← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 305–344 · переход к 310.

стр. 305

وهذه الرواية تشهد لما في حديث الباب من رواية سعيد بن منصور. ٢/ ٧٦ - (وعَنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا خَرَجَ مِنَ الخَلاء قال: "غُفْرَانَكَ" رَواهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائِيّ) (١). [صحيح] الحديث صحَّحه الحاكم (٢) وأبو حاتم، قال في البدر المنير (٣): ورواه الدارمي (٤) وصححه ابن خزيمة (٥) وابن حبان (٦)، وقوله: "غُفْرَانَكَ" إما مفعول به منصوب بفعل مقدر: أي أسألك غفرانك أو أطلب، أو مفعول مطلق: أي اغفر غفرانك. قيل: إنه استغفر لتركه الذكر في تلك الحالة لما ثبت أنه كان يذكر الله على كل أحواله إلا في حال قضاء الحاجة، فجعل ترك الذكر في هذه الحالة تقصيرًا وذنبًا يستغفر منه، وقيل: استغفر لتقصيره في شكر نعمة الله عليه بإقداره على إخراج ذلك الخارج وهو المناسب للحديث الآتي في الحمد. ٣/ ٧٧ - (وَعَنْ أنَس ﵁ قالَ: كان النَّبيُّ ﷺ إذا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ قالَ: "الحمدُ لله الَّذِي أذهَبَ عَني الأذَى وَعافانِي" رَوَاهُ ابنُ ماجهْ) (٧). [ضعيف]

стр. 306

الحديث رواه ابن ماجه عن هرون بن إسحق، حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن وقتادة عن أنس، فهرون بن إسحق وثقه النسائي (١) وقال في التقريب (٢): صدوق، وعبد الرحمن المحاربي - هو ابن محمد - وثقه ابن معين والنسائي (٣)، وقال في التقريب (٤) لا بأسَ به وكان يُدَلِّسُ، قاله أحمد. وإسماعيل بن مسلم إن كان العبدي فقد وثَّقه أبو حاتم (٥)، وإن كان البصري (٦) فهو ضعيف، وكلاهما يروي عن الحسن. وقد رواه أيضًا النسائي (٧) وابن السني (٨) عن أبي ذر، ورمز السيوطي لصحته (٩).

стр. 307

وفي حمده ﷺ إشعار بأن هذه نعمة جليلة ومنَّة جزيلة، فإن انحباس ذلك الخارج من أسباب الهلاك؛ فخروجه من النعم التي لا تتم الصحة بدونها، وحق على من أكل ما يشتهيه من طيبات الأطعمة، فسَدَّ به جوعته، وحفظ به صحته وقوته، ثم لما قضى منه وطره ولم يبق فيه نفع واستحال إلى تلك الصفة الخبيثة المنتنة خرج بسهولة من مخرج معدّ لذلك أن يستكثر في محامد الله ﷻ ، اللهم أوزعنا شكر نعمتك. [الباب الثاني] باب ترك استصحاب ما فيه ذكر الله ٤/ ٧٨ - (عَنْ أنَس قالَ: كانَ النَّبي ﷺ إذا دَخَلَ الخَلاء نزَعَ خاتَمَهُ. رَواهُ الخمسةُ إلَّا أحْمَدَ (١) وَصَحَّحَه التِّرْمِذِي [منكر]. وَقَدْ صَحَّ أن نَقْشَ خاتَمِهِ كانَ: مُحمَّدٌ رَسُولُ الله) (٢). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا ابن حبان (٣) والحاكم (٤). قال النسائي (٥): هذا حديث غير محفوظ. وقال أبو داود (٦): منكر. وذكر الدارقطني (٥) الاختلاف فيه، وأشار إلى شذوذه. وأما الترمذي فصححه (٧). قال النووي: هذا مردود عليه، ذكره في الخلاصة (٨). وقال المنذري (٩): الصواب عندي

стр. 308

تصحيحه فإن رواته ثقات أثبات، وتبعه أبو الفتح القُشيري (١) في آخر الاقتراح (٢). وعلته أنه من رواته همام عن ابن جريج، وابن جريج لم يسمع من الزهري، وإنما رواه عن زياد بن سعد عن الزهري بلفظ آخر، وقد رواه مع همام مرفوعًا يحيى بن الضريس البجلي ويحيى بن المتوكل، أخرجهما الحاكم (٣) والدارقطني (٤). وقد رواه [عمرو] (٥) بن عاصم وهو من الثقات عن همام موقوفًا على أنس، وأخرج له البيهقي (٦) شاهدًا وأشار إلى ضعفه، ورجاله ثقات. ورواه الحاكم (٧) أيضًا، ولفظه: "أن الرسول ﷺ لبس خاتمًا نقشه محمد رسول الله، فكان إذا دخل الخلاء وضعه". وله شاهد من حديث ابن عباس رواه الجوزقاني (٨) في الأحاديث الضعيفة. وينظر في سنده فإن رجاله ثقات إلا محمد بن إبراهيم الرازي فإنه متروك، قاله الحافظ (٩).

стр. 309

قوله: (وقد صح أن نقش خاتمه) أخرجه البيهقي (١) والحاكم (٢). قال الحافظ (٣): "ووهم النووي والمنذري في كلاميْهما على المهذب فقالا: هذا من كلام المصنف لا [من] (٤) الحديث، ولكنه صحيح من طريق أخرى (٥) في أن نقش الخاتم كان كذلك". والحديث يدل على تنزيه ما فيه ذكر الله تعالى عن إدخاله الحشوش (٦)، والقرآن بالأولى حتى قال بعضهم: يحرم إدخال المصحف الخلاء لغير ضرورة، وقد خالف في ذلك المنصور بالله فقال: لا يندب نزع الخاتم الذي فيه ذكر الله لتأديته إلى ضياعه وقد نهى عن إضاعة المال والحديث يرده (٧). [الباب الثالث] باب كف المتخلي عن الكلام ٥/ ٧٩ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أن رَجُلًا مَرَّ ورَسُولُ الله ﷺ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلْيهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلْيهِ. رَواهُ الجماعةُ إلا البُخارِيَّ) (٨). [صحيح] الحديث زاد فيه أبو داود (٩) من طريق ابن عمر وغيره: أن النبي ﷺ تيمم ثم

стр. 310

رد على الرجل السلام، ورواه أيضًا (١) من طريق المهاجر بن قُنْفُذ بلفظ: "بأنه أتى النبي ﷺ وهو يبول فسلَّم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: إني كرهتُ أن أذكر الله إلا على طُهر"، أو قال: "على طهارة". وأخرج هذه الرواية أيضًا النسائي (٢) وابن ماجه (٣). وهو يدل على كراهة ذكر الله حال قضاء الحاجة، ولو كان واجبًا كرد السلام، ولا يستحق المسلم في تلك الحال جوابًا. قال النووي (٤): وهذا متفق عليه، وسيأتي بقية الكلام على الحديث في باب استحباب الطهارة لذكر الله (٥). وفيه أنه ينبغي لمن سُلِّم عليه في تلك الحال أن يدع الرد حتى يتوضأ أو

стр. 311

يتيمم ثم يرد، وهذا إذا لم يخش فوت المُسَلِّم، أما إذا خشي فوته فالحديث لا يدل على المنع لأن النبي ﷺ تمكن من الرد بعد أن توضأ أو تيمم على اختلاف الرواية، فيمكن أن يكون تركه لذلك طلبًا للأشرف وهو الرد حال الطهارة. ويبقى الكلام في الحمد حال العُطاس، فالقياس على التسليم المذكور في حديث الباب، وكذلك التعليل بكراهة الذكر إلا على طهر يشعران بالمنع من ذلك، وظاهر حديث: "إذَا عَطَسَ أحدُكُم فليحمد الله" (١) يشعر بشرعيته في جميع الأوقات التي منها وقت قضاء الحاجة، فهل يخصص عموم كراهة الذكر المستفادة من المقام بحديث العطاس أو يجعل الأمر بالعكس، أو يكون بينهما عموم وخصوص من وجه فيتعارضان؟ فيه تردد. وقد قيل: إنه يحمد بقلبه وهو المناسب لتشريف مثل هذا الذكر وتعظيمه وتنزيهه. ٦/ ٨٠ - (وعَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "لا يَخْرُجُ الرَّجُلانِ يَضْرِبانِ الغائِطَ كاشِفَين عَوْرَتَهُما يَتَحَدَّثانِ، فإِن الله يَمْقُتُ على ذلِكَ" رَواهُ أَحْمَدُ (٢) وأبو داوُدَ (٣) وابْنُ ماجَهْ) (٤). [ضعيف] الحديث فيه عكرمة بن عمَّار العجلي (٥)، وقد احتج به مسلم في

