرْمِذِيَّ) (٣). [صحيح] قوله: (أحدكم) في رواية للبخاري (٤): "أحدًا منكم" شكّ من الراوي وكلاهما يفيد العموم. قوله: (من سَحوره) بفتح أوّله، اسم لما يؤكل في السَّحَر. ويجوز الضم هو اسم الفعل. قوله: (ليرجع) بفتح الياء وكسر الجيم المخفّفة يستعمل هذا لازمًا ومتعدّيًا، تقول: رجع زيد ورجعت زيدًا، ولا يقال في المتعدّي بالتثقيل، ومن رواه بالضم والتثقيل فقد أخطأ لأنه يصير من الترجيع وهو الترديد وليس مرادًا هنا، وإنما معناه يرد القائم: أي المجتهد إلى راحته ليقوم إلى صلاة الصبح نشيطًا، أو يتسحّر إن كان له حاجة إلى الصيام، ويوقظ النائم ليتأهّب للصلاة بالغسل والوضوء. والحديث يدلّ على جواز الأذان قبل دخول الوقت في صلاة الفجر خاصة، وقد ذهب إلى مشروعيّته الجمهور مطلقًا (٥).

стр. 1198

وخالف في ذلك الثوري (١) وأبو حنيفة (٢) ومحمد (٣) والهادي والقاسم والناصر وزيد بن علي (٤)، قال الشافعي ومالك وأحمد وأصحابهم: إنه يكتفى به للصلاة، وقال ابن المنذر (٥) وطائفة من أهل الحديث والغزالي: إنه لا يكتفى به، وادّعى بعضهم أنه لم يرد في شيء من الحديث ما يدلّ على الاكتفاء، وتعقّب بحديث الباب. وأجيب بأنه مسكوت عنه وعلى التنزل فمحله ما إذا لم يرد نطق بخلافه، وههنا قد ورد حديث ابن عمر وعائشة الآتي (٦)، وهو يدلّ على عدم الاكتفاء، نعم حديث زياد بن الحرث عند أبي داود (٧) يدلّ على الاكتفاء، فإن فيه أنه أذن قبل الفجر بأمر النبيّ ﷺ ، وأنه استأذنه في الإقامة فمنعه إلى أن طلع الفجر فأمره فأقام، لكن في إسناده ضعف كما قال الحافظ (٨). وأيضًا فهي واقعة عين وكانت في سفر، ومن ثم قال القرطبي: إنه مذهب واضح. ويدلّ أيضًا على عدم الاكتفاء أن الأذان المذكور قد بيَّن النبيّ ﷺ الغرض به، فقال: "ليرجع قائمكم" الحديث، فهو لهذه الأغراض المذكورة لا للإعلام

стр. 1199

بالوقت، والأذان هو الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة والأذان قبل الوقت ليس إعلامًا بالوقت، وتعقّب بأن الإعلام بالوقت أعمّ من أن يكون إعلامًا بأنه دخل أو قارب أن يدخل: واحتجّ المانعون من الأذان قبل دخول الوقت بحجج منها قوله ﷺ لبلال: "لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر، ومدّ يديه عرضًا"، أخرجه أبو داود (١). وبما أخرجه أيضًا (٢) من حديث ابن عمر أن بلالًا أذّن قبل طلوع الفجر: "فأمره النبيّ ﷺ أن يرجع فينادي ألا إن العبد نام"، قالوا: فوجب تأويل حديث الباب بما قال بعض الحنفية إن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان وإنما كان تذكيرًا كما يقع للناس اليوم. وأجيب عن الاحتجاج بالحديثين المذكورين بأن الأول [منهما] (٣) لا ينتهض لمعارضة ما في الصحيحين لا سيما مع إشعار الحديث بالاعتياد. وأمّا الثاني فلا حجة فيه لأنه قد صرح بأنه موقوف أكابر الأئمة كأحمد والبخاري والذهلي وأبي داود وأبي حاتم والدارقطني والأثرم والترمذي، وجزموا بأن حمادًا أخطأ في رفعه وأن الصواب وقفه. وأمّا التأويل المذكور، فقال الحافظ في الفتح (٤): إنه مردود؛ لأن الذي يصنعه الناس اليوم محدث قطعًا، وقد تضافرت الأحاديث على التعبير بلفظ

