← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 235–274 · переход к 240.

стр. 235

قوله: (فاجتووا) قال ابن فارس (١): "اجتَويْتَ المدينةَ، إذا كَرِهْتَ المقام فيها وإن كُنتَ في نَعْمَةٍ"، وقيَّده الخطابي (٢) بما إذا تضرر بالإقامة، وهو المناسب لهذه القصة. وقيل: الاجتواء: عدم الموافقة في الطعام، ذكره القزاز (٣)، وقيل: داء من الوباء ذكره ابن العربي (٤). وقيل: داء يصيب الجوف، والاجتواء بالجيم. قوله: (فأمر لهم بلِقاح) بلام مكسورة فقاف فحاء مهملة: النوق ذات اللبن، واحدتها لِقْحة بكسر اللام وإسكان القاف، قال [أبو عمرو: يقال] (٥) لها ذلك إلى ثلاثة أشهر، ثم هي لبون، واللقاح المذكورة ظاهر الروايات أنها للنبي ﷺ . وثبت في رواية للبخاري في الزكاة (٦) من طريق شعبة عن قتادة بلفظ: "فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة"، قال الحافظ (٧) والجمع بينهما أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعث رسول الله ﷺ بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء النفر الخروج. قوله: (أن يخرجوا فيشربوا) في رواية للبخاري (٨): "وأن يشربوا"، أي وأمرهم أن يشربوا. وفي أخرى له (٩): "فاخرجوا فاشربوا"، وفي أخرى له (١٠) أيضًا: "فرخص لهم أن يأتوا فيشربوا". قوله: (وقد ثبت إلخ) هو ثابت من حديث جابر بن سمرة عند مسلم (١١).

стр. 236

ومن حديث البراء عند أبي داود (١) والترمذي (٢) وابن ماجه (٣). "قال أحمد بن حنبل وإسحق بن إبراهيم: قد صح في هذا الباب حديث البراء بن عازب وجابر بن سمرة (٤) ". وقد استدل بهذا الحديث من قال بطهارة بول ما يؤكل لحمه، وهو مذهب العترة والنخعي (٥) والأوزاعي والزهري (٦) ومالك وأحمد ومحمد وزفر وطائفة من السلف، ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والإصطخري والروياني (٧). أما في الإبل فبالنص، وأما في غيرها مما يؤكل لحمه فبالقياس. قال ابن المنذر (٨): ومن زعم أن هذا خاص بأولئك الأقوام فلم يصب إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل، ويؤيد ذلك تقرير أهل العلم لمن يبيع أبعار الغنم في أسواقهم واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم. ويؤيده أيضًا أن الأشياء على الطهارة حتى تثبت النجاسة. وأجيب عن التأييد الأول بأن المختلف فيه لا يجب إنكارُه،

стр. 237

وعن الاحتجاج بالحديث بأنها حالة ضرورية وما أبيح للضرورة لا يسمى حرامًا وقت تناوله لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١). ومن أدلة القائلين بالطهارة حديث الإذن بالصلاة في مرابض الغنم السابق (٢). وأجيب عنه بأنه [مُعَلُّ] (٣) بأنها لا تؤذي كالإبل، ولا دلالة فيه على جواز المباشرة وإلا لزم نجاسة أبوال الإبل وبعرها للنهي عن الصلاة في مَباركها. ويرد هذا الجواب بأن الصلاة في مرابض الغنم تستلزم المباشرة لآثار الخارج منها، والتعليل بكونها لا تؤذي أمر وراء ذلك، والتعليل للنهي عن الصلاة في معاطن الإبل بأنها تؤذي المصلي، يدل على أن ذلك هو المانع لا ما كان في المعاطن من الأبوال والبعر. واستدل أيضًا بحديث: "لا بأس ببول ما أكل لحمه" عند الدارقطني من حديث جابر (٤) والبراء (٥) مرفوعًا. وأجيب بأن في إسناده عمرو بن الحسين

стр. 238

العقيلي وهو واه جدًّا، قال أبو حاتم (١): ذاهب الحديث ليس بشيء. وقال أبو زرعة (١): واهي الحديث، وقال الأزدي: ضعيف جدًّا. وقال ابن عدي (٢): حدَّث عن الثقات بغير حديث منكر وهو متروك. وفي إسناده أيضًا يحيى بن العلاء أبو عمر البجلي الرازي، قد ضعَّفوه جدًّا، قاله الدارقطني: وكان وكيع شديد الحمل عليه (٣)، وقال أحمد (٤): كذاب، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال النسائي (٥) والأزدي: متروك. واحتجوا أيضًا بحديث: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم" عند مسلم (٦) والترمذي (٧) وأبي داود (٨) من حديث وائل بن حجر. وابن

стр. 239

حبان (١) والبيهقي (٢) من حديث أم سلمة، وعند الترمذي (٣) وأبي داود (٤) من حديث أبي هريرة بلفظ: "نهى رسول الله ﷺ عن كل دواء خبيث" والتحريم يستلزم النجاسة، والتحليل يستلزم الطهارة، فتحليل التداوي بها دليل طهارتها، فأبوال الإبل وما يلحق بها طاهرة. وأجيب عنه بأنه - محمول على حالة الاختيار، وأما في الضرورة فلا يكون حرامًا كالميتة للمضطر، فالنهي عن التداوي بالحرام باعتبار الحالة التي لا ضرورة فيها، والإذن بالتداوي بأبوال الإبل باعتبار حالة الضرورة، وإن كان خبيثًا حرامًا، ولو سلِّم فالتداوي إنما وقع بأبوال الإبل فيكون خاصًّا بها، ولا يجوز إلحاق غيره به لما ثبت من حديث ابن عباس (٥) مرفوعًا: "إن في أبوال الإبل شفاء للذَّرِبة بطونهم" ذكره في الفتح (٦)، والذَّرَب (٧): فساد المعدة، فلا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه، على أن

стр. 240

حديث تحريم التداوي بالحرام وقع في جواب من سأل عن التداوي بالخمر، كما في صحيح مسلم (١) وغيره، [ولا] (٢) يجوز إلحاق غير المسكر به من سائر النجاسات، لأن شرب المسكر يجر إلى مفاسد كثيرة، ولأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء، فجاء الشرع بخلاف ذلك. ويجاب بأنه قصر للعام على السبب بدون موجب، والمعتبر عموم اللفظ لا خصوص السبب. [حجج من قال بنجاسة جميع الأبوال والأزبال]: واحتج القائلون بنجاسة جميع الأبوال والأزبال، وهم الشافعية والحنفية، ونسبه في الفتح (٣) إلى الجمهور، ورواه ابن حزم في المحلى (٤) عن جماعة من السلف بالحديث المتفق عليه "أنه ﷺ مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذَّبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر عن البول … " الحديث (٥)، قالوا: [يعم] (٦) جنس البول ولم يخصه ببول الإنسان، ولا أخرج عنه بول المأكول، وهذا الحديث غاية ما تمسكوا به. وأجيب عنه بأن المراد بول الإنسان لما في صحيح البخاري (٧) بلفظ: "كان لا يستتر من بوله"، قال البخاري (٨): "ولم يذكر سِوَى بولِ الناس"، فالتعريف في البول للعهد، قال ابن بطال (٩): "أراد البخاري أن المراد بقوله: "كان لا يستتر من البول": بول الإنسان لا بول سائر الحيوان فلا يكون فيه حجة لمن حمله على

стр. 241

العموم في بول جميع الحيوان، وكأنه أراد الرد على الخطابي حيث قال: فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها". قال في الفتح (١): "ومحصل الرد أن العموم في رواية "من البول" أُريد به الخصوص لقوله: "من بوله" أو الألف واللام بدل من الضمير، انتهى. والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه تمسكًا بالأصل واستصحابًا للبراءة الأصلية، والنجاسة حكم شرعي ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة فلا يقبل قول مدَّعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنها، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلًا كذلك، وغاية ما جاؤوا به حديث صاحب القبر وهو مع كونه مرادًا به الخصوص كما سلف عموم ظني الدلالة لا ينتهض على معارضة تلك الأدلة المعتضدة بما سلف، وقد طوَّل ابن حزم الظاهري في المحلَّى (٢) الكلام على هذه المسألة بما لم نجده لغيره لكنه لم يدر بحثه على غير حديث صاحب القبر. فإن قلت: إذا كان الحكم بطهارة بول ما يؤكل لحمه وزبله لما تقدم حتى يرد دليل، فما الدليل على نجاسة بول غير المأكول وزبله على العموم؟ قلت: قد تمسَّكوا بحديث "إنها ركس"، قاله ﷺ في الروثة، أخرجه البخاري (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥). وبما تقدم في بول الآدمي، وألحقوا سائر الحيوانات التي لا تؤكل به بجامع عدم الأكل وهو لا يتم إلا بعد تسليم أن علة النجاسة عدم الأكل وهو منتقض بالقول بنجاسة زُبْلِ الجلَّالة، والدفع بأن العلة في زبل الجلَّالة هو الاستقذار منقوض باستلزامه لنجاسة كل مستقذر كالطاهر إذا صار منتنًا، إلَّا أن يقال: إن زبل الجلَّالة هو محكوم بنجاسته لا للاستقذار، بل لكونه عين النجاسة الأصلية التي جلتها الدابة لعدم الاستحالة التامة.

стр. 242

وأما الاستدلال بمفهوم حديث: "لا بأس ببول ما يؤكل لحمه" المتقدم (١) فغير صالح لما تقدم من ضعفه الذي لا يصلح معه للاستدلال به حتى قال ابن حزم (٢): "إنه خبر باطل موضوع، قال: لأن في رجاله سوار بن مصعب (٣)، وهو متروك عند جميع أهل النقل متفق على ترك الرواية عنه؛ يروي الموضوعات"، فالذي يتحتم القول به في الأبوال والأزبال هو الاقتصار على نجاسة بول الآدمي وزبله والروثة. وقد نقل التيمي أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير، ولكنه زاد ابن خزيمة (٤) في روايته: "إنها ركس إنها روثة حمار". وأما سائر الحيوانات التي لا يؤكل لحمها فإن وجدت في بول بعضها أو زبله ما يقتضي إلحاقه بالمنصوص عليه طهارة أو نجاسة ألحقته وإن لم تجد، فالمتوجه البقاء على الأصل والبراءة كما عرفت. قال المصنف (٥) ﵀ في الكلام على حديث الباب ما لفظه: "فإذا أطلق الإذنَ في ذلك ولم يَشترط حائلًا بقي من الأبوال، وأطلق الإذن في الشرب لقوم حديثي العهد بالإسلام، جاهلين بأحكامه، ولم يأمرهم بغسل أفواههم وما يصيبهم منها لأجل صلاة ولا غيرها مع اعتيادهم شربها، دل ذلك على مذهب القائلين بالطهارة". انتهى. [الباب الثامن] باب ما جاء في المذي ٢٠/ ٣٨ - (عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيف قَالَ: كُنْتُ ألْقَى مِنَ المَذْي شِدَّةً وَعناءً وَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْهُ الاغْتِسَالَ، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: "إنَّما يُجْزِيكَ مِنْ

стр. 243

ذلِكَ الوُضُوءُ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله كَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي منه؟ قَالَ: "يَكْفِيكَ أنْ تأخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ ثَوْبَكَ حَيثُ تَرَى أنَّهُ قَدْ أصَابَ مِنْهُ". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (١) وابْنُ مَاجَهْ (٢) والتِّرْمِذِيُّ (٣) وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [حسن] وَرَوَاهُ الأثْرَمُ (٤) وَلَفْظُهُ قَالَ: كُنْتُ ألْقَى مِنَ المَذْي عَناء فَأتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ [ذلِكَ] (٥) لَهُ، فقالَ: "يُجْزِيكَ أنْ تأخُذ حَفْنةً مِنْ ماءٍ فَتَرشَّ عَلَيهِ"). ٢١/ ٣٩ - (وَعَنْ عَليِّ بْنِ أبِي طَالِب [﵁] (٦). قالَ: كُنْتُ رَجُلًا مذَّاءً فَاسْتَحْيَيْتُ أنْ أسْألَ رَسُولَ الله ﷺ ، فأمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأسْوَدِ فَسَألهُ، فَقَالَ: "فِيهِ الوُضُوءُ"، أخْرَجَاهُ (٧)، وَلمُسْلِم (٨): "يَغْسِلُ ذَكرَهُ وَيَتَوَضَّأ". [صحيح] وَلأحْمَدَ (٩) وأبِي دَاوُدَ (١٠): "يَغْسلُ ذَكَرَهُ وأُنْثَييهِ وَيَتَوَضأ". [صحيح] ٢٢/ ٤٠ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَألتُ رَسُول الله ﷺ عن المَاءِ يَكُونُ بَعْدَ المَاءِ، فقالَ: "ذلِكَ [مِنَ] (١١) المَذْيِ، وَكُلُّ فَحْلٍ يُمْذِي. فَتَغْسِلُ مِنْ ذلِكَ فَرْجَكَ وأُنْثَييْكَ وَتَوضَّأ وُضُوءَك لِلصَّلاةِ". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (١٢). [صحيح]

стр. 244

الحديث الأوّل في إسناده محمد بن إسحق (١) وهو ضعيف إذا عنعن لكونه مدلسًا، ولكنه ههنا [صريح] (٢) بالتحديث. وحديث عبد الله بن سعد أخرجه الترمذي وحسنه (٣). وقال الحافظ في التلخيص (٤): في إسناده ضعف. وفي الباب عن المقداد: "أن عليًا أمره أن يسأل رسول الله ﷺ "، أخرجه أبو داود (٥) من طريق سليمان بن يسار عنه. وفي رواية لأحمد (٦) والنسائي (٧) وابن حبان (٨) أنه أمر عمار بن ياسر. وفي رواية لابن خزيمة (٩) أن عليًا سأل بنفسه. وجمع بينها ابن حبان بتعدد الأسئلة. ورواه أبو داود (١٠) من طريق عروة عن علي وفيه: "يغسل أُنثييه وذكره"، وعروة لم يسمع من علي، لكن رواه أبو عوانة في صحيحه (١١) من طريق عبيدة عن علي بالزيادة، وإسناده لا مطعن فيه. قوله: (ألقى من المذي شدة) في المذي لغات فتح الميم وإسكان الذال المعجمة وفتح الميم مع كسر الذال وتشديد الياء، وبكسر الذال مع تخفيف الياء، فالأوليان مشهورتان أُولاهما أفصح وأشهر، والثالثة حكاها أبو عمر الزاهد عن ابن الأعرابي، والمذي ماء رقيق أبيض لزج يخرج عند الشهوة بلا شهوة ولا دفق ولا

стр. 245

يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، ذكره النووي (١)، ومثله في الفتح (٢). قوله: (فتنضح به ثوبك) قد سبق الكلام على معنى النضح في باب نضح بول الغلام (٣)، وهكذا ورد الأمر بالنضح في الفرج عند مسلم (٤) وغيره (٥). قال النووي (٦): معناه الغسل، فإن النضح يكون غسلًا ويكون رشًا. وقد جاء في الرواية الأخرى: "فاغسل"، وفي الرواية المذكورة في الباب: "يغسل ذكره" (٧)، وفي التي بعدها كذلك، وفي الأخرى: "فتغسل من ذلك فرجك" (٨)، فتعين حمله عليه، ولكنه قد ثبت في الرواية المذكورة في الباب من رواية الأثرم بلفظ: "فترش عليه" (٩) وليس المصير إلى الأشد بمتعين بل ملاحظة التخفيف من مقاصد الشريعة المألوفة، فيكون الرش مجزئًا كالغسل. قوله: (مذَّاء) صيغة مبالغة من المذي يقال: مذى يمذي كمضى يمضي، ثلاثيًا، ويقال: أمذى يمذي كأعطى يعطي، ومذّى يمذّي كغطى يغطي. قوله: (وأنثييه) أي خصيتيه. قوله: (عن الماء يكون بعد الماء) المراد به خروج المذي عقيب البول متصلًا به. قوله: (وكل فحل يمذي) الفحل: الذكر من الحيوان، ويمذي بفتح الياء وضمها يقال: مذى الرجل وأمذى كما تقدم. وقد استدل بأحاديث الباب على أن الغسل لا يجب لخروج المذي، قال في

стр. 246

الفتح (١): وهو إجماع، وعلى أن الأمر بالوضوء منه كالأمر بالوضوء من البول، وعلى أنه يتعين الماء في تطهيره لقوله: "كفًا من ماء وحفنة من ماء". واتفق العلماء على أن المذي نجس (٢)، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الإمامية محتجين بأن النضح لا يزيله، ولو كان نجسًا لوجبت الإزالة، ويلزمهم القول بطهارة العذرة، لأن النبي ﷺ أمر بمسح النعل منها بالأرض والصلاة فيها، والمسح لا يزيلها وهو باطل بالاتفاق. وقد اختلف أهل العلم في المذي إذا إصاب الثوب فقال الشافعي (٣) وإسحق وغيرهما: لا يجزيه إلا الغسل أخذًا برواية الغسل، وفيه ما سلف على أن رواية الغسل إنما هي في الفرج لا في الثوب الذي هو محل النزاع فإنه لم يعارض رواية النضح المذكورة في الباب معارض، فالاكتفاء به صحيح مجز (٤). واستدل أيضًا بما في الباب على وجوب غسل الذكر والأنثيين على المُمذي وإن كان محل المذي بعضًا منهما، وإليه ذهب الأوزاعي وبعض الحنابلة وبعض المالكية، وذهبت العترة والفريقان وهو قول الجمهور إلى أن الواجب غسل المحل الذي أصابه المذي من البدن، ولا يجب تعميم الذكر والأنثيين، ويؤيد ذلك ما عند الإسماعيلي (٥) في رواية بلفظ: "توضأ واغسله"، فأعاد الضمير على المذي. ومن العجيب أن ابن حزم (٦) مع ظاهريته ذهب إلى ما ذهب إليه الجمهور وقال: إيجاب غسل كله شرع لا دليل عليه، وهذا بعد أن روى حديث: "فليغسل ذكره"، وحديث: "واغسل ذكرك"، ولم يقدح في صحتهما، وغاب عنه أن الذكر حقيقة لجميعه ومجازًا لبعضه، وكذلك الأنثيان حقيقة لجميعهما، فكان اللائق بظاهريته الذهاب إلى ما ذهب إليه الأوّلون.

стр. 247

واختلف الفقهاء هل المعنى معقول أو هو حكم تعبدي؟ وعلى الثاني تجب النية، وقيل: الأمر بغسل ذلك ليتقلص الذكر، قاله الطحاوي (١). [الباب التاسع] باب ما جاء في المني ٢٣/ ٤١ - (عَنْ عَائِشَة قالتْ: كُنْتُ أفْرُكُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله ﷺ ثُمَّ يَذْهَبُ فَيُصَلِّي فِيهِ". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلا البخاري (٢). [صحيح] ولأحْمَدَ (٣): "كان رَسُولُ الله ﷺ يَسْلُتُ المَنِيَّ منْ ثَوْبِهِ بِعِرْقِ الإذْخِرِ، ثُمَّ يُصَلي فِيهِ وَيحُتُّهُ مِنْ ثَوبِهِ يابِسًا ثُمَّ يُصَلي فِيه". [حسن] وَفي لَفْظٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ (٤): "كُنْتُ أغْسِلهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله ﷺ ثُمَّ يَخْرُجُ إلى الصَّلاةِ وأثَرُ الغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ بُقعُ الماء". [صحيح] وَللدارَقُطْني (٥) عنْها: "كُنْتُ أفْرُكُ المَنيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله ﷺ إذا كَانَ يابِسًا وأغسلهُ إذا كان رَطْبًا" [صحيح] [قلت (٦)] (٧): فَقَدْ بانَ من مَجْمُوعِ النُّصُوص جَوَازُ الأمْرَيْنِ). ٢٤/ ٤٢ - (وَعَنْ إسْحقَ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا شَريكٌ عَنْ مُحَمد بْنِ

стр. 248

عَبْدِ الرَّحْمنِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المَنيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فَقَالَ: "إنَّما هُوَ بِمَنْزِلَةِ المُخَاطِ وَالبُصَاقِ، وإنَّما يَكفِيكَ أنْ تَمْسَحَهُ بِخرقَةٍ أو بإذْخِرَةٍ". رَوَاهُ الدارقُطْنِي (١) وَقَالَ: لَمْ يَرْفَعْهُ غَيْرُ إسْحقَ الأزْرَقِ عَنْ شَرِيكٍ. قُلْتُ (٢): وهذا لا يَضُرُّ لأنَّ إسْحقَ إمامٌ مُخَرَّجٌ عَنْهُ في الصحيحين فيُقْبَل رَفْعُهُ وَزِيادتهُ). [منكر مرفوعًا. صحيح موقوفًا] حديث عائشة لم يسنده البخاري وإنما ذكره في ترجمة باب (٣). ولفظ أبي داود (٤): "ثم يصلي فيه"، ولفظ الترمذي (٥): "ربما فركته من ثوب رسول الله ﷺ بأصابعي"، وفي رواية (٦): "وإنِّي لأحُكُّهُ من ثَوْبِ رسولِ الله ﷺ يَابِسًا بِظُفري". وأخرج ابن خزيمة (٧) وابن حبان (٨) والبيهقي (٩) والدارقطني (١٠) عن عائشة: "أنها كانت تحتُّ المني من ثوب رسول الله ﷺ وهو يصلي". [وأخرجه] (١١) أبو عوانة

стр. 249

في صحيحه (١) وأبو بكر البزار (٢) من حديث عائشة: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابسًا وأغسله إذا كان رطبًا" كحديث الباب، وأعله البزار (٣) بالإرسال. قال الحافظ (٤): "وقد ورد الأمر بفركه من طريق صحيحة رواها ابن الجارود في المنتقى (٥) عن محمد بن يحيى عن أبي حذيفة عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن همام بن الحارث قال: "كانَ عندَ عائشة ضيف فأجنبَ فجعَل يغسل ما أصابَه، فقالَت عائشة: كان رسول الله ﷺ يأمُرُنَا بِحَتِّه". قال: وأما الأمر بغسله فلا أصل له". وحديث ابن عباس أخرجه أيضًا البيهقي (٦) والطحاوي (٧) مرفوعًا، وأخرجه أيضًا البيهقي (٨) موقوفًا على ابن عباس وقال: الموقوف هو الصحيح. قوله: (أفرك) أي أدلك. قوله: (بعرق الإذخر) هو حشيش طيِّب الريح. قوله: (كنت أغسله) أي أثر الجنابة أو المني. قوله: (بقع الماء) هو بدل من أثر الغسل. [اختلاف أهل العلم في طهارة المني، وكذلك في تطهيره]: وقد استُدل بما في الباب على أنه يكتفي في إزالة المني من الثوب بالغسل أو الفرك أو الحتِّ، وقد اختلف أهل العلم في المني فذهبت العترة وأبو حنيفة ومالك (٩) إلى نجاسته، إلا أن أبا حنيفة قال: يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابسًا، وهو رواية عن أحمد. وقالت العترة ومالك (٩): لا بد من غسله رطبًا ويابسًا. وقال

стр. 250

الليث: هو نجس ولا تعاد منه الصلاة. وقال الحسن بن صالح (١): لا تعاد الصلاة من المني في الثوب وإن كان كثيرًا، وتعاد منه إن كان في الجسد وإن قلَّ، قال ابن حزم في المحلى (٢): "وروِّينا غسله عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وأنس وسعيد بن المسيب"، وقال الشافعي (٣) وداود وهو أصح الروايتين عن أحمد بطهارته (٤)، ونسبه النووي (٥) إلى الكثيرين وأهل الحديث، قال: وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وعائشة، قال: وقد غلط من أوهم أن الشافعي منفرد بطهارته. احتج القائلون بنجاسته بما روي في غسله، والغسل لا يكون إلا لشيء نجس. وأجيب بأنه لم يثبت الأمر بغسله من قوله ﷺ في شيء من أحاديث الباب، وإنما كانت تفعله عائشة ولا حجة في فعلها إلا إذا ثبت أن رسول الله ﷺ علم بفعلها وأقرها على أن علمه بفعلها وتقريره لها لا يدل على المطلوب، لأن غاية ما هناك أنه يجوز غسل المني من الثوب، وهذا مما لا خلاف فيه، بل يجوز غسل ما كان متفقًا على طهارته كالطيب والتراب فكيف بما كان مستقذرًا. وأما الاحتجاج بحديث عمار مرفوعًا بلفظ: "إنما يغسل الثوب من الغائط والبول والمذي والمني والدم والقيء"، أخرجه البزار (٦) وأبو يعلى الموصلي (٧) في مسنديهما وابن عدي في الكامل (٨) والدارقطني (٩) والبيهقي (١٠) والعقيلي في

стр. 251

الضعفاء (١)، وأبو نعيم في المعرفة (٢)، فأجيب عنه بأن الجماعة المذكورين كلهم ضعَّفوه إلا أبا يعلى لأن في إسناده ثابت بن حماد (٣) اتهمه بعضهم بالوضع. وقال اللالكائي: أجمعوا على ترك حديثه، وقال البزار (٤): "لا يعلم لثابت إلا هذا الحديث". وقال الطبراني (٥): "انفرد به ثابت بن حماد، ولا يروى عن عمار إلا بهذا الإسناد"، وقال البيهقي (٦): "هذا حديث باطل إنما رواه ثابت بن حماد وهو متهم". قال الحافظ (٧): "قلت: ورواه البزار (٨) والطبراني من طريق إبراهيم بن زكريا عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد، لكن إبراهيم ضعيف، وقد غلط فيه إنما يرويه ثابت بن حماد" انتهى. فهذا مما لا يجوز الاحتجاج بمثله. واحتج القائلون بالطهارة برواية الفرك، ويجاب عنه بمثل ما سلف من أنه [من] (٩) فعل عائشة، إلا أنه إذا فرض اطلاع النبي ﷺ على ذلك أفاد المطلوب وهو الاكتفاء في إزالة المني بالفرك، لأن الثوب ثوب النبي ﷺ وهو يصلي فيه بعد ذلك كما ثبت في الرواية المذكورة في الباب، ولو كان الفرك غير مطهِّر، لما اكتفى به ولا صلَّى فيه، ولو فرض عدم اطلاع النبي ﷺ على الفرك فصلاته في ذلك الثوب كافية، لأنه لو كان نجسًا لنبِّه عليه حال الصلاة بالوحي كما نبِّه بالقذر الذي في النعل (١٠).

стр. 252

وأيضًا ثبت السلت للرطب والحك لليابس من فعله ﷺ كما في حديث الباب، وثبت أمره بالحت وقال: "إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إذخرة". وأجيب بأن ذلك لا يدل على الطهارة وإنما يدل على كيفية التطهير، فغاية الأمر أنه نجس خُفف في تطهيره بما هو أخف من الماء، والماء لا يتعيَّن لإزالة جميع النجاسات كما حرَّرناه في هذا الشرح سابقًا، وإلَّا لزم طهارة العذرة التي في النعل، لأن النبي ﷺ أمر بمسحها في التراب ورتب على ذلك الصلاة فيها، قالوا: قال ﷺ : "إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق والبصاق" (١) كما في الحديث السابق. وأجيب بأنه موقوف كما قال البيهقي. قالوا: الأصل الطهارة فلا ينتقل عنها إلا بدليل، وأجيب بأن التعبد بالإزالة غسلًا أو مسحًا أو فركًا أو حتًّا أو سلتًا أو حكًا ثابت، ولا معنى لكون الشيء نجسًا إلا أنه مأمور بإزالته بما أحال عليه الشارع. فالصواب أن المني نجس يجوز تطهيره بأحد الأمور الواردة، وهذا خلاصة ما في المسألة من الأدلة من جانب الجميع (٢). وفي المقام مطاولات ومقاولات والمسألة حقيقة بذاك (٣)، ولكنه أفضى الأمر إلى تلفيق حجج واهية كالاحتجاج بتكرمة

стр. 253

بني آدم، وبكون الآدمي طاهرًا من جانب القائل بالطهارة، وكالاحتجاج بأنه فضلة مستحيلة إلى مستقذر، وبأن الأحداث الموجبة للطهارة نجسة والمني منها، وبكونه جاريًا من مجرى البول من جانب القائل بالنجاسة. وهذا الكلام في منيِّ الآدمي. وأما منيّ غير الآدمي ففيه وجوه وتفصيلات مذكورة في الفروع فلا نطول بذكرها (١). [الجمع بين حديث الغسل والفرك]: (فائدة) صرَّح الحافظ في الفتح (٢): "بأنه لا معارضة بين حديث الغسل والفرك لأن الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المني بأن يحمل الغسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب، قال: وهذه طريقة الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث. وكذا الجمع ممكن على القول بنجاسته بأن يحمل الغسل على ما كان رطبًا، والفرك على ما كان يابسًا، وهذه طريقة الحنفية، قال: والطريقة الأولى أرجح لأن فيها العمل بالخبر والقياس معًا، لأنه لو كان نجسًا لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه كالدم وغيره فيما لا يُعفى عنه من الدم بالفرك، ويرد الطريقة الثانية أيضًا ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة: "كان يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه"، فإنه تضمن ترك الغسل في الحالتين" انتهى كلامه، والحق ما عرفته. [الباب العاشر] باب أن ما لا نفس له سائلة (٣) لم ينجس بالموت ٢٥/ ٤٣ - (عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ في

стр. 254

شَرابِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فإنَّ في أحَد جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وفِي الآخر دَاءً" رَوَاهُ أحْمَدُ (١) والبُخَارِيُّ (٢) وأبو داوُدَ (٣) وابْنُ ماجَهْ (٤). [صحيح] ولأحمَدَ (٥) وابْنِ مَاجَهْ (٦) مِنْ حَدِيث أبِي سَعِيدِ نَحْوُهُ). [صحيح] حديث أبي سعيد لفظه: "في أحد جناحي الذباب سم وفي الآخر شفاءٌ، فإذا وقع في الطعام فامْقِلوه فيه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء"، وأخرجه أيضًا النسائي (٧) وابن حبان (٨) والبيهقي (٩). وفي الباب من حديث أنس نحوه عند ابن أبي خيثمة في تاريخه الكبير، قال الحافظ (١٠): وإسناده صحيح.

стр. 255

قوله: (فليغمسه) هذا لفظ البخاري (١)، وعند أبي داود (٢) وابن خزيمة (٣) وابن حبان (٤): "وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كله ثم لينزعه"، ورواه أيضًا الدارمي (٥) وابن ماجه (٦). ولفظ ابن السكن (٧): "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله - أي يغمسه - فإن في أحد جناحيه دواء وفي الآخر داء" أو قال: "سمًا". واستدل بالحديث على أن الماء القليل لا ينجس بموت ما لا نفس له سائلة فيه، إذ لم يفصل بين الموت والحياة، وقد صرح بذلك في حديث الذباب والخنفساء اللذين وجدهما ﷺ ميتين في الطعام، فأمر بإلقائهما والتسمية عليه والأكل منه، ويدل على جواز قتل الذباب بالغمس لصيرورته بذلك عقورًا، وعلى تحريم أكل المستخبث للأمر بطرحه. ورواية "إناء أحدكم" تشمل إناء الطعام والشراب وغيرهما، فهي أعم من رواية "شراب أحدكم". والفائدة في الأمر بغمسه جميعًا هي أن يتصل ما فيه من الدواء بالطعام أو الشراب، كما اتصل به الداء، فيتعادل الضار والنافع فيندفع الضرر (٨). [الباب الحادي عشر] باب في أن الآدمي المسلم لا ينجس بالموت ولا شعره وأجزاؤه بالانفصال (قَدْ أسْلَفْنا قَوْلَهُ ﷺ : "المُسْلِمُ لا يَنْجُسُ" (٩) وَهُوَ عَامٌّ في الحَيِّ وَالمَيِّتِ.

стр. 256

قالَ البُخارِيُّ (١): وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (٢): "المُسْلِمُ لا يَنْجُسُ حيًا وَلا مَيِّتًا". ٢٦/ ٤٤ - (وَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ أن النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَمى الجَمْرَةَ، وَنَحَرَ نُسكَهُ وَحَلَقَ نَاوَلَ الحَلاقَ شِقَّهُ الأيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثمَّ دَعا أبَا طَلْحَةَ الأنْصَارِيَّ فأعطاه إيّاه، ثم ناوله الشِّقَّ الأيْسَرَ، فقالَ: "احْلِقْهُ"، فَحَلَقهُ فَأعْطَاهُ أبَا طَلْحَةَ وَقَالَ: "اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] ٢٧/ ٤٥ - (وَعَنْ أنَسٍ قَالَ: لَمَّا أرَادَ رَسُولُ الله ﷺ أنْ يَحْلِقَ الحَجَّامُ رأسَهُ أخَذَ أبو طَلْحَةَ بِشَعْرِ أحَدِ شِقَّيْ رَأسِهِ بِيَدِهِ فأخَذَ شَعْرَهُ فجاءَ بِهِ إلى أُمِّ سُلَيْمٍ قالَ: وَكَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ تَدُوفُهُ (٤) في طِيبِها. رَوَاهُ أحْمَدُ) (٥). [صحيح] ٢٨/ ٤٦ - (وَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ أن أُمَّ سُلَيْمٍ كَانَتْ تَبْسُطُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نِطْعًا فَيَقِيلُ عِنْدَها على ذلِكَ النِّطْعِ، فَإذَا قَامَ أخَذَتْ مِنْ عَرَقِهِ وَشَعَرِهِ فَجَمَعَتْهُ فِي قَارُورَةٍ ثُمَّ جَعَلَتْهُ فِي سُكّ، [قالَ:] (٦) فَلمَّا حَضَرَتْ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ الوَفاةُ أوصى أن يُجْعَلَ فِي حَنُوطِهِ. أخْرَجهُ البُخارِيُّ) (٧). [صحيح]

стр. 257

٢٩/ ٤٧ - (وفي حَدِيثِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ مِنْ رِوَايَةِ مِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الحَكَم، أن عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَامَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ الله ﷺ وَقَدْ رَأى ما يَصْنَعُ بِهِ أصْحَابُهُ وَلا يَبْسُقُ بُساقًا إلَّا ابْتَدَرُوهُ، وَلا يَسْقُطُ مِنْ شَعْرِهِ شَيْءٌ إلَّا أخَذُوهُ. رَوَاهُ أحْمَدَ) (١). [صحيح] ٣٠/ ٤٨ - (وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: أرْسَلَنِي أهْلِي إلى أُمِّ سَلَمَةَ بَقَدَحٍ مِنْ ماءٍ، فَجاءَتْ بِجُلْجُلٍ مِنْ فِضَّةٍ فيهِ شَعرٌ مِنْ شَعَرِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَكانَ إذَا أصَابَ الإنْسَانَ عَيْنٌ أوْ شَيْءٌ بَعَثَ إليْهَا بإناءٍ فَخَضْخَضَتْ لَهُ فَشَرِبَ منْهُ، فَاطَّلَعْتُ في الجُلْجلِ فَرأيْتُ شَعَراتٍ حُمْرًا. رَواهُ البُخَارِيُّ) (٢). [صحيح] ٣١/ ٤٩ - (وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ زيدٍ وَهُوَ صاحِبُ الأذَانِ أنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ المَنْحَرِ وَرَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ يَقْسِمُ أضَاحِيَ فَلَمْ يُصبْهُ شَيْءٌ وَلا صَاحِبَهُ، فَحَلَقَ رَسُولُ الله ﷺ رَأسَهُ فِي ثَوْبِهِ فأعْطَاهُ مِنْهُ، وقَسَمَ مِنْهُ عَلَى رِجالٍ، وَقَلَّمَ أظْفَارَهُ فأعْطَى صاحِبَهُ، قالَ: وإنَّ شَعْرَهُ عِنْدَنا لَمَخْضُوبٌ بِالحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ. رَوَاهُ أحْمَدُ) (٣). [صحيح] أحاديث الباب يشهد بعضها لبعض، وقد أخرج أحمد كل حديث منها من طرق. قوله: (في ترجمة الباب قد أسلفنا قوله ﷺ : "المسلم لا ينجس" إلخ)، قد تقدَّم الحديث في باب طهارة الماء المتوضأ به، وتقدم شرحه هنالك (٤). قوله: (وعن أنس) سيأتي هذا الحديث بنحو ما هنا في الحج في باب النحر والحلَّاق (٥)، وقد روي بألفاظ منها ما ذكره المصنف هنا، ومنها ما أخرجه أبو

стр. 258

عوانة في صحيحه (١) بلفظ: "إن رسول الله ﷺ أمر الحلَّاق فحلق رأسه ودفع إلى أبي طلحة الشِّق الأيمن، ثم حلق الشِّق الآخر، فأمره أن يقسمه بين الناس"، ولمسلم (٢) من رواية: "أنه قسم الأيمن فيمن يليه"، وفي لفظ (٣): "فَوَزَّعَهُ بين الناس الشَعْرة والشَعرتين وأعطى الأيسر أم سليم"، وفي لفظ (٤): "فأما الأيمن فوزَّعه أبو طلحة بأمره ﷺ ، وأما الأيسر فأعطاه لأم سليم زوجته بأمره ﷺ لتجعله في طيبها". قال النووي (٥): [فيها] (٦) استحباب البداءة بالشق الأيمن من رأس المحلوق وهو قول الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة. وفيه طهارة شعر الآدمي، وبه قال الجمهور، وفيه التبرك بشعره ﷺ ، وفيه المواساة بين الأصحاب بالعطية والهدية. قال الحافظ (٧): "وفيه أن المواساة لا تستلزم المساواة. وفيه تنفيل من يتولى التفرقة على غيره، واختلفوا في اسم الحالق، فالصحيح أنه معمر بن عبد الله كما ذكره البخاري، وقيل: أبو خراش بن أمية، والصحيح أنه كان الحالق بالحديبية" (٨). وذهب جماعة من الشافعية إلى أن الشعر نجس، وهي طريقة العراقيين وأحاديث الباب ترد عليهم، واعتذارهم عنها بأن النبي ﷺ مكرَّم لا يقاس عليه غيره اعتذار فاسد، لأن الخصوصيات لا تثبت إلا بدليل.

стр. 259

قال الحافظ (١): "فلا يلتفت إلى ما وقع في كثير من كتب الشافعية مما يخالف القول بالطهارة، فقد استقر القول من أئمتهم على الطهارة، هذا كله في شعر الآدمي (٢). [اختلاف العلماء في طهارة شعر غير المأكول]: وأما شعر غيره من غير المأكول ففيه خلاف مبني على أن الشعر هل تحله الحياة فينجس بالموت أو لا؟ فذهب جمهور العلماء إلى أنه لا ينجس بالموت وذهبت الشافعية إلى أنه ينجس بالموت. واستدل للطهارة بما ذكره ابن المنذر (٣) من أنهم أجمعوا على طهارة ما يجز من الشاة وهي حية، وعلى نجاسة ما يقطع من أعضائها وهي حية، فدل ذلك على التفرقة بين الشعر وغيره من أجزائها، وعلى التسوية بين حالتي الموت والحياة". قوله: (تدوفه) الدّوْفُ: الخلطُ والبَلُّ بماءٍ ونحوه، دفت المسك فهو مدوف ومدووف أي مبلول أو مسحوق، ولا نظير له سوى مصوون كذا في القاموس (٤)، ومثله في النهاية (٥). قوله: (نِطعًا) بكسر النون وفتحها مع سكون الطاء وتحريكها: بساط من الإدم، الجمع أنطاع ونطوع.

стр. 260

قوله: (في سُكّ) بمهملة مضمومة فكاف مشددة، وهو طيبٌ يُتَّخَذُ من الرامِكِ مَدْقوقًا مَنْخولًا مَعْجونًا بالماءِ، ويُعْرَكُ شديدًا، ويُمْسَحُ بدُهْن الخَيْرِيِّ لئلا يَلْصَقَ بالإناءِ ويُتْرَكُ ليلةً، ثم يسحقُ المسكُ ويُعرك شدِيدًا ويُتْرَكُ يَومينِ، ثم يُثْقَبُ بِمسَلَّةٍ ويُنْظَمُ في خيطِ قِنَّب ويُتْرَكُ سَنَةً، وَكُلما عَتُقَ طابتْ رائحتُهُ" قاله في القاموس (١)، والرامك بالراء كصاحب: شيء أسود يخلط بالمسك. والقِنب: نوع من الكتان. [طهارة عرق الآدمي مجمع عليه]: وفيه دليل على طهارة العرق لأنه وقع منه ﷺ التقرير لأم سُليم وهو مجمع على طهارته من الآدمي. قوله: (بجلجل) بجيمين مضمومتين بينهما لام: الجرس. قال الكرماني (٢): ويحمل على أنه كان مموّها بفضة لا أنه كان كله فضة. قال الحافظ (٣): "وهذا ينبني على أن أم سلمة كانت لا تجيز استعمال آنية الفضة في غير الأكل والشرب، ومن أين له ذلك فقد أجاز ذلك جماعة من العلماء". قلت: والحق الجواز إلا في الأكل والشرب لأن الأدلة لم تدل على غير هاتين الحالتين. قوله: (فخضخضت) بخاءين وضادين معجمات، والخضخضة: تحريك الماء. قوله: (والكتم) هو نبت يخلط بالحناء، وسيأتي ضبطه وتفسيره (٤). [الباب الثاني عشر] باب النهي عن الانتفاع بجلد ما لا يؤكل لحمه ٣٢/ ٥٠ - (عَنْ أبِي المَليِح بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسولَ الله ﷺ نَهى عَنْ

стр. 261

جُلُودِ السِّباعِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَأبُو دَاوُدَ (٢) وَالنَّسائي (٣) والتِّرْمِذِي (٤) وَزادَ: أنْ تفْتَرِشَ). [صحيح] ٣٣/ ٥١ - (وَعَنْ معَاوَيةَ بْنِ أَبِي سُفْيانَ أَنَّهُ قَالَ لِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ : أَتَعلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نهى عَنْ جُلُودِ النُّمُورِ أنْ يُرْكَبَ عَليْها؟ قالوا: اللهم نَعَمْ. رَواهُ أحْمَدُ (٥) وأبو دَاوُدَ (٦)، وَلِأحْمَدَ (٧): أُنْشِدُكُمُ الله، أَنَهى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ رُكُوبِ صُفَفِ النُّمورِ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: وَأنا أشهَدُ). [صحيح] ٣٤/ ٥٢ - (وَعَنِ المِقدام بْنِ مَعِدِي كَرِبَ أنَّهُ قالَ لِمُعاوَيةَ: أَنْشِدُكَ الله هَلْ تَعْلَمُ أن رَسُولَ الله ﷺ نَهى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّباعِ وَالرُّكُوبِ عَليْها؟ قالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أبو دَاودَ (٨) وَالنَّسائِي (٩). [صحيح] ٣٥/ ٥٣ - (وَعَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعَدِي كَرِبَ قالَ: نَهى رَسولُ الله ﷺ عَنِ

стр. 262

الحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَمَياثِرِ النُّمُورِ. رَواهُ أحْمَدُ (١) وَالنَّسائي) (٢). [صحيح] ٣٦/ ٥٤ - (وَعَنْ أبِي هرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "لا تَصْحَبُ المَلائكَةُ رُفْقَةً فِيها جِلد نمِرٍ" رَواهُ أبُو داوُدَ) (٣) [حسن] حديث أبي المليح قال الترمذي (٤): "لا نعلَمُ قال عن أبي المليحِ عن أبيهِ غير سعيد بن أبي عَرُوبَةَ، وأخرجه (٥) عن أبي المليح عن النبي ﷺ مرسلًا قال: "وهذا أصح". وحديث معاوية أخرجه أيضًا ابن ماجه (٦). وحديث المقدام الأوّل رواه أبو داود (٧) عن عمرو بن عثمان بن سعيد الحمصي، حدثنا بقية عن بجير عن خالد (٨) قال: وفد المقدام، وذكر فيه قصة طويلة. وبقية بن الوليد (٩) فيه مقال مشهور. وحديثه الثاني إسناده صالح. وحديث أبي هريرة في إسناده أبو العوام عمران القطان وثقه عفان بن مسلم واستشهد به البخاري وتكلم فيه غير واحد (١٠).

стр. 263

[تفسير كلمات أحاديث الباب]: قوله: (النمور) في رواية النِّمار، وكلاهما جمع نَمِر، بفتح النون وكسر الميم ويجوز التخفيف بكسر النون وسكون الميم، وهو سبُع أجرأ وأخبث من الأسد، وهو منقَّط الجلد نقط سود وبيض، وفيه شبه من الأسد إلا أنه أصغر منه، ورائحة فمه طيبة بخلاف الأسد، وبينه وبين الأسد عداوة، وهو بعيد الوثبة فربما وثب أربعين ذراعًا، وإنما نهي عن استعمال جلده لما فيه من الزينة والخُيلاء، ولأنه زي العجم (١). قوله: (صفف) بالصاد المهملة كصرد جمع صفة وهي ما يجعل على السرج. قوله: (ومياثر النمور) المياثر جمع ميثرة، والمِيْثَرة بكسر الميم وسكون التحتية وفتح المثلثة بعدها راء ثم هاء ولا همزة فيها، وأصلها من الوثارة. وقد روى البخاري عن بعض الرواة أنه فسرها بجلود السباع. قال النووي: هو تفسير باطل لما أطبق عليه أهل الحديث، قال الحافظ: ليس بباطل بل يمكن توجيهه، وهو ما إذا كانت الميثرة وطاء وصنعت من جلد ثم حشيت، والنهي حينئذ عنها إما لأنها من زي الكفار، وإما لأنها لا تذكَّى غالبًا. وقيل: إن المياثر مراكب تتخذ من الحرير والديباج، وسيأتي الكلام على الحرير في كتاب اللباس (٢). قوله: (لا تصحب الملائكة رفقة إلخ) فيه أنه يكره اتخاذ جلود النمور واستصحابها في السفر وإدخالها البيوت؛ لأن مفارقة الملائكة للرفقة التي فيها جلد نمر تدل على أنها لا تجامع جماعة أو منزلًا وجد فيه ذلك ولا يكون إلا لعدم جواز استعمالها، كما ورد أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تصاوير (٣)، وجعل ذلك من أدلة تحريم التصاوير وجعلها في البيوت.

стр. 264

وهذا الحديث والذي قبله يدلَّان على قوة تفسير الميثرة بجلود السباع. [حكمة النهي عن جلود السباع] وأحاديث الباب استدل بها المصنف رحمه الله تعالى على أن جلود السباع لا يجوز الانتفاع بها. وقد اختلف في حكمة النهي، فقال البيهقي (١): "يحتمل أن النهي وقع لما يبقى عليها من الشعر لأن الدباغ لا يؤثر فيه". وقال غيره: يحتمل أن النهي عمَّا لم يدبغ منها لأجل النجاسة أو أن النهي لأجل أنها مراكب أهل السرف والخُيلاء، وأما الاستدلال بأحاديث الباب على أن الدباغ لا يطهر جلود السباع بناء على أنها مخصصة للأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على العموم فغير ظاهر، لأن غاية ما فيها مجرد النهي عن الركوب عليها وافتراشها ولا ملازمة بين ذلك وبين النجاسة كما لا ملازمة بين النهي عن الذهب والحرير ونجاستهما، فلا معارضة، بل يحكم بالطهارة بالدباغ مع منع الركوب عليها ونحوه، مع أنه يمكن أن يقال: إن أحاديث هذا الباب أعم من أحاديث الباب الذي بعده من وجه لشمولها لما كان مدبوغًا، من جلود السباع، وما كان غير مدبوغ. قال المصنف (٢) ﵀: "وهذه النصوص تمنع استعمال جلد ما لا يؤكل لحمه في اليابسات، وتمنع بعمومها طهارته بذكاة أو دباغ"، انتهى. [الباب الثالث عشر] باب ما جاء في تطهير الدباغ ٣٧/ ٥٥ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: تُصُدِّقَ على مَوْلاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشاةٍ فَمَاتت فَمرَّ بِها رَسولُ الله ﷺ فقالَ: "هَلَّا أخذْتُمْ إهابَها فَدَبَغْتُموهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟ " فَقالُوا:

стр. 265

إنَّها ميْتَةٌ، فقالَ: "إِنَّما حَرُمَ أكْلُها". رَوَاهُ الجمَاعَةُ (١) إلَّا ابْنَ مَاجَهْ (٢)، قالَ فيهِ: عَنْ مَيْمُونَةَ، جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِها وَلَيْسَ فيهِ للْبُخارِي (٣) وَالنَّسائي (٤) ذِكْرُ الدِّباغِ بحالٍ؛ وَفي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ (٥): إنَّ دَاجِنًا لِمَيْمُونَةَ ماتَتْ فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ألا انْتَفَعْتُمْ بإِهابِها؟ ألا دَبَغْتُموهُ فَإِنَّهُ ذَكاتُه؟ ". وَهَذا تَنْبِيهٌ على أن الدِّباغَ إنَّما يَعْمَلُ فِيما تَعْمَلُ فيهِ الذَّكاةُ. وفي روايَةٍ لأحْمَدَ (٦) وَالدَّارَقطْنِيِّ (٧) يطَهِّرها المَاءُ والقَرظ. رَوَاهُ الدَّارَقُطنِي مَعَ غَيْرِهِ وَقَالَ (٨): هَذِهِ أسانيدٌ صِحاحٌ. [صحيح] في الباب عن أُم سلمة عند الطبراني في الأوسط (٩) والدارقطني (١٠)، وفي إسناده فرج بن فضالة (١١) وهو ضعيف.

стр. 266

وعن ميمونة عند مالك (١) وأبي داود (٢) والنسائي (٣) وابن حبان (٤) والدارقطني (٥) بلفظ: "أنه مر برسول الله ﷺ رجال يجرون شاة لهم مثل الحمار فقال: "لو أخذتم إهابها"، فقالوا: إنها ميتة، فقال: "يطهرها الماء والقرظ". وصَحَّحهُ ابن السكن والحاكم (٦). قوله: (أخذتم إهابها) الإِهاب ككتاب: الجِلْد أو ما لم يُدبَغْ، قاله في القاموس (٧). قال أبو داود في سننه (٨): "قال النضر بن شميل: إنما يسمى إهابًا ما لم يُدبغ، فإذا دبغ لا يقال له: إهاب، إنما يسمى شَنًّا وقِرْبة"، وسيذكره المصنف فيما بعد (٩). وفي الصحاح (١٠): "والإهاب: الجلد ما لم يدبغ. وبقية الكلام على الإِهاب تأتي في حديث عبد الله بن عُكيم (١١). قوله: (إن داجنًا) الداجن (١٢): المقيم بالمكان ومنه الشاة إذا ألفت البيت. قوله: (فإنه ذكاته) أراد أن الدباغ في التطهير بمنزلة الذكاة في إحلال الشاة، وهو تشبيه بليغ.

стр. 267

وأخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢) والبيهقي (٣) وابن حبان (٤) من حديث الجون بن قتادة عن سلمة بن المحبق بلفظ: "دباغ الأديم ذكاته"، قال الحافظ (٥): "وإسناده صحيح، قال أحمد: الجون لا أعرفه، وبهذا أعله الأثرم، قال الحافظ: وقد عرفه غيره علي بن المديني، وروي عنه - يعني الجون -[ذلك] (٦) الحسن وقتادة وصحَّح ابن سعد وابن حزم وغير واحد أن له صحبة، وتعقب أبو بكر بن مفَوِّز ذلك على ابن حزم". وفي الباب أيضًا عن ابن عباس عند الدارقطني (٧) وابن شاهين (٨) من طريق فليح عن زيد بن أسلم عن أبي وعلة عنه بلفظ: "دباغ كل إهاب طهوره"، وأصله في مسلم (٩) من حديث أبي الخير عن أبي وعلة بلفظ: "دباغه طهوره"، ورواه الدولابي في الكنى (١٠) من حديث ابن عباس بلفظ: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 268

"ذكاة كل مسك دباغه"، ورواه البزار (١) والطبراني (٢) والبيهقي (٣) عنه قال: قال رسول الله ﷺ في شاة ميمونة - "ألا استمتعتم بإهابها فإن دباغ الأديم طهوره" وفي إسناده يعقوب بن عطاء (٤) ضعفه يحيى بن معين وأبو زرعة. وأخرج أحمد (٥) وابن خزيمة (٦) والحاكم (٧) والبيهقي (٨) من حديثه أيضًا: "أن رسول الله ﷺ أراد أن يتوضأ من سقاء فقيل له: إنه ميتة، فقال: دباغه يزيل خبثه أو نجسه أو رجسه". وصححه الحاكم والبيهقي. وعن عائشة عند النسائي (٩)، وابن حبان (١٠)، والطبراني (١١)، والدارقطني (١٢)، والبيهقي (١٣)، بلفظ: "دباغ جلود الميتة طهورها". وعن

стр. 269

المغيرة بن شعبة عند الطبراني (١). وعن زيد بن ثابت عند الطبراني (٢) أيضًا، وعند الحاكم أبي أحمد في الكنى (٣)، وفي تاريخ نيسابور (٤)، وعن أبي أمامة عنده أيضًا، وعن ابن عمر عنده أيضًا، وعند ابن شاهين (٥)، وعن بعض أزواج النبي ﷺ عند البيهقي (٦). [وعن أم سلمة عند الدارقطني (٧)، وفي إسناده الفرج بن فضالة وهو ضعيف] (٨). وعن أنس (٩) عند ابن منده. وعن جابر (١٠) عنده أيضًا، وعن ابن مسعود (١١) عنده أيضًا. الحديث المذكور في الباب يدل على طهارة أديم الميتة بالدباغ، نص في الشاة المعينة التي هي السبب أو نوعه على الخلاف، وظاهر فيما عداه لأن قوله: "إنما حرم من الميتة أكلها" بعد قولهم إنها ميتة، يعم كل ميتة. والأحاديث المذكورة في هذا الباب تدل على عدم اختصاص هذا الحكم بنوع من أنواع الميتة.

стр. 270

[مذاهب العلماء في تطهير الجلود بالدباغ] وقد اختلف أرباب العلم في ذلك على أقوال سبعة ذكرها النووي في شرح مسلم (١)، وسنذكرها ههنا غير مقتصرين على المقدار الذي ذكره بل نضم إليه حجج الأقوال مع نسبة بعض المذاهب إلى جماعات من العلماء لم يذكرهم فنقول: (المذهب الأول): أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما، ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه ويجوز استعماله في الأشياء اليابسة والمائعة ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره، وإلى هذا ذهب الشافعي (٢)، واستدل على استثناء الخنزير بقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٣) وجعل الضمير عائدًا إلى المضاف إليه، وقاس الكلب عليه بجامع النجاسة، قال: لأنه لا جلد له. قال النووي (٤): وروي هذا المذهب عن علي بن أبي طالب وابن مسعود. (المذهب الثاني): أنه لا يطهر شيء من الجلود بالدباغ، قال النووي (٥): وروي هذا القول عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة وهو أشهر الروايتين عن أحمد وإحدى الروايتين عن مالك ونسبه في البحر (٦) إلى أكثر العترة، واستدلوا بحديث عبد الله بن عكيم الآتي بلفظ: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" وكان ذلك قبل موته ﷺ بشهر فكان ناسخًا لسائر الأحاديث. وأجيب بأنه قد أعل بالاضطراب والإِرسال كما سيأتي فلا ينتهض لنسخ الأحاديث الصحيحة، وأيضًا التاريخ بشهر أو شهرين كما سيأتي معل لأنه من رواية خالد الحذاء، وقد خالفه شعبة وهو أحفظ منه وشيخهما واحد، ومع إعلال التاريخ يكون معارضًا للأحاديث الصحيحة وهي أرجح منه بكل حال؛ فإنه قد روي في ذلك - أعني تطهير الدباغ

стр. 271

للأديم - خمسة عشر حديثًا: عن ابن عباس حديثان (١)، وعن أم سلمة ثلاثة (٢)، وعن أنس حديثان (٣)، وعن سلمة بن المحبق (٤)، وعائشة (٥)، والمغيرة (٦)، وأبي

стр. 272

أمامة (١)، وابن مسعود (٢)، وشيبان، وثابت (٣)، وجابر (٤)، وأثران عن سودة وابن مسعود (٥).

стр. 273

على أنه لا حاجة إلى الترجيح بهذا، لأن حديث ابن عكيم عام وأحاديث التطهير خاصة فيبنى العام على الخاص، أما على مذهب من يبني العام على الخاص مطلقًا كما هو قول المحققين من أئمة الأصول فظاهر، وأما على مذهب من يجعل العام المتأخر ناسخًا فمع كونه مذهبًا مرجوحًا لا نسلِّم تأخر العام هنا؛ لما ثبت في أصول الأحكام (١) والتجريد (٢) من كتب أهل البيت، أن عليًا قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنتفع من الميتة بإهاب ولا عصب"، فلما كان من الغد خرجت فإذا نحن بسخلة (٣) مطروحة على الطريق فقال: "ما كان على أهل هذه لو انتفعوا بإهابها؟ "، فقلت: يا رسول الله أين قولك بالأمس؟ فقال: "ينتفع منها بالشيء". ولو سلمنا تأخر حديث ابن عكيم لكان ما أسلفنا عن النضر بن شميل (٤) من تفسير الإِهاب بالجلد الذي لم يدبغ، وما صرح به صاحب الصحاح (٥)، ورواه

стр. 274

صاحب القاموس (١) كما قدمنا موجبًا لعدم التعارض إذ لا نزاع في نجاسة إهاب الميتة قبل دباغه. فالحق أن الدباغ مطهر، ولم يعارض أحاديثه معارض من غير فرق بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل وهو مذهب الجمهور، قال الحازمي (٢): وممن قال بذلك يعني جواز الانتفاع بجلود الميتة: ابن مسعود، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن بن أبي الحسن، والشُعبي، وسالم يعني ابن عبد الله، وإبراهيم النخعي، وقتادة والضحاك، وسعيد بن جبير، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وابن المبارك، والشافعي، وأصحابه، وإسحق الحنظلي، وهذا هو مذهب الظاهرية كما سيأتي. (المذهب الثالث): أنه يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم ولا يطهر غيره. قال النووي (٣): وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور وإسحق بن راهويه، واحتجوا بما في الأحاديث من جعل الدباغ في الأهب كالذكاة، وقد تقدم بعض ذلك ويأتي بعض. قالوا: والذكاة المشبه بها لا يحل بها غير المأكول فكذلك المشبه لا يطهر جلد غير المأكول، وهذا إن سلم لا ينفي ما استفيد من الأحاديث العامة للمأكول وغيره، وقد تقرر في الأصول أن العام لا يقصر على سببه فلا يصح تمسكهم بكون السبب شاة ميمونة. (المذهب الرابع): [يَطْهُرُ] (٤) جلود جميع الميتات إلا الخنزير، قال النووي (٥): وهو مذهب أبي حنيفة، واحتج بما تقدم في المذهب الأول. (المذهب الخامس): يطهر الجميع إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه، فلا ينتفع به في المائعات، قال النووي (٦): وهو مذهب مالك المشهور في حكاية أصحابنا
следующие страницы →