← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 1565–1604 · переход к 1570.

стр. 1565

قوله: (في صلاة الصبح) هكذا في صحيح مسلم (١) من حديث أنس بلفظ: (وهم ركوع في صلاة الفجر) وكذا عند الطبراني (٢) من حديث سهل بن سعد بلفظ: (فوجدهم يصلون صلاة الغداة) وفي الترمذي (٣) من حديث البراء بلفظ: (فصلى رجل معه العصر) وساق الحديث وهو مصرح بذلك في رواية البخاري (٤) من حديث البراء وليس عند مسلم تعيين الصلاة من حديث البراء. وفي حديث عمار بن أوس (٥) أن التي صلاها النبي ﷺ إلى الكعبة إحدى صلاتي العشي. وهكذا في حديث عمار بن رويبة (٦)، وحديث تويلة (٧)، وفي حديث أبي سعيد بن المعلى (٨) أنها الظهر. والجمع بين هذه الروايات أن من قال: إحدى صلاتي العشي شك هل هي الظهر أو العصر؟ وليس من شك حجة على من جزم، فنظرنا فيمن جزم فوجدنا بعضهم قال الظهر، وبعضهم قال العصر، ووجدنا رواية العصر أصح لثقة رجالها وإخراج البخاري لها في صحيحه (٤). وأما حديث كونها الظهر ففي إسنادها مروان بن عثمان وهو مختلف فيه (٩). وأما رواية أن أهل قباء كانوا في صلاة الصبح فيمكن أنه أبطأ الخبر عنهم إلى صلاة الصبح. قال ابن سعد في الطبقات حاكيًا عن بعضهم: إن ذلك كان بمسجد المدينة، فقال: (ويقال صلى رسول الله ﷺ ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين ثم أمر أن

стр. 1566

يتوجه إلى المسجد الحرام فاستدار إليه وكان معه المسلمون)، ويكون المعنى برواية البخاري أنها العصر: أي [أن] (١) أوّل صلاة صلاها إلى الكعبة كاملة صلاة العصر. قوله: (إذ جاءهم آت) قيل: هو عباد بن بشر، وقيل: عباد بن نهيك، وقيل غيرهما. قوله: (فاستقبَلوها) بفتح الموحدة للأكثر: أي فتحوّلوا إلى جهة الكعبة وفاعل استقبلوها المخاطبون بذلك وهم أهل قباء ويحتمل أن يكون فاعل استقبلوها النبي ﷺ ومن معه. وفي رواية في البخاري (٢) بكسر الموحدة بصيغة الأمر، ويؤيد الكسر ما عند البخاري (٢) في التفسير بلفظ: (ألا فاستقبلوها). قوله: (وكانت وجوههم) هو تفسير من الراوي للتحوّل المذكور والضمير في وجوههم فيه الاحتمالان، وقد وقع بيان كيفية التحول في خبر تُويلة قالت: (فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء) (٣). قال الحافظ (٤): (وتصويره أن الإمام تحوَّل من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد لأنَّ من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف، ولما تحول الإمام تحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحول النساء حتى صرن خلف الرجال، وهذا يستدعي عملًا كثيرًا في الصلاة فيحتمل أن ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير كما كان قبل تحريم الكلام، ويحتمل أن يكون اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة، أو وقعت الخطوات غير متوالية عند التحول بل وقعت مفرقة). وللحديث الأول فوائد: (منها) أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه لأن أهل قباء لم يؤمروا بالإعادة.

стр. 1567

(ومنها) جواز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ في أمر القبلة (١)، لأن الأنصار تحوّلوا إلى جهة الكعبة بالاجتهاد، ونظره الحافظ وقال: يحتمل أن يكون عندهم بذلك نص سابق. (ومنها) جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها. (ومنها) جواز نسخ الثابت بطريق العلم والقطع بخبر الواحد، وتقريره أن النبي ﷺ لم ينكر على أهل قباء عملهم بخبر الواحد (٢). وأجيب عن ذلك بأن الخبر المذكور احتف بالقرائن والمقدمات التي أفادت القطع لكونه في زمن تقلب وجهه ﷺ في السماء ليحوَّل إلى جهة الكعبة، وقد عرفت منه الأنصار ذلك بملازمتهم له فكانوا يتوقعون ذلك في كل وقت، فلما فجأهم الخبر عن ذلك أفادهم العلم لما كانوا يتوقعون حدوثه. وأجاب العراقي بأجوبة أخر: (منها) أن النسخ بخبر الواحد كان جائزًا على عهد النبي ﷺ وإنما امتنع بعده. قال الحافظ (٣): ويحتاج إلى دليل. (ومنها) أنه تلا عليهم الآية التي فيها ذكر النسخ بالقرآن وهم أعلم الناس بإطالته وإيجازه وأعرفهم بوجوه إعجازه.

стр. 1568

(ومنها) أن العمل بخبر الواحد مقطوع به، ثم قال: الصحيح أن النسخ للمقطوع بالمظنون كنسخ نص الكتاب أو السنة المتواترة بخبر الواحد جائز عقلًا وواقع سمعًا في عهد النبي ﷺ وزمانه، ولكن أجمعت الأمة على منعه بعد الرسول فلا مخالف فيه، وإنما الخلاف في تجويزه في عهد الرسول ﷺ انتهى. ومن فوائد الحديث ما ذكره المصنف قال: وهو حجة في قبول أخبار الآحاد (١) انتهى، وذلك لأنه أجمع عليه الذين بلغ إليهم ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ، بل روى الطبراني (٢) في آخر حديث تويلة أن رسول الله ﷺ قال فيهم: (أولئك رجال آمنوا بالغيب). [الباب الثاني] باب حجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة لا العين ٤/ ٦٥٧ - (عَنْ أبي هُرَيْرَة أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: (ما بَيْنَ الْمَشْرقِ والْمَغْرِبِ قِبلَةٌ)، رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ (٣) والتِّرمذِيُّ (٤) وَصَحَّحهُ. [صحيح] وَقَوْلهُ ﵊ في حَدِيثِ أبِي أَيُّوبَ (٥): "وَلَكِنْ شرِّقُوا أوْ غَرِّبُوا). يُعَضِّدُ ذلِكَ). [صحيح] الحديث الأول أخرجه الترمذي (٤) وابن ماجه (٣) من طريق أبي معشر (٦)،

стр. 1569

وقد تابع أَبا معشر عليه علي بن ظبيان قاضي حلب (١) كما رواه ابن عدي في الكامل (٢). قال: ولا أعلم يرويه عن محمد بن عمرو غير علي بن ظبيان وأبي معشر، وهو بأبي معشر أشهر منه بعلي بن ظبيان. قال: ولعل علي بن ظبيان سرقه منه، وذكر قول ابن معين فيه أنه ليس بشيء، وقول النسائي: متروك الحديث. وقد تابعه عليه أيضًا أبو جعفر الرازي (٣)، رواه البيهقي في الخلافيات. وأبو جعفر وثقه ابن معين وابن المديني وأبو حاتم، وقال أحمد والنسائي: ليس بقوي (٤). وقال الفَلَّاس (٥): سيئ الحفظ. وأبو معشر المذكور ضعيف. والحديث رواه أيضًا الحاكم (٦)

