← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 2755–2794 · переход к 2760.

стр. 2755

وردّ بأنه من مسائل الاجتهاد. وقال أبو حنيفة (١): إنه يتمّ إذا عزم على إقامة خمسة عشرة يومًا. واحتجّ بما روي عن ابن عباس (٢) وابن عمر (٣) أنهما قالا: إذا أقمت ببلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة. وردّ بأنه لا حجة في أقوال الصحابة في المسائل التي للاجتهاد فيها مسرح وهذه منها وروي عن الأوزاعي (٤) التحديد باثني عشر يومًا. وعن رَبيعة (٥): يوم وليلة. وعن الحسن البصري (٦) أن المسافر يصير مقيمًا بدخول البلد. وعن عائشة (٧): بوضع الرحل. قال الإِمام يحيى (٨): ولا يعرف لهم مستند شرعي، وإنما ذلك اجتهاد من أنفسهم والأمر كما قال هذا الإِمام.

стр. 2756

والحقّ أن من حطّ رحله ببلد ونوى الإِقامة بها أيامًا من دون تردّد لا يقال له: مسافر، فيتمّ الصلاة ولا يقصر إلا لدليل، ولا دليل ههنا إلا ما في حديث الباب من إقامته ﷺ بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة. والاستدلال به متوقف على ثبوت أنه ﷺ عزم على إقامة أربعة أيام، إلا أن يقال: إن تمام أعمال الحجّ في مكة لا يكون في دون الأربع، فكان كلّ من يحجّ عازمًا على ذلك فيقتصر على هذا المقدار ويكون الظاهر، والأصل في حقّ من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام هو التمام، وإلا لزم أن يقصر الصلاة من نوى إقامة سنين متعدّدة ولا قائل به. ولا يرد على هذا قوله ﷺ في إقامته بمكة في الفتح: "إنا قوم سفر" كما سيأتي (١) لأنه كان إذ ذاك متردّدًا ولم يعزم على إقامة مدة معينة (٢).

стр. 2757

[الباب الرابع] باب من أقام لقضاء حاجته ولم يجمع إقامة ١٢/ ١١٦٦ - (عَنْ جَابِرٍ قالَ: أَقامَ النَّبِيّ ﷺ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وأَبُو دَاوُدَ) (٢). [صحيح] ١٣/ ١١٦٧ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيّ ﷺ وشَهِدْتُ مَعَهُ الفَتْحَ، فأقامَ بمَكةَ ثمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لا يُصلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ يَقُولُ: "يا أَهْلَ البَلْدَةِ صَلُّوا أرْبَعًا فإنا سَفْرٌ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣). [ضعيف]

стр. 2758

وَفِيهِ دَلِيلٌ على أنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ إقامَةً). ١٤/ ١١٦٨ - (وَعَنْ ابْنِ عَباسٍ قَالَ: لَمَا فَتَحَ النَّبِي ﷺ مَكَّةَ أقامَ فِيها تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَنَحْنُ إذَا سَافَرْنَا فأقَمْنا تِسْعَ عَشَرَةَ قَصَرْنا، وَإِنْ زِدْنا أتمَمْنَا. [صحيح] رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالبُخارِيُّ (٢) وَابْنُ مَاجَهْ (٣)، وَرَوَاهُ أَبُو دَوُادَ (٤) وَلَكِنَّهُ قالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ. وَقَالَ: قَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أقامَ تسْعَ عَشْرَةَ). ١٥/ ١١٦٩ - (وَعَنْ ثُمَامَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ قالَ: خَرَجْتُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَقُلْتُ: ما صَلاةُ المُسافِرِ؟ فَقالَ: رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إلَّا صَلاةَ المَغْرِبِ ثَلاثًا، قُلْتُ: أرأيْتَ إنْ كنَّا بِذِي المَجاز؟ قالَ: وَمَا ذِي المَجازِ؟ قُلْتُ: مَكانٌ نَجْتَمعُ فِيهِ، ونَبيعُ فِيهِ،

стр. 2759

وَنَمْكُثُ عِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، فَقالَ: يا أيُّها الرَّجُلُ كُنْتُ بأذْرَبِيجانِ - لا أدْرِي قالَ أرْبعَةَ أشْهُرٍ أوْ شَهْرَيْنِ - فَرَأيتُهُمْ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ أحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ) (١). [إسناده حسن] أما حديث جابر فأخرجه أيضًا ابن حبان (٢) والبيهقي (٣) وصححه ابن حزم (٤) والنووي (٥)، وأعله الدارقطني في العلل (٦) بالإرسال والانقطاع، وأن عليّ بن المبارك وغيره من الحفاظ رووه عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلًا، وأن الأوزاعي رواه عن يحيى عن أنس فقال: "بضع عشرة"، وبهذا اللفظ أخرجه البيهقي (٧) وهو ضعيف. وقد اختلف فيه على الأوزاعي، ذكره الدارقطني في العلل (٨) وقال: الصحيح عن الأوزاعي عن يحيى أن أنسًا كَان يفعله. قال الحافظ (٩): ويحيى لم يسمع من أنس". وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه أيضًا الترمذي وحسنه (١٠)