стр. 312

صحيحه (١)، وضعف بعض الحفاظ حديث عكرمة هذا عن يحيى بن أبي كثير، ولكنه لا وجه للتضعيف بهذا؛ فقد أخرج مسلم حديثه عن يحيى، واستشهد بحديثه البخاري عن يحيى أيضًا. وفي الترغيب والترهيب (٢) أن في إسناده عياض بن هلال أو هلال بن عياض وهو في عداد المجهولين. وأخرجه ابن السكن (٣) وصححه، وابن القطان (٤) من حديث جابر بلفظ: "إذَا تَغَوّطَ الرَّجُلانِ فَلْيتوارَ كُلُّ واحِدٍ منهما عَنْ صَاحِبِهِ ولا يتحدَّثَا"، قال الحافظ ابن حجر (٥): وهو معلول. والحديث يدل على وجوب ستر العورة وترك الكلام؛ فإن التعليل بمقت الله [تعالى] (٦) يدل على حرمة الفعل المعلل ووجوب اجتنابه؛ لأن المقت هو البُغض كما في القاموس (٧)، وروي أنه أشد البُغض. وقيل: إن الكلام في تلك الحال مكروه فقط، والقرينة الصارفة إلى معنى الكراهة الإجماع على أن الكلام غير محرَّم في هذه الحالة، ذكره الإِمام المهدي في الغيث (٨)، فإن صح الإِجماع صلح للصرف عند القائل بحجيته ولكنه يبعد حمل النهي على الكراهة ربطه بتلك العلة. قوله: (يضربان الغائط) يقال: ضربت الأرض إذا أتيت الخلاء، وضربت في الأرض إذا سافرت، روي ذلك عن ثعلب. والمراد هنا يمشيان إلى الغائط. قوله: (كاشفين) قال النووي (٩): "كذا ضبطناه في كتب الحديث وهو منصوب على الحال، قال: ووقع في كثير من نسخ المهذب "كاشفان"، وهو

стр. 313

صحيح أيضًا، خبر مبتدأ محذوف أي وهما كاشفان والأول أصوب". وذكر الرجلين في الحديث خرج مخرج الغالب وإلا فالمرأتان والمرأة والرجل أقبح من ذلك. [الباب الرابع] باب الإِبعاد والاستتار للمتخلي في الفضاء ٧/ ٨١ - (عَنْ جابِرٍ قالَ: خَرَجْنا مَعَ النَّبيِّ ﷺ في سَفَرٍ فَكانَ لا يَأْتِي البَرَازَ حَتَّى يَغِيبَ فَلا يُرَى. رَواهُ ابْنُ ماجَهْ (١)، وَلِأبي دَاوُدَ (٢): "كانَ إذا أرَادَ البَرَازَ انْطَلَق حَتَّى لا يَرَاهُ أحَدٌ). [صحيح] الحديث رجاله عند [ابن] (٣) ماجه رجال الصحيح إلا إسماعيل بن عبد الملك الكوفي فقال البخاري (٤): يكتب حديثه وقال أبو حاتم (٥): ليس بالقوي. وقال في التقريب (٦): صدوق كثير الوهم. وقد أخرجه أيضًا النسائي (٧) وأبو داود (٨) والترمذي (٩)، وقال: حسن صحيح من حديث المغيرة بلفظ: "كان إذَا ذهب أبعد"، و [ما] (١٠) أخرجه أبو داود (١١) من حديث جابر بلفظ: "كانَ إذا أَرَادَ البَرَازَ انطَلقَ حَتَّى لا يَرَاهُ أحَدٌ"، وفي إسناده [أيضًا] (١٠) إسماعيل بن عبد الملك الكوفي نزيل مكة، وقد تكلم فيه غير واحد.

стр. 314

قوله: (لا يأتي البَرَازَ)، البَرَاز بفتح الباء اسم للفضاء الواسع من الأرض، كنَّى به عن حاجة الإِنسان كما كنَّى عنها بالغائط والخلاء. والحديث يدل على مشروعية الإِبعاد لقاضي الحاجة، والظاهر أن العلة إخفاء المستهجن من الخارج، فيقاس عليه إخفاء الإِخراج، لأن الكل مستهجن. ٨/ ٨٢ - (وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرٍ قالَ: "كانَ أحَبَّ ما اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحاجَتِهِ هَدَفٌ أوْ حايِشُ نَخْلٍ". رَواهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَابنُ ماجهْ (٣). [صحيح] وَحايِشُ نَخْلٍ: أيْ جَماعَتُهُ وَلا وَاحِدَ لهُ مِنْ لَفْظِهِ). قوله: (هدف) الهدف محركة: كل مرتفع من بناء أو كثيب رمل أو جبل. قوله: (أو حايِشُ نَخْلٍ) بالحاء المهملة فألِفٌ فَيَاءٌ: مثناة تحتية فشين معجمة، هو في كتب اللغة كما ذكره المصنف (٤). والحديث يدل على استحباب أن يكون قاضي الحاجة مستترًا حال الفعل بما يمنع من رؤية الغير له وهو على تلك الصفة، ولعل قضاءه ﷺ للحاجة في حايش النخل في غير وقت الثمرة لما عند الطبراني في الأوسط (٥) من طريق ميمون بن مهران عن ابن عمر: "نهى رسول الله ﷺ أن يتخلَّى الرجل تحت شجرة مثمرة أو على ضفة (٦) نهر جار". ولكنه لم يروه عن ميمون إلا فرات بن

стр. 315

السائب، وفرات متروك، قاله البخاري (١) وغيره (٢). ٩/ ٨٣ - (وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ أتَى الغائط فَلْيَسْتَتِرْ، فإِن لمْ يَجِدْ إِلَّا أن يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَليَسْتَدْبِرْهُ فإِنَّ الشَّيْطانَ يَلعَبُ بِمَقاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ". رَواهُ أحْمَدُ (٣) وأبُو دَاوُدَ (٤) وابْنُ ماجَهْ) (٥). [ضعيف] الحديث رواه أيضًا ابن حبان (٦) والحاكم (٧) والبيهقي (٨)، "ومداره على أبي سعيد الحبراني الحمصي وفيه اختلاف، وقيل: إنه صحابي ولا يصح، والراوي عنه حصين الحبراني وهو مجهول، وقال أبو زرعة (٩): شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات (١٠) وذكر الدارقطني لاختلاف فيه في العلل". والحديث فيه الأمر بالتستر معللًا بأن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، وذلك أن الشيطان يحضر وقت قضاء الحاجة لخلوِّه عن الذكر الذي يطرد به، فإذا حضر في ذلك الوقت أمر الإنسان بكشف العورة وحسَّن له البول في المواضع الصلبة التي هي مظنة رشاش البول، وذلك معنى قوله: "يلعب بمقاعد بني آدم"، فأمر

стр. 316

رسول الله ﷺ قاضي الحاجة بالتستر حال قضائها مخالفة للشيطان ودفعًا لوسوسته التي يتسبب عنها النظر إلى سوأة قاضي الحاجة المفضي إلى إثمه. قوله: (إلا أن يجمع كثيبًا من رمل) الكثيب بالثاء المثلثة: قطعة مستطيلة تشبه الربوة، أي: فإن لم يجد سترة فليجمع من التراب والرمل قدرًا يكون ارتفاعه بحيث يستره. قوله: (فليستدبره) أي يجعله دبر ظهره. وفيه أن الساتر حال قضاء الحاجة يكون خلف الظهر. [الباب الخامس] باب نهي المتخلي عن استقبال القبلة واستدبارها ١٠/ ٨٤ - (عَنْ أبِي هُرَيرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قالَ: "إذا جَلسَ أحَدُكُمْ لِحاجَتِهِ فَلا يَسْتَقْبِل القِبْلةَ وَلا يَسْتَدْبِرْها". رَواهُ أحمَدُ (١) ومُسْلِم (٢). [صحيح] وفي رِوايةِ الخمسة إلَّا التِّرْمِذِيَّ (٣) قالَ: "إنَّما أنا لَكُمْ بِمَنْزِلةِ الوَالِدِ أُعلمُكُمْ، فإِذا أتَى أحَدُكُمُ الغائِطَ فَلا يَسْتَقْبِلِ القِبْلةَ وَلا يَسْتَدْبِرهْا وَلا يَسْتَطِبَّ بِيَمِيِنِهِ"، وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلاثةِ أحْجارٍ وَينْهى عَنِ الرَّوْثَةِ، والرُّمَّةِ. [حسن] وَلَيْسَ لِأحْمَدَ فيهِ الأمْرُ بِالأحْجارِ). الحديث أخرجه أيضًا مالك (٤).

стр. 317

وفي الباب عن أبي أيوب في الصحيحين كما سيأتي (١). وعن سلمان في مسلم (٢). وعن عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ في ابن ماجه (٣) وابن حبان (٤). وعن معقل بن أبي معقل في أَبي داود (٥). وعن سهل بن حنيف في مسند الدارمي (٦). وزيادة "لا يستطب بيمينه" هي أيضًا في المتفق عليه (٧) من حديث أبي قتادة بلفظ: "فَلا [يَمَسَّ] (٨) ذَكَرَهُ بِيَمِيِنِهِ، وإذا أتى الخلأَ فلا يتمسَّحْ بيمينهِ"، قال ابن منده (٩): "مجمع على صحته".

