← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 1915–1954 · переход к 1920.

стр. 1915

إلى المنبر فقال حين ارتقى درجة: "آمين" ثم رقى أخرى فقال: "امين! الحديث، وفيه أن جبريل قال له عند الدرجة الثالثة بعد: من ذكرت عنده فلم يصل عليك. فقلت: "آمين"، ورجاله ثقات [كما قال العراقي] (١). وحديث جابر عند الطبراني (٢) بلفظ: "شقي من ذكرت عنده فلم يصل علي" يفيد أن الوجوب عند الذكر من غير فرق بين داخل الصلاة وخارجها. والقائلون بالوجوب في الصلاة لا يقولون بالوجوب خارجها، فما هو جوابهم عن الوجوب خارجها فهو جوابنا عن الوجوب داخلها على أن التقييد بقوله عنده مشعر بوقوع الذكر من غير من أضيف إليه، والذكر الواقع [حال] (٣) الصلاة ليس من غير الذاكر، وإلحاق ذكر الشخص بذكر غيره يمنع منه وجود الفارق وهو ما يشعر به السكوت عند سماع ذكره ﷺ من الغفلة وفرط القسوة بخلاف ما إذا جرى ذكره ﷺ من الشخص نفسه، فكفى به عنوانًا على الالتفات والرقة. ويؤيد هذا الحديث الصحيح "إنَّ في الصلاة لشغلًا" (٤). ومن أنهض ما يستدل به على الوجوب في الصلاة مقيدًا بالمحل المخصوص: أعني بعد التشهد ما أخرجه الحاكم (٥) والبيهقي (٦) من طريق يحيى بن السباق عن رجل من آل الحرث عن ابن مسعود عن النبي ﷺ بلفظ: "إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل" الحديث لولا أن في إسناده رجلًا مجهولًا وهو هذا الحارثي. والحاصل أنه لم يثبت عندي من الأدلة ما يدل على مطلوب القائلين بالوجوب، وعلى فرض ثبوته فترك تعليم المسيء للصلاة لا سيما مع قوله ﷺ :

стр. 1916

"فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك" قرينة صالحة لحمله على الندب. ويؤيد ذلك قوله لابن مسعود بعد تعليمه التشهد: "إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت أن [تقوم] (١) فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد" أخرجه أحمد (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) والدارقطني (٥) وفيه كلام يأتي إن شاء الله في باب كون السلام فرضًا (٦). وبعد هذا فنحن لا ننكر أن الصلاة عليه ﷺ من أجل الطاعات التي يتقرب بها الخلق إلى الخالق وإنما نزعنا في إثبات واجب من واجبات الصلاة بغير دليل يقتضيه مخافة من التقوّل على الله بما لم يقل ولكن تخصيص التشهد الأخير بها مما لم يدل عليه دليل صحيح ولا ضعيف وجميع هذه الأدلة التي استدل بها القائلون بالوجوب لا تختص بالأخير. وغاية ما استدلوا به على تخصيص الأخير بها حديث: "إنَّ النبي ﷺ كان يجلس في التشهد الأوسط كما يجلس على الرضف". أخرجه أبو داود (٧) والترمذي (٨) والنسائي (٩) وليس فيه إلا مشروعية التخفيف وهو يحصل بجعله أخف من مقابله: أعني التشهد الأخير.

стр. 1917

وأما إنه يستلزم ترك ما دل الدليل على مشروعيته فيه فلا. ولا شك أن المصلي إذا اقتصر على أحد التشهدات وعلى أخصر ألفاظ الصلاة عليه ﷺ كان مسارعًا غاية المسارعة باعتبار ما يقع من تطويل الأخير بالتعوذ من الأربع والأدعية المأمور بمطلقها ومقيدها فيه. إذا تقرر لك الكلام في وجوب الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة فاعلم أنه قد اختلف في وجوبها على الآل بعد التشهد، فذهب الهادي والقاسم والمؤيد (١) بالله، وأحمد بن حنبل (٢)، وبعض أصحاب الشافعي (٣) إلى الوجوب، واستدلوا بالأوامر المذكورة في الأحاديث المشتملة على الآل. وذهب الشافعي (٤) في أحد قوليه وأبو حنيفة وأصحابه (٥) والناصر (٦) إلى أنها سنة فقط، وقد تقدم ذكر الأدلة من الجانبين. ومن جملة ما احتج به الآخرون هنا الإجماع الذي حكاه النووي (٧) على عدم الوجوب، قالوا: فيكون قرينة لحمل الأوامر على الندب، قالوا: ويؤيد ذلك عدم الأمر بالصلاة على الآل في القرآن والخلاف في تعيين الآل من هم سيأتي في الباب الثاني (٨) وشرح بقية ألفاظ حديث ابن مسعود يأتي في شرح ما بعده من أحاديث الباب. ١٢٠/ ٧٨١ - (وعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ [﵁] (٩) قَالَ: قُلْنَا يا رَسُولَ الله قَدْ عَلِمْنَا أَوْ عَرَفْنَا كَيْفَ السلامُ عَليْكَ فَكَيْفَ الصلَاةُ؟ قالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّد كما صَلَّيْتَ على آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلى مُحمَّدٍ وعلى آل مُحمَّدٍ كما بارَكْتَ على آل إبْرَاهِيمَ إنكَ

стр. 1918

حَمِيدٌ مَجيدٌ". رواه الجماعةُ إلَّا أنْ التِّرْمِذِيَّ (١) قالَ فِيهِ: "على إبْراهيمَ" في الْموْضِعينِ لمْ يَذْكرْ آلَهُ). [صحيح] قوله: (قد علمنا إلخ) يعني بما "تقدم في أحاديث التشهد وهو: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" وهو يدل على تأخر مشروعية الصلاة عن التشهد. قوله: (فكيف [الصلاة]) (٢) فيه أنه يندب لمن أشكل عليه كيفية ما فهم جملته أن يسأل عنه من له به علم. قوله: (قولوا) استدل به القائلون بوجوب الصلاة في الصلاة، وقد تقدم البحث عن ذلك. قوله: (وعلى آل محمد) في رواية لأبي داود (٣) "وآل محمد" بحذف على وسائر الروايات في هذا الحديث وغيره بإثباتها، وقد ذهب البعض إلى وجوب زيادتها. قوله: (كما صليت على آل إبراهيم) هم إسماعيل وإسحق وأولادهما وقد جمع الله لهم الرحمة والبركة بقوله: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (٤) ولم يجمعا لغيرهم فسأل النبي ﷺ إعطاء ما تضمنته الآية واستشكل جماعة من العلماء التشبيه للصلاة عليه ﷺ بالصلاة على إبراهيم كما في بعض الروايات، أو على آل إبراهيم كما في البعض الآخر مع أن المشبه دون المشبه به في الغالب، وهو ﷺ أفضل من إبراهيم وآله. وأجيب عن ذلك بأجوبة (٥).