стр. 2760

والبيهقي (١)، وفي إسناده عليّ بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. قال الحافظ (٢): وإنما حسن الترمذي حديثه لشواهده ولم يعتبر الاختلاف في المدة كما عرف من عادة المحدّثين من اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد دون السياق. وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضًا بلفظ: "سبع عشرة" بتقديم السين، ابن حبان (٣). وأما الأثر المرويّ عن ابن عمر فذكره الحافظ في التلخيص (٤) ولم يتكلم عليه. وأخرجه البيهقي (٥) بسند، قال الحافظ (٤): صحيح بلفظ: "إن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة". وقد اختلفت الأحاديث في إقامته ﷺ في مكة عام الفتح؛ فروي ما ذكر المصنف. وروي عشرون، أخرجه عبد بن حميد في مسنده (٦) عن ابن عباس. وروي خمسة عشر، أخرجه النسائي (٧) وأبو داود (٨) وابن ماجه (٩) والبيهقي (١٠) عن ابن عباس أيضًا. قال البيهقي (١١): أصحّ الروايات في ذلك رواية البخاري، وهي رواية تسع عشرة بتقديم التاء.

стр. 2761

وجمع إمام الحرمين والبيهقي بين الروايات باحتمال أن يكون في بعضها لم يعدّ يومي الدخول والخروج وهي رواية سبعة عشر بتقديم السين، وعدّها في بعضها وهي رواية تسع عشرة بتقديم التاء، وعدّ يوم الدخول ولم يعدّ يوم الخروج وهي رواية ثمانية عشر. قال الحافظ (١): وهو جمع متين، وتبقى رواية خمسة عشر شاذّة لمخالفتها، ورواية عشرين وهي صحيحة الإسناد إلا أنها شاذّةً أيضًا. وقد ضعف النووي في الخلاصة (٢) رواية خمسة عشر. قال في الفتح (٣): وليس بجيد، لأن رواتها ثقات ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي (٤) من رواية عراك بن مالك عن عبد الله كذلك. وإذا ثبت أنها صحيحة فلتحمل على أن الراوي ظنّ أن الأصل سبع عشرة، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمس عشرة، واقتضى ذلك أن رواية تسع عشرة أرجح الروايات. وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه (٥)، ويرجحها أيضًا أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة. وأخذ الثوري وأهل الكوفة (٦) برواية خمس عشرة لكونها أقلّ ما ورد، فيحمل ما زاد على أنه وقع اتفاقًا. وأخذ الشافعي (٧) بحديث عمران بن حصين (٨). وقد اختلف العلماء في تقدير المدّة التي يقصر فيها المسافر إذا أقام ببلدة وكان مترددًا غير عازم على إقامة أيام معلومة.

стр. 2762

فذهب الهادي والقاسم (١) والإِمامية إلى أن من لم يعزم [على] (٢) إقامة مدة معلومة كمنتظر الفتح يَقْصُر إلى شهر ويتمّ بعده. واستدلوا بقول عليّ المتقدّم في شرح الباب [الأوّل] (٣)، وقد تقدم الجواب عليه. وذهب أبو حنيفة (٤) وأصحابه والإِمام يحيى (٥) وهو مرويّ عن الشافعي إلى أنه يقصر أبدًا؛ لأن الأصل السفر، ولما ذكره المصنف عن ابن عمر (٦). قالوا: وما روي من قصره ﷺ في مكة وتبوك دليل لهم لا عليهم؛ لأنه ﷺ قصر مدة إقامته، ولا دليل على التمام فيما بعد تلك المدة. ويؤيد ذلك ما أخرجه البيهقي (٧) عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ أقام بحنين أربعين يومًا يقصر الصلاة". ولكنه قال: تفرّد به الحسن بن عمارة (٨) وهو غير محتجّ به. وروي عن ابن عمر وأنس: أنه يتمّ بعد أربعة أيام (٩).