стр. 318

وزيادة: "وكان يأمر بثلاثة أحجار"، أخرجها أيضًا ابن خزيمة (١) وابن حبان (٢) والدارمي (٣) وأبو عوانة في صحيحه (٤) والشافعي (٥)، من حديث أبي هريرة بلفظ: "وليستنج أحدكم بثلاثة أحجار". وأخرجها أحمد (٦) وأبو داود (٧) والنسائي (٨) وابن ماجه (٩) والدارقطني (١٠) وصححها من حديث عائشة بلفظ: "فليَذْهب معه بثلاثة أحجار يستَطِب بهنّ فإنها تُجزي عنه". وأخرجها مسلم (١١) من حديث سلمان. وأبو داود (١٢) من حديث خزيمة بن ثابت بلفظ: "فليستنج بثلاثة أحجار". وعند مسلم (١٣) من حديث سلمان بلفظ: أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نجتزئ بأقل من ثلاثة أحجار. [مذاهب العلماء في استقبال القبلة واستدبارها]: والحديث يدل على المنع من استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط، وقد اختلف الناس في ذلك على أقوال:

стр. 319

(الأوّل): لا يجوز ذلك لا في الصحارى ولا في البنيان، وهو قول أبي أيوب الأنصاري الصحابي ومجاهد وإبراهيم النخعي والثوري وأبي ثور وأحمد في رواية، كذا قاله النووي في شرح مسلم (١) ونسبه في البحر (٢) إلى الأكثر، ورواه ابن حزم في المحلَّى (٣) عن أبي هريرة وابن مسعود وسراقة بن مالك وعطاء والأوزاعي. وعن السَّلَفِ من الصحابةِ والتابِعينَ. (المذهبُ الثاني): الجوازُ في الصحارى والبنيانِ. وهو مذهبُ عروةَ بن الزبيرِ وربيعةَ شيخِ مالكٍ وداودَ الظاهريِّ، كذا رواهُ النووي في شرحِ مسلم (٤) عنهم، وهو مذهبُ الأميرِ الحسينِ (٥). (المذهب الثالث): أنه يحرم في الصحارى لا في العمران. وإليه ذهب مالك والشافعي وهو مروي عن العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن عمر والشعبي وإسحق بن راهويه وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه. صرّح بذلك النووي في شرح مسلم (٦) أيضًا، وزاد في البحر (٧) عبد الله بن العباس، ونسبه في الفتح (٨) إلى الجمهور. (المذهب الرابع): أنه لا يجوز الاستقبال لا في الصحارى ولا في العمران، ويجوز الاستدبار فيهما وهو أحد الروايتين عن أبي حنيفة وأحمد (٩). (المذهب الخامس): أن النهي للتنزيه فيكون مكروهًا، وإليه ذهب الإِمام القاسم بن إبراهيم، وأشار إليه في الأحكام، وحصله القاضي زيد لمذهب الهادي

стр. 320

﵇، ونسبه في البحر (١) إلى المؤيد بالله وأبي طالب والناصر والنخعي وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي أيوب الأنصاري. (المذهب السادس): جواز الاستدبار في البنيان فقط وهو قول أبي يوسف، ذكره في الفتح (٢). (المذهب السابع): التحريم مطلقًا حتى في القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس وهو محكي عن إبراهيم وابن سيرين، ذكره أيضًا في الفتح (٣). وقد ذهب إلى عدم الفرق بين القبلتين الهادوية (٤) ولكنهم صرّحوا بأنه مكروه فقط. (المذهب الثامن): أن التحريم مختص بأهل المدينة ومن كان على سَمْتِها فأما من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقًا، قاله أبو عوانة صاحب المزني، هكذا في الفتح (٥). [أدلة المذهب الأول]: احتج أهل المذهب الأوّل بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهي مطلقًا كحديث الباب (٦)، وحديث أَبي أيوب (٧)، وحديث سلمان (٨)، وغيرها عن غيرهم كما تقدم، قالوا: لأن المنع ليس إلا لحرمة القبلة وهذا المعنى موجود في الصحارى والبنيان، ولو كان مجرّد الحائل كافيًا لجاز في الصحارى لوجود الحائل من جبل أو واد أو غيرهما من أنواع الحائل. وأجابوا عن حديث ابن عمر (٩) أنه رأى النبي ﷺ مستقبل الشام مستدبر الكعبة بأنه ليس فيه أنه كان

стр. 321

ذلك بعد النهي، وبأنه موافق لما كان عليه الناس قبل النهي فهو منسوخ صرّح بذلك ابن حزم (١). وعن حديث جابر (٢) الذي قال فيه: "نهى النبي ﷺ أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها"، بأن فيه أبان بن صالح وليس بالمشهور، قاله ابن حزم (٣). وفيه أنه قد حسَّن الحديث الترمذي (٤) والبزّار (٥) وصحَّحه البخاري (٦) وابن السكن (٧). والأولى في الجواب عنه أن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاص بنا كما تقرّر في الأصول (٨). وعن حديث عائشة (٩) قالت: ذكر لرسول الله ﷺ أن أناسًا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم فقال: "أو قد فعلوها حوِّلوا مقعدتي قِبل القبلة"، بأنه من طريق خالد بن أبي الصلت وهو مجهول لا ندري من هو؟ قاله ابن حزم (١٠)، وقال الذهبي في ترجمته (١١): إنّ حديث: "حوّلوا مقعدتي" منكر؛ وفيه أنه قال النووي في شرح مسلم (١٢): إن إسناده حسن.

стр. 322

[أدلة المذهب الثاني]: واحتج أهل المذهب الثاني بحديث ابن عمر (١) وجابر (٢) وعائشة (٣)، وسيأتي ذكر من أخرجها في الباب الذي بعد هذا وقالوا: إنها ناسخة للنهي. [أدلة المذهب الثالث]: واحتج أهل المذهب الثالث بحديث ابن عمر (٤) وعائشة (٥) لأن ذلك كان في البنيان قالوا: وبهذا حصل الجمع بين الأحاديث، والجمع بينها ما أمكن هو الواجب، قال الحافظ في الفتح (٦): وهو أعدل الأقوال لإِعماله جميع الأدلة. انتهى. ويرده حديث جابر (٧) الآتي فإنه لم يقيد الاستقبال فيه بالبنيان، وقد يجاب بأنها حكاية فعل لا عموم لها، وسيأتي تحقيق الكلام في الباب الذي بعد هذا (٨). وما روي عن ابن عمر (٩) أنه قال إنما نهى عن ذلك في الفضاء كما سيأتي، يؤيد هذا المذهب. [أدلة المذهب الرابع]: واحتج أهل المذهب الرابع بحديث سلمان الذي في صحيح مسلم (١٠) وليس فيه إلا النهي عن الاستقبال فقط وهو باطل لأن النهي عن الاستدبار ورد في الأحاديث الصحيحة وهو زيادة يتعين الأخذ بها.

стр. 323

[أدلة المذهب الخامس]: واحتج أهل المذهب الخامس بحديث عائشة (١) وجابر (٢) وابن عمر (٣) وسيأتي ذكر ذلك، قالوا: إنها صارفة للنهي [عن] (٤) معناه الحقيقي وهو التحريم إلى الكراهة وهو لا يتم في حديث ابن عمر وجابر لأنه ليس فيهما إلا مجرد الفعل وهو لا يعارض القول الخاص بنا كما تقرر في الأصول. ولا شك أن قوله: "لا تستقبلوا القبلة" خطاب للأمة. نعم إن صح حديث عائشة صلح لذلك (٥). [أدلة المذهب السادس]: واحتج أهل المذهب السادس بحديث ابن عمر (٦) لأن فيه أنه رآه مستدبر القبلة مستقبل الشام، وفيه ما سلف. [أدلة المذهب السابع]: واحتج أهل المذهب السابع بما رواه أبو داود قال: "نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط" رواه أبو داود (٧) وابن ماجه (٨)، قال الحافظ في الفتح (٩): "وهو حديث ضعيف لأن فيه راويًا مجهول الحال. وعلى تقدير صحته فالمراد بذلك أهل المدينة ومن على سَمْتها؛ لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبارهم الكعبة، فالعلة استدبار الكعبة لا استقبال بيت المقدس. وقد ادَّعى الخطابي الإِجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في

стр. 324

استقباله [القبلة] (١) وفيه نظر لما ذكرنا عن إبراهيم وابن سيرين" انتهى. وقد نسبه في البحر (٢) إلى عطاء والزهري والمنصور بالله، والمذهب. [أدلة المذهب الثامن]: واحتج أهل المذهب الثامن بعموم قوله: "شرِّقوا أو غرِّبوا" (٣) وهو استدلال في غاية الركَّة والضعف. إذا عرفت هذه المذاهب وأدلتها لم يخف عليك ما هو الصواب منها وسيأتيك التصريح به والمقام من معارك النظار فتدبره. وفي الحديث أيضًا دلالة على أنه يجب الاستنجاء بثلاثة أحجار. ولا يجوز الاستنجاء بدونها لنهيه ﷺ عن الاستنجاء بدون ثلاثة أحجار، وأما بأكثر من ثلاث فلا بأس به لأنه أدخل في الإِنقاء. وقد ذهب الشافعي (٤) وأحمد بن حنبل (٥) وإسحق بن راهويه وأبو ثور إلى وجوب الاستنجاء وأنه يجب أن يكون بثلاثة أحجار أو ثلاث مسحات، وإذا استنجى للقبل والدبر وجب ست مسحات لكل واحد ثلاث مسحات، قالوا: والأفضل أن يكون بستة أحجار فإن اقتصر على حجر واحد له ستة أحرف أجزأه، وكذلك تجزي الخرقة الصفيقة التي إذا مسح بأحد جانبيها لا يصل البلل إلى الجانب الآخر. قالوا: وتجب الزيادة على ثلاثة أحجار إن لم يحصل الإِنقاء بها. وذهب مالك (٦) وداود إلى أن الواجب الإِنقاء، فإن حصل بحجر أجزأه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي. وذهبت العترة وأبو حنيفة إلى أنه ليس بواجب، وإنما يجب عند الهادوية

