← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 1355–1394 · переход к 1360.

стр. 1355

وسعيد بن منصور (١) من حديث أبي نضرة قال: "كان أصحاب النبي ﷺ إذا لبس أحدهم ثوبًا جديدًا قيل له تبلي ويخلف الله تعالى" وسنده صحيح. قوله: (هذا سَنّا) بفتح السين المهملة وتشديد النون وفيه جواز التكلم باللغة العجمية ومعناه حسن. والحديث يدل على أنه يجوز للنساء لباس الثياب [السود] (٢) ولا أعلم في ذلك خلافًا. ٢٧/ ٥٧٠ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنهما] (٣) أنهُ كانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ وَيَدَّهِنُ بِالزعْفَرَانِ، فقِيلَ لهُ لِمَ تَصْبُغُ ثِيابَكَ وَتَدَّهِنُ بِالزَّعْفَرَانِ؟ فَقالَ: إني رَأَيْتُهُ أحَبَّ الأصْباغِ إلى رَسُولِ الله ﷺ يَدَّهِنُ بِهِ وَيَصْبغُ بِهِ ثِيابَهُ رَواهُ أحمدُ (٤) وَكذلِكَ أبُو داودَ (٥) والنسائيُّ (٦) بِنَحْوهِ وفي لَفْظِهِما: وَلَقَدْ كانَ يَصْبُغُ ثِيابَهُ كُلَّها حَتى عِمَامَتَهُ). [صحيح] الحديث في إسناده اختلاف كما قال المنذري (٧)، ولم يذكر أبو داود والنسائي الزعفران، وأخرج البخاري (٨) ومسلم (٩) من حديث عبيد بن جريج عن ابن عمر أنه قال: "وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها [فإني] (١٠) أحب أن أصبغ بها" قال المنذري (١١): واختلف الناس في ذلك فقال بعضهم: أراد الخضاب للّحية بالصفرة. وقال آخرون: أراد يصفر ثيابه ويلبس ثيابًا صفرًا انتهى. ويؤيد القول الثاني تلك الزيادة التي أخرجها أبو داود (٥) والنسائي (٦). قوله: (حتى عمامته) بالنصب.

стр. 1356

والحديث يدل على مشروعية صبغ الثياب بالصفرة، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب نهي الرجال عن المعصفر (١). وفيه أيضًا مشروعية الادهان بالزعفران. ومشروعية صباغ اللحية بالصفرة لقوله ﷺ في رواية النسائي (٢) وغيره (٣): "إنَّ اليهودَ والنصارى لا تصبغ فخالفوهم واصبغوا". قال ابن الجوزي: قد اختضب جماعة من الصحابة والتابعين بالصفرة. ورأى أحمد بن حنبل رجلًا قد خضب لحيته فقال: إنِّي لأرى الرجل يحيى ميتًا من السنة وقد تقدم الكلام على الخضاب في باب تغيير الشيب بالحناء والكتم (٤). [الباب الثامن] باب حكم ما فيه صورة من الثياب والبسط والستور والنهي عن التصوير ٢٨/ ٥٧١ - (عَنْ عائِشَةَ [رضي الله تعالى عنها] (٥): "أن النبيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ في بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إلَّا نقَضَهُ". رَوَاهُ البُخاريُّ (٦) وأبُو دَاوُد (٧) وأحمدُ (٨) وَلَفْظُهُ "لَمْ يَكُنْ يَدَعُ في بَيْتِهِ ثَوْبًا فِيهِ تَصْليبٌ إلَّا نَقَضهُ). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا النسائي (٩). قوله: (لم يكن يترك في بيته شيئًا) يشمل الملبوس والستور والبسط والآلات وغير ذلك. قوله: (فيه تصاليب) أي صورة صليب من نقش ثوب أو غيره والصليب فيه صورة عيسى ﵇ تعبده النصارى.

стр. 1357

قوله: (نَقَضَه) بفتح النون والقاف والضاد المعجمة: أي كسره وأبطله وغير صورة الصليب. وفي رواية أبي داود (١) "قَضَبَهُ" بالقاف المفتوحة والضاد المعجمة والباء الموحدة: أي قطع موضع [التصليب] (٢) منه دون غيره، والقضب: القطع كذا قال ابن رسلان. والحديث يدل على عدم جواز اتخاذ الثياب والستور والبسط وغيرها التي فيها تصاوير، وعلى جواز تغيير المنكر باليد من غير استئذان مالكه، زوجة [كانت] (٣) أو غيرها، لما ثبت عنه ﷺ يوم فتح مكة "أنه كان يهوي بالقضيب الذي في يده إلى كل صنم فيخر لوجهه ويقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ (٤) حتى مر على ثلثمائة وستين صنمًا" (٥). وأخرج البخاري (٦) من حديث ابن عباس قال: "لما رأى النبي ﷺ الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت ورأى صورة إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام فقال: قاتَلَهمُ اللهُ، واللهِ إنِ اسْتَقْسَما بالأزلامِ قَطُّ". قال النووي (٧): "قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بالوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره فصنعته حرام بكل حال، لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم ودينار وفلس وإناء وحائط وغيرها. وأما تصوير صورة الشجر وجبال الأرض وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام هذا حكم نقش التصوير. وأما اتخاذ ما فيه صورة حيوان فإن كان معلقًا على حائط أو ثوبًا أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهنا فهو حرام إون كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما

стр. 1358

يمتهن فليس بحرام ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت وسيأتي. قال: ولا فرق في ذلك كله بين ما له ظل وما لا ظل له قال هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم. وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل فإن الستر الذي أنكر النبي ﷺ الصور فيه لا يشك أحد أنه مذموم وليس لصورته ظل مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة. وقال الزهري: النهي في الصورة على العموم وكذلك استعمال ما هي فيه ودخول البيت الذي هي فيه سواء كانت رقمًا في ثوب أو غير رقم وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن عملًا بظاهر الأحاديث لا سيما حديث النمرقة الذي ذكره مسلم (١) وهذا مذهب قوي. وقال آخرون: يجوز منها ما كان رقمًا في ثوب سواء امتهن أم لا، وسواء علق في حائط أم لا، قال: وهو مذهب القاسم بن محمد وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره. قال القاضي عياض (٢): إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات والرخصة في ذلك، لكن كره مالك شراء الرجل ذلك لابنته وادعى بعضهم أن إباحة اللعب بالبنات [منسوخ] (٣) بهذه الأحاديث" انتهى. ٢٩/ ٥٧٢ - (وَعَنْ عائشةَ [رضي الله تعالى عنها] (٤) أنَّها نَصَبَتْ سِتْرًا وَفِيهِ تَصاويرُ فَدَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ فنَزَعَهُ قالَتْ: فَقَطَعْتُهُ وِسَادَتَيْنِ فكانَ يَرْتَفِقُ عَلَيْهِما. مُتَّفَقٌ عَليهِ (٥). وفي لَفْظِ أحمَدَ (٦): فَقَطَعْتُهُ مِرْفَقَتَيْنِ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ مُتَّكِئًا على إحْدَاهُما وَفيها صورَةٌ). [صحيح]

стр. 1359

قوله: (فنزعه) فيه الإرشاد إلى إزالة التصاوير المنقوشة على الستور. قوله: (فقطعته وسادتين) فيه أن الصورة والتمثال إذا غيرا لم يكن بهما بأس بعد ذلك وجاز افتراشهما والارتفاق عليهما. قوله: (فكان يرتفق) في القاموس (١) ارتفَقَ: اتكَأَ على مِرْفَقِ يدِه أو على المِخَدَّةِ. قوله: (فقطعته مرفقتين) تثنية مرفقة كمكنسة وهي المخدة. والحديث يدل على جواز افتراش الثياب التي كانت فيها تصاوير وعلى استحباب الارتفاق لما يشعر به لفظ كان من استمراره على ذلك وكثيرًا ما يتجنبه الرؤساء تكبرًا. ٣٠/ ٥٧٣ - (وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ [رضي الله تعالى عنه] (٢) قالَ: قالَ رَسُول الله ﷺ : "أتانِي جِبْرِيلُ [رضي الله تعالى عنه] (٢) فقالَ: إني كُنْتُ أتيْتُكَ اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَمْنَعني أنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ الذِي أنْتَ فِيهِ إلَّا أنهُ كانَ فِيهِ تِمْثالُ رَجُلٍ وَكَانَ في الْبَيْتِ قِرامٌ سِتْرٌ فِيهِ تَمَاثِيلُ وكانَ في البَيْتِ كلْبٌ فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الذِي في باب البيْتِ يُقْطَعُ يَصيرُ كهَيْئَةِ الشَّجَرةَ، وَأُمُر بالسِّتْر يُقْطَعُ فَيجْعَلُ وِسادَتَيْنِ مُنْتَبذَتَيْنِ تُوطآن، وَأُمْرُ بالْكَلْبِ يُخْرَجُ" فَفَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ وَإِذَا الْكَلْبُ جَرْوٌ وَكان لِلْحَسَن والْحُسَيْنِ تَحْتَ نَضَدٍ لَهُمْ. رَوَاهُ أَحَمْدُ (٣) وأبو دَاوُدَ (٤) والترمِذِيُّ وصَحَّحهُ) (٥). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا النسائي (٦). قوله: (الليلة) وفي رواية أبي داود (٤) "البارحة". قوله: (قِرام ستر) بكسر القاف وتخفيف الراء والتنوين وروي بحذف التنوين

стр. 1360

والإضافة وهو الستر الرقيق من صوف [ذي] (١) ألوان. قوله: (فيه تماثيل) وفي رواية لمسلم (٢) "وقد سترت سهوة لي بقرام" والسهوة: الخزانة الصغيرة، وفي رواية للنسائي (٣) "قال جبريل: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير". واختلاف الروايات يبين بعضها بعضًا. قوله: (فمُر) بضم الميم أي فقال جبريل ﵇ للنبي ﷺ : مر. قوله: (يصير كهيئة الشجرة) لأن الشجر ونحوه مما لا روح فيه [لا يحرم] (٤) صنعته ولا التكسب به من غير فرق بين الشجر المثمرة وغيرها. قال ابن رسلان: وهذا مذهب العلماء كافة إلا مجاهدًا فإنه جعل الشجر المثمرة من المكروه لما روي عنه ﷺ أنه قال حاكيًا عن الله تعالى: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي" (٥). قوله: (وأمر بالستر) روا ية أبي داود (٦) "ومر"، وكذلك قوله "وأمر بالكلب". قوله: (منتبذتين) أي مطروحتين على الأرض، ولفظ أبي داود (٦) "منبوذتين". قوله: (وكان للحسن والحسين) فيه جواز تربية جرو الكلب للولد الصغير، وقد يستدل به على طهارة الكلب، وقد تقدم الكلام على ذلك وعلى جواز اتخاذه لغير الاصطياد. قوله: (تحت نَضَد) بفتح النون والضاد المعجمة فَعَلْ بمعنى مفعول: أي تحت متاع البيت المنضود بعضه فوق بعض. وقيل: هو السرير سُمِّى بذلك لأن النضد يوضع عليه: أي يجعل بعضه فوق بعض. وفي حديث مسروق "شجر الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها" (٧) أي ليس لها سوق بارزة، ولكنها منضودة بالورق والثمار من أسفلها إلى أعلاها.

стр. 1361

والحديث يدل على أنها لا تدخل الملائكة البيوت التي فيها تماثيل أو كلب كما ورد من حديث أبي طلحة الأنصاري عند البخاري (١) ومسلم (٢) وأبي داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) بلفظ قال: قال [رسول (٦) الله] ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا تماثيل" زاد أبو داود (٧) والنسائي (٨) عن علي مرفوعًا "ولا جنب" قيل: أراد بالملائكة السياحين غير الحفظة وملائكة الموت. قال في معالم السنن (٩): الملائكة الذين ينزلون بالبركة والرحمة وأما الحفظة فلا يفارقون الجنب وغيره. قال النووي في شرح مسلم (١٠): سبب امتناع الملائكة من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة، وسبب امتناعهم من بيت فيه كلب كثرة أكله النجاسات، ولأن بعضها يسمى شيطانًا كما جاء في الحديث، والملائكة ضد الشياطين، وخص الخطابي ذلك بما كان يحرم اقتناؤه من الكلاب، وبما لا يجوز تصويره من الصور لا كلب الصيد والماشية، ولا الصورة التي في البساط والوسادة وغيرهما، فإن ذلك لا يمنع دخول الملائكة والأظهر أنه عام في كل كلب وفي كل صورة، وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث، ولأن الجرو الذي كان في بيت النبي ﷺ تحت السرير كان له فيه عذر فإنه لم يعلم به ومع هذا امتنع جبريل من دخول البيت لأجل ذلك الجرو. ٣١/ ٥٧٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنهما] (١١) أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "الذِينَ يَصْنَعُونَ هذه الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقالُ لَهُمْ أحْيُوا ما خَلَقْتُمْ") (١٢). [صحيح]

стр. 1362

٣٢/ ٥٧٥ - (وَعَن ابْنِ عباس [رضي الله تعالى عنهما] (١) وجاءَهُ رَجُلٌ، فقال: إنِّي أُصَوّر هذِهِ التَّصاوِيرَ فأفتَنِي فِيها، فقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقُولُ: "كُلُّ مُصَوِّرٍ في النَّار يُجْعَلُ لهُ بِكُلِّ صورَةٍ صَوَّرَها نَفْسًا تُعَذِّبهُ في جَهنَّمَ"، "فإِنْ كُنْت لَا بُدَّ فاعِلًا فاجْعَلِ الشجرَ وَمما لَا نَفْس لَهُ" (٢). مُتَّفَقٌ عليْهِما). [صحيح] الحديثان يدلان على أن التصوير من أشد المحرمات للتوعد عليه بالتعذيب في النار وبأن كل مصور من أهل النار ولورود لعن المصورين في أحاديث أخر، وذلك لا يكون إلا على محرم متبالغ في القبح وإنما كان التصوير من أشد المحرمات الموجبة لما ذكر لأن فيه مضاهاة لفعل الخالق ﷻ ولهذا سمى الشارع فعلهم خلقًا وسماهم خالقين وظاهر قوله: "كل مصور"، وقوله: "بكل صورة صوّرها" أنه لا فرق بين المطبوع في الثياب وبين ما له جرم مستقل. ويؤيد ذلك ما في حديث عائشة المتقدم (٣) من التعميم، وما في حديث مسلم (٤) وغيره (٥) "أن النبي ﷺ هتك درنوكًا لعائشة كان فيه صور الخيل ذوات الأجنحة حتى اتخذت منه وسادتين". والدرنوك: ضرب من الثياب أو البسط. وما أخرج البخاري (٦) ومسلم (٧) والموطأ (٨) والنسائي (٩) من حديث عائشة قالت: "قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل فلما رآه هتكه وتلون وجهه، وقال: يا عائشة أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله". وما أخرجه البخاري (١٠) والترمذي (١١) والنسائي (١٢) من حديث ابن عباس