стр. 1200

الأذان قطعًا، فحمله على معناه الشرعي مقدم، ولأن الأذان الأول لو كان بألفاظ مخصوصة لما التبس على السامعين، والحديث ليس فيه تعيين الوقت الذي كان بلال يؤذن فيه. وقد اختلف من أي وقت يشرع في ذلك، فقيل: إنه يشرع وقت السحر ورجحه جماعة من أصحاب الشافعي (١). وقيل: إنه يشرع من النصف الأخير، ورجحه النووي (٢) وتأوَّل ما خالفه، وقيل: يشرع للسبع الأخير في الشتاء وفي الصيف لنصف السبع، قاله الجويني (٣). وقيل: وقته الليل جميعه ذكره صاحب العمدة (٤) وكان مستنده إطلاق لفظ بليل. وقيل: بعد آخر اختيار العشاء، وقد ورد ما يشعر بتعيين الوقت الذي كان بلال يؤذن فيه وهو ما رواه النسائي (٥)

стр. 1201

والطحاوي (١) من حديث عائشة: "أنه لم يكن بين أذان بلال وابن أم مكتوم إلا أن يرقى هذا وينزل هذا" [وسيأتي] (٢)، وكانا يؤذنان في بيت مرتفع، كما أخرجه أبو داود (٣)، فهذه الرواية تقيد إطلاق سائر الروايات، ويؤيّد هذا ما أخرجه الطحاوي (٤) أن بلالًا وابن أم مكتوم كانا يقصدان وقتًا واحدًا فيخطئه بلال ويصيبه ابن أمّ مكتوم. وقد اختلف في أذان بلال بليل، هل كان في رمضان فقط أم في جميع الأوقات؟ فادعى ابن القطان (٥) الأول، قال الحافظ (٦): وفيه نظر. والحكمة في اختصاص صلاة الفجر بهذا من بين الصلوات ما ورد من الترغيب في الصلاة لأوّل الوقت، والصبح يأتي غالبًا عقيب النوم، فناسب أن ينصب من يوقظ الناس قبل دخول وقتها، ليتأهّبوا ويدركوا فضيلة الوقت. ١٦/ ٥٠٠ - (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ [رضي الله تعالى عنه] (٢) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالَ، وَلَا بَيَاضُ الأُفُقِ المُسْتَطِيلِ هكَذَا حَتَّى يَسْتَطِيرَ هكَذَا"، يَعْنِي مُعْتَرِضًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧) وَأَحْمَدُ (٨) وَالتِّرْمِذِيُّ (٩) وَلَفْظُهُمَا: "لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أذَانُ بِلَالٍ، وَلَا الفَجْرُ المُسْتَطِيلُ، ولكِنِ الفَجْرُ المُسْتَطِيرُ فِي الأُفُقِ"). [صحيح] ١٧/ ٥٠١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ [تعالى] (٢) عَنْهُمَا أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١٠). [صحيح]

