← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 200–239 · переход к 205.

стр. 200

سؤره، واستدل بما ورد عنه ﷺ من أن "الهرة سبع" في حديث أخرجه أحمد (١) والدارقطني (٢) والحاكم (٣) والبيهقي (٤) من حديث أبي هريرة بلفظ: "السنور سبع" وبما تقدم من قوله ﷺ عند سؤاله عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال: "إذا كان الماء قلَّتين لم ينجسه شيء" (٥). وأجيب بأن حديث الباب مصرح بأنها ليست بنجس فيخصص به عموم حديث السباع بعد تسليم ورود ما يقضي بنجاسة السباع. وأما مجرد الحكم عليها بالسبعية فلا يستلزم أنها نجس إذ لا ملازمة بين النجاسة والسبعية، على أنه قد أخرج الدارقطني (٦) من حديث أبي هريرة قال: "سئل رسول الله ﷺ عن الحياض التي تكون بين مكة والمدينة فقيل: إن الكلاب والسباع ترد عليها فقال: لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور". وأخرج الشافعي (٧) والدارقطني (٨) والبيهقي في المعرفة (٩) وقال: له أسانيد إذا

стр. 201

ضم بعضها إلى بعض كانت قوية بلفظ: "أنتوضَّأ بما أفضَلَتِ الحمرُ؟ قال: نَعَمْ وَبِما أفضَلَتِ السِّباعُ كُلُّها"، وأخرج الدارقطني (١) وغيره عن ابن عمر قال: "خرج رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فسار ليلًا فمروا على رجل جالس عند مقراة (٢) له - وهي الحوض الذي يجتمع فيه الماء -، فقال عمر: أولَغَتْ السباع عليك الليلة في مقراتك؟ فقال له النبي ﷺ : يا صاحب المقراة لا تخبره، هذا متكلف، لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور". وهذه الأحاديث مصرحة بطهارة ما أفضلت السباع. وحديث عائشة المذكور في الباب نص في محل النزاع (٣). وأيضًا حديث أبي هريرة الذي استدل به أبو حنيفة فيه مقال (٤). ويمكن حمل حديث القلتين المتقدم على أنه إنما كان كذلك، لأن ورودها على الماء مظنة لإلقائها الأبوال والأزبال عليه. قوله: (فأصغى لها الإناء) هو بالصاد المهملة بعدها غين معجمة ذكره في الأساس (٥). وقال: أصغَى الإناءَ، للهرة: أماله. وفي القاموس (٦) وأصغى: استمع وإليه مال بسمعه، والإناء أماله. قوله: (إنها من الطوافين إلغ) تشبيه للهرة بخدم البيت الذين يطوفون للخدمة (٧).

стр. 202

[ثانيًا]: أبواب تطهير النجاسة وذكر ما نص عليه منها [الباب الأول] باب اعتبار العدد في الولوغ ١/ ١٩ - (عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إذا شَرِبَ الكَلْبُ في إنَاءِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)؛ ولأحْمَدَ (٢) ومُسْلِمٍ (٣): "طَهُورُ إناءِ أحَدِكُمْ إذا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أنْ يَغْسِلهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أولاهُنَّ بِالتُّرَابِ"). [صحيح] ٢/ ٢٠ - (وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: أمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِقَتْلِ الكلابِ ثمَّ قالَ: "ما بَالُهُمْ وَبَالُ الكلابِ"، ثمَّ رخَّصَ في كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الغَنَمِ وَقَالَ: "إذَا وَلَغَ الكَلْبُ في الإناءِ فاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَة بِالتُّرَابِ". رَوَاهُ الجمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَالبُخاريَّ (٤)، وفي رِوَايَةٍ لِمُسْلمٍ (٥)، ورَخَّصَ في كلْبِ الصَّيْدِ والغنم والزَّرْعِ). [صحيح]

стр. 203

الحديثان يدلان على أنه يغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك، وبيان ما هو الحق في باب أسآر البهائم. قوله: (أولاهن بالتراب) لفظ الترمذي (١) والبزار (٢): "أُولاهُنَّ أو أُخْرَاهُنَّ". ولأبي داود (٣): "السابعة بالتراب". وفي رواية صحيحة للشافعي (٤): "أُولاهُنَّ أو أُخْرَاهُنَّ بالتُّرَابِ". وفي رواية لأبي عبيد (٥) القاسم بن سلام في كتاب الطهور له: "إذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبع مرات أولاهن أو إحداهن بالتراب". وعند الدارقطني (٦) بلفظ: "إحداهن" أيضًا، وإسناده، ضعيف؛ فيه الجَارُود بن يزيد (٧) وهو متروك. والذي في حديث عبد الله بن مغفل المذكور في الباب بلفظ: "وعفِّروهُ الثامِنَةَ بالتُّرَابِ" أصح من رواية (إحداهن). قال في البدر المنير (٨): بإجماعهم، وقال ابن منده: "إسناده مُجْمَع على صحَّته" وهي زيادة ثقة فتعيَّن المصير إليها، وقد ألزم الطحاوي الشافعية بذلك (٩)، واعتذار الشافعي بأنه لم يقف على صحة هذا الحديث لا ينفع الشافعية، فقد وقف على صحته غيره، لا سيما مع وصيته بأن الحديث إذا صح مذهبه فتعين حمل المطلق على المقيد. وأما قول ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا أفتى بأن غسلة التراب غير الغسلات السبع بالماء غير الحسن فلا يقدح ذلك في صحة الحديث وتحتم العمل به، وأيضًا

стр. 204

قد أفتى بذلك أحمد بن حنبل وغيره. وروي عن مالك أيضًا، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر (١). وجواب البيهقي عن ذلك بأن أبا هريرة أحفظ من غيره فروايته أرجح وليس فيها هذه الزيادة مردود بأن في حديث عبد الله بن مغفل زيادة وهو مجمع على صحته، وزيادة الثقة يتعين المصير إليها إذا لم تقع منافية. وقد خالفت الحنفية (٢) والعترة (٣) في وجوب التتريب كما خالفوا في التسبيع، ووافقهم ههنا المالكية (٤) مع إيجابهم التسبيع على المشهور عندهم، قالوا: لأن التتريب لم يقع في رواية مالك، قال القرافي (٥) منهم: قد صحت فيه الأحاديث فالعجب منهم كيف لم يقولوا بها. وقد اعتذر القائلون بأن التتريب غير واجب بأن رواية التتريب مضطربة لأنها ذكرت بلفظ أولاهن وبلفظ أخراهن وبلفظ إحداهن، وفي رواية السابعة، وفي رواية الثامنة، والاضطراب يوجب الإطراح. وأجيب بأن المقصود حصول التتريب في مرة من المرَّات وبأن إحداهن مبهمة، وأولاهن معينة، وكذلك أخراهن، والسابعة والثامنة، ومقتضى حمل المطلق على المقيد أن تحمل المبهمة على إحدى المرات المعينة، ورواية أولاهن أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية، ومن حيث المعنى أيضًا، لأن تتريب الآخرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه، وقد نص الشافعي على أن الأولى أولى كذا في الفتح (٦). وقد وقع الخلاف هل يكون التتريب في الغسلات السبع أو خارجًا عنها؟ وظاهر حديث عبد الله بن مغفل أنه خارج عنها، وهو أرجح من غيره لما عرفت فيما تقدم.

стр. 205

قوله: (ما بالهم، وبال الكلاب) فيه دليل على تحريم قتل الكلاب، وقد اشتهر في السنة إذنه ﷺ بقتل الكلاب. وسبب ذلك كما في صحيح مسلم (١) "أنه وعده جبريل ﵇ أن يأتيه فلم يأته فقال النبي ﷺ : أما والله ما أخْلَفَنِي، فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك، ثم وقع في نفسه جَرْوُ كَلْبٍ تحت فسطاط فأمر به فأخرج، فأتاه جبريل، فقال له: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة فقال: أجل ولكنا لا نَدْخُل بيتًا فيه كَلْبٌ، فأصبح رسول الله ﷺ فأمر بقتل الكلابِ"، ثم ثبت عنه ﷺ النهي عن قتلها ونسخه. وقد عقد الحازمي في الاعتبار (٢) لذلك بابًا وثبت عنه ﷺ الترخيص في كلب الصيد والزرع والماشية، والمنع من اقتناء غير ذلك وقال: من اقتنى كلبًا ليس كلب صيد ولا ماشية نُقص من عمله كل يوم قيراط (٣). وثبت عنه الأمر بقتل الكلب الأسود البهيم ذي النقطتين وقال: إنه شيطان (٤)، وللبحث في هذا موطن آخر ليس هذا محله فلنقتصر على هذا المقدار، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا في أبواب الصيد (٥).

стр. 206

[الباب الثاني] باب الحت والقرص والعفو عن الأثر بعدهما (الدليل على نجاسة دم الحيض): ٣/ ٢١ - (عَنْ أسْمَاءَ بِنْت أبِي بَكْرٍ قَالتْ: جاءَتْ امْرَأةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فقالتْ: إحدانَا يصيبُ ثَوْبَها مِنْ دَمِ الحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ فقالَ: "تَحُتُّهُ ثمَّ تَقْرُصُهُ بِالمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ" (١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). [صحيح] قوله: (جاءَتِ امرأةٌ) في رواية للشافعي (٢) أنها أسماء، قال في الفتح (٣): "وأغرب النووي فضعَّف هذه الرواية بلا دليل، وهي صحيحة الإسناد لا علة لها. ولا بُعد في أن يبهم الراوي اسم نفسه". قوله: (مِنْ دَمِ الحيَضَة) بفتح الحاء أي الحيض، قاله النووي (٤). قوله: ("تَحُتهُ) بفتح الفوقانية وضم المهملة وتشديد المثناة الفوقانية أي تحكه، وكذا رواه ابن خزيمة (٥)، والمراد بذلك إزالة عينه. قوله: (ثم تَقْرُصُهُ) بفتح أوَّله وإسكان القاف وضم الراء والصاد المهملتين، وحكى القاضي عياض (٦) وغيره فيه ضم المثناة من فوق وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة، أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها ليتحلل بذلك ويخرج ما يشربه

стр. 207

الثوب منه، ومنه تقريص العجين، قاله أبو عبيدة (١). وسئل الأخفش عنه فضم أصبعيه الإبهام والسبابة وأخذ شيئًا من ثوبه بهما وقال: هكذا [تفعل] (٢) بالماء في موضع الدم. وورد في رواية ذكر الغسل مكان القرص، روى ذلك الشيخ تقي الدين من رواية محمد بن إسحق بن يسار عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء قالت: "سمعت رسول الله ﷺ وسألته امرأة عن دم الحيض يصيب ثوبها فقال: اغسليه". وأخرجه الشافعي (٣) من حديث سفيان عن هشام عن فاطمة (٤) عن أسماء قالت: "سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيضة [يصيب] (٥) الثوب فقال: حتِّيه ثم اقرصيه بالماء ورِّشيه وصلِّي فيه". ورواه (٦) عن مالك، عن هشام بلفظ: "إن امرأة سألت"، ورواه ابن ماجه (٧) بلفظ: "اقْرُصِيهِ واغْسِلِيهِ وَصَلِّي فيهِ"، وابن أبي شيبة (٨) بلفظ: "اقرصيه بالماء واغسليه وصلي فيه"، وأخرجه أحمد (٩) وأبو داود (١٠) والنسائي (١١)

стр. 208

وابن ماجه (١) وابن خزيمة (٢) وابن حبان (٣) من حديث أم قيس بنت مِحْصَنٍ "أنها سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيضة يصيب الثوب، فقال: حُكِّيه بصلع واغسليه بماء وسدْرٍ". قال ابن القطان (٤): "إسناده في غاية الصحة ولا أعلم له علة". والصَلْع بفتح الصاد المهملة وإسكان اللام ثم عين: هو الحجر، ذكره الحافظ في التلخيص (٥) عن ابن دقيق العيد، قال: وقال: ووقع في بعض المواضع بكسر الضاد المعجمة ولعله تصحيف لأنه لا معنى يقتضي تخصيص الضلع، بذلك، لكن قال الصغاني في "العباب" في مادة ضلع بالمعجمة: وفي الحديث "حتيه بضلع"، قال ابن الأعرابي (٦): الضلع ههنا العود الذي فيه الاعوجاج، وكذا ذكره الأزهري (٧) في مادة الضاد المعجمة. قوله: (ثم تنضَحه) بفتح الضاد المعجمة أي تغسله، قاله الخطابي (٨)، وقال القرطبي (٩): المراد به الرش لأن غسل الدم استفيد من قوله: تقرصه، وأما النضح فهو لما شكت فيه من الثوب، قال في الفتح (١٠): "وعلى هذا فالضمير في تنضحه يعود على الثوب بخلاف حتيه فإنه يعود على الدم فيلزم منه اختلاف الضمائر وهو على خلاف الأصل، ثم إن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئًا لأنه إن كان طاهرًا فلا حاجة إليه، وإن كان متنجِّسًا لم يتطهر بذلك، فالأحسن ما قاله الخطابي". الحديث فيه دليل على أن النجاسات إنما تزال بالماء دون غيره من المائعات، قاله الخطابي والنووي، قال في الفتح (١١): "لأن جميع النجاسات بمثابة

стр. 209

الدم ولا فرق بينه وبينها إجماعًا. قال: وهو قول الجمهور (١) أي: تعين الماء لإزالة النجاسة، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف (٢): يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر" وهو مذهب الداعي من أهل البيت، واحتجوا بقول عائشة (٣): "ما كان لإحدانا إلَّا ثوبٌ واحدٌ تَحِيضُ فيه، فإذا أصابهُ شيءٌ مِنْ دَمِ الحيض قالتْ بِريقها فمصعتْهُ بظُفْرِها". وأجيب بأنها ربما فعلت ذلك تحليلًا لأثره ثم غسلته بعد ذلك. والحق أن الماء أصل في التطهير لوصفه بذلك كتابًا وسنة وصفًا مطلقًا غير مقيَّد، لكن القول بتعينه وعدم إجزاء غيره يرده حديث مسح النعل (٤) وفرك المني (٥) وحته وإماطته بإذخرة وأمثال ذلك كثير (٦)، ولم يأت دليل يقضي بحصر التطهير في الماء، ومجرد الأمر به في بعض النجاسات لا يستلزم الأمر به مطلقًا، وغايته تعينه في ذلك المنصوص بخصوصه إن سلم، فالإنصاف أن يقال: إنه يطهر كل فرد من أفراد النجاسة المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النص، إن كان فيه إحالة على فرد من أفراد المطهِّرات، لكنه إن كان ذلك الفرد المحال عليه هو الماء فلا يجوز العدول إلى غيره للمزية التي اختص بها وعدم مساواة غيره له فيها، وإن كان ذلك الفرد غير الماء جاز العدول عنه إلى الماء لذلك، وإن وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع الإحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهِّرات، بل مجرد الأمر بمطلق التطهير، فالاقتصار على الماء هو اللازم لحصول الامتثال به بالقطع وغيره مشكوك فيه، وهذه طريقة متوسطة بين القولين لا محيص عن سلوكها. فإن قلت: مجرد وصف الماء بمطلق الطهورية لا يوجب له المزية، فإن التراب يشاركه في ذلك. قلت: وصف التراب بالطهورية مقيد بعدم وجدان الماء

стр. 210

بنص القرآن (١)، فلا مشاركة بذلك الاعتبار. واعلم أن دم الحيض نجس بإجماع المسلمين كما قال النووي (٢). وللحديث فوائد: (منها) [ما يأتي] (٣) بيانه في باب الحيض، (ومنها) ما ذكره المصنف ههنا فقال: وفيه دليل على أن دم الحيض لا يعفى عن يسيره، وإن قلَّ لعمومه، وأن طهارة السترة شرط للصلاة، وأن هذه النجاسة وأمثالها لا يعتبر فيها تراب ولا عدد، وأن الماء متعين لإزالة النجاسة اهـ. وقد عرفت ما سلف. ٤/ ٢٢ - (وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أن خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَارٍ قالتْ: يَا رَسُولَ الله لَيْسَ لِي إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وأنا أحِيضُ فِيهِ قَالَ: "فإذا طَهُرْتِ فاغْسِلِي مَوْضِعَ الدَّمِ ثُمَّ صَلِّي فِيهِ" قالتْ: يَا رَسُولَ الله إنْ لَمْ يَخْرُجْ أثَرُهُ؟ قالَ: "يكْفِيكِ المَاءُ وَلا يَضُرُّكِ أثَرُهُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَأبُو دَاوُدَ) (٥). [صحيح] ٥/ ٢٣ - (وَعَنْ مُعَاذَةَ قَالتْ: سَألْتُ عائِشَةَ عَنِ الحَائِض يُصِيبُ ثَوْبَها الدَّمُ فقالتْ: تَغْسِلهُ فإنْ لَمْ يَذْهَبْ أثَرُهُ فَلْتُغَيِّرْهُ بشَيْءٍ مِنْ صُفْرَةٍ، قالت: وَلَقَدْ كُنْتُ أحِيضُ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ثَلاثَ حِيَضٍ جَميعًا لا أغْسِلُ لِي ثَوبًا. رواه أبو داود) (٦). [صحيح]

стр. 211

الحديث الأول أخرجه الترمذي (١) أيضًا، (وأخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي من طريقين عن خولة بنت يسار وفيه ابن لهيعة) (٢). قال إبراهيمُ الحربيُّ: لم يُسمع بخولة بنت يسار إلا في هذا الحديث، قال ابن حجر: وإسناده ضعيف. ورواه الطبراني في الكبير (٣) من حديث خولة بنت حكيم [الأنصارية] (٤). قال ابن حجر أيضًا (٥): "وإسناده أضعف من الأول". والحديث الثاني أخرجه أيضًا الدارمي (٦). [لا يجب استخدام المنظفات لإزالة أثر دم الحيض]: قوله: (ولا يضرك أثره) استدل به على عدم وجوب استعمال الحواذ وهو مذهب، الناصر والمنصور بالله وكثير من أصحاب الشافعي، وأكثر أصحاب

стр. 212

أبي حنيفة، وذهب الشافعي ورواه الإمام يحيى عن العترة إلى أنه يجب استعمال الحادّ المعتاد لما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان من حديث أم قيس بنت محصن (١) مرفوعًا بلفظ: "حُكِّيهِ بضلع واغسليه بماء وسدْرٍ" قال ابن القطان (٢): "إسناده في غاية الصحة". وأجيب بأنه لا يفيد المطلوب لأن الحك إنما هو الفرك بالأصابع، والنزاع في غيره، ويرد بأن آخر الحديث وهو قوله: "واغسليه بماء وسدر" (٣) يدل على وجوب استعمال الحادّ. وكذلك قوله في حديث عائشة المذكور: "فلتغيره بشيء من صفرة" (٤). وأجيب بأن التغيير ليس بإزالة، ويؤيده ما في آخر الحديث من قولها: "ولقد كنت أحيض عند رسول الله ﷺ ثلاث حيض لا أغسل لي ثوبًا" (٥)، ويرد بأن مجرد استعمال الصفرة يفيد المطلوب كاستعمال السدر (٦). وقيل: يكون استعمال الحواد مندوبًا جمعًا بين الأدلة، ويستفاد من قوله: "لا يضرك أثره" (٧) أن بقاء أثر النجاسة الذي عسرت إزالته لا يضر، لكن بعد التغيير بزعفران أو صفرة أو غيرهما حتى يذهب لون الدم لأنه مستقذر، وربما نسبها من رآه إلى التقصير في إزالته. قوله: (لا أغسل لي ثوبًا) (٨) فيه دليل على أن ما كان الأصل فيه الطهارة فهو باق على طهارته حتى تظهر فيه نجاسة فيجب غسلها. [الباب الثالث] باب تعين الماء لإزالة النجاسة ٦/ ٢٤ - (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ [عَمْرو] (٩) أن أبَا ثَعْلَبَةَ قالَ: يَا رَسُولَ الله أفْتِنا

стр. 213

في آنِيَةِ المَجُوسِ إذا اضْطَرَرْنا إليها، قال: "إذا اضْطَرَرْتُمْ إليْها فَاغْسِلوها بِالمَاءِ وَاطْبُخُوا فِيها، رَوَاهُ أحْمَدُ) (١). [صحيح لغيره] ٧/ ٢٥ - (وَعَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشْنِي أنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله إنَّا بِأرْضِ أهْلِ [الكِتابِ] (٢) فَنَطْبُخُ فِي قُدُورِهِمْ وَنَشْرَبُ فِي آنِيَتِهِمْ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنْ لَمْ تَجِدُوا غَيرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالمَاءِ". رَوَاهُ التِّرْمَذِيُّ وَقَالَ: [حديثٌ] (٢) حَسَنٌ صحيح (٣). والرَّحْضُ: الغَسْل). [صحيح] الحديث الثاني يشهد لصحة الحديث الأوّل، وهو متفق عليه (٤) من حديث أبي ثعلبة بلفظ: "قال: قلت: يا رسولَ الله! إنَّا بأرضِ قومٍ أهْلِ [الكتاب] (٥)، أفنأكُلُ في آنيتِهِمْ؟ قالَ: إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تَجِدُوا فاغسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا"، وفي رواية لأحمد (٦) وأبي داود (٧): "إن أرضنا أرض أهل الكتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ قال: إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء واطبخوا فيها واشربوا". وفي لفظ للترمذي (٨): "فقال: أنقوها غسلًا واطبخوا فيها". وقد استدل المصنف (٩) ﵀ بما ذكره في الباب على أنه يتعين الماء لإزالة النجاسة، وكذلك فعل غيره، ولا يخفاك أن مجرد الأمر به لإزالة خصوص هذه النجاسة لا يستلزم أنه يتعين لكل نجاسة، فالتنصيص عليه في هذه النجاسة الخاصة لا ينفي إجزاء ما عداه من المطهِّرات فيما عداها، فلا حصر على

стр. 214

الماء ولا عموم باعتبار المغسول فأين دليل التعين المدعى؟ وقد تقدم في باب الحت والقرص (١) ما هو الحق، وقد استدل بالحديث أيضًا على نجاسة الكفار، وقد تقدم في باب طهارة الماء المتوضأ (٢) به ما فيه كفاية، وسيأتي لذلك مزيد تحقيق إن شاء الله في باب آنية الكفار (٣). [الباب الرابع] باب تطهير الأرض النجسة بالمكاثرة ٨/ ٢٦ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ أعْرَابيٌّ فبال في المَسْجِدِ، فقامَ إليْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا به، فقالَ النَّبيُّ ﷺ "دَعُوهُ وأرِيقُوا على بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءِ أوْ ذَنُوبًا مِنْ ماءِ، فإنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلمْ تُبْعثُوا مُعَسِّرين". رَوَاهُ الجمَاعَةُ إلَّا مُسْلمًا" (٤). [صحيح] قوله: (قام أعرابي) قال الحافظ في الفتح (٥): "زاد ابن عيينة عند الترمذي (٦) وغيره في أوله: "أنه صلى ثم قال: اللَّهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال له النبي ﷺ : لقد تحجَّرت واسعًا، فلم يلبث أن بال في المسجد". وقد أخرج هذه الزيادة البخاري في الأدب من صحيحه (٧)، وروى ابن ماجه (٨) الحديث تامًّا من حديث أبي هريرة وحديث واثلة بن الأسقع. وأخرجه أبو موسى المديني أيضًا من رواية سليمان بن يسار. والأعرابي المذكور قيل: هو ذو الخويصرة اليماني، ذكره أبو موسى المديني. وقيل: هو الأقرع بن حابس

стр. 215

التميمي، حكاه التاريخي عن عبد الله بن نافع المدني. وقيل: هو عيينة بن حصن، قاله أبو الحسين بن فارس". قوله: (ليقعوا به) في رواية عند البخاري (١) [من حديث أنس] (٢): "فزجره الناس"، وفي أخرى له (٣): "فثار إليه الناس". وفي أخرى له (٤) أيضًا: "فتناوله الناس". وله (٥) أيضًا من حديث أنس: "فقال الصحابة: مه مه" وسيأتي. [وللبيهقي (٦): "فصاح"] (٧) به الناس" وكذا [النسائي] (٨). قوله: (سجْلًا) بفتح المهملة وسكون الجيم. قال أبو حاتم السجستاني (٩): هو الدلو ملأى، ولا يقال لها ذلك وهي فارغة (١٠). [و] (١١) قال ابن دُريد (١٢): السَّجْل: دلو واسعة، وفي الصحاح (١٠): الدلو الضخمة، وقد تقدم إشارة إلى بعض هذا في أوّل الكتاب. قوله: (أو ذَنوبًا) قال الخليل (١٣): هي الدلو ملأى. وقال ابن فارس (١٤):

стр. 216

الدلو العظيمة. وقال ابن السكِّيت: فيها ماء قريب من الملء، ولا يقال لها وهي فارغة: ذَنوب، فتكون أو للشك من الراوي أو للتخيير. والمراد بقوله: من ماء مع أن الذنوب (١) من شأنها ذلك رفع الاشتباه، لأن الذنوب مشترك بينه وبين الفرس الطويل [وغيرهما] (٢). قوله: (فإنما بعثتم) إسناد البعث إليهم على طريق المجاز لأنه هو المبعوث ﷺ بما ذكر، لكنهم لما كانوا في مقام التبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك. أو هم مبعوثون من قبله بذلك، أي مأمورون، وكان ذلك شأنه ﷺ في حق كل من بعثه إلى جهة من الجهات يقول: "يسِّروا ولا تعسِّروا". وفي الحديث دليل على أن الصبَّ مطهِّر للأرض ولا يجب الحفر خلافًا للحنفية، روى ذلك عنهم النووي (٣). والمذكور في كتبهم (٤) أن ذلك مختص بالأرض الصلبة دون الرخوة، واستدلوا بما أخرجه الدارقطني (٥) من حديث أنس بلفظ: "احفروا مكانه ثم صبوا عليه"، وأعله بتفرد عبد الجبار (٦) به دون أصحاب ابن عيينة الحفاظ. وكذا رواه سعيد بن منصور (٧) من حديث عبد الله بن مَعْقل بن

стр. 217

مُقرِّن (١) المزني وهو تابعي مرفوعًا بلفظ: "خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه وأهريقوا على مكانه ماء"، قال أبو داود (٢): روي مرفوعًا يعني موصولًا ولا يصح، وكذا رواه الطحاوي (٣) مرسلًا وفيه: "واحفروا مكانه". قال الحافظ في التلخيص (٤): "إن الطريق المرسلة مع صحة إسنادها إذا ضُمَّت إلى أحاديث الباب أخذت قوّة"، قال (٥): "ولها إسنادان موصولان، (أحدهما) عن [ابن] (٦) مسعود رواه الدارمي (٧) والدارقطني (٨). ولفظه: "فأمر بمكانه فاحتفر وصب عليه دلو من ماء"، وفيه سمعان بن مالك وليس بالقوي، قاله أبو زرعة، وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبي زرعة: هو حديث منكر (٩)، وكذا قال أحمد. وقال أبو حاتم: لا أصل له (١٠). (وثانيهما): عن واثلة بن الأسقع

стр. 218

رواه أحمد (١) والطبراني (٢) وفيه عبيد الله بن أبي حُميد الهذلي (٣)، وهو منكر الحديث، قاله البخاري وأبو حاتم". واستدل بحديث الباب أيضًا على نجاسة بول الآدمي وهو مجمع عليه. وعلى أن تطهير الأرض المتنجسة يكون بالماء لا بالجفاف بالريح أو الشمس، لأنه لو كفى ذلك لما حصل التكليف بطلب الماء، وهو مذهب العترة والشافعي ومالك وزفر (٤). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف (٥): هما مطهِّران لأنهما يحيلان الشيء، وكذا قال الخراسانيون من الشافعية في الظل، واستدلوا بحديث: "ذكاة الأرض يبسها" (٦). ولا أصل له في المرفوع. وقد رواه ابن أبي شيبة (٧) من قول محمد بن علي الباقر، ورواه عبد الرزاق (٨) من قول أبي قلابة بلفظ: "جفاف الأرض طهورها".

стр. 219

وفي الحديث أيضًا دليل على جواز التمسك بالعموم إلى أن يظهر الخصوص، إذ لم ينكر ﷺ على الصحابة ما فعلوه مع الأعرابي، بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة. وفيه أيضًا دليل على ما أشار إليه المصنف ﵀ من أن الأرض تطهر بالمكاثرة، وعلى الرفق بالجاهل في التعليم، وعلى الترغيب في التيسير والتنفير عن التعسير، وعلى احترام المساجد وتنزيهها، لأن النبي ﷺ قرَّرهم على الإنكار وإنما أمرهم بالرفق. ٩/ ٢٧ - (وَعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي المَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إذْ جاءَ أعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ في المَسْجِدِ، فَقَالَ أصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ : مَهْ مَهْ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ"، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ ثُمَّ إنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ هذِهِ المَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيءٍ مِنْ هذَا البَوْلِ وَلا القَذَرِ، إنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ الله وَالصَّلاةِ وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ"، أوْ كما قَالَ رَسُولُ الله ﷺ . قالَ: فأمَرَ رَجُلًا مِنَ القَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاء فَشنَّهُ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، لكِنْ لَيْسَ للبُخارِيِّ فِيهِ: "إن هذِهِ المَساجِدَ" إلى تَمامِ الأمْرِ بتِنْزِيهِهِا. وَقَوْلُهُ: "لا تُزْرمُوهُ" أيْ لا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ بَوْلَهُ). [صحيح] قوله: (أعرابي) هو الذي يسكن البادية، وقد سبق الخلاف في اسمه. قوله: (مه مه) اسم فعل مبني على السكون معناه اكفف. قال صاحب المطالع (٢): هي كلمة زجر [قيل] (٣) أصلها ما هذا، ثم حذف تخفيفًا، وتقال مكررة ومفردة. ومثله بَهْ بَهْ بالباء الموحدة. وقال يعقوب: هي لتعظيم الأمر كبخ بخ (٤). وقد تنوَّن مع الكسر وينوَّن الأوّل ويكسر الثاني بغير تنوين، وكذا ذكره غير صاحب المطالع (٢). قوله: (لا تُزْرِمُوهُ) بضم التاء الفوقية وإسكان الزاي بعدها راء أي لا تقطعوه.

стр. 220

والإزرام: القطع (١). [تعظيم المساجد]: قوله: (إن هذه المساجد) إلخ مفهوم الحصر مشعر بعدم جواز ما عدا هذه المذكورة من الأقذار، والقذى والبصاق ورفع الصوت والخصومات، والبيع والشراء وسائر العقود، وإنشاد الضالة، والكلام الذي ليس بذكر، وجميع الأمور التي لا طاعة فيها، وأما التي فيها طاعة كالجلوس في المسجد للاعتكاف والقراءة للعلم وسماع الموعظة وانتظار الصلاة ونحو ذلك (٢)، فهذه الأمور وإن لم تدخل في المحصور فيه لكنه أجمع المسلمون على جوازها كما حكاه النووي (٣) فيخصص مفهوم الحصر بالأمور التي [فيها] (٤) طاعة لائقة بالمسجد لهذا الإجماع وتبقى الأمور التي لا طاعة فيها، داخلة تحت المنع. وحكى الحافظ في الفتح (٥) الإجماع على أن مفهوم الحصر [منه] (٦) غير معمول به، قال: ولا ريب أن فعل غير المذكورات وما في معناها خلاف الأولى. قوله: (فجاء بدلو فشنَّه عليه) يروى بالشين المعجمة والسين المهملة. قال النووي (٧): وهو في أكثر الأصول والروايات بالمعجمة، ومعناه: صبه. وفرق بعض العلماء بينهما، فقال: هو بالمهملة الصب بسهولة، وبالمعجمة التفريق في صبه. وقد تقدم الكلام على فقه الحديث. قال المصنف (٨) ﵀: "وفيه دليل على أن النجاسة على الأرض إذا استهلكت بالماء، فالأرض والماء طاهران، ولا يكون ذلك أمرًا بتكثير النجاسة في المسجد". انتهى.

стр. 221

[الباب الخامس] باب ما جاء في أسفل النعل تصيبه النجاسة ١٠/ ٢٨ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "إذا وَطِئ أحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الأذَى فإنَّ التُّرابَ لَهُ طَهُورٌ"، وفي لَفْظٍ: "إذا وَطِئ الأذى بخُفَّيْهِ فَطهُورُهُما التُّرَابُ". رَوَاهُما أبو دَاوُدَ) (١). [صحيح لغيره] ١١/ ٢٩ - (وَعَنْ أبي سَعيدٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "إذا جاء أحَدكُمْ المَسْجِدَ فَلْيَقْلِبْ نَعْلَيهِ وَلْيَنْظُر فِيهما فإنْ رَأى خَبثًا فَلْيَمْسَحْهُ بِالأرْضِ ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهما". رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وأبُو دَاوُدَ) (٣). [حسن] الحديث الأول أخرجه أيضًا ابن السكن والحاكم (٤) والبيهقي (٥) واختلف فيه على الأوزاعي، ورواه ابن ماجه (٦) من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "الطريق يطهِّر بعضها بعضًا" وإسناده ضعيف، والرواية الأولى المذكورة في حديث الباب في إسنادها مجهول، لأن أبا داود رواها بسنده إلى الأوزاعي قال: أُنبئت أن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري حدَّث عن أبيه عن أبي هريرة ولم يسمِّ الأوزاعي شيخه. والرواية الثانية منه فيها محمد بن عجلان (٧)، وقد أخرج له البخاري في

стр. 222

الشواهد ومسلم في المتابعات ولم يحتجَّا به، وقد وثقه غير واحد، وتكلم فيه غير واحد، ولعله الرجل الذي أبهمه الأوزاعي في الرواية الأولى، لأن أبا داود قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن كثير - يعني الصنعاني - عن الأوزاعي عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. وحديث أبي سعيد أخرجه الحاكم (١) وابن حبان (٢)، واختلف في وصله وإرساله، ورجَّح أبو حاتم في العلل (٣) الموصول. وفي الباب عن أم سلمة عند الأربعة (٤) بلفظ: "يطهره ما بعده"، وعن أنس عند البيهقي (٥) بسند ضعيف. وعن امرأة من بني عبد الأشهل عند البيهقي (٦) كلها، هذه الأحاديث في معنى حديث أبي هريرة. وورد في معنى حديث أبي سعيد أحاديث: (منها) عند الحاكم (٧) من حديث أنس، وعنده (٨) أيضًا من حديث ابن مسعود. وعند الدارقطني (٩) من حديث

стр. 223

ابن عباس وإسناده ضعيف. وعند الدارقطني (١) أيضًا من حديث عبد الله بن الشِخِّير، وإسناده ضعيف أيضًا. وعند البزار (٢) من حديث أبي هريرة وإسناده ضعيف معلول، وهذه الروايات يقوي بعضها بعضًا فتنتهض للاحتجاج بها على أن النعل يطهر بدلكه في الأرض رطبًا أو يابسًا. وقد ذهب إلى ذلك الأوزاعي (٣) وأبو حنيفة وأبو يوسف والظاهرية (٤) وأبو ثور (٣) وإسحق وأحمد في رواية، وهي إحدى الروايتين عن الشافعي. وذهبت العترة (٥) والشافعي ومحمد (٦) إلى أنه لا يطهر بالدلك لا رطبًا ولا يابسًا. وذهب الأكثر (٧) إلى أنه يطهر بالدلك يابسًا لا رطبًا. وقد احتج للآخرين في البحر (٨) بحجة واهية جدًّا، فقال بعد ذكر الحديثين السابقين: قلنا: محتملان للرطبة والجافة، فتعيَّن الموافق للقياس وهي الجافة،

стр. 224

والثاني: لا يسلم كالثوب. قال صاحب المنار (١): "حاصل كلام المصنِّف إلغاء الحديث" انتهى. والظاهر أنه لا فرق بين أنواع النجاسات بل كل ما علق بالنعل [ما] (٢) يطلق عليه اسم الأذى فطهوره مسحه بالتراب. قال ابن رسلان في "شرح السنن": الأذى في اللغة هو المستقذر طاهرًا كان أو نجسًا، انتهى. ويدل على التعميم ما في الرواية الأخرى حيث قال: "فإن رأى خبثًا فإنه لكل مستخبث". ولا فرق بين النعل والخُف للتنصيص على كل واحد منهما في حديثي الباب، ويلحق بهما كل ما يقوم [مقامها] (٣) لعدم الفارق. قوله: (ثم ليصل فيهما) سيأتي الكلام على الصلاة في النعلين في باب مستقل من كتاب الصلاة إن شاء الله (٤). [الباب السادس] باب نضح بول الغلام إذا لم يطعم ١٢/ ٣٠ - (عَنْ أُمِّ قَيس بِنْتِ مِحْصَنٍ أنَّها أتَتْ بابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يأكلِ الطَّعَامَ إلى رَسُولِ الله ﷺ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعا بِماءٍ فَنَضَحَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ) (٥). [صحيح] ١٣/ ٣١ - (وعَنْ عَليِّ بْنِ أبي طَالبٍ [﵇] (٦) أن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "بَوْلُ الغلامِ الرَّضِيعِ يُنْضَحُ، وَبَوْلُ الجَارَيةِ يُغْسَلُ"، قَالَ قَتَادَةَ: وَهذَا مَا لَمْ يَطْعَما، فَإذا [طَعِما] (٧)

стр. 225

غُسلا جَميعًا. رَوَاهُ أحمد (١) والتِّرمِذيُّ (٢) وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ). [حسن] ١٤/ ٣٢ - (وعَنْ عائِشَةَ قَالتْ: أُتِيَ رَسُولُ الله ﷺ بِصَبِيٍّ يُحَنِّكُهُ فَبَالَ عَلَيْه فأتْبَعَهُ المَاءَ. رَوَاهُ البُخارِيُّ (٣) وكَذلِكَ أحْمَدُ (٤) وابنُ مَاجَه (٥) وَزَادَ: وَلَمْ يَغْسِلْهُ. وَلِمُسْلِمٍ: كان يُؤتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ ويُحنِّكُهمْ، فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فأتْبَعَهُ بَوْلَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ). [صحيح] ١٥/ ٣٣ - (وَعَنْ أبِي السَّمْحِ خَادِمِ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: قَال النَّبِيُّ ﷺ : "يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغلام". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٦) والنَّسَائِي (٧) وابْنُ ماجَه (٨). [صحيح]

стр. 226

١٦/ ٣٤ - (وَعَنْ أُمِّ كُرْزٍ الخُزَاعِيَّةِ قالتْ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِغُلامٍ فبالَ عَليهِ فَأمَرَ بِهِ فَنُضِحَ، وَأُتِي بِجارِيةٍ فَبَالَتْ عَلَيْهِ فَأمَرَ بِهِ فَغُسلَ. رَوَاهُ أحْمَدُ) (١). [صحيح لغيره] ١٧/ ٣٥ - (وَعَنْ أُمِّ كُرْزٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "بَوْلُ الغلامِ يُنْضَحُ، وَبَوْلُ الجَارِيةِ يُغْسَلُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه (٢). [صحيح لغيره] ١٨/ ٣٦ - (وَعَنْ أُمِّ الفضْلِ لُبابَةَ بِنْتِ الحَارِثِ قَالتْ: بَالَ الحُسَيْنُ بْنُ عَليّ في حِجْرِ النبيِّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أعْطِني ثَوْبَكَ والْبِسْ ثَوْبًا غَيْرَهُ حَتَّى أغْسلهُ فَقالَ: "إنَّما يُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ وَيُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الأُنْثَى". رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وأبُو دَاوُدَ (٤) وابْنُ مَاجَه) (٥). [حسن] حديث علي أخرجه أيضًا أبو داود (٦) وابن ماجه (٧) بإسناد صحيح لأنه من طريق هشام عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عنه. وأخرجه أيضًا أبو داود (٨) موقوفًا من حديث مسدد عن يحيى عن ابن أبي عروبة عن قتادة بالإسناد السابق إلى عليّ موقوفًا بلفظ: "يُغسل من بول الجارية ويُنضح من بول الغلام ما لم يُطعم". وأخرجه (٩) أيضًا مرفوعًا من حديثه بدون "ما لم يطعم"، وجعله من قول قتادة.

стр. 227

وكذلك أخرج (١) عن أم سلمة: "أنها كانت تصب على بول الغلام ما لم يطعم، فإذا طعم غسلته، وكانت تغسل بول الجارية". وحديث أبي السمح أخرجه أيضًا البزار (٢) وابن خزيمة (٣) من حديثه بلفظ: "كنت أخدم رسول الله ﷺ فأُتِيَ بحسن أو حسين فبال على صدره، فجئتُ أغسله، فقال: يُغسل" الحديث. وصححه الحاكم (٤)، قال أبو زرعة (٥) والبزار: ليس لأبي السمح غير هذا الحديث ولا يعرف اسمه. وقال البخاري (٦) حديث حسن. وحديث أم كرز الأوّل والثاني في إسنادهما انقطاع لأنهما من طريق عمرو بن شعيب عنها ولم يدركها (٧)، وقد اختلف فيه على عمرو بن شعيب فقيل: عنه عن أبيه عن جدِّه كما رواه الطبراني (٨). وحديث أم الفضل أخرجه أيضًا ابن خزيمة (٩) وابن حبان (١٠) والحاكم (١١) والطبراني (١٢). قوله: (لم يأكل الطعام) المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي [يرضعه] (١٣) والتمر الذي يحنَّك به، والعسل الذي يلعقه للمداواة، وغير ذلك. وقيل: المراد بالطعام ما عدا اللبن فقط. ذكر الأوّل النووي في شرح مسلم (١٤) وشرح المهذب (١٥)

стр. 228

وأطلق في الروضة (١) تبعًا لأصلها الثاني، وقال في "نكت التنبيه" (٢): إن لم يأكل غير اللبن وغير ما يحنك به وما أشبهه. وقيل: لم يأكل، أي لم يستقل بجعل الطعام في فيه، ذكره الموفق الحموي في "شرح التنبيه" (٣). قال الحافظ ابن حجر (٤): "والأول أظهر وبه جزم الموفق ابن قدامة وغيره، وقال ابن التين: يحتمل أنها أرادت أنه لم يتقوَّت بالطعام ولم يستغن به عن الرضاع، ويحتمل أنها إنما جاءت به عند ولادته ليحنكه ﷺ ، فيحمل النفي على عمومه". قوله: (على ثوبه) أي النبي ﷺ ﷺ ، وأغرب ابن شعبان من المالكية فقال: المراد به ثوب الصبي. قوله: (فنضحه) في صحيح مسلم (٥) من طريق الليث [عن] (٦) ابن شهاب، "فَلَم يَزِدْ عَلَى أنْ نَضَحَ بالماءِ". وله (٧) من طريق ابن عيينة عن ابن شهاب: "فَرَشَّهُ". زاد أبو عوانة في صحيحه (٨): "عليه". قال الحافظ (٩): ولا تخالُف بين

стр. 229

الروايتين، أي بين نضح ورش، لأن المراد به أن الابتداء كان بالرش وهو [تنفيض] (١) الماء فانتهى إلى النضح وهو صب الماء. ويؤيده رواية مسلم (٢) في حديث عائشة من طريق جرير عن هشام: "فَدَعَا بماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ"، ولأبي عوانة (٣): "فصبه على البول يتبعه إياه"، انتهى. [و] (٤) "الذي في النهاية (٥) [والكشاف] (٦) والقاموس (٧) أن النضح: الرش". قوله: (ولم يغسله) ادعى الأصيلي (٨) أن هذه الجملة من كلام ابن شهاب راوي الحديث، وأن المرفوع انتهى عند "فَنَضحَه"، قال: وكذلك روى معمر عن ابن شهاب، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (٩). قال: فرشه، لم يزد. قال الحافظ في الفتح (١٠): "وليس في سياق معمر ما يدل على ما ادعاه من الإدراج. وقد أخرجه عبد الرزاق (١١) بنحو سياق مالك، لكنه لم يقل: "ولم يغسله" وقد قالها مع ذلك الليث وعمرو بن الحارث ويونس بن يزيد كلهم عن ابن شهاب. أخرجه ابن خزيمة (١٢) والإسماعيلي وغيرهما من طريق ابن وهب عنهم، وهو لمسلم (١٣)

стр. 230

عن يونس وحده، نعم زاد معمر في روايته، "قال ابن شهاب: فمضت السنة أن يرش بول الصبي ويغسل بول الجارية"، فلو كانت هذه الزيادة هي التي زادها مالك ومن تبعه لأمكن دعوى الإدراج لكنها غيرها فلا إدراج. وأما ما ذكره عن ابن أبي شيبة فلا اختصاص له بذلك، فإن ذلك لفظ رواية ابن عيينة عن ابن شهاب، وقد ذكرناها عن مسلم [وغيره] (١)، وبينَّا أنها غير مخالفة لرواية مالك". قوله: (بول الغلام الرضيع) هذا تقييد للفظ الغلام بكونه رضيعًا، وهكذا يكون تقييدًا للفظ الصبي والصغير والذكر الواردة في بقية الأحاديث. وأما لفظ ما لم يطعم فقد عرفت عدم صلاحيته لذلك لأنه ليس من قوله ﷺ . وقد شذَّ ابن حزم (٢) فقال: إنه يرش من بول الذكر أي ذكر كان، وهو إهمال للقيد الذي يجب حمل المطلق عليه كما تقرر في الأصول، ورواية الذكر مطلقة، وكذلك رواية الغلام فإنه كما قال في القاموس (٣) لمن طرَّ شاربه أو من حينِ يُولدُ إلى أنْ يَشِبَّ، وقد ثبت إطلاقه على من دخل في سن الشيخوخة. ومنه قول علي ﵇ في يوم النهْرَوانِ (٤): أنا الغلام القرشيُ المؤتمن … أبو حسين فاعلمنَّ والحسن وهو إذ ذاك في نحو ستين سنة. ومنه أيضًا قول ليلى الأخيَلية (٥) في مدح الحجَّاج أيام إمارته على العراق: شفاها من الداء العُضال الذي بها … غلام إذا هزَّ القناة سقاها

стр. 231

ولكنه مجاز، قال الزمخشري في أساس البلاغة (١): إن الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن قيل له بعد ذلك غلام فهو مجاز. قوله: (بصبي) قال الحافظ (٢): يظهر لي أنه ابن أم قيس ويحتمل أن يكون الحسن بن علي أو الحسين؛ فقد روى الطبراني في الأوسط (٣) من حديث أم سلمة بإسناد حسن قالت: "بال الحسن أو الحسين على بطن رسول الله ﷺ فتركه حتى قضى بوله ثم دعا بماء فصبَّه عليه"، ولأحمد (٤) عن أبي ليلى نحوه. ورواه الطحاوي (٥) من طريقه قال: فجيء بالحسن ولم يتردد. وكذا للطبراني (٦) عن أبي أمامة، ورجح الحافظ أنه غيره. قوله: (فأتبعه) بإسكان المثناة من فوق أي اتبع رسول الله ﷺ البول الذي على الثوب الماء. قوله: (يحنكه) قال أهل اللغة (٧): التحنيك أن تمضع التمر أو نحوه ثم تدلك به حنك الصغير. قوله: (فيبرك عليهم) أي يدعو لهم أو يمسح عليهم. وأصل البركة ثبوت الخير وكثرته. (أقوال العلماء في تطهير بول الغلام والجارية): وقد استُدل بأحاديث الباب على أن بول الصبي يخالف بول الصبيَّة في كيفية استعمال الماء، وأن مجرد النضح يكفي في تطهير بول الغلام، وقد اختلف الناس في ذلك على ثلاثة مذاهب:

стр. 232

(الأول): الاكتفاء بالنضح في بول الصبي لا الجارية، وهو قول علي (١) ﵇ (٢) وعطاء (٣) والحسن (٤) والزهري وأحمد وإسحق (٥) وابن وهب (٤) وغيرهم. وروي عن مالك، وقال أصحابه: هي رواية شاذة (٦)، ورواه ابن حزم (٧) أيضًا عن أم سلمة والثوري والأوزاعي والنخعي وداود وابن وهب. (والثاني): يكفي النضح فيهما، وهو مذهب الأوزاعي، وحكي عن مالك (٨) والشافعي (٩). (والثالث): هما سواء في وجوب الغسل، وهو مذهب العترة والحنفية وسائر الكوفيين والمالكية. وأحاديث الباب ترد المذهب الثاني والثالث.

стр. 233

وقد استدل في البحر (١) لأهل المذهب الثالث بحديث عمار المشهور وفيه: "إنما تغسل ثوبك من البول" إلخ، وهو مع اتفاق الحفاظ على ضعفه لا يعارض أحاديث الباب؛ لأنها خاصة وهو عام، وبناء العام على الخاص واجب، ولكن جماعة من أهل الأصول - منهم مؤلف البحر (١) - لا يبنون العام على الخاص إلا مع المقارنة، أو تأخر الخاص، وأما مع الالتباس كمثل ما نحن بصدده فقد حكى بعض أئمة الأصول أنه يبنى العام على الخاص اتفاقًا، وصرح صاحب البحر (١) أن الواجب الترجيح مع الالتباس. ولا يشك من له أدنى إلمام بعلم الحديث أن أحاديث الباب أرجح وأصح من حديث عمار، وترجيحه لحديث عمار بالظهور غير ظاهر، وقد جزم صاحب البحر في المعيار (٢) وشرحه بأن الواجب مع الالتباس الإطراح فتخالف كلامه. وجزم صاحب المنار (٣) بأن العام متقدم والخاص متأخر، ولم يذكر لذلك دليلًا يشفي. وأما الحنفية والمالكية فاستدلوا لما ذهبوا إليه بالقياس، فقالوا: المراد بقوله: ولم يغسله: أي غسلًا مبالغًا فيه، وهو خلاف الظاهر، ويبعده ما ورد في الأحاديث من التفرقة بين بول الغلام والجارية فإنهم لا يفرقون بينهما. والحاصل أنه لم يعارض أحاديث الباب شيء يوجب الاشتغال به. [الباب السابع] باب الرخصة في بول ما يؤكل لحمه ١٩/ ٣٧ - (عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ أن رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ أوْ قَالَ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ فَأمَرَ لَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ بِلِقَاحٍ وأمَرَهُمْ أنْ يَخْرُجُوا فَيَشرَبُوا مِنْ أبْوَالِها وألْبَانِهَا. مُتفقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح]

стр. 234

اجتَوَوْها: أيْ استَوْخَمُوها. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ قَالَ: "صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ". [صحيح] قوله: (من عُكْل) بضم المهملة وإسكان الكاف قبيلة من تيم. قوله: (أو عُرَيْنة) بالعين والراء المهملتين مصغرًا: حيٌّ من قضاعة وحيٌّ من بجيلة، والمراد هنا الثاني كذا ذكره موسى بن عقبة في المغازي (١) "، والشك من حماد، ورواه البخاري في المحاربين (٢) عن حماد: أن رهطًا من عكل أو قال: من عرينة، قال: ولا أعلمه إلا قال من عكل. ورواه في الجهاد (٣) عن [وهَيْب] (٤) عن أيوب أن رهطًا من عكل، ولم يشك. وفي الزكاة (٥) رواه من طريق شعبة عن قتادة "أن ناسًا من عرينة" ولم يشك أيضًا. وكذا لمسلم (٦) من رواية معاوية بن قرة عن أنس. ورواه أيضًا البخاري في المغازي (٧) عن قتادة: "من عكل وعرينة" بالواو العاطفة، قال الحافظ (٨): "وهو الصواب، ويؤيده ما رواه أبو عوانة والطبراني من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس، قال: "كانوا أربعة من عرينة وثلاثة من عكل". وزعم ابن التين تبعًا للداودي أن عرينة هم عكل، وهو غلط، بل هما قبيلتان متغايرتان. فعكل من عدنان وعرينة من قحطان.

стр. 235

قوله: (فاجتووا) قال ابن فارس (١): "اجتَويْتَ المدينةَ، إذا كَرِهْتَ المقام فيها وإن كُنتَ في نَعْمَةٍ"، وقيَّده الخطابي (٢) بما إذا تضرر بالإقامة، وهو المناسب لهذه القصة. وقيل: الاجتواء: عدم الموافقة في الطعام، ذكره القزاز (٣)، وقيل: داء من الوباء ذكره ابن العربي (٤). وقيل: داء يصيب الجوف، والاجتواء بالجيم. قوله: (فأمر لهم بلِقاح) بلام مكسورة فقاف فحاء مهملة: النوق ذات اللبن، واحدتها لِقْحة بكسر اللام وإسكان القاف، قال [أبو عمرو: يقال] (٥) لها ذلك إلى ثلاثة أشهر، ثم هي لبون، واللقاح المذكورة ظاهر الروايات أنها للنبي ﷺ . وثبت في رواية للبخاري في الزكاة (٦) من طريق شعبة عن قتادة بلفظ: "فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة"، قال الحافظ (٧) والجمع بينهما أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعث رسول الله ﷺ بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء النفر الخروج. قوله: (أن يخرجوا فيشربوا) في رواية للبخاري (٨): "وأن يشربوا"، أي وأمرهم أن يشربوا. وفي أخرى له (٩): "فاخرجوا فاشربوا"، وفي أخرى له (١٠) أيضًا: "فرخص لهم أن يأتوا فيشربوا". قوله: (وقد ثبت إلخ) هو ثابت من حديث جابر بن سمرة عند مسلم (١١).

стр. 236

ومن حديث البراء عند أبي داود (١) والترمذي (٢) وابن ماجه (٣). "قال أحمد بن حنبل وإسحق بن إبراهيم: قد صح في هذا الباب حديث البراء بن عازب وجابر بن سمرة (٤) ". وقد استدل بهذا الحديث من قال بطهارة بول ما يؤكل لحمه، وهو مذهب العترة والنخعي (٥) والأوزاعي والزهري (٦) ومالك وأحمد ومحمد وزفر وطائفة من السلف، ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والإصطخري والروياني (٧). أما في الإبل فبالنص، وأما في غيرها مما يؤكل لحمه فبالقياس. قال ابن المنذر (٨): ومن زعم أن هذا خاص بأولئك الأقوام فلم يصب إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل، ويؤيد ذلك تقرير أهل العلم لمن يبيع أبعار الغنم في أسواقهم واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم. ويؤيده أيضًا أن الأشياء على الطهارة حتى تثبت النجاسة. وأجيب عن التأييد الأول بأن المختلف فيه لا يجب إنكارُه،

стр. 237

وعن الاحتجاج بالحديث بأنها حالة ضرورية وما أبيح للضرورة لا يسمى حرامًا وقت تناوله لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١). ومن أدلة القائلين بالطهارة حديث الإذن بالصلاة في مرابض الغنم السابق (٢). وأجيب عنه بأنه [مُعَلُّ] (٣) بأنها لا تؤذي كالإبل، ولا دلالة فيه على جواز المباشرة وإلا لزم نجاسة أبوال الإبل وبعرها للنهي عن الصلاة في مَباركها. ويرد هذا الجواب بأن الصلاة في مرابض الغنم تستلزم المباشرة لآثار الخارج منها، والتعليل بكونها لا تؤذي أمر وراء ذلك، والتعليل للنهي عن الصلاة في معاطن الإبل بأنها تؤذي المصلي، يدل على أن ذلك هو المانع لا ما كان في المعاطن من الأبوال والبعر. واستدل أيضًا بحديث: "لا بأس ببول ما أكل لحمه" عند الدارقطني من حديث جابر (٤) والبراء (٥) مرفوعًا. وأجيب بأن في إسناده عمرو بن الحسين

стр. 238

العقيلي وهو واه جدًّا، قال أبو حاتم (١): ذاهب الحديث ليس بشيء. وقال أبو زرعة (١): واهي الحديث، وقال الأزدي: ضعيف جدًّا. وقال ابن عدي (٢): حدَّث عن الثقات بغير حديث منكر وهو متروك. وفي إسناده أيضًا يحيى بن العلاء أبو عمر البجلي الرازي، قد ضعَّفوه جدًّا، قاله الدارقطني: وكان وكيع شديد الحمل عليه (٣)، وقال أحمد (٤): كذاب، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال النسائي (٥) والأزدي: متروك. واحتجوا أيضًا بحديث: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم" عند مسلم (٦) والترمذي (٧) وأبي داود (٨) من حديث وائل بن حجر. وابن

стр. 239

حبان (١) والبيهقي (٢) من حديث أم سلمة، وعند الترمذي (٣) وأبي داود (٤) من حديث أبي هريرة بلفظ: "نهى رسول الله ﷺ عن كل دواء خبيث" والتحريم يستلزم النجاسة، والتحليل يستلزم الطهارة، فتحليل التداوي بها دليل طهارتها، فأبوال الإبل وما يلحق بها طاهرة. وأجيب عنه بأنه - محمول على حالة الاختيار، وأما في الضرورة فلا يكون حرامًا كالميتة للمضطر، فالنهي عن التداوي بالحرام باعتبار الحالة التي لا ضرورة فيها، والإذن بالتداوي بأبوال الإبل باعتبار حالة الضرورة، وإن كان خبيثًا حرامًا، ولو سلِّم فالتداوي إنما وقع بأبوال الإبل فيكون خاصًّا بها، ولا يجوز إلحاق غيره به لما ثبت من حديث ابن عباس (٥) مرفوعًا: "إن في أبوال الإبل شفاء للذَّرِبة بطونهم" ذكره في الفتح (٦)، والذَّرَب (٧): فساد المعدة، فلا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه، على أن
следующие страницы →