← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 2580–2619 · переход к 2585.

стр. 2580

قوله: (يأمر المنادي) في رواية للبخاري (١) ومسلم (٢): "يأمر المؤذن"، وفي رواية للبخاري (٣): "يأمر مؤذنًا". قوله: (ينادي صلوا في رحالكم)، في رواية للبخاري (٤): "ثم يقول على أثره" يعني أثر الأذان: "ألا صلوا في الرحال"، وهو صريح في أن القول المذكور كان بعد فراغ الأذان. وفي رواية لمسلم (٥) بلفظ: "في آخر ندائه". قال القرطبي (٦): يحتمل أن يكون المراد في آخره قبل الفراغ منه، جمعًا بينه وبين حديث ابن عباس (٧) المذكور في الباب. وحمل ابن خزيمة حديث ابن عباس على ظاهره وقال: إنه يقال ذلك بدلًا من الحيعلة نظرًا إلى المعنى؛ لأن معنى حيّ على الصلاة: هلموا إليها، ومعنى الصلاة في الرحال: تأخروا عن المجيء فلا يناسب إيراد اللفظين معًا لأن أحدهما نقيض الآخر. قال الحافظ (٨): ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذكره بأن يكون معنى الصلاة في الرحال رخصة لمن أراد أن يترخص. ومعنى هلموا إلى الصلاة: ندب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة ولو تحمل المشقة. ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم (٩) قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فمطرنا، فقال: "ليصلّ من شاء منكم في رحله". قوله: (في رحالكم) قال أهل اللغة: الرحل (١٠): المنزل وجمعه رحال،

стр. 2581

سواء كان من حجر أو مدر أو خشب أو وبر أو صوف أو شعر أو غير ذلك. قوله: (في الليلة الباردة وفي الليلة المطيرة) في رواية للبخاري (١): "في الليلة الباردة أو المطيرة". وفي أخرى له (٢): "إذا كانت ليلة ذات برد ومطر". وفي صحيح أبي عوانة (٣): "ليلة باردة أو ذات مطر أو ذات ريح"، وفيه أن كل من الثلاثة عذر في التأخر عن الجماعة. ونقل ابن بطال (٤) فيه الإجماع. لكن المعروف عند الشافعية (٥) أن الريح عذر في الليل فقط. وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل. وفي السنن (٦) من طريق أبي إسحاق عن نافع في هذا الحديث: "في الليلة المطيرة والغداة القَرَّة". وفيها (٧) بإسناد صحيح من حديث أبي المليح عن أبيه: "أنهم مطروا يومًا فرخص لهم". وكذلك في حديث ابن عباس المذكور في الباب (٨): "في يوم مطير". قال الحافظ (٩): ولم أر في شيء من الأحاديث الترخيص بعذر الريح في النهار صريحًا. قوله: (ليصلّ من شاء منكم في رحله) فيه التصريح بأن الصلاة في الرحال لعذر المطر ونحوه رخصة وليست بعزيمة.

стр. 2582

قوله: (في يوم مطير) وفي رواية للبخاري (١): "في يوم رَزْغ" بفتح الراء وسكون الزاي بعدها غين معجمة. قال في المحكم (٢): الرزغ: الماء القليل، وقيل: إنه طين ووحل. وفي رواية له (٣) ولابن السكين: "في يوم ردغ" بالدال بدل الزاي. قوله: (إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل حيّ على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم)، في رواية للبخاري (٤): "فلما بلغ المؤذّن حيّ على الصلاة، فأمره أن ينادي: الصلاة في الرحال". وفيه دليل على أن المؤذّن في يوم المطر ونحوه من الأعذار لا يقول حيّ على الصلاة، بل يجعل مكانها: صلوا في بيوتكم. وبوّب على حديث ابن عباس هذا ابن خزيمة (٥)، وتبعه ابن حبان (٦) ثم المحبّ الطبري باب حذف حيّ على الصلاة. قوله: (إن الجمعة عزمة) بسكون الزاي ضدّ الرخصة (٧). قوله: (أن أحرجكم) بالحاء المهملة ثم راء ثم جيم. وفي رواية (٨): "أن أخرجكم" بالخاء المعجمة. وفي رواية البخاري (٩): "أَنْ أؤثمكم"، وهي ترجح رواية من روى بالحاء المهملة. قوله: (فتمشوا) في رواية (١٠): "فتجيئون فتدوسون الطين إلى ركبكم". والأحاديث المذكورة تدلّ على الترخيص في الخروج إلى الجماعة والجمعة عند حصول المطر وشدّة البرد والريح. ٤٦/ ١٠٧٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ النبِيُّ ﷺ : "إذَا كانَ أحَدُكُمْ على الطعامِ فَلا يَعْجَلْ حتَّى يَقْضِيَ حاجَتَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ"، رَوَاهُ البُخارِيُّ (١١). [صحيح]

стр. 2583

٤٧/ ١٠٧٥ - وَعَنْ عائِشَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لا صَلاةَ بِحَضْرَةِ طَعامٍ، وَلا وَهُوَ يُدَافِعُ الأخْبَثَيْنِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وأبُو دَاوُدَ (٣). [صحيح]. ٤٨/ ١٠٧٦ - وَعَنْ أبي الدَّرْدَاءِ قالَ: مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ إقْبَالُهُ على حاجَتِه حتَّى يُقْبِلَ على صَلاتِهِ وَقَلْبُهُ فارغٌ. ذَكَرَهُ البُخارِيُّ فِي صَحِيحِهِ (٤). وفي الباب عن أنس عند الشيخين (٥) والترمذي (٦) والنسائي (٧). وعن سلمة بن الأكوع عند أحمد (٨)، والطبراني في معجميه (٩)، وفي إسناده أيوب بن عتبة قاضي اليمامة ضعَّفه الجمهور (١٠). وعن أمّ سلمة عند أحمد (١١) وأبي يعلى (١٢) والطبراني في الكبير (١٣)، وإسناده جيد.

стр. 2584

وعن ابن عباس عند الطبراني في الكبير (١) أيضًا وإسناده حسن. وعن أبي هريرة عند الطبراني في الصغير (٢) والأوسط (٣). وقد تقدم الكلام على الصلاة بحضرة الطعام، وذكر من ذهب إلى وجوب تقديم الأكل على الصلاة ومن قال إنه مندوب فقط، ومن قيد ذلك بالحاجة ومن لم يقيد، وما هو الحقّ في باب تقديم العشاء (٤) إذا حضر على تعجيل صلاة المغرب من أبواب الأوقات فليرجع إلى هنالك (٥). * * * تم ولله الحمد والمنّة الجزء الخامس من نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار ويليه الجزء السادس منه وأوله: [خامس عشر]: أبواب الإمامة وصفة الأئمة.

стр. 2585

تابع الكتاب الثاني: الصلاة خامس عشر: أبواب الإمامة وصفة الأئمة. سادس عشر: أبواب موقف الإمام والمأموم، وأحكام الصفوف. سابع عشر: أبواب صلاة المريض. ثامن عشر: أبواب صلاة المسافر. تاسع عشر: أبواب الجمع بين الصلاتين. عشرون: أبواب الجمعة.

стр. 2586

تابع الكتاب الثاني: الصلاة خامس عشر: أبواب الإمامة وصفة الأئمة. الباب الأول: باب من أحق بالإمامة. الباب الثاني: باب إمامة الأعمى والعبد والمولى. الباب الثالث: باب ما جاء في إمامة الفاسق. الباب الرابع: باب ما جاء في إمامة الصبي. الباب الخامس: باب اقتداء المقيم بالمسافر. الباب السادس: باب هل يقتدي المفترض بالمتنفل أم لا؟. الباب السابع: باب اقتداء الجالس بالقائم. الباب الثامن: باب اقتداء القادر على القيام بالجالس وأنَّه يجلس معه. الباب التاسع: باب اقتداء المتوضئ بالمتيمم. الباب العاشر: باب من اقتدى بمن أخطأ بترك شرط أو فرض ولم يعلم. الباب الحادي عشر: باب حكم الإمام إذا ذكر أنه محدث أو خرج لحدث سبقه أو غير ذلك. الباب الثاني عشر: باب من أمَّ قومًا يكرهونه. سادس عشر: أبواب موقف الإمام والمأموم وأحكام الصفوف. الباب الأول: باب وقوف الواحد عن يمين الإمام والاثنين فصاعدًا خلفه. الباب الثاني: باب وقوف الإمام تلقاء وسط الصف، وقرب أولي الأحلام والنُّهى منه.

стр. 2587

الباب الثالث: باب موقف الصبيان والنساء من الرجال. الباب الرابع: باب ما جاء في صلاة الرجل فذًّا، ومن ركع أو أحرم دون الصف ثم دخله. الباب الخامس: باب الحث على تسوية الصفوف ورصِّها وسد خللها. الباب السادس: باب هل يأخذ القوم مصافَّهم قبل الإمام أم لا؟ الباب السابع: باب كراهة الصف بين السواري للمأموم. الباب الثامن: باب وقوف الإمام أعلى من المأموم وبالعكس. الباب التاسع: باب ما جاء من الحائل بين الإمام والمأموم. الباب العاشر: باب ما جاء فيمن يلازم بقعة بعينها من المسجد. الباب الحادي عشر: باب استحباب التطوع في غير موضع المكتوبة. سابع عشر: أبواب صلاة المريض. الباب الأول: باب صلاة المريض على قدر استطاعته. الباب الثاني: باب الصلاة في السفينة. ثامن عشر: أبواب صلاة المسافر. الباب الأول: باب اختيار القصر وجواز التمام. الباب الثاني: باب الرد على من قال إذا خرج نهارًا لم يقصر إلى الليل. الباب الثالث: باب أن من دخل بلدًا فنوى الإقامة فيه أربعًا يقصر. الباب الرابع: باب من أقام لقضاء حاجته ولم يجمع. الباب الخامس: باب من اجتاز في بلد فتزوج فيه أَوْ لَه فيه زوجة فليتم. تاسع عشر: أبواب الجمع بين الصلاتين. الباب الأول: باب جوازه في السفر في وقت إحداهما. الباب الثاني: باب جمع المقيم لمطر أو غيره. الباب الثالث: باب الجمع بأذان وإقامتين من غير تطوع بينهما.

стр. 2588

عشرون: أبواب الجمعة. الباب الأول: باب التغليظ في تركها. الباب الثاني: باب من تجب عليه ومن لا تجب. الباب الثالث: باب انعقاد الجمعة بأربعين وإقامتها في القرى. الباب الرابع: باب التنظيف والتجمل للجمعة، وقصدها بسكينة والتبكير، والدنو من الإمام. الباب الخامس: باب فضل يوم الجمعة وذكر ساعة الإجابة وفضل الصلاة على رسول الله ﷺ فيه. الباب السادس: باب الرجل أحق بمجلسه، وآداب الجلوس، والنهي عن التخطي إلَّا لحاجة. الباب السابع: باب التنفل قبل الجمعة ما لم يخرج الإمام. وأن انقطاعه بخروجه إلَّا تحية المسجد. الباب الثامن: باب ما جاء في التجميع قبل الزوال وبعده. الباب التاسع: باب تسليم الإمام إذا رقى المنبر، والتأذين إذا جلس عليه واستقبال المأمومين له. الباب العاشر: باب اشتمال الخطبة على حمد الله، والثناء على رسوله ﷺ ، والموعظة، والقراءة. الباب الحادي عشر: باب هيئات الخطبتين وآدابهما. الباب الثاني عشر: باب المنع من الكلام والإمام يخطب والرخصة في تكلمه وتكليمه لمصلحة، وفي الكلام قبل أخذه في الخطبة وبعد إتمامها. الباب الثالث عشر: باب ما يقرأ به في صلاة الجمعة وفي صبح يومها. الباب الرابع عشر: باب انفضاض العدد في أثناء الصلاة أو الخطبة. الباب الخامس عشر: باب الصلاة بعد الجمعة. الباب السادس عشر: باب ما جاء في اجتماع العيد والجمعة.

стр. 2589

[خامس عشر] أبواب الإِمامة وصفة الأئمة [الباب الأول] باب من أحق بالإِمامة ١/ ١٠٧٧ - (عَنْ أَبي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إذا كانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وأَحَقُّهُم بالإمامَةِ أَقْرَؤهُمْ"، رَواهُ أَحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَالنَّسائيُّ) (٣). [صحيح] ٢/ ١٠٧٨ - (وَعَنْ أبي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرو قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَؤمُّ القَوْمَ أَقْرَؤهُمْ لِكتابِ الله، فإنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً فأعْلَمُهُمْ بالسُّنَّة، فإنْ كَانُوا فِي السُّنَّة سَوَاءً فأقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فإنْ كَانُوا في الهِجْرَةِ سَواءً فأقْدَمُهُمْ سِنًّا، وَلا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِهِ ولَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ على تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإذْنِهِ". وَفِي لَفْظٍ: "لا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في أهْلِهِ وَلا سُلْطانِهِ". وفِي لَفْظٍ: "سلْمًا" بَدَلَ "سِنًا". رَوَى الجَميعَ أَحْمَدُ (٤) وَمُسْلِمٌ (٥). [صحيح]

стр. 2590

وَرَوَاه سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ (١) لَكِنْ قَالَ فِيهِ: "لا يَؤمُّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطانِهِ إِلَّا بإذْنِهِ، وَلَا يَقْعُدْ على تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ إلَّا بإذِنِهِ"). قوله: (إذا كانوا ثلاثة) مفهوم العدد (٢) هنا غير معتبر لما سيأتي في حديث مالك بن الحويرث. قوله: (وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)، وقوله في الحديث الآخر: "يؤمّ القوم أقرؤهم"، فيه حجة لمن قال: يقدّم في الإِمامة الأقرأ على الأفقه. وإليه مذهب [الأحناف] (٣) بن قيس (٤)، وابن سيرين (٥)،

стр. 2591

والثوري (١)، وأبو حنيفة (٢)، وأحمد (٣) وبعض أصحابهما. وقال الشافعي (٤) ومالك (٥) وأصحابهما والهادوية (٦): الأفقه مقدّم على الأقرأ. قال النووي (٧): لأن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصواب فيه إلا كامل الفقه. وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه. قال الشافعي (٨): المخاطب بذلك الذين كانوا في عصره كان أقرؤهم أفقههم، فإنهم كانوا يسلمون كبارًا ويتفقهون قبل أن يقرأوا فلا يوجد قارئ منهم إلا وهو فقيه، وقد يوجد الفقيه وهو ليس بقارئ. لكن قال النووي (٩) وابن سيد الناس: إن قوله في الحديث: "فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة"، دليل على تقديم الأقرأ مطلقًا. وبه يندفع هذا الجواب عن ظاهر الحديث؛ لأن التفقه في أمور الصلاة لا يكون إلا من السنة، وقد جعل القارئ مقدمًا على العالم بالسنة. وأما ما قيل من أن الأكثر حفظًا للقرآن من الصحابة أكثرهم فقهًا فهو وإن صحّ باعتبار مطلق الفقه لا يصحّ باعتبار الفقه في أحكام الصلاة لأنها بأسرها مأخوذة من السنة قولًا وفعلًا وتقريرًا، وليس في القرآن إلا الأمر بها على جهة الإجمال وهو مما يستوي في معرفته القارئ للقرآن وغيره: وقد اختلف في المراد من قوله: "يؤمّ القوم أقرؤهم" فقيل المراد

стр. 2592

أحسنهم قراءة وإن كان أقلهم حفظًا، وقيل: أكثرهم حفظًا للقرآن. ويدلّ على ذلك ما رواه الطبراني في الكبير (١) ورجاله رجال الصحيح عن عمرو بن سلمة أنه قال: "انطلقت مع أبي إلى النبيّ ﷺ بإسلام قومه، فكان فيما أوصانا: ليؤمكم أكثركم قرآنًا، فكنت أكثرهم قرآنًا فقدّموني". وأخرجه أيضًا البخاري (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) وسيأتي في باب ما جاء في إمامة الصبي (٥). قوله: (فإن كانوا في القراءة سواء)، أي استووا في القدر المعتبر منها إما في حسنها أو في كثرتها وقلَّتها على القولين. ولفظ مسلم (٦): "فإن كانت القراءة واحدة". قوله: (فأعلمهم بالسنة)، فيه أن مزية العلم مقدمة على غيرها من المزايا الدينية. قوله: (فأقدمهم هجرة) الهجرة المقدّم بها في الإِمامة لا تختصّ بالهجرة في عصره ﷺ ، بل هي التي لا تنقطع إلى يوم القيامة كما وردت بذلك الأحاديث وقال به الجمهور (٧). وأما حديث: "لا هجرة بعد الفتح" (٨)، فالمراد به الهجرة

стр. 2593

من مكة إلى المدينة، أو لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح، وهذا لا بدّ منه للجمع بين الأحاديث. قال النووي (١): وأولاد من تقدمت هجرته من المهاجرين أولى من أولاد من تأخرت هجرته، وليس في الحديث ما يدلّ على ذلك. قوله: (فأقدمهم سنًا) أي يقدّم في الإِمامة من كبر سنه في الإِسلام؛ لأن ذلك فضيلة يرجح بها. والمراد بقوله: "سلمًا" في الرواية التي ذكرها المصنف الإسلام، فيكون من تقدّم إسلامه أولى ممن تأخر إسلامه، وجعل البغوي (٢) أولاد من تقدم إسلامه أولى من أولاد من تأخر إسلامه، والحديث لا يدل عليه. قوله: (ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه). قال النووي (٣): معناه أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحقّ من غيره. قال ابن رسلان: لأنَّه موضع سلطنته، انتهى والظاهر أن المراد به السلطان الذي إليه ولاية أمور الناس لا صاحب البيت ونحوه، ويدلّ على ذلك ما في رواية أبي داود (٤) بلفظ: "ولا يُؤمّ الرجل في بيته ولا في سلطانه"، وظاهره أن السلطان مقدّم على غيره وإن كان أكثر منه قرانًا وفقهًا وورعًا وفضلًا، فيكون كالمخصص لما قبله. قال أصحاب الشافعي (٥): ويقدّم السلطان أو نائبه على صاحب البيت وإمام المسجد وغيرهما لأن ولايته [وسلطنته] (٦) عامة. قالوا: ويستحبّ لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه.

стр. 2594

قوله: (على تكرمته)، قال النووي (١) وابن رسلان: بفتح التاء وكسر الراء: الفراش ونحوه مما يبسط لصاحب المنزل ويختصّ به دون أهله. وقيل: هي الوسادة وفي معناها السرير ونحوه (٢). ٣/ ١٠٧٩ - (وَعَنْ مالِكِ بْن الحُوَيْرِثِ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيّ ﷺ أنا وصَاحِبٌ لي، فَلَمَّا أَرَدْنا الإِقْفالَ مِنْ عِنْدِهِ قالَ لنا: "إذا حَضَرتِ الصَّلاةُ فأذِّنَا وأَقِيما ولْيَؤمَّكُما كَبَرُكُمَا"، رَوَاهُ الجَماعَة (٣). ولأَحْمَد (٤) وَمُسْلِمٍ (٥): وكانا مُتَقارِبَيْنِ فِي القِرَاءةِ. [صحيح] ولِأَبي دَاوُدَ (٦): وَكُنَّا يَوْمَئذٍ مُتقَارِبَيْنِ فِي العِلْمِ). قوله: (فلما أردنا الإقفال) هو مصدر أقفل: أي رجع (٧). وفي رواية للبخاري (٨) أن مالك بن الحويرث قال: "قدمنا على النبيّ ﷺ ونحن شببة، فلبثنا عنده نحوًا من عشرين ليلة، وكان النبيّ ﷺ رحيمًا فقال: "لو رجعتم إلى بلادكم فعلَّمتموهم". قوله: (وليؤمكما أكبركما) فيه متمسك لمن قال بوجوب الجماعة، وقد ذكرنا فيما تقدم ما يدلّ على صرفه إلى الندب، وظاهره أن المراد كبر السنّ. ومنهم من جوّز أن يكون مراده بالكبر ما هو أعمّ من السنّ والقدر، وهو

стр. 2595

مقيد بالاستواء في القراءة والفقه كما في الروايتين الأخريين. وقد زعم بعضهم أنه معارض لقوله: "يؤمّ القوم أقرؤهم" (١). ثم جمع بأن قصة مالك بن الحويرث واقعة عين غير قابلة للعموم، بخلاف قوله ﷺ : "يؤمّ القوم أقرؤهم"، والتنصيص على تقاربهم في القراءة والعلم يردّ عليه (٢). قوله: (وكنا يومئذٍ متقاربين في العلم) قال في الفتح (٣): أظنّ في هذه الرواية إدراجًا (٤)، فإن ابن خزيمة (٥) رواه من طريق إسماعيل بن عليه عن خالد قال: قلت لأبي قلابة: فأين القراءة؟ قال: فإنهما كانا متقاربين، ثم ذكر ما يدلّ على عدم الإِدراج. ٤/ ١٠٨٠ - (وَعَنْ مالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول: "مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلا يَؤمّهُمْ، وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهَمُ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ (٦). [صحيح لغيره]

стр. 2596

وأكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُ لا بأسَ بإمامَةِ الزَّائِرِ بإذْنِ رَبّ المَكانِ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أبي مَسْعُودُ (١): "إِلَّا بإذْنِهِ"). ٥/ ١٠٨١ - (ويُعَضّدُهُ عُمومُ ما رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "ثَلاثةٌ على كُثْبانِ المِسْكِ يَوْمَ القِيامَةِ: عَبْدٌ أدَّى حَقَّ الله وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ أمّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَرَجُلٌ يُنَادِي بالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ فِي كُلّ لَيْلَةٍ"، رَوَاهُ التّرْمِذِيّ) (٢). [ضعيف] ٦/ ١٠٨٢ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "لا يَحِلّ لَرَجُلٍ يُؤْمِنُ بالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَؤُمَّ قَوْمًا إلَّا بإذْنِهِمْ، وَلَا [يَخُصَّ] (٣) نَفْسَهُ بِدَعْوةٍ دُونَهُمْ، فإنْ فَعَلَ فَقَدْ خانَهُمْ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (٤) [صحيح دون جملة الدعاء] أما حديث مالك بن الحويرث فحسنه الترمذي (٥)، وفي إسناده أبو عطية، قال أبو حاتم (٦): لا يعرف ولا يسمى.

стр. 2597

ويشهد له حديث [ابن] (١) مسعود عند الطبراني (٢) بإسناد صحيح. والأثرم (٣) بلفظ: "من السنة أن يتقدم صاحب البيت". وأخرجه أحمد في مسنده (٤). وحديث عبد الله بن [حنطب] (٥) عند البزار (٦) والطبراني (٧) قال: قال رسول الله ﷺ : "الرجل أحقّ بصدر فراشه، وأحقّ بصدر دابته، وأحقّ أن يؤمّ في بيته". وما تقدم من حديث أبي مسعود عند أبي داود (٨) بلفظ: "ولا يؤمّ الرجل في بيته". وأما حديث أبي مسعود الذي أشار إليه المصنف فقد تقدم في أوّل الباب (٩).

стр. 2598

وأما حديث ابن عمر فقد حسنه الترمذي (١)، وفي إسناده أبو اليقظان عثمان بن عمير البجلي (٢)، وهو ضعيف ضعفه أحمد وغيره، وتركه ابن مهدي. وقد أخرجه أيضًا أحمد (٣). وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود (٤) من رواية ثور عن يزيد بن شريح الحضرمي عن أبي حيّ المؤذّن وكلهم ثقات عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . وأخرجه أيضًا الترمذي (٥) بهذا الإسناد عن ثوبان ولكن لفظه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يحلّ لامرئ أن ينظر في جوف بيت امرئ حتى يستأذن، فإن نظر فقد دخل، ولا يؤتم قومًا فيخصّ نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم، ولا يقوم إلى الصلاة وهو حقن"، وقال (٦): حديث حسن. ثم قال: وقد روي هذا الحديث عن يزيد بن شريح عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ ، وكان حديث يزيد بن شريح عن أبي حيّ المؤذّن عن ثوبان في هذا أجود إسنادًا وأشهر، انتهى. وأخرجه أيضًا أحمد (٧) عن أبي أمامة، وفيه: "ولا يؤمنّ قومًا فيخصّ نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم"، ورواه الطبراني (٨) أيضًا بلفظ: "ومن صلى بقوم فخصّ نفسه بدعوة دونهم فقد خانهم". وفي حديث أبي أمامة اختلاف ذكره الدارقطني (٩).

стр. 2599

قوله: (من زار قومًا فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم)، فيه أن المزور أحقّ بالإِمامة من الزائر وإن كان أعلم أو أقرأ من المزور. قال الترمذي (١): "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم، قالوا: صاحب المنزل أحقّ بالإِمامة من الزائر. وقال بعض أهل العلم: إذا أذن له فلا بأس أن يصلي به. وقال إسحاق: لا يصلي أحد بصاحب المنزل وإن أذن له، قال: وكذلك في المسجد إذا زارهم يقول: ليصلّ بهم رجل منهم" (٢)، انتهى. وقد حكى المصنف (٣) عن أكثر أهل العلم: أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن ربّ المكان، واستدلّ بما ذكره. وقد عرفت مما سلف أن أبا داود (٤) زاد في حديث أبي مسعود: "ولا يؤمّ الرجل في بيته" فيصلح حينئذٍ قوله في آخر حديثه: "إلا بإذنه" لتقييد جميع الجمل المذكورة فيه التي من جملتها قوله: "ولا يؤمّ الرجل في بيته" على ما ذهب إليه جماعة من أئمة الأصول (٥)، وقال به الشافعي

стр. 2600

وأحمد قالا: ما لم يقم دليل على اختصاص القيد ببعض الجمل. ويعضد التقييد بالإِذن عموم قوله في حديث ابن عمر (١): "وهم به راضون". وقوله في حديث أبي هريرة (٢): "إلا بإذنهم" كما قال المصنف (٣)، فإنه يقتضي جواز إمامة الزائر عند رضا المزور. قال العراقي: ويشترط أن يكون المزور أهلًا للإِمامة، فمن لم يكن أهلًا كالمرأة في صورة كون الزائر رجلًا، والأمي في صورة كون الزائر قارئًا ونحوهما فلا حقّ له في الإِمامة. [الباب الثاني] باب إِمامة الأَعمى والعبد والمولى ٧/ ١٠٨٣ - (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابن أُمّ مَكْتُومٍ على المَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ يُصَلِّي بِهِمْ وَهُوَ أَعْمَى. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤) وأَبو دَاوُدَ) (٥). [صحيح] ٨/ ١٠٨٤ - (وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبيعِ أَنَّ عُتْبَانَ بْنَ مالِكٍ كانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى، وأَنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ الله إنَّهَا تَكُونَ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ وأنا رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ، فصَلِّ يَا رَسُولَ الله فِي بَيْتي مَكَانًا أَتَّخذُه مُصَلَّى، فَجاءَهُ رَسُولُ الله ﷺ فَقالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أنْ أُصَلِّي؟ "، فأشارَ إلى مَكانٍ فِي البَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ . رَوَاهُ بِهَذَا اللّفْظِ البُخارِيُّ (٦) وَالنّسائيّ) (٧). [صحيح]

стр. 2601

حديث أنس أخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه (١)، وأبو يعلى (٢)، والطبراني (٣) عن عائشة. وأخرجه أيضًا الطبراني (٤) بإسناد حسن عن ابن عباس. وأخرجه (٥) أيضًا من حديث ابن بحينة وفي إسناده الواقدي (٦). وفي الباب عن عبد الله بن [عمر] (٧) الخطمي أنه كان يؤم قومه بني خطمة وهو أعمى على عهد رسول الله ﷺ . أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده (٨)، وابن أبي خيثمة (٩).

стр. 2602

قوله: (يصلي بهم وهو أعمى) فيه جواز إمامة الأعمى، وقد صرّح أبو إسحاق المروزي والغزالي (١) بأن إمامة الأعمى أفضل من إمامة البصير لأنَّه أكثر خشوعًا من البصير لما في [البصر] (٢) من شغل القلب بالمبصرات. ورجح البعض أن إمامة البصير أولى لأنَّه أشدّ توقيًا للنجاسة، والذي فهمه الماوردي من نص الشافعي أن إمامة الأعمى والبصير سواء في عدم الكراهية لأن في كل منهما فضيلة، غير أن إمامة البصير أفضل؛ لأن أكثر من جعله النبيّ ﷺ إمامًا البصراء. وأما استنابته ﷺ لابن أمّ مكتوم في غزواته، فلأنه كان لا يتخلف عن الغزو من المؤمنين إلا معذور، فلعله لم يكن في البصراء المتخلفين من يقوم مقامه أو لم يتفرّغ لذلك، أو استخلفه لبيان الجواز (٣). وأما إمامة عتبان بن مالك (٤) لقومه، فلعله أيضًا لم يكن في قومه من هو في مثل حاله من البصراء.

стр. 2603

قوله: (كان يؤمّ قومه وهو أعمى)، في رواية للبخاري (١): "أنه قال للنبيّ ﷺ : يا رسول الله قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي"، وهو أصرح من اللفظ الذي ذكره المصنف في الدلالة على المطلوب لما فيه من ظهور التقرير بدون احتمال. قوله: (وأنا رجل ضرير البصر)، في رواية للبخاري (٢): "جعل بصري يكلّ"، وفي أخرى: "قد أنكرت بصري". ولمسلم (٣): "أصابني في بصري بعض الشيء"، واللفظ الذي ذكره المصنف أخرجه البخاري (٤) في باب الرخصة في المطر، وهو يدلّ على أنه قد كان أعمى. وبقية الروايات تدلّ على أنه لم يكن قد بلغ إلى حدّ العمى. وفي رواية لمسلم (٥) بلفظ: "إنه عمي فأرسل". وقد جمع بين الروايات بأنه أطلق عليه العمى لقربه منه ومشاركته له في فوات بعض البصر المعهود في حال الصحة. وأما قول محمود بن الربيع أن عتبان بن مالك (٦) كان يؤمّ قومه وهو أعمى، فالمراد أنه لقيه حين سمع منه الحديث وهو أعمى. قوله: (مكانًا) هو منصوب على الظرفية. وفي حديث عتبان فوائد. (منها) إمامة الأعمى، وإخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة، والتخلف عن الجماعة في المطر والظلمة، واتخاذ موضع معين للصلاة، وإمامة الزائر إذا كان هو الإِمام الأعظم، والتبرّك بالمواضع التي صلى فيها ﷺ ، وإجابة الفاضل دعوة المفضول وغير ذلك. ٩/ ١٠٨٥ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا قَدِمَ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ نَزَلُوا العَصْبَةَ، مَوضِعًا بِقُباءَ، قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيّ ﷺ كانَ يَؤمُّهُمْ سالِمٌ مَوْلى أَبي حُذَيْفَةَ وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ

стр. 2604

قُرآنًا، وكانَ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ. رَوَاهُ البُخارِيُّ (١) وأَبُو دَاوُدَ (٢). [صحيح] ١٠/ ١٠٨٦ - (وَعَنِ ابن أَبي مُلَيْكَةَ أَنَّهُمْ كانُوا يأتُونَ عَائِشَةَ بأعْلَى الوَادِي هُوَ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَالمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ وَناسٌ كَثِيرٌ، فَيَؤمُّهُمْ أَبُو عَمْرٍو مَوْلى عائِشَةَ وأَبُو عَمْرٍو غُلامُها حِينَئذٍ لَمْ يُعْتَقْ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ) (٣). [أثر صحيح] ذكر الحافظ في التلخيص (٤) رواية ابن أبي مليكة ونسبها إلى الشافعي (٥) كما نسبها المصنف، وذكر في الفتح (٦) أنها رواها أيضًا عبد الرزاق (٧). قال: وروى ابن أبي شيبة في المصنف (٨) عن وكيع عن هشام عن أبي بكر بن أبي مليكة أن عائشة أعتقت غلامًا لها عن دبر، فكان يؤمها في رمضان في المصحف. وعلقه البخاري (٩). قوله: (قدم المهاجرون الأوّلون) أي من مكة إلى المدينة، وبه صرّح في رواية الطبراني (١٠). قوله: (العصبة) بالعين المهملة المفتوحة، وقيل مضمومة وإسكان الصاد المهملة، بعدها موحدة: اسم مكان بقباء. وفي النهاية (١١) عن بعضهم بفتح

стр. 2605

العين والصاد المهملتين. قيل: والمعروف المعصَّب بالتشديد. قوله: (وكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة)، هو مولى امرأة من الأنصار فأعتقته، وكانت إمامته بهم قبل أن يعتق. وإنما قيل له مولى أبي حذيفة لأنَّه لازم أبا حذيفة [بن عتبة بن ربيعة] (١) بعد أن أعتق فتبناه، فلما نهوا عن ذلك قيل له مولاه. واستشهد سالم باليمامة في خلافة أبي بكر. قوله: (وكان أكثرهم قرآنًا) إشارة إلى سبب تقديمهم له مع كونهم أشرف منه. وفي رواية للطبراني (٢): "لأنَّه كان أكثرهم قرآنًا". قوله: (وكان فيهم عمر بن الخطاب) إلخ، زاد البخاري (٣) في الأحكام: "أبا بكر الصدّيق وزيد بن حارثة وعامر بن ربيعة" واستشكل ذكر أبي بكر فيهم، إذ في الحديث أن ذلك كان قبل مقدم النبيّ ﷺ وأبو بكر كان رفيقه. ووجَّهه البيهقي (٤) باحتمال أن يكون سالم المذكور استقرّ على الصلاة بهم فيصحّ ذكر أبي بكر. قال الحافظ (٥): ولا يخفى ما فيه. وقد استدلّ المصنف ﵀ بإمامة سالم بهؤلاء الجماعة على جواز إمامة العبد. ووجه الدلالة عليه إجماع أكابر الصحابة القرشيين على تقديمه. وكذلك استدلّ بإمامة مولى عائشة لأولئك لمثل ذلك (٦).

стр. 2606

[الباب الثالث] باب ما جاءَ في إِمامة الفاسق ١١/ ١٠٨٧ - (عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "لا تَؤمَّنَّ امْرأةٌ رَجُلًا، وَلا أعْرابِيٌّ مُهاجِرًا، وَلا يَؤمَّنَّ فاجِرٌ مُؤْمِنًا، إلَّا أنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطانٍ يَخافُ سَيْفَهُ أوْ سَوْطَهُ"، رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ) (١). [ضعيف] ١٢/ ١٠٨٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اجْعَلُوا أئمَّتَكُمْ خِيارَكُمْ، فإنَّهُمْ وَفْدُكُمْ فِيما بَيْنكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) (٢). [ضعيف]

стр. 2607

١٣/ ١٠٨٩ - (وَعَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الجِهادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلّ أمِيرٍ، بَرًّا كانَ أوْ فاجِرًا، وَالصَّلاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلّ مُسْلِمٍ بَرًّا كانَ أوْ فاجِرًا، وَإنْ عَمِلَ الكَبائِرَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وَالدَّارقُطْنِيُّ بِمَعْناه (٢)، وقَالَ: مَكْحُولٌ لَمْ يَلْقَ أبا هُرَيْرَةَ). [ضعيف] ١٤/ ١٠٩٠ - (وَعَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ البَكَّاءِ قالَ: أدْرَكْتُ عَشْرَة مِنْ أَصْحابِ النَّبِيّ ﷺ كُلُّهُمْ يُصَلِّي خَلْفَ أئِمَّةِ الجَوْرِ. رَوَاهُ البخاري في تارِيخِهِ) (٣). [أثر ضعيف] حديث جابر في إسناده عبد الله بن محمد التميمي وهو تالف (٤). قال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. وقال وجميع: يضع الحديث، وقد تابعه عبد الملك بن حبيب (٥) في

стр. 2608

"الواضحة" (١) لكنه متهم بسرقة الحديث وتخليط الأسانيد. وقد صرّح ابن عبد البرّ بأن عبد الملك المذكور أفسد إسناد هذا الحديث. وقد ثبت في كتب جماعة من أئمة أهل البيت (٢) كأحمد بن عيسى والمؤيد وأبي طالب وأحمد بن سليمان والأمير الحسين (٣) وغيرهم عن عليّ السلام مرفوعًا: "لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه" (٤). وفي إسناد حديث جابر أيضًا علي بن زيد بن جدعان (٥) وهو ضعيف. وحديث ابن عباس في إسناده سلام بن سليمان المدائني (٦) وهو ضعيف. وحديث أبي هريرة أخرجه أيضًا البيهقي (٧) وهو منقطع، وأخرجه ابن حبان في الضعفاء (٨)، وفي إسناده عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة وهو متروك. وأخرجه الدارقطني (٩) أيضًا من حديث الحارث عن عليّ.

стр. 2609

ومن حديث علقمة والأسود عن عبد الله (١). ومن حديث مكحول أيضًا عن واثلة (٢). ومن حديث أبي الدرداء من طرق (٣)

стр. 2610

كلها - كما قال الحافظ (١) - واهية جدًّا. قال العقيلي (٢): ليس في هذا المتن إسناد يثبت. ونقل ابن الجوزي (٣) عن أحمد أنه سئل عنه فقال: ما سمعنا بهذا. وقال الدارقطني (٤): ليس فيها شيء يثبت. قال الحافظ (٥): وللبيهقي في هذا الباب أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف. وأصح ما قيل: حديث مكحول عن أبي هريرة على إرساله (٦). وقال أبو أحمد الحاكم: هذا حديث منكر. وأما قول عبد الكريم البكاء أنه أدرك عشرة من أصحاب النبيّ، [إلخ] (٧)، فهو ممن لا يحتجّ [بروايته] (٨) وقد استوفى الكلام عليه في الميزان (٩). ولكنه قد ثبت إجماع أهل العصر الأوّل من بقية الصحابة ومن معهم من التابعين إجماعًا فعليًا، ولا يبعد أن يكون قوليًا، على الصلاة خلف الجائرين؛ لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم في جمل بلدة فيها أمير، وكانت الدولة إذ ذاك لبني أمية وحالهم وحال أمرائهم لا يخفى (١٠).

стр. 2611

وقد أخرج البخاري (١) عن ابن عمر: أنه كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف. وأخرج مسلم (٢) وأهل السنن (٣): أن أبا سعيد الخدري صلى خلف مروان صلاة العيد في قصة تقديمه الخطبة على الصلاة، وإخراج منبر النبيّ ﷺ ، وإنكار بعض الحاضرين. وأيضًا قد ثبت تواترًا (٤): "أنه ﷺ أخبر بأنه يكون على الأمة أمراء يميتون الصلاة ميتة الأبدان ويصلونها لغير وقتها، فقالوا: يا رسول الله بما تأمرنا؟ فقال: صلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم مع القوم نافلة". ولا شكّ أن من أمات الصلاة وفعلها في غير وقتها غير عدل. وقد أذن النبي ﷺ بالصلاة خلفه نافلة. ولا فرق بينها وبين الفريضة في ذلك. ومما يؤيد عدم اشتراط عدالة إمام الصلاة حديث: "صلوا خلف من قال لا إله إلا الله، وصلوا على من قال: لا إله إلا الله"، أخرجه الدارقطني (٥) وفي إسناده عثمان بن عبد الرحمن، كذبه يحيى بن معين.

стр. 2612

ورواه (١) أيضًا من وجه آخر عنه، وفي إسناده خالد بن إسماعيل وهو متروك. ورواه (٢) أيضًا من وجه آخر عنه، وفي إسناده أبو الوليد المخزومي، وقد خفي حاله [أيضًا] (٣) على الضياء المقدسي. وتابعه أبو البختري وهب بن وهب وهو كذّاب (٤).

стр. 2613

ورواه أيضًا الطبراني (١) من طريق مجاهد عن ابن عمر، وفيه محمد بن الفضل وهو متروك. وله طريق أخرى (٢) عن ابن عمر وفيها عثمان بن عبد الله العثماني، وقد رماه ابن عديّ بالوضع. ومما يؤيد ذلك أيضًا عموم أحاديث الأمر بالجماعة من غير فرق بين أن يكون الإِمام برًّا أو فاجرًا. والحاصل أن الأصل عدم اشتراط العدالة، وأن كل من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره وقد اعتضد هذا الأصل بما ذكر المصنف وذكرنا من الأدلة، وبإجماع الصدر الأوّل عليه، وتمسك الجمهور من بعدهم به (٣)، فالقائل بأن العدالة شرط كما روي عن العترة (٤) ومالك وجعفر بن مبشر وجعفر بن حرب محتاج إلى دليل ينقل عن ذلك الأصل.

стр. 2614

وقد أفردت هذا البحث برسالة مستقلة واستوفيت فيها الكلام على ما ظنه القائلون بالاشتراط دليلًا من العمومات القرآنية وغيرها (١). ولهم متمسك على اشتراط العدالة لم أقف على أحد استدلّ به ولا تعرّض له، وهو ما أخرجه أبو داود (٢) وسكت عنه هو والمنذري (٣) عن السائب بن خَلّاد: "أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا أمّ قومًا فبصق في القِبلة ورسولُ الله ﷺ ينظر إليه، فقال رسول الله ﷺ حين فرغ: "لا يصلِّي لكم"، فأراد بعد ذلك أن يصلي بهم فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: نعم، قال الراوي: حسبت أنه قال له: "إنّك آذيت الله ورسوله". واعلم أن محلّ النزاع إنما هو في صحة الجماعة بعد من لا عدالة له، وأما أنها مكروهة فلا خلاف في ذلك كما في البحر (٤). وقد أخرج الحاكم (٥) في ترجمة مرثد الغنوي عنه ﷺ : "إن سرّكم أن تقبل

стр. 2615

صلاتكم فليؤمكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم". ويؤيد ذلك حديث ابن عباس (١) المذكور في الباب. قوله: (لا تؤمنّ امرأة رجلًا) فيه أن المرأة لا تؤمّ الرجل. وقد ذهب إلى ذلك العترة (٢) والحنفية (٣) والشافعية (٤) وغيرهم. وأجاز المزني وأبو ثور والطبري إمامتها في التراويح إذا لم يحضر من يحفظ القرآن (٥). ويستدلّ للجواز بحديث أمّ ورقة: "أن النبيّ ﷺ أمرها أن تؤمّ أهل دارها"،

стр. 2616

رواه أبو داود (١) وصححه ابن خزيمة (٢). وأخرجه أيضًا الدارقطني (٣) والحاكم (٤). وأصل الحديث: "أن رسول الله ﷺ لما غزا بدرًا قالت: يا رسول الله أتأذن لي في الغزو معك؟ فأمرها أن تؤمّ أهل دارها وجعل لها مؤذّنًا يؤذّن لها، وكان لها غلام وجارية دبَّرَتهما"، فالظاهر أنها كانت تصلي ويأتمّ بها مؤذنها وغلامها وبقية أهل دارها. وقال الدارقطني: إنما أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها. قوله: (ولا أعرابي مهاجرًا) (٥)، فيه أنه لا يؤمّ الأعرابي الذي لم يهاجر بمن كان مهاجرًا، وقد تقدم أن المهاجر أولى من المتأخر عنه في الهجرة، وممن لم يهاجر أولى بالأولى. [الباب الرابع] باب ما جاءَ في إِمامة الصبي ١٥/ ١٠٩١ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَة قالَ: لَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ الفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بإسْلامِهِمْ، وبَادَرَ أبي قَوْمِي بإسْلامِهِمْ؛ فَلَمَّا قَدِمَ قالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ النَّبِيّ ﷺ حَقًّا، فَقَالَ: صَلُّوا صَلاةَ كَذا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلاةَ كَذَا فِي

стр. 2617

حينِ كَذَا؛ فإذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيؤَذّنْ أحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أكَثُركُمْ قُرآنًا، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أكثرَ قُرآنًا مِنِّي لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وأنا ابْنُ سِتّ سِنِينَ، أَوْ سَبْعِ سِنِينَ، وكانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقالَتِ امْرأةٌ مِنَ الحَيِّ: ألا تُغطُّونَ عَنَّا اسْتَ قارئكُمْ، فاشْتَرَوْا فَقَطَعُوا لي قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَئٍ فَرَحِي بِذَلِكَ القَمِيصِ. رَوَاهُ البُخاريُّ (١) وَالنَّسائيّ (٢) بِنَحْوِهِ، وقالَ فِيهِ: كُنْتُ أؤُمُّهُمْ وأنا ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ. وأبو دَاوُدَ (٣) وَقَالَ فيه: وأَنا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أوْ ثَمَانِ سِنِينَ. وأحْمَدُ (٤) وَلَمْ يَذْكُرْ سِنَّهُ. ولأَحْمَد (٥)، وأَبي دَاوُدَ (٦): فَمَا شَهِدْتُ مَجْمَعًا مِنْ جَرْمٍ إلَّا كُنْتُ إمامَهُمْ إلى يَوْمِي هذَا). [صحيح] ١٦/ ١٠٩٢ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا يَؤُمُّ الغُلامُ حتَّى تَجِبَ عَلَيْهِ الحُدُودُ) (٧). ١٧/ ١٠٩٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: لا يَؤُمُّ الغُلامُ حتَّى يَحْتَلِمَ. رَوَاهُمَا الأثْرَمُ فِي سُنَنِهِ) (٨). [موقوف بسند ضعيف]

стр. 2618

عمرو بن سلمة قد اختلف في صحبته. قال في التهذيب (١): لم يثبت له سماع من النبيّ ﷺ . وروى الدارقطني ما يدلّ على أنه وفد مع أبيه. وأثر ابن عباس رواه عبد الرزاق (٢) مرفوعًا بإسناد ضعيف. قوله: (وليؤمكم أكثركم) فيه أن المراد بالأقرأ في الأحاديث المتقدمة: الأكثر قرآنًا لا الأحسن قراءة وقد تقدم. قوله: (فقدموني) فيه جواز إمامة الصبيّ ووجه الدلالة ما في قوله ﷺ : "ليؤمكم أكثركم قرآنًا" (٣) من العموم. قال أحمد بن حنبل (٤): ليس فيه اطلاع النبيّ ﷺ . وأجيب بأن إمامته بهم كانت حال نزول الوحي، ولا يقع حاله التقرير لأحد من الصحابة على الخطأ. ولذا استدلّ بحديث أبي سعيد (٥) وجابر (٦): "كنا نعزل والقرآن ينزل". وأيضًا الذين قدّموا عمرو بن سلمة كانوا كلهم صحابة.

стр. 2619

قال ابن حزم (١): ولا نعلم لهم مخالفًا كذا في الفتح (٢). وقد ذهب إلى جواز إمامة الصبيّ الحسن (٣) وإسحاق (٤) والشافعي (٥) والإمام يحيى (٦). ومنع من صحتها الهادي والناصر والمؤيد بالله من أهل البيت (٧). وكرهها الشعبي (٨) والأوزاعي (٩) والثوري (١٠) ومالك (١١)، واختلفت الرواية عن أحمد (١٢) وأبي حنيفة (١٣) قال في الفتح (١٤): والمشهور عنهما الإِجزاء في النوافل دون الفرائض. وقد قيل: إن حديث عمرو المذكور كان في نافلة لا فريضة. وردّ بأن قوله: "صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا" (١٥)، يدلّ على أن ذلك كان في فريضة. وأيضًا قوله: "فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم" (١٦) لا يحتمل غير الفريضة؛ لأن النافلة لا يشرع لها الأذان. ومن جملة ما أجيب به عن حديث عمرو المذكور ما روي عن أحمد بن
следующие страницы →