стр. 325

على المتيمِّم إذا لم يستنج بالماء لإِزالة النجاسة، قالوا: إذ لا دليل على الوجوب. كذا في البحر (١)، وفيه: أنه قد ثبت الأمر بالاستجمار والنهي عن تركه بل النهي عن الاستجمار بدون الثلاث فكيف يقال: لا دليل على الوجوب؟. وفي الحديث أيضًا النهي عن الاستطابة باليمين. قال النووي (٢): "وقد أجمع العلماء على أنه منهي عنه، ثم الجمهور على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم. وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه حرام، قال: وأشار إلى تحريمه جماعة من أصحابنا، انتهى. قلت: وهو الحق لأن النهي يقتضي التحريم ولا صارف له فلا وجه للحكم بالكراهة فقط. وفي الحديث أيضًا دلالة على كراهة الاستجمار بالروثة، وقد ثبت عنه ﷺ عند البخاري (٣) أنه قال: "إنها ركس" ولم يستجمر بها، وكذلك الرُّمَّة وهي العظم لأنها من طعام الجن. وسيأتي الكلام على ذلك في (باب النهي عن الاستجمار بدون الثلاثة الأحجار) (٤). ١١/ ٨٥ - (وَعَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "إذا أتَيْتُمُ الغائِطَ فَلا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ وَلا تَسْتَدْبِروُها وَلكِنْ شَرِّقُوا أوْ غرِّبُوا". قالَ أبُو أيُّوبَ: فَقَدِمْنا الشَّامَ فَوَجَدنَا مَراحِيضَ قدْ بُنيَتْ نَحْوَ الكَعبةِ فَنَنْحَرِفُ عَنها وَنَسْتَغْفِر الله تعالى. مُتفَق عَليْهِ) (٥). [صحيح] قوله: (إذا أتيتم الغائطَ) هو الموضِعُ المطمَئنُّ من الأرضِ، كانوا ينتابونَهُ للحاجةِ، فكنَّوا بهِ عن نفس الحدث كراهيةً منهم لذكرِهِ بخاصِّ اسمِهِ.

стр. 326

قوله: (ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا) محمول على محل يكون التشريق والتغريب فيه مخالفًا لاستقبال القبلة واستدبارها كالمدينة وما في معناها من البلاد، ولا يدخل في ما كانت القبلة فيه إلى المشرق أو المغرب. قوله: (مراحِيْضَ) بفتح الميم وبالحاء المهملة وبالضاد المعجمة: جمعُ مِرْحَاضٍ: وهو المغتسلُ، وهو أيضًا كنايةٌ عن موضع التخلي. قوله: (ونستغفرُ اللَّهَ) قيل: يُرادُ بهِ الاستغفارُ لباني الكُنُفِ على هذِهِ الصفةِ الممنوعةِ عنده. وإنما وجب المصيرُ إلى هذا التأويلِ لأن المنحَرِفَ لا يحتاجُ إلى استغفارٍ والحديثُ استُدِلَّ بهِ على المنْعِ من استقبالِ القِبلةِ. واستدلَّ بقولِ أبي أيوبَ مَنْ لم يفرِّقْ بين الصَّحَارَى والبنيانِ، وقد تقدم الكلامُ على فقهِ الحديث في الذي قَبْلَهُ. [الباب السادس] باب جواز ذلك بين البنيان ١٢/ ٨٦ - (عَنْ ابْنِ عمَرَ ﵁ قالَ: رَقِيتُ يَوْمًا على بَيْتِ حَفْصَةَ فرَأيْتُ النَّبيَّ ﷺ على حَاجتِهِ مُسْتَقْبِلَ الشَّام مُسْتَدْبِرَ الكَعْبَةِ. رَواهُ الجمَاعةُ) (١). [صحيح] وقع في رواية لابن حِبَّانَ (٢) مُستقبِلَ القِبْلةِ مستدبرَ الشامِ، قال الحافظ (٣): وهي خطأً تعدُّ من قسمِ المقلوبِ. قوله: (رقيتُ) رَقى إلى الشيءِ بكسرِ القافِ رَقيًا ورُقُوًّا: صَعدَ وَترقَى مثلُه، ورَقي غيرَه، والمِرْقاةُ والمَرقاةُ: الدَّرَجةُ، ونظيرهُ مَسْقاةٌ ومِسْقاةُ، ومثنَّاة ومِثْنَاةٌ

стр. 327

للحَبْلِ، وَمبناةٌ ومِبناةٌ للعيبةِ أو النَّطْعِ يعني بفتحِ الميم وكَسْرِها فيها، قاله ابنُ سيِّد الناس في شرح التِّرمذي (١). قوله: (على بيت حَفصةَ) وقعَ في رواية: "على ظهرِ بيت لنَا"، وفي أخرى: "على ظَهرِ بيتِنَا" وكلُّها في الصحيحِ. وفي روايةٍ لابنِ خُزيمة (٢): "دخلتُ على حفصةَ بنتِ عمرَ فصعدْتُ ظهرَ البيتِ"، وطريقُ الجمعِ أنْ يُقال: أضافَ البيتَ إليهِ على سبيل المجازِ لكونِها أُختَهُ وأضافَه إلى حفصةَ لأنه البيتُ الذي أسكنَها فيهِ رسولُ اللهِ ﷺ ، أوْ أضافَهُ إلى نفسِه باعتبارِ ما آلَ إليه الحالُ لأنه وَرِثَ حَفصةَ دونَ إِخوتِهِ لكونِه شقيقَها. [عودة إلى مناقشة مذاهب العلماء في استقبال واستدبار القبلة]: الحديثُ يدلُّ على جوازِ استدبارِ القِبلةِ حالَ قضاءِ الحاجةِ، وقد استدلَّ به مَنْ قالَ بجوازِ الاستقبالِ والاستدبارِ، ورأى أنه ناسخٌ، واعتقدَ الإِباحةَ مُطلقًا. وبهِ احتجَّ من خصَّ عدمَ الجوازِ بالصَّحارى كما تقدم، ومَنْ خصَّ المنعَ بالاستقبالِ دونَ الاستدبارِ في الصَّحارى والعمرانِ، ومن جوَّزَ الاستدبارَ في البنيانِ وهي أربعةُ مذاهبَ مِنَ المذاهبِ الثمانيةِ التي تقدَّمتْ، ولكنَّه لا يخفى أن الدليلَ باعتبارِ الثلاثةِ المذاهبِ الأوَل من هذهِ الأربعةِ أخَصُّ مِنَ الدَّعوى. أمَّا الأوَّلُ منها فظاهِرٌ. وأمَّا الثاني فلأنَّ المدَّعى جوازَ الاستقبالِ والاستدبارِ في البنيان، وليس في الحديثِ إلا الاستدبارُ. وأمَّا الثالثُ فلأنَ المدَّعى جوازَ الاستدبارِ في الصَّحارى والعُمرانِ، وليس في الحديثِ إلا الاستدبارُ في العمرانِ فقط، ويمكنُ تأييدُ الأوَّلِ من الأربعةِ بأنَّ اعتبارَ خُصوصِ كونهِ في البنيانِ وصفٌ مُلغى فيطرح، ويُؤخذُ منهُ الجوازُ مجَرَّدًا عن ذلكَ، ولكنهُ يَفُتُّ في عَضُدِ هذا التأييدِ أن الواجِبَ أنْ يُقتصرَ في مخالفةِ مُقتضى العمومِ على مقدارِ الضرورةِ، ويبقى العامُّ على مُقتضى عمومِهِ فيما بقيَ من الصُّوَرِ، إِذْ لا معارِضَ لهُ فيما عَدَا تلكَ الصورةِ المخصوصَةِ التي وردَ بِها الدليلُ الخاصُّ، وهذا لو فُرِضَ أَنَّ حديثَ أبي