стр. 1919

(منها) أن المشبه مجموع الصلاة على محمد وآله بمجموع الصلاة على إبراهيم وآله، وفي آل إبراهيم معظم الأنبياء، فالمشبه به أقوى من هذه الحيثية. (ومضها) أن التشبيه وقع لأصل الصلاة بأصل الصلاة، لا للقدر بالقدر. (ومنها) أن التشبيه وقع في الصلاة على الآل لا على النبي ﷺ وهو خلاف الظاهر. (ومنها) أن الصلاة عليه ﷺ باعتبار تكرّرها من كل فرد تصير باعتبار مجموع الأفراد أعظم وأوفر وإن كانت باعتبار الفرد مساوية أو ناقصة، وفيه أن التشبيه حاصل في صلاة كل فرد، فالصلاة من المجموع مأخوذ فيها ذلك فلا يتحقق كونها أعظم وأوفر. (ومنها) أن الصلاة عليه كانت ثابتة له، والسؤال إنما هو باعتبار الزائد على القدر الثابت، وبانضمام ذلك الزائد المساوي أو الناقص إلى ما قد ثبت تصير أعظم قدرًا. (ومنها) أن التشبيه غير منظور فيه إلى جانب زيادة أو نقص، وإنما المقصود أن لهذه الصلاة نوع تعظيم وإجلال كما فعل في حق إبراهيم وتقرر واشتهر من تعظيمه وتشريفه، وهو خلاف الظاهر. (ومنها) أن الغرض من التشبيه قد يكون لبيان حال المشبه من غير نظر إلى قوّة المشبه به وهو قليل لا يحمل عليه إلا لقرينة. (ومنها) أن التشبيه لا يقتضي أن يكون المشبه دون المشبه به على جهة اللزوم كما صرح بذلك جماعة من علماء البيان. وفيه أنه وإن لم يقتض ذلك نادرًا فلا شك أنه غالب. (ومنها) أنه كان ذلك منه ﷺ قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم. (ومنها) أن مراده ﷺ أن يتم النعمة عليه كما أتمها على إبراهيم وآله. (ومنها) أن مراده ﷺ أن يبقى له لسان صدق في الآخرين كإبراهيم. (ومنها) أنه سأل أن يتخذه الله خليلًا ﷺ . (ومنها) أنه ﷺ من جملة آل إبراهيم وكذلك آله، فالمشبه هو الصلاة عليه

стр. 1920

وعلى آله بالصلاة على إبراهيم وآله الذي هو وآله من جملتهم فلا ضير في ذلك (١). قوله: (إنك حميد) أي محمود الأفعال مستحق لجميع المحامد لما في الصيغة من المبالغة وهو تعليل لطلب الصلاة منه.

стр. 1921

والمجيد (١): المتصف بالمجد وهو كمال الشرف والكرم والصفات المحمودة. قوله: (اللهم بارك) البركة (٢): هي الثبوت والدوام من قولهم برك البعير: إذا ثبت ودام: أي [أدم] (٣) شرفه وكرامته وتعظيمه. ١٢١/ ٧٨٢ - (وَعَنْ فَضالَة بْنِ عُبَيْدٍ [﵁] (٤) قالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَدْعو في صَلَاتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ على النَّبِيِّ ﷺ فقالَ النَّبِيّ ﷺ : "عَجِلَ هذَا، ثمَّ دَعَاهُ. فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللهِ والثناءِ عليهِ، ثمَّ لِيُصَلِّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ثمَّ لِيَدْع بَعْدُ مَا شَاءَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحُّحَهُ) (٥). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا أبو داود (٦) والنسائي (٧) وابن خزيمة (٨) وابن حبان (٩) والحاكم (١٠). قوله: (عجل هذا) أي بدعائه قبل تقديم الصلاة. وفيه دليل على مشروعية تقديم الصلاة قبل الدعاء لتكون وسيلة للإجابة، لأن من حق السائل أن يتلطف في نيل ما أراده. وقد روى الحديث غير المصنف (١١) بلفظ: "سمع رجلًا يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصل على النبي". قوله: (والثناء عليه) هو من عطف العام على الخاص.

стр. 1922

قوله: (ما شاء) في أكثر الروايات بما شاء يعني من خير الدنيا والآخرة. وفيه الإذن في الصلاة بمطلق الدعاء من غير تقييد بمحل مخصوص. قيل: هذا الحديث موافق في المعنى لحديث ابن مسعود وغيره في التشهد، فإن ذلك متضمن للتمجيد والثناء وهذا مجمل وذلك مبين للمراد وهو لا يتم إلا بعد تسليم أن النبي ﷺ سمع الرجل يدعو في قعدة التشهد. وقد استدل بالحديث القائلون بوجوب الصلاة في الصلاة، وقد تقدم الجواب على ذلك. قال المصنف (١) رحمه الله تعالى: وفيه حجة لمن لا يرى الصلاة عليه فرضًا حيث لم يأمر تاركها بالإعادة. ويُعضده قوله في خبر ابن مسعود بعد ذكر التشهد: "ثم يتخير من المسألة ما شاء" (٢) اهـ. [الباب التاسع والثلاثون] باب ما يستدل به على تفسير آله المصلَّى عليهم ١٢٢/ ٧٨٣ - (عَنِ أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ [﵁] (٣) أَنَّهُمْ قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نُصَلي عَلَيْكَ؟ قالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعلى أَزْوَاجِهِ وذرِّيَّتِهِ كما صَلَّيْتَ على آل إبْرَاهِيمَ، وبَارِك على محمَّدٍ وأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَتِهِ كما بَارَكْتَ على آلِ إبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٤). [صحيح] الحديث احتج به طائفة من العلماء على أن الآل هم الأزواج والذرية ووجهه أنه أقام الأزواج والذرية مقام آل محمد في سائر الروايات المتقدمة.

стр. 1923

واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١) لأن ما قبل الآية وبعدها في الزوجات فأشعر ذلك بإرادتهنّ وأشعر تذكير المخاطبين بها بإرادة غيرهن. وبين هذا الحديث وحديث أبي هريرة الآتي (٢) من هم المرادون بالآية وبسائر الأحاديث التي أجمل فيها الآل ولكنه يشكل على هذا امتناعه ﷺ من إدخال أم سلمة تحت الكساء بعد سؤالها ذلك (٣). وقوله ﷺ عند نزول هذه الآية مشيرًا إلى عليّ [﵇] (٤) وفاطمة والحسن والحسين: "اللهم إن هؤلاء أهل بيتي" (٣) بعد أن جللهم بالكساء. وقيل: إن الآل هم الذين حرمت عليهم الصدقة وهم بنو هاشم. ومن أهل هذا القول الإمام يحيى. واستدل القائل بذلك بأن زيد بن أرقم فسر الآل بهم وبين أنهم آل عليّ [﵇] (٤) وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس كما في صحيح مسلم (٥)، والصحابي أعرف بمراده ﷺ فيكون تفسيره قرينة على التعيين.

стр. 1924

وقيل: إنهم بنو هاشم وبنو المطلب. وإلى ذلك ذهب الشافعي. وقيل: فاطمة وعليّ والحسنان وأولادهم، وإلى ذلك ذهب جمهور أهل البيت واستدلوا بحديث الكساء الثابت في صحيح مسلم (١) وغيره. وقوله ﷺ فيه: "اللهم إنَّ هؤلاء أهل بيتي" (٢) مشيرًا إليهم. ولكنه يقال: إن كان هذا الترتيب يدل على الحصر باعتبار المقام أو غيره، فغاية ما فيه إخراج من عداهم بمفهومه، [والأحاديث] (٣) الدالة على أنهم أعم منهم كما ورد في بني هاشم وفي الزوجات مخصصة بمنطوقها لعموم هذا المفهوم. واقتصاره ﷺ على تعيين البعض عند نزول الآية لا ينافي إخباره بعد ذلك بالزيادة لأن الاقتصار ربما كان لمزية للبعض أو قبل العلم بأن الآل أعم من المعينين، ثم يقال إذا كانت هذه الصيغة تقتضي الحصر فما الدليل على دخول أولاد المجللين بالكساء في الآل مع أنه مفهوم هذا الحصر يخرجهم فإن كان إدخالهم بمخصص وهو التفسير بالذرية وذريته ﷺ هم أولاد فاطمة فما الفرق بين مخصص ومخصص؟ وقيل: إن الآل هم القرابة من غير تقييد وإلى ذلك ذهب جماعة من أهل العلم. وقيل: هم الأمة جميعًا. قال النووي في شرح مسلم (٤): وهو أظهرها قال: وهو اختيار الأزهري (٥) وغيره من المحققين اهـ. وإليه ذهب نشوان الحميري إمام اللغة ومن شعره في ذلك: آل النبي هم أتباع ملته … من الأعاجم والسودان والعرب لو لم يكن آله إلا قرابته … صلى المصلي على الطاغي أبي لهب ويدل على ذلك أيضًا قول عبد المطلب من أبيات: وانْصُر على آل الصَّليب … وَعَابِدِيه اليومَ آلَكْ

стр. 1925

والمراد بآل الصليب أتباعه ومن الأدلة على ذلك قول الله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (١) لأن المراد بآله: أتباعه. واحتج لهذا القول بما أخرجه الطبراني (٢) أن النبي ﷺ لما سئل عن الآل قال: "آل محمد كل تقي". وروي هذا من حديث علي ومن حديث أنس وفي أسانيدها مقال. ويؤيد ذلك معنى الآل لغة، فإنهم كما قال في القاموس (٣): أهل الرجل وأتباعه، ولا ينافي هذا اقتصاره ﷺ على البعض منهم في بعض الحالات كما تقدم. وكما في حديث مسلم (٤) في الأضحية: "اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد". فإنه لا شك أن القرابة أخص الآل، فتخصيصهم بالذكر ربما كان لمزايا لا يشاركهم فيها غيرهم كما عرفت وتسميتهم بالأمة لا ينافي تسميتهم بالآل وعطف التفسير شائع ذائع كتابًا وسنة ولغة على أن حديث أبي هريرة (٥) المذكور آخر هذا الباب فيه عطف أهل بيته على ذريته، فإذا كان مجرد العطف

стр. 1926

يدل على التغاير مطلقًا لزم أن تكون ذريته خارجة عن أهل بيته. والجواب: الجواب. ولكن ههنا مانع من حمل الآل على جميع الأمة هو حديث: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي" (١) الحديث، وهو في صحيح مسلم (٢) وغيره، فإنه لو كان الآل جميع الأمة لكان المأمور بالتمسك والأمر المتمسك به شيئًا واحدًا وهو باطل (٣).

стр. 1927

١٢٣/ ٧٨٤ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [﵁] (١) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بالْمِكْيَالِ الأوْفى إذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمَّدٍ النبيِّ وأَزْوَاجِهِ أمَّهاتِ المؤمنِينَ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْل بَيْتِهِ كما صَلَّيْتَ على آلِ إبراهِيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجِيدٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (٢). [ضعيف]

стр. 1928

الحديث سكت عنه أبو داود (١) والمنذري (٢) وهو من طريق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي عن المجمر عن أبي هريرة عنه ﷺ . وقد اختلف فيه على أبي جعفر. وأخرجه النسائي (٣) في مسند علي من طريق عمرو بن عاصم عن حبان بن يسار الكلابي عن عبد الرحمن بن طلحة الخزاعي عن أبي جعفر عن محمد بن الحنفية عن أبيه علي عن النبي ﷺ بلفظ حديث أبي هريرة. وقد اختلف فيه على أبي جعفر وعلى حبان بن يسار. الحديث استدل به القائلون بأن الزوجات من الآل والقائلون أن الذرية من الآل وهو أدل على ذلك من الحديث الأول لذكر الآل فيه مجملًا ومبينًا. قوله: (بالمكيال) بكسر الميم: وهو ما يكال به (٤). وفيه دليل على أن هذه الصلاة أعظم أجرًا من غيرها وأوفر ثوابًا. قوله: (أهل البيت) الأشهر فيه النصب على الاختصاص ويجوز إبداله من ضمير علينا. قوله: (فليقل اللهم صلّ على محمد) قال الأسنوي: قد اشتهر زيادة سيدنا قبل محمد عند أكثر المصلين (٥)، وفي كون ذلك أفضل نظر اهـ. وقد روي عن ابن عبد السلام أنه جعله من باب سلوك الأدب، وهو مبنيّ على أن سلوك طريق الأدب أحب من الامتثال. ويؤيده حديث أبي بكر (٦) حين أمره [رسول الله] (٧) ﷺ أن يثبت مكانه فلم يمتثل وقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ .

стр. 1929

وكذلك امتناع علي عن محو اسم النبي ﷺ من الصحيفة في صلح الحديبية (١) بعد أن أمره بذلك وقال: لا أمحو اسمك أبدًا، وكلا الحديثين في الصحيح فتقريره ﷺ لهما على الامتناع من امتثال الأمر تأدبًا مشعر بأولويته. [الباب الأربعون] باب ما يدعو به في آخر الصلاة ١٢٤/ ٧٨٥ - (عَنْ أَبي هُرَيرَةَ [﵁] (٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِو التَّشَهُّدِ الأخِيرِ فلْيَتَعَوَّذْ بالله مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْر، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ". رَوَاهُ الجماعةُ إلَّا البُخاريُّ والتّرمِذيّ) (٣). [صحيح] ١٢٥/ ٧٨٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ [﵂] (٢) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو في الصلاةِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَغْرَمِ والْمَأُثَم". رَوَاهُ الجمَاعَةُ إلَّا ابْن مَاجَهْ) (٤). [صحيح] قوله: (إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير) فيه تعيين محلّ هذه الاستعاذة بعد التشهد الأخير وهو مقيد.

стр. 1930

وحديث عائشة مطلق فيحمل عليه، وهو يرد ما ذهب إليه ابن حزم (١) من وجوبها في التشهد الأول. وما ورد من الإذن للمصلي بالدعاء بما شاء بعد التشهد يكون بعد هذه الاستعاذة، لقوله: "إذا فرغ". قوله: (فليتعوذ) استدل بهذا الأمر على وجوب الاستعاذة. وقد ذهب إلى ذلك بعض الظاهرية (٢). وروي عن طاوس (٣)، وقد ادعى بعضهم الإجماع على الندب وهو لا يتم مع مخالفة من تقدم (٤). والحق الوجوب إن علم تأخر هذا الأمر عن حديث المسيء لما عرَّفناك في شرحه. قوله: (من أربع) ينبغي أن يزاد على هذه الأربع: التعوذ من المغرم والمأثم المذكورين في حديث عائشة. قوله: (ومن عذاب القبر) فيه رد على المنكرين لذلك من المعتزلة. والأحاديث في هذا الباب متواترة.

стр. 1931

قوله: (ومن فتنة المحيا والممات) قال ابن دقيق العيد (١): فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يراد بها: الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد على هذا بفتنة المحيا ما قبل ذلك، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وقد صح أنهم يفتنون في قبورهم. وقيل: أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر، وبفتنة الممات السؤال في القبر مع الحيرة كذا في الفتح (٢). قوله: (ومن شر [فتنة] (٣) المسيح الدجال) قال أبو داود في السنن (٤): المسيح مثقل الدجال ومخفف عيسى. ونقل الفربري (٥) عن خلف بن عامر أن المسيح بالتشديد والتخفيف واحد، ويقال للدجال، ويقال لعيسى وأنه لا فرق بينهما. قال الجوهري في الصحاح (٦): من قاله بالتخفيف فلمسحه الأرض، ومن قاله بالتشديد فلكونه ممسوح العين. قال الحافظ (٧): وحكي عن بعضهم بالخاء المعجمة في الدجال ونسب قائله إلى التصحيف. قال في القاموس (٨): والمسيح عيسى ابن مريم صلوات الله عليه لبركته، قال: وذكرت في اشتقاقه خمسين قولًا في شرحي لمشارق الأنوار (٩) وغيره، والدجال لشؤمه اهـ.

стр. 1932

قوله: (من المغرم والمأثم) في البخاري (١) بتقديم المأثم على المغرم، والمغرم: الدَّين، يقال غرِم بكسر الراء: أي ادّان (٢). قيل المراد به: ما يستدان فيما لا يجوز أو فيما يجوز ثم يعجز عن أدائه، ويحتمل أن يراد به ما هو أعم من ذلك، وقد استعاذ ﷺ من [غلبة] (٣) الدَّين. وفي البخاري (٤): "أنه قال له ﷺ قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: "إن الرجل إذا غرم حدّث فكذب، ووعد فأخلف". [الباب الحادي والأربعون] باب جامع أدعية منصوص عليها في الصلاة ١٢٦/ ٧٨٧ - (عَنْ أبي بكرٍ الصديق [﵁] (٥) أنه قال لرسول الله ﷺ : علِّمْنِي دُعاءً أَدْعُو به في صلاتي، قالَ: "قُلْ: اللَّهُمَّ إني ظَلَمْتُ نَفْسِي ظلمًا كثيرًا، ولَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنتَ، فاغفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وارْحَمْنِي إِنَّكَ أنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيم". مُتَّفَقٌ عليهِ) (٦). [صحيح] قوله: (ظلمت نفسي) قال في الفتح (٧): أي بملابسة ما يوجب العقوبة أو ينقص الحظ. وفيه أن الإنسان لا يعرى عن تقصير ولو كان صدِّيقًا. قوله: (كثيرًا) روي بالثاء المثلثة وبالباء الموحدة.

стр. 1933

قال النووي (١): ينبغي أن يجمع بينهما فيقول كثيرًا كبيرًا. قال الشيخ عز الدين بن جماعة: ينبغي أن يجمع بين الروايتين فيأتي مرة بالمثلثة ومرة بالموحدة، فإذا أتى بالدعاء مرتين فقد نطق [بما نطق] (٢) به النبي ﷺ بيقين، وإذا أتى بما ذكره النووي لم يكن آتيًا بالسنة، لأن النبي ﷺ لم ينطق به كذلك اهـ. قوله: (ولا يغفر الذُّنوب إلا أنت) قال الحافظ (٣): فيه إقرار بالوحدانية واستجلاب للمغفرة وهو كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٤) فأثنى على المستغفرين وفي ضمن ثنائه [عليه] (٥) بالاستغفار لوّح بالأمر به كما قيل إن كل شيء أثنى الله على فاعله فهو آمر به، وكل شيء ذمَّ فاعله فهو ناه عنه. قوله: (مغفرة من عندك) قال الطيبي (٦): ذكر التنكير يدل على أن المطلوب غفران عظيم لا يدرك كنهه ووصفه بكونه من عِنده مريدًا بذلك التعظيم، لأن الذي يكون من عند الله لا يحيط به وصف. وقال ابن دقيق العيد (٧): يحتمل وجهين: (أحدهما) الإشارة إلى التوحيد المذكور كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت فافعله أنت، (والثاني) وهو أحسن أنه أشار إلى طلب مغفرة متفضل بها لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره، وبهذا الثاني جزم ابن الجوزي (٦). قوله: (إنك أنت الغفور الرحيم) قال الحافظ (٨): هما صفتان ذكرتا ختمًا للكلام على جهة المقابلة لما تقدم، فالغفور مقابل لقوله اغفر لي، والرحيم مقابل لقوله ارحمني وهي مقابلة مرتبة. والحديث يدل على مشروعية هذا الدعاء في الصلاة، ولم يصرح بمحله. قال ابن دقيق العيد (٧): ولعل الأولى أن يكون في أحد موطنين: السجود أو التشهد لأنه أمر فيهما بالدعاء.

стр. 1934

وقد أشار البخاري إلى محله فأورده في باب الدعاء قبل السلام (١). قال في الفتح (٢): وفي الحديث من الفوائد استحباب طلب التعليم من العالم خصوصًا ما في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم. ١٢٧/ ٧٨٨ - (وَعَنْ عُبَيْد بْنِ الْقَعْقَاعِ [﵁] (٣) قَالَ: رَمَقَ رَجُلٌ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَجَعَلَ يَقُولُ في صَلَاتِهِ: "اللَّهُمّ اغْفرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسّعْ لِي في دَارِي، وبَارِكْ لي فِيما رَزَقْتَني". رَوَاهُ أحمدُ) (٤). [حسن لغيره] [عبيد بن القعقاع، ويقال: حميد بن القعقاع، لا يعرف حاله (٥)، والراوي عنه أبو مسعود الجريري لا يعرف حاله، وقد اختلف فيه على شعبة. قال ابن حجر في المنفعة (٦): وله شاهد من حديث أبي موسى في الدعاء (٧) للطبراني] (٨).

стр. 1935

[وأبو مسعود الجريري هو سعيد بن إياس (١)، ثقة أخرج له الجماعة، فلا وجه لقول من قال: لا يعرف حاله] (٢). والحديث فيه مشروعية الدعاء بهذه الكلمات في مطلق الصلاة من غير تقييد بمحل منها مخصوص. وجهالة الراوي عنه ﷺ لا تضر، لأن جهالة الصحابي مغتفرة، كما ذهب إلى ذلك الجمهور، ودلت عليه الأدلة، وقد ذكرت الأدلة على ذلك في الرسالة التي سميتها "القول المقبول في رد رواية المجهول من غير صحابة الرسول" (٣). قوله: (رمق رجل) الرمق: اللحظ الخفيف كما في القاموس (٤). ١٢٨/ ٧٨٩ - (وَعَنْ شدادِ بْنِ أَوْس [﵁] (٥) أنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَقُولُ في صَلَاتِهِ: "اللَّهُم إني أسأَلُكَ الثَّباتَ في الأمْرِ، وَالْعَزِيمَةِ على الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ وَحسْنَ عِبَادَتِكَ، وأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا وَلِسانًا صادقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما تَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ". رَوَاهُ النسائي) (٦). [ضعيف] الحديث [رجال إسناده ثقات، وقد] (٥) ذكره في الجامع (٧) عند أدعية الاستخارة بلفظ: "عن رجل من بني حنظلة قال: صحبت شداد بن أوس فقال: ألا أعلمك ما كان رسول الله ﷺ يعلمنا؟ تقول إذا روينا أمرًا" فذكره وزاد: "إنك أنت علام الغيوب" أخرجه الترمذي (٨)، وزاد في حديث آخر بمعناه "إذا أوى إلى فراشه" ولم يذكر فيه إذا روينا أمرًا.

стр. 1936

وقد أخرجه النسائي [في اليوم والليلة] (١) (٢) ولم يذكر في الصلاة. وأما صاحب التيسير (٣) فساقه باللفظ الذي ذكره المصنف. قوله: (كان يقول في صلاته) هذا الدعاء ورد مطلقًا في الصلاة غير مقيد بمكان مخصوص. قوله: (الثبات في الأمر) سؤال الثبات في الأمر من جوامع الكلم النبوية لأن من ثبته الله في أموره عصم عن الوقوع في الموبقات ولم يصدر منه أمر على خلاف ما يرضاه الله. قوله: (والعزيمة على الرشد) هي تكون بمعنى إرادة الفعل وبمعنى الجد في طلبه، والمناسب هنا هو الثاني. قوله: (قلبًا سليمًا) أي غير عليل بكدر المعصية ولا مريض بالاشتمال على الغل والانطواء على الإحن. قوله: (من خير ما تعلم) هو سؤال لخير الأمور على الإطلاق، لأن علمه ﷻ محيط بجميع الأشياء، وكذلك التعوذ من شر ما يعلم والاستغفار لما [يعلم] (٤)، فكأنه قال: أسألك من خير كل شيء، وأعوذ بك من شر كل شيء وأستغفرك لكل ذنب. ١٢٩/ ٧٩٠ - (وعَنْ أبي هُريْرَةَ [﵁] (٥) أن رَسُولَ الله ﷺ كانَ يَقُولُ في سُجُودِهِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّه وأوَّلَهُ وآخِرَهُ وعَلانِيَّتهُ وسِرَّهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦) وأبُو دَاوُدَ) (٧). [صحيح] قوله: (ذنبي كله) استدل به على جواز نسبة الذنب إليه ﷺ وقد اختلف

стр. 1937

الناس في ذلك على أقوال مذكورة في الأصول (١): أحدها أن الأنبياء كلهم معصومون من الكبائر والصغائر، وهذا هو اللائق بشرفهم لولا مخالفته لصرائح القرآن والسنة المشعرة بأن لهم ذنوبًا. قوله: (دقه وجله) بكسر أولهما: أي قليله وكثيره. قوله: (وأوله وآخره) هو من عطف الخاص على العام. قوله: (وعلانيته وسره) هو كذلك، قال النووي (٢): فيه تكثير ألفاظ الدعاء وتوكيده وإن أغنى بعضها عن بعض. ١٣٠/ ٧٩١ - (وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسرٍ [﵄] (٣) أنه صَلَّى صَلاةً فأوْجَزَ فِيها، فأنْكَرُوا ذلِكَ، فقالَ: ألَمْ أُتِمَّ الرُّكوعَ والسُّجُودَ؟ قالُوا: بَلَى، قالَ: أَمَا إنِّي دَعَوْتُ فِيها بِدُعَاءٍ كانَ رسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو بِه: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلى الخَلْقِ، أَحْيِنِي ما عَلِمْتَ الحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، أسْألُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، وَكَلِمَةَ الحَقِّ في الغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدَ في الفَقْرِ وَالْغِنَى، وَلذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجْهكَ، والشّوْقَ إلَى لِقَائِكَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مضِرّةٍ، وَمِنْ فِتْنَةِ مُضلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنا بِزِينَةِ الإِيمانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ". رَوَاهُ أحمدُ (٤) والنسائيُّ) (٥). [صحيح] الحديث رجال إسناده ثقات. وساقه بإسناده آخر بنحو هذا اللفظ، وإسناده في سنن النسائي (٦) هكذا:

стр. 1938

أخبرنا يحيى بنُ حبيب بن عربيٍّ، قال: حدثنا حماد، قال: حدثنا عطاءُ بن السائب، عن أبيه قال: صلى عمار فذكره. وفي إسناده عطاء بن السائب، وقد اختلط، وأخرج له البخاري مقرونًا بآخر (١) وبقية رجاله ثقات، ووالد عطاء هو السائب بن مالك الكوفي، وثقه العجلي (٢). قوله: (فأوجز فيها) لعله لم يصاحب هذا الإيجاز تمام الصلاة على الصفة التي عهدوا عليها رسول الله ﷺ وإلا لم يكن للإنكار عليه وجه، فقد ثبت من حديث أنس في مسلم (٣) وغيره (٤) أنه قال: ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من رسول الله ﷺ في تمام. قوله: (فأنكروا ذلك عليه) فيه جواز الإنكار على من أخف الصلاة من دون استكمال. قوله: (ألم أتم الركوع والسجود) فيه إشعار بأنه لم يتم غيرهما ولذلك أنكروا عليه. قوله: (كان رسول الله ﷺ يدعو به) يحتمل أنه كان يدعو به في الصلاة ويكون فعل عمار قرينة تدل على ذلك، ويحتمل أنه كان يدعو به من غير تقييد بحال الصلاة كما هو الظاهر من الكلام. قوله: (بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق) فيه دليل على جواز التوسل إليه تعالى بصفات كماله وخصال جلاله.

стр. 1939

قوله: (أحيني) إلى قوله: (خيرًا لي) هذا ثابت في الصحيحين (١) من حديث أنس بلفظ: "اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خير لي"، وهو يدل على جواز الدعاء بهذا، لكن عند نزول الضرر كما وقع التقييد بذلك في حديث أنس المذكور المتفق عليه (٢)، ولفظه [قال] (٣): قال رسول الله ﷺ : "لا يتمنينَّ أحدكم الموت لضرٍّ نزل به، فإن كان لا بد متمنيًا فليقل اللهم أحيني إلى آخره". قوله: (خشيتك في الغيب والشهادة) أي في مغيب الناس وحضورهم، لأن الخشية بين الناس فقط ليست من الخشية لله بل من خشية الناس. قوله: (وكلمة الحق في الغضب والرضا) إنما جمع بين الحالتين لأن الغضب ربما حال بين الإنسان وبين الصدع بالحق وكذلك الرِّضا ربما قاد في بعض الحالات إلى المداهنة وكتم كلمة الحق. قوله: (والقصد في الفقر والغنى) القصد في كتب اللغة (٤): بمعنى استقامة الطريق والاعتدال وبمعنى ضد الإفراط وهو المناسب هنا، لأن بطر الغنى ربما جرَّ إلى الإفراط، وعدم الصبر على الفقر ربما أوقع في التفريط، فالقصد فيهما هو الطريقة القويمة. قوله: (ولذة النظر إلى وجهك) فيه متمسك للأشعرية (٥) ومن قال بقولهم، والمسألة طويلة الذيل ومحلها علم الكلام، وقد أفردتها برسالة مطولة سميتها: (البغية في الرؤية) (٦). قوله: (والشوق إلى لقائك) إنما سأله النبي ﷺ لأنه من موجبات محبة الله للقاء عبده لحديث: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" (٧)، ومحبة الله تعالى لذلك من أسباب المغفرة.

стр. 1940

قوله: (مضرّة) إنما قيد ﷺ بذلك لأن الضراء ربما كانت نافعة آجلًا أو عاجلًا فلا يليق الاستعاذة منها. قوله: (مضلة) وصفها ﷺ بذلك لأن من الفتن ما يكون من أسباب الهداية، وهي بهذا الاعتبار مما لا يستعاذ منه. قال أهل اللغة (١): الفتنة الامتحان والاختبار. ١٣١/ ٧٩٢ - (وَعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ [﵁] (٢) قالَ: لَقِيَني النبيِّ ﷺ فقالَ: "إني أُوصيكَ بكَلِمَاتٍ تقُولُهنّ في كُلِّ صلاةٍ: اللَّهُم أَعِنِّي على ذِكْركَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبادَتِكَ". رَوَاه أحْمدُ (٣) والنَّسائيُّ (٤) وأبُو داوُدَ) (٥). [صحيح] الحديث قال الحافظ: سنده قوي، وذكره المصنف في هذا الباب المشتمل على أدعية الصلاة بناء على أن لفظ الحديث في كل صلاة كما في الكتاب. وقد رواه غيره بلفظ "دبر كل صلاة" وهو عند أبي داود (٦) بلفظ "في دبر كل صلاة" وكذلك رويته من طريق مشايخي مسلسلًا بالمحبة، فلا يكون باعتبار هذه الزيادة من أدعية الصلاة، لأن دبر الصلاة بعدها على الأقرب كما سيأتي. ويحتمل [أن] (٧) دبر الصلاة آخرها قبل الخروج منها، لأن دبر الحيوان منه، وعليه بعض أئمة الحديث، فلعل المصنف أراد ذلك ولكنه يشكل عليه إيراده

стр. 1941

لأدعية مقيدة بذلك في باب الذكر بعد الصلاة كحديث ابن الزبير (١) وحديث المغيرة (٢) الآتيين. قوله: (إني أوصيك بكلمات تقولهن) في رواية أبي داود (٣) "لا تدعنّ" والنهي أصله التحريم، فيدل على وجوب الدعاء بهذه الكلمات، وقيل إنه نهي إرشاد وهو محتاج إلى قرينة. ووجه تخصيص الوصية بهذه الكلمات أنها مشتملة على جميع خير الدنيا والآخرة. ١٣٢/ ٧٩٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ [﵂] (٤) أنّها فَقدتِ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ مَضْجَعها، فَلَمَسَتْهُ بِيَدِها فَوَقَعَتْ عليه وَهُو سَاجِدٌ وَهُو يَقُول: "رَبِّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا زَكها أنتَ خَيْر مَنْ زَكَّاها أنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا". رَوَاهُ أحمَدُ) (٥). الحديث أخرجه مسلم (٦) وأبو داود (٧) والنسائي (٨) وابن ماجه (٩) من حديث عائشة بلفظ: "فقدْتُ رسولَ الله ﷺ ذاتَ ليلةٍ، فلمست المسجد فإذا هو ساجد وقدماه منصوبتان وهو يقول: إني أعوذ برضاك من سخطِكَ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". فيمكن أن يكون اللفظ الذي ذكره أحمد من أحد روايات هذا الحديث. ويمكن أن يكون حديثًا مستقلًا ويحمل ذلك على تعدد الواقعة.

стр. 1942

قوله: (أعط نفسي تقواها) أي اجعلها متقية سامعة مطيعة. قوله: (زكها) أي اجعلها زاكية بما تفضلت به عليها من التقوى وخصال الخير. قوله: (أنت وليها) أي متولي أمورها ومولاها: أي مالكها. والحديث يدل على مشروعية الدعاء في السجود وقد تقدم الكلام على ذلك. ١٣٣/ ٧٩٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس [﵄] (١) أن النَّبِيَّ ﷺ صلى فَجَعَلَ يَقُولُ في صلاتِهِ أَوْ في سُجُودِهِ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ في قَلْبِي نُورًا، وفي سَمْعِي نُورًا، وفي بَصَري نُورًا، وَعَنْ يَمِيني نُورًا، وَعَنْ شِمَالي نُورًا، وَأَمامي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، واجْعَلْ لِي نُورًا أو قالَ: وَاجْعَلْنِي نُورًا". مُخْتَصَرٌ مِنْ مُسْلِمٍ) (٢). [صحيح] الحديث ذكره مسلم في صحيحه مطوَّلًا ومختصرًا بطرق متعددة وألفاظ مختلفة (٣)، وجميع الروايات مقيدة بصلاة الليل. قوله: (في صلاته أو في سجوده) هذا الشك وقع في رواية محمد بن بشار عن محمد بن جعفر عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن كريب عن ابن عباس. وفي رواية في مسلم (٤): "فخرج إلى الصلاة وهو يقول" الحديث. وفي رواية له (٥): "وكان في دعائه اللهم اجعل" إلخ من غير تقييد بحال الصلاة ولا بحال الخروج. قوله: (اجعل في قلبي نورًا) إلى آخر الحديث. قال النووي (٦): قال العلماء: سأل النور في أعضائه وجهاته، والمراد بيان الحق وضياؤه والهداية إليه، فسأل النور في جميع أعضائه وجسمه وتصرفاته

стр. 1943

وتقلباته وحالاته وجملته وفي جهاته الست حتى لا يزيغ شيء فيها عنه. [الباب الثاني والأربعون] باب الخروج من الصلاة بالسلام ١٣٤/ ٧٩٥ - (عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ [﵁] (١) أَنَّ النَّبي ﷺ كانَ يُسَلّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ: السلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمةُ اللهِ السلامُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ الله حتى يُرَى بَياضُ خَدِّهِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَصَحَّحهُ التِّرْمذيُّ) (٢). [صحيح] ١٣٥/ ٧٩٦ - (وعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ عَنْ أبِيهِ [﵄] (١) قَالَ: كُنْتُ أَرَى النَّبِيَّ ﷺ يُسلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حتى يُرَى بَيَاضُ خَدِّه. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣) وَمُسْلِمٌ (٤) والنسائيُّ (٥) وابْنُ مَاجَهْ) (٦). [صحيح] الحديث الأول أخرجه أيضًا الدارقطني (٧) وابن حبان (٨) وله ألفاظ وأصله في صحيح مسلم (٩). قال العقيلي (١٠): والأسانيد صحاح ثابتة في حديث ابن مسعود في تسليمتين، ولا يصح في تسليمة واحدة شيء.

стр. 1944

والحديث الثاني أخرجه أيضًا البزار (١) والدارقطني (٢) وابن حبان (٣) قال البزار (٤): روي عن سعد من غير وجه. وفي الباب أحاديث فيها ذكر التسليمتين. (منها) عن عمار عند ابن ماجه (٥) والدارقطني (٦). وعن البراء عند ابن أبي شيبة في مصنفه (٧) والدارقطني (٨) أيضًا. وعن سهل بن سعد عند أحمد (٩) وفيه ابن لهيعة. وعن حذيفة عند ابن ماجه (١٠). وعن عدي بن عميرة عند ابن ماجه (١١) أيضًا وإسناده حسن. وعن طلق بن علي عند أحمد (١٢) والطبراني (١٣) وفيه ملازم بن عمرو (١٤).

стр. 1945

وعن المغيرة عند المعمري في "اليوم والليلة" (١) والطبراني (٢). قال الحافظ (٣): وفي إسناده نظر. وعن واثلة بن الأسقع عند الشافعي (٤) وإسناده ضعيف. وعن وائل بن حجر عند أبي داود (٥) والطبراني (٦) من طريق ابنه عبد الجبار ولم يسمع منه. وعن يعقوب بن الحصين عند أبي نعيم في المعرفة (٧)، وفيه عبد الوهاب بن مجاهد (٨) وهو متروك. وعن أبي رمثة عند الطبراني (٩) وابن منده قال الحافظ (١٠): وفي إسناده نظر. وعن أبي موسى عند أحمد (١١) وابن ماجه (١٢).

стр. 1946

وعن سمرة وسيأتي (١). وعن جابر بن سمرة وسيأتي أيضًا (٢). وهذه الأحاديث تدل على مشروعية التسليمتين. وقد حكاه ابن المنذر (٣) عن أبي بكر الصديق (٤)، وعلي (٥) [﵇] (٦)، وابن مسعود (٧) وعمار بن ياسر (٨)، ونافع بن عبد الحرث (٩) من الصحابة. وعن عطاء بن أبي رباح (١٠)، وعلقمة (١١)، والشعبي (١٢)، وأبي عبد الرحمن

стр. 1947

السلمي (١)، من التابعين. وعن أحمد (٢) وإسحق وأبي ثور وأصحاب الرأي (٣)، قال ابن المنذر (٤): وبه أقول. وحكاه في البحر (٥) عن الهادي والقاسم وزيد بن علي والمؤيد بالله من أهل البيت. وإليه ذهب الشافعي كما قال النووي (٦). وذهب إلى أن المشروع تسليمة واحدة ابن عمر (٧)، وأنس (٨)، وسلمة بن الأكوع (٩)، وعائشة (١٠) من الصحابة. والحسن (١١)، وابن سيرين (١٢)، وعمر بن عبد العزيز (١٣) من التابعين. ومالك والأوزاعي (١٤) والإمامية واحد قولي الشافعي (١٥) وغيرهم.

стр. 1948

وذهب عبد الله بن موسى بن جعفر من أهل البيت إلى أن الواجب ثلاث يمينًا وشمالًا وتلقاء وجهه (١). واختلف القائلون بمشروعية التسليمتين هل الثانية واجبة أم لا؟ فذهب الجمهور إلى استحبابها. قال ابن المنذر (٢): أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة. وقال النووي في شرح مسلم (٣): أجمع العلماء الذين يعتدّ بهم على أنه لا يجب إلا تسليمة واحدة. وحكى الطحاوي (٤) وغيره عن الحسن بن صالح أنه أوجب التسليمتين جميعًا وهي رواية عن أحمد (٥)، وبها قال بعض أصحاب مالك (٦)، ونقله ابن عبد البر (٧) عن بعض أصحاب الظاهر، وإلى ذلك ذهبت الهادوية (٨). وسيأتي الكلام على وجوب التسليمة أو التسليمتين أو عدم ذلك في باب كون السلام فرضًا (٩)، وسنتكلم ههنا في مجرد المشروعية من غير نظر إلى الوجوب فنقول: احتج القائلون بمشروعية التسليمتين بالأحاديث المتقدمة. واحتج القائلون بمشروعية الواحدة فقط بالأحاديث التي سيأتي ذكرها في باب من اجتزأ بتسليمة (١٠). واحتج القائل بمشروعية ثلاث بأنّ في ذلك جمعًا بين الروايات.

стр. 1949

والحق ما ذهب إليه الأولون لكثرة الأحاديث الواردة بالتسليمتين وصحة بعضها وحسن بعضها واشتمالها على الزيادة وكونها مثبتة، بخلاف الأحاديث الواردة بالتسليمة الواحدة، فإنها مع قلتها ضعيفة لا تنتهض للاحتجاج كما ستعرف ذلك، ولو سلم انتهاضها لم تصلح لمعارضة أحاديث التسليمتين لما عرفت من اشتمالها على الزيادة. وأما القول بمشروعية ثلاث فلعل القائل به ظن أن التسليمة الواحدة الواردة في الباب الذي سيأتي غير التسليمتين المذكورتين في هذا الباب، فجمع بين الأحاديث بمشروعية الثلاث وهو فاسد. وأفسد منه ما رواه في البحر (١) عن البعض من أن المشروع واحدة في المسجد الصغير وثنتان في المسجد الكبير. قوله: (عن يمينه وعن يساره) فيه مشروعية أن يكون التسليم إلى جهة اليمين ثم إلى جهة اليسار. قال النووي (٢): لو سلَّم التسليمتين عن يمينه أو عن يساره أو تلقاء وجهه، أو الأولى عن يساره والثانية عن يمينه، صحَّت صلاته وحصلت التسليمتان، ولكن فاته الفضيلة في كيفيتهما. قوله: (السلام عليكم ورحمة الله) زاد أبو داود (٣) من حديث وائل: "وبركاته". وأخرجها أيضًا ابن حبان في صحيحه (٤) من حديث ابن مسعود وكذلك ابن ماجه (٥) من حديثه. قال الحافظ في التلخيص (٦): فيتعجب من ابن الصلاح حيث يقول: إن هذه الزيادة ليست في شيء من كتب الحديث إلا في رواية وائل بن حجر (٣). وقد ذكر لها الحافظ طرقًا كثيرة في تلقيح الأفكار تخريج

стр. 1950

الأذكار (١) لما قال النووي (٢): أن زيادة "وبركاته" رواية فردة. ثم قال الحافظ (٣) بعد أن ساق تلك الطرق: فهذه عدة طرق تثبت بها وبركاته، بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ [النووي] (٤) إنها رواية فردة انتهى. وقد صحح أيضًا في بلوغ المرام (٥) حديث وائل المشتمل على تلك الزيادة. قوله: (حتى يُرى بياض خده) بضم الياء المثناة من تحت من قوله يرى مبنيًا للمجهول، كذا قال ابن رسلان، وبياض بالرفع عن النيابة. وفيه دليل على المبالغة في الالتفات إلى جهة اليمين وإلى جهة اليسار. وزاد النسائي (٦) فقال: "عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره حتى يرى بياض خدّه الأيسر". وفي رواية (٧) له "حتى يرى بياض خده من هاهنا وبياض خده من ههنا". ١٣٦/ ٧٩٧ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ [﵁] (٨) قَالَ: كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : السلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، السلامُ عَلَيْكُمْ ورَحمةُ الله، وَأَشارَ بِيَدِهِ إلى الجَانِبَيْنِ، فقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَلَامَ تُومِئُونَ بأيْدِيكُمْ كأنَّها أذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ إنَّما يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَع يَدَهُ علَى فَخْذِهِ ثم يُسَلِّمُ على أَخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٩) وَمُسْلِمٌ (١٠).

стр. 1951

وَفي رِوَايَةٍ: كُنَّا نُصَلي خلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فقالَ: "مَا بالُ هؤلاءِ يسلمُونَ بأيْدِيهِمْ كَأنَّها أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْس إنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ يَقُولُ: السلامُ عَليكمْ السلامُ عَلَيْكُمْ". رَوَاهُ النَّسائيُّ) (١). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا أبو داود (٢). قوله: (علام تومئون) في رواية أبي داود (٣) بلفظ: "ما بال أحدكم يرمي بيده" بالراء، قال ابن الأثير (٤): إن صحت الرواية بالراء ولم يكن تصحيفًا للواو فقد جعل الرمي باليد موضع الإيماء بها لجواز ذلك في اللغة، يقول: رميت ببصري إليك أي مددته، ورميت إليك بيدي: أي أشرت بها. قال: والرواية المشهورة رواية مسلم "علام تومئون" بهمزة مضمومة بعد الميم، والإيماء: الإشارة، أو ما يومئ إيماء وهم يومئون مهموزًا، ولا تقل أو ميت بياء ساكنة قاله الجوهري (٥). قال ابن الأثير (٦): وقد جاء في رواية الشافعي يومون بضم الميم بلا همزة، فإن صحت الرواية فيكون قد أبدل من الهمزة ياء، فلما قلبت الهمزة ياء صارت يومي، فلما لحقه ضمير الجماعة كان القياس يوميون فثقلت الياء وقبلها كسرة فحذفت ونقلت ضمتها إلى الميم فقيل يومون. قوله: (أذناب خيل شمس) (٧) بإسكان الميم وضمها مع ضم الشين المعجمة جمع شموس بفتح الشين وهو من الدواب النفور الذي يمتنع على راكبه، ومن الرجال: صعب الخلق. قوله: (من على يمينه وشماله) في رواية أبي داود (٣) "من عن يمينه ومن عن شماله" وهو من الأدلة على مشروعية التسليمتين، وقد قدمنا الكلام على ذلك.

стр. 1952

قوله: (ثم يقول: السلام عليكم). قال المصنف (١) ﵀: وهو دليل على أنه إذا لم يقل ورحمة الله أجزأه. انتهى. والأحاديث المتقدمة مشتملة على زيادة: ورحمة الله وبركاته، فلا يتم الإتيان بالمشروع إلا بذلك. وأما الإجزاء وعدمه فينبني على القول بالوجوب وعدمه، وسيأتي ذلك. ١٣٧/ ٧٩٨ - (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ [﵁] (٢) قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُسَلِّمَ على أَئِمَّتِنَا وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضنا على بَعْضٍ. رَوَاهُ ابن ماجه (٣) وأحمد (٤) وأَبُو دَاوُدَ (٥) وَلَفْظُهُ: أَمَرَنَا أَنْ نَرُدَّ على الإِمامِ، وَأَنْ نتَحَابّ، وَأَنْ يسَلِّمَ بَعْضُنا على بَعْضٍ). [ضعيف] الحديث أخرجه أيضًا (٦) الحاكم (٧) والبزار (٨) وزاد: "في الصلاة". قال الحافظ (٩): إسناده حسن، انتهى. ولكنه من رواية الحسن عن سمرة، وقد اختلف في سماعه منه على أربعة

стр. 1953

مذاهب: سمع منه مطلقًا، لم يسمع منه مطلقًا، سمع منه حديث العقيقة، سمع منه ثلاثة أحاديث، وقد قدمنا بسط ذلك. وقد أخرج هذا الحديث أبو داود (١) من طريق أخرى عن سمرة بلفظ: "ثم سلموا على قارئكم وعلى أنفسكم". قال الحافظ (٢): لكنه ضعيف لما فيه من المجاهيل. قوله: (أن نسلم على أئمتنا) أي نرد السلام عليهم كما في الرواية الثانية. قال أصحاب الشافعي (٣): إن كان المأموم عن يمين الإمام فينوي الرد عليه بالثانية، وإن كان عن يساره فينوي الرد عليه بالأولى، وإن حاذاه فيما شاء وهو في الأولى أحب. قوله: (وأن يسلم بعضنا على بعض) ظاهره شامل للصلاة وغيرها، ولكنه قيده البزار بالصلاة كما تقدم، ويدخل في ذلك سلام الإمام على المأمومين والمأمومين على الإمام وسلام المقتدين بعضهم على بعض وقد ذهب المؤيد بالله وأبو طالب (٤) إلى وجوب قصد الملكين ومن في ناحيتهما من الإمام والمؤتمين في الجماعة تَمَسُّكًا بهذا، وهو ينبني على القول بإيجاب السلام وسيأتي الكلام فيه. قوله: (وأن نتحاب) بتشديد الباء الموحدة آخر الحروف والتحابب: التوادد وتحابوا: أحب كل واحد منهم صاحبه. ١٣٨/ ٧٩٩ - (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ [﵁] (٥) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: حَذْفُ [التَّسْلِيمِ] (٦) سنَّةٌ. روَاهُ أَحْمَدُ (٧) وأَبُو دَاوُدَ (٨). ورَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ موقُوفًا وَصحَّحهُ (٩). قالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَعْنَاهُ أَنْ لَا يَمُدَّ مدًّا).

стр. 1954

الحديث أخرجه أيضًا الحاكم (١) وقال: صحيح على شرط مسلم، وفي إسناده قرة بن عبد الرحمن بن حيويل بن ناشرة بن عبد بن عامر المعافري المصري. قال أحمد (٢): منكر الحديث جدًّا. وقال ابن معين (٣): ضعيف. وقال أبو حاتم (٤): ليس بالقوي. وقال ابن عدي (٥): لم أر له حديثًا منكرًا وأرجو أنه لا بأس به. وقد ذكره مسلم في الصحيح مقرونًا بعمرو بن الحرث. وقال الأوزاعي: ما أعلم أحدًا أعلم بالزهري من قرة. وقد ذكره ابن حبان في ثقاته (٦). وصحح الترمذي هذا الحديث من طريقه وليس موقوفًا كما قال المصنف، لأن لفظ الترمذي عن أبي هريرة قال: "حذف السلام سنة". قال ابن سيد الناس: هذا مما يدخل في المسند عند أهل الحديث أو أكثرهم وفيه خلاف بين الأصوليين معروف. قوله: (حذف التسليم) في نسخة من هذا الكتاب حذف السلام وهي الموافقة للفظ أبي داود (٧) والترمذي (٧). والحذف بفتح الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة بعدها فاء: هو ما رواه المصنف عن عبد الله بن المبارك أن لا يمده مدًا: يعني يترك الإطالة في لفظه وشرع فيه.
следующие страницы →