стр. 1363

قال: قال رسول الله ﷺ : "من صوّر صورة عذبه الله [تعالى] (١) بها يوم القيامة حتى ينفخ فيها الروح وما هو بنافخ". فهذه الأحاديث قاضية بعدم الفرق بين المطبوع من الصور والمستقل، لأن اسم الصُّورَة صادق على الكل إذ هي كما في كتب اللغة (٢): الشكل، وهو يقال لما كان منها مطبوعًا على الثياب شكلًا، نعم حديث أبي طلحة عند مسلم (٣) وأبي داود (٤) وغيرهما بلفظ: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا تمثال" وفيه أنه قال: "إلا رقمًا في ثوب" فهذا إن صح رفعه كان مخصصًا لما رقم في الأثواب من التماثيل. قوله: (أحيوا ما خلقتم) هذا من باب التعليق بالمحال والمراد أنهم يعذبون يوم القيامة ويقال لهم: لا تزالون في عذاب حتى تحيوا ما خلقتم وليسوا بفاعلين وهو كناية عن دوام العذاب واستمراره وهذا الذي قدرناه في تفسير الحديث مصرح بمعناه في حديث ابن عباس المتقدم (٥) والأحاديث [يفسر] (٦) بعضها بعضًا. قوله: (فاجعل الشجر وما لا نفس له) فيه الإذن بتصوير الشجر وكل ما ليس له نفس وهو يدل على اختصاص التحريم بتصوير الحيوانات. قال في البحر (٧): ولا يكره تصوير الشجر ونحوها من الجماد إجماعًا. [الباب التاسع] باب ما جاء في لبس القميص والعمامة والسراويل ٣٣/ ٥٧٦ - (عَنْ أبِي أُمامَةَ [رضي الله تعالى عنه] (١) قالَ: قُلْنا يا رَسُولَ الله

стр. 1364

إنَّ أَهْلَ الْكِتاب يَتَسَرْوَلُونَ وَلَا يأتَزِرُونَ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "تَسَرْوَلُوا وَائْتَزِرُوا وَخالِفُوا أهْل الكتابِ" رَوَاهُ أحْمَدُ) (١). [حسن] ٣٤/ ٥٧٧ - (وَعَنْ مالِكِ بْنِ عُمَيْرٍ [رضي الله تعالى عنه] (٢) قالَ: بعْتُ من رَسُولَ الله ﷺ رِجْل سَرَاوِيلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَوَزَنَ لي فأرْجَحَ لِي. رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وابْنُ ماجَهْ) (٤). [حسن] أما حديث أبي أمامة فلم أقف فيه على كلام لأحد إلا ما ذكره في مجمع الزوائد (٥)، فإنه قال: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح، خلا القاسم وهو ثقة، وفيه كلام لا يضر انتهى. وفيه الإِذن بلبس السراويل وأن مخالفة أهل الكتاب تحصل بمجرد الاتزار في بعض الأوقات لا بترك لبس السراويل في جميع الحالات فإنه غير لازم وإن

стр. 1365

كان أدخل في المخالفة. وأما حديث مالك بن عمير فأخرجه أيضًا أبو داود (١) والنسائي (٢) [ورجال إسناده رجال الصحيح] (٣). ويشهد لصحته حديث سويد بن قيس قال: "جلبت أنا ومخرمة العبدي بزًّا من هجر فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي فساومنا سراويل فبعناه وثم رجل يزن بالأجر فقال له: زن وأرجح". رواه الخمسة (٤) وصححه الترمذي وسيأتي في أبواب الإجارة (٥) إن شاء الله [تعالى] (٦). وحديث مالك بن عمير المذكور هو عند أحمد (٧) من طريق يزيد بن هارون عن شعبة عن سماك بن حرب عنه، وقد صرح كثير من الأئمة بثبوت شرائه ﷺ للسراويل. قال في الهدي (٨): (فصل) واشترى ﷺ سراويل، والظاهر أنه إنما اشتراها ليلبَسها، وقد روي في غير حديث أنه لبس السراويل، وكانوا يلبسون السراويلات بإذنه" انتهى. وقال في الفصل الذي بعد هذا في الهدى (٩): "ولبس البرود اليمانية، والبردَ الأخضر ولبسَ الجبة، والقَباء والقميص، والسراويل. انتهى.

стр. 1366

قال في المواهب اللدنية للقسطلاني (١): "وأما السراويل فاختلف هل لبسها النبي ﷺ أم لا؟ فجزم بعض العلماء بأنه ﷺ لم يلبسه، ويستأنس له بما جزم به النووي (٢) في ترجمة عثمان رضي الله [تعالى] (٣) عنه من كتاب "تهذيب الأسماء واللغات" أنه لم يلبس السراويل في جاهلية ولا إسلام إلى يوم قتله، فإنهم كانوا أحرص شيء على اتباعه، لكن قد ورد في حديث أبي يعلى الموصلي (٤) بسند ضعيف جدًّا عن أبي هريرة قال: "دخلتُ السوق يومًا مع رسول الله ﷺ فجلس إلى البزاز فاشترى منه سراويل بأربعة دراهم وكان لأهل السوق وزَّانٌ يزن فقال له رسول الله ﷺ : أتزن راجحًا؟ فقال الوزَّانُ: إن هذه كلمة ما سمعتُها من أحد، قال أبو هريرة: فقلت له كفى بك من الجفاء في دينك أن لا تعرف نبيك؟ فطرح الميزان، ووثب إلى يد رسول الله ﷺ يريد أن يقبلها فجذب يده رسول الله ﷺ وقال له: "يا هذا إنما تفعل هذا الأعاجمُ بملوكِها ولست بملِكٍ إنما أنا رجُل منكُم" فأخذ فوزن وأرجح وأخذ رسول الله ﷺ السراويل. قال أبو هريرة: فذهبت لأحمله عنه فقال: "وصاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله إلا أن يكون ضعيفًا يعجز عنه فيعينهُ أخوه المسلم". قال: قلت: يا رسول الله وإنك لتلبس السراويل قال: "أجل في السفر والحضر والليل والنهار فإني أمرت بالستر فلم أجد شيئًا أستر منه" وكذا أخرجه ابن حبان في الضعفاء (٥) عن أبي يعلى، ورواه الطبراني في الأوسط (٦)، والدارقطني في الإفراد (٧) والعقيلي في الضعفاء (٨)، ومداره على يوسف بن زياد الواسطي وهو ضعيف (٩)، عن شيخه عبد الرحمن بن

стр. 1367

زياد بن أنعم الإفريقي وهو أيضًا ضعيف (١)، لكن قد صح شراء النبي ﷺ للسراويل. وأما اللبس فلم يأت من طريق صحيحة، ولهذا قال أبو عبد الله الحجازي في حاشيته على الشفاء (٢) ما لفظه: وما قاله في الهدي من أنه ﷺ لبس السراويل سبق قلم والله أعلم. وقد أورد أبو سعيد النيسابوري ذكر الحديث في السراويل وأورد فيه حديث المحرم لكونه لم يرد فيه شيء على شرطه". ٣٥/ ٥٧٨ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَة [رضي الله تعالى عنها] (٣) قالَتْ: كانَ أحَبّ الثِّيابِ إلى رَسُولِ الله ﷺ الْقُمُص رَواهُ أحمَدُ (٤) وأبُو دَاوُدَ (٥) والتِّرْمِذِيُّ" (٦). الحديث أخرجه أيضًا النسائي (٧). وقال الترمذي (٨): "حَسَنٌ غريبٌ إنما نعرِفُه من حديثِ عبد المؤمنِ بن خالدٍ