стр. 1202

وَلِأَحْمَدَ (١) وَالْبُخَارِيِّ (٢): "فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ". [صحيح] وَلمُسْلِمٍ (٣): وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلا أَنْ يَنْزِلَ هذَا وَيَرْقَى هذَا). [صحيح] قوله: (المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا)، صفةُ هذه الإشارة مبينة في "صحيح مسلم" (٤) في الصوم من حديث ابن مسعود بلفظ: "وليس أن يقول هكذا وهكذا، وصوّب يده [ورفعها] (٥) حتى يقول هكذا وفرّج بين أصبعيه"، وفي رواية (٦): "ليس الذي يقول هكذا، وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض، ولكن الذي يقول هكذا وجمع أصابعه ووضع المسبِّحة على المسبِّحة ومدّ يديه"، وفي رواية (٧): "ليس الذي يقول هكذا ولكن يقول هكذا"، وفسَّرها جرير بأن المراد أن الفجر هو المعترض وليس بالمستطيل، والمعترض هو الفجر الصادق، ويقال له: الثاني، والمستطير بالراء، وأمّا المستطيل باللام فهو الفجر الكاذب الذي يكون كذنب السَّرْحان (٨). وفي البخاري (٩) من حديث ابن مسعود: "وليس أن يقول الفجر أو الصبح وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا"، وقال زهير: بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى ثمّ [مرّهما] (١٠) عن يمينه وشماله. قوله: (حتى يؤذن ابن أم مكتوم) في رواية للبخاري (١١): "حتى ينادي"، وبتلك الزيادة أعني قوله: "فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر" أوردها في الصيام. قوله: (ولمسلم: لم يكن بينهما) هذه الزيادة ذكرها مسلم (١٢) في الصيام من حديث ابن عمر، وذكرها البخارب (١٣) في الصيام من كلام القاسم، قال الحافظ (١٤) في أبواب الأذان من الفتح: ولا يقال: إنه مرسل، لأن القاسم تابعي

стр. 1203

فلم يدرك القصة المذكورة، لأنه ثبت عند النسائي (١) من رواية حفص بن غياث، وعند الطحاوي (٢) من رواية يحيى القطان كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة بلفظ: "ولم يكن بينهما إلّا أن ينزل هذا ويصعد هذا". قال النووي في شرح مسلم (٣): قال العلماء: معناه أن بلالًا كان يؤذن قبل الفجر ويتربّص بعد أذانه للدعاء ونحوه، ثم يرقب الفجر فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أم مكتوم، فيتأهّب ابن أم مكتوم بالطهارة وغيرها ثم يرقى ويشرع في الأذان مع أوّل طلوع الفجر. والحديث يدلّ على جواز اتخاذ مؤذنين في مسجد واحد (٤)، وأمّا الزيادة فليس في الحديث تعرّض لها، ونقل عن بعض أصحاب الشافعي أنه يكره الزيادة على أربعة لأن عثمان اتّخذ أربعة، ولم تنقل الزيادة عن أحد من الخلفاء الراشدين، وجوّزه بعضهم من غير كراهة، قالوا: إذا جازت الزيادة لعثمان على ما كان في زمن النبيّ ﷺ جازت الزيادة لغيره. قال أبو عمر بن عبد البرّ: وإذا جاز اتخاذ مؤذنين جاز أكثر من هذا العدد إلّا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له. اهـ. والمستحب أن يتعاقبوا واحدًا بعد واحد كما اقتضاه الحديث إن اتّسع الوقت لذلك كصلاة الفجر، فإن تنازعوا في البداءة قرع بينهم (٥).

стр. 1204

وفي الحديث دليل على جواز أذان الأعمى، قال ابن عبد البرّ (١): وذلك

стр. 1205

عند أهل العلم إذا كان معه مؤذن آخر يهديه للأوقات، وقد نقل عن ابن مسعود (١) وابن الزبير (٢) كراهة أذان الأعمى. وعن ابن عباس (٣) كراهة إقامته وللحديثين المذكورين ههنا فوائد وأحكام قد سبق بعضها في شرح حديث ابن مسعود (٤). [الباب السادس] باب ما يقول عند سماع الأذان والإقامة وبعد الأذان ١٨/ ٥٠٢ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [رضي الله تعالى عنه] (٥) أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "إذَا سَمِعْتُمُ النَّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ المُؤَذِّنُ". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ) (٦). [صحيح] وفي الباب عن أبي رافع عند النسائي (٧).

стр. 1206

وعن أبي هريرة عند النسائي (١) أيضًا. وعن أمّ حبيبة عند الطحاوي (٢). وعن ابن عمر عند أبي داود (٣) والنسائي (٤). وعن عائشة عند أبي داود (٥).

стр. 1207

وعن معاذ عند أبي الشيخ (١). وعن معاوية عند النسائي (٢). قوله: (إذا سمعتم) ظاهره اختصاص الإجابة بمن سمع حتى لو رأى المؤذن على المنارة (٣) مثلًا في الوقت وعلم أنه يؤذن لكن لم يسمع أذانه لبعد أو صمم لا تشرع له المتابعة، قاله النووي في شرح المهذب (٤). قوله: (فقولوا مثل ما يقول المؤذن) ادّعى ابن وضاح أن قوله المؤذن مدرج (٥) وأن الحديث انتهى عند قوله مثل ما يقول، وتعقّب بأن الإدراج لا يثبت بمجرّد الدعوى، وقد اتّفقت الروايات في الصحيحين (٦) والموطأ (٧) على إثباتها،

стр. 1208

ولم يصب صاحب العمدة في حذفها، قاله الحافظ (١). قوله: (مثل ما يقول) قال الكرماني (٢): قال مثل ما يقول، ولم يقل: مثل ما قال، ليشعر بأنه يجيبه بعد كل كلمة مثل كلمتها. قال الحافظ (٣): والصريح في ذلك ما رواه النسائي (٤) من حديث أم حبيبة: "أنه ﷺ كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت". وأصرح من ذلك حديث عمر بن الخطاب الآتي (٥) بعد هذا. والحديث يدلّ على أنه يقول السامع مثل ما يقول المؤذن في جميع ألفاظ الأذان الحيعلتين وغيرهما، وقد ذهب الجمهور إلى تخصيص الحيعلتين بحديث عمر الآتي (٥)، فقالوا: يقول مثل ما يقول فيما عدا الحيعلتين، وأمّا في الحيعلتين فيقول: لا حول ولا قوّة إلّا بالله. وقال ابن المنذر (٦): يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول تارة كذا وتارة كذا، وحكى بعض المتأخّرين عن بعض أهل الأصول أن الخاص والعام إذا أمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما، قال: فَلِمَ لا يُقَالُ: يستحب للسامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة، وهو وجه عند الحنابلة. والظاهر من قوله في الحديث: فقولوا، التعبّد بالقول وعدم كفاية إمرار المجاوبة على القلب، والظاهر من قوله: مثل ما يقول، عدم اشتراط المساواة من جميع الوجوه. قال اليعمري (٧): لاتّفاقهم على أنه لا يلزم المجيب أن يرفع صوته ولا غير ذلك. قال الحافظ (٨): وفيه بحث، لأن المماثلة وقعت في [القول] (٩) لا في

стр. 1209

صفته، ولاحتياج المؤذّن إلى الإعلام شرع له رفع الصوت بخلاف السامع، فليس مقصوده إلا الذكر والسر والجهر مستويان في ذلك. وظاهر الحديث إجابة المؤذن في جميع الحالات من غير فرق بين المصلّي وغيره. وقيل: يؤخر المصلّي الإجابة حتى يفرغ. وقيل: يجيب إلّا في الحيعلتين. قال الحافظ (١): والمشهور في المذهب كراهة الإجابة في الصلاة بل يؤخّرها حتى يفرغ، وكذا حال الجماع والخلاء. قيل: والقول بكراهة الإجابة في الصلاة يحتاج إلى دليل ولا دليل، ولا يخفى أن حديث: "إن في الصلاة لشغلًا" (٢)، دليل على الكراهة، ويؤيّده امتناع النبيّ ﷺ من إجابة السلام فيها وهو أهمّ من الإجابة للمؤذن. وظاهر الحديث أنه يقول مثل ما يقول المؤذن من غير فرق بين الترجيع وغيره. وفيه متمسَّك لمن قال بوجوب الإجابة لأن الأمر يقتضيه بحقيقته، وقد حكى ذلك الطحاوي (٣) عن قوم من السلف، وبه قالت الحنفية (٤) وأهل الظاهر (٥) وابن وهب (٦). وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب (٧). قال الحافظ (٨): واستدلّوا بحديث أخرجه مسلم (٩) وغيره (١٠): "أن النبيّ ﷺ سمع مؤذنًا، فلما كبَّر قال: على الفطرة، فلما تشهَّد قال: خرج من النار"، قالوا: فلما قال ﷺ غير ما قال المؤذن علمنا أن الأمر بذلك للاستحباب، وردّ بأنه ليس في الرواية أنه لم يقل مثل ما قال، وباحتمال أنه وقع ذلك قبل الأمر

стр. 1210

بالإجابة، واحتمال أن الرجل الذي سمعه النبي ﷺ يؤذن لم يقصد الأذان. وأجيب عن هذا الأخير بأنه وقع في بعض طرق هذا الحديث أنه حضرته الصلاة، وقد عرفت غير مرة أن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاص بنا وهذا منه. والظاهر من الحديث التعبّد بالقول مثل ما يقول المؤذن، وسواء كان المؤذن واحدًا أو جماعة، قال القاضي عياض (١): وفيه خلاف بين السلف، فمن رأى الاقتصار على الإجابة للأول احتجّ بأن الأمر لا يقتضي التكرار ويلزمه على ذلك أن يكتفي بإجابة المؤذن مرة واحدة في العمر. ١٩/ ٥٠٣ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إذَا قَالَ المُؤَذِّنُ: الله أكْبَرُ الله أكْبَرُ فَقالَ أحَدُكمْ: الله أكْبَرُ الله أكْبَرُ، ثُمَّ قالَ: أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ، قالَ: أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ، ثُمَّ قالَ: حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ قالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، ثُمَّ قالَ: لَا إلهَ إلا اللَّهُ، قَالَ: لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢) وَأَبُو دَاوُدَ (٣). [صحيح] الحديث أخرج البخاري (٤) نحوه من حديث معاوية، وقال: هكذا سمعت نبيكم ﷺ يقول.

стр. 1211

قال الحافظ في الفتح (١): وقد وقع لنا هذا الحديث، يعني حديث معاوية وذكر إسنادًا متّصلًا بعيسى بن طلحة قال: "دخلنا على معاوية فنادى منادٍ بالصلاة فقال: الله أكبر الله أكبر، فقال معاوية: الله أكبر الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال معاوية: وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله، فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال معاوية: وأنا أشهد أن محمدًا رسول الله، ولما قال: حيّ على الصلاة قال: لا حول ولا قوّة إلا بالله، ثم قال: هكذا سمعت نبيّكم ﷺ ". قوله: (لا حول ولا قوّة)، قال النووي في شرح مسلم (٢): قال أبو الهيثم: الحول: الحركة أي لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله تعالى، وكذا قال ثعلب وآخرون. وقيل: لا حول في دفع شرّ، ولا قوّة في تحصيل خير، إلّا بالله، وقيل: لا حول عن معصية الله إلّا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلّا بمعونته، وحكي هذا عن ابن مسعود. وحكى الجوهري لغة غريبة ضعيفة أنه يقال: لا حيل ولا قوة إلا بالله، قال: والحول والحيل بمعنى، ويقال في التعبير عن قولهم لا حول ولا قوّة إلا بالله الحوقلة هكذا، قال الأزهري (٣) والأكثرون وقال الجوهري (٤): الحوقلة فعلى الأول وهو المشهور الحاء والواو من الحول والقاف من القوة واللام من اسم الله، وعلى الثاني الحاء واللام من الحول والقاف من القوّة، والأول أولى لئلا يفصل بين الحروف، ومثل [الحوقلة] (٥) الحيعلة في حيّ على الصلاة وعلى الفلاح. والبسملة في بسم الله، والحمدلة في الحمد لله، والهيللة في لا إله إلا الله، والسبحلة في سبحان الله (٦)، انتهى كلامه. قوله: (دخل الجنّة) قال القاضي عياض: إنما كان كذلك لأن ذلك توحيد وثناء على الله تعالى وانقياد لطاعته وتفويض إليه بقوله لا حول ولا قوّة إلا بالله،

стр. 1212

فمن حصَّل هذا فقد حاز حقيقة الإيمان وكمال الإسلام واستحقّ الجنّة بفضل الله تعالى، وإنما أفرد ﷺ الشهادتين والحيعلتين في هذا الحديث مع أن كل نوع منها مثنى كما هو المشروع لقصد الاختصار. قال النووي (١): فاختصر ﷺ من كل نوع شطرًا تنبيهًا على باقيه، والحديث قد تقدم الجمع بينه وبين الحديث الذي قبله (٢).

стр. 1213

٢٠/ ٥٠٤ - (وَعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي أُمامَةَ أوْ عَنْ بَعْضِ أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ [رضي الله تعالى عنهم] (١) إنَّ بلَالًا أخَذَ فِي الإِقَامَةِ، فَلَمَّا أنْ قالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا"، وقَالَ فِي سَائِرِ الإقَامَةِ بِنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي سَائِرِ الأذانِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (٢). [ضعيف] الحديث في إسناده رجل مجهول، وشهر بن حوشب (٣) تكلّم فيه غير

стр. 1214

واحد، ووثّقه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل. وفيه دلالة على استحباب مجاوبة المقيم لقوله: وقال في سائر الإقامة بنحو حديث عمر (١). وفيه أيضًا أنه يستحب لسامع الإقامة أن يقول عند قول المقيم قد قامت الصلاة: أقامها الله وأدامها. قال المصنف (٢) رحمه الله تعالى: وفيه دليل على أن السنّة أن يكبّر الإمام بعد الفراغ من الإقامة، انتهى. وفي ذلك خلاف لعلّه يأتي إن شاء الله تعالى. ٢١/ ٥٠٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ [رضي الله تعالى عنه] (٣) أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "مَنْ قالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، والصَّلاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا) (٤). [صحيح]

стр. 1215

وفي الباب عن عبد الله بن مسعود عند الطحاوي (١). وعن أنس عند ابن حبان في فوائد الأصبهانيين له (٢). وعن ابن عباس عند ابن حبان أيضًا في كتاب الأذان (٣). وعن أبي أمامة عند الضياء المقدسي (٤)، ورواه الحاكم في المستدرك (٥)، وفيه عُفير بن معدان (٦) وقد تكلّم فيه غير واحد.

стр. 1216

وعن عبد الله بن عمرو، وسيأتي (١). قوله: (ربِّ هذه الدعوة التامّة) بفتح الدال، والمراد بها دعوة التوحيد؛ لقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ (٢)، وقيل: لدعوة التوحيد تامّة، لأنه لا يدخلها تغيير ولا تبديل بل هي باقية إلى يوم القيامة. وقال ابن التين (٣): وصفت بالتامّة لأن فيها أتمّ القول وهو لا إله إلّا الله. قوله: (الوسيلة) هي ما يتقرّب به، يقال: توسّلت، أي تقرّبت، [وتطلق] (٤) على المنزلة العليّة، وسيأتي تفسيرها في الحديث الذي بعد هذا (٥). قوله: (والفضيلة)، أي المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن [تكون] (٦) تفسيرًا للوسيلة. قوله: (مقامًا محمودًا)، أي يحمد القائم فيه، وهو يطلق على كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات، ونصبه على الظرفية أي ابعثه يوم القيامة فأقمه مقامًا محمودًا، أو ضمن ابعثه معنى أقمه أو على أنه مفعول به، ومعنى ابعثه أعطه، ويجوز أن يكون حالًا، أي ابعثه ذا مقام محمود، والتنكير للتفخيم والتعظيم؛ كما قال الطيبي: كأنه قال مقامًا، أيّ مقام محمود بكل لسان. وقد روي بالتعريف عند النسائي (٧) وابن حبان (٨) والطحاوي (٩) والطبراني (١٠) والبيهقي (١١)، وهذا يرد على من أنكر ثبوته معرّفًا كالنووي (١٢). قوله: (الذي وعدته)، أراد بذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١٣)، وذلك لأن عسى في كلام الله للوقوع. قال الحافظ (١٤): والموصول إما بدل أو عطف بيان، أو خبر مبتدأ محذوف

стр. 1217

وليس صفة للنكرة، وسيأتي تفسير حلّت له الشفاعة في الحديث الذي بعد هذا (١). ٢٢/ ٥٠٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [رضي الله تعالى عنه] (٢) أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّن فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهُ لِيَ الوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أكُونَ أَنا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ اللَّهُ لِي الوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيهِ الشَّفَاعَةُ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا البُخَارِيَّ وَابْنُ مَاجَهْ) (٣). [صحيح] قوله: (مثل ما يقول) قد تقدم الكلام على ذلك. قوله: (ثم صلّوا عليّ) هذه زيادة ثابتة في الصحيح وقبولها متعيّن. قوله: (ثم سلوا الله … إلخ) قد تقدم ذكر بعض الأقوال في تفسير الوسيلة، والمتعين المصير إلى ما في هذا الحديث من تفسيرها. قوله: (حلّت عليه الشفاعة) وفي الحديث الأول حلّت له [الشفاعة] (٤). قال الحافظ (٥): واللام بمعنى على، ومعنى حلت أي استحقّت ووجبت أو نزلت عليه، ولا يجوز أن [تكون] (٦) من الحل لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة. قوله: (شفاعتي) استشكل بعضهم جعل ذلك ثوابًا لقائل ذلك، مع ما ثبت أن الشفاعة للمذنبين. وأجيب بأن له ﷺ شفاعات أُخر كإدخال الجنّة بغير

стр. 1218

حساب، وكرفع الدرجات، فيعطى كل واحد ما يناسبه. ونقل عياض (١) عن بعض شيوخه أنه كان يرى اختصاص ذلك بمن قاله مخلصًا مستحضرًا إجلال النبيّ ﷺ لا من قصد بذلك مجرّد الثواب ونحو ذلك. قال الحافظ (٢): وهو تحكُّم غير مرضي، ولو كان لإخراج الغافل اللاهي لكان أشبه. قال المهلب (٣): في الحديثِ الحضُّ على الدعاء في أوقات الصلوات، لأنه حال رجاء الإجابة. ٢٣/ ٥٠٧ - (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ [رضي الله تعالى عنه] (٤) قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الأذَانِ وَالإقَامَةِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥)، وَأَبُو داوُدَ (٦)، والتِّرْمِذِيُّ) (٧). [صحيح] الحديث أخرجه النسائيّ (٨)، وابن خزيمة (٩)، وابن حبان (١٠)، والضياء في المختارة (١١)، وحسّنه الترمذي (١٢). ورواه سليمان التيمي (١٣) عن أنس بن مالك عن النبيّ ﷺ قال: "إذا نودي بالأذان فتحت أبواب السماء، واستجيب الدعاء" (١٤).

стр. 1219

وروى يزيد الرقاشي (١) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "عند الأذان تفتح أبواب السماء وعند الإقامة لا تردّ دعوة" (٢). وقد روي من حديث سهل بن سعد الساعدي رواه مالك عن ابن أبي حازم (٣) عن سهل بن سعد قال: "ساعتان تُفْتَحُ لهما أبوابُ السماءِ وقلَّ داع ترد عليه دعوته: حَضْرَةُ النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ، والصَّفُّ في سبيلِ اللهِ" (٤). قال ابن عبد البرّ (٥): هكذا هو موقوف على سهل بن سعد في الموطأ (٦)
следующие страницы →