стр. 1570

والدارقطني (١). وقد أخرج الحديث الترمذي (٢) من طريق أخرى غير طريق أبي معشر، وقال: حديث حسن صحيح. وقد خالفه البيهقي (٣) فقال بعد إخراجه من هذه الطريق (٤): هذا [إسناد] (٥) ضعيف، فنظرنا في الإسناد فوجدنا عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس بن شريق (٦) قد تفرد به عن المقبري، وقد اختلف فيه، فقال علي بن المديني: إنه

стр. 1571

روى أحاديث مناكير، ووثقه ابن معين وابن حبان، فكان الصواب ما قاله الترمذي. وأما الحديث الثاني: أعني حديث أبي أيوب فهو متفق عليه (١)، وقد تقدم شرحه في أبواب التخلي. وفي الباب عن ابن عمر عند البيهقي (٢). وفي الباب أيضًا من قول عمر عند الموطأ (٣) وابن أبي شيبة (٤) والبيهقي (٥). ومن قول علي [﵇] (٦) عند ابن أبي شيبة (٧). ومن قول عثمان عند ابن عبد البر في التمهيد (٨). ومن قول ابن عباس أشار إلى ذلك الترمذي (٩). والحديث يدل على أن الفرض على من بعد عن الكعبة الجهة لا العين، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد، وهو ظاهر ما نقله المزني عن الشافعي. وقد قال الشافعي أيضًا: إن شطر البيت وتلقاءه وجهته واحد في كلام العرب، واستدل لذلك أيضًا بحديث أخرجه البيهقي (١٠) عن ابن عباس: أَن

стр. 1572

رسول الله ﷺ قال: (البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض مشارقها ومغاربها من أمتي). قال البيهقي (١): تفرد به عمر بن حفص المكي وهو ضعيف (٢). قال: وروي بإسناد آخر ضعيف لا يحتج بمثله. وإلى هذا المذهب ذهب الأكثر، وذهب الشافعي في أظهر القولين عنه إلى أن فرض من بعد العين وأنه يلزمه ذلك بالظن لحديث أسامة بن زيد (٣): (أنه ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه ولم يصل فيه حتى خرج، فلما خرج ركع ركعتين في قبل القبلة وقال: هذه القبلة). ورواه البخاري (٤) من حديث ابن عباس مختصرًا، وقد عرفت ما قدمنا في باب صلاة التطوع في الكعبة (٥) من ترجيح أنه ﷺ صلى في الكعبة. وقد اختلف في معنى حديث الباب الأول، فقال العراقي (٦): ليس عامًا في سائر البلاد، وإنما هو بالنسبة إلى المدينة المشرفة وما وافق قبلتها، وهكذا قال البيهقي في الخلافيات (٧)، وهكذا قال أحمد بن خالويه الوهبي. قال: ولسائر البلدان من السعة في القبلة مثل ذلك بين الجنوب والشمال ونحو ذلك. قال ابن عبد البر (٨): وهذا صحيح لا مدفع له ولا خلاف بين أهل العلم فيه. وقال الأثرم (٩): سألتُ أحمدَ بن حنبل عن معنى الحديث فقال: هذا في كُلِّ البلدانِ إلا بمكَّةَ عندَ البيتِ فإنه إن زال عنه شيئًا وإن قلَّ فقد تركَ القِبلةَ.

стр. 1573

ثم قال (١): هذا المشرِقُ وأشارَ بيدِهِ وهذا المغربُ - وأشارَ بيدِهِ - وما بينهما قبلةٌ، قلتُ له: فصلاةُ من صلى بينهما جائزة؟ قال: نعم وينبغي أن يتحرَّى الوَسَط. اهـ. قال ابن عبد البر (٢): تفسيرُ قولِ أحمدَ هذا في كلِّ البلدانِ يريد أن البلدان كلها لأهلها في قبلتهم مثل ما لمن كانت قبلتهم بالمدينة الجنوب التي يقع لهم فيها الكعبة فيستقبلونَ جهتها ويتسعونَ يمينًا وشمالًا فيها ما بين المشرق والمغرب، يجعلُونَ المغرب عن أيمانِهِم والمشرِقَ عن يسارهم. وكذلك لأهل اليمنِ من السعة في قبلتهم مثل ما لأهل المدينةِ ما بين المشرق والمغرب إذا توجهوا أيضًا قبل القبلة، إلا أنهم يجعلون المشرق عن أيمانهم والمغرب عن يسارهم. وكذلك أهلُ العراق وخراسانَ لهم من السعة في استقبالِ القِبلةِ ما بين الجنوب والشمال مثل ما كان لأهل المدينة من السعة فيما بين المشرق والمغرب. وكذلك ضد العراق على ضد ذلك أيضًا (٣) وإنما تضيقُ القبلةِ كل الضيق على أهل المسجد الحرام وهي لأهل مكة أوسع قليلًا ثم هي لأهل الحرم أوسع قليلًا ثم لأهل الآفاق من السعة على حسب [ما ذكرنا] (٤) اهـ. قال الترمذي (٥): قال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة .. وقال ابن المبارك: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) هذا لأهل المشرق، واختار ابن المبارك التياسر لأهل مرو اهـ. [قال العراقي] (٦): وقد يُستشكل قول ابن المبارك من حيث أنَّ من كان بالمشرق إنما يكون قبلته المغرب، فإن مكة بينه وبين المغرب. والجواب [عنه] (٧) أَنه أراد بالمشرق البلاد التي يطلق عليها اسم المشرق

стр. 1574

كالعراق مثلًا، فإن قبلتهم أيضًا بين المشرق والمغرب قبلة لأهل العراق، قال: وقد ورد مقيدًا بذلك في بعض طرق حديث أبي هريرة: (ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل العراق) رواه البيهقي في الخلافيات. وروى ابن أبي شيبة (١) عن ابن عمر أنه قال: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك، فما بينهما قبلة لأهل المشرق. ويدل على ذلك أيضًا تبويب البخاري (٢) على حديث أبي أيوب بلفظ: (باب قِبلةِ أهلِ المدينةِ وأهلِ الشامِ والمشرقِ، ليس في المشرقِ ولا المغرِبِ قِبلةٌ). قال ابن بطال (٣) في تفسير هذه الترجمة: (يعني: وقبلة مشرق الأرض كلها إلا ما قابل مشرق مكة من البلاد التي تكون تحت الخط المار عليها من المشرق إلى المغرب، فحكم مشرق الأرض كلها كحكم مشرق أهل المدينة والشام في الأمر بالانحراف عند الغائط، لأنهم إذا شرّقوا أو غرّبوا لم يستقبلوا القبلة ولم يستدبروها". قال (٤): (وأما ما قابل مشرق مكة من البلاد التي تكون تحت الخط المارِّ عليها من مشرقها إلى مغربها فلا يجوز لهم استعمال هذا الحديث، ولا يصح لهم أن يشرِّقوا ولا أَن يغرِّبوا؛ لأنهم إذا شرقوا استدبروا القبلة وإذا غربوا استقبلوها، وكذلك من كان موازيًا بالمغرب مكة، إذ العلة فيه مشتركة مع المشرق فاكتفى بذكر المشرق عن المغرب؛ لأن المشرق أكثر الأرض المعمورة وبلاد الإسلام في جهة مغرب الشمس قليل). قال (٥): (وتقدير الترجمة: بأن قبلة أهل المدينة وأَهل الشام والمشرق ليس في التشريق ولا في التغريب، يعني أنهم عند الانحراف للتشريق والتغريب ليسوا بمواجهين للقبلة ولا مستدبرين لها، والعرب تطلق المشرق والمغرب بمعنى التغريب والتشريق وأنشد ثعلب في المجالس:

стр. 1575

أَبَعْد مَغْرِبِهِم نجدًا وساحتها قال ثعلب: معناه أَبعد تغريبهم". انتهى. وقد أطلنا الكلام في تفسير معنى الحديث لأنه كثيرًا ما يسأل عنه الناس ويستشكلونه لا سيما مع زيادة لفظ لأهل المشرق. [الباب الثالث] باب ترك القبلة لعذر الخوف ٥/ ٦٥٨ - (عَنْ نافِعٍ عن ابْنِ عُمَرَ أنهُ كانَ إذَا سُئلَ عَنْ صَلَاةِ الْخَوفِ وَصَفَهَا، ثمَّ قالَ: فإِنْ كان خَوْفٌ هُوَ أَشَد مِنْ ذلِكَ صَلُّوا رِجالًا قِيَامًا على أقْدَامِهِمْ وَرُكْبانًا مُسْتَقْبِلي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِليها، قالَ نافِعٌ: وَلَا أَرَى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذلِكَ إلَّا عَنِ النَّبيِّ ﷺ . رَوَاهُ البُخارِيُّ) (١). [صحيح] الحديث ذكره البخاري (٢) في تفسير سورة البقرة، وأخرجه مالك في الموطأ (٣). وقال في آخره: قال نافع: لا أَرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ . ورواه ابن خزيمة (٤)، وأخرجه مسلم (٥) وصرح بأن الزيادة من قول ابن عمر. ورواه البيهقي (٦) من حديث موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. وقال النووي في شرح المهذب (٧): هو بيان حكم من أحكام صلاة الخوف لا تفسير للآية. وقد أخرجه البخاري (٨) في صلاة الخوف بلفظ: وزاد ابن عمر عن النبي ﷺ : "وإذا كانوا أكثر من ذلك فليصلوا قيامًا وركبانًا".

стр. 1576

والحديث يدل على أن صلاة الخوف لا سيما إذا كثر العدو تجوز حسب الإمكان فينتقل عن القيام إلى الركوب (١) وعن الركوع والسجود إلى الإيماء، ويجوز ترك ما لا يقدر عليه من الأركان. وبهذا قال الجمهور (٢)، لكن قالت المالكية (٣): لا يصنعون ذلك إلا إذا خشي فوات الوقت. وسيأتي للمصنف في باب الصلاة في شدة الخوف (٤) نحو ما هنا، ويأتي شرحه هنالك إن شاء الله. [الباب الرابع] باب تطوع المسافر على مركوبه حيث توجه به ٦/ ٦٥٩ - (عَنِ ابْنِ عمَرَ [﵃] (٥) قالَ: كانَ النبيُّ ﷺ يُسَبِّحُ على رَاحِلَتِهِ قِبَلَ أيِّ وجهَةٍ تَوَجَّهَ ويُوتِرُ عَلَيْها غَيْرَ أنهُ لَا يُصلِّي عَلَيْها الْمَكْتُوبَةَ. مُتَّفَقٌ عَليْهِ (٦). [صحيح] وفي رواية: كانَ يصَلِّي على رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إلى الْمَدِينةِ حَيْثُما تَوجَّهَتْ بهِ، وَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٧). رَوَاهُ أحمدُ (٨) ومُسلِمٌ (٩) والتِّرْمِذِيُّ (١٠) وَصحَّحهُ). [صحيح] الحديث قد تقدم شرحه والكلام على فقهه في باب صلاة الفرض على الراحلة (١١)، لأن المصنف ﵀ ذكره هنالك بنحو ما هنا من حديث عامر بن ربيعة.

стр. 1577

ولفظ الرواية الآخرة في الترمذي (١): "أن النبي ﷺ صلى إلى بعيره أو راحلته وكان يصلي على راحلته حيثما توجهت به" ولم يذكر نزول الآية. قوله: (حيثما توجهت به) قيدت الشافعية الحديث بالمذهب فقالت: إذا توجهت به نحو مقصده وأما إذا توجهت به إلى غير مقصده فإن كان إلى جهة القبلة لم يضره وإن كان إلى غيرها بطلت صلاته وقد تقدم (٢). [في أول أبواب الاستقبال ما يدل على أن الآية نزلت في صلاة الفريضة ولكن الصحيح ما هنا كما تقدم] (٣). ٧/ ٦٦٠ - (وَعَنْ جابِرٍ [﵁] (٣) قالَ: رَأَيْتُ النبيَّ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ على رَاحِلَتِهِ النَّوافِلَ في كُلِّ جِهَةٍ، ولكِنْ يَخْفِضُ السُّجُودَ مِنَ الرُّكُوعِ وَيُومِئ إيمَاءً. رَوَاهُ أحَمدُ (٤). وفي لَفْظٍ: بَعَثَنِي النَّبيُّ ﷺ في حاجَةٍ فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّي على رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، والسُّجُودُ أخْفَضُ مِنَ الرُّكُوعِ. رَوَاهُ أبُو دَاودَ (٥) والترْمِذِيُّ (٦) وَصحَّحَهُ). [صحيح] الحديث أخرجه البخاري (٧) عن جابر ولكن بلفظ: "كان يصلي التطوع وهو راكب" وفي لفظ [له] (٨): "كان يصلي على راحلته نحو المشرق فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة" وأخرجه أيضًا مسلم (٩) بنحو ذلك. وفي الباب عن جماعة من الصحابة (١٠) وقد قدمنا في باب

стр. 1578

صلاة الفرض على الراحلة أنه يجوز التطوع عليها للمسافر بالإجماع، وقدمنا الخلاف في جواز ذلك في الحضر وفي جواز صلاة الفريضة. والحديث يدل على أن سجود من صلى على الراحلة يكون أخفض من ركوعه ولا يلزمه وضع الجبهة على السرج ولا بذل غاية الوسع في الانحناء، بل يخفض سجوده بمقدار يفترق به السجود عن الركوع. ٨/ ٦٦١ - (وَعَن أنَسِ بْنِ مالِكٍ [﵁] (١) قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا أرَادَ أَنْ يصلِّيَ على رَاحِلَتِهِ تَطَوُّعًا اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَكَبّرَ لِلصَّلَاةِ ثمَّ خَلَّى عَنْ رَاحِلَتِهِ فصَلَّى حَيْثُما تَوَجَّهَتْ بِهِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وأبُو دَاوُدَ) (٣) [حسن] الحديث أخرجه أيضًا لشيخان (٤) بنحو ما هنا. وأخرجه أيضًا النسائي (٥) من رواية يحيى بن سعيد عن أنس وقال (٦): حديث يحيى بن سعيد عن أنس الصواب موقوف. وأَما أبو داود فأخرجه من رواية الجارود بن أبي سبرة عن أنس. والحديث يدل على جواز التنفل على الراحلة، وقد تقدم الكلام على ذلك وعلى أنه لا بد من الاستقبال حال تكبيرة الإحرام، ثم لا يضر الخروج بعد ذلك عن سمت القبلة كما أسلفنا.