стр. 1368

تفرَّدَ به وهوَ مَرْوَزِيٌّ. وروى بعضُهم هذا الحديث عن أبي ثُميلة عن عبدِ المؤمنِ بن خالدٍ عن عبدِ الله بن بريدةَ عن أُمِّهِ عن أُمِّ سَلَمَة" قال (١): "وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث عبد الله بن بريدة عن أمه عن أم سلمة أصح". هذا آخر كلامه. وعبد المؤمن هذا قاضي مرو. قال المنذري (٢): ولا بأس به وأبو ثميلة يحيى بن واضح أدخله البخاري في الضعفاء ووثقه يحيى بن معين. والحديث يدل على استحباب لبس القميص وإنما كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ لأنه أمكن في الستر من الرداء والإزار اللذين يحتاجان كثيرًا إلى الربط والإمساك وغير ذلك بخلاف القميص. ويحتمل أن يكون المراد من أحب الثياب إليه القميص لأنه يستر عورته ويباشر جسمه فهو شعار الجسد بخلاف ما يلبس فوقه من الدثار، ولا شك أن كل ما قرب من الإنسان كان أحب إليه من غيره، ولهذا شبه ﷺ الأنصار بالشعار الذي يلي البدن بخلاف غيرهم فإنه شبههم بالدثار، وإنما سمى القميص قميصًا لأن الآدمي يتقمص فيه أي يدخل فيه ليستره، وفي حديث المرجوم إنه يتقمص في أنهار الجنة أي ينغمس فيها. ٣٦/ ٥٧٩ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ [رضي الله تعالى عنهما] (٣) قالَتْ: كانَتْ يَدُ كُمِّ قَمِيص رسُولِ الله ﷺ إلى الرُّسْغِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤) وَالتِّرْمِذِيُّ) (٥). [ضعيف] ٣٧/ ٥٨٠ - (وَعَنِ ابْنِ عباسٍ [رضي الله تعالى عنه] (٣) قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَلْبَسُ قَمِيصًا قَصيرَ الْيَدَيْنِ وَالطُّولِ: رَوَاه ابنُ ماجَهْ) (٦) [ضعيف] الحديث الأول أخرجه النسائي (٧) أيضًا، وقال الترمذي (٨)، حسن غريب،

стр. 1369

وفي إسناده شهر بن حوشب وفيه مقال مشهور (١). والحديث الثاني رواه ابن ماجه في سننه (٢) من طريق عبيد بن محمد، قال: حدثنا الحسن بن صالح، ورواهُ أيضًا من طريق سفيانُ بن وَكِيع عن أبيه عن الحسن بن صالح عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، وعبيد بن محمد ضعيف (٣)، وسفيان بن وكيع أضعف منه (٤)، ولكن شطره الأول يشهد له حديث أسماء هذا (٥)، وشطره الثاني يشهد له حديث ابن عمر الآتي (٦) في إسبال الإزار والعمامة والقميص. قوله: (إلى الرسغ) بالسين المهملة هذا لفظ الترمذي ولفظ أبي داود الرِصْغ بالصاد المهملة الساكنة قبلها راء مكسورة (٧) وبعدها غين معجمة وهو مفصل ما بين الكف والساعد، ويقال لمفصل الساق والقدم رسغ أيضًا قاله ابن رسلان في شرح السنن. والحديثان يدلان على أن السنة في الأكمام أن لا تجاوز الرسغ.

стр. 1370

قال الحافظ ابن القيم في الهدي (١): "وأما الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج فلم يلبسها هو ولا أحد من أصحابه البتة، وهي مخالفة لسنته، وفي جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء" انتهى. وقد صار أشهر الناس بمخالفة هذه السنة في زماننا هذا العلماء فترى أحدهم وقد جعل لقميصه كمين يصلح كل واحد منهما أن يكون جبة أو قميصًا لصغير من أولاده أو يتيم، وليس في ذلك شيء من الفائدة الدنيوية إلا العبث وتثقيل المؤنة على النفس، ومنع الانتفاع باليد في كثير من المنافع وتعريضه لسرعة التمزق وتشويه الهيئة، ولا الدينية إلا مخالفة السنة والإسبال والخيلاء. قال ابن رسلان: والظاهر أن نساءه ﷺ كن كذلك يعني أن أكمامهنّ إلى الرسغ إذ لو كان أكمامهنّ تزيد على ذلك لنقل ولو نقل لوصل إلينا، كما نقل في الذيول من رواية النسائي (٢) وغيره أن أم سلمة لما سمعت "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه" "قالت: يا رسول الله فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخينه شبرًا قالت: إذن [ينكشف] (٣) أقدامهن قال: يرخينه ذراعًا ولا يزدن عليه". ويفرق بين الكف إذا ظهر وبين القدم، أن قدم المرأة عورة بخلاف كفها انتهى. وفي الحديث الثاني دلالة على أن هديه ﷺ كان تقصير القميص لأن تطويله إسبال وهو منهي عنه وسيأتي الكلام على ذلك. ٣٨/ ٥٨١ - (وَعَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنهما] (٤) قالَ: كانَ

стр. 1371

النبي ﷺ إذَا اعْتمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنِ كَتِفَيْه، قالَ نَافِعٌ: وكانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْدُلُ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ رَواهُ التّرْمذيُّ) (١). [صحيح بشواهده] الحديث [حسنه الترمذي وفي إسناده يحيى بن محمد المدني قال البخاري: يتكلمون فيه وقدو ثقه العجلي وابن عدي. وهو من رواية عبد العزيز الدراوردي عن عبيد الله العمري. قال النسائي حديثه فيه مناكير وقد] (٢) أخرج نحوه مسلم (٣) والترمذي (٤) وأبو داود (٥) والنسائي (٦) وابن ماجه (٧) من حديث جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه. وأخرج ابن عدي (٨) من حديث جابر قال: كان للنبي ﷺ عمامة سوداء يلبسها في العيدين ويرخيها خلفه، قال ابن عدي: لا أعلم يرويه عن أبي الزبير (٩)

стр. 1372

غير العرزمي (١) وعنه حاتم بن إسماعيل (٢). وأخرج الطبراني (٣) عن أبي موسى "أن جبريل [﵇] (٤) نزل على النبيِّ ﷺ وعليه عمامة سوداء قد أرخى ذؤابته من ورائه". قوله: (سدل) السدل: الإسبال والإرسال، وفسره في القاموس (٥) بالإرخاء. والحديث يدل على استحباب لبس العمامة، وقد أخرج الترمذي (٦) وأبو داود (٧) والبيهقي (٨) من حديث ركانة بن عبد يزيد الهاشمي أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس". قال ابن القيم في الهدي (٩): "وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة ويلبس العمامة بغير قلنسوة" انتهى. والحديث أيضًا يدل على استحباب إرخاء العمامة بين الكتفين، وقد أخرج أبو داود (١٠) من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: "عممني رسول الله ﷺ فسدلها من بين يدي ومن خلفي" والراوي عن عبد الرحمن شيخ من أهل المدينة لم يذكر أبو داود اسمه (١١).