стр. 2763

والحق أن الأصل في المقيم الإِتمام؛ لأن القصر لم يشرعه الشارع إلا للمسافر، والمقيم غير مسافر، فلولا ما ثبت عنه ﷺ من قصره بمكة (١) وتبوك (٢) مع الإِقامة لكان المتعين هو الإِتمام، فلا ينتقل عن ذلك الأصل إلا بدليل. وقد دلّ الدليل على القصر مع التردّد إلى عشرين يومًا كما في حديث جابر (٢)، ولم يصحّ أنه ﷺ قصر في الإِقامة أكثر من ذلك فيقتصر على هذا المقدار. ولا شك أن قصره ﷺ في تلك المدة لا ينفي القصر فيما زاد عليها، ولكن ملاحظة الأصل المذكور هي القاضية بذلك. فإن قيل: المعتبر صدق اسم المسافر على المقيم المتردّد، وقد قال ﷺ : "إنا قوم سفر" (٣) فصدق عليه هذا الاسم، ومن صدق عليه هذا الاسم قصر؛ لأن المعتبر هو السفر لانضباطه لا المشقة لعدم انضباطها. فيجاب عنه: (أوّلًا): بأن في الحديث المقال المتقدم (٤). (وثانيًا) بأنه يعلم بالضرورة أن المقيم المتردّد غير مسافر حال الإِقامة، فإطلاق اسم المسافر عليه مجاز باعتبار ما كان عليه أو ما سيكون عليه. [الباب الخامس] باب من اجتاز في بلد فتزوج فيه أَوْ لَه فيه زوجة فليتم ١٦/ ١١٧٠ - (عَنْ عُثمانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّه صَلَّى بِمِنَى أرْبَعَ رَكَعاتٍ فأنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يا أيُّهَا النَّاسُ إني تأهَّلْتُ بِمَكَّةَ مُنْذُ قَدِمْتُ، وإني سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقُولُ: "مَنْ تَأهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلّ صَلاةَ المُقِيمِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ) (٥). [ضعيف]

стр. 2764

الحديث أيضًا أخرجه البيهقي (١) وأعله بالانقطاع، وفي إسناده عكرمة بن إبراهيم (٢) وهو ضعيف كما قال البيهقي. وأخرجه أيضًا عبد الله بن الزبير الحميدي (٣)، قال في الهدي (٤): قال أبو البركات بن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإن البخاري (٥) ذكر عكرمة المذكور في تاريخه ولم يطعن فيه، وعادته ذكر الجرح والمجروحين. قال في الفتح (٦): هذا حديث لا يصحّ لأنه منقطع وفي رواته من لا يحتجّ به. ويردّه قول عروة: إن عائشة تأوّلت ما تأوّل عثمان، ولا جائز أن [تتأهل] (٧) عائشة أصلًا، فدلَّ على وَهْي ذلك الخبر. قال: ثم ظهر أنه يمكن أن يكون مراد عروة بقوله: تأوّلت كما تأوّل عثمان، التشبيه بعثمان في الإِتمام بتأويل، لا اتحاد تأويلهما. ويقوّيه أن الأسباب اختلفت في تأويل عثمان فتكاثرت، بخلاف تأويل عائشة.

стр. 2765

وقد أخرج ابن جرير (١) في تفسيره سورة النساء: "أن عائشة كانت تصلي في السفر أربعًا" فإذا احتجوا عليها تقول: إن النبيّ ﷺ كان في حروب وكان يخاف فهل تخافون أنتم (٢)؟. وقيل في تأويل عائشة: إنها إنما أتممت في سفرها إلى البصرة لقتال عليّ ﵇، والقصر عندها إنما يكون في سفر طاعة (٣). قال في الفتح (٤): وهذان القولان باطلان، لا سيما الثاني. قال: والمنقول في سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا. وأما من أقام في مكان أثناء سفره فله حكم المقيم فيتمّ. والحجة فيه ما رواه أحمد (٥) بإسناد حسن عن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير قال: لما قدِمَ علينا معاويةُ حاجًا صلى بنا الظُّهرَ ركعتين بمكة ثم انصرفَ إلى دار النَّدوةِ، فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا له: لقد عبت أمر ابن عمك لأنه كان قد أتمّ الصلاة، قال: وكان عثمان حيث أتمّ الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعًا أربعًا، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ الحجّ وأقام بمنى أتمّ الصلاة". وقال ابن بطال (٦): الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة كانا يريان أن النبي ﷺ إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته، وأخذا أنفسهما بالشدّة، وهذا رجحه جماعة من آخرهم القرطبي (٧).