стр. 1579

[ثامنًا] أبواب صفة الصلاة [الباب الأول] باب افتراض افتتاحها بالتكبير ١/ ٦٦٢ - (عَنْ عَلي بْنِ أبِي طالب ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ قال: "مِفْتاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْريمُها التَّكْبِيرُ، وتَحْليلُها التَّسْلِيم". رَوَاهُ الخَمسةُ إلّا النسائيَّ (١)، وقالَ التِّرمِذِيّ (٢): هَذا أَصَحُّ شَيء في هذا البَابِ وَأَحْسَنُ). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا الشافعي (٣) والبزار (٤) والحاكم (٥) وصححه، وابن السكن من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن الحنفية (٦) عن علي. قال البزار (٧): لا نعلمه عن علي إلا من هذا الوجه. وقال أبو نعيم (٨): تفرد به ابن عقيل. وقال العقيلي (٩): في إسناده لين. وقال: هو أصح (١٠) من حديث جابر

стр. 1580

الآتي، وعكس ذلك ابن العربي (١) فقال: حديث جابر أصح شيء في هذا الباب، والعقيلي أقعد منه بمعرفة الفن (٢). وقال ابن حبان (٣): هذا حديث لا يصح لأن له طريقين: (إحداهما) عن علي، وفيه ابن عقيل وهو ضعيف، (والثانية) عن أبي نضرة عن أبي سعيد تفرد به أبو سفيان عنه. وفي الباب عن جابر عند أحمد (٤) والبزار (٥) والترمذي (٦) والطبراني (٧)، وفي إسناده أبو يحيى القتات (٨) وهو ضعيف. وقال ابن عدي (٩): [أحسن] (١٠) أحاديثه عندي حسان. وعن أبي سعيد عند الترمذي (١١) وابن ماجه (١٢) وفي إسناده أبو سفيان طريف بن شهاب (١٣) وهو ضعيف، ورواه الحاكم (١٤) عن سعيد بن مسروق الثوري عن أبي سعيد وهو معلول، قاله الحافظ (١٥).

стр. 1581

وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن زيد عند الطبراني (١)، وفي إسناده الواقدي. وعن ابن عباس عند الطبراني (٢) أيضًا وفي إسناده نافع بن هرمز وهو متروك. وعن أنس عند ابن عدي (٣) وفي إسناده أيضًا نافع بن هرمز (٤). وعن عبد الله بن مسعود عند أبي نعيم (٥). قال الحافظ (٦): وإسناده صحيح وهو موقوف. وعن عائشة عند مسلم (٧) وغيره (٨) بلفظ: "كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين" الحديث، وآخره "وكان يختم الصلاة بالتسليم". وروى الحديث الدارقطني (٩) من حديث أبي إسحق والبيهقي (١٠) من حديث شعبة.

стр. 1582

وهذه الطرق يقوّي بعضها بعضًا فيصلح الحديث للاحتجاج به. قوله: (مفتاح) بكسر الميم، والمراد أنه أول شيء يفتتح به من أعمال الصلاة لأنه شرط من شروطها. قوله: (الطهور) بضم الطاء، وقد تقدم ضبطه في أول الكتاب، وفي رواية: "الوضوء مفتاح الصلاة". قوله: (وتحريمها التكبير) فيه دليل على أن افتتاح الصلاة لا يكون إلا بالتكبير دون غيره من الأذكار، وإليه ذهب الجمهور (١). وقال أبو حنيفة (٢): تنعقد الصلاة بكل لفظ قصد به التعظيم، والحديث يرد عليه لأن الإضافة في قوله: تحريمها، تقتضي الحصر، فكأنه قال: جميع تحريمها التكبير، أي انحصرت صحة تحريمها في التكبير لا تحريم لها غيره، كقولهم: مال فلان الإبل، وعلم فلان النحو. وفي الباب أحاديث كثيرة تدل على تعيين لفظ التكبير من قوله ﷺ وفعله، وعلى هذا فالحديث يدل على وجوب التكبير، وقد اختلف في حكمه. فقال الحافظ (٣): إنه ركن عند الجمهور، وشرط عند الحنفية، ووجه عند الشافعي، وسنة عند الزهري. قال ابن المنذر (٤): ولم يقل به أَحد غيره، وروي

стр. 1583

عن سعيد بن المسيب والأوزاعي ومالك، ولم يثبت عن أَحد منهم تصريحًا، وإنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعًا: يجزيه تكبيرة الركوع. قال الحافظ (١): نعم نقله الكرخي (٢) من الحنفية عن ابن علية وأبي بكر الأصم ومخالفتهما للجمهور كثيرة. وذهب إلى الوجوب جماعة من السلف، قال في البحر (٣): إنه فرض إلا عن نفاة الأذكار والزهري، ويدل على وجوبه ما في حديث المسيء عند مسلم (٤) وغيره من حديث أبي هريرة بلفظ: "فإذا قُمتَ إلى الصلاةِ فأسْبغِ الوضوءَ، ثم استقبلِ القبلةَ فكَبِّرْ" وعند الجماعة (٥) من حديثه بلفظ: "إذا قمتَ إلى الصلاةِ فكبِّر" وقد تقرر أن حديث المسيء هو المرجع في معرفة واجبات الصلاة، وأن كل ما هو مذكور فيه واجب، وما خرج عنه وقامت عليه أدلة تدل على وجوبه ففيه خلاف سنذكره إن شاء الله في شرحه في الموضع الذي سيذكره فيه المصنف. ويدل للشرطية حديث رفاعة في قصة المسيء صلاته عند أبي داود (٦) بلفظ: "لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبر" ورواه الطبراني (٧) بلفظ: "ثم يقولُ: الله أكبرُ" والاستدلال بهذا على الشرطية صحيح إن كان نفي التمام يستلزم نفي الصحة وهو الظاهر، لأنا متعبدون بصلاة لا نقصان فيها، فالناقصة غير صحيحة، ومن ادعى صحتها فعليه البيان. وقد جعل صاحب ضوء النهار (٨) نفي التمام هنا هو نفي الكمال بعينه،

