← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 1320–1359 · переход к 1325.

стр. 1320

الدَّشْتَكي الرازي (١) روى عنه هذا الحديث ابنه عبد الرحمن وليس له في الكتب غيره، وقد وثقه ابن حبان (٢)، وقد ساق هذا الحديث أبو داود في سننه (٣) من طريق أحمد بن عبد الرحمن الرازي عن أبيه عبد الرحمن قال: أخبرني أبي عبد الله بن سعد (١) عن أبيه سعد (٤) قال: رأيت رجلًا. الحديث ولعل عبد الله بن خازم كما ذكر النسائي (٥) والبخاري (٦) هو الرجل المبهم في الحديث، وقد صرح بهذا ابن رسلان، فقال: الرجل الراكب: قيل هو عبد لله بن خازم وكنيته أبو صالح. قوله: (عمامة خز) قال ابن الأثير (٧)؛ الخز ثياب تُنْسَج من صُوف وإبريسَم، وهي مُباحة، وقد لبسه الصحابة والتابعون. وقال غيره الخزُّ: اسم دابة ثم أُطلق على الثوب المتخذ من وبرها. وقال المنذري: أصله من وبر الأرنب، ويسمى ذكره الخز. وقيل: إن الخز ضرب من ثياب الإبريسم. وفي النهاية (٨) ما معناه أن الخز الذي كان على عهد النبي ﷺ مخلوط من صوف وحرير. وقال: عياض في المشارق (٩): إن الخز ما خلط من الحرير والوبر، وذكر أنه من وبر الأرنب ثم قال: فسمى ما خالط الحرير من سائر الأوبار خزًا.

стр. 1321

والحديث قد استدل به على جواز لبس الخز، وأنت خبير بأن غاية ما في الحديث أنه أخبر بأن رسول الله ﷺ كساه عمامة الخز وذلك لا يستلزم جواز اللبس. وقد ثبت من حديث عليّ عند البخاري (١) ومسلم (٢) وأبي داود (٣) والنسائي (٤) أنه قال: "كساني رسول الله ﷺ حلة سيراء فخرجت بها فرأيت الغضب في وجهه فأطَّرتها (٥) خمرًا بين نسائي" هذا لفظ الحديث في التيسير (٦) فلم يلزم من قول علي [﵇] (٧) "كَساني" جواز اللبس وهكذا قال عمر: "لما بعث إليه النبي ﷺ حلة سيراء يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت، فقال رسول الله ﷺ : إني لم أكسكها لتلبسها" هذا لفظ أبي داود (٨) وبهذا يتبين لك أنه لا يلزم من قوله كساني جواز اللبس على أنه قد ثبت في تحريم الخز ما هو أصح من هذا الحديث وهو حديث أبي عامر الآتي (٩) وكذلك حديث معاوية (١٠). وقد استدل بهذا الحديث أيضًا على جواز لبس المشوب، وهو لا يدل على ذلك إلا على أحد التفاسير للخز، وقد تقدم ذكر بعضها، وقد اختلف الناس في المشوب، وسيأتي بيان ما هو الحق. قوله: (وقد صح لبسه عن غير واحد من الصحابة) لا يخفاك أنه لا حجة في فعل بعض الصحابة وإن كانوا، عددًا كثيرًا، والحجة إنما هي في إجماعهم عند القائلين بحجية الإجماع (١١) ولو كان لبسهم الخز يدل على أنه حلال لكان الحرير

стр. 1322

الخالص حلالًا، لما تقدم عن أبي داود (١) أنه قال: لبس الحرير عشرون صحابيًا، وقد أخبر الصادق المصدوق أنه سيكون من أمته أقوام يستحلون الخز والحرير وذكر الوعيد الشديد في آخر هذا الحديث من المسخ إلى القردة والخنازير كما سيأتي. ١٣/ ٥٥٦ - (وَعَنْ ابْنِ عباسٍ [رضي الله تعالى عنهما] (٢) قالَ: إنَّمَا نَهى رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ قز قالَ ابْنُ عباسٍ: أمَّا السَّدَى وَالْعَلَمُ فَلا نَرَى بِهِ بَأسًا. رَوَاهُ أحْمدُ (٣) وأبو دَاوُد) (٤) [صحيح]. الحديث في إسناده خُصَيف بن عبد الرحمن، وقد ضعفه غير واحد، قال في التقريب (٥): هو صدوقٌ سيءُ الحِفظ خَلَطَ بأخَرَةَ ورُمِيَ بالإرجاء. [وقد وثقه ابن معين وأبو زرعة وبقية (٦) رجال إسناده ثقات (٧). وأخرجه الحاكم (٨) بإسناد صحيح، والطبراني (٩) بإسناد حسن كما قال الحافظ في الفتح] (١٠).

стр. 1323

قوله: (المُصْمَت) بضم الميم الأولى وفتح الثانية المخففة وهو الذي جميعه حرير لا يخالطه قطن ولا غيره قاله ابن رسلان. قوله: (أما السَّدَي) بفتح السين والدال بوزن الحصى ويقال: ستى بمثناة من فوق بدل الدال لغتان بمعنى واحد، وهو خلاف اللحمة وهو ما مد طولًا في النسج. قوله: (والعَلَمُ) هو وسْمُ الثَّوْب ورَقْمُهُ قاله في القاموس (١) وذلك كالطراز والسجاف. والحديث [يدل] (٢) على حل لبس الثوب المشوب بالحرير، وقد اختلف الناس في ذلك. قال في البحر (٣): مسألة: ويحل المغلوب بالقطن وغيره ويحرم الغالب إجماعًا فيهما اهـ. وكلا الإجماعين ممنوع. أما الأول فقد نقل الحافظ في الفتح (٤) عن العلامة ابن دقيق العيد أنه إنما يجوز من المخلوط ما كان مجموع الحرير فيه أربع أصابع لو كانت منفردة بالنسبة إلى جميع الثوب. وأما الثاني فقد تقدم الخلاف عن ابن علية (٥) في الحرير الخالص ونقل القاضي عياض (٦) عن قوم كما عرفت. وقد ذهبت الإمامية إلى أنه لا يحرم إلا ما كان حريرًا خالصًا لم يخالطه ما يخرجه عن ذلك كما روى ذلك الريمي عنهم. وقال الهادي في الأحكام والمؤيد بالله وأبو طالب: إنه يحرم من المخلوط ما كان الحرير غالبًا فيه أو مساويًا تغليبًا لجانب الحظر ولا دليل على تحليل المشوب إلا حديث ابن عباس هذا وهو غير صالح للاحتجاج من وجهين: (الأول) الضعف في إسناده كما عرفت. (الثاني): أنه أخبر بما بلغه من قصر النهي عن المصمت وغيره أخبر بما هو أعم من ذلك كما تقدم في حلة السيراء من غضبه ﷺ لما رأى عليًا لابسًا لها. والقول