стр. 2766

وروى عبد الرزاق (١) عن معمر عن الزهري عن عثمان: إنما أتمّ الصلاة لأنه نوى الإِقامة بعد الحجّ. وأجيب بأنه مرسل وفيه أيضًا نظر؛ لأن الإِقامة بمكة على المهاجرين حرام. وقد صحّ عن عثمان أنه كان لا يودّع البيت إلا على ظهر راحلته [ويسرع] (٢) الخروج خشية أن يرجع في هجرته. وثبت أنه قال له المغيرة لما حاصروه: اركب رواحلك إلى مكة، فقال: لن أفارق دار هجرتي. وأيضًا قد روى أيوب عن الزهري ما يخالفه، فروى الطحاوي (٣) وغيره من هذا الوجه عن الزهري أنه قال: "إنما صلى عثمان بمنى أربعًا لأن الأعراب كانوا [كثروا] (٤) في ذلك العام، فأحبّ أن يعلمهم أن الصلاة أربع". وروى البيهقي (٥) من طريق عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عثمان: أنه أتمّ بمنى ثم خطب فقال: "إن القصر سنة رسول الله ﷺ وصاحبيه، ولكنه حدث طَغَام (٦) - يعني بفتح الطاء والمعجمة -: فخفت أن يستنوا". وعن ابن جريج (٧) أن أعرابيًا ناداه في منى: يا أمير المؤمنين ما زلت أصليها منذ رأيتك عام أوّل ركعتين. وقد روي في تأوُّل عثمان غير ذلك (٨)، والذي ذكرنا هنا أحسن ما قيل.

стр. 2767

وأما تأوّل عائشة فأحسن ما قيل فيه ما أخرجه البيهقي (١) بإسناد صحيح من طريق هشام بن عروة عن أبيه: "أنها كانت تصلي في السفر أربعًا، فقلت لها: لو صليتِ ركعتين؟ فقالت: يا ابن أختي إنه لا يشقّ عليّ". وهو دالّ على أنها تأوّلت أن القصر رخصة وأن الإِتمام لمن لا يشقّ عليه أفضل، وقد تقدم بسط الكلام في ذلك.

стр. 2768

[تاسع عشر] أبواب الجمع بين الصلاتين [الباب الأول] باب جوازه في السفر في وقت إحداهما ١٧/ ١١٧١ - (عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ إذا رَحَلَ قَبْلَ أنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أخَّرَ الظّهْرَ إلى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ يَجْمَعُ بَيْنَهُما، فإنْ زَاغَتْ قَبْلَ أنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُم رَكِبَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم (٢): كانَ إذَا أرَادَ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي السَّفَرِ يُؤخِّرُ الظُّهْرَ حتَّى يَدْخُلَ أولُ وَقْتِ العَصْرِ، ثُم يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا). [صحيح] قوله: (تزيغ) بزاي وغين معجمة: أي تميل (٣). قوله: (يجمع بينهما) أي في وقت العصر. وفي الحديث دليل على جواز جمع التأخير في السفر سواء كان السير مجدًّا أم لا. وقد وقع الخلاف في الجمع في السفر؛ فذهب إلى جوازه مطلقًا تقديمًا وتأخيرًا كثير من الصحابة (٤) ......

стр. 2769

والتابعين (١)، ومن الفقهاء الثوري (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤) وإسحاق (٥) وأشهب. واستدلوا بالأحاديث الآتية في هذا الباب ويأتي الكلام عليها. وقال قوم: لا يجوز الجمع مطلقًا إلا بعرفة ومزدلفة. وهو قول الحسن (٦) والنخعي (٧) وأبي حنيفة (٨) وصاحبيه. وأجابوا عما روي من الأخبار في ذلك بأن الذي وقع جمع صوري، وهو أنه أخر المغرب مثلًا إلى آخر وقتها وعجل العشاء في أوّل وقتها، كذا في الفتح (٩). قال: وتعقبه الخطابي (١٠) وغيره بأن الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقًا من الإِتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن أوائل الأوقات وأواخرها