стр. 328

أيوبَ وغيرهِ وردَ بصيغةٍ واحدةٍ تعمُّ الاستقبالَ والاستدبارَ فكيفَ وهوَ قد وردَ بصيغتينِ: صيغةٍ دلتْ على منعِ الاستقبالِ، وصيغةٍ دلَّتْ على منعِ الاستدبارِ، فغايةُ ما في حديثِ ابن عمرَ تخصيصُ الصيغةِ الثانيةِ لأنه وارِدٌ في البُنيانِ، وهي عامَّةٌ لكلِّ استدبارٍ، ويمكن أيضًا تأييدُ المذهبِ الثاني مِنْ هذهِ الأربعةِ بأنَّ الاستقبالَ في البنيانِ مُقَاسٌ على الاستدبارِ ولكنَّه يخدُشُ فيهِ ما قالهُ ابنُ دقيقِ العيدِ (١): "إنّ هذا تقديمٌ للقياسِ على مُقتضَى اللفظِ العامِّ وفيهِ ما فيهِ على ما عُرِفَ في أصولِ الفقهِ، وبأنَّ شَرْط القياسِ مساواةُ الفَرْعِ للأصلِ أو زيادةٌ عليه في المعنى المعتبرِ في الحكمِ، ولا تساوي هاهنا، فإنَّ الاستقبالَ يزيدُ في القُبْحِ على الاستدبارِ على ما يشهدُ به العرفُ، ولهذا اعتبرَ بعضُ العلماءِ هذا المعنى فمنعَ الاستقبالَ، وأجازَ الاستدبارَ، وإذا كانَ الاستقبالُ أزيدَ في القُبحِ من الاستدبارِ فلا يلزمُ من إلغاءِ المفسدةِ الناقصةِ في القُبحِ في حُكمِ الجوازِ إلغاءُ المفسدةِ الزائدةِ في القبحِ في حُكمِ الجوازِ" انتهى. وفيه أن دَعوى الزيادةِ في القُبح ممنوعةٌ، ومجرَّدُ اقتصارِ بعضِ أهلِ العلمِ على منعِ الاستقبال ليسَ لكونهِ أشدَّ بلْ لأَنه لم يقمْ دليلٌ على جوازِهِ، كما قامَ على جوازِ الاستدبارِ، والتخصيصُ بالقياسِ مذهبٌ مشهورٌ راجحٌ، وهذا على تسليمِ أنه لا دليلَ على الجوازِ إلا مجرَّدَ القياسِ. وليسَ كذلكَ، فإنَّ حديثَ جابرٍ الآتي بلفظِ أنه رآهُ قبلَ أن يُقبضَ بعامِ [مُستقبِلَ] (٢) القِبلَةِ، نصٌّ في محلِّ النزاعِ لولا ما أسلفناهُ في البابِ الأوَّلِ من أن فعلَهُ ﷺ لا يُعَارضُ قولَه الخاصَّ بنا كما تقرَّرَ في الأصولِ. ويمكنُ تأييدُ المذهبِ الثالثِ من الأربعةِ بأنَّ الاستدبارَ في الفضاءِ [مُلحقٌ] (٣) بالاستدبارِ في البنيانِ، لأنَّ الأمكنةَ أوصافٌ طَرْدِيَّةٌ مُلغاةٌ، ويقدحُ فيه ما سلَفَ. وأما المذهبُ الرابعُ فلا مَطعنَ فيهِ إلَّا ما ذكرنَاهُ [مِنْ] (٤) أنه لا تعارُضَ بينَ قولهِ الخاصِّ بِنَا وفعلِهِ، لا سيَّما ورؤيةُ ابن عمرَ كانتْ اتفاقيةَ مِنْ دونِ قَصْدٍ منهُ ولا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ . فلو كانَ يترتَّبُ على هذا الفعلِ حُكْمٌ لعامَّةِ الناسِ لبيَّنه لهم، فإنَّ الأحكامَ العامَّةَ لا بُدَّ مِنْ بيانِها فليسَ في المقامِ ما يَصْلُحُ للتمسُّكِ به

стр. 329

في الجواز إلا حديثُ عائشةَ الآتي إن صَلُحَ للاحتجاجِ. ومِنْ جُملةِ المستدلِّينَ بحديثِ ابن عمرَ القائلونَ بكراهةِ التنزيهِ وفيه ما مرَّ. وبقيَّةُ الكلامِ على الحديثِ تقدَّمتْ في البابِ الأوَّلِ. ١٣/ ٨٧ - (وَعَنْ جابِرِ بْنِ عبْدِ الله ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبيُّ ﷺ أنْ نَسْتَقْبلَ القِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْبَضَ بِعامٍ يَسْتَقْبِلُها. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا النسائِي) (١). [حسن] وأخرجَهُ أيضًا البزارُ (٢)، وابنُ الجارودِ (٣)، وابنُ خُزيمةَ (٤)، وابنُ حِبانَ (٥)، والحاكِمُ (٦)، والدارقُطني (٧) وحسَّنَهُ، والترمذي (٨)، ونقلَ عن البخاري تصحيحُه (٩). وحسَّنَهُ أيضًا البزارُ، وصححهُ أيضًا ابن السكنِ (١٠)، وتوقَّفَ فيهِ النوويُّ لعنعنةِ ابن إسحق (١١)، وقد صَرَّحَ بالتحديثِ في روايةِ أحمدَ (١٢) وغيرِه (١٣)، وضعفهُ ابنُ

стр. 330

عبدِ البر (١) بأَبانَ بن صالح القرشيِّ، قالَ الحافظُ (٢): "ووهِمَ في ذلكَ فإنه ثِقةٌ بالاتفاقِ، وادعى ابنُ حزمٍ (٣) أنه مجهولٌ فغلِطَ". والحديثُ استدلَّ بِه مَنْ قالَ بجوازِ الاستقبالِ والاستدبارِ في الصحارى والعمرانِ وجعلَهُ ناسِخًا، وفيه ما سلَفَ إلَّا أن الاستدلالَ بهِ أظهرُ مِنَ الاستدلالِ بحديثِ ابن عمرَ. لأنَّ فيه التصريحَ بتأخُّرِهِ عن النهي، ولا تصريحَ في حديثِ ابن عمر، ولعدَمِ تقييدِهِ بالبنيانِ كما في حديثِ ابن عمرَ، ولعدمِ ما يدلُّ على أن الرؤيةَ كانتْ اتفاقيةً بخلافِ حديثِ ابن عمرَ، وهو يَرُدُّ على من قالَ بجواز الاستدبارِ فقط، سواءٌ قيَّدهُ بالبنيانِ كما ذهبَ إليه البعض أو لم يقيدْهُ كما ذهب إليه آخرون، وقد سبقَ ذِكْرُهُمُ في الباب الأوّل، ويردُّ أيضًا على من قيَّدَ جوازَ الاستقبالِ والاستدبارِ بالبنيانِ لعدمِ التقييدِ مِنْ جابرٍ، وقدْ يُجابُ بأنها حكايةُ فعلٍ لا عمومَ لها فَيُحْتملُ أن يكونَ لعذرٍ وأن يكونَ في بنيانٍ، هكذا أجابَ الحافظُ ابنُ حجرٍ، ذكرَ ذلكَ في التلخيص (٤)، ولا يخفى أنَّ احتمالَ أنْ يكونَ ذلكَ الفعلُ لِعُذْرٍ يقالُ مثلُه في حديثِ ابن عمرَ فلا يتمُّ للشافعيةِ ومَنْ معهُم الاحتجاجُ بهِ على تخصيصِ الجوازِ بالبنيانِ. وقد تقدمَ الكلامُ على الحديثِ في الذي قبلهُ وفي البابِ الأوَّلِ. ١٤/ ٨٨ - (وَعَن عائِشَةَ ﵂ قالتْ: ذُكِرَ لِرَسُولِ الله ﷺ أن ناسًا يَكْرَهُونَ أن يَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِفُرُوجِهِمْ فقالَ: "أو قَدْ فَعَلُوها، حَوِّلُوا مَقْعَدَتِي قِبَلَ القِبْلةِ". رَوَاهُ أحْمَد (٥) وَابْنُ ماجَهْ) (٦). [منكر] الحديثُ قالَ ابن حزمٍ في المحلَّى (٧): "إنُه ساقِطٌ لأَنَّ راويهِ خالدٌ الحذاءُ،

стр. 331

وهو ثقةٌ عن خالدِ بن أبي الصَّلتِ، وهو مجهولٌ لا ندري مَنْ هوَ، وأخطأَ فيه عبدُ الرزاقِ، فرواهُ عن خالدٍ الحذاءِ عن كثيرِ بن الصَّلتِ، وهذا أبطلُ؛ وأبطلُ لأنَّ خالدًا الحذاءَ لم يُدرِكْ كثيرَ بنَ الصَّلتِ، ثم لو صحَّ لما كانتْ فيهِ حجةٌ لأن نصَّهُ ﷺ يبيِّنُ أنهُ إنما كانَ قبلَ النهي، لأنَّ مِنَ الباطلِ المحالِ أنْ يكونَ رسولُ اللهِ ﷺ نهاهُم عن استقبال القبلةِ بالبولِ والغائطِ، ثم ينكرُ عليهم طاعتَهُ في ذلكَ، هذا ما لا يظنهُ مسلمٌ ولا ذُو عقلٍ، وفي هذا الخبر إنكارُ ذلكَ عليهم، فلو صَحَّ لكانَ منسوخًا بلا شكٍّ، ثم لو صحَّ لما كانَ فيهِ إلا إباحةُ الاستقبالِ فقط لا إباحةُ الاستدبارِ أصلًا فبطَلَ تعلُّقهُم به"، انتهى. وقالَ الذهبيُّ في "الميزان" (١) في ترجمةِ "خالدِ بن أبي الصلتِ": إنَّ هذا الحديثُ منكرٌ. وقالَ النوويُّ في "شرحِ مسلم" (٢): إنَّ إسنادَهُ حسنٌ. والحديثُ استدلَّ بهِ مَنْ ذهبَ إلى النسخِ، وقد عرَّفناكَ أنه لا دليلَ يدلُّ على الجوازِ إلا هذا الحديثُ؛ لأنهُ لا يصخ دعوى اختصاصهِ بالنبيِّ ﷺ لقوله: "أوَقدْ فعلُوهَا". وأما حديثُ ابن عمرَ وجابرٍ فقدْ قررْنَا لكَ أن فِعلَهُ لا يعارضُ القولَ الخاصَّ بالأمَّةِ. وقوله: (لا تَستقبِلوا، لا تستدبِروا) مِنَ الخطاباتِ الخاصَّةِ بِهمْ فيكونُ فِعلُه بعدَ القولِ دليلَ الاختصاصِ بهِ لعدمِ شمولِ ذلكَ الخطابِ له بطريقِ الظهورِ، ولا

стр. 332

صيغةَ تكونُ فيها النصوصيةُ عليه، وهذا قد تقررَ في الأصولِ، ولم يذهبْ إلى خلافٍ أحدٌ مِنْ أئمتِهِ الفحولِ، ولكنَّ الشأنَ في صحةِ هذا الحديثِ وارتفاعِهِ إلى درجةِ الاعتبارِ، وأينَ هو مِنْ ذاكَ؟ فالإِنصافُ الحكمُ بالمنعِ مطلقًا، والجزمُ بالتحريمِ حتى ينتهضَ دليل يصلُح للنسخِ أو التخصيصِ أو المعارَضَةِ، ولم نقفْ على شيءٍ مِنْ ذلكَ، إلا أنه يُؤنسُ بمذهبِ مَنْ خصَّ المنعَ بالفضاءِ ما سيأتي عن ابن عمرَ مِنْ قولِهِ: إنما نهي عن هذا في الفضاءِ، بالصيغةِ القاضيةِ بحصرِ النهي عليه، وسيأتي ما فيه. ١٥/ ٨٩ - (وعَنْ مَرْوَانَ الأصْفَرِ قال: رَأيْتُ ابْنَ عُمَرَ أناخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلةِ يَبُولُ إليْها، فقُلْتُ: أبا عبدِ الرَّحْمنِ أليْسَ قَد نُهِي عَنْ ذَلِكَ؟ فقالَ: بَلَى، إنَّما نُهِيَ عَنْ هذا في الفَضَاءِ، فإِذا كانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ القبْلةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلا بأسَ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (١). [حسن] أخرجَهُ وسكتَ عنهُ، وقد صحَّ عنهُ أنه لا يسكتُ إلَّا عمَّا هو صالحٌ للاحتجاجِ (٢)، وكذلكَ سكتَ عنهُ المنذري (٣)، ولم يتكلَّم عليهِ في تخريجِ السُّنَنِ.

стр. 333

وذكرَهُ الحافِظُ ابنُ حجرٍ في "التلخيصِ" (١) ولم يتكلَّم عليهِ بشيءٍ، وذكَرَ في الفتحِ (٢) أنه أخرجَهُ أبو داودَ والحاكمُ بإسنادٍ حسنٍ. وروى البيهقي (٣) من طريقِ عيسى الخيَّاطِ (٤) قال: قلتُ للشعبي: إنِّي لأعجبُ لاختلافِ أبي هريرةَ وابن عمرَ، قال نافعٌ عن ابن عمرَ: دخلتُ إلى بيتِ حفصةَ فحانتْ مِني التفاتةٌ، فرأيتُ كنيفَ رسولِ اللهِ ﷺ مستقبلَ القِبلَةِ. وقالَ أبو هريرةَ: إذا أَتَى أحَدُكم الغائِطَ فلا يستقبلِ القبلة ولا يستدبِرْهَا، قالَ الشعبيُّ: صدَقا جميعًا، أما قولَ أبي هريرةَ فهوَ في الصَّحْراءِ، فإنَّ للَّهِ عبادًا ملائكةً وجِنًّا يصلُّونَ، فلا يستقبلُهم أحدٌ ببولٍ ولا غائطٍ، ولا يستدبرُهم، وأما كُنفكُم هذهِ فإنَّما هي بيوتٌ بُنيتْ لا قِبلةَ فيها، وأخرجَهُ ابنُ ماجه (٥) مختصرًا. وقولُ ابن عمرَ يدلُّ على أن النهيَ عن الاستقبالِ والاستدبارِ إنما هو في الصحراءِ معَ عدمِ الساترِ، وهو يصلُحُ دليلًا لمن فرَّقَ بينَ الصَّحْراءِ والبنيانِ، ولكنَّه لا يدلُّ على المنعِ في الفضاءِ على كلِّ حالٍ كما ذهبَ إليه البعضُ، بل معَ عدمِ الساترِ، وإنما قلْنا بصلاحيتِهِ للاستدلالِ لأنَّ قولَه: إنما نُهيَ عن هذا في الفضاءِ يدلُّ على أنّهُ قدْ عَلِمَ ذلكَ مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ ، ويحتملُ أنه قالَ ذلكَ استنادًا إلى الفعلِ الذي شاهدَهُ ورواهُ، فكأنَّه لما رأى النبي ﷺ في بيتِ حفصةَ مستدبرًا للقبلةِ فَهِمَ اختصاصَ النهي بالبنيانِ، فلا يكونُ هذا الفهمُ حُجةً، ولا يصلُحُ هذا القولُ للاستدلالِ بهِ، وأقلُّ شيءٍ الاحتمالُ، فلا ينتهضُ لإِفادةِ المطلوبِ، وقد سُقْنَا في شرحِ أحاديثِ [هذا] (٦) البابِ والذي قبلَهُ من الكلامِ على هذهِ المسأَلة المعضِلةِ أبحاثًا [لا] (٧) تجدُها في غيرِ

стр. 334

هذا الكتابِ، ولعلكَ لا تحتاجُ بعدَ إمعانِ النظرِ فيها إلى غيرِهِ. [عدم كراهة استقبال القمرين والنيرات لضعف الدليل]: (فائدة) قال المنصورُ باللَّهِ والغزاليُّ والصيمَرِيُّ: إنه يكرهُ استقبالُ القمرينِ والنيراتِ قالوا: لِشرفِها بالقَسَم بها فأشبهتِ الكعبةَ كذا في البحر (١)، وقد استقوى عدمُ الكراهةِ. وقد قيلَ في الَاستدلالِ على الكراهةِ بأنهُ رَوى الحكيمُ التِّرمذي (٢) عن الحسنِ قالَ: حدثني سبعةُ رَهْطٍ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وهُم: أبو هريرةَ، وجابرٌ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو، وعِمْرانُ بنُ حُصينٍ، ومَعقِلُ بنُ يسارِ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، وأنسُ بنُ مالكٍ، يزيدُ بعضُهم على بعضٍ في الحديث: "أن النبيَّ ﷺ نهى أنْ يُبالَ في المغتسلِ، ونهى عن البولِ في الماءِ الراكدِ، ونهى عن البولِ في الشارعِ، ونهى أنْ يبولَ الرجلُ وفرجُهُ بادٍ إلى الشمسِ والقمر"، فذكرَ حديثًا طويلًا في نحو خمسةِ أوراقٍ على هذا الأسلوبِ. قالَ الحافظُ (٣): "وهو حديثٌ باطلٌ لا أصلَ لهُ بلْ هو من اختلاقِ عبادِ بن كثيرٍ، وذكرَ أن مدارَهُ عليهِ. وقالَ النوويُّ في شرحِ المهذِّبِ (٤): هذا حديثٌ باطِلٌ. وقالَ ابنُ الصَّلاحِ (٥): لا يُعرفُ، وهو ضعيفٌ، انتهى. الباب السابع باب ارتياد المكان الرخو وما يكره التخلي فيه ١٦/ ٩٠ - (عَنْ أبِي مُوسى قالَ: مالَ رَسُولُ الله ﷺ إلى دَمَثٍ إلى جَنبِ حائِطٍ فَبالَ، وَقالَ: "إذا بَالَ أحَدُكُمْ فَليرْتَدْ لِبَوْلِه". رَوَاهُ أحْمَدَ (٦) وَأبُو دَاوُدَ) (٧). [ضعيف]

стр. 335

الحديثُ فيهِ مجهولٌ لأنَّ أبا داودَ قالَ في سُنَنِهِ (١): حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدثنا حمادُ أخبرنا أبو التياحِ حدثني شيخٌ قال: لما قدِمَ عبدُ اللَّهِ بنُ عباسِ البصرةَ فكانَ يحدثنا عن أبي موسى فكتبَ عبدُ الله إلى أبي موسى يسألُه عن أشياءَ فكتبَ إليه أبو موسى إنِّي كنتُ معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ذات يومٍ فأرادَ أن يبولَ فأتى دَمَثًا في أَصْلِ جدارٍ فبالَ ثم قالَ ﷺ : "إذا أرادَ أحدُكم أن يبولَ فليرتَدْ لبولِهِ موضِعًا". قوله: (إلى دَمَثٍ) هو بدالٍ مهملةٍ فميمٍ مفتوحتينِ فثاءٍ مثلثةِ ذكرَ معناهُ في المصباح (٢). وفي القاموس (٣): دَمِثَ المكانُ وغيرُهُ كفرِحَ: سهُلَ، انتهى. فالصفةُ منه دمِثٌ بميمٍ مكسورةٍ قبلَها دالٌ مفتوحةٌ لأن الأكثرَ في الصفةِ المُشبهِ من فَعِلَ بكسر العين أن يكونَ على فعِل بكسر عينهِ أيضًا إلَّا أنْ يكونَ ما ذكرَهُ في المصباحِ من النادرِ فإنه قد جاءَ ندِسٌ وندُسٌ، وحذِرٌ وحذُرٌ، وعجِلٌ وعجُلٌ، بالضمِّ والكسرِ فيها. وجاءَ أيضًا فَعْل بسكون العين نحو: شَكْس بوزن فَلْس، وحُرُّ بوزنِ فلكٍ، وصفْرٌ بوزنِ حِبْرٍ، والكلُّ من فَعِل بكسر العين كما تقررَ في الصَّرْفِ، فينظَرُ هل تأتي منهُ الصِّفةُ على فَعَلٍ بفتح العينِ كما ذكرَهُ صاحبُ المصباحِ؟ اللهمَّ إلَّا أن يكونَ مصْدَرًا وُصِفَ بهِ المكانُ مبالغةً. وقد ضبطهُ ابنُ رسلانَ في شرحِ السنن بكسرِ الميم، على ما هو القياسُ كما ذكرْنَا. قوله: (فلْيرتَدْ) أي يطلبُ محلًّا سَهْلًا لينًا. والحديثُ يدلُّ على أنه ينبغي لمن أرادَ قضاءَ الحاجةِ أنْ يعمدَ إلى مكانِ ليِّنٍ

стр. 336

لا صلابَةَ فيه ليأمَنَ من رشاشِ البولِ ونحوِه، وهو وإنْ كان ضعيفًا فأحاديثُ الأمْرِ بالتنزُّهِ عن البولِ تفيدُ ذلك. ١٧/ ٩١ - (وَعَنْ قَتادَةَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَرْجِسٍ قالَ: نَهى رَسُولُ الله ﷺ أنْ يُبَالَ فِي الجُحْرِ، قالُوا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنَ الْبَوْلِ فِي الجُحْرِ؟ قَالَ: يُقَالُ: إنَّهَا مَسَاكِنُ الجنِّ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالنَّسَائِيُّ (٢) وَأَبُو داوُدَ) (٣). [ضعيف] وأخرجَهُ الحاكمُ (٤) والبيهقيُّ (٥)، وقيلَ: أن قتادةَ لم يسمعْ من عبدِ اللَّهِ بن سرجسٍ، حكاهُ حَرْبٌ عن أحمد (٦)، وأثبتَ سماعَهُ منهُ عليُّ بنُ المدينيِّ (٧)، وصححهُ ابنُ خزيمة (٨) وابنُ السكنِ (٩). قوله: (في الجُحْرِ) هو بضمِّ الجيمِ وسكونِ الحاءِ، كلُّ شيءٍ تحتفرُهُ السِّباعُ والهوامُّ لأنفُسِها كالجُحرانِ، والجمعُ جِحَرَةٌ كعِنَبَةٍ وأجحارٌ كأقفالٍ. قوله: (قالوا لقتادةَ ما يُكرَهُ) هو بضمِّ أولهِ مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعلُهُ. قاله ابنُ رسلانَ في شرحِ السننِ. والحديثُ يدل على كراهَةِ البولِ في الحُفَرِ التي تسكُنُها الهوامُّ والسِّباعُ، إما لما ذكرَهُ قتادَةَ، أو لأنه يؤذي ما فيها مِنَ الحيواناتِ. ١٨/ ٩٢ - (وَعَنِ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "اتَّقُوا اللَّاعِنَينِ"، قالُوا: وَما اللَّاعِنانِ يَا رَسُولَ الله؟ قالَ: "الذِي يَتَخَلى في طَريِق الناسِ

стр. 337

أوْ في ظِلِّهِمْ". رَوَّاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَأَبُو دَاوُدَ) (٣). [صحيح] وفي لفظِ مسلمٍ (٤): "اتقُوا اللَّعَّانَيْنِ"، قالوا: وما اللَّعَّانانِ الحديثُ، قالَ الخطابي (٥): المرادُ باللاعِنينِ الأمران الجالبانِ لِلَّعنِ، الحاملانِ الناسَ عليه والداعيانِ إليهِ، وذلكَ أن مَنْ فعلَهُمَا لُعِنَ وشُتِمَ، يعني عادةُ الناسِ لعنُه، فلما صارًا سَببًا أُسْنِدَ اللعنُ إليهمَا على طريقِ المجازِ العقليِّ، قالَ: وقد يكونُ اللاعِنُ بمعنى الملعونِ أي الملعونُ فاعِلُهُمَا فهوَ كذلكَ من المجاز العقليِّ. وقوله: (الذي يتخلَّى في طريقِ الناسِ) على حذفِ مضافٍ، وتقديرُه: تخلَّى الذي يتخلَّى. قوله: (أو في ظِلِّهم) المرادُ بالظلِّ هنا على ما قالَهُ الخطابيُّ وغيرهُ مَسْتَظَلُّ الناسِ الذي يتخذونَهُ مَقيلًا ومنزلًا ينزلونَهُ ويقعدونَ فيهِ، وليس كلُّ ظِلِّ يحرمُ قضاءُ الحاجةِ فيه، فقد قضَى النبيُّ ﷺ حاجتهُ في حايش النخلِ كما سَلَفَ وله ظِلٌّ بلا شكٍّ. والحديثُ يدلُّ على تحريمِ التخلِّي في طُرُقِ الناسِ وظلِّهِمْ لما فيهِ من أذيةِ المسلمينَ بتنجيسِ مَنْ يمرُّ بهِ ونَتَنِهِ واستقذارِهِ. ١٩/ ٩٣ - (وَعَنِ أبي سَعِيدٍ الحِمْيَرِيِّ عَنْ مُعاذِ بن جبَلٍ ﵁: قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اتَّقُوا المَلاعِنَ الثَّلاثَ: البَرَاز في المَوَارِدِ وقَارِعَةِ الطَّريقِ وَالظِّلِّ" رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٦) وابْنُ ماجَهْ (٧) وَقالَ: هُوَ مُرْسَلٌ). [حسن بشواهده]

стр. 338

الحديثُ أخرجَهُ أيضًا الحاكمُ (١) وصحَّحَهُ، وصحَّحَهُ أيضًا ابنُ السَّكَنِ (٢)، قالَ الحافظُ (٣): "وفيهِ نظرٌ لأنَّ أبا سعيدٍ لم يسمعْ مِنْ معاذٍ ولا يُعْرَفُ بغيرِ هذا الإِسنادِ، قاله ابنُ القطانِ. وفي البابِ عن ابن عباسٍ نحوُه، رواهُ أحمدُ (٤)، وفيهِ ضعفٌ لأجلِ ابن لهيعةَ، والراوي عن ابن عباسَ مُبهمٌ، وعن سعدِ بن أبي وقاصٍ في عِللِ الدراقُطني (٥). وعن أبي هريرةَ رواهُ مسلمٌ في صحيحهِ (٦) بلفظِ: "اتقُوا اللاعنين قالوا: وما اللاعِنانِ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الذي يتخلى في طريقِ الناسِ أو [في] (٧) ظِلِّهم". وفي روايةٍ لابن حِبانَ (٨): "وأفنيتهمْ"، وفي روايةِ ابن الجارودِ (٩): "أَوْ مجالسِهِمْ"، وفي لفظٍ للحاكم (١٠): "مَنْ سلَّ سَخِيمَتَه (١١) على طريقٍ عامرةٍ من طرق المسلمينَ فعليهِ لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ" وإسنادُهُ ضعيفٌ. قاله الحافِظُ ابنُ حجرٍ (١٢): وفي ابن ماجه (١٣) عن جابرٍ بإسنادٍ حسنٍ مرفوعًا: "إياكُم والتعريسَ على جَوَادِّ الطريقِ، فإنَّها مأوى الحيَّاتِ والسباعِ، وقضاءِ الحاجةِ عليها فإنَّها الملاعِنُ". وعن ابن عمرَ: "نهى أن يُصَلَّى على قارعةِ الطريقِ، أو يضربَ عليها الخلاءُ أو يُبالَ

стр. 339

فيها". وفي إسنادِهِ ابنُ لهيعةَ. وقالَ الدَّارقُطني: رفْعُهُ غيرُ ثابتٍ". وقالَ في التقريبِ (١) إنَّ أبا سعيدٍ الحميريِّ شاميٌّ مجهولٌ. "ورَوى عبد الرزاقِ (٢) عن ابن جريجٍ عن الشعبيِّ مرسلًا أنه ﷺ قالَ: "اتقُوا الملاعِنَ وأعِدُّوا النُّبَل". ورواهُ أبو عبيدٍ (٣) من وجهِ آخرَ عن الشعبي عمَّنْ سمعَ النبيَّ ﷺ .. قالَ ابنُ حجرٍ (٤): وإسنادُهُ ضعيفٌ، ورواهُ ابنُ أبي حاتمٍ في العِللِ (٥) من حديثِ سُراقةَ مرفوعًا، وصحَّحَ أبوهُ وقْفَهُ". والنبل (٦) بضمِّ النونِ وفتحِها: الأحجارُ الصِغارُ التي يُستنجى بها. والحديثُ يدُلُّ على المنع من قضاءِ الحاجةِ في الموارِدِ والظلِّ وقارِعةِ الطريقِ لما في ذلكَ من الأذيةِ للمسلمينَ. والبَرَازُ قد سَبَقَ ضبطُهُ في بابِ الإِبعادِ والاستتار. والمرادُ بالموارِدِ: المجاري والطرقُ إلى الماءِ واحدُها مورِدٌ. والمرادُ بقارعَةِ الطريقِ: أعلاهُ، سمي بذلكَ لأنَّ المارِّينَ عليه يقرعُونَهُ بنعالِهم وأرجُلِهِم. قالهُ ابنُ رسلان. والمرادُ بالظل الموضِعُ الذي يَستظلُّ بهِ الناسُ ويتخذونَهُ مقيلًا وينزلُونَهُ، لا كلُّ ظلٍّ. ٢٠/ ٩٤ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ المُغفِّلِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "لا يَبُولَنَّ أحدُكُمْ في مُسْتَحَمِّهِ ثم يتوضأ فيهِ فإِنَّ عامَّةَ الوِسوَاس منهُ". رَوَاهُ الخمسة (٧) لكِنْ قوْلهُ: "ثمَّ يَتَوضّأُ فيه". لأحمَدَ وَأبي دَاوُدَ فقَطْ). [ضعيف]

стр. 340

قالَ الترمذيُّ: حديثٌ غريبٌ وأخرجَه الضياءُ في المختارةِ (١) بنحوه. قوله: (في مُستحمِّهِ) المستحَمُّ: المغتسَلُ، سُمِّيَ باسم الحميم وهو الماءُ الحارُّ الذي يُغسلُ بهِ، وأطلِقَ على كلِّ موضِع يُغتسلُ فيهِ، وإن لم يكنِ الماءُ حارًا وقد صَرَّحَ في حديثٍ آخرَ بذكَرِ المغتسلِ ولفظُه قالَ: "نهى رسولُ اللَّهِ ﷺ أن يمتشِطَ أحدُنا كلَّ يومٍ أو يبولَ في مُغتسلهِ"، أخرجَهُ أبو داودَ (٢) والنسائيُّ (٣)، وراويهِ عن النبيِّ ﷺ مجهولٌ، وَجَهَالةُ الصحابيِّ لا تَضُرُّ. قوله: (عامَّةُ الوسواسِ) هو بكسرِ الواوِ الأولى: حديثُ النفسِ والشيطانِ بما لا نفعَ فيهِ، وأما بفتحِها فاسمٌ للشيطان. والحديثُ يدلُّ على المنعِ من البولِ في محلِّ الاغتسالِ لأنهُ يبقى أثرُهُ، فإذا انتضَحَ إلى المغتسلِ شيءٌ منَ الماءِ بعدَ وقوعِهِ على محلِّ البولِ نجَّسَهُ فلا يزالُ عندَ مباشرةِ الاغتسالِ متخيلًا لذلكَ فيفضي بهِ إلى الوَسْوَسَةِ التي عَلَّلَ ﷺ النهيَ بها. وقدْ قيلَ: إنهُ إذا كانَ للبولِ مَسلكٌ ينفُذُ فيهِ فلا كراهةَ، وربَطَ النهيَ بعلَّةِ إفضاءِ المنهيِّ عنهُ إلى الوَسْوَسَةِ يصلح قرينة لصرفِ النهي عن التحريم إلى الكراهَةِ. ٢١/ ٩٥ - (وَعَنْ جابِر عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهى أن يبالَ في الماءِ الراكِدِ. رَواهُ أحْمَدُ (٤) وَمُسلمٌ (٥) وَالنَّسائي (٦) وَابْنُ ماجَهْ) (٧). [صحيح] وقد تقدَّمَ الكلامُ على الحديثِ في (باب بيانِ زوالِ تطهيرِ الماءِ) (٨) وفي (بابِ حكمِ الماءِ) (٩) فَلْيُرْجَعْ إليهما.

стр. 341

[الباب الثامن] باب البول في الأواني للحاجة ٢٢/ ٩٦ - (عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ عَنْ أُمِّها (١) قالتْ: كَانَ لِلنّبِيِّ ﷺ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ تحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فيهِ باللّيْلِ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٢) والنَّسائي) (٣). [حسن لغيره]. الحديثُ أخرجَهُ أيضًا ابن حِبانَ (٤) والحاكمُ (٥). ورواهُ أبو ذرٍّ الهرَويُّ في مستدركِهِ (٦). وأخرجَ الحسنُ بنُ سُفيانَ في مُسندِهِ (٧) والحاكم (٨) والدارقطنى والطبراني (٩)

стр. 342

وأبو نعيم (١) من حديثِ أبي مالكٍ النخعي، عن الأسودِ بن قيسٍ (٢) عن نُبيحٍ العَنْزِي (٣) عن أمّ أيمنَ قالتْ: "قامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ من الليلِ إلى فَخَّارةِ له في جانبِ البيتِ فبالَ فيها، فقمتُ من الليلِ وأنا عطشانةٌ فشربتُ ما فيها وأنا لا أشعُر، فلمَّا أصبحَ النبيُّ ﷺ قالَ: "يا أمّ أيمنَ؛ قومي فأَهْرِيْقي ما في تلكَ الفخَّارةِ. قلتُ: قَدْ واللَّهِ شربتُهُ! قالتْ: فضحِكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ حتى بدتْ نواجِذُه ثم قالَ: أما واللَّهِ لا ييجَعَنَّ بطنُك أبدًا". ورواهُ أبو أحمدَ العسكرِيُّ (٤) بلفظِ: "لَنْ تَشْتَكي بطنَكِ" وأبو مالكٍ ضعيفٌ ونُبيحٌ لم يلحقْ أم أيمنَ. وله طريقٌ أخرى رواهَا عبدُ الرزاقِ (٥) عن ابن جُريجٍ: "أُخبِرْتُ أن النبي ﷺ كانَ يبولُ في قدحٍ من عَيدانٍ ثم يُوضَعُ تحتَ سريرهِ، فجاءَ فإذا القدَحُ ليسَ فيه شيءٌ، فقالَ لامرأةٍ يُقالُ لها بركَةُ كانتْ تخدمُ أمَّ حبيبةَ جاءتْ مَعَها مِنْ أرض الحبشةِ: "أينَ البولُ الذي كانَ في القدحِ"؟ قالتْ: شَرِبتُهُ، قالَ: "صِحَّةٌ يا أُمَّ يوسُف". وكانتْ تُكنى أمُّ يوسُفَ فما مرضتْ حتى كان مرضُها الذَي ماتتْ فيهِ". والحديثُ يدلُّ على جوازِ إعدادِ الآنيةِ للبولِ فيها بالليلِ. وهذا مما لا أعلَمُ فيهِ خلافًا. قوله: (من عَيْدَانٍ) هو بفَتحِ العينِ المهملةِ وسكونِ الياءِ المثناةِ التحتيةِ طِوَالُ النخلِ. الواحِدَةُ عَيْدَانَةٌ. وفي القاموس (٦): "كان للنبيِّ ﷺ قدحٌ من عَيْدَانةٍ يبولُ فيها بالليلِ" انتهى. ٢٣/ ٩٧ - (وَعَنْ عائِشةَ ﵂ قالتْ: يقُولُونَ: إن النَّبِيَّ ﷺ أوْصى

стр. 343

إلى عَليّ لَقَدْ دَعا بالطّسْتِ لِيَبُولَ فِيها فَانْخنَثَتْ نفْسُهُ وما شَعَرْتُ فإِلَى مَنْ أوْصى؟! رَواهُ النِّسائي (١). [صحيح] انْخَنَثَتْ: أي انكَسَرَتْ وَانْثنَتْ). الحديثُ أخرجَهُ الشيخانِ (٢) أيضًا مِنْ حديثِ الأسودِ بن يزيدَ، قالَ: "ذكرُوا عندَ عائشةَ ﵂ أنّ عليًا ﵁ كان وصيًا لرسولِ اللَّهِ ﷺ قالتْ: متى أوصَى إليه؟ وقدْ كنتُ مُسْندتهُ إلى صَدْرِي فدعا بالطِّستِ فلقدِ انخنثَ في حِجْري وما شعرتُ أنه ماتَ فمتى أوصى إليه؟ (٣) ". قوله: (انْخَنَثَت) هو كما ذكرَ المصنِّفُ: الانثناءُ والانكسارُ، والمرادُ بقولهِ، في روايةِ الصحيحين انخنثَ: أي استَرْخَى فانثنتْ أعضاؤه. والحديثُ سَاقَهُ المصنِّفُ للاستدلالِ بهِ على جوازِ البولِ في الآنيةِ مؤيدًا به الحديثَ الأوَّلَ لما كانَ فيه ذلكَ المقالُ، ولكنَّه وقعَ في حالِ المرضِ، ولم يذكُرِ المصنفُ الحديثَ هذا في الوصايا كغيرهِ حتى نُحيلَ الكلامَ عليهِ إلى هنالكَ. والإنكارُ لِوصَايَةِ على المفهومُ من استفهامِ أم المؤمنينَ لا يدلُّ على عدمِ

стр. 344

ثبوتِها. وعَدَمُ وقوعِها من النبيِّ ﷺ في ذلكَ الوقتِ الخاصِّ لا يدلُّ على العدمِ المطلق (١). وقد استوفينا الكلامَ على ذلكَ في رسالة مستقلةٍ (٢). لما سألَ عن ذلكَ بعضُ العلماء. [الباب التاسع] باب ما جاء في البول قائمًا ٢٤/ ٩٨ - (عَنْ عائِشةَ ﵂ قالتْ: مَنْ حَدّثَكُمْ أن رَسُولَ الله ﷺ بالَ قائمًا فلا تصدِّقُوهُ، ما كانَ يَبُولُ إلَّا جالِسًا. رواه الخمسةُ إلَّا أبا دَاوُدَ (٣)، وَقالَ
следующие страницы →