стр. 1324

بأن حلة السيراء هي الحرير الخالص كما قال البعض ممنوع. والسند ما أسلفناه عن أئمة اللغة بل أخرج ابن أبي شيبة (١) وابن ماجه (٢) والدورقي (٣) والبيهقي (٤) حديث علي السابق في السيراء بلفظ قال علي: "أهدي إلى رسول الله ﷺ حلة مسيرة إما سداها حرير وإما لحمتها فأرسل بها إليّ فأتيته فقلت: ما أصنع بها؟ ألبسها؟ قال: لا، إني لا أرضى لك ما أكره لنفسي، شققها خمرًا لفلانه وفلانة، فشققتها أربعة أخمرة" وسيأتي الحديث (٥)، وهذا صريح بأن تلك السيراء مخلوطة لا حرير خالص. ومن ذلك حديث أبي ريحانة (٦) عند أبي داود (٧) والنسائي (٨) وابن ماجه (٩) وفيه النهي عن عشر: منها أن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريرًا مثل الأعاجم [وأنْ يَجعلَ على مِنْكَبِهِ] (١٠) حريرًا مثلَ الأعاجِمِ، وقد عرفْتَ مما سلَفَ الأحاديثَ الواردةَ في تحريمِ الحريرِ بدونِ تقييد فالظاهِرُ منها تحريمُ ماهيةِ الحريرِ سواءٌ وجِدتْ منفِردَةً أو مختلِطَةً بغيرِها، ولا يخرجُ عن التحريم إلا ما استثناهُ الشارعُ من مقدارِ الأربعِ الأصابع من الحريرِ الخالصِ وسواءٌ، وُجِدَ ذلك المقدارُ مجتمِعًا كما في القطعةِ الخالصةِ أَم مفرَّقًا كما في الثوبِ المشوبِ. وحديثُ ابن عباسٍ لا يصلُح لتخصيص تلكَ العموماتِ ولا لتقيدِ تلكَ الإطلاقاتِ لما عَرَفْتَ. ولا مُتمسَّك للجمهورِ القائلينَ بحِلّ المشوبِ إذا كانَ الحريرُ

стр. 1325

مغلوبًا إلَّا قولَ ابن عباسٍ فيما أعلمُ فانظرْ أيُّها المنصِفُ هل يصلُحُ جعلُهُ جِسْرًا تُذَادُ عنهُ الأحاديثُ الورادةُ في تحريمِ مطلقِ الحريرِ ومقيدِهِ، وهل ينبغي التعويلُ عليه في مثلِ هذا الأصلِ العظيمِ معَ ما في إسنادِهِ مِنَ الضعفِ الذي يوجب سقُوطَ الاستدلالِ بهِ على فرضِ تجرُّدِهِ عن المعارِضَاتِ، فرحِمَ اللهُ ابنَ دقيقِ العيدِ فلقد حفظ اللهُ به في هذه المسألةِ أمةَ نبيهِ عن الإِجماع على الخطأِ، [ويمكنُ أن يقالَ: أن خَصِيفًا المذكور في إسنادِ الحديثِ قد وثَّقَهُ مَنْ تقدَّمَ (١)، واعتضَدَ الحديثُ بورودِهِ من جهينِ آخريْنِ أحدُهما صحيحٌ (١)، والآخَرُ حسنٌ (٢) كما سلفَ فانتهضَ الحديثُ للاحتجاجِ بِه (٣)] (٤). فإن قلتَ قد صرَّحَ الحافظُ ابنُ حجرٍ أنَّ عمدَة الجمهورِ في جوازِ لُبْسِ ما خالطَهُ الحرير إذا كان غيرُ الحرير أغلبَ ما وقعَ في تفسير الحلَّةِ السيراءِ قلتُ: ليس في أحاديثِ الحلَّةِ السيراءِ ما يدلُّ على أنها حلالٌ بل جميعُها قاضيةٌ بالمنعِ منها كما في حديثِ عمر (٥) وعلي (٦) وغيرِهما مما سلف، فإن فُسرتْ بالثياب المخلوطةِ بالحرير كما قالَ جمهورُ أهلِ اللغةِ كانت حجَّة على الجمهورِ لا لهم وإن فسرت بأنها الحريرُ الخالِصُ فأيُّ دليلٍ فيها على جوازِ لُبْسِ المخلوطِ؟ وهكذا إن فسِّرت بسائرِ التفاسيرِ المتقدِّمةِ. والحاصلُ أنه لم يأتِ المدَّعُونَ للحلِّ بشيءٍ تركَنُ النفسُ إليه وغايةُ ما جادلوا به أنه قولُ الجمهور، وهذا أمرٌ هَيِّنٌ، والحقُّ لا يُعرفُ بالرجالِ. وأما دعوى الإجماع التي ذكرها صاحب البحر (٧) فما هي بأوَّلِ دعاويْهِ على

стр. 1326

أن الراجِحَ عندَ من أطلقَ نفسَه عن وثَاقِ العصبيةِ الوبيَّةِ عدمُ حُجِّيَّةِ الإجماعِ إن سَلِمَ إمكانُه ووقوعُه ونقلُه والعِلْمُ به، وإنْ كانَ الحقُّ منعَ الكل (١). وأحسنُ ما يُستدلُّ به على الجواز حديثُ عبد اللهِ بن سعدٍ (٢) المتقدِّمُ في لُبْسِ عمامةِ الخزِّ لما في النهايةِ (٣) من أن الخزَّ الذي كان على عهدهِ ﷺ مخلوط من صوف وحرير. وقال في المشارق (٤): إن الخز ما خلط من الحرير والوبر كما تقدم لولا أنه يمنع من صلاحيته للاحتجاج به على المطلوب ما أسفلناه في شرحه على أن النزاع في مسمى الخز بمجرده مانع مستقل. ١٤/ ٥٥٧ - (وَعَنْ عَلَيّ [رضي الله تعالى عنه] (٥) قالَ: أُهدِيَ لِرَسُولِ الله ﷺ حُلَّةٌ مَكْفُوفَةٌ بِحَرِيرٍ إمَّا سَدَاهَا وَإِمَّا لُحْمَتها فأرْسَلَ بِها إليَّ فأتَيْتُه، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ما أَصْنَعُ بِها أَلْبَسُها؟ قالَ: "لَا، وَلكِنِ اجْعَلْها خُمرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ". رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ) (٦). [صحيح] الحديث في إسناده يزيد بن أبي زياد وفيه مقال معروف (٧)، وأما هبيرة بن يريم الراوي له عن علي فقد وثقه ابن حبان (٨)، وقد أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٩) والبيهقي (١٠) والدورقي (١١). قوله: (بين الفواطم) فقد تقدم ذكر أسمائهنّ في شرح حديث علي المتقدم، والحديث يدل على المنع من لبس الثوب المخلوط بالحرير، وقد قدمنا الكلام على ذلك وذكرنا القدر المعفوّ عنه.

стр. 1327

١٥/ ٥٥٨ - (وَعَنْ مُعاوِيَةَ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا ترْكَبُوا الْخَزَّ وَلَا النِّمارَ". رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ) (٢). [صحيح] الحديث [رجال إسناده ثقات، وقد] (٣) أخرجه أيضًا النسائي (٤) وابن ماجه (٥) والكلام على الخز تفسيرًا وحكمًا قد تقدم. وكذلك الكلام على النمار قد ذكرناه في حديث معاوية السابق. ١٦/ ٥٥٩ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ غُنْمٍ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: حَدَّثَني أبُو عامِرٍ أوْ أبُو مالِكٍ الأشْجَعِيُّ أنه سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ يقُولَ: "لَيَكُونَنَّ مِنْ أمّتي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ" وَذَكَرَ كَلامًا قالَ: "يَمْسَخُ مِنْهُمْ آخَرِينَ قِرَدَة وَخَنازِيرَ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٦) والبُخاريُّ تَعْليقًا (٧) وَقالَ فِيهِ: "يَسْتَحِلُّونَ الخَزَّ وَالحَرِير والخمْرَ والْمَعازِفَ"). [صحيح] [الحديث رجال إسناده في سنن أبي داود ثقات وقد وهم المصنف ﵀ فقال أبو مالك الأشجعي وليس كذلك بل هو الأشعري (٨)] (٣).

стр. 1328

قوله: (ليكوننّ من أمتي) استدل بهذا على أن استحلال المحرمات لا يوجب لفاعله الكفر والخروج عن الأمة. قوله: (الخز) بالخاء المعجمة والزاي وهو الذي نص عليه الحميدي وابن الأثير، وذكره أبو موسى (١) في باب الخاء والراء المهملتين وهو الفرج، وكذلك ابن رسلان في شرح السنن ضبطه بالمهملتين، قال: وأصله حِرْحُ، فحذف أحد الحاءين وجمعه أحْرَاحٌ كفرخ وأفراخ، ومنهم من شدَّد الراء وليس بجيد يريد أنه يكثر فيهم الزنا. قال في النهاية (٢): والمشهور الأول وقد تقدم تفسير الخز، وعطف الحرير على الخز يشعر بأنهما متغايران. قوله: (آخرين) وفي رواية "آخرون". قوله: (قِرَدة) بكسر القاف وفتح الراء جمع قرد وفي ذلك دليل على أن المسخ واقع في هذه الأمة (٣). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الملاهي (٤) عن أبي هريرة مرفوعًا

стр. 1329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1330

[بلفظ] (١) "يمسخ قوم من هذه الأمة في آخر الزمان قردة وخنازير" فقالوا: يا رسول الله أليس يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟! قال: "بلى ويصومون ويصلون ويحجون" قالوا: فما بالهم؟ قال: "اتخذوا المعازف والدفوف والقينات فباتوا على شربهم ولهوهم فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير، وليمرّن الرجل على الرجل في حانوته يبيع فيرجع إليه وقد مسخ قردًا أو خنزيرًا". قال أبو هريرة: لا تقوم الساعة حتى يمشي الرجلان في الأمر فيمسخ أحدهما قردًا أو خنزيرًا ولا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضي إلى شأنه حتى يقضي شهوته. قوله: (والمعازف) بعين مهملة فزاي معجمة وهي أصوات الملاهي، قاله ابن رسلان، وفي القاموس (٢) المعَازِفُ: المَلاهي كالعودِ والطُّنْبُورِ انتهى. والكلام الذي أشار إليه المصنف تبعًا لأبي داود بقوله وذكر كلامًا هو ما ذكره البخاري (٣) بلفظ: "ولينزِلنَّ أقوامٌ إلى جنْبِ عَلَمٍ، يروحُ عليهم بسارِحَةٍ لهم يأتيهم - يعني الفقيرَ - لحاجته فيقولون: ارجعْ إلينا غدًا، فيبيتهم اللهُ ويضعُ العَلَمَ عليهم" انتهى. والعَلَم بفتح العين المهملة واللام هو الجبل، ومعنى يضع العلم عليهم أي يدكدكه عليهم فيقع. والحديث يدل على تحريم الأمور المذكورة في الحديث (٤) للتوعد عليها

стр. 1331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1333

بالخسف والمسخ وإنما لم يسند البخاري الحديث بل علقه في كتاب الأشربة من صحيحه لأجل الشك الواقع من المحدث، حيث قال أبو عامر أو أبو مالك، وأبو عامر (١) هو عبد الله بن هانئ الأشعري صحابي نزل الشام وقيل: هو عبيد بن وهب، وأبو مالك (٢) هو الحارث، وقيل: كعب بن عاصم صحابي يعد في الشاميين.

стр. 1334

[الباب السادس] * باب نهي الرجال عن المعصفر وما جاء في الأحمر * ١٧/ ٥٦٠ - (عَنْ عَبدِ الله بْنِ عَمْرٍو [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: رَأَى رَسُولُ الله ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مَعَصْفَريْنَ فقالَ: "إن هَذِهِ منْ ثِيَابِ الْكُفارِ فَلا تَلْبَسْها". رَواهُ أحْمَدُ (٢) ومسْلِمٌ (٣) والنسائيُّ) (٤). [صحيح] قوله: (معصفرين) المعصفر هو المصبوغ بالعصفر كما في كتب اللغة (٥) وشروح الحديث (٦). وقد استدل بهذا الحديث من قال بتحريم لبس الثوب المصبوغ بعصفر وهم العترة (٧)، واستدلوا أيضًا على ذلك بحديث ابن عمرو (٨) وحديث علي (٩) المذكورين بعد هذا وغيرهما وسيأتي بعض ذلك. وذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك إلى الإباحة، كذا قال ابن رسلان في شرح السنن قال: وقال جماعة من العلماء بالكراهة للتنزيه (١٠)، وحملوا النهي على هذا لما في

стр. 1335

الصحيحين (١) من حديث ابن عمر، قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بالصفرة" زاد في رواية أبي داود (٢) والنسائي (٣)، "وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها" وقال الخطابي (٤): النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب، وكأنه نظر إلى ما في الصحيحين من ذكر مطلق الصبغ بالصفرة، فقصره على صبغ اللحية دون الثياب، وجعل النهي متوجهًا إلى الثياب، ولم يلتفت إلى تلك الزيادة المصرحة بأنه كان يصبغ ثيابه بالصفرة، ويمكن الجمع بأن الصفرة التي كان يصبغ بها رسول الله ﷺ غير صفرة العصفر المنهي عنه. ويؤيد ذلك ما سيأتي في باب لبس الأبيض والأسود (٥) من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ "كان يَصبُغ بالزعفران" وقد أجاب من لم يقل بالتحريم عن حديث ابن عمرو المذكور في الباب (٦) وحديثه الذي بعده (٧) بأنه لا يلزم من نهيه له نهي سائر الأمة. وكذلك أجاب عن حديث علي الآتي (٨) بأن ظاهر قوله: "نهاني" أن ذلك مختص به، ولهذا ثبت في رواية عنه أنه قال: ولا أقول نهاكم، وهذا الجواب ينبني على الخلاف المشهور بين أهل الأصول في حكمه ﷺ على الواحد من الأمة هل يكون حكمًا على بقيتهم أو لا، والحق الأول (٩)، فيكون نهيه لعلي وعبد الله نهيًا

стр. 1336

لجميع الأمة، ولا يعارضه صبغه بالصفرة على تسليم أنها من العصفر لما تقرر في الأصول من أن فعله الخالي عن دليل التأسي الخاص لا يعارض قوله الخاص بأمته. فالراجح تحريم الثياب المعصفرة، والعصفر وإن كان يصبغ صبغًا أحمر كما قال ابن القيم فلا معارضة بينه وبين ما ثبت في الصحيحين (١) من أنه " ﷺ كان يلبس حلة حمراء" كما يأتي، لأن النهي في هذه الأحاديث يتوجه إلى نوع خاص من الحمرة، وهي الحمرة الحاصلة عن صباغ العصفر، وسيأتي ما حكاه الترمذي (٢) عن أهل الحديث بمعنى هذا. وقد قال البيهقي (٣) رادًا لقول الشافعي: إنه لم يحك أحد عن النبي ﷺ النهي عن الصفرة إلا ما قال علي: "نهاني ولا أقول نهاكم" إن الأحاديث تدل على أن النهي على العموم، ثم ذكر أحاديث ثم قال بعد ذلك: ولو بلغت هذه الأحاديث الشافعي ﵀ لقال بها، ثم ذكر (٤) بإسناده ما صح عن الشافعي أنه قال: إذا صح الحديث خلاف قولي فاعملوا بالحديث (٥).

стр. 1337

١٨/ ٥٦١ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْب عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ [رضي الله تعالى عنهم] (١) قالَ: أقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ مِنْ ثَنِيَّة، فالْتَفَتَ إليَّ وعَلَيَّ ريطَةٌ مُضَرَّجَةٌ بِالْعُصْفر، فَقالَ: "ما هَذِهِ؟ " فَعَرَفْتُ ما كَرِهَ فأتَيْتُ أهْلي وَهُمْ يَسْجُرُونَ تَنُّورَهُمْ فقَذفْتها فيهِ، ثمَّ أَتَيْتُهُ مِنْ الْغَدِ، فقالَ: "يا عبْد الله ما فَعَلتِ الرَّيْطَةُ؟ " فأخْبَرْتُهُ، فقالَ: "ألَا كسَوْتَها بَعْضَ أهِلكَ؟ "، رَواهُ أحْمدُ (٢) وكَذلِكَ أبُو داوُد (٣) وابْنُ ماجَةْ (٤) وَزاد: "فَإنَّهُ لَا بأْسَ بذلِكَ للنِّساءِ". [حسن] الحديث في إسناده عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفيه مقال مشهور، [ومن دونه ثقات] (٥).

стр. 1338

قوله: (من ثَنِيَّةِ) هي الطريقة في الجبل (١)، وفي لفظ ابن ماجه: من ثنية أذاخر، وأذاخر بفتح الهمزة والذال المعجمة المخففة وبعدها ألف ثم خاء معجمة على وزن أفاعل ثنية بين مكة والمدينة. قوله: (ريطَةٌ) بفتح الراء المهملة وسكون المثناة تحت ثم طاء مهملة ويقال رائطة. قال المنذري (٢): جاءت الرواية بهما وهي كل ملاءة منسوجة بنسج واحد، وقيل: كل ثوب رقيق لين، والجمع ريط ورياط (٣). قوله: (مُضَرَّجة) بفتح الراء المشددة أَي ملطخة. قوله: (يسجرون) أي يوقدون. قوله: (بعض أهلك) يعني زوجته أو بعض نساء محارمه وأقاربه. وفيه دليل على جواز لبس المعصفر للنساء، وفيه الإنكار على إحراق الثوب المنتفع به لبعض الناس دون بعض لأنه من إضاعة المال المنهي عنها ولكنه يعارض هذا ما أخرجه مسلم (٤) من حديث عبد الله بن عمرو أيضًا قال: "رأى على النبي ﷺ ثوبين معصفرين، فقال: [أمك] (٥) أمرتك بهذا؟ قال: قلت: أغسلهما يا رسول الله، قال: بل أحرقهما" وقد جمع بعضهم بين الروايتين بأنه ﷺ أمر أولًا بإحراقهما ندبًا، ثم لما أحرقهما قال له النبي ﷺ : "لو كسوتهما بعض أهلك؟ " إعلامًا له بأن هذا كان كافيًا لو فعله، وأن الأمر للندب، ولا يخفى ما في هذا من التكلف الذي عنه مندوحة، لأن القضية لم تكن واحدة حتى يجمع بين الروايتين بمثل هذا، بل هما قضيتان مختلفتان وغايته أنه ﷺ في إحدى القضيتين غلظ عليه وعاقبه فأمره بإحراقهما، ولعل هذه المرة التي أمره فيها بالإحراق كانت بعد تلك المرة التي أخبره فيها بأن ذلك غير واجب، وهذا وإن كان بعيدًا من جهة أن صاحب القصة يبعد أن يقع منه اللبس للمعصفر مرة أخرى بعد أن سمع فيه ما سمع المرة الأولى، ولكنه دون البعد الذي في الجمع الأول

стр. 1339

لأن احتمال النسيان كائن، وكذا احتمال عروض شبهة توجب الظن بعدم التحريم، ولا سيما وقد وقعت منه ﷺ المعاتبة على الإحراق. قال القاضي عياض (١): أمره ﷺ بإحراقهما من باب التغليظ والعقوبة انتهى. وفيه حجة على جواز المعاقبة بالمال (٢).

стр. 1340

والحديث يدل على المنع من لبس الثياب المصبوغة بالعصفر، وقد تقدم الكلام في ذلك. ١٩/ ٥٦٢ - (وعَنْ عليّ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: نَهانِي رَسُولُ الله ﷺ عَنِ التخَتُّم بالذَّهَبِ وَعَنْ لِبَاسِ الْقَسِّيِّ، وَعَنِ الْقِرَاءَةِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وَعَنْ لبَاسِ الْمُعَصْفَرِ. رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخاريَّ وابْنَ ماجَهْ) (٢). [صحيح] قوله: (نهاني) هذا لفظ مسلم (٣) وفي لفظ لأبي داود (٤) وغيره "نهى" وقد تقدم جواب من أجاب عن الحديث باختصاصه بعلي ﵇ وتعقبه. قوله: (القسي) قد تقدم ضبطه وتفسيره في شرح حديث علي (٥) في باب إن افتراش الحرير كلبسه.

стр. 1341

قوله: (وعن القراءة في الركوع والسجود) فيه دليل على تحريم القراءة في هذين المحلين لأن وظيفتهما إنما هي التسبيح والدعاء لما في صحيح مسلم (١) وغيره (٢) عنه ﷺ "نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء". قوله: (وعن لبس المعصفر) فيه دليل على تحريم لبسه وقد تقدم البحث عن ذلك. ٢٠/ ٥٦٣ - (وَعَنْ الْبَرَاءِ بْن عازِبٍ [رضي الله تعالى عنه] (٣) قالَ: كانَ رَسُول الله ﷺ مَرْبُوعا بُعَيْدَ ما بَيْنَ الْمِنْكَبَيْنِ لهُ شَعرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ رَأَيْتهُ في حُلَّةٍ حَمْراءَ لمْ أرَ شيئًا قَطُّ أحْسَنَ مِنهُ. مُتَّفَقٌ عَليهِ) (٤). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا الترمذي (٥) والنسائي (٦) وأبو داود (٧). وفي الباب عن أبي جحيفة عند البخاري (٨) وغيره (٩) أنه رأى النبي ﷺ خرج في حلة حمراء مشمرًا صلى إلى العَنَزة بالناس ركعتين. وعن عامر المزني عند أبي داود (١٠) بإسناد فيه اختلاف قال: "رأيت رسول الله ﷺ بمنى وهو يخطب على بغلة وعليه برد أحمر وعلي ﵇ أمامه يُعَبِّرُ عنه" قال في البدر المنير: وإسناده حسن. وأخرج البيهقي (١١) عن جابر "أنه كان له ﷺ ثوب أحمر يلبسه في العيدين والجمعة".

стр. 1342

وروى ابن خزيمة في صحيحه (١) نحوه بدون ذكر الأحمر. والحديث احتج به من قال بجواز لبس الأحمر وهم الشافعية والمالكية وغيرهم (٢). وذهبت العترة والحنفية إلى كراهة ذلك (٣)، واحتجوا بحديث عبد الله بن عمرو الذي سيأتي بعد هذا (٤)، وسيأتي في شرحه إن شاء الله ما يتبين به عدم انتهاضه للاحتجاج. واحتجوا أيضًا بالأحاديث الواردة في تحريم المصبوغ بالعصفر، قالوا: لأن العصفر يصبغ صباغًا أحمر، وهي أخص من الدعوى، وقد عرفناك أن الحق أن ذلك النوع من الأحمر لا يحل لبسه. (ومن أدلتهم) حديث رافع بن خديج عند أبي داود (٥)، قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فرأى على رواحلنا وعلى إبلنا أكسية فيها خيوط عهن أحمر، فقال: ألا أرى هذه الحمرة قد علتكم، فقمنا سراعًا لقول رسول الله ﷺ فأخذنا الأكسية فنزعناها عنها" وهذا الحديث لا تقوم به حجة لأن في إسناده رجلًا مجهولًا (٦). ومن أدلتهم حديث "إن امرأة من بني أسد قالت: كنت يومًا عند زينب امرأة رسول الله ﷺ ونحن نصبغ ثيابها بمغرة" والمغرة: صباغ أحمر "قالت: فبينا نحن كذلك إذ طلع علينا رسول الله ﷺ فلما رأى المغرة رجع، فلما رأت ذلك زينب علمت أنه ﷺ قد كره ما فعلَتْ وأخذت فغسلت ثيابها [ووارت] (٧) كل حمرة، ثم إن رسول الله ﷺ سَرجع فاطلع، فلما لم ير شيئًا دخل" الحديث أخرجه أبو داود (٨) وفي إسناده إسماعيل بن عياش (٩) وابنه (١٠) وفيهما مقال مشهور.

стр. 1343

وهذه الأدلة غاية ما فيها لو سلمت صحتها وعدم وجدان معارض لها الكراهة لا التحريم، فكيف وهي غير صالحة للاحتجاج بها لما في أسانيدها من المقال الذي ذكرنا، ومعارضة بتلك الأحاديث الصحيحة. نعم من أقوى حججهم ما في صحيح البخاري (١) من النهي عن المياثر [الحمر] (٢)، وكذلك ما في سنن أبي داود (٣) والنسائي (٤) وبان ماجه (٥) والترمذي (٦) من حديث علي قال: "نهاني رسول الله ﷺ عن لبس القسي والميثرة الحمراء"، ولكنه لا يخفى عليك أن هذا الدليل أخص من الدعوى، وغاية ما في ذلك تحريم الميثرة الحمراء، فما الدليل على تحريم ما عداها، مع ثبوت لبس النبي ﷺ له مرات. ومن أصرح أدلتهم حديث رافع بن برد أو رافع ابن خديج كما قال ابن قانع (٧) مرفوعًا بلفظ: "إن الشيطان يحب الحمرة فإياكم والحمرة وكل ثوب ذي شهرة" أخرجه الحاكم في الكنى (٨)، وأبو نعيم في المعرفة (٩)، وابن قانع (١٠)، وابن السكن (١١)

стр. 1344

وابن منده وابن عدي (١) ويشهد له ما أخرجه الطبراني (٢) عن عمران بن حصين مرفوعًا بلفظ: "إياكم والحمرة فإنها أحب الزينة إلى الشيطان". وأَخرج نحوه عبد الرزاق (٣) من حديث الحسن مرسلًا، وهذا إن صح كان أنص أدلتهم على المنع، ولكنك قد عرفت لبسه ﷺ للحلة الحمراء في غير مرة، ويبعد منه ﷺ أن يلبس ما حذرنا من لبسه معللًا ذلك بأن الشيطان يحب الحمرة، ولا يصح أن يقال ههنا فعله لا يعارض القول الخاص بنا، كما صرح بذلك أئمة الأصول (٤)، لأن تلك العلة مشعرة بعدم اختصاص الخطاب بنا، إذ تجنب ما يلابسه الشيطان هو ﷺ أحق الناس به. فإن قلت: فما الراجح إن صح ذلك الحديث؟ قلت: قد تقرر في الأصول أن النبي ﷺ إذا فعل فعلًا لم يصاحبه دليل خاص يدل على التأسي به فيه كان مخصصًا له عن عموم القول

стр. 1345

الشامل له بطريق الظهور (١)، فيكون على هذا لبس الأحمر مختصًا به، ولكن ذلك الحديث غير صالح للاحتجاج به كما صرح بذلك الحافظ (٢) وجزم بضعفه لأنه من رواية أبي بكر البدلي وقد بالغ الجوزقاني (٣) فقال: باطل، فالواجب البقاء على البراءة الأصلية المعتضدة بأفعاله الثابتة في الصحيح لا سيما مع ثبوت لبسه [ ﷺ ] (٤) لذلك بعد حجة الوداع ولم يلبث بعدها إلا أيامًا يسيرة. وقد زعم ابن القيم (٥) أن الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، وغلط من قال إنها كانت حمراء بحتًا، قال: وهي معروفة بهذا الاسم، ولا يخفاك أن الصحابي قد وصفها بأنها حمراء وهو من أهل اللسان، والواجب الحمل على المعنى الحقيقي وهو الحمراء البحت، والمصير إلى المجاز أعني كون بعضها أحمر دون بعض لا يحمل ذلك الوصف عليه إلا لموجب، فإن أراد أن ذلك معنى الحلة الحمراء لغة فليس في كتب اللغة ما يشهد لذلك وإن أراد أن ذلك حقيقة شرعية فيها فالحقائق الشرعية لا تثبت بمجرد الدعوى، والواجب حمل مقالة ذلك الصحابي على لغة العرب، لأنها لسانه ولسان قومه، فإن قال: إنما فسرها بذلك التفسير للجمع بين الأدلة فمع كون كلامه آبيًا عن ذلك لتصريحه بتغليط من قال: إنها الحمراء البحت، لا ملجئ إليه لإمكان الجمع بدونه كما ذكرنا مع أن حمله الحلة الحمراء على ما ذكر ينافي ما احتج به في أثناء كلامه من إنكاره ﷺ على القوم الذين رأى على رواحلهم أكسية فيها خطوط حمر وفيه دليل على كراهية ما فيه الخطوط وتلك الحلة كذلك بتأويله. قوله: (في الحديث يبلغ شحمة أذنيه) هي اللين من الأذن في أسفلها وهو معلق القرط منها، وقد اختلفت الروايات الصحيحة في شعره فههنا "إلى شحمة أذنيه" وفي رواية "كان يبلغ شعره منكبيه" وفي رواية "إلى أنصاف أذنيه وعاتقه". قال القاضي (٦): الجمع بين هذه الروايات أن ما يلي الأذن هو الذي يبلغ شحمة أذنيه وهو الذي بين

стр. 1346

أذنه وعاتقه، وما خلفه هو الذي يضرب منكبيه. وقيل: كان ذلك لاختلاف الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب، وإذا قصرها كانت إلى أنصاف أذنيه، وكان يقصر ويطول بحسب ذلك. وقد تقدم نحو هذا في باب اتخاذ الشعر (١). وفي فتح الباري (٢) أن في لبس الثوب الأحمر سبعة مذاهب. (الأول): الجواز مطلقًا، جاء عن عليّ، وطلحة، وعبد الله بن جعفر، والبراء وغير واحد من الصحابة؛ وعن سعيد بن المسيب، والنخعي، والشعبي، وأبي قلابة، وطائفة من التابعين. (الثاني): المنع مطلقًا، ولم ينسبه الحافظ إلى قائل معين، إنما ذكر أخبارًا وآثارًا يعرف بها من قال بذلك. (الثالث): يكره لبس الثوب المشبع بالحمرة دون ما كان صبغه خفيفًا، جاء ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد. (الرابع): يكره لبس الأحمر مطلقًا لقصد الزينة والشهرة، ويجوز في البيوت والمهنة، جاء ذلك عن ابن عباس. (الخامس): يجوز لبس ما كان صبغ غزله ثم نسج، ويمنع ما صبغ بعد النسج جنح إلى ذلك الخطابي. (السادس): اختصاص النهي بما يصبغ بالعصفر ولم ينسبه إلى أحد. (السابع): تخصيص المنع بالثوب الذي يصبغ كله، وأما ما فيه لون آخر غير أحمر فلا. حكى عن ابن القيم (٣) أنه قال بذلك بعض العلماء، ثم قال الحافظ (٤): والتحقيق في هذا المقام أن النهي عن لبس الأحمر إن كان من أجل أنه لبس الكفار فالقول فيه كالقول في الميثرة الحمراء، وإن كان من أجل أنه زي النساء فهو راجع إلى الزجر عن التشبه بالنساء فيكون النهي عنه لا لذاته، وإن كان من أجل الشهرة أو خرم المروءة فيمنع، حيث يقع ذلك، وإلا فلا فيقوى ما

стр. 1347

ذهب إليه مالك من التفرقة بين لبسه في المحافل وفي البيوت. ٢١/ ٥٦٤ - (وَعَنْ عَبدِ الله بْنِ عَمْرو [رضي الله تعالى عنهما] (١) قال: مَرَّ على النَّبيِّ ﷺ رَجُلٌ عليهِ ثَوْبانِ أحمَرَان فسَلَّمَ فلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَليهِ. رَواه أبو داود (٢) والترمذي (٣). [ضعيف] وقال (٤): مَعْناهُ عِنْدَ أهل الحَدِيثِ أنهُ كَره الْمُعَصْفَر. وقالَ (٤): وَرَأَوْا أن ما صُبغ بالْحُمْرَةِ مِنْ مَدَرٍ (٥) أوْ غَيْرِهِ فلا بَأس بِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُعَصْفَرًا). الحديث (٦) قال الترمذي (٤): إنه حسن غريب من هذا الوجه اهـ. وفي إسناده أبو يحيى القتات (٧)، وقد اختلف في اسمه فقيل: عبد الرحمن بن دينار، وقيل: زاذان، وقيل: عمران، وقيل مسلم، وقيل: زياد، وقيل: يزيد. قال المنذري (٨): وهو كوفي لا يحتج بحديثه. وقال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يُروى بهذا اللفظ إلا عن عبد الله بن عمرو، ولا نعلم له طريقًا إلا هذا الطريق [ولا نعلم رواه إسرائيل إلا عن إسحاق بن منصور] (٩). قال الحافظ في الفتح (١٠): هو حديث ضعيف الإسناد وإن وقع في نسخ الترمذي أنه حسن.

стр. 1348

والحديث احتج به القائلون بكراهية لبس الأحمر وقد تقدم ذكرهم. وأجاب المبيحون عنه بأنه لا ينتهض للاستدلال به في مقابلة الأحاديث القاضية بالإباحة لما فيه من المقال وبأنه واقعة عين فيحتمل أن يكون ترك الرد عليه بسبب آخر وحمله البيهقي على ما صبغ بعد النسج لا ما صبغ غزلًا ثم نسج فلا كراهة فيه. قال ابن التين (١): زعم بعضهم أن لبس النبي ﷺ الحلة كان لأجل الغزو، وفيه نظر لأنه كان عقيب حجة الوداع ولم يكن له إذ ذاك غزو، وقد قدمنا الكلام على حجج الفريقين مستوفى. قوله: (فلم يرد النبي ﷺ عليه) فيه جواز ترك الرد على من سلم وهو مرتكب لمنهي عنه ردعًا له وزجرًا عن معصيته. قال ابن رسلان: ويستحب أن يقول المسلم عليه أنا لم أرد عليك لأنك مرتكب لمنهي عنه. وكذلك يستحب ترك السلام على أهل البدع (٢) والمعاصي الظاهرة تحقيرًا لهم وزجرًا، ولذلك قال كعب بن مالك: فسلمت عليه فوالله ما رد السلام عليَّ (٣). والجمع الذي ذكره الترمذي ونسبه إلى أهل الحديث جمع حسن لانتهاض الأحاديث القاضية بالمنع من لبس ما صبغ بالعصفر.

стр. 1349

[الباب السابع] * باب ما جاء في لبس الأبيض والأسود والأخضر والمزعفر والملوّنات * ٢٢/ ٥٦٥ - (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَب [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الْبسُوا ثِيَابَ الْبَياضِ فإِتَها أطْهَرُ وَأَطْيَبُ وكَفِّنُوا فِيها مَوْتَاكُمْ". رَواهُ أحمَدُ (٢) والنسائيُّ (٣) والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحهُ) (٤) [صحيح]. الحديث أخرجه أيضًا ابن ماجه (٥) والحاكم (٦)، واختلف في وصله وإرساله، قال الحافظ في الفتح (٧): وإسناده صحيح، وصححه الحاكم. وفي الباب عن ابن عباس عند الشافعي (٨) وأحمد (٩) وأصحاب السنن إلا النسائي (١٠) بلفظ: "البَسُوا من ثيابكم البياضَ، فإنها من خيرِ ثيابِكُم وكفنوا فيها موتاكم" وأخرجه ابن حبان (١١) والحاكم (١٢) والبيهقي (١٣) بمعناه. وفي لفظ للحاكم (١٢):

стр. 1350

"خير ثيابكم اليباض فالبسوها أحياءكم وكفنوا بها موتاكم" وصحح حديث ابن عباس بن القطان (١) والترمذي (٢) وابن حبان (٣). وفي الباب أيضًا عن عمران بن الحصين عند الطبراني (٤). وعن أنس عند أبي حاتم في العلل (٥)، وعند البزار في مسنده (٦). وعن ابن عمر عند ابن عدي في الكامل (٧). وعن أبي الدرداء يرفعه عند ابن ماجه (٨) بلفظ: "أحسن ما زرتم الله به في قبوركم ومساجدكم البياض". والحديث يدل على مشروعية لبس البياض وتكفين الموتى به لعلة كونه أطهر من غيره وأطيب، أما كونه أطيب فظاهر، وأما كونه أطهر فلأن أدنى شيء يقع عليه يظهر فيغسل إذا كان من جنس النجاسة فيكون نقيًا كما ثبت عنه ﷺ في دعائه: "ونقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس" (٩) والأمر المذكور في الحديث ليس للوجوب.

стр. 1351

أما في اللباس فلما ثبت عنه ﷺ من لبس غيره وإلباس جماعة من الصحابة ثيابًا غير بيض، وتقريره لجماعة منهم على غير لبس البياض. وأما في الكفن فلما ثبت عند أبي داود (١). قال الحافظ بإسناد حسن من حديث جابر مرفوعًا: "إذا توفي أحدكم فوجد شيئًا فليكفن في ثوب حبرة". ٢٣/ ٥٦٦ - (وَعَنْ أنَس [رضي الله تعالى عنه] (٢) قالَ: كانَ أَحَبّ الثيابِ إلى رَسُول الله ﷺ أنْ يَلْبَسَها الْحِبَرَةُ رَواهُ الجَماعَةُ إلّا ابْن ماجَهْ) (٣). [صحيح] قوله: (الحِبَرة) بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة بعدها. قال الجوهري (٤): الحبرة كعنبة: برد يمان يكون من كتان أو قطن، سميت حبرة لأنها محبرة أي مزينة والتحبير: التزيين والتحسين والتخطيط، ومنه حديث أبي ذر: "الحمد لله الذي أطعمنا الخمير، وألبسنا الحبير" (٥) وإنما كانت الحبرة أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ لأنه ليس فيها كثير زينة ولأنها أكثر احتمالًا للوسخ من غيرها. ٢٤/ ٥٦٧ - (وَعَنْ أبِي رِمْثَةَ [رضي الله تعالى عنه] (٢) قال: "رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ وَعَليهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ". رَوَاهُ الخمسةُ إلا ابْن ماجَهْ) (٦).

стр. 1352

الحديث حسنه الترمذي (١). وقال (١): "لا نعرِفُه إلا من حديث عبيدِ اللهِ بن إيَادٍ". انتهى. وعبيد الله (٢) وأبوه (٣) ثقتان، وأبو رِمثة بكسر الراء وسكون الميم بعدها ثاءٍ مثلثة مفتوحة واسمه رفاعة بن يثربي كذا قال صاحب التقريب (٤)، وقال الترمذي (١): اسمه حبيب بن وهب. ويدل على استحباب لبس الأخضر لأنه لباس أهل الجنة وهو أيضًا من أنفع الألوان للأبصار ومن أجملها في أعين الناظرين. ٢٥/ ٥٦٨ - (وعَنْ عائِشةَ ﵂ قالَتْ: خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ وَعليهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعرٍ أسْوَدَ. رَواهُ أحمدُ (٥) ومُسْلِمٌ (٦) والتِّرْمِذيُّ وَصَحَّحهُ) (٧). [صحيح] قوله: (مِرْط) بكسر الميم وسكون الراء المهملة كساء من صوف أو خز، والجمع مروط كذا في القاموس (٨). وقيل: كساء من خز أو كتان. قوله: (مُرَحَّلٌ) بميم مضمومة وراء مهملة مفتوحة وحاء مهملة مشددة ولام كمعظم وهو برد فيه تصاوير. قال في القاموس (٩): وتفسير الجوهري إياه بإزار خز فيه علم غير جيد، إنما ذلك تفسير المرجل بالجيم انتهى. وتلك التصاوير هي صور الرحال، والرحال تطلق على المنازل وعلى الرواحل وعلى ما يوضع على الرواحل يستوي عليه الراكب، والترحيل مصدر رحل البرد أي وشاه،

стр. 1353

[قال النووي (١):] (٢) والمراد تصاوير رحال الإبل ولا بأس بهذه الصورة انتهى. وسيأتي الكلام على حكم ما فيه صورة في الباب الذي بعد هذا (٣). والحديث يدل على أنه لا كراهة في لبس السواد. وقد أخرج أبو داود (٤) والنسائي (٥) من حديث عائشة قالت: "صُبِغَتْ للنبيِّ ﷺ بردة سوداء فلبسها فلما عرقَ فيها وجدَ ريحَ الصُّوف فقذفها [وقال أحسبه] (٢) قال: وكان يعجبه الريح الطيبة". ٢٦/ ٥٦٩ - (وَعَنْ أُمِّ خالِدٍ [رضي الله تعالى عنها] (٦) قالَتْ: "أُتيَ النَّبيُّ ﷺ بِثيابٍ فِيها خَميصَة سَوْداءُ، فقالَ: "مَنْ تَرَوْنَ نَكسُو هَذِهِ الخَمِيصَةَ؟ " فأُسْكِتَ الْقَوْم، فقالَ: "ائْتُونِي بِأُمّ خالِدٍ" فأُتِيَ بِي إلى النَّبيِّ ﷺ فألْبَسَنيها بِيَدِهِ، وَقالَ: "أَبْلِي وَأَخْلقِي" مَرَّتَيْن، وَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَى عَلَمِ الخَمِيصَةِ، ويُشيرُ بَيَدِهِ إلَيَّ، وَيقُولُ: "يا أُمِّ خالدِ هَذَا سَنَّا يا أم خالد هذا سَنَّا" والسَّنَّا بِلِسانِ الْحَبَشَةِ: الْحَسَنُ". رَواهُ البُخاريُّ) (٧). [صحيح] قوله: (خَمِيصة) بفتح المعجمة وكسر الميم وبالصاد المهملة كساء مربع له علمان، [فإن لم يكن له علم فليس بخميصة] (٢). قوله: (نكسو هذه) بالنون للمتكلم. قوله: (فأُسكت القوم) بضم الهمزة على البناء للمجهول. قوله: (أَبلي وأخلِقي) هذا من باب التفاؤل والدعاء للّابس بأن يعمر ويلبس ذلك الثوب حتى يبلى ويصير خلقًا. وفيه أنه يستحب أن يقال لمن لبس ثوبًا جديدًا كذلك.

стр. 1354

وأخرج ابن ماجه (١) عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ رأى على عمر قميصًا أبيض فقال: البس جديدًا وعش حميدًا ومت شهيدًا". وأخرج أبو داود (٢).

стр. 1355

وسعيد بن منصور (١) من حديث أبي نضرة قال: "كان أصحاب النبي ﷺ إذا لبس أحدهم ثوبًا جديدًا قيل له تبلي ويخلف الله تعالى" وسنده صحيح. قوله: (هذا سَنّا) بفتح السين المهملة وتشديد النون وفيه جواز التكلم باللغة العجمية ومعناه حسن. والحديث يدل على أنه يجوز للنساء لباس الثياب [السود] (٢) ولا أعلم في ذلك خلافًا. ٢٧/ ٥٧٠ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنهما] (٣) أنهُ كانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ وَيَدَّهِنُ بِالزعْفَرَانِ، فقِيلَ لهُ لِمَ تَصْبُغُ ثِيابَكَ وَتَدَّهِنُ بِالزَّعْفَرَانِ؟ فَقالَ: إني رَأَيْتُهُ أحَبَّ الأصْباغِ إلى رَسُولِ الله ﷺ يَدَّهِنُ بِهِ وَيَصْبغُ بِهِ ثِيابَهُ رَواهُ أحمدُ (٤) وَكذلِكَ أبُو داودَ (٥) والنسائيُّ (٦) بِنَحْوهِ وفي لَفْظِهِما: وَلَقَدْ كانَ يَصْبُغُ ثِيابَهُ كُلَّها حَتى عِمَامَتَهُ). [صحيح] الحديث في إسناده اختلاف كما قال المنذري (٧)، ولم يذكر أبو داود والنسائي الزعفران، وأخرج البخاري (٨) ومسلم (٩) من حديث عبيد بن جريج عن ابن عمر أنه قال: "وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها [فإني] (١٠) أحب أن أصبغ بها" قال المنذري (١١): واختلف الناس في ذلك فقال بعضهم: أراد الخضاب للّحية بالصفرة. وقال آخرون: أراد يصفر ثيابه ويلبس ثيابًا صفرًا انتهى. ويؤيد القول الثاني تلك الزيادة التي أخرجها أبو داود (٥) والنسائي (٦). قوله: (حتى عمامته) بالنصب.

стр. 1356

والحديث يدل على مشروعية صبغ الثياب بالصفرة، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب نهي الرجال عن المعصفر (١). وفيه أيضًا مشروعية الادهان بالزعفران. ومشروعية صباغ اللحية بالصفرة لقوله ﷺ في رواية النسائي (٢) وغيره (٣): "إنَّ اليهودَ والنصارى لا تصبغ فخالفوهم واصبغوا". قال ابن الجوزي: قد اختضب جماعة من الصحابة والتابعين بالصفرة. ورأى أحمد بن حنبل رجلًا قد خضب لحيته فقال: إنِّي لأرى الرجل يحيى ميتًا من السنة وقد تقدم الكلام على الخضاب في باب تغيير الشيب بالحناء والكتم (٤). [الباب الثامن] باب حكم ما فيه صورة من الثياب والبسط والستور والنهي عن التصوير ٢٨/ ٥٧١ - (عَنْ عائِشَةَ [رضي الله تعالى عنها] (٥): "أن النبيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ في بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إلَّا نقَضَهُ". رَوَاهُ البُخاريُّ (٦) وأبُو دَاوُد (٧) وأحمدُ (٨) وَلَفْظُهُ "لَمْ يَكُنْ يَدَعُ في بَيْتِهِ ثَوْبًا فِيهِ تَصْليبٌ إلَّا نَقَضهُ). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا النسائي (٩). قوله: (لم يكن يترك في بيته شيئًا) يشمل الملبوس والستور والبسط والآلات وغير ذلك. قوله: (فيه تصاليب) أي صورة صليب من نقش ثوب أو غيره والصليب فيه صورة عيسى ﵇ تعبده النصارى.

стр. 1357

قوله: (نَقَضَه) بفتح النون والقاف والضاد المعجمة: أي كسره وأبطله وغير صورة الصليب. وفي رواية أبي داود (١) "قَضَبَهُ" بالقاف المفتوحة والضاد المعجمة والباء الموحدة: أي قطع موضع [التصليب] (٢) منه دون غيره، والقضب: القطع كذا قال ابن رسلان. والحديث يدل على عدم جواز اتخاذ الثياب والستور والبسط وغيرها التي فيها تصاوير، وعلى جواز تغيير المنكر باليد من غير استئذان مالكه، زوجة [كانت] (٣) أو غيرها، لما ثبت عنه ﷺ يوم فتح مكة "أنه كان يهوي بالقضيب الذي في يده إلى كل صنم فيخر لوجهه ويقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ (٤) حتى مر على ثلثمائة وستين صنمًا" (٥). وأخرج البخاري (٦) من حديث ابن عباس قال: "لما رأى النبي ﷺ الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت ورأى صورة إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام فقال: قاتَلَهمُ اللهُ، واللهِ إنِ اسْتَقْسَما بالأزلامِ قَطُّ". قال النووي (٧): "قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بالوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره فصنعته حرام بكل حال، لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم ودينار وفلس وإناء وحائط وغيرها. وأما تصوير صورة الشجر وجبال الأرض وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام هذا حكم نقش التصوير. وأما اتخاذ ما فيه صورة حيوان فإن كان معلقًا على حائط أو ثوبًا أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهنا فهو حرام إون كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما

стр. 1358

يمتهن فليس بحرام ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت وسيأتي. قال: ولا فرق في ذلك كله بين ما له ظل وما لا ظل له قال هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم. وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل فإن الستر الذي أنكر النبي ﷺ الصور فيه لا يشك أحد أنه مذموم وليس لصورته ظل مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة. وقال الزهري: النهي في الصورة على العموم وكذلك استعمال ما هي فيه ودخول البيت الذي هي فيه سواء كانت رقمًا في ثوب أو غير رقم وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن عملًا بظاهر الأحاديث لا سيما حديث النمرقة الذي ذكره مسلم (١) وهذا مذهب قوي. وقال آخرون: يجوز منها ما كان رقمًا في ثوب سواء امتهن أم لا، وسواء علق في حائط أم لا، قال: وهو مذهب القاسم بن محمد وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره. قال القاضي عياض (٢): إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات والرخصة في ذلك، لكن كره مالك شراء الرجل ذلك لابنته وادعى بعضهم أن إباحة اللعب بالبنات [منسوخ] (٣) بهذه الأحاديث" انتهى. ٢٩/ ٥٧٢ - (وَعَنْ عائشةَ [رضي الله تعالى عنها] (٤) أنَّها نَصَبَتْ سِتْرًا وَفِيهِ تَصاويرُ فَدَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ فنَزَعَهُ قالَتْ: فَقَطَعْتُهُ وِسَادَتَيْنِ فكانَ يَرْتَفِقُ عَلَيْهِما. مُتَّفَقٌ عَليهِ (٥). وفي لَفْظِ أحمَدَ (٦): فَقَطَعْتُهُ مِرْفَقَتَيْنِ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ مُتَّكِئًا على إحْدَاهُما وَفيها صورَةٌ). [صحيح]

стр. 1359

قوله: (فنزعه) فيه الإرشاد إلى إزالة التصاوير المنقوشة على الستور. قوله: (فقطعته وسادتين) فيه أن الصورة والتمثال إذا غيرا لم يكن بهما بأس بعد ذلك وجاز افتراشهما والارتفاق عليهما. قوله: (فكان يرتفق) في القاموس (١) ارتفَقَ: اتكَأَ على مِرْفَقِ يدِه أو على المِخَدَّةِ. قوله: (فقطعته مرفقتين) تثنية مرفقة كمكنسة وهي المخدة. والحديث يدل على جواز افتراش الثياب التي كانت فيها تصاوير وعلى استحباب الارتفاق لما يشعر به لفظ كان من استمراره على ذلك وكثيرًا ما يتجنبه الرؤساء تكبرًا. ٣٠/ ٥٧٣ - (وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ [رضي الله تعالى عنه] (٢) قالَ: قالَ رَسُول الله ﷺ : "أتانِي جِبْرِيلُ [رضي الله تعالى عنه] (٢) فقالَ: إني كُنْتُ أتيْتُكَ اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَمْنَعني أنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ الذِي أنْتَ فِيهِ إلَّا أنهُ كانَ فِيهِ تِمْثالُ رَجُلٍ وَكَانَ في الْبَيْتِ قِرامٌ سِتْرٌ فِيهِ تَمَاثِيلُ وكانَ في البَيْتِ كلْبٌ فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الذِي في باب البيْتِ يُقْطَعُ يَصيرُ كهَيْئَةِ الشَّجَرةَ، وَأُمُر بالسِّتْر يُقْطَعُ فَيجْعَلُ وِسادَتَيْنِ مُنْتَبذَتَيْنِ تُوطآن، وَأُمْرُ بالْكَلْبِ يُخْرَجُ" فَفَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ وَإِذَا الْكَلْبُ جَرْوٌ وَكان لِلْحَسَن والْحُسَيْنِ تَحْتَ نَضَدٍ لَهُمْ. رَوَاهُ أَحَمْدُ (٣) وأبو دَاوُدَ (٤) والترمِذِيُّ وصَحَّحهُ) (٥). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا النسائي (٦). قوله: (الليلة) وفي رواية أبي داود (٤) "البارحة". قوله: (قِرام ستر) بكسر القاف وتخفيف الراء والتنوين وروي بحذف التنوين
следующие страницы →