стр. 2770

مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلًا عن العامة، وسيأتي الجواب عن هذا التعقب في الباب الذي بعد هذا الباب. قال في الفتح (١) مؤيدًا لما قاله الخطابي: وأيضًا فإن الأخبار جاءت صريحة بالجمع في وقت إحدى الصلاتين، وذلك هو المتبادر إلى اللهم من لفظ الجمع. قال: ومما يرد على الجمع الصوري جمع التقديم وسيأتي. وقال الليث: وهو المشهور عن مالك (٢) إن الجمع يختص بمن جدّ به السير. وقال ابن حبيب (٣): يختصّ بالسائر. ويستدلّ لهما بما أخرجه البخاري (٤) وغيره (٥) عن ابن عمر قال: "كان النبيّ ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدّ به السير". ولما قاله ابن حبيب: بما في البخاري (٦) أيضًا عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء". فيفيد حديث أنس (٧) المذكور في الباب بما إذا كان المسافر سائرًا سيرًا مجدًّا كما في هذين الحديثين. وقال الأوزاعي (٨): إن الجمع في السفر يختص بمن له عذر. وقال أحمد (٩) واختاره ابن حزم (١٠) وهو مرويّ عن مالك (١١): إنه يجوز جمع التأخير دون التقديم. واستدلوا بحديث أنس (٧) المذكور في الباب. وأجابوا عن الأحاديث القاضية بجواز جمع التقديم بما سيأتي.

стр. 2771

١٨/ ١١٧٢ - (وَعَنْ مُعاذٍ أن النَّبِيَّ ﷺ كانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أخَّرَ الظُّهْرَ حتَّى يَجْمَعَهَا إلى العَصْرِ يُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا ثُمّ سَارَ؛ وكانَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ المَغْرِبِ أخَّرَ المَغْرِبَ حتى يَصَلّيَها مَعَ العِشاء؛ وَإذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ عَجَّلَ العِشاءَ فَصَلَّاها مَعَ المَغْرِبِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وأبُو دَاوُدَ (٢) والتِّرْمِذِيُّ) (٣). [صحيح] ١٩/ ١١٧٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيّ ﷺ : كانَ فِي السَّفَرِ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ فِي مَنْزِلِهِ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ قَبْلَ أنْ يَرْكَبَ، فإذَا لَمْ تَزغ لَهُ فِي مَنْزِلِهِ سارَ حتَّى إِذا حَانَتِ العَصْرُ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وَإذَا حانَتْ لَهُ المَغْرِبُ فِي مَنْزِلِهِ جَمَعَ بَيْنها وَبَيْنَ العِشاءِ، وَإِذَا لَمْ تَحِنْ فِي مَنْزِلِهِ رَكِبَ حتَّى إِذَا كانَتِ العِشاءُ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنهُمَا. روَاهُ أحْمَدُ (٤). [صحيح لغيره]

стр. 2772

وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي مُسْنَدِهِ (١) بِنَحْوِهِ وَقَالَ فِيهِ: وإذَا سارَ قَبْلَ أنْ تَزُولَ الشَّمْس أخَّرَ الظُّهْرَ حتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العَصْرِ فِي وَقْتِ العَصْرِ". [صحيح لغيره] ٢٠/ ١١٧٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّه اسْتُغِيثَ على بَعْضِ أهْلِهِ فَجَدَّ بِهِ السَّيْرُ فأخَّرَ المَغْرِبَ حتى غابَ الشَّفَقُ، ثم نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُما، ثم أخْبَرَهَمْ أن رَسُولَ الله ﷺ كانَ يَفْعَلُ ذلكَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢) بِهَذا اللَّفْظِ وَصَحَّحَهُ، وَمَعْنَاهُ لِسائِرِ الجَماعَةِ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ) (٣). [صحيح] أما حديث معاذ، فأخرجه أيضًا ابن حبان (٤) والحاكم (٥) والدارقطني (٦) والبيهقي (٧). قال الترمذي (٨): حسن غريب تفرّد به قتيبة. والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ وليس فيه جمع التقديم، يعني الذي أخرجه مسلم (٩). وقال أبو داود (١٠): هذا حديث منكر، وليس في جمع التقديم حديث قائم.

стр. 2773

وقال أبو سعيد بن يونس: لم يحدّث بهذا الحديث إلا قتيبة، ويقال: إنه غلط فيه وأعله الحاكم (١) وطوّل، وابن حزم (٢) وقال: إنه معنعن بيزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل ولا يعرف له عنه رواية. وقال أيضًا (٢): إن أبا الطفيل مقدوح لأنه كان حامل راية المختار وهو يؤمن بالرجعة. وأجيب عن ذلك بأنه إنما خرج مع المختار على قاتلي الحسين، وبأنه لم يعلم من المختار الإِيمان بالمرجعة. قال في البدر المنير: إن للحفاظ في هذا الحديث خمسة أقوال: (أحدها): أنه حسن غريب، قاله الترمذي (٣). (ثانيها): أنه محفوظ صحيح، قاله ابن حبان (٤). (ثالثها): أنه منكر، قاله أبو داود (٥). (رابعها): أنه منقطع، قاله ابن حزم (٢). (خامسها): أنه موضوع، قاله الحاكم (١). وأصل حديث أبي الطفيل في صحيح مسلم (٦)، وأبو الطفيل عدل ثقة مأمون اهـ. وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضًا البيهقي (٧) والدارقطني (٨)، وروي أن الترمذي (٩) حسنه. قال الحافظ (١٠): وكأنه باعتبار المتابعة. وغفل ابن العربي (١١) فصحح إسناده وليس بصحيح؛ لأنه من طريق حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب.

