← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 270–309 · переход к 275.

стр. 270

[مذاهب العلماء في تطهير الجلود بالدباغ] وقد اختلف أرباب العلم في ذلك على أقوال سبعة ذكرها النووي في شرح مسلم (١)، وسنذكرها ههنا غير مقتصرين على المقدار الذي ذكره بل نضم إليه حجج الأقوال مع نسبة بعض المذاهب إلى جماعات من العلماء لم يذكرهم فنقول: (المذهب الأول): أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما، ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه ويجوز استعماله في الأشياء اليابسة والمائعة ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره، وإلى هذا ذهب الشافعي (٢)، واستدل على استثناء الخنزير بقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٣) وجعل الضمير عائدًا إلى المضاف إليه، وقاس الكلب عليه بجامع النجاسة، قال: لأنه لا جلد له. قال النووي (٤): وروي هذا المذهب عن علي بن أبي طالب وابن مسعود. (المذهب الثاني): أنه لا يطهر شيء من الجلود بالدباغ، قال النووي (٥): وروي هذا القول عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة وهو أشهر الروايتين عن أحمد وإحدى الروايتين عن مالك ونسبه في البحر (٦) إلى أكثر العترة، واستدلوا بحديث عبد الله بن عكيم الآتي بلفظ: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" وكان ذلك قبل موته ﷺ بشهر فكان ناسخًا لسائر الأحاديث. وأجيب بأنه قد أعل بالاضطراب والإِرسال كما سيأتي فلا ينتهض لنسخ الأحاديث الصحيحة، وأيضًا التاريخ بشهر أو شهرين كما سيأتي معل لأنه من رواية خالد الحذاء، وقد خالفه شعبة وهو أحفظ منه وشيخهما واحد، ومع إعلال التاريخ يكون معارضًا للأحاديث الصحيحة وهي أرجح منه بكل حال؛ فإنه قد روي في ذلك - أعني تطهير الدباغ

стр. 271

للأديم - خمسة عشر حديثًا: عن ابن عباس حديثان (١)، وعن أم سلمة ثلاثة (٢)، وعن أنس حديثان (٣)، وعن سلمة بن المحبق (٤)، وعائشة (٥)، والمغيرة (٦)، وأبي

стр. 272

أمامة (١)، وابن مسعود (٢)، وشيبان، وثابت (٣)، وجابر (٤)، وأثران عن سودة وابن مسعود (٥).

стр. 273

على أنه لا حاجة إلى الترجيح بهذا، لأن حديث ابن عكيم عام وأحاديث التطهير خاصة فيبنى العام على الخاص، أما على مذهب من يبني العام على الخاص مطلقًا كما هو قول المحققين من أئمة الأصول فظاهر، وأما على مذهب من يجعل العام المتأخر ناسخًا فمع كونه مذهبًا مرجوحًا لا نسلِّم تأخر العام هنا؛ لما ثبت في أصول الأحكام (١) والتجريد (٢) من كتب أهل البيت، أن عليًا قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنتفع من الميتة بإهاب ولا عصب"، فلما كان من الغد خرجت فإذا نحن بسخلة (٣) مطروحة على الطريق فقال: "ما كان على أهل هذه لو انتفعوا بإهابها؟ "، فقلت: يا رسول الله أين قولك بالأمس؟ فقال: "ينتفع منها بالشيء". ولو سلمنا تأخر حديث ابن عكيم لكان ما أسلفنا عن النضر بن شميل (٤) من تفسير الإِهاب بالجلد الذي لم يدبغ، وما صرح به صاحب الصحاح (٥)، ورواه

стр. 274

صاحب القاموس (١) كما قدمنا موجبًا لعدم التعارض إذ لا نزاع في نجاسة إهاب الميتة قبل دباغه. فالحق أن الدباغ مطهر، ولم يعارض أحاديثه معارض من غير فرق بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل وهو مذهب الجمهور، قال الحازمي (٢): وممن قال بذلك يعني جواز الانتفاع بجلود الميتة: ابن مسعود، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن بن أبي الحسن، والشُعبي، وسالم يعني ابن عبد الله، وإبراهيم النخعي، وقتادة والضحاك، وسعيد بن جبير، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وابن المبارك، والشافعي، وأصحابه، وإسحق الحنظلي، وهذا هو مذهب الظاهرية كما سيأتي. (المذهب الثالث): أنه يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم ولا يطهر غيره. قال النووي (٣): وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور وإسحق بن راهويه، واحتجوا بما في الأحاديث من جعل الدباغ في الأهب كالذكاة، وقد تقدم بعض ذلك ويأتي بعض. قالوا: والذكاة المشبه بها لا يحل بها غير المأكول فكذلك المشبه لا يطهر جلد غير المأكول، وهذا إن سلم لا ينفي ما استفيد من الأحاديث العامة للمأكول وغيره، وقد تقرر في الأصول أن العام لا يقصر على سببه فلا يصح تمسكهم بكون السبب شاة ميمونة. (المذهب الرابع): [يَطْهُرُ] (٤) جلود جميع الميتات إلا الخنزير، قال النووي (٥): وهو مذهب أبي حنيفة، واحتج بما تقدم في المذهب الأول. (المذهب الخامس): يطهر الجميع إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه، فلا ينتفع به في المائعات، قال النووي (٦): وهو مذهب مالك المشهور في حكاية أصحابنا

стр. 275

عنه (١) انتهى. وهو تفصيل لا دليل عليه. (المذهب السادس): يطهر الجميع والكلب والخنزير ظاهرًا وباطنًا، قال النووي (٢): وهو مذهب داود وأهل الظاهر، وحكي عن أبي يوسف وهو الراجح كما تقدم، لأن الأحاديث الواردة في هذا الباب لم يفرق فيها بين الكلب والخنزير وما عداهما. واحتجاج الشافعي بالآية على إخراج الخنزير وقياس الكلب عليه لا يتم إلا بعد تسليم أن الضمير يعود إلى المضاف إليه دون المضاف وأنه محل نزاع، ولا أقل من الاحتمال إن لم يكن رجوعه إلى المضاف راجحًا، والمحتمل لا يكون حجة على الخصم. وأيضًا لا يمتنع أن يقال رجسية الخنزير على تسليم شمولها لجميعه لحمًا وشعرًا وجلدًا وعظمًا مخصصة بأحاديث الدباغ. (المذهب السابع): أنه ينتفع بجلود الميتة وإن لم تدبغ ويجوز استعمالها في المائعات واليابسات، قال النووي (٣): وهو مذهب الزهري (٤) وهو وجه شاذ لبعض أصحابنا لا تعريج عليه ولا التفات إليه انتهى. واستدل لذلك بحديث الشاة باعتبار الرواية التي لم يذكر فيها الدباغ ولعله لم يبلغ الزهري بقية الروايات وسائر الأحاديث، وقد رده في "البحر" (٥) بمخالفة الإِجماع. ٣٨/ ٥٦ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "أيُّما إهابٍ

стр. 276

دُبِغَ فَقدْ طَهُرَ". رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسِلْمٌ (٢) وَابْنُ ماجَهْ (٣) وَالتِّرْمِذيُّ (٤). وَقالَ: قالَ إسْحقُ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْل: إنَّما يُقالُ الإِهابُ لِجِلْدِ مَا يُؤكَل لحْمُهُ). [صحيح] ٣٩/ ٥٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ قالتْ: مَاتَتْ لَنَا شاةٌ فَدَبَغْنا مَسْكَها، ثُمَّ ما زِلْنَا نَنْتَبِذُ فِيهِ حَتَّى صارَ شَنًّا. رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَالنَّسَائيُّ (٦) وَالبُخارِيُّ (٧) وَقالَ: إن سَوْدَةَ، مَكانُ: عَنْ). [صحيح] ٤٠/ ٥٨ - (وَعَنْ عائِشَةَ أن النَّبيَّ ﷺ أمَرَ أنْ يُنْتَفَعَ بِجُلودِ المَيْتَةِ إذَا دُبغتْ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا الترْمِذِيَّ (٨). وللنَّسائي (٩): سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ جُلودِ المَيْتَةِ فقالَ: "دباغُها ذَكاتُها". وَللدَّارَقُطْني (١٠) عَنْها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "طهُورُ كُلِّ أدِيمٍ دباغُهُ". قَالَ الدَّارَقُطْني: إسْنادُهُ كُلُّهُمْ ثِقاتٌ). [حسن] الحديث الأول، قال الترمذي: حسن صحيح. ورواه الشافعي (١١)، وابن

стр. 277

حبان (١)، والدارقطني (٢)، بإسناد على شرط الصحة، وقال: إنه حسن. ورواه الخطيب في "تلخيص المتشابه (٣) "من حديث جابر. [والحديث الثاني قد تقدم الكلام على ألفاظه وطرقه في أول الباب] (٤). والحديث الثالث أخرجه أيضًا ابن حبان (٥) والطبراني (٦) والبيهقي (٧). قوله: (الجلد ما يؤكل لحمه) هذا يخالف ما قدمنا عن أبي داود أن النضر بن شميل فسر الإِهاب بالجلد قبل أن يدبغ ولم يخصه بجلد المأكول، ورواية أبي داود عنه أُرجح لموافقتها ما ذكره أهل اللغة كصاحب الصحاح (٨) والقاموس (٩) والنهاية (١٠) وغيرها. والمبحث لغوي فيرجح ما وافق اللغة، ولم نجد في شيء من كتب اللغة ما يدل على تخصيص الإِهاب بإهاب مأكول اللحم كما رواه الترمذي عنه. قوله: (مَسكها) بفتح الميم وإسكان السين المهمل هو الجلد (١١). قوله: (شنًّا) بفتح الشين المعجمة بعدها نون: أي قربة خَلِقة (١٢). قوله: (دباغها ذكاتها) استدل بهذا من قال إنه يطهر بالدبغ جلد ميتة المأكول فقط. وقد تقدم الجواب عليه. قوله: (طهور كل أديم) وكذا قوله: أيما إهاب دبغ، يشملان جلود ما لا يؤكل لحمه كالكلب والخنزير وغيرهما شمولًا ظاهرًا. وقد تقدم البحث في ذلك.

стр. 278

[الباب الرابع عشر] باب تحريم أكل جلد الميتة وإن دبغ ٤١/ ٥٩ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاس قالَ: ماتَتْ شاةٌ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ فقالتْ: يا رَسُولَ الله ماتَتْ فُلانَةُ تَعْنِي الشَّاةَ، فقالَ: "فَلَوْلا أخذْتُمْ مسْكَها"، قالُوا: أنأخُذُ مَسْكَ شاةٍ قَدْ ماتَتْ؟ فقالَ لَها رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّما قالَ الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (١)، وَأَنْتُمْ لا تَطْعَمُونَهُ إنْ تَدبُغُوهُ [فَتَنْتَفِعُوا] (٢) بِهِ". فأرْسَلَتْ إليْها فَسَلَخَتْ مَسْكَها فَدَبَغَتْهُ فَاتَّخَذَتْ مِنهُ قِرْبَةً حَتَّى تَخَرَّقَتْ عِنْدَها. رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) بِإِسْنادٍ صَحِيحٍ). [صحيح] الحديث يدل على تحريم أكل جلود الميتة وأن الدباغ وإن أوجب طهارتها لا يحلل أكلها. ومما يدل على تحريم الأكل أيضًا قوله ﷺ في حديث ابن عباس المتقدم: "إنما حرم من الميتة أكلها"، [وهذا] (٤) مما لا أعلم فيه خلافًا، ويدل أيضًا على طهارة جلود الميتة بالدبغ وقد تقدم الكلام عليه. [الباب الخامس عشر] باب ما جاء في نسخ تطهير الدباغ ٤٢/ ٦٠ - (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُكَيْمٍ قالَ: كَتَبَ إليْنا رَسُولُ الله ﷺ قبْلَ وَفاتِهِ بِشَهْرٍ: "أن لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَة بإهابِ وَلا عَصَبٍ". رَواهُ الخَمْسَةُ (٥)، وَلَمْ يَذْكُرْ

стр. 279

مِنْهُمُ المُدَّةَ غَيْرُ أحْمَدَ (١) وَأَبِي دَاوُدَ (٢). قَال التِّرْمِذي هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَللدَّارَقُطْني (٣): إنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَتَبَ إلى جُهَيْنَةَ: "إني كُنْتُ رَخَّصْتُ لكُمْ في جُلودِ المَيتَةِ فإِذَا جاءَكُمْ كِتابِي هذا فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بَإِهابٍ وَلا عَصَبٍ". وَللِبُخارِي في تارِيخهِ (٤) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مشيَخةٌ لَنَا مِنْ جُهَيْنَةَ أن النَّبيَّ ﷺ كتَبَ إلَيْهِمْ: "أنْ لا تَنْتَفعُوا من الميتةِ بِشَيءٍ"). [صحيح] وأخرجه أيضًا الشافعي (٥) والبيهقي (٦) وابن حبان (٧)، وقال عبد الله بن عكيم شهد كتاب رسول الله ﷺ حيث قرئ عليهم في جهينة وسمع مشايخ جهينة (٨) يقولون ذلك. وقال البيهقي (٩) والخطابي (١٠): هذا الخبر مرسل. وقال ابن أبي حاتم في العلل (١١) عن أبيه: ليست لعبد الله بن عكيم صحبة وإنما روايته كتابه، وخالفه الحاكم فأثبت لعبد الله صحبة (١٢)، قال

стр. 280

الحافظ (١): "وأغرب الماوردي فزعم أنه نقل عن علي بن المديني أن رسول الله ﷺ مات ولعبد الله بن عكيم سنة. وقال صاحب الإِمام: "تضعيف من ضعَّفه ليس من قبيل الرجال فإنهم كلهم ثقات؛ وإنما ينبغي أن يحمل الضعف على الاضطراب؛ كما نقل عن أحمد". ومن الاضطراب فيه ما رواه ابن عدي (٢) والطبراني (٣) من حديث شبيب بن سعيد (٤) عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه ولفظه: "جاءنا كتاب رسول الله ﷺ ونحن بأرض جهينة إني كنت رخصت لكم في إهاب الميتة وعصبها فلا تنتفعوا بإهاب ولا عصب"، قال الحافظ (٥): "إسناده ثقات" وتابعه فضالة بن المفضل (٦) عند الطبراني في الأوسط (٧)، ورواه أبو داود (٨) من حديث خالد (٩) عن الحكم عن عبد الرحمن أنه انطلق هو وأناس معه إلى عبد الله بن عكيم فدخلوا وقعدت على الباب، فخرجوا إليّ وأخبروني أن عبد الله بن عكيم أخبرهم الحديث، فهذا يدل على أن عبد الرحمن ما سمعه من ابن عكيم، لكن إن وجد التصريح بسماعه منه حمل على أنه سمعه منه بعد ذلك".

стр. 281

وفي الباب عن ابن عمر رواه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ (١) وفيه عدي بن الفضل وهو ضعيف. وعن جابر رواه ابن وهب (٢) وفيه زمعة (٣) وهو ضعيف. ورواه أبو بكر الشافعي في "فوائده" (٤) من طريق أخرى، قال الشيخ الموفق (٥): إسناده حسن. قال الحازمي في الناسخ والمنسوخ (٦) في: "إسناد حديث ابن عكيم اختلاف: رواه الحكم مرة عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن ابن عكيم، ورواه عنه القاسم بن مخيمرة (٧)، عن خالد (٨)، عن الحكم، وقال إنه لم يسمعه من ابن

стр. 282

عكيم، ولكن من أناس دخلوا عليه ثم خرجوا وأخبروه [به] (١)، ولولا هذه العلل لكان أولى الحديثين أن يؤخذ به حديث ابن عكيم"، ثم قال: "وطريق الإِنصاف فيه أن يقال: إن حديث ابن عكيم ظاهر الدلالة في النسخ - لو صح -، ولكنه كثير الاضطراب، [ثم] (١) لا يقاوم حديث ميمونة في الصحة"، ثم قال: "فالمصير إلى حديث ابن عباسّ أولى؛ لوجوه من الترجيح، ويحمل حديث ابن عكيم على منع الانتفاع به قبل الدباغ، وحينئذ يسمى إهابًا، وبعد الدباغ يسمى جلدًا ولا يسمى إهابًا، [و] (١) هذا معروف عند أهل اللغة وليكون جمعًا بين الحكمين وهذا هو الطريق في نفي التضاد"، انتهى. ومحصل الأجوبة على هذا الحديث: الإِرسال (٢)؛ لعدم سماع عبد الله بن عكيم من النبي ﷺ . ثم الانقطاع (٣)؛ لعدم سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عبد الله بن عكيم. ثم للاضطراب في سنده (٤)؛ فإنه تارة قال عن كتاب النبي ﷺ وتارة عن مشيخة من جهينة، وتارة عمن قرأ الكتاب. ثم الاضطراب في متنه (٥)؛ فرواه الأكثر من غير تقييد، ومنهم من رواه بتقييد شهر (٦) أو شهرين (٧) أو أربعين يومًا (٨) أو ثلاثة أيام. ثم الترجيح بالمعارضة بأن أحاديث الدباغ أصح. ثم القول بموجبه بأن الإِهاب اسم للجلد قبل الدباغ لا بعده، حمله عى ذلك ابن عبد البر (٩) والبيهقي (١٠) وغيرهما (١١). ثم الجمع بين هذا الحديث والأحاديث السابقة بأن هذا

стр. 283

عام وتلك خاصة، وقد سبق الكلام على ذلك في باب ما جاء في تطهير الدباغ مستكملًا. قال المصنف (١) ﵀: وأكثر أهل العلم على أن الدباغ مُطهّر في الجملة لصحة النصوص به، وخبر ابن عكيم لا يقاربها في الصحة والقوّة لِينْسخها، قال الترمذي (٢): سمعت أحمد بن الحسن يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين، وكان يقول: هذا آخر أمر رسول الله ﷺ ، ثم ترك أحمد هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده حيث روى بعضهم فقال: عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ من جهينة اهـ. قال الخلال (٣): لما رأى أبو عبد الله تزلزل الرواة فيه توقف.

стр. 284

[الباب السادس عشر] باب نجاسة لحم الحيوان الذي لا يؤكل إذا ذبح ٤٣/ ٦١ - (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: لَمَّا أمْسى اليَوْمُ الَّذِي فُتِحَتْ عليهمْ فيهِ خَيْبَرُ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ما هذه النَّارُ على أيّ شَيْءٍ تُوقِدُونَه؟ "، قالُوا: على لَحْمٍ، قالَ: "على أيِّ لحم؟ "، قالُوا: على لَحْمِ الحُمُر الإِنْسِيَّةِ، فقالَ: "أهْرِيقُوها وَاكسِرُوها"، فقالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله أوَ نُهْرِيقُها وَنَغْسِلُها؟ فقالَ: "أوَ ذَاكَ". وفي لَفْظٍ: فقالَ: "اغْسِلوا") (١). [صحيح] ٤٤/ ٦٢ - (وَعَنْ أنسٍ قالَ: أصبَنْا مِن لَحْمِ الحُمُرِ يَعْنِي يَومَ خَيْبَرَ فنادَى مُنادِي رَسُولِ الله ﷺ : إنَّ الله وَرَسُولَهُ يَنْهيَانِكُمْ عَنْ لحُومِ الحُمُرِ فإِنَّها رِجْسٌ أوْ نجَسٌ" مُتَّفَقٌ عَليْهِما) (٢). [صحيح] وأخرجاه أيضًا من حديث علي (٣) بلفظ: "نهى عام خيبر عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية". وهو متفق عليه أيضًا من حديث جابر (٤)، وابن عمر (٥)، وابن

стр. 285

عباس (١)، والبراء (٢)، وأبي ثعلبة (٣)، وعبد الله بن أبي أوفى (٤). وأخرجه البخاري (٥) من حديث زاهر الأسلمي. والترمذي عن أبي هريرة (٦)، والعرباض بن سارية (٧). وأبو داود والنسائي عن خالد بن الوليد (٨). وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (٩). وأبو داود والبيهقي من حديث المقدام بن معدي كرب (١٠). ورواه

стр. 286

الدارمي (١) من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية". وفي الصحيحين (٢) من رواية الشعبي: "لا أدري أنهى عنها من أجل أنها كانت حَمولة الناس، أو حرِّمت". وفي البخاري (٣) عن عمرو بن دينار: قلتُ لجابر بن زيد: يَزعمونَ أن رسولَ اللهِ ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية قال: قد كان يقولُ ذلك الحكمُ. بن عمرو الغفاريُّ عندَنا بالبصرة ولكنْ أبى ذلكَ البحرُ، يعني ابن عباس. والحديثان استدل بهما على تحريم الحمر الأهلية وهو مذهب الجماهير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقال ابن عباس: ليست بحرام (٤). وعن مالك ثلاث روايات (٥). وسيأتي تفصيل ذلك وبسط الحجج في باب النهي عن الحمر الإِنسية من كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى (٦).

стр. 287

وقد أوردهما المصنف هنا للاستدلال بهما على نجاسة لحم الحيوان الذي لا يؤكل لأن الأمر بكسر الآنية أولًا، ثم الغسل ثانيًا، ثم قوله: (فإنها رجس أو نجس) ثالثًا يدل على النجاسة، ولكنه نص في الحمر الإِنسية وقياس في غيرها مما لا يؤكل بجامع عدم الأكل، ولا يجب التسبيع إذ أطلق الغسل ولم يقيده بمثل ما قيده في ولوغ الكلب. وقال أحمد (١) في أشهر الروايتين عنه أنه يجب التسبيع ولا أدري ما دليله، فإن كان القياس على لُعاب الكلب فلا يخفى ما فيه، وإن كان غيره فما هو؟ وقوله: الإِنسية بكسر الهمزة وفتحها مع سكون النون. والإِنسي: الإنس من كل شيء (٢).

стр. 288

ثالثًا: أبواب الأواني [الباب الأول] باب ما جاء في آنية الذهب والفضة ١/ ٦٣ - (عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُول: "لا تَلبَسوا الحرِيرَ، وَلا الدِّيباجَ، وَلا تَشْرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلا تأكلُوا في صِحافِها فإنَّها لَهُمْ في الدُّنْيا وَلكُمْ في الآخِرَةِ". مُتفَقٌ عَلِيْهِ (١). وَهُوَ لِبَقِيَّةِ الجماعَةِ إلَّا حُكْمَ الأكْلِ منه خاصَّةً). [صحيح] قال ابن منده: مجمع على صحته. قوله: (في صحافها) الصِحَاف جمع صَحْفَة وهي دون القَصْعَة. قال الجوهري (٢): قال الكسائي: "أعظمُ القِصَاعِ الجفنةُ، ثم القَصْعَةُ تليها تُشْبعُ العَشَرَةَ، ثمَّ الصَحْفَةُ تُشبع الخمسة، ثمَّ المِئكَلَةَ تُشبع الرَجُلين والثلاثة". والحديث يدل على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، أما الشرب فبالإِجماع، وأما الأكل فأجازه داود، والحديث يرد عليه ولعله لم يبلغه. قال النووي (٣): "قال أصحابنا: انعقد الإِجماع على تحريم الأكل والشرب وسائر الاستعمالات في إناء ذهب أو فضة إلا رواية عن داود في تحريم الشرب فقط ولعله لم يبلغه حديث تحريم الأكل، وقول قديم للشافعي والعراقيين فقال بالكراهة

стр. 289

دون التحريم، وقد رجع عنه". وتأوله أيضًا صاحب التقريب (١) ولم يحمله على ظاهره فثبتت صحة دعوى الإِجماع على ذلك. وقد نقل الإِجماع أيضًا ابن المنذر على تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة إلا عن معاوية بن قرة (٢). وقد أجيب من جهة القائلين بالكراهة عن الحديث بأنه للتزهيد بدليل "أنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" (٣)، ورد بحديث: "فإنما يُجَرْجِرُ في بطنِهِ نارَ جَهَنَّمَ" (٤)، وهو وعيد شديد ولا يكون إلا على محرم، ولا شك أن أحاديث الباب تدل على تحريم الأكل والشرب، وأما سائر الاستعمالات فلا والقياس على الأكل والشرب قياس مع فارق، فإن علة النهي عن الأكل والشرب هي التشبه بأهل الجنة حيث يطاف عليهم بآنية من فضة، وذلك مناط معتبر للشارع كما ثبت عنه لما رأى رجلًا متختِّمًا بخاتم من ذهب فقال: "ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة؟ "، أخرجه الثلاثة (٥) من حديث بريدة، وكذلك في الحرير وغيره وإلا لزم تحريم التحلي بالحلي والافتراش للحرير لأن ذلك استعمال، وقد جوَّزه البعض من القائلين بتحريم الاستعمال. وأما حكاية النووي للإِجماع على تحريم الاستعمال فلا [تتم] (٦) مع مخالفة

стр. 290

داود (١) والشافعي (٢) وبعض أصحابه، وقد اقتصر الإِمام المهدي في البحر (٣) على نسبة ذلك إلى أكثر الأمة، على أنه لا يخفى على المنصف ما في حجية الإِجماع من النزاع والإِشكالات التي لا مخلص عنها. والحاصل أن الأصل الحل فلا تثبت الحرمة إلا بدليل يسلمه الخصم، ولا دليل في المقام بهذه الصفة فالوقوف على ذلك الأصل المعتضد بالبراءة الأصلية هو وظيفة المنصف الذي لم يخبط بسوط هيبة الجمهور لا سيما وقد أيد هذا الأصل حديث: "ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبًا". أخرجه أحمد (٤) وأبو داود (٥). ويشهد له ما سلف أن أم سلمة جاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر رسول الله فخضخضت. الحديث في البخاري (٦) وقد سبق. وقد قيل: إن العلة في التحريم: الخيلاء أو كسر قلوب الفقراء، ويرد عليه جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة وغالبها أنفس وأكثر قيمة من الذهب

стр. 291

والفضة ولم يمنعها إلا من شذَّ. وقد نقل ابن الصباغ (١) في "الشامل" الإِجماع على الجواز، وتبعه الرافعي ومن بعده. وقيل: العلة: التشبه بالأعاجم وفي ذلك نظر لثبوت الوعيد لفاعله ومجرد التشبه لا يصل إلى ذلك، وأما اتخاذ الأواني بدون استعمال فذهب الجمهور إلى منعه، ورخصت فيه طائفة (٢). ٢/ ٦٤ - (وَعَنْ أمِّ سَلمَةَ ﵂ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "إنَّ الذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ". مُتَّفَقٌ عَليْهِ (٣). وَلِمُسلِمٍ (٤): "إن الذِي يَأكُلُ أوْ يَشْربُ في إناءِ الذَّهبِ وَالفضَّةِ). [صحيح] ٣/ ٦٥ - (وَعَنِ عائِشةَ ﵂ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ في الذِي يَشرَبُ في إناءِ فِضَّةٍ: "كأنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارًا". رَواهُ أحْمَدُ (٥) وَابْنُ ماجَهْ) (٦). [صحيح] حديث أم سلمة أخرجه أيضًا الطبراني (٧) وزاد: "إلا أن يتوب"، وقد تفرد

стр. 292

علي بن مُسْهِر (١) بزيادة إناء الذهب الثابتة عند مسلم (٢). وحديث عائشة رواه أيضًا الدارقطني في العلل (٣) من طريق شعبة والثوري عن سعد بن إبراهيم عن نافع عن امرأة ابن عمر سمَّاها الثوري: صفية. وأخرجه - أي حديث شعبة - أيضًا أبو عوانة في صحيحه (٤) بلفظ: "الذي يشرب في الفضة إنما يجرجر في جوفه نارًا"، وفيه اختلاف على نافع فقيل: عنه عن ابن عمر. أخرجه الطبراني في الصغير (٥)، وأعله أبو زرعة وأبو حاتم (٦). وقيل: عنه، عن أبي هريرة، ذكره الدارقطني في العلل (٧) أيضًا، وخطَّأه من رواية عبد العزيز بن أبي روّاد (٨) قال: والصحيح فيه: عن نافع عن زيد بن عبد الله بن عمر كما تقدم، يعني عن زيد [بن عبد الله] (٩) بن عمر عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أم سلمة. قال الحافظ (١٠): فرجع الحديث إلى حديث أم سلمة. قوله: (يجرجر) الجَرْجَرَةُ: صَبُّ الماءِ في الحَلْقِ كالتجرْجُرِ، والتجرجُرُ: أن تَجْرعَه جَرْعًا مُتَداركًا. جَرْجَرَ الشَّرابُ: صَوَّتَ، وجَرْجَرَهُ: سَقاهُ على تلك الصفةِ. قاله في القاموس (١١).

стр. 293

وقوله: (نار جهنم) يروى بالرفع وهو مجاز؛ لأن النار لا تجرجر على الحقيقة، ولكنه جعل صوت جرع الإِنسان للماء في هذه الأواني المخصوصة لوقوع النهي عنها واستحقاق العقاب عليها كجرجرة نار جهنم في بطنه على طريق المجاز. والأكثر الذي عليه شراح الحديث وأهل الغريب واللغة النصب. والمعنى كأنما تجرع نار جهنم. قال في الفتح (١): وقوله يجرجر بضم التحتانية وفتح الجيم وسكون الراء ثم جيم مكسورة وهو صوت يردده البعير في حنجرته إذا هاج. ثم حكى الخلاف في ضبط هذه اللفظة في كتاب الأشربة. والحديث قد تقدم الكلام عليه. ٤/ ٦٦ - (وَعَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: نَهانا رَسُولُ الله ﷺ عن الشُّرْبِ في الفِضَّةِ فإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ فيها في الدُّنْيا لَمْ يَشْرَبْ فيها في الآخِرَةِ. مُخْتَصَرٌ مِنْ مُسْلِمٍ. الحديث قَدْ تقَدَّمَ الكلامُ عَليْهِ) (٢). [صحيح] [الباب الثاني] باب النهي عن التضبيب بهما إلا بيسير الفضة ٥/ ٦٧ - (عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ شَرِبَ في إناءٍ ذَهَبٍ أوْ فضَّةٍ أوْ إناءٍ فيهِ شَيءٌ مَنْ ذلِكَ فإِنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جهَنَّمَ" رَواهُ الدّارَقُطني) (٣). [صحيح لغيره] الحديث أخرجه أيضًا البيهقي (٤) كلاهما من طريق يحيى بن محمد الجاري عن زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن ابن عمر بهذا اللفظ. وزاد البيهقي (٥) في رواية له عن جده وقال: إنها وهم. وقال الحاكم في علوم

стр. 294

الحديث (١): لم نكتب هذه اللفظة: "أو إناء فيه شيء من ذلك" إلا بهذا الإِسناد. وقال البيهقي (٢): المشهور عن ابن عمر في المضبَّب موقوفًا عليه؛ ثم أخرجه (٣) بسند له على شرط الصحيح أنه كان لا يشرب في قَدَح فيه حلقةُ (٤) فضة ولا ضبَّة فضة؛ ثم روى (٥) النهي في ذلك عن عائشة وأنس. وفي حرف الباء الموحدة من الأوسط للطبراني (٦) من حديث أم عطية: "نهانا رسول الله ﷺ عن لبس الذهب وتفضيض الأقداح". قال: تفرد به عمر بن يحيى بن معاوية بن عبد الكريم ويحيى بن محمد الجاري راوي تلك الزيادة، قال البخاري (٧): يتكلمون فيه. وقال ابن عدي (٨): هذا حديث منكر، كذا في الميزان (٩). وفي الكاشف (١٠): ليس بالقوي. وفي الميزان (١١) أيضًا: راويه يحيى عن زكريا بن إبراهيم، وليس بالمشهور. [و] (١٢) الحديث استدل به من قال بتحريم الأكل والشرب في الآنية المذهَّبة

стр. 295

والمفضَّضة. وقال أبو حنيفة (١): يجوز إذا وضع الشارب فمه على غير محل الذهب والفضة. واستدل له بما سيأتي. وأجيب عن حديث الباب بما سلف من المقال فيه. ٦/ ٦٨ - (وَعَنْ أنَسٍ أن قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكسَرَ فاتَّخَذَ مَكانَ الشَّعْبِ سَلْسَلةً مَنْ فضَّةٍ. رَواهُ البُخاريُّ (٢)، ولأحْمَدَ (٣) عَنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ: قَالَ: رَأيْتُ عِنْدَ أنَسٍ قَدَحَ النَّبيِّ ﷺ فيهِ ضَبَّةُ فِضَّةٍ). [صحيح] وفي لفظ للبخاري (٤) من حديث عاصم الأحول رأيتُ قدحَ رسولِ اللهِ ﷺ عند أنس بن مالك وكان انصدع فَسَلْسَلَهُ بفضة. وحكى البيهقي (٥) عن موسى بن هرون أو غيره أن الذي جعل السلسلة هو أنس لأن لفظه: "فجعلت مكان الشعب سلسلة" وجزم بذلك ابن الصلاح (٦). قال الحافظ (٧): وفيه نظر لأن في الخبر عند البخاري عن عاصم قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة فقال له أبو طلحة: لا تغير شيئًا صنعه رسول الله ﷺ فهذا يدل على أنه لم يغير شيئًا. الحديث يدل على جواز اتخاذ سلسلة أو ضبَّة من فضة في إناء الطعام والشراب، وهو حجة لأبي حنيفة، والحديث السابق الذي فيه: "أو إناء فيه شيء من ذلك" على فرض صحته لا يعارض هذا لأن (شيئًا) عام وهذا مخصص له، وكذلك حديث النهي عن تفضيض الأقداح السابق (٨) مخصص بهذا فلا تعارض. قوله: (الشَّعْبِ) هو الصَّدْع والشَّقِّ (٩).

стр. 296

وقوله: (سلسلة)، السلسلة: بفتح [السين] (١) المراد بها إيصال الشيء بالشيء (٢). [الباب الثالث] باب الرخصة في آنية الصفر ونحوها ٧/ ٦٩ - (عَنْ عَبدِ الله بْنِ زَيدٍ قالَ: أتانا رَسُولُ الله ﷺ فَأخْرَجْنا لَهُ ماءً في تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأ. رَوَاهُ البُخارِي (٣) وَأَبو دَاوُد (٤) وابْنُ ماجَهْ) (٥). [صحيح] ٨/ ٧٠ - (وَعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أن رَسُولَ الله ﷺ كانَ يَتَوَضَّأُ في مِخْضَبٍ مِنْ صُفْرٍ، رَوَاه أحْمَدُ) (٦). [صحيح] قوله: (في تَوْر) (٧) التَوْر بفتح المثناة الفوقية يشبه الطشت، وقيل: هو الطشت. والطشت (٨) بفتح الطاءِ وكسرها وبإسقاط التاء لغات.

стр. 297

قوله: (من صفر) (١) الصفر بصاد مهملة مضمومة نوع من النحاس. قوله: (في مِخْضَب) (٢) المِخْضَب بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الضاد المعجمة بعدها موحدة، المشهور أنه الإِناء الذي يغسل فيه الثياب من أي جنس كان، وقد يطلق على الإِناء صغر أو كبر. والحديث ساقه المصنف للاستدلال به على جواز استعمال آنية الصفر للوضوء وغيره وهو كذلك. وله فوائد محلها الوضوء. [الباب الرابع] باب استحباب تخمير الأواني ٩/ ٧١ - (عَنْ جابِرِ بْنِ عَبدِ الله في حَديث لهُ، أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "أوْكِ سِقاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ الله، وَخَمِّرْ إناءَكَ وَاذْكُر اسْمَ الله، وَلَوْ أنْ تَعْرِضَ عَليْهِ عودًا" مُتَّفَقٌ عَليْهِ (٣)، وَلِمُسْلِمٍ (٤): أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "غَطُّوا الإِناءَ، وَأوْكُوا السِّقاءَ، فإنّ في السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيها وَباءٌ لا يَمُرُّ بِإِناءٍ ليْسَ عَليهِ غطاءٌ، أو سِقاءٍ ليْسَ عَليْهِ وِكاءٌ، إلَّا نَزَلَ فيهِ مِنْ ذلِكَ الْوَبَاءِ" [صحيح] الحديث أيضًا أخرجه أبو داود (٥) والترمذي (٦) والنسائي (٧). ولفظ أبي داود: "أَغْلِقْ بَابَكَ واذكر اسم الله، فإنَّ الشيطان لا يفتح بابًا مُغْلَقًا، واطفِ مصباحَكَ واذكر اسم الله، وخَمِّرْ إِناءك ولو بعودٍ تعرضه عليه واذكر اسم الله، وأَوْكِ سقاءك واذكر اسم الله".

стр. 298

وله (١) في أخرى من حديث جابر: "فإنَّ الشيطان لا يفتح غَلَقًا ولا يَحُل وِكاءً، ولا يكشف إناءً، وإن الفُوَيْسِقَةَ تُضْرِم على الناس بيتهم أو بيوتهم". وأخرجها أيضًا مسلم (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤). وفي رواية (٥) له أيضًا عن جابر قال: "كنا مع النبي ﷺ فاستسقى، فقال رجل من القوم: ألا نسقيك نبيذًا؟ قال: بلى فخرج الرجل يشتد فجاء بقدح فيه نبيذ، فقال رسول الله ﷺ : " ألا خمرته ولو أن تعرض عليه عودًا". وأخرجها أيضًا مسلم (٦). قوله: (أوك سقاءك) الوكاء (٧): ككساء، رباط القربة، وقد وكأها وأوكأها: أي ربطها. قوله: (وخمِّر إناءك) التَّخْمير (٨): التَّغْطِية. قوله: (ولو أن تعرض عليه عودًا، أي تضعه على العرض وهو الجانب من الإِناء، من عرض العود على الإِناء والسيف على الفخذ يعرِضه ويعرُضه فيهما). قوله: (وباء) الوباء: محركة، الطاعون أو كل مرض عام. قاله في القاموس (٩). والحديث يدل على مشروعية التبرك بذكر اسم الله عند إيكاء السقاء وتخمير الإِناء وكذلك عند تغليق الباب وإطفاء المصباح، كما في الروايات التي ذكرناها. وقد أشعر التعليل بقوله: (فإن الشيطان … ) إلى آخره أن في التسمية

стр. 299

حرزًا عن الشيطان وأنها تحول بينه وبين مراده. والتعليل بقوله: "فإن في السنة ليلة" كما في رواية مسلم (١) يشعر بأن شرعية التخمير للوقاية عن الوباء، وكذلك الإِيكاء وقد تكلف بعضهم لتعيين هذه الليلة ولا دليلَ له على ذلك. [الباب الخامس] باب آنية الكفار ١٠/ ٧٢ - (عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: كُنا نَغْزُوا معَ رَسُولِ الله ﷺ فنُصِيبُ منْ آنِيَةِ المُشْرِكِينَ وَأَسْقِيَتِهمْ فَنَسْتَمْتِعُ بِها وَلا يَعيبُ ذلِكَ عليهِمْ. رَواه أحْمَدُ (٢) وأبُو دَاودَ (٣). [صحيح] ١١/ ٧٣ - (وعَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ قالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ الله إنّا بِأرضِ قوْمٍ أهْلِ كِتابٍ أفَنأكُلُ في آنِيَتِهِمْ؟ قالَ: "إنْ وَجَدْتُمْ غيرَها فَلا تأْكلوا فِيها، وَإِنْ لمْ تجدُوا فاغْسِلُوها وَكلوا فِيها". مُتَّفَقٌ علَيْهِ (٤). [صحيح] وَلأحْمَدَ (٥) وَأَبي دَاوُدَ (٦): إنّ أرْضَنا أرْضُ أهْلِ الكِتابِ وإنَّهمْ يَأْكُلونَ لَحْمَ الخِنْزِيرِ ويَشرَبُونَ الخَمْرَ فكيْفَ نَصْنَعُ بِآنِيَتِهِمْ وَقُدُورِهِمْ؟ قالَ: "إنْ لمْ تجدُوا غَيرَها فارْحَضُوها بِالماءِ وَاطْبُخُوا فيها وَاشْرَبُوا". [صحيح]

стр. 300

وللتِّرْمِذِي (١) قالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنْ قُدُورِ المجُوسِ، فقال: "أنقُوها غَسلًا وَاطْبُخُوا فِيها" [صحيح] حديث جابر أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢) بمعناه، واستدل به من قال بطهارة الكافر وهو مذهب الجماهير من السلف والخلف، كما قاله النووي (٣) لأن تقرير المسلمين على الاستمتاع بآنية الكفار مع كونها مظنة لملابستهم ومحلًا للمنفصل من رطوبتهم مؤذن بالطهارة، وحديث أبي ثعلبة استدل به من قال بنجاسة الكافر وهو مذهب الهادي والقاسم والناصر ومالك (٤)، وقد نسبه القرطبي في شرح مسلم (٥) إلى الشافعي، قال في الفتح (٦): وقد أغرب. ووجه الدلالة أنه لم يأذن بالأكل فيها إلا بعد غسلها. ورد بأن الغسل لو كان لأجل النجاسة لم يجعله مشروطًا بعدم الوجدان لغيرها إذ الإِناء المتنجس لا فرق بينه وبين ما لم يتنجس بعد إزالة النجاسة، فليس ذلك إلا للاستقذار. ورد أيضًا بأن الغسل إنما هو لتلوثها بالخمر ولحم الخنزير كما ثبت في رواية أبي ثعلبة عند أحمد (٧) وأبي داود (٨) أنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر، وبما ذكره في البحر (٩) من أنها لو حرمت رطوبتهم لاستفاض نقل توقيهم، لقلة المسلمين حينئذ وأكثر مستعملاتهم لا يخلو منها ملبوسًا ومطعومًا، والعادة في مثل ذلك تقتضي الاستفاضة. انتهى. وأيضا قد أذن الله بأكل طعامهم وصرح بحِلِّه (١٠) وهو لا يخلو

стр. 301

من رطوباتهم في الغالب، وقد استدل من قال بالنجاسة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١). وقد استوفينا البحث في هذه المسألة وصرَّحنا بما هو الحق في باب طهارة الماء المتوضأ به، وهو الباب الثاني من أبواب الكتاب (٢) فراجعه. ١٢/ ٧٤ - (وعَن أنَسٍ أن يَهُودِيًا دَعا النَّبيَّ ﷺ إلى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإهالَة سنْخَةٍ فأجابَهُ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) [شاذ]. والإِهالَة (٤) الوَدَكُ: وَالسَّنْخَةُ (٥) الزَّنْخَةُ المُتغَيِّرَةُ. وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبيِّ ﷺ الوُضُوءُ مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ (٦). [صحيح] وَعَنْ عُمَرَ: الوُضُوءُ مِنْ جرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ) (٧) [أثر عمر صحيح]. [الكلام على فقه الحديثين قد سبق] (٨)، قال في النهاية (٩) في حرف السين: السنخة: المتغيرة الريح، ويقال بالزاي، وقال في حرف الزاي: إن رجلًا دعا

стр. 302

النبي ﷺ فقدم إليه إهالة زَنِخَة فيها عرقٌ أي متغيرَة الرائحة، ويقال سنخة بالسين انتهى. (١) قال المصنف (٢) رحمه الله تعالى: وقد ذهب بعض أهل العلم إلى المنع من استعمال آنية الكفار حتى تغسل إذا كانوا ممن لا تباح ذبيحته وكذلك من كان من النصارى بموضع متظاهرًا فيه بأكل لحم الخنزير متمكنًا فيه أو يذبح بالسِّن والظُّفر ونحو ذلك، وأنه لا بأس بآنية من سواهم جمعًا بذلك بين الأحاديث. واستحب بعضهم غسل الكل لحديث الحسن بن علي قال: حفظت من رسول الله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" رواه أحمد (٣) والنسائي (٤) والترمذي (٥) وصححه اهـ. وصححه أيضًا ابن حبان (٦) والحاكم (٧).

стр. 303

[رابعًا]: أبواب أحكام التخلي [الباب الأول] باب ما يقول المتخلي عند دخوله وخروجه ١/ ٧٥ - (عَنْ أنسِ بْنِ مالِكٍ ﵁ قالَ: كانَ [رَسُولُ الله] (١) ﷺ إذا دَخَلَ الخَلأَ قالَ: "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ الخُبُثِ وَالخَبائِثِ". روَاهُ الجمَاعةُ (٢). [صحيح] وَلِسَعِيدِ بْن مَنْصُورٍ (٣) في سُنَنِهِ كانَ يَقُولُ: "بِسْمِ الله اللهمّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخبائِثِ"). قوله: (إذا دخل الخلاء) قال في الفتح (٤): أي كان يقول هذا الذكر عند إرادة الدخول لا بعده، وقد صرّح بهذا البخاري في الأدب المفرد (٥)، قال: حدثنا أبو النعمان حدثنا سعيد بن زيد حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: حدثني

стр. 304

أنس، قال: (كان النبي ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء قال:) فذكر مثل حديث الباب، وهذا في الأمكنة المعَدَّة لذلك، وأما في غيرها فيقوله في أول الشروع عند تشمير الثياب، وهذا مذهب الجمهور. قوله: (الخُبُث) بضم المعجمة والموحدة كذا في الرواية، وقال الخطَّابي (١): إنه لا يجوز غيره، وتُعُقِّبَ بأنه يجوز إسكان الباء الموحدة كما في نظائره مما جاء على هذا الوجه ككُتُب وكُتْب، قاله في الفتح (٢). قال النووي (٣): وقد صرَّح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة منهم أبو عبيدة (٤) إلا أن يقال إن ترك التخفيف أولى لئلا يشتبه بالمصدر. والخبث: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة. قال الخطابي (٥) وابن حبان (٦) وغيرهما: يريد ذُكران الشياطين وإناثهم. قال في الفتح (٧): قال البخاري: ويقال: الخبث أي بإسكان الباء، فإن كانت مخففة عن المحركة فقد تقدم توجيهه، وإن كانت بمعنى المفرد فمعناه كما قال ابن الأعرابي (٨): المكروه. قال: فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار، وعلى هذا فالمراد بالخبائث: المعاصي أو مطلق الأفعال المذمومة ليحصل التناسب. قال (٩): وقد روى المعمري هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر، قال: "إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث"، وإسناده على شرط مسلم وفيه زيادة التسمية ولم أرها في غير هذه الرواية اهـ.

стр. 305

وهذه الرواية تشهد لما في حديث الباب من رواية سعيد بن منصور. ٢/ ٧٦ - (وعَنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا خَرَجَ مِنَ الخَلاء قال: "غُفْرَانَكَ" رَواهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائِيّ) (١). [صحيح] الحديث صحَّحه الحاكم (٢) وأبو حاتم، قال في البدر المنير (٣): ورواه الدارمي (٤) وصححه ابن خزيمة (٥) وابن حبان (٦)، وقوله: "غُفْرَانَكَ" إما مفعول به منصوب بفعل مقدر: أي أسألك غفرانك أو أطلب، أو مفعول مطلق: أي اغفر غفرانك. قيل: إنه استغفر لتركه الذكر في تلك الحالة لما ثبت أنه كان يذكر الله على كل أحواله إلا في حال قضاء الحاجة، فجعل ترك الذكر في هذه الحالة تقصيرًا وذنبًا يستغفر منه، وقيل: استغفر لتقصيره في شكر نعمة الله عليه بإقداره على إخراج ذلك الخارج وهو المناسب للحديث الآتي في الحمد. ٣/ ٧٧ - (وَعَنْ أنَس ﵁ قالَ: كان النَّبيُّ ﷺ إذا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ قالَ: "الحمدُ لله الَّذِي أذهَبَ عَني الأذَى وَعافانِي" رَوَاهُ ابنُ ماجهْ) (٧). [ضعيف]

стр. 306

الحديث رواه ابن ماجه عن هرون بن إسحق، حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن وقتادة عن أنس، فهرون بن إسحق وثقه النسائي (١) وقال في التقريب (٢): صدوق، وعبد الرحمن المحاربي - هو ابن محمد - وثقه ابن معين والنسائي (٣)، وقال في التقريب (٤) لا بأسَ به وكان يُدَلِّسُ، قاله أحمد. وإسماعيل بن مسلم إن كان العبدي فقد وثَّقه أبو حاتم (٥)، وإن كان البصري (٦) فهو ضعيف، وكلاهما يروي عن الحسن. وقد رواه أيضًا النسائي (٧) وابن السني (٨) عن أبي ذر، ورمز السيوطي لصحته (٩).

стр. 307

وفي حمده ﷺ إشعار بأن هذه نعمة جليلة ومنَّة جزيلة، فإن انحباس ذلك الخارج من أسباب الهلاك؛ فخروجه من النعم التي لا تتم الصحة بدونها، وحق على من أكل ما يشتهيه من طيبات الأطعمة، فسَدَّ به جوعته، وحفظ به صحته وقوته، ثم لما قضى منه وطره ولم يبق فيه نفع واستحال إلى تلك الصفة الخبيثة المنتنة خرج بسهولة من مخرج معدّ لذلك أن يستكثر في محامد الله ﷻ ، اللهم أوزعنا شكر نعمتك. [الباب الثاني] باب ترك استصحاب ما فيه ذكر الله ٤/ ٧٨ - (عَنْ أنَس قالَ: كانَ النَّبي ﷺ إذا دَخَلَ الخَلاء نزَعَ خاتَمَهُ. رَواهُ الخمسةُ إلَّا أحْمَدَ (١) وَصَحَّحَه التِّرْمِذِي [منكر]. وَقَدْ صَحَّ أن نَقْشَ خاتَمِهِ كانَ: مُحمَّدٌ رَسُولُ الله) (٢). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا ابن حبان (٣) والحاكم (٤). قال النسائي (٥): هذا حديث غير محفوظ. وقال أبو داود (٦): منكر. وذكر الدارقطني (٥) الاختلاف فيه، وأشار إلى شذوذه. وأما الترمذي فصححه (٧). قال النووي: هذا مردود عليه، ذكره في الخلاصة (٨). وقال المنذري (٩): الصواب عندي

стр. 308

تصحيحه فإن رواته ثقات أثبات، وتبعه أبو الفتح القُشيري (١) في آخر الاقتراح (٢). وعلته أنه من رواته همام عن ابن جريج، وابن جريج لم يسمع من الزهري، وإنما رواه عن زياد بن سعد عن الزهري بلفظ آخر، وقد رواه مع همام مرفوعًا يحيى بن الضريس البجلي ويحيى بن المتوكل، أخرجهما الحاكم (٣) والدارقطني (٤). وقد رواه [عمرو] (٥) بن عاصم وهو من الثقات عن همام موقوفًا على أنس، وأخرج له البيهقي (٦) شاهدًا وأشار إلى ضعفه، ورجاله ثقات. ورواه الحاكم (٧) أيضًا، ولفظه: "أن الرسول ﷺ لبس خاتمًا نقشه محمد رسول الله، فكان إذا دخل الخلاء وضعه". وله شاهد من حديث ابن عباس رواه الجوزقاني (٨) في الأحاديث الضعيفة. وينظر في سنده فإن رجاله ثقات إلا محمد بن إبراهيم الرازي فإنه متروك، قاله الحافظ (٩).

стр. 309

قوله: (وقد صح أن نقش خاتمه) أخرجه البيهقي (١) والحاكم (٢). قال الحافظ (٣): "ووهم النووي والمنذري في كلاميْهما على المهذب فقالا: هذا من كلام المصنف لا [من] (٤) الحديث، ولكنه صحيح من طريق أخرى (٥) في أن نقش الخاتم كان كذلك". والحديث يدل على تنزيه ما فيه ذكر الله تعالى عن إدخاله الحشوش (٦)، والقرآن بالأولى حتى قال بعضهم: يحرم إدخال المصحف الخلاء لغير ضرورة، وقد خالف في ذلك المنصور بالله فقال: لا يندب نزع الخاتم الذي فيه ذكر الله لتأديته إلى ضياعه وقد نهى عن إضاعة المال والحديث يرده (٧). [الباب الثالث] باب كف المتخلي عن الكلام ٥/ ٧٩ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أن رَجُلًا مَرَّ ورَسُولُ الله ﷺ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلْيهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلْيهِ. رَواهُ الجماعةُ إلا البُخارِيَّ) (٨). [صحيح] الحديث زاد فيه أبو داود (٩) من طريق ابن عمر وغيره: أن النبي ﷺ تيمم ثم
следующие страницы →