стр. 1373

وأخرج الطبراني (١) من حديث عبد الله بن ياسر قال: "بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب [رضي الله تعالى عنه] (٢) إلى خيبر فعممه بعمامة سوداء ثم أرسلها من ورائه أو قال على كتفه اليسرى" وحسنه السيوطي. وأخرج ابن سعد (٣) عن مولى يقال له هرمز قال: "رأيت عليًا عليه عمامة سوداء قد أرخاها من بين يديه ومن خلفه" قال ابن رسلان في شرح السنن عند ذكر حديث عبد الرحمن: وهي التي صارت شعار الصالحين المتمسكين بالسنة، يعني إرسال العمامة على الصدر. وقال: وفي الحديث النهي عن العمامة المقطعة بفتح القاف وتشديد العين المهملة، قال أبو عبيد في الغريب (٤): المقطعة التي لا ذؤابة لها ولا حنك. قيل: المقطعة عمامة إبليس، وقيل: عمامة أهل الذمة. وورد النهي عن العمامة التي ليست محنكة ولا ذؤابة لها فالمحنكة من حنك الفرس إذا جعل له في حنكه الأسفل ما يقوده به هذا معنى كلام ابن رسلان. والذي ذكره أبو عبيد في الغريب في حديث "أنه ﷺ أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط" (٥) إن المقعطة هي التي لم يجعل منها تحت الحنك. وقال ابن الأثير في النهاية (٦) في

стр. 1374

حديث" أنه ﷺ نهى عن الاقتعاط وأمر بالتلحي" أن الاقتعاط أن لا يجعل تحت الحنك من العمامة شيئًا، والتلحي جعل بعض العمامة تحت الحنك. وقال الجوهري في الصحاح (١): الاقتعاط شد العمامة على الرأس من غير إدارة تحت الحنك، والتلحي تطويف العمامة تحت الحنك، وهكذا في القاموس (٢)، وكذا قال ابن قتيبة. وقال الإِمام أبو بكر الطرطوشي (٣): "اقتعِاطُ العمائم هو التَّعميم دونَ حنك وهو بِدْعةٌ منكرةٌ، وقد شاعت في بلاد الإسلام". وقال ابن حبيب (٤) في كتاب "الواضحة" (٥): إن ترك الالتحاء من بقايا عمائم قوم لوط. وقال مالك: أدركت في مسجد رسول الله ﷺ سبعين محنكًا وإن أحدهم لو ائتمن على بيت المال لكان به أمينًا. وقال القاضي عبد الوهاب (٦) في كتاب "المعونة" (٧) له: ومن المكروه ما خالف زيّ العرب وأشبه زيّ العجم كالتعميم بغير حنك. وقال القرافي: ما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكًا. وقد روي التحنك عن جماعة من السلف. وروي النهي عن الاقتعاط عن

стр. 1375

جماعة منهم وكان طاوس ومجاهد يقولان: إن الاقتعاط عمامة الشيطان فينظر فيما نقله ابن رسلان عن أبي عبيد من أن المقعطة هي التي لا ذؤابة لها. وقد استدل على جواز ترك الذؤابة ابن القيم في الهدي (١) بحديث جابر بن سليم (٢) عند مسلم (٣) وأبي داود (٤) والترمذي (٥) والنسائي (٦) وابن ماجه (٧) بلفظ: "إن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء" بدون ذكر الذؤابة. قال: فدل على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائمًا بين كتفيه وقد يقال إنه دخل مكة وعليه أهبة القتال والمغفر على رأسه فلبس في كل موطن ما يناسبه اهـ. وروى أبو داود (٨) من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: "عممني رسول الله ﷺ فسدلها بين يديّ ومن خلفي". وروى الطبراني (٩) عن عائشة [رضي الله تعالى عنها] (١٠) قالت: "عمم رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف وأرخى له أربع أصابع" وفي إسناده المقدام بن داود (١١) وهو ضعيف. وأخرج نحوه الطبراني في الأوسط (١٢) عن ابن عمر "أن النبي ﷺ عمم عبد الرحمن بن عوف فأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوها ثم قال: هكذا فاعتم فإنه أعرب وأحسن" قال السيوطي: وإسناده حسن.

стр. 1376

وأخرجَ الطبراني أيضًا في الأوسط (١) من حديث ثوبان "أن النبي ﷺ كان إذا اعتم أرخى عمامته بين يديه ومن خلفه"، وفي إسناده الحجاج بن رشدين وهو ضعيف (٢). وأخرج الطبراني أيضًا في الكبير (٣) عن أبي أمامة قال: "كان رسول الله ﷺ قلما يولي واليًا حتى يعممه ويرخي لها من جانبه الأيمن نحو الأذن" وفي إسناده جميع بن [ثوبان] (٤) وهو متروك (٥). قيل: ويحرم إطالة العذبة طولًا فاحشًا ولا مقتضى للجزم بالتحريم. قال النووي في شرح المهذب (٦): "يجوز لبس العمامة بإرسال طرفها وبغير إرساله ولا كراهة في واحد منهما، ولم يصح في النهي عن ترك إرسالها شيء، وإرسالها إرسالًا فاحشًا كإرسال الثوب يحرم للخيلاء ويكره لغيره" انتهى. وقد أخرج ابن أبي شيبة (٧) أن عبد الله بن الزبير كان يعتم بعمامة سوداء قد أرخاها من خلفه نحوًا من ذراع. وروى سعد بن سعيد عن رشدين قال: رأيت عبد الله بن الزبير يعتم بعمامة سوداء ويرخيها شبرًا أو أقل من شبر.

стр. 1377

قال السيوطي في الحاوي في الفتاوى (١): "وأما مقدار العمامة الشريفة فلم يثبت في حديث وقد روى البيهقي في شعب الإيمان (٢) عن ابن سلام بن عبد الله بن سلام قال: سألت ابن عمر كيف كان النبي ﷺ يعتم؟ قال: كان يدير العمامة على رأسه [ويقوّرها] (٣) من ورائه ويرسل لها ذؤابة بين كتفيه (٤)، وهذا يدل على أنها عدة أذرع والظاهر أنها كانت نحو العشرة أو فوقها بيسير" انتهى. ولا أدري ما هذا الظاهر الذي زعمه فإن كان الظهور من هذا الحديث الذي ساقه باعتبار ما فيه من ذكر الإدارة والتقوير وإرسال الذؤابة فهذه الأوصاف تحصل في عمامة دون ثلاثة أذرع، وإن كان من غيره فما هو بعد إقراره بعدم ثبوت مقدارها في حديث. [الباب العاشر] باب الرخصة في اللباس الجميل واستحباب التواضع فيه وكراهة الشهرة والإسبال ٣٩/ ٥٨٢ - (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ [رضي الله تعالى عنه] (٥) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ" فقالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنًا، قالَ: "إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطْرُ الْحَقِّ وَغَمْصُ النَّاسِ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٦)

стр. 1378

ومُسْلِمٌ) (١). [صحيح] قوله: (إن الله جميل) اختلفوا في معناه فقيل: إن كل أَمره حسن جميل، وله الأسماء الحسنى وصفات الجمال والكمال. وقيل: جميل بمعنى مُجَمّل ككريم وسميع بمعنى مُكْرِم ومُسْمِع (٢). وقال أبو القاسم القشيري: معناه جليل. وقال الخطابي: إنه بمعنى ذي النور والبهجة: أي مالكهما. وقيل: معناه جميل الأفعال بكم والنظر إليكم يكلفكم اليسير ويعين عليه ويثيب على الجزيل ويشكر عليه. قال النووي (٣): و"اعلم أن هذا الاسم ورد في هذا الحديث الصحيح ولكنه من أخبار الآحاد، [وقد ورد] (٤) أيضًا في حديث الأسماء الحسنى، وفي إسناده مقال (٥)، والمختار جواز إطلاقه على الله [تعالى] (٦)، ومن العلماء من منعه. قال إمام الحرمين: ما ورد الشرع بإطلاقه في أسماء الله تعالى وصفاته أطلقناه، وما منع الشرع من إطلاقه منعناه، وما لم يرد فيه إذن ولا منع لم نقض فيه بتحليل ولا