стр. 1584

واستدل على ذلك بقوله ﷺ في حديث المسيء: "فإن انتقصت من ذلك شيئًا فقد انتقصت من صلاتك" وأنت خبير بأن هذا من محل النزاع أيضًا. لأنا نقول: الانتقاص يستلزم عدم الصحة لذلك الدليل الذي أسلفناه، ولا نسلم أن ترك مندوبات الصلاة ومسنوناتها انتقاص منها، لأنها أمور خارجة عن ماهية الصلاة، فلا يرد الإلزام بها، وكونها تزيد في الثواب لا يستلزم أنها منها، كما أن الثياب الحسنة تزيد في جمال الذات وليست منها. نعم وقع في بعض روايات (١) الحديث بلفظ: "أَنه لما قال ﷺ : فإنك لم تصل" كبر على الناس أنه من أخف صلاته لم يصل، حتى قال ﷺ : "فَإنْ انتقصْتَ مِنْ ذلِكَ شَيئًا فقد انتقصْتَ مِنْ صَلاتِكَ" فكان أهون عليهم (٢). فكون هذه المقالة كانت أهون عليهم يدل على أن نفي التمام المذكور بمعنى نفي الكمال، إذ لو كان بمعنى نفي الصحة لم يكن فرق بين المقالتين، ولما كانت هذه أهون عليهم. ولا يخفاك أن الحجة في الذي جاءنا عن الشارع من قوله وفعله وتقريره لا في فهم بعض الصحابة، سلمنا أن فهمهم حجة لكونهم أعرف بمقاصد الشارع، فنحن نقول بموجب ما فهموه ونسلم أن بين الحالتين تفاوتًا، ولكن ذلك التفاوت من جهة أن من أتى ببعض واجبات الصلاة فقد فعل خيرًا من قيام وذكر وتلاوة، وإنما يؤمر بالإعادة لدفع عقوبة ما ترك، وترك الواجب سبب للعقاب، فإذا كان يعاقب بسبب ترك البعض لزمه أن يفعله إن أمكن فعله وحده، وإلا فعله مع غيره والصلاة لا يمكن فعل المتروك منها إلا بفعل جميعها. وقد أجاب بمعنى هذا الجواب الحافظ ابن تيمية حفيد المصنف (٣) وهو

стр. 1585

حسن ثم إنا نقول غاية ما تنتهض له دعوى من قال إن نفي التمام بمعنى نفي الكمال هو عدم الشرطية لا عدم الوجوب، لأن المجيء بالصلاة تامة كاملة واجب. وما أحسن ما قاله ابن تيمية في المقام (١) ولفظه: (ومن قال من الفقهاء: إن هذا لنفي الكمال قيل له: إن أردت الكمال المستحب فهذا باطل لوجهين: (أحدهما): أن هذا لا يوجد قط في لفظ الشارع أنه ينفي عملًا فعله العبد على الوجه الذي وجب عليه، ثم ينفيه لترك المستحبات، بل الشارع لا ينفي عملًا إلا إذا لم يفعله العبد كما وجب عليه. (والثاني): لو نفى لترك مستحب لكان عامة الناس لا صلاة لهم ولا صيام، فإن الكمال المستحب متفاوت، إذ كل من لم يكملها كتكميل رسول الله ﷺ يقال: لا صلاة له اهـ. قوله: (وتحليلها التسليم) سيأتي إن شاء الله الكلام عليه في باب كون السلام فرضًا. ٢/ ٦٦٣ - (وَعَنْ مالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ [﵁] (٢) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "صَلُّوا كما رَأيتُمُوني أُصَلِّي". رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) والبُخاريُّ (٤)، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ كان يَفْتَتِحُ بالتكبِيرِ). [صحيح] الحديث يدل على وجوب جميع ما ثبت عنه ﷺ في الصلاة من الأقوال والأفعال ويؤكد الوجوب كونها بيان لمجمل قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٥) وهو أمر قرآني يفيد الوجوب. وبيان المجمل الواجب واجب كما تقرر في الأصول (٦) إلا أنه ثبت

стр. 1586

أنه ﷺ اقتصر في تعليم المسيء صلاته على بعض ما كان يفعله ويداوم عليه، فعلمنا بذلك أنه لا وجوب لما خرج عنه من الأقوال والأفعال، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في الأصول بالإجماع. ووقع الخلاف إذا جاءت صيغة أمر بشيء لم يذكر في حديث المسيء، فمنهم من قال: يكون قرينة بصرف الصيغة إلى الندب، ومنهم من قال: تبقى الصيغة على الظاهر الذي تدل عليه ويؤخذ بالزائد فالزائد، وسيأتي ترجيح ما هو الحق عند الكلام على الحديث إن شاء الله تعالى. [الباب الثاني] باب أن تكبير الإمام بعد تسوية الصفوف والفراغ من الإقامة ٣/ ٦٦٤ - (عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ [﵄] (١) قالَ: كانَ رسولُ الله ﷺ يُسَوِّي صُفوفَنا إِذَا قمْنا إلى الصَّلَاةِ، فَإِذَا اسْتَوَيْنا كَبَّرَ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٢) [صحيح] الحديث أخرجه أبو داود بهذا اللفظ، وبلفظ آخر من طريق سماك بن حرب عن النعمان قال: "كان رسول الله ﷺ يسوينا في الصفوف كما يقوم القدح حتى إذا ظن أن قد أَخذنا عنه ذلك وفقهنا أقبل ذات يوم بوجهه إذا رجل منتبذ (٣) بصدره فقال: لتسوّن صفوفكم أو ليخالفنّ الله بين وجوهكم" (٤). قال المنذري (٥): والحديث المذكور في الباب طرف من هذا الحديث. وهذا الحديث أخرجه مسلم (٦) والترمذي (٧) وصححه، والنسائي (٨) وابن ماجه (٩).

стр. 1587

وأخرج البخاري (١) ومسلم (٢) من حديث سالم بن أبي الجعد عن النعمان بن بشير الفصل الأخير منه. وفي الباب عن جابر بن سمرة عند مسلم (٣). وعن البراء عند مسلم (٤) أيضًا. وعن أنس عند البخاري (٥) ومسلم (٦). وله حديث آخر عند البخاري (٧). وعن جابر عند عبد الرزاق (٨). وعن أبي هريرة عند مسلم (٩). وعن عائشة عند أحمد (١٠) وابن ماجه (١١) وعن ابن عمر عند أحمد (١٢) وأبي داود (١٣). وروي عن عمر أنه كان يوكل رجالًا بإقامة الصفوف فلا يكبر حتى يخبَر أن الصفوف قد استوت، أخرجه عنه الترمذي (١٤)، قال (١٥): وروي عن علي وعثمان أنهما كانا يتعاهدان ذلك ويقولان: استووا، وكان علي [﵇] (١٦) يقول: تقدم يا فلان، تأخر يا فلان اهـ.