стр. 2774

قال فيه أبو حاتم (١): ضعيف ولا يحتجّ بحديثه. وقال ابن معين: ضعيف. وقال أحمد: له أشياء منكرة. وقال النسائي (٢): متروك الحديث. وقال السعدي: لا يحتجّ بحديثه. وقال ابن المديني: تركت حديثه. وقال ابن حبان (٣): يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل. ولكن له طريق أخرى أخرجها (٤) يحيى بن عبد الحميد الحماني عن أبي خالد الأحمر عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. وله أيضًا طريق أخرى رواها إسماعيل القاضي في الأحكام (٥) عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه عن سليمان بن بلال عن هشام عن عروة عن كريب عن ابن عباس بنحوه. وفي الباب عن عليّ ﵇ عند الدارقطني (٦)، وفي إسناده - كما قال الحافظ (٧) - من لا يعرف. وفيه أيضًا المنذر القابوسي (٨) وهو ضعيف. وأخرج عبد الله بن أحمد في زيادات المسند (٩) بإسناد آخر عن عليّ أنه كان يفعل ذلك.

стр. 2775

وفي الباب أيضًا عن أنس عند الإِسماعيلي (١) والبيهقي (٢)، وقال: إسناده صحيح بلفظ: "كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر وزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا". وله طريق أخرى عند الحاكم في الأربعين وهو في الصحيحين (٣) من هذا الوجه، وليس فيه: والعصر. قال في التلخيص (٤): وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد، وقد صححه المنذري (٥) من هذا الوجه والعلائي، وتعجب من الحاكم كونه لم يورده في المستدرك. وله طريق أخرى رواها الطبراني في الأوسط (٦). وفي الباب أيضًا عن جابر عند مسلم (٧) من حديث طويل، وفيه: "ثم أذّن

стр. 2776

ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر ولم يصلّ بينهما شيئًا، وكان ذلك بعد الزوال". وقد استدلّ القائلون بجواز جمع التقديم والتأخير في السفر بهذه الأحاديث، وقد تقدم ذكرهم. وأجاب المانعون من جمع التقديم [عنها] (١) بما تقدم من الكلام عليها، وقد عرفت أن بعضها صحيح وبعضها حسن، وذلك يردّ قول أبي داود (٢): ليس في جمع التقديم حديث قائم. وأما حديث ابن عمر (٣) فقد استدلّ به من قال باختصاص رخصة الجمع في السفر بمن كان سائرًا لا نازلًا كما تقدم. وأجيب عن ذلك بما وقع من التصريح في حديث معاذ بن جبل في الموطأ (٤) بلفظ: "إن النبيّ ﷺ أخر الصلاة في غزوة تبوك، خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا". قال الشافعي في الأمّ (٥): قوله: " [ثم] (٦) دخل ثم خرج" لا يكون إلا وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلًا ومسافرًا. وقال ابن عبد البرّ: هذا أوضح دليل في الردّ على من قال: لا يجمع إلا من جدّ به السير وهو قاطع للالتباس. وحكى القاضي عياض (٧) أن بعضهم أوّل قوله: "ثم دخل" أي في الطريق مسافرًا "ثم خرج" أي عن الطريق للصلاة، ثم استبعده. قال الحافظ (٨): ولا شك في بعده وكأنه ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر عادته ما دلّ عليه حديث أنس (٩)، يعني المذكور في أوّل الباب، ومن

стр. 2777

[ثمة] (١) قالت الشافعية (٢): ترك الجمع أفضل. وعن مالك (٣) رواية أنه مكروه. وهذه الأحاديث تخصص أحاديث الأوقات التي بيَّنها جبريل وبيَّنها النبي ﷺ للأعرابي حيث قال في آخرها: "الوقت ما بين هذين الوقتين" (٤). [الباب الثاني] باب جمع المقيم لمطر أو غيرِه ٢١/ ١١٧٥ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بالمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمانِيًا الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ والعِشَاءَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). وفِي لَفْظٍ للْجَمَاعَةِ إلَّا البُخاريَّ وَابْنَ مَاجَهْ (٦): جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْر وَالعَصْر وَبَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بالمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلا مَطَرٍ، قِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ: ما أرَادَ بِذَلِكَ؟ قالَ: أَرَادَ أنْ لَا يُحْرِجَ أمَّتَهُ). [صحيح] الحديث ورد بلفظ (٧): "من غير خوف ولا سفر". وبلفظ (٨): "من غير خوف ولا مطر". قال الحافظ (٩): واعلم أنه لم يقع مجموعًا بالثلاثة في شيء من كتب الحديث، بل المشهور: "من غير خوف ولا سفر".

стр. 2778

قوله: (سبعًا وثمانيًا) أي سبعًا جميعًا وثمانيًا جميعًا كما صرّح به البخاري (١) في رواية له ذكرها في باب وقت المغرب (٢). قوله: (أراد أن لا يحرج أمته). قال ابن سيد الناس (٣): قد اختلف في تقييده، فروي يحرج بالياء المضمومة آخر الحروف وأمته منصوب على أنه مفعوله، وروي تحرج بالتاء ثالثة الحروف مفتوحة، وضم أمته على أنها فاعله. ومعناه: إنما فعل ذلك لئلا يشقّ عليهم ويثقل، فقصد إلى التخفيف عنهم. وقد أخرج ذلك الطبراني في الأوسط (٤) والكبير (٥)، ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦) عن ابن مسعود بلفظ: "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقيل له في ذلك، فقال: صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي". وقد ضعف بأن فيه ابن عبد القدوس وهو مندفع؛ لأنه لم يتكلم فيه إلا بسبب روايته عن الضعفاء وتشيعه. (والأوّل) غير قادح باعتبار ما نحن فيه، إذ لم يروه عن ضعيف، بل رواه عن الأعمش كما قال الهيثمي. (والثاني) ليس بقدح معتدّ به ما لم يجاوز الحدّ المعتبر ولم ينقل عنه ذلك. على أنه قد قال البخاري (٧): إنه صدوق. وقال أبو حاتم (٨): لا بأس به.

стр. 2779

وقد استدلّ بحديث الباب القائلون بجواز الجمع مطلقًا بشرط أن لا يتخذ ذلك خلقًا وعادة (١). قال في الفتح (٢): وممن قال به ابن سيرين (٣) وربيعة (٤) وابن المنذر (٥) والقفَّال الكبير (٦)، وحكاه الخطابي (٧) عن جماعة من أصحاب الحديث. وقد رواه في البحر (٨) عن الإِمامية والمتوكل على الله أحمد بن سليمان والمهدي أحمد بن الحسين. ورواه ابن مظفر في البيان (٩) عن عليّ وزيد بن عليّ والهادي وأحد قولي الناصر وأحد قولي المنصور بالله، ولا أدري ما صحة ذلك، فإن الذي وجدناه في كتب بعض هؤلاء الأئمة وكتب غيرهم يقضي بخلاف ذلك. وذهب الجمهور (١٠) إلى أن الجمع لغير عذر لا يجوز.

стр. 2780

وحكي في البحر (١) عن البعض أنه إجماع، ومنع ذلك مسندًا بأنه قد خالف في ذلك مَنْ تقدّم. واعترض عليه صاحب المنار (٢) بأنه اعتداد بخلافٍ حادثٍ بعد إجماع الصدر الأوّل. وأجاب الجمهور عن حديث الباب بأجوبة: (منها) أن الجمع المذكور كان للمرض، وقوّاه النووي (٣). قال الحافظ (٤): وفه نظر؛ لأنه لو كان جمعه ﷺ بين الصلاتين لعارض المرض لما صلى معه إلا من له نحو ذلك العذر. والظاهر أنه ﷺ جمع بأصحابه، وقد صرّح بذلك ابن عباس (٥) في روايته. (ومنها) أنه كان في غيم فصلى الظهر، ثم انكشف الغيم مثلًا فبان أن وقت العصر قد دخل فصلاها. قال النووي (٦): وهو باطل؛ لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء. قال الحافظ (٧): وكأنّ نفيه لاحتمال مبنيّ على أنه ليس للمغرب إلا وقت واحد. والمختار عنه خلافه، وهو أن وقتها يمتدّ إلى العشاء وعلى هذا فالاحتمال قائم. (ومنها) أن الجمع المذكور صوري بأن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها وعجل العصر في أوّل وقتها. قال النووي (٨): وهذا احتمال ضعيف أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل.

стр. 2781

قال الحافظ (١): وهذا الذي ضعفه قد استحسنه القرطبي (٢) ورجحه إمام الحرمين، وجَزَمَ به من القدماء ابن الماجشون والطحاوي (٣)، وقوّاه ابنُ سَيِّدِ الناس بأن أبا الشعثاء وهو راوي الحديث عن ابن عباس قد قال به. قال الحافظ (١) أيضًا: ويقوّي [ما ذكر] (٤) من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرّض لوقت الجمع، فإما أن يحمل على مطلقها فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن يحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الإِخراج، ويجمع بها بين مفترق الأحاديث، فالجمع الصوري أولى والله أعلم. اهـ. ومما يدل على [تعيين] (٥) حمل حديث الباب على الجمع الصوري ما أخرجه النسائي (٦) عن ابن عباس بلفظ: "صليت مع النبيّ ﷺ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء"، فهذا ابن عباس راوي حديث الباب قد صرّح بأن ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري. ومما يؤيد ذلك ما رواه الشيخان (٧) عن عمرو بن دينار أنه قال: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء؟ قال: وأنا أظنه، وأبو الشعثاء هو راوي الحديث عن ابن عباس كما تقدم. ومن المؤيدات للحمل على الجمع الصوري ما أخرجه مالك في الموطأ (٨) والبخاري (٩) وأبو داود (١٠) والنسائي (١١) عن ابن مسعود قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين، جمع بين المغرب والعشاء

стр. 2782

بالمزدلفة، وصلى الفجر يومئذٍ قبل ميقاتها"، فنفى ابن مسعود مطلق الجمع وحصره في جمع المزدلفة، مع أنه ممن روى حديث الجمع بالمدينة كما تقدّم. وهو يدلّ على أن الجمع الواقع بالمدينة صوري، ولو كان جمعًا [حقيقيًا] (١) لتعارض روايتاه، والجمع ما أمكن المصير إليه هو [الواجب] (٢). ومن المؤيدات للحمل على الجمع الصوري أيضًا ما أخرجه ابن جرير (٣) عن ابن عمر قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ فكان يؤخر الظهر ويعجل العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء فيجمع بينهما"، وهذا هو الجمع الصوري. وابن عمر هو ممن روى جمعه ﷺ بالمدينة كما أخرج ذلك عبد الرزاق (٤) عنه. وهذه الروايات معينة لما هو المراد [بلفظ] (٥) جمع [لما تقرّر في الأصول (٦) من أن لفظ: "جمع] (٧) بين الظهر والعصر" لا يعمّ [وقتيهما] (٨) كما في مختصر المنتهى (٩) وشروحه والغاية (١٠) وشرحها وسائر كتب الأصول. بل مدلوله لغة: الهيئة الاجتماعية، وهي موجودة في جمع التقديم والتأخير والجمع الصوري، إلا أنه لا يتناول جميعها ولا اثنين منها، إذ الفعل المثبت لا يكون عامًا في أقسامه كما صرّح بذلك أئمة الأصول (١١) فلا يتعين واحد من صور

стр. 2783

الجمع المذكور إلا بدليل، وقد قام الدليل على أن الجمع المذكور في الباب هو الجمع الصوري فوجب المصير إلى ذلك. وقد زعم بعض المتأخرين أنه لم يرد الجمع الصوري في لسان الشارع وأهل عصره. وهو مردود بما ثبت عنه ﷺ من قوله للمستحاضة: "وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين، ومثله في المغرب والعشاء" (١). وبما سلف عن ابن عباس (٢) وابن عمر (٣). وقد روي عن الخطابي (٤) أنه لا يصحّ حمل الجمع المذكور في الباب على الجمع الصوري لأنه يكون أعظم ضيقًا من الإِتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه الخاصة فضلًا عن العامة. ويجاب عنه بأن الشارع قد عرّف أمته أوائل الأوقات وأواخرها، وبالغ في التعريف والبيان، حتى أنه عينها بعلامات حسية لا تكاد تلتبس على العامة فضلًا عن الخاصة، والتخفيف في تأخير إحدى الصلاتين إلى آخر وقتها وفعل الأولى

стр. 2784

في أوّل وقتها متحقق بالنسبة إلى فعل كل واحدة منهما في أوّل وقتها. كما كان ديدنه ﷺ حتى قالت عائشة: "ما صلى صلاة لآخر وقتها مرّتين حتى قبضه الله تعالى" (١). ولا يشكّ منصف أن فعل الصلاتين دفعة والخروج إليهما مرّة أخفّ من خلافه وأيسر. وبهذا يندفع ما قاله الحافظ في الفتح (٢): أن قوله ﷺ : "لئلا تحرج أمتي" