← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 1285–1324 · переход к 1290.

стр. 1285

حاتم والبخاري وآخرون (١)، وذكره ابن حبان في الثقات (٢) وقال: يخطئ ويخالف على قلة روايته اهـ. وقد أخرج له الترمذي هذا الحديث فقط، وأبو داود أخرج له هذا [وحديثًا] (٣) آخر، وقد تقدم تصحيح الحاكم حديث أبي هريرة. وعسل بن سفيان لم يتفرد به فقد شاركه في الرواية عن عطاء الحسن بن ذكوان وترك يحيى له لم يكن إلا لقوله إنه كان قدريًا وقد قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. قوله: (نهى عن السدل) قال أبو [عبيد] (٤) في غريبه (٥): السَّدل: إسبال الرجل ثوبَه من غير أن يُضمَّ جانبيه بين يديه؛ فإن ضمّه فليس بِسدل، وقال صاحب النهاية (٦): هو أن يَلْتَحِفْ بثوبه ويُدْخِل يدَيه من دَاخِل، فيرْكع ويَسْجُد وهو كذلك. قال: وهذا مُطَّرد في القَميص وغَيرِه من الثياب. قال: وقيل: هو أن يضع وسط الإزَار على رأسِه ويُرْسل طَرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يَجْعَلهما على كَتِفَيه. وقال الجوهري (٧): سدل ثوبه يسدله بالضم سدلًا أي أرخاه. وقال الخطابي (٨): السدل: إرسال الثوب حتى يصيب الأرض اهـ. فعلى هذا السدل والإسبال واحد. قال العراقي (٩): ويحتمل أن يراد بالسدل: سدل الشعر، ومنه حديث ابن عباس (١٠) "أن النبي ﷺ سدل ناصيته" وفي حديث عائشة (١١) "أنها سدلت قناعها وهي محرمة" أي أسبلته اهـ.

стр. 1286

ولا مانع من حمل الحديث على جميع هذه المعاني إن كان السدل مشتركًا [بينها] (١)، وحمل المشترك على جميع معانيه هو المذهب القوي وقد روي أن السدل من فعل اليهود، أخرج الخلال في العلل (٢)، وأبو عبيد في الغريب (٣) من رواية عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن أبيه عن علي [﵇] (٤) أنه خرج فرأى قومًا يصلون قد سدلوا ثيابهم فقال: "كأنَّهم اليهود خَرَجوا من قُهرهم" قال أبو عبيد (٥): هو موضع [مِدرَاسهم] (٦) الذي يجتمعون فيه. قال صاحب الإمام (٧): والقَهْر بضم القاف وسكون الهاء موضع [مِدرَاسِهم] (٥) الذي يجتمعون فيه، [وذكره في القاموس (٨) والنهاية (٩) في الفاء لا في القاف] (١٠). والحديث يدل على تحريم السدل في الصلاة لأنه معنى النهي الحقيقي وكرهه ابن عمر (١١)

стр. 1287

ومجاهد (١) وإبراهيم النخعي (٢) والثوري (٣) والشافعي (٤) في الصلاة وغيرها. وقال أحمد (٥): يكره في الصلاة. وقال جابر بن عبد الله (٦) وعطاء (٧) والحسن (٨) وابن سيرين (٩) ومكحول (١٠) والزهري (١١): لا بأس به، وروي ذلك عن مالك (١٢)، وأنت خبير بأنه لا موجب للعدول عن التحريم إن صح الحديث لعدم وجدان صارف له عن ذلك. قوله: (وأن يغطي الرجل فاه) قال ابن حبان: لأنه من زي المجوس قال: وإنما زجر عن تغطية الفم في الصلاة على الدوام لا عند التثاؤب بمقدار ما يكظمه لحديث "إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه فإن الشيطانَ يدخل" (١٣)

стр. 1288

وهذا لا يتم (١) إلا بعد تسليم عدم اعتبار قيد في الصلاة المصرح به في المعطوف عليه في جانب المعطوف، وفيه خلاف ونزاع. وقد استدل به على كراهة أن يصلي الرجل [متلثمًا] (٢) كما فعل المصنف. [الباب الحادي عشر] باب الصلاة في [ثوب] (٣) الحرير والغصب ٢٧/ ٥٤٠ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنهما] (٤) قالَ: مَنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَفِيهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ لَمْ يَقْبَلِ الله لهُ صلاةً ما دَامَ عَلَيهِ ثمَّ أدْخَلَ أصْبُعَيْه في أُذنَيْهِ وقالَ: صُمَّتا إنْ لَمْ يَكُنْ النَّبيّ ﷺ سَمِعْتُهُ يَقُوله. رَوَاهُ أحْمدُ) (٥) [ضعيف جدًّا]. الحديث [أخرجه أيضًا عبد بن حميد (٦) والبيهقي (٧) في [الشعب] (٨) وضعفاه وتمام (٩) والخطيب (١٠) وابن عساكر (١١) والديلمي (١٢)، و] (١٣) في إسناده هاشم (١٤) عن ابن عمر، قال ابن كثير في إرشاده (١٥): وهو لا يعرف.

стр. 1289

وقد استدل به من قال: إن الصلاة في الثوب المغصوب أو المغصوب ثمنه لا تصح، وهم العترة (١) جميعًا. وقال أبو حنيفة (٢) والشافعي (٣): تصح لأن العصيان ليس بنفس الطاعة لتغاير اللباس والصلاة، ورد بأن الحديث مصرح بنفي قبول الصلاة في الثوب المغصوب ثمنه والمغصوب عينه بالأولى، وأنت خبير بان الحديث لا ينتهض للحجية ولو سلم فمعنى نفي القبول لا يستلزم نفي الصحة لأنه يرد على وجهين (الأول) يراد به الملازم لنفي الصحة والإجزاء نحو قوله: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٤) (والثاني) يراد به نفي الكمال والفضيلة كما في حديث نفي قبول صلاة الآبق (٥) والمغاضبة لزوجها (٦) ومن في جوفه خمر (٧) وغيرهم ممن جمع على صحة صلاتهم، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في موضعين من هذا الشرح.

стр. 1290

ومن ههنا تعلم أن نفي القبول مشترك بين الأمرين فلا يحمل على أحدهما إلا لدليل فلا يتم الاحتجاج به في مواطن النزاع. وقال أبو هاشم: إن استتر بحلال لم يفسده المغصوب فوقه. إذ هو فضلة. قال المصنف (١) رحمه الله تعالى: وفيه يعني الحديث دليل على أن النقود تتعين في العقود اهـ. وفي ذلك خلاف بين الفقهاء، وقد صرح المتأخرون من فقهاء الزيدية أنها تتعين في اثني عشر موضعًا ومحل الكلام على ذلك علم الفروع. ٢٨/ ٥٤١ - (وَعَنْ عائِشَةَ [رضي الله تعالى عنها] (٢) أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَليهِ أمْرَنَا فهُو رَدٌّ" مُتَّفَقٌ عَليهِ (٣)، ولأحمَدَ (٤): "مَنْ صَنَعَ أمْرًا على غَيرِ أَمْرِنَا فهو مَرْدُودٌ") [صحيح]. قوله: (ليس عليه أمرنا) المراد بالأمر هنا واحد الأمور وهو ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. قوله: (فهو رد) المصدر بمعنى اسم المفعول كما بينته الرواية الأخرى. قال في الفتح (٥): يحتج به في إبطال جميع العقود المنهية وعدم وجود ثمراتها المترتبة عليها، وإن النهي يقتضي الفساد، لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين، فيجب ردها، ويستفاد منه أن حكم الحاكم لا يغير ما في باطن الأمر، لقوله: "ليس عليه أمرنا" والمراد به أمر الدين، وفيه أن الصلح الفاسد منتقض، والمأخوذ عليه مستحق الرد اهـ. وهذا الحديث من قواعد الدين لأنه يندرج تحته من الأحكام ما لا يأتي عليه الحصر. وما أصرحه وأدله على إبطال ما فعله الفقهاء من تقسيم البدع إلى أقسام (٦) وتخصيص الرد ببعضها بلا مخصص من عقل ولا نقل فعليك إذا سمعت

стр. 1291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1292

من يقول هذه بدعة حسنة بالقيام في مقام المنع مسندًا له بهذه الكلية وما يشابهها

стр. 1293

من نحو قوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" (١) طالبًا لدليل تخصيص تلك البدعة التي وقع النزاع في شأنها بعد الاتفاق على أنها بدعة، فإن جاءك به قبلته، وإن كاع (٢) كنت قد ألقمته حجرًا واسترحت من المجادلة ومن مواطن الاستدلال لهذا الحديث كل فعل أو ترك وقع الاتفاق بينك وبين خصمك على أنه ليس من أمر رسول الله ﷺ وخالفك في اقتضائه البطلان أو الفساد متمسكًا بما تقرر في الأصول من أنه لا يقتضي ذلك إلَّا عدم أمر يؤثر عدمه في العدم، كالشرط أو وجود أمر يؤثر وجوده في العدم كالمانع، فعليك بمنع هذا التخصيص الذي لا دليل عليه إلا مجرد الاصطلاح مسندًا لهذا المنع بما في حديث الباب من العموم المحيط بكل فرد من أفراد الأمور التي ليست من ذلك القبيل قائلًا: هذا أمر ليس من أمره، وكل أمر ليس من أمره رد فهذا رد وكل [رد] (٣) باطل، فهذا باطل، فالصلاة مثلًا التي ترك فيها ما كان يفعله رسول الله ﷺ ، أو فعل فيها ما كان يتركه ليست من أمره، فتكون باطلة بنفس هذا الدليل، سواء كان ذلك الأمر المفعول أو المتروك مانعًا باصطلاح أهل الأصول، أو شرطًا أو غيرهما، فليكن منك هذا على ذكر. قال في الفتح (٤): وهذا الحديث معدود من أُصول الإسلام، وقاعدة من قواعده، فإن معناه: من اخترع من الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه قال النووي (٥): هذا الحديث مما ينبغي تحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك. وقال الطُّوْفيّ (٦): هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع، لأن الدليل يتركب من مقدمتين، والمطلوب بالدليل إما إثبات الحكم أو نفيه. وهذا الحديث مقدمة كبرى في إثبات كل حكم شرعي، ونفيه لأن منطوقه مقدمة كلية، مثل أن يقال في الوضوء بماء نجس: هذا ليس من أمر الشرع، وكل ما كان

стр. 1294

كذلك فهو مردود فهذا العمل مردود، فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الدليل، وإنما يقع النزاع في الأولى، ومفهومه أن من عمل عملًا عليه أمر الشرع فهو صحيح، فلو اتفق أن يوجد حديث يكون مقدمة أولى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه لاستقل الحديثان بجمع أدلة الشرع، لكن هذا الثاني لا يوجد، فإذن حديث الباب نصف أدلة الشرع اهـ. ٢٩/ ٥٤٢ - (وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِر [رضي الله تعالى عنهما] (١) قالَ: "أُهْدِيَ إلى رَسُولِ الله ﷺ فَرُّوجُ حَرير فَلَبسَهُ، ثم صَلَّى فِيهِ، ثمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا عَنيفًا شدِيدًا كالْكارهِ لهُ، ثمَّ قالَ: "لَا يَنبَغِي هذا لِلْمُتَّقِينَ". مُتَّفَقٌ عليهِ) (٢). [صحيح] قوله: (فَرُّوج) بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وآخره جيم هو القبا المفرّج (٣) من خلف، وحكى أبو زكريا التبريزي (٤) عن أبي العلاء المعري (٥) جواز ضم أُوله وتخفيف الراء. قال الحافظ في الفتح (٦): والذي أَهداه هو أكيدر دومة (٧) كما صرح بذلك البخاري في اللباس.

стр. 1295

والحديث استدلّ به من قال بتحريم الصلاة في الحرير وهو الهادي في أحد قوليه والناصر والمنصور بالله (١) والشافعي (٢). وقال الهادي في أحد قوليه وأبو العباس والمؤيد بالله والإمام يحيى وأكثر الفقهاء (٣): إنها مكروهة فقط، مستدلين بأن علة التحريم الخيلاء ولا خيلاء في الصلاة، وهذا تخصيص للنص بحيال علة الخيلاء، وهو مما لا ينبغي الالتفات إليه. وقد استدلوا لجواز الصلاة في ثياب الحرير بعدم إعادته ﷺ لتلك الصلاة وهو مردود لأن ترك إعادتها لكونها وقعت قبل التحريم، ويدل على ذلك حديث جابر عند مسلم (٤) بلفظ: "صلى في قبا ديباج ثم نزعه وقال: نهاني جبريل" وسيأتي (٥)، وهذا ظاهر في أن صلاته فيه كانت قبل تحريمه. قال المصنف (٦) [﵀] (٧): وهذا يعني حديث الباب محمول على أنه لبسه قبل تحريمه إذ لا يجوز أن يظن به أنه لبسه بعد التحريم في صلاة ولا غيرها. ويدل على إباحته في أول الأمر ما روى أنس بن مالك أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي ﷺ جبة سندس أو ديباج قبل أن ينهى عن الحرير فلبسها فتعجب الناس منها فقال: "والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منها" رواه أحمد (٨) انتهى. قال في البحر (٩): فإن لم يوجد غيره صحت فيه وفاقًا بينهم فإن صلى عاريًا

стр. 1296

بطلت صلاته. وقال أحمد بن حنبل (١): يصلي عاريًا كالنجس. وقد اختلفوا هل تجزي الصلاة في الحرير بعد تحريمه أم لا؟ فقال الحافظ في الفتح (٢): إنها تجزيء عند الجمهور مع التحريم، وعن مالك يعيد في الوقت (٣) انتهى. وسيأتي البحث عن لبس الحرير وحكمه قريبًا (٤). ٣٠/ ٥٤٣ - (وَعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ الله [رضي الله تعالى عنهما] (٥) قالَ: لَبِسَ النبيُّ ﷺ قبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ أُهْدِيَ إليهِ، ثمَّ أوْشَكَ أنْ نَزَعهُ وَأرْسَلَ بِهِ إلى عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ فَقِيلَ: قَدْ أوْشَكْتَ ما نَزَعْتَهُ يا رَسُولَ الله، قالَ: "نَهانِي عنهُ جِبْريلُ ﵇" فجاءَهُ عُمَرُ يَبْكِي، فقالَ: يا رَسُولَ الله كَرِهْتَ أمْرًا وَأَعْطَيْتَنِيهِ فمَالي؟ فقالَ: "مَا أَعْطَيتُكَ لِتَلْبسَهُ إِنَّما أعْطَيتُكَ تَبيعُهُ" فَبَاعَهُ بألْفَيْ دِرْهَمٍ رَوَاهُ أحمَدُ) (٦). [صحيح] الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (٧) بنحو مما هنا. قوله: [(من ديباج)] (٨) الديباج هو نوع من الحرير (٩)، قيل: هو ما غلظ منه. قوله: (ثم أوشك) أي أسرع كما في القاموس (١٠) وغيره. والحديث يدل على تحريم لبس الحرير ولبس النبي ﷺ لا يكون دليلًا على الحل لأنه محمول على أنه لبسه قبل التحريم بدليل قوله: "نهاني عنه جبريل" ولهذا حصر الغرض من الإعطاء في البيع وسيأتي تحقيق ما هو الحق في ذلك.

стр. 1297

قال المصنف (١) ﵀ [تعالى] (٢): فيه يعني الحديث دليل على أن أمته ﵇ أسوته في الأحكام اهـ. وقد تقرر في الأصول ما هو الحق في ذلك والأدلة العامة قاضية بمثل ما ذكره المصنف من نحو قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣) ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤) ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي (٥)﴾ (٦).

стр. 1298

[خامسًا] [أبواب] (١) اللباس [الباب الأول] باب تحريم لبس الحرير والذهب على الرجال دون النساء ١/ ٥٤٤ - (عَنْ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنه] (٢) قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَلْبَسُوا الحَريرَ فإنَّهُ مَنْ لَبَسه في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخرَةِ") (٣) [صحيح]. ٢/ ٥٤٥ - (وعَنْ أَنَسٍ [رضي الله تعالى عنه] (٢) أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ لَبِسَ الْحَريرَ في الدُّنْيا فلَنْ يَلْبَسهُ في الآخِرَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِما) (٤) [صحيح]. الحديثان يدلان على تحريم لبس الحرير لما في الأوّل من النهي الذي يقتضي بحقيقته التحريم، وتعليل ذلك بأن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، والظاهر أنه كناية عن عدم دخول الجنة، وقد قال الله تعالى في أهل الجنة: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (٥) فمن لبسه في الدنيا لم يدخل الجنة، روى ذلك النسائي (٦) عن ابن الزبير، وأخرج النسائي (٧) عن ابن عمر أنه قال: "والله لا يدخل الجنة" وذكر الآية، وأخرج النسائي (٨) والحاكم (٩) عن أبي سعيد أنه قال:

стр. 1299

"وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه". ويدل على ذلك أيضًا حديث ابن عمر عند الشيخين (١) بلفظ قال: "قال رسول الله ﷺ : إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة" والخلاق كما في كتب اللغة (٢) وشروح الحديث (٣): النصيب أي من لا نصيب له في الآخرة وهكذا إذا فسر بمن لا حرمة له، أو من لا دين له كما قيل. وهكذا حديث ابن عمر عند الستة إلا الترمذي (٤) بلفظ: "أنه رأى عمر حلة من استبرق تباع فأتى بها النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ابتع هذه فتجمل بها للعيد والوفود، فقال رسول الله ﷺ : إنما هذه لباس من لا خلاق له، ثم لبث عمر ما شاء الله أن يلبث، فأرسل إليه ﷺ بجبة ديباج، فأتى عمر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله قلت: إنما هذه لباس من لا خلاق له ثم أرسلت إلى بهذه فقال ﷺ : إني لم أرسلها إليك لتلبسها ولكن لتبيعها وتصيب بها حاجتك". ومن أدلة التحريم حديث عقبة بن عامر (٥) السابق في الباب الذي قبل هذا الكتاب فإن قوله: "لا ينبغي هذا للمتقين" إرشاد إلى أن لابس الحرير ليس من زمرة المتيقن. وقد علم وجوب الكون منهم. ومن ذلك ما عند البخاري (٦) بلفظ: "الذهب والفضة والحرير والديباج لهم في الدنيا ولكم في الآخرة". ومن ذلك حديث أبي موسى (٧) وعلي (٨) وحذيفة (٩)

стр. 1300

وعمر (١) وأبي عامر (٢) وستأتي وإذا لم تفد هذه الأدلة التحريم فما في الدنيا محرم. وأما معارضتها بما سيأتي فستعرف ما عليه. وقد أجمع المسلمون على التحريم (٣) ذكر ذلك المهدي في البحر (٤)، وقد نسب فيه الخلاف في التحريم إلى ابن عُلَيَّة (٥) وقال: إنه انعقد الإجماع بعده على التحريم. وقال القاضي عياض (٦): حكي عن قوم إباحته، وقال أبو داود (٧): إنه لبس الحرير عشرون نفسًا من الصحابة أو أكثرهم، منهم أنس والبراء بن عازب ووقع الإجماع على أن التحريم مختص بالرجال دون النساء، وخالف في ذلك ابن الزبير مستدلًا بعموم الأحاديث، ولعله لم يبلغه المخصص الذي سيأتي. وقد استدل من جوز لبس الحرير بأدلة منها حديث عقبة [بن عامر] (٨) المتقدم في الباب الذي قبل الكتاب، وقد عرفت الجواب [على] (٩) ذلك فيما سلف. ومنها حديث أسماء بنت أبي بكر في الجبة التي كان يلبسها رسول الله ﷺ

стр. 1301

وسيأتي في باب إباحة اليسير من الحرير (١) وسنذكر الجواب [عليه] (٢) هنالك. ومنها حديث المسور بن مخرمة عند الشيخين (٣) "أنها قدمت للنبي ﷺ أقبية فذهب هو وأبوه إلى النبي ﷺ لشيء منها فخرج النبي ﷺ وعليه قبا من ديباج مزرور (٤)، فقال: يا مخرمة خبأنا لك هذا وجعل يريه محاسنه، وقال: أرضي مخرمة". والجواب أن هذا فعل لا ظاهر له والأقوال صريحة في التحريم، على أنه لا نزاع أن النبي ﷺ كان يلبس الحرير، ثم كان التحريم آخر الأمرين كما يشعر بذلك حديث جابر (٥) المتقدم. ومنها حديث عبد الله بن سعد عن أبيه وسيأتي في باب ما جاء في لبس الخزّ (٦)، وسنذكر الجواب عليه هنالك. ومنها ما تقدم من لبس جماعة من الصحابة له، وسيأتي الجواب عليه في باب ما جاء في لبس الخز (٧). ومنها "أنه ﷺ لبس مستقة (٨) من سندس أهداها له ملك الروم ثم بعث بها إلى جعفر فلبسها ثم جاءه فقال: إني لم أعطكها لتلبسها، قال: فما أصنع؟ قال: أرسل بها إلى أخيك النجاشي" أخرجه أبو داود (٩). والجواب عن الاحتجاج بلبسه ﷺ مثل ما تقدم في الجواب عن حديث مخرمة.

стр. 1302

وأما عن الاحتجاج بأمره ﷺ لجعفر أن يبعث بها للنجاشي فالجواب عنه كالجواب الذي سيأتي في شرح حديث لبسه ﷺ للخز (١)، على أن الحديث غير صالح للاحتجاج، لأن في إسناده علي بن زيد بن جدعان ولا يحتج بحديثه، ويمكن أن يقال: إن لبسه ﷺ لقباء الديباج وتقسيمه للأقبية بين أصحابه ليس فيه ما يدل على أنه متقدم على أحاديث النهي، كما أنه ليس فيها ما يدل على أنها متأخرة عنه، فتكون قرينة صارفة للنهي إلى الكراهة، ويكون ذلك جمعًا بين الأدلة، ومن مقويات هذا ما تقدم أنه لبسه عشرون صحابيًا، ويبعد كل البعد أن يقدموا على ما هو محرم في الشريعة، ويبعد أيضًا أن يسكت عنهم سائر الصحابة وهم يعلمون تحريمه فقد كانوا ينكرون على بعضهم بعضًا ما هو أخف من هذا. وقد اختلفوا في الصغار أيضًا هل يحرم إلباسهم الحرير أم لا؟ فذهب الأكثر إلى التحريم، قالوا: لأن قوله: "على ذكور أمتي" كما في الحديث الآتي (٢) يعمهم. ولحديث ثوبان عند أبي داود (٣) "أن النبي ﷺ قَدِمَ من غَزَاةٍ وكان لا يقدُمُ إلا بدأَ حينَ يقدُمُ ببيتِ فاطمة، فوجدَها قد علَّقَتْ سِتْرًا على بابِها وحلَّتِ الحسنينِ بِقُلْبين من فضِّةٍ فتقدَّم فلم يدخل عليها فظنَّتْ أنه إنما منعه أنْ يدخُلَ ما رأى فهتكتِ السِّتْرَ وفكت القلبين عن الصبيين فانطلقا إلى رسول الله ﷺ يبكيان فأخذه منهما وقال: يا ثوبان اذهب بهذا إلى آل فلان" الحديث. وهذا وإن كان واردًا في الحِلْيَةِ ولكنه مشعرٌ بأن حكمَهُم حكمُ المكلَّفين فيها فيكونُ حكْمُهُم. في لُبْسِ الحريرِ كذلك. ويمكن أن يجاب عن هذا بأن في

стр. 1303

آخر الحديث ما يشعر بعدم التحريم فإنه قالَ: "نحنُ أهلَ بيتٍ لا نستغرقُ طيباتِنا في حياتِنا الدنيا" أو كما قال. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "عليكُم بالفضَّةِ فالعبوا بها كيف شئتم" (١) والصغار غير مكلفين وإنما التكليف على الكبار، وقد رُوِيَ أن إسماعيل بن عبد الرحمن دخل على عمر وعليه قميص من حرير وسُوَرانِ من ذهبٍ فشق القميصَ وفك السِّوارين وقال اذهب إلى أمك (٢). وقال محمد بن الحسن: إنه يجوز إلباسهم الحرير، وقال أصحاب الشافعي (٣): يجوز في يوم العيد لأنه لا تكليف عليهم وفي جواز إلباسهم ذلك في باقي السنة ثلاثة أوجه: أصحها جوازه، والثاني تحريمه، والثالث يحرم بعد سن التمييز. واختلفوا في المقدار الذي يستثنى من الحرير للرجال وسيأتي الكلام عليه. ٣/ ٥٤٦ - (وَعَنْ أَبِي مُوسى [رضي الله تعالى عنه] (٤) أن النَّبيَّ ﷺ قالَ:

стр. 1304

"أحِلَّ الذَّهَبُ والحَرِيرُ لِلإناثِ مِنْ أُمَّتِي وحُرِّمَ على ذُكُورها". رَوَاهُ أحْمدُ (١) والنسائيُّ (٢) والتَّرمِذِيُّ وصَحَّحهُ) (٣). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا [أبو داود (٤) والحاكم وصححه] (٥) والطبراني، وفي إسناده سعيد بن أبي هند عن أبي موسى، قال أبو حاتم (٦): إنه لم يلقه، وقال الدارقطني في العلل (٧): لم يسمع سعيد بن أبي هند من أبي موسى. وقال ابن حبان في صحيحه (٨): حديث سعيد بن أبي هند عن أبي موسى معلول لا يصح، والحديث قد صححه الترمذي، كما ذكره المصنف، وصححه أيضًا ابن حزم (٩) كما ذكر الحافظ. وقد روي من طريق يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، ذكر ذلك الدارقطني في العلل (١٠)، قال: والصحيح عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى. وقد اختلف فيه على نافع فرواه أيوب وعبيد الله بن عمر عن نافع عن سعيد مثله، ورواه عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن سعيد عن رجل عن أبي موسى. وفي الباب عن علي بن أبي طالب عند أحمد (١١) وأبي في داود (١٢) والنسائي (١٣) وابن ماجه (١٤) وابن حبان (١٥) بلفظ "أخذ النبي ﷺ حريرًا فجعله في

стр. 1305

يمينه وأخذ ذهبًا فجعله في شماله ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي" زاد ابن ماجه (١) "حل لإناثهم" وبين النسائي الاختلاف فيه عن يزيد بن أبي حبيب. قال الحافظ (٢): وهو اختلاف لا يضر ونقل عبد الحق (٣) عن ابن المديني أنه قال: حديث حسن ورجاله معروفون، وذكر الدارقطني (٤) الإختلاف فيه على يزيد بن أبي حبيب، ورجح النسائي رواية ابن المبارك عن الليث عن يزيد عن ابن أبي الصعبة (٥) عن رجل من همدن يقال له أفلح عن عبد الله بن زربر عن علي ﵇ قال الحافظ (٦): الصواب أبو أفلح. وقد أعله ابن القطان (٧) بجهالة حال رواته ما بين يزيد بن أبي حبيب وعليّ فأما عبد الله بن زرير فقد وثقه العجلي وابن سعد، وأما أبو أفلح فقال الحافظ (٨): ينظر فيه، وأما ابن أبي الصعبة فقد ذكره ابن حبان في الثقات (٥) واسمه عبد العزيز. وفي الباب أيضًا عن عقبة بن عامر عند البيهقي (٩) بإسناد حسن.

стр. 1306

وعن عمر (١) عند البزار (٢) والطبراني (٣) وفيه [عمرو بن جرير البجلي (٤)،] (٥) [قال البزار (٦): لين الحديث] (٧). وعن عبد الله بن عمرو نحو حديث أبي موسى عند ابن ماجه (٨) والبزار (٩) وأبي يعلى (١٠) والطبراني (١١) وفي إسناده الإفريقي (١٢) وهو ضعيف.

стр. 1307

وعن زيد بن أرقم عند الطبراني (١) والعقيلي (٢) وابن حبان في الضعفاء (٣)، وفيه ثابت بن زيد قال أحمد (٤): له مناكير. وعن واثلة بن الأسقع عند الدارقطني (٥) وإسناده مقارب. وعن ابن عباس عند الدارقطني (٦) والبزار (٧) بإسناد واه. وهذه الطرق متعاضدة بكثرتها ينجبر الضعف الذي لم تخل منه واحدة منها. والحديث دليل للجماهير القائلين بتحريم الحرير والذهب على الرجال وتحليلهما للنساء، وقد تقدم الخلاف في ذلك. ٤/ ٥٤٧ - (وَعَنْ عليّ [﵇] (٨) قالَ: أُهْدِيَتْ إلى النَّبيِّ ﷺ حُلَّةُ سِيَرَاءُ فَبَعَثَ بِهَا إليَّ فَلَبسْتُها فَعَرَفْتُ الْغَضَبَ في وَجْهِهِ، فقالَ: "إنِّي لَمْ أبْعَثْ بِها إلَيْكَ

стр. 1308

لِتَلبَسَها إِنَّما بَعَثْتُ بِها إلَيْكَ لِتُشَقِّقهَا خمُرًا بَيْنَ النِّسَاءِ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ) (١) [صحيح]. قوله: (أهديت [إلى النبي]) (٢) أهداها له ملك أيلة وهو مشرك. قوله: (حُلَّة) الحلة على ما في القاموس (٣) وغيره من كتب اللغة: إزار ورداء، ولا تكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة، وهي بضم الحاء. قوله: (سِيراء) بكسر المهملة بعدها مثناة تحتية ثم راء مهملة ثم ألف ممدودة قال في القاموس (٤): كعنباء، نوعٌ من البُرُودِ فيه خُطُوط صُفْر، أو يخالِطُه حريرٌ والذهبُ الخالصُ اهـ. قال الخطابي (٥): هي برود مضلعة بالقز، وكذا قال الخليل (٦) والأصمعي (٧) وأبو داود (٨). وقال آخرون: إنها شبهت خطوطها بالسيور. وقيل: هي مختلفة الألوان قاله الأزهري (٩)، وقيل: هي وشيء من حرير قاله مالك (١٠)، وقيل: هي حرير محض. وقال ابن سيده (١١): إنها ضرب من البرود. وقال الجوهري (١٢): إنها ما كان فيه خطوط صفر، وقيل: ما يعمل من القز. وقيل: ما يعمل من ثياب اليمن، وقد روي تنوين الحلة وإضافتها والمحققون على الإضافة.

стр. 1309

قال القرطبي (١): كذا قيد عمن يوثق بعلمه. فهو على هذا من باب إضافة الشيء إلى صفته، على أن سيبويه قال: لم يأت فعلاء صفة. قوله: (خمرًا) جمع خمار. وقوله: (بين النساء) زاد في رواية "فشققته بين نسائي" وفي رواية "بين الفواطم" وهن ثلاث: فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وفاطمة بنت أَسَد أم علي، وفاطمة بنت حمزة، وذكر عبد الغني وابن عبد البر أن الفواطم أربع، والرابعة فاطمة بنت شيبة بن ربيعة، كذا قاله عياض (٢) وابن رسلان. والحديث يدل على المنع من لبس الثوب المشوب بالحرير إن كانت السيراء تطلق على المخلوط بالحرير وإن لم يكن خالصًا كما هو المشهور عند أئمة اللغة وإن كانت الحرير الخالص كما قاله البعض فلا إشكال. وقد رجح بعضهم [أنه] (٣) الخالص لحديث ابن عباس "أن النبي ﷺ إنما نهى عن الثوب المصمت" وسيأتي (٤) وستعرف ما هو الحق في المقدار الذي يحل من المشوب. ويدل الحديث أيضًا على حل الحرير للنساء وقد تقدم الكلام على ذلك. ٥/ ٥٤٨ - (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ [رضي الله تعالى عنه] (٥) أنهُ رَأَى عَلى أُمّ كُلْثُومَ بِنْتِ النَّبيِّ ﷺ بُرْدَ حُلَّة سِيَرَاءَ. رَوَاهُ الْبُخاريُّ (٦) والنسائيُّ (٧) وأبو داود) (٨). [صحيح] قوله: (أم كلثوم) هي بنت خديجة بنت خويلد تزوجها عثمان بعد رقية. قوله: (برد حلة) الإضافة في رواية البخاري. وفي رواية أبي داود بردًا سيراء بالتنوين. والحديث من أدلة جواز الحرير للنساء إنْ فرض اطلاع النبي ﷺ على ذلك وتقريره وقد تقدم مخالفة ابن الزبير في ذلك.

стр. 1310

[الباب الثاني] باب في أن افتراش الحرير كلبسه ٦/ ٥٤٩ - (عَنْ حُذَيْفَةَ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: نَهَانَا النَّبيُّ ﷺ أنْ نَشْرَبَ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ وَأنْ نَأْكُلَ فِيها وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ والدِّيباجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَليهِ. رَوَاهُ الْبُخَاريُّ) (٢). [صحيح] الحديث قد تقدم الكلام عليه في باب الأواني (٣). وقوله: (وأن نجلس عليه) يدل على تحريم الجلوس على الحرير، وإليه ذهب الجمهور، كذا في الفتح (٤) بأنه مذهب الجمهور، وبه قال عمر (٥) وأبو عبيدة (٦) وسعد بن أبي وقاص (٧)، وإليه ذهب الناصر والمؤيد بالله والإمام يحيى (٨). وقال القاسم وأبو طالب والمنصور بالله وأبو حنيفة وأصحابه (٩). وروي عن ابن عباس (١٠) وأنس (١١) أنه يجوز افتراش الحرير، وبه قال ابن الماجشون وبعض الشافعية (١٢). واحتج لهم في البحر بأن الفراش موضع إهانة وبالقياس على الوسائد المحشوة بالقز، قال: إذ لا خلاف فيها (١٣).

стр. 1311

وهذا دليل باطل لا ينبغي التعويل عليه في مقابلة النصوص، كحديث الباب والحديث الآتي بعده (١)، وقد تقرر عند أئمة الأصول وغيرهم بطلان القياس المنصوب في مقابلة النص، وأنه فاسد الاعتبار، وعدم حجية أقوال الصحابة لا سيما إذا خالفت الثابت عنه ﷺ . ٧/ ٥٥٠ - (وعَنْ عَليّ [رضي الله تعالى عنه] (٢) قالَ: "نَهانِي رَسُول الله ﷺ عَن الْجُلُوسِ على الْمَياثِرِ. والْمَياثِرُ: قَسِيٌّ كانَتْ تَصْنَعُهُ النِّساءُ لِبُعُولَتِهِنَّ على الرَّحْلِ كالْقَطَائِفِ مِنَ الأرْجُوانِ" رَواهُ مُسْلِمٌ (٣) والنَّسائيُّ) (٤). [صحيح] قد اتفق الشيخان (٥) على النهي عن المياثر من حديث البراء، وأخرج الجماعة (٦) كلهم إلا البخاري حديث علي بلفظ: "نهى رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب وعن لبس القسي وعن الميثرة، وفي رواية مياثر الأرجوان، ولم يذكر الجلوس إلا في رواية مسلم، ولهذا [ذكرها] (٧) المصنف ﵀ [تعالى] (٢). قوله: (على المياثِر) جمعُ ميثرةٍ بكسر الميم وبالثاء المثلثة وهي مأخوذة من الوِثَارَةِ وهو اللينُ والنعمة وياء ميثرة واو لكنها قلبت لكسر ما قبلها كميزان وميعاد، وقد فسرها عليّ بما ذكره مسلم في صحيحه (٢)، كما رواه المصنف عنه، وكذلك فسرها البخاري في صحيحه (٨). وقد اختلف في تفسير المياثر على أربعة أقوال. منها هذا التفسير المروي عن عليّ والأخذ به أولى. قوله: (والمياثر قَسِيٌّ) القَسِي بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة على الصحيح.

стр. 1312

قال أهلُ اللغة وغريب الحديث (١): هي ثيابٌ مُضَلَّعَةٌ بالحريرِ تُعملُ بالقَسِّ بفتح القاف موضع من بلاد مصر على ساحل البحر وقريب من تَنِيْيسَ، وقيل: إنها منسوبةٌ إلى القَزِّ وهو رديء الحرير فأبدلتِ الزاي سينًا. قوله: (من الأرْجُوان) هو بضم الهمزة والجيم وهو الصوف الأحمر، كذا في شرح السنن لابن رسلان، وقيل: الأرْجُوان: الحمرة، وقيل: الشديد الحمرةِ، وقيل: الصباغ الأحمر القاني. والحديث يدل على تحريم الجلوس على ما فيه حرير، وقد خصص بعضهم بالمذهب، فقال: إن كان حرير الميثرة أكثر أو كانت جميعها من الحرير فالنهي للتحريم وإلا فالنهي للتنزيه، والاستدلال بهذا الحديث على تحريم ذلك على الأمة مبني على أن خطابه ﷺ لواحد خطاب لبقية الأمة، والحكم عليه حكم عليهم وفي ذلك خلاف في الأصول مشهور، وقد ثبت في غير هذه الرواية بلفظ: "نهى" كما عرفت وهو دليل على عدمِ اختصاص ذلكَ بعلي ﵇. [الباب الثالث] باب إباحة يسير ذلك كالعلَم والرُّقْعَة ٨/ ٥٥١ - (عَنْ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنه] (٢) أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ لَبُوسِ الْحَرِير إِلَّا هَكَذَا، وَرَفَعَ لنا رَسُولَ الله ﷺ أَصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ وَضَمَّهما. مُتَّفَقٌ عليهِ (٣). وَفِي لَفْظٍ: نَهى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ أُصْبعَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ أوْ أَرْبَعَةٍ. رَواهُ الجَماعةُ إِلَّا البُخاريَّ (٤) وَزَادَ فيهِ أحمَدُ وأبُو دَاوُدَ: وَأشَارَ بِكَفِّهِ). [صحيح] الحديثُ فيه دلالة على أنه يحل من الحرير مقدار أربع أصابع كالطراز

стр. 1313

والسِّجافِ (١) من غيرِ فَرْقٍ بينَ المرَكَّبِ على الثوب والمنسوج والمعمول بالإبرة والترقيعُ كالتطريزِ ويحرُمُ الزائدُ على الأربع من الحرير ومن الذهب بالأولى وهذا مذهب الجمهور (٢)، وقد أغرب بعض المالكية فقال: يجوز العلم وإن زاد على الأربع. وروي عن مالك القول بالمنع من المقدار المستثنى في الحديث ولا أظن ذلك يصح عنه، وذهبت الهادوية (٣) إلى تحريم ما زاد على الثلاث الأصابع ورواية الأربع ترد عليهم وهي زيادة صحيحة بالإجماع فتعين الأخذ بها. ٩/ ٥٥٢ - (وَعَنْ أسمَاءَ [رضي الله تعالى عنها] (٤) أنَّها أُخْرَجَتْ جُبَّةَ طَيَالسَةٍ عَلَيْها لَبِنَةٌ شِبْرٌ مِنْ دِيَبَاج كَسْرَوانِيّ وَفَرْجَيْها مَكْفُوفَيْنِ بِهِ، فقالَتْ: هذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ الله ﷺ كان يَلْبَسُها كانَتْ عِنْدَ عائِشَةَ فَلَمّا قُبِضَتْ عائِشةُ قَبَضْتُها إليَّ فَنَحْنُ نغْسِلُها لِلْمَرِيضِ يُسْتَشْفَى بها". رَواهُ أحمدُ (٥) وَمُسْلِمٌ (٦) وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ الشِّبْرِ). [صحيح] قوله: (جبة طيالسة) هو بإضافة جبة إلى طيالسة كما ذكره ابن رسلان في شرح السنن والطيالسة: جمع طيلسان وهو كساء غليظ، والمراد أن الجبة غليظة كأنها من طيلسان. قوله: (كَسرواني) بفتح الكاف وسكون السين وفتح الواو نسبة إلى كسرى ملك الفرس. قوله: (وَفرجَيْها مكفوفين) الفَرْجُ في الثوبِ الشِّقُّ الذي يكون أمام الثوب وخلفه في أسفلها وهما المراد بقوله: فرجيها. والحديث يدل على جواز لبس ما فيه من الحرير هذا المقدار. وقد

стр. 1314

قيل: إن ذلك محمول على أنه أربع أصابع أو دونها أو فوقها، إذا لم يكن مُصْمَتًا (١) جمعًا بين الأدلة، ولكنه يأبى الحمل على الأربع فما دون قوله في حديث الباب "شبر من ديباج" وعلى غير المُصْمَت (٢). قوله: (من ديباج) فإن الظاهر أنها من ديباج فقط لا منه ومن غيره إلا أن يصار إلى المجاز للجمع كما ذكر، نعم يمكن أن يكون التقدير بالشبر لطول تلك اللَّبِنَة (٣) لا لعرضها فيزول الإشكال. وفي الحديث أيضًا دليل على استحباب التجمل بالثياب والاستشفاء بآثار رسول الله ﷺ . وفي الأدب المفرد (٤) للبخاري أنه كان يلبَسُها للوفد والجمعة، وقد وقع عند ابن أبي شيبة (٥) من طريق حجاج بن أبي عمرو عن أسماء أنها قالت: "كان يلبسها إذا لقي العدو وجمع". وأخرج الطبراني (٦) من حديث علي النهي عن المكفف بالديباج، وفي إسناده محمد بن جحادة (٧) عن أبي صالح (٨) عن عبيد بن عمير (٩)، وأبو صالح هو مولى أم هانئ وهو ضعيف. وروى البزار (١٠) من حديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ رأى رجلًا عليه جبة

стр. 1315

مزررة أو مكففة بحرير فقال له: "طوق من نار" (١) وإسناده ضعيف. وقد أسلفنا أنه استدل بعض من جوز لبس الحرير بهذا، وهو استدلال غير صحيح لأن لبسه ﷺ للجبة المكفوفة بالحرير لا يدل على جواز لبس الثوب الخالص الذي هو محل النزاع، ولو فرض أن هذه الجبة جميعها حرير خالص لم يصلح هذا الفعل للاستدلال به على الجواز لما قدمنا من الجواب على الاستدلال بحديث مخرمة. ١٠/ ٥٥٣ - (وَعَنْ مُعاوَيَةَ قَالَ: نَهى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ ركُوبِ النِّمارِ وَعَنْ لُبْس الذَّهَب إلَّا مُقَطَّعًا رَوَاهُ أحمَدُ (٢) وأبُو دَاوُدَ (٣) والنَّسائيُّ) (٤). [صحيح] الحديث [أخرجه أبو داود في الخاتم والنسائي في الزينة بإسناد رجاله ثقات إلا ميمون القتاد (٥) وهو مقبول، وقد وثقه ابن حبان (٦)، وقد رواه النسائي من غير طريقة، وقد] (٧) اقتصر أبو داود (٨) [في اللباس] (٧) منه على النهي عن ركوب النمار، وكذلك ابن ماجه (٩)، ورواه أبو داود (١٠) من حديث المقدام بن معدي كرب ومعاوية، وفيه النهي عن لبس الذهب والحرير وجلود السباع، وفي إسناده

стр. 1316

بقية بن الوليد (١) وفيه مقال معروف. قوله: (عن ركوب النمار) في رواية النمور فكلاهما جمع نَمِر بفتح النون وكسر الميم، ويجوز التخفيف بكسر النون وسكون الميم وهو سبع أخبث وأجرأ من الأسد، وهو منقط الجلد نقط سود وفيه شبه من الأسد إلا أنه أصغر منه، وإنما نهى من استعمال جلوده لما فيها من الزينة والخيلاء، ولأنه زي العجم وعموم النهي شامل للمذكي وغيره. قوله: (وعن لبس الذهب إلا مقطعًا) لا بد فيه من تقييد القطع بالقدر المعفوّ عنه لا بما فوقه جمعًا بين الأحاديث. [قال ابن رسلان في شرح سنن أبي داود: والمراد بالنهي الذهب الكثير لا المقطع قطعًا يسيرة منه تجعل حلقة أو قرطًا أو خاتمًا للنساء أو في سيف الرجل، وكره الكثير منه الذي هو عادة أهل السرف والخيلاء والتكبر، وقد يضبط الكثير منه بما كان نصابًا تجب فيه الزكاة واليسير بما لا تجب فيه (٢) انتهى.

стр. 1317

وقد ذكر مثل هذا الكلام الخطابي في المعالم (١) وجعل هذا الاستثناء خاصًّا بالنساء، قال: لأن جنس الذهب ليس بمحرم عليهن كما حرم على الرجال قليله وكثيره] (٢). [الباب الرابع] باب لبس الحرير للمريض ١١/ ٥٥٤ - (عَنْ أَنَسٍ [رضي الله تعالى عنهما] (٣) أن النَّبيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ في لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ كانَتْ بِهِما. رَوَاهُ الجَماعهُ (٤) إلَّا أن لَفْظ التِّرْمِذِيِّ: إنَّ عَبْدَ الرَّحمنِ بْن عَوْفٍ والزُّبَيْرَ شَكَوا إلى النَّبيِّ ﷺ الْقَمْلَ فَرَخَّصَ لَهُما في قُمُص الْحَرِيرِ في غَزَاةٍ لَهُمَا) [صحيح].

стр. 1318

وهكذا في صحيح مسلم أن الترخيص لعبد الرحمن والزبير كان في السفر. وزعم المحب الطبري انفراده به (١) وعزاه إليهما ابن الصلاح (٢) وعبد الحق (٣) والنووي (٤). قوله: (في قمص الحرير) بضم القاف والميم جمع قميص ويروى بالإفراد. قوله: (لحكة) بكسر الحاء وتشديد الكاف قال الجوهري: هي الجرب، وقيل هي غيره. وهكذا يجوز لبسه للقمل كما في رواية الترمذي (٥) وهي أيضًا في الصحيحين (٦). والتقييد بالسفر بيان للحال الذي كانا عليه لا للتقييد، وقد جعل السفر بعض الشافعية قيدًا في الترخيص وهو ضعيف، ووجهه أنه شاغل عن التفقد والمعالجة واختاره ابن الصلاح (٧) لظاهر الحديث، والجمهور على خلافه. والحديث يدل على جواز لبس الحرير لعذر الحكة والقمل عند الجمهور (٨)، وقد خالف في ذلك مالك والحديث حجة عليه، ويقاس غيرهما من الحاجات عليهما، وإذا ثبت الجواز في حق هذين الصحابيين ثبت في حق غيرهما ما لم يقم دليل على اختصاصهما بذلك، وهو مبني على الخلاف المشهور في الأصول

стр. 1319

فمن قال: حكمه على الواحد حكم على الجماعة كان الترخيص لهما [ترخيصًا] (١) لغيرهما إذا حصل له عذر مثل عذرهما، ومن منع من ذلك ألحق غيرهما بالقياس بعدم الفارق. [الباب الخامس] باب ما جاء في لبس الخز وما نسج من حرير وغيره ١٢/ ٥٥٥ - (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ سَعْدٍ [رضي الله تعالى عنهما] (٢) قالَ: رَأَيْتُ رَجلًا بِبُخَارَى على بَغْلَةٍ بَيْضاءَ عليهِ عمامَةُ خَزّ سَوْدَاء، فقالَ: كَسَانِيها رَسُولُ الله ﷺ . رَواهُ أبُو دَاوُدَ (٣) والبُخاري في تَارِيخِهِ (٤). [بسند ضعيف] وَقَدْ صَحَّ لُبْسُهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحابَةِ رَضِيَ الله [تعالى] (٢) عنهُمْ). الحديث أخرجه أيضًا الترمذي (٥)، ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٤) عن مخيلد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد وقال: قال عبد الله: نراه ابن [خازم] (٦) السلمي، قال: وابن [خازم] (٦) ما أدري أدرك النبي ﷺ أم لا، وهذا شيخ آخر. وقال النسائي قال بعضهم: إن هذا الرجل عبد الله بن خازم أمير خراسان (٧). قال المنذري: عبد الله بن خازم هذا بالخاء المعجمة والزاي كنيته أبو صالح ذكر بعضهم أن له صحبة وأنكرها بعضهم انتهى. وعبد الله بن سعد المذكور في هذا الحديث هو عبد الله بن سعد بن عثمان

стр. 1320

الدَّشْتَكي الرازي (١) روى عنه هذا الحديث ابنه عبد الرحمن وليس له في الكتب غيره، وقد وثقه ابن حبان (٢)، وقد ساق هذا الحديث أبو داود في سننه (٣) من طريق أحمد بن عبد الرحمن الرازي عن أبيه عبد الرحمن قال: أخبرني أبي عبد الله بن سعد (١) عن أبيه سعد (٤) قال: رأيت رجلًا. الحديث ولعل عبد الله بن خازم كما ذكر النسائي (٥) والبخاري (٦) هو الرجل المبهم في الحديث، وقد صرح بهذا ابن رسلان، فقال: الرجل الراكب: قيل هو عبد لله بن خازم وكنيته أبو صالح. قوله: (عمامة خز) قال ابن الأثير (٧)؛ الخز ثياب تُنْسَج من صُوف وإبريسَم، وهي مُباحة، وقد لبسه الصحابة والتابعون. وقال غيره الخزُّ: اسم دابة ثم أُطلق على الثوب المتخذ من وبرها. وقال المنذري: أصله من وبر الأرنب، ويسمى ذكره الخز. وقيل: إن الخز ضرب من ثياب الإبريسم. وفي النهاية (٨) ما معناه أن الخز الذي كان على عهد النبي ﷺ مخلوط من صوف وحرير. وقال: عياض في المشارق (٩): إن الخز ما خلط من الحرير والوبر، وذكر أنه من وبر الأرنب ثم قال: فسمى ما خالط الحرير من سائر الأوبار خزًا.

стр. 1321

والحديث قد استدل به على جواز لبس الخز، وأنت خبير بأن غاية ما في الحديث أنه أخبر بأن رسول الله ﷺ كساه عمامة الخز وذلك لا يستلزم جواز اللبس. وقد ثبت من حديث عليّ عند البخاري (١) ومسلم (٢) وأبي داود (٣) والنسائي (٤) أنه قال: "كساني رسول الله ﷺ حلة سيراء فخرجت بها فرأيت الغضب في وجهه فأطَّرتها (٥) خمرًا بين نسائي" هذا لفظ الحديث في التيسير (٦) فلم يلزم من قول علي [﵇] (٧) "كَساني" جواز اللبس وهكذا قال عمر: "لما بعث إليه النبي ﷺ حلة سيراء يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت، فقال رسول الله ﷺ : إني لم أكسكها لتلبسها" هذا لفظ أبي داود (٨) وبهذا يتبين لك أنه لا يلزم من قوله كساني جواز اللبس على أنه قد ثبت في تحريم الخز ما هو أصح من هذا الحديث وهو حديث أبي عامر الآتي (٩) وكذلك حديث معاوية (١٠). وقد استدل بهذا الحديث أيضًا على جواز لبس المشوب، وهو لا يدل على ذلك إلا على أحد التفاسير للخز، وقد تقدم ذكر بعضها، وقد اختلف الناس في المشوب، وسيأتي بيان ما هو الحق. قوله: (وقد صح لبسه عن غير واحد من الصحابة) لا يخفاك أنه لا حجة في فعل بعض الصحابة وإن كانوا، عددًا كثيرًا، والحجة إنما هي في إجماعهم عند القائلين بحجية الإجماع (١١) ولو كان لبسهم الخز يدل على أنه حلال لكان الحرير

стр. 1322

الخالص حلالًا، لما تقدم عن أبي داود (١) أنه قال: لبس الحرير عشرون صحابيًا، وقد أخبر الصادق المصدوق أنه سيكون من أمته أقوام يستحلون الخز والحرير وذكر الوعيد الشديد في آخر هذا الحديث من المسخ إلى القردة والخنازير كما سيأتي. ١٣/ ٥٥٦ - (وَعَنْ ابْنِ عباسٍ [رضي الله تعالى عنهما] (٢) قالَ: إنَّمَا نَهى رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ قز قالَ ابْنُ عباسٍ: أمَّا السَّدَى وَالْعَلَمُ فَلا نَرَى بِهِ بَأسًا. رَوَاهُ أحْمدُ (٣) وأبو دَاوُد) (٤) [صحيح]. الحديث في إسناده خُصَيف بن عبد الرحمن، وقد ضعفه غير واحد، قال في التقريب (٥): هو صدوقٌ سيءُ الحِفظ خَلَطَ بأخَرَةَ ورُمِيَ بالإرجاء. [وقد وثقه ابن معين وأبو زرعة وبقية (٦) رجال إسناده ثقات (٧). وأخرجه الحاكم (٨) بإسناد صحيح، والطبراني (٩) بإسناد حسن كما قال الحافظ في الفتح] (١٠).

стр. 1323

قوله: (المُصْمَت) بضم الميم الأولى وفتح الثانية المخففة وهو الذي جميعه حرير لا يخالطه قطن ولا غيره قاله ابن رسلان. قوله: (أما السَّدَي) بفتح السين والدال بوزن الحصى ويقال: ستى بمثناة من فوق بدل الدال لغتان بمعنى واحد، وهو خلاف اللحمة وهو ما مد طولًا في النسج. قوله: (والعَلَمُ) هو وسْمُ الثَّوْب ورَقْمُهُ قاله في القاموس (١) وذلك كالطراز والسجاف. والحديث [يدل] (٢) على حل لبس الثوب المشوب بالحرير، وقد اختلف الناس في ذلك. قال في البحر (٣): مسألة: ويحل المغلوب بالقطن وغيره ويحرم الغالب إجماعًا فيهما اهـ. وكلا الإجماعين ممنوع. أما الأول فقد نقل الحافظ في الفتح (٤) عن العلامة ابن دقيق العيد أنه إنما يجوز من المخلوط ما كان مجموع الحرير فيه أربع أصابع لو كانت منفردة بالنسبة إلى جميع الثوب. وأما الثاني فقد تقدم الخلاف عن ابن علية (٥) في الحرير الخالص ونقل القاضي عياض (٦) عن قوم كما عرفت. وقد ذهبت الإمامية إلى أنه لا يحرم إلا ما كان حريرًا خالصًا لم يخالطه ما يخرجه عن ذلك كما روى ذلك الريمي عنهم. وقال الهادي في الأحكام والمؤيد بالله وأبو طالب: إنه يحرم من المخلوط ما كان الحرير غالبًا فيه أو مساويًا تغليبًا لجانب الحظر ولا دليل على تحليل المشوب إلا حديث ابن عباس هذا وهو غير صالح للاحتجاج من وجهين: (الأول) الضعف في إسناده كما عرفت. (الثاني): أنه أخبر بما بلغه من قصر النهي عن المصمت وغيره أخبر بما هو أعم من ذلك كما تقدم في حلة السيراء من غضبه ﷺ لما رأى عليًا لابسًا لها. والقول

стр. 1324

بأن حلة السيراء هي الحرير الخالص كما قال البعض ممنوع. والسند ما أسلفناه عن أئمة اللغة بل أخرج ابن أبي شيبة (١) وابن ماجه (٢) والدورقي (٣) والبيهقي (٤) حديث علي السابق في السيراء بلفظ قال علي: "أهدي إلى رسول الله ﷺ حلة مسيرة إما سداها حرير وإما لحمتها فأرسل بها إليّ فأتيته فقلت: ما أصنع بها؟ ألبسها؟ قال: لا، إني لا أرضى لك ما أكره لنفسي، شققها خمرًا لفلانه وفلانة، فشققتها أربعة أخمرة" وسيأتي الحديث (٥)، وهذا صريح بأن تلك السيراء مخلوطة لا حرير خالص. ومن ذلك حديث أبي ريحانة (٦) عند أبي داود (٧) والنسائي (٨) وابن ماجه (٩) وفيه النهي عن عشر: منها أن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريرًا مثل الأعاجم [وأنْ يَجعلَ على مِنْكَبِهِ] (١٠) حريرًا مثلَ الأعاجِمِ، وقد عرفْتَ مما سلَفَ الأحاديثَ الواردةَ في تحريمِ الحريرِ بدونِ تقييد فالظاهِرُ منها تحريمُ ماهيةِ الحريرِ سواءٌ وجِدتْ منفِردَةً أو مختلِطَةً بغيرِها، ولا يخرجُ عن التحريم إلا ما استثناهُ الشارعُ من مقدارِ الأربعِ الأصابع من الحريرِ الخالصِ وسواءٌ، وُجِدَ ذلك المقدارُ مجتمِعًا كما في القطعةِ الخالصةِ أَم مفرَّقًا كما في الثوبِ المشوبِ. وحديثُ ابن عباسٍ لا يصلُح لتخصيص تلكَ العموماتِ ولا لتقيدِ تلكَ الإطلاقاتِ لما عَرَفْتَ. ولا مُتمسَّك للجمهورِ القائلينَ بحِلّ المشوبِ إذا كانَ الحريرُ
следующие страницы →