стр. 1588

قال ابن سيد الناس (١) عن سويد بن غفلة قال: كان بلال يضرب أقدامنا في الصلاة ويسوي مناكبنا. قال (٢): والآثار في هذا الباب كثيرة عمن ذكرنا وعن غيرهم. قال القاضي عياض: ولا يختلف فيه أنه من سنن الجماعات. وفي البخاري (٣) بزيادة "فإنَّ تسوية الصفِ من إقامةِ الصلاة". وقد ذهب ابن حزم الظاهري (٤) إلى فرضية ذلك محتجًا بهذه الزيادة قال: وإذا كان من إقامة الصلاة فهو فرض لأن إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض. وأجاب عن هذا اليعمري (٥) فقال: إن الحديث ثبت بلفظ الإقامة وبلفظ التمام، ولا يتم له الاستدلال إلا برد لفظ التمام إلى لفظ الإقامة، وليس ذلك بأولى من العكس. قال (٦): وأما قوله: وإقامة الصلاة فرض فإقامة الصلاة تطلق ويراد بها فعل الصلاة وتطلق ويراد بها الإقامة للصلاة التي تلي التأذين، وليس إرادة الأول كما زعم بأولى من إرادة الثاني إذ الأمر بتسوية الصفوف يعقب الإقامة وهو من فعل الإمام أو من يوكله الإمام وهو مقيم الصلاة غالبًا. قال (٦): فما ذهب إليه الجمهور من الاستحباب أولى ويحمل لفظ الإقامة على الإقامة التي تلي التأذين، أو يقدر له محذوف تقديره من تمام إقامة الصلاة وتنتظم به أعمال الألفاظ الواردة في ذلك كلها لأن إتمام الشيء زائد على وجود حقيقته، فلفظ: "من تمام الصلاة" (٧) يدل على عدم الوجوب.

стр. 1589

وقد ورد من حديث أبي هريرة في صحيح مسلم (١) مرفوعًا بلفظ: "فإن إقامة الصلاة من حسن الصلاة". ٤/ ٦٦٥ - (وَعَنْ أبِي موسى [﵁] (٢) قالَ: عَلَّمَنا رَسُولُ الله ﷺ "إذَا قُمْتُم إلى الصلَاةِ فَلْيَؤمّكُمْ أحَدُكُمْ، وَإِذَا قَرَأَ الإمَامُ فأنصِتُوا". رَوَاهُ أحمدُ ((٣). [صحيح] الفصل الأول: من الحديث ثابت عند مسلم (٤) والنسائي (٥) وغيرهما من طرق. والفصل الثاني: ثابت عند أبي داود (٦) وابن ماجه (٧) والنسائي (٥) وغيرهم. وقال مسلم: هو صحيح. كما سيأتي، وسيأتي الكلام على الحديث في باب ما جاء في قراءة المأموم وإنصاته (٨). وفي أبواب الإمامة.

стр. 1590

وقد ساقه المصنف هنا لأنه جعل إقامة الصلاة مقدمة على الأمر بالإمامة، وهذا إنما يتم إذا جعلت الإقامة بمعنى تسوية الصلاة لا إذا كان المراد بها الإقامة التي تلي التأذين كما تقدم. [الباب الثالث] باب رفع اليدين وبيان صفته ومواضعه ٥/ ٦٦٦ - (عَنْ أبِي هُرَيْرَة [﵁] (١) قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا قام إلى الصلَاةِ رَفعَ يَدَيهِ مَدًّا. رَوَاهُ الخَمسةُ إلَّا ابْن ماجَهْ) (٢). الحديث لا مطعن في إسناده لأنه رواه أبو داود عن مسدد، والنسائي عن عمرو بن علي، كلاهما عن يحيى القطان عن ابن أبي ذئب، وهؤلاء من أكابر الأئمة، عن سعيد بن سمعان، وهو معدود في الثقات، وقد ضعفه الأزدي، عن أبي هريرة. وقد أخرجه الدارمي (٣) عن ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة. وأخرجه الترمذي (٤) أيضًا بهذا اللفظ المذكور في الكتاب. وبلفظ (٥): "كان إذا كبر للصلاة نشر أصابعه"، وقد تفرد بإخراج هذا اللفظ الآخر من طريق يحيى بن اليمان، عن ابن أبي ذئبٍ، عن سعيدِ بن سمعانَ، عن أبي هريرة. وقال (٦): قد روى هذا الحديث غير واحدٍ، عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ : "كانَ إذا دخلَ في الصلاةِ رفعَ يديهِ مَدًّا".

стр. 1591

وهذا أصح من روايةِ يحيى بن اليمانِ، وأخطَأ يحيى بنُ اليمان في هذا الحديث. ثم قال (١): وحدثنا عبد الله بنُ عبد الرحمن، أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان قالَ: سمعتُ أبا هريرةَ يقولُ: "كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا قامَ إلى الصلاةِ رفعَ يديه مدًّا. قال (٢): قال عبدُ الله: وهذا أصحُّ من حديث يحيى بن اليمان. وحديث يحيى بن اليمان خطأ، انتهى كلام الترمذي (٢). وقال ابن أبي حاتم (٣): قال أبي: وهم يحيى، إنما أراد "كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًا"، كذا رواه الثقات من أصحاب ابن أبي ذئب. قوله: (مدًّا) يجوز أن يكون منتصبًا على المصدرية بفعل مقدر، وهو يمدهما مدًا، ويجوز أن يكون منتصبًا على الحالية أي رفع يديه في حال كونه مادًا لهما إلى رأسه. ويجوز أن يكون مصدرًا منتصبًا بقوله رفع، لأن الرفع بمعنى المد وأصل المد في اللغة الجر، قاله الراغب (٤). والارتفاع قال الجوهري (٥) ومد النهار: ارتفاعه، وله معان أخر ذكرها صاحب القاموس (٦) وغيره. وقد فسر ابن عبد البر (٧) المدّ المذكور في الحديث بمد اليدين فوق الأذنين مع الرأس. انتهى. والمراد به ما يقابل النشر المذكور في الرواية الأخرى لأن النشر تفريق الأصابع. والحديث يدل على مشروعية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام. وقد قال النووي في شرح مسلم (٨): إنها أجمعت الأمة على ذلك عند تكبيرة الإحرام وإنما اختلفوا فيما عدا ذلك. وحكى النووي (٩) أيضًا عن داود إيجابه عند تكبيرة

стр. 1592

الإحرام، قال: وبهذا قال الإمام أبو الحسن أحمد بن سيار (١) والنيسابوري (٢) من أصحابنا أصحاب الوجوه. وقد اعتذر له عن حكاية الإجماع أولًا وحكاية الخلاف في الوجوب ثانيًا بأن الاستحباب لا ينافي الوجوب أو بأنه أراد إجماع من قبل المذكورين أو بأنه لم يثبت ذلك عنده عنهم، ولم يتفرد النووي بحكاية الإجماع، فقد روى الإجماع على الرفع عند تكبيرة الإحرام ابن حزم (٣) وابن المنذر (٤) وابن السبكي (٥). وكذا حكى الحافظ في الفتح (٦) عن ابن عبد البر أنه قال: أجمع العلماء على جواز رفع اليدين عند افتتاح الصلاة. قال الحافظ (٧): وممن قال بالوجوب أيضًا الأوزاعي والحميدي شيخ البخاري وابن خزيمة من أصحابنا، نقله عنه الحاكم في ترجمة محمد بن علي العلوي، وحكاه القاضي حسين (٨) عن الإمام أحمد. وقال ابن عبد البر (٩): كل من نقل [عنه] (١٠) الإيجاب لا تبطل الصلاة بتركه إلا في رواية عن الأوزاعي والحميدي. قال الحافظ (١١): ونقل بعض الحنفية عن أبي حنيفة أنه يأثم تاركه، ونقل

стр. 1593

القفال (١) عن أحمد بن سيار أنها [تجب، و] (٢) لا تصح صلاة من لم يرفع، ولا دليل يدل على الوجوب ولا على بطلان الصلاة بالترك، نعم من ذهب من أهل الأصول إلى أن المداومة على الفعل تفيد الوجوب قال به هنا. ونقل ابن المنذر والعبدري عن الزيدية (٣) أنه لا يجوز رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام ولا عند غيرها اهـ. وهو غلط على الزيدية (٤)، فإن إمامهم زيد بن علي ﵀ ذكر في كتابه المشهور بالمجموع حديث الرفع (٥) وقال باستحبابه، وكذا أكابر أئمتهم المتقدمين والمتأخرين صرَّحوا باستحبابه (٦).

стр. 1594

ولم يقل بتركه منهم إلا الهادي يحيى بن الحسين، وروي مثل قوله عن جده القاسم بن إبراهيم. وروي عنه أيضًا القول باستحبابه. وروى صاحب التبصرة (١) من المالكية عن مالك أنه لا يستحب. وحكاه الباجي (٢) عن كثير من متقدميهم، والمشهور عن مالك القول باستحباب الرفع عند تكبيرة الإحرام، وإنما حكي عنه أنه لا يستحب عند الركوع والاعتدال منه. قال ابن عبد الحكم: لم يرو أحد عن مالك ترك الرفع فيهما إلا ابن القاسم (٣). احتج القائلون بالاستحباب بالأحاديث الكثيرة عن العدد الكثير من الصحابة حتى قال الشافعي: روى الرفع جمع من الصحابة لعله لم يرو حديث قط بعدد أكثر منهم (٤). وقال البخاري في جزء رفع اليدين (٥): روى الرفع [تسع

стр. 1595

عشرة (١)] (٢) نفسًا من الصحابة. وسرد البيهقي في السنن (٣) وفي الخلافيات (٤) أسماء من روى الرفع نحوًا من ثلاثين صحابيًا. وقال: سمعت الحاكم يقول: اتفق على رواية هذه السنة العشرة المشهود لهم بالجنة ومن بعدهم من أكابر الصحابة. قال البيهقي: وهو كما قال. قال الحاكم والبيهقي أيضًا: ولا يعلم سنة اتفق على روايتها العشرة فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفرقهم في الأقطار الشاسعة غير هذه السنة. وروى ابن عساكر في تاريخه (٥) من طريق أبي سلمة الأعرج قال: أدركت الناس كلهم يرفع يديه عند كل خفض ورفع. قال البخاري في الجزء المذكور (٦): قال الحسن وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم ولم يستثن أحدًا منهم. قال البخاري (٧): ولم يثبت عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أنه لم يرفع يديه.

стр. 1596

وجمع العراقي (١) عدد من روى رفع اليدين في ابتداء الصلاة فبلغوا خمسين صحابيًا منهم العشرة المشهود لهم بالجنة. قال الحافظ في الفتح (٢): وذكر شيخنا الحافظ أبو الفضل أنه تتبع من رواه من الصحابة ﵃ فبلغوا خمسين رجلًا. واحتج من قال بعدم الاستحباب بحديث جابر بن سمرة عند مسلم (٣) وأبي داود (٤)، قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمس اسكنوا في الصلاة". وأجيب عن ذلك بأنه ورد على سبب خاص، فإن مسلمًا (٥) رواه أيضًا من حديث جابر بن سمرة قال: "كنا إذا صلينا مع النبي ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار [بيديه] (٦) إلى الجانبين، فقال لهم النبي ﷺ : علام تومؤون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمس، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله". ورد هذا الجواب بأنه قصر للعام على السبب وهو مذهب مرجوح كما تقرر في الأصول (٧)، وهذا الرد متجه لولا أن الرفع قد ثبت من فعله ﷺ ثبوتًا متواترًا كما تقدم. وأقل أحوال هذه السنة المتواترة أن تصلح لجعلها قرينة لقصر ذلك العام على السبب، أو لتخصيص ذلك العموم على تسليم عدم القصر وربما نازع في هذا بعضهم فقال: قد تقرر عند بعض أهل الأصول أنه إذا جهل تاريخ العام والخاص اطُّرِحا، وهو لا يدري أن الصحابة قد أجمعت على هذه السنة بعد موته ﷺ وهم لا يجمعون إلا على أمر فارقوا رسول الله ﷺ عليه على

стр. 1597

أنه قد ثبت من حديث ابن عمر عند البيهقي (١) أنه قال بعد أن ذكر أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الاعتدال: فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى. وأيضًا المتقرر في الأصول بأن العام والخاص إذا جهل تاريخهما وجب البناء، وقد جعله بعض أئمة الأصول مجمعًا عليه كما في شرح الغاية (٢) وغيره. وربما احتج بعضهم بما رواه الحاكم في المدخل (٣) من حديث أنس بلفظ: "من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له"، وبما رواه ابن الجوزي (٤) عن أبي هريرة بنحو حديث أنس وهو لا يشعر أن الحاكم قال بعد إخراج حديث أنس: إنه موضوع. وقد قال في البدر المنير: إن في إسناده محمد بن عكاشة الكرماني، قال الدارقطني (٥): يضع الحديث، وابن الجوزي جعل حديث أبي هريرة المذكور من

стр. 1598

جملة الموضوعات (١). وقد اختلفت الأحاديث في محل الرفع عند تكبيرة الإحرام هل يكون قبلها أو بعدها أو مقارنًا لها، ففي بعضها قبلها كحديث ابن عمر الآتي (٢): بلفظ "رفع يديه حتى يكونا بحذو منكبيه ثم يكبر". وفي بعضها بعدها كما في حديث مالك بن الحويرث عند مسلم (٣) بلفظ: "كبر ثم رفع يديه". وفي بعضها ما يدل على المقارنة كحديث ابن عمر الآتي (٤) في هذا الباب بلفظ: "كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه". وفي ذلك خلاف بين العلماء، والمرجح عند الشافعية المقارنة. قال الحافظ (٥): ولم أر من قال بتقديم التكبير على الرفع. ويرجح المقارنة حديث وائل بن حجر الآتي (٦) [عند] (٧) أبي داود (٨) بلفظ: " [رفع] (٩) يديه مع التكبير"، وقضية المعية أنه ينتهي بانتهائه، وهو المرجح أيضًا عند المالكية. وقال فريق من العلماء: الحكمة في اقترانهما أنه يراه الأصم ويسمعه الأعمى، وقد ذكرت في ذلك مناسبات أخرى سيأتي ذكرها. ونقل ابن عبد البر (١٠) عن ابن عمر أنه قال: رفع اليدين من زينة الصلاة. وعن عقبة بن عامر (١٠) أنه قال: لكل رفع عشر حسنات لكل إصبع حسنة. انتهى. وهذا له حكم الرفع لأنه مما لا مجال للاجتهاد فيه. هذا الكلام في رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وسيأتي الكلام على الرفع

стр. 1599

عند الركوع والاعتدال وعند القيام من التشهد الأوسط. ٦/ ٦٦٧ - (وَعَنْ وَائِل بْنِ حُجْرٍ [﵁] (١) أنه رَأَى رَسُولَ الله ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مع التَّكْبِيرَةِ. رَوَاهُ أحْمدُ (٢) وأبُو دَاوُد) (٣). [صحيح] الحديث أخرجه البيهقي (٤) أيضًا من طريق عبد الرحمن بن عامر اليحصبي عن وائل. ورواه أحمد (٥) وأبو داود (٦) من طريق عبد الجبار بن وائل قال: حدثني أهل بيتي عن أبي. قال المنذري (٧): وعبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه، وأهل بيته مجهولون، وقد تقدم الكلام على فقه الحديث. ٧/ ٦٦٨ - (وَعَنِ ابْن عُمَرَ [﵄] (٨) قالَ: كان النبيُّ ﷺ إذَا قامَ إلى الصلَاةِ رَفعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا بِحَذْوِ مِنكَبَيْهِ ثمَّ يُكَبِّرُ، فإِذَا أَرَادَ أنْ يَرْكَعَ رَفعَهُما مِثْلَ ذَلِك، وَإِذا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُما كَذلِكَ أيضًا وقالَ: سَمِعَ الله لِمنْ حَمِدَهُ رَبَّنا وَلَكَ الحَمْد. مُتَّفَقٌ عَليْهِ (٩). وَللبُخاريِّ (١٠): ولَا يَفْعَلُ ذلِكَ حِينَ يَسْجُدُ، وَلَا حِينَ يَرْفَعُ رَأَسَهُ مِنَ السُّجُودِ. وَلمسْلِمٍ (١١): وَلَا يَفْعَلُهُ حِينَ يَرْفَعُ رَأسَهُ مِنَ السُّجُودِ. ولَهُ (١٢) أيضًا: وَلَا يَرْفعهُما بَينَ السَّجْدَتَيْنِ). [صحيح]

стр. 1600

الحديث أخرجه البيهقي (١) بزيادة: "فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى". قال ابن المديني (٢): هذ الحديث عندي حجة على الخلق، كل من سمعه فعليه أن يعمل به لأنه ليس في إسناده شيء. وقد صنف البخاري في هذه المسألة جزءًا مفردًا (٣) وحكى فيه (٤) عن الحسن وحُميد بن هلال أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك يعني الرفع في الثلاثة المواطن، ولم يستثن الحسن أحدًا. وقال ابن عبد البر (٥): كل من روي عنه ترك الرفع في الركوع والرفع منه روي عنه فعله إلا ابن مسعود (٦).

стр. 1601

وقال محمد بن نصر المروزي (١): أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة، وقال ابن عبد الحكم: لم يرو أحد عن مالك ترك الرفع فيهما إلا ابن قاسم، والذي نأخذ به الرفع على حديث ابن عمر، وهو الذي رواه ابن وهب وغيره عن مالك، ولم يحك الترمذي (٢) عن مالك غيره. ونقل الخطابي (٣) وتبعه القرطبي في المفهم (٤) أنه آخر قول مالك. وإلى الرفع في الثلاثة المواطن ذهب الشافعي (٥) وأحمد (٦) وجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم، وروي عن مالك والشافعي قول أنه يستحب رفعهما في موضع رابع وهو إذا قام من التشهد الأوسط. قال النووي (٧): وهذا القول هو الصواب، فقد صح في حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه كان يفعله، رواه البخاري (٨). وصح أيضًا من حديث أبي حميد الساعدي رواه أبو داود (٩) والترمذي (١٠) بأسانيد صحيحة وسيأتي ذلك (١١). وقال أبو حنيفة (١٢) وأصحابة وجماعة من أهل الكوفة: لا يستحب في غير تكبيرة الإحرام. قال النووي (١٣): وهو أشهر الروايات عن مالك، واحتجوا على ذلك

стр. 1602

بحديث البراء بن عازب عند أبي داود (١) والدارقطني (٢) بلفظ: "رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لم يعد" وهو من رواية يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه. وقد اتفق الحفاظ أن قوله: ثم لم يعد مدرج في الخبر من قول يزيد بن أبي زياد. وقد رواه بدون ذلك شعبة والثوري وخالد الطحان وزهير وغيرهم من الحفاظ. وقال الحميدي (٣): إنما روى هذه الزيادة يزيد (٤)، ويزيد يُزيد. وقال أحمد بن حنبل: لا يصح، وكذا ضعفه البخاري وأحمد ويحيى والدارمي والحميدي وغير واحد. قال يحيى بن محمد بن يحيى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: هذا حديث واه. كان يزيد يحدث به برهة من دهره لا يقول فيه ثم لا يعود فلما لقنوه يعني أهل الكوفة تلقن وكان يذكرها، وهكذا قال علي بن عاصم (٥). وقال البيهقي (٦): واختلف فيه على عبد الرحمن بن أبي ليلى. وقال البزار: قوله في الحديث: "ثم لم يعد": لا يصح. وقال ابن حزم: إن صح قوله لا يعود دل على أنه ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز فلا تعارض بينه وبين حديث ابن عمر (٧) وغيره. واحتجوا أيضًا بما روي عن عبد الله بن مسعود من طريق عاصم بن كليب (٨)

стр. 1603

عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عنه عند أحمد (١) وأبي داود (٢) والترمذي (٣) أنه قال: "لأصلين [لكم] (٤) صلاة رسول الله ﷺ ، فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة"، ورواه ابن عدي (٥) والدارقطني (٦) والبيهقي (٧) من حديث محمد بن جابر عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عنه بلفظ: "صليت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند الاستفتاح". وهذا الحديث حسنه الترمذي وصححه (٨) ابن حزم (٩)، ولكنه عارض هذا التحسين والتصحيح قول ابن المبارك: لم يثبت عندي. وقول ابن أبي حاتم: هذا حديث خطأ، وتضعيف أحمد وشيخه يحيى بن آدم له، وتصريح أبي داود بأنه ليس بصحيح. وقول الدارقطني: إنه لم يثبت، وقول ابن حبان: هذا حديث أحسن خبر روى أهل الكوفة في نفي رفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه وهو في الحقيقة أضعف شيء يعول عليه لأن له عللًا تبطله (١٠). قال الحافظ (١١): وهؤلاء الأئمة إنما طعنوا كلهم في طريق عاصم بن كليب (١٢). أما طريق محمد بن جابر فذكرها ابن الجوزي في الموضوعات (١٣)، وقال

стр. 1604

عن أحمد (١): محمد بن جابر لا شيء ولا يحدث عنه إلا من هو شر منه. واحتجوا أيضًا بما روي عن ابن عمر عند البيهقي في الخلافيات بلفظ: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه إذ افتتح الصلاة ثم لا يعود". قال الحافظ (٢): وهو مقلوب موضوع. واحتجوا أيضًا بما روي عن ابن عباس أنه قال: "كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يرفعُ كلَّما ركعَ وكلَّما رفعَ ثم صار إلى افتتاحِ الصَّلاةِ وتركَ ما سِوَى ذلك" حكاه ابن الجوزي (٣) وقال (٤): لا أصل له ولا أعرف من رواه. والصحيح عن ابن عباس خلافه (٥).
следующие страницы →