стр. 1379

تحريم فإن الأحكام الشرعية تتلقى من موارد الشرع، ولو قضينا بتحليل أو تحريم لكنا مثبتين حكمًا بغير الشرع" انتهى. وقد وقع الخلاف في تسمية الله [تعالى] (١) ووصفه من أوصاف الكمال والجلال والمدح بما لم يرد به الشرع ولا منعه، فأجازه طائفة ومنعه آخرون، إلا أن يرد به شرع مقطوع به من نص كتاب أو سنة متواترة (٢) أو إجماع على إطلاقه فإن ورد خبر واحد (٣) فاختلفوا فيه فأجازه طائفة وقالوا: الدعاء به والثناء من باب العمل

стр. 1380

وهو جائز بخبر الواحد ومنعه آخرون لكونه راجعًا إلى اعتقاد ما يجوز أو يستحيل على الله تعالى. وطريق هذا القطع، قال القاضي عياض (١): والصواب جوازه لاشتماله على العمل ولقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢) انتهى. والمسألة مدونة في علم الكلام فلا نطيل فيها المقال (٣).

стр. 1381

قوله: (بطر الحق) هو دفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا قاله النووي (١). وفي القاموس (٢) بطر الحق أن يتكبر عنده فلا يقبله. قوله: (وغمص الناس) هو بغين معجمة مفتوحة وصاد مهملة قبلها ميم ساكنة. وقال النووي في شرح مسلم (٣): هو بالطاء المهملة في نسخ صحيح مسلم. قال القاضي عياض (٤): لم يرو هذا الحديث عن جميع شيوخنا هنا وفي البخاري (٥) إلا بالطاء ذكره أبو داود في مصنفه (٦)، وذكره أبو سعيد الترمذي وغيره. والغمط والغمص قال النووي (٧): بمعنى واحد هو احتقار الناس. والحديثُ يدل على أن الكِبر مانع من دخول الجنة وإن بلغ في القلة إلى الغاية ولهذا ورد التحديد بمثقال ذرة.

стр. 1382

وقد اختلف في تأويله فذكر الخطابي (١) فيه وجهين: (أحدهما) أن المراد التكبر عن الإيمان فصاحبه لا يدخل الجنة أصلًا إذا مات عليه. (والثاني): أنه لا يكون في قلبه كبر حال دخول الجنة كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (٢) قال النووي (٣): وهذان التأويلان فيهما بعد فإن الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف وهو الإرتفاع عن الناس واحتقارهم ودفع الحق فلا ينبغي أن يحمل على هذين التأويلين المخرجين له عن المطلوب، بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض (٤) وغيره من المحققين أنه لا يدخلها بدون مجازاة إن جازاه، وقيل: هذا جزاؤه لو جازاه - وقيل: لا يدخلها مع المتقين أول وهلة" ويمكن أن يقال: إن هذا الحديث وما يشابهه من الأحاديث التي وردت مصرحًا فيها بعدم دخول جماعة من العصاة الجنة أو عدم خروج جماعة منهم من النار خاصة. وأحاديث دخول جميع الموحدين الجنة وخروج عصاتهم من النار عامة، فلا حاجة على هذا التأويل. والحديث أيضًا يدل على أن محبة لبس الثوب الحسن والنعل الحسن وتخير اللباس الجميل ليس من الكبر في شيء، وهذا مما لا خلاف فيه فيما أعلم. والرجل المذكور في الحديث وهو (مالك بن مُرَّارة الرهاوي) ذكر ذلك ابن عبد البر (٥) والقاضي عياض (٦). وقد جمع الحافظ ابن بشكوال في اسمه أقوالًا استوفاها النووي في شرح مسلم (٧). ٤٠/ ٥٨٣ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أنهُ قالَ: "مَنْ تَرَك أنْ يَلْبَسَ صَالِحَ الثِّيابِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيهِ تَوَاضُعًا لله دَعاهُ الله على رُءوسِ الْخَلَائِقِ حَتى يُخَيِّرَهُ في حُلَلِ الإيمَانِ أَيَّتهُنَّ شاءَ". رَواهُ أحمَدُ (٨) والتِّرمذِيُّ) (٩). [حسن]

стр. 1383

الحديث [حسنه الترمذي (١)] (٢)، وقد رواه من طريق عباس بن محمد الدوري عن عبد الله بن يزيد [المُقْرِي] (٣)، عن سعيد بن أبي أيوب عن أبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي ﷺ . [وعبد الرحيم بن ميمون قال النسائي: ليس به بأس، وضعفه ابن معين (٤). وسهل بن معاذ وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين (٥)] (٦). وفيه استحباب الزهد في الملبوس وترك لبس حسن الثياب ورفيعها لقصد التواضع، ولا شك أن لبس ما فيه جمال زائد من الثياب يجذب بعض الطباع إلى الزهو والخيلاء والكبر، وقد كان هديه ﷺ كما قال الحافظ ابن القيم (٧) أن يلبس ما تيسر من اللباس الصوف تارة، والقطن أخرى، والكتان تارة، ولبس البرود اليمانية، والبرد الأخضر، ولبس الجبة والقَباء والقميص إلى أن قال: فالذين يمتنعون عما أباح الله من الملابس والمطاعم والمناكحَ تزهدًا وتعبدًا بإزائهم طائفة قابلوهم فلم يلبسوا إلا أشرف الثياب، ولم يأكلوا إلا أطيب وألينَ

стр. 1384

الطعام فلم يروا لبس الخشن ولا أكله تكبرًا وتجبرًا وكلا الطائفتين مخالف لهدي النبي ﷺ ولهذا قال بعض السلف: كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب العالي والمنخفض وفي السنن (١) عن ابن عمر يرفعه "من لبس ثوبَ شُهرةٍ ألبسه اللهُ [تعالى] (٢) ثوبَ مذلةٍ" إلى آخر كلامه. وذكر الشيخ أبو إسحاق الأصفهاني بإسناد صحيح عن جابر بن أيوب قال: دخل الصلت بن راشد على محمد بن سيرين وعليه جبة صوف وإزار صوف وعمامة صوف فاشمأز عنه محمد وقال: أظن أن أقوامًا يلبسون الصوف ويقولون قد لبسه عيسى ابن مريم، وقد حدثني من لا أتهم أن النبي ﷺ قد لبس الكتان والصوف والقطن، وسنة نبينا [ ﷺ ] (٢) أحق أن تتبع. ومقصود ابن سيرين من هذا أن قومًا يرون أن لبس الصوف دائمًا أفضل من غيره فيتحرونه وبمنعون أنفسهم من غيره، وكذلك يتحرون زيًا واحدًا من الملابس ويتحرون رسومًا وأوضاعًا وهيئات يرون الخروج عنها منكرًا، وليس المنكر إلا التقييد بها والمحافظة عليها وترك الخروج عنها. والحاصل أن الأعمال بالنيات فلبس المنخفض من الثياب تواضعًا وكسرًا لسورة النفس التي لا يؤمن عليها من التكبر إن لبست غالي الثياب من المقاصد الصالحة الموجبات للمثوبة من الله [تعالى] (٢)، ولبس الغالي من الثياب عند الأمن على النفس من التسامي المشوب بنوع من التكبر لقصد التوصل بذلك إلى تمام المطالب الدينية من أمر بمعروف أو نهي عن منكر عند من لا يلتفت إلا إلى ذوي الهيئات كما هو الغالب على عوام زماننا وبعض خواصه لا شك أنه من الموجبات للأجر لكنه لا بد من تقييد ذلك بما يحل لبسه شرعًا. ٤١/ ٥٨٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنهما] (٢) قالَ: قالَ

стр. 1385

رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ في الدُّنْيا أَلْبَسَهُ الله ثَوْبَ مَذَلَّة يَوْمَ القِيامَةِ". رَواهُ أحمَدُ (١) وأبُو دَاوُدَ (٢) وابْنُ ماجَهْ) (٣). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا النسائي (٤)، ورجال إسناده ثقات، رواه أبو داود (٢) عن شيخه محمد بن عيسى بن بحيح بن الطباع، قال فيه أبو حاتم (٥): مبرز ثقة، له عدة مصنفات عن أبي عوانة الوضاح [وهو ثقة] (٦) عن عثمان بن أبي زرعة الثقفي، وقد أخرج له البخاري في الأنبياء عن المهاجر بن عمرو والشامي (٧)، وقد أخرج له ابن حبان في الثقات عن ابن عمر، وأخرجه أيضًا من طريق محمد بن عيسى عن القاضي شريك عن عثمان بذلك الإسناد. قوله: (من لبس ثوب شهرة) قال ابن الأثير (٨): الشهرة ظهور الشيء، والمراد أن ثوبه يشتهر بين الناس لمخالفة لونه لألوان ثيابهم فيرفع الناس إليه أبصارهم ويختال عليهم بالعجب والتكبر. قوله: (ألبسه الله تعالى ثوب مذلة) لفظ أبي داود (٢) "ثوبًا مثله"، والمراد بقوله "ثوب مذلة" ثوب يوجب ذلته يوم القيامة كما لبس في الدنيا ثوبًا يتعزز به على الناس ويترفع به عليهم، والمراد بقوله مثله في تلك الرواية أنه مثله في شهرته بين الناس. قال ابن رسلان: لأنه لبس الشهرة في الدنيا ليعزّ به ويفتخر على غيره، ويلبسه الله يوم القيامة ثوبًا يشتهر بمذلته واحتقاره بينهم عقوبة له، والعقوبة من جنس العمل انتهى. ويدل على هذا التأويل الزيادة التي زادها أبو داود (٩) من طريق أبي عوانة بلفظ: "تلهب فيه النار". والحديث يدل على تحريم لبس ثوب الشهرة وليس هذا الحديث مختصًا

стр. 1386

بنفيس الثياب، بل قد يحصل ذلك لمن يلبس ثوبًا يخالف ملبوس الناس من الفقراء، ليراه الناس فيتعجبوا من لباسه ويعتقدوه، قاله ابن رسلان. وإذا كان اللبس لقصد الاشتهار في الناس فلا فرق بين رفيع الثياب ووضيعها والموافق لملبوس الناس والمخالف لأن التحريم يدور مع الاشتهار، والمعتبر القصد وإن لم يطابق الواقع. ٤٢/ ٥٨٥ - (وَعَن ابْنِ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنهما]، (١) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ الله [تعالى] (١) إليهِ يَوْمَ القِيامَةِ"، فقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّ أحَدَ شِقَّيْ إزَارِي يَسْتَرْخِي إلَّا أنْ أتَعَاهَدَ ذلِكَ مِنْهُ، فقالَ: "إنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُ ذلِكَ خُيَلاءَ" رواهُ الجَمَاعَةُ (٢) إلَّا أنَّ مُسْلمًا (٣) وابْن ماجَهْ (٤) والتِّرْمذِيَّ (٥) لَمْ يَذْكُرُوا قِصَّةَ أبِي بَكْرٍ). قوله: (خُيلاء) (٦) فعلاء بضم الخاء المعجمة ممدود. والمخيلة والبطر الكبر والزهو والتبختر والخيلاء كلها بمعنى واحد، يقال: خال واختال اختيالًا إذا تكبر، وهو رجل خال أي متكبر، وصاحب خال أي صاحب كبر. قوله: (لم ينظر الله [تعالى] (١) إليه) النظر حقيقة في إدراك العين للمرئي، وهو هنا مجاز عن الرحمة (٧) أي لا يرحمه الله [تعالى] (١) لامتناع حقيقة النظر في حقه تعالى،

стр. 1387

والعلاقة هي السببية، فإن من نظر إلى غيره وهو في حالة ممتهنة رحمه. وقال في شرح الترمذي: عبر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر لأن من نظر إلى متواضع رحمه، ومن نظر إلى متكبر مقته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر. والحديث يدل على تحريم جر الثوب خيلاء. والمراد بجره هو جره على وجه الأرض وهو الموافق لقوله ﷺ : "ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار" كما سيأتي (١)، وظاهر الحديث أن الإسبال محرم على الرجال والنساء لما في صيغة من في قوله من جر من العموم، وقد فهمت أم سلمة ذلك لما سمعت الحديث فقالت: "فكيف [تصنع] (٢) النساء بذيولهن؟ قال: يرخينه شبرًا فقالت: إذًا [ينكشف] (٣) أقدامهن، قال: فيرخينه ذراعًا لا يزدن عليه" أخرجه النسائي (٤) والترمذي (٥)، ولكنه قد أجمع المسلمون على جواز الإسبال للنساء، كما صرح

стр. 1388

بذلك ابن رسلان في شرح السنن، وظاهر التقييد بقوله: خيلاء، يدل بمفهومه أن جر الثوب لغير الخيلاء لا يكون داخلًا في هذا الوعيد. قال ابن عبد البر (١): مفهومه أن الجار لغير الخيلاء لا يلَحقه الوعيد إلا أنه مذموم. قال النووي (٢): إنه مكروه وهذا نص الشافعي. قال البويطي في مختصره عن الشافعي: لا يجوز السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء، ولغيرها خفيف، لقول النبي ﷺ لأبي بكر (٣) انتهى. قال ابن العربي (٤): "لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول: لا أجر خيلاء، لأن النهي قد تناوله لفظًا ولا يجوز لمن تناوله لفظًا أن يخالفه إذ صار حكمه أن يقول: لا أمتثله، لأن تلك العلة ليست فيَّ. فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالة ذيله دالة على تكبره" انتهى. وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصده اللابس. ويدل على عدم اعتبار التقييد بالخيلاء ما أخرجه أبو داود (٥) والنسائي (٦) والترمذي (٧)، وصححه من حديث جابر بن سليم من حديث طويل فيه "وارفع إزارك إلى نِصْفِ السَّاقِ، فإن أبيتَ فإلى الكعبينِ، وإيَّاكَ وإسبالَ الإزارِ فإنها من المخيلَةِ وإن الله لا يُحِبُّ المخِيلةَ".

стр. 1389

وما أخرج الطبراني (١) من حديث أبي أمامة قال: "بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري. في حلة إزار ورداء قد أسبل، فجعل رسول الله ﷺ يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله ويقول: عبدك وابن عبدك وأمتك حتى سمعها عمرو فقال: يا رسول الله إني أحمش الساقين، فقال: يا عمرو إن الله تعالى قد أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو إن الله [تعالى] (٢) لا يحب المسبل". والحديث رجاله ثقات وظاهره أن عمرًا لم يقصد الخيلاء، وقد عرفت ما في حديث الباب من قوله ﷺ لأبي بكر: "إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء" وهو تصريح بأن مناط التحريم الخيلاء وأن الإسبال قد يكون للخيلاء وقد يكون لغيره فلا بد من حمل قوله "فإنها من المخيلة" في حديث جابر بن سليم على أنه خرج مخرج الغالب، فيكون الوعيد المذكور في حديث الباب متوجهًا إلى من فعل ذلك اختيالًا، والقول بأن كل إسبال من المخيلة أخذًا بظاهر حديث جابر ترده الضرورة، فإن كل أحد يعلم أن من الناس من يسبل إزاره مع عدم خطور الخيلاء بباله ويرده ما تقدم من قوله ﷺ لأبي بكر لما عرفت (٣).

стр. 1390

وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث وعدم إهدار قيد الخيلاء المصرح به في الصحيحين، وقد جمع بعض المتأخرين (١)، رسالة طويلة (٢) جزم فيها بتحريم الإسبال مطلقًا، وأعظم ما تمسك به حديث جابر. وأما حديث أبي أمامة فغاية ما فيه التصريح بأن الله [تعالى] (٣) لا يحب المسبل، وحديث الباب مقيد بالخيلاء وحمل المطلق على المقيد واجب وأما كون الظاهر من عمرو أنه لم يقصد الخيلاء فما بمثل هذا الظاهر تعارض الأحاديث الصحيحة، وسيأتي ذكر المقدار الذي يعد إسبالًا، وذكر عموم الإسبال لجميع اللباس. ومن الأحاديث الدالة على أن الإسبال من أشد الذنوب ما أخرجه مسلم (٤) وأبو داود (٥) والترمذي (٦) والنسائي (٧) وابن ماجه (٨) عن أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، قلت: من هم يا رسول الله! فقد خابوا وخسروا؟ فأعادها ثلاثًا، قلت من هم خابوا وخسروا؟ قال: المسبل، والمنَّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب أو الفاجر". وما أخرجه أبو داود (٩) وغيره (١٠) من حديث أبي هريرة قال: "بينما رجل

стр. 1391

يصلي مسبلًا إزاره، فقال له رسول الله ﷺ : اذهب فتوضأ فذهب فتوضأ ثم جاء، قال: اذهب فتوضأ، فقال له رجل: يا رسول الله مالك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه قال: إنه صلى وهو مسبل إزاره، وإن الله [تعالى] (١) لا يقبل صلاة رجل مسبل" وفي إسناده أبو جعفر (٢) رجل من أهل المدينة لا يعرف اسمه. وما أخرجه أبو داود (٣) من جملة حديث طويل، وفيه "قال لنا رسول الله ﷺ : نعم الرجل خزيم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره". ٤٣/ ٥٨٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ [رضي الله تعالى عنهما] (١) عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "الإِسْبالُ في الإِزَارِ والْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ مَنْ جَرَّ [شَيئًا] (٤) خُيَلأَ لَمْ يَنْظُرِ الله [تعالى] (١) إِلَيْهِ يَوْمِ القِيامَةِ" رَواهُ أبُو دَاوُد (٥) والنسائيُّ (٦) وابْنُ ماجَهْ) (٧). [صحيح]

стр. 1392

الحديث في إسناده عبد العزيز بن أبي رواد، وقد تكلم فيه غير واحد (١). قال ابن ماجه (٢) قال أبو بكر بن أبي شيبة: ما أعرفه انتهى. وهو مولى المهلب بن أبي صفرة، وقد أخرج له البخاري. وقال النووي في شرح مسلم (٣) بعد أن ذكر هذا الحديث: إن إسناده حسن. والحديث يدل على عدم اختصاص الإسبال بالثوب والإزار بل يكون في القميص والعمامة كما في الحديث. قال ابن رسلان: والطيلسان والرداء والشملة. قال ابن بطال: وإسبال العمامة المراد به إرسال العذبة زائدًا على ما جرت به العادة انتهى. وأما المقدار الذي جرت به العادة، فقد تقدم أن النبي ﷺ فعله هو وأصحابه، وتطويل أكمام القميص تطويلًا زائدًا على المعتاد من الإسبال، وقد نقل القاضي عياض (٤) عن العلماء كراهة كل ما زاد على المعتاد في اللباس في الطول والسعة.

стр. 1393

٤٤/ ٥٨٧ - (وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ [رضي الله تعالى عنه] (١) عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "لَا يَنْظُرُ الله [تعالى] (١) إلى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٢). وَلأحْمَدَ (٣) وَالبُخاريِّ (٤): "ما أسْفَلَ منَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الإزَارِ في النَّارِ"). [صحيح] قوله: (بطرًا) قد تقدم أن البطر معناه معنى الخيلاء، وفي القاموس (٥): البطر النشاط، والأشر وقلة احتمال النعمة والدهش والحيرة والطغيان وكراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهة انتهى. قوله: (ما أسفل من الكعبين إلخ) قال في الفتح (٦): "ما" موصولة وبعض صلته المحذوف وهو كان، وأسفل خبره، وهو منصوب ويجوز الرفع: أي ما هو أسفل وهو أفعل تفضيل، ويحتمل أن يكون فعلًا ماضيًا، ويجوز أن تكون "ما" نكرة موصوفة بأسفل. قال الخطابي: يريد أن الموضع الذي [يناله] (٧) الإزار من أسفل الكعبين في النار فكنى بالثوب عن بدن لابسه، ومعناه أن الذي دون الكعبين من القدم يعذب عقوبة؛ وحاصله أنه من تسمية الشيء باسم ما جاوره أو حل فيه، وتكون "من" بيانية، ويحتمل أن تكون سببية، ويكون المراد الشخص نفسه" فيكون هذا من باب تسمية الشيء بما يئول إليه أمره في الآخرة، كقوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (٨) يعني عنبًا فسماه بما يئول إليه غالبًا. وقيل: معناه فهو محرم عليه لأن الحرام يوجب النار في الآخرة. وقد أخرج أبو داود (٩) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أزرةُ المسلمِ إلى نصفِ الساقِ، ولا حرج أو لا جناح فيما بينهُ وبين الكعبينِ، وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار". وأخرجه أيضًا النسائي (١٠) وابن ماجه (١١).

стр. 1394

وحديث الباب يدل على أن الإسبال المحرم إنما يكون إذا جاوز الكعبين، وقد تقدم الكلام على اعتبار الخيلاء وعدمه. [الباب الحادي عشر] باب نهي المرأة أن تلبس ما يحكي بدنها أو تشبه بالرجال (١) ٤٥/ ٥٨٨ - (عَنْ أُسامَةَ بْنِ زيدٍ [رضي الله تعالى عنهما] (٢) قالَ: كَسانِي رَسُولُ الله ﷺ قُبْطِيَّةً كَثيفَةً كانْتَ مِمَّا أَهْدَى لهُ دِحْيَةَ الكَلْبِيُّ، فَكَسَوْتُها امْرَأتِي، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ما لَكَ لَا تَلْبَسُ القبْطِيَّةَ؟ " فقلْتُ: يا رَسُولَ الله كَسَوْتُها امْرَأَتِي، فقالَ: "مُرْها أنْ تَجْعَل تَحْتَها غِلَالةً فإِنِّي أخافُ أنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِها". رَوَاهُ أحْمَدُ) (٣). [حسن] الحديث [أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٤) والبزار (٥) وابن سعد (٦)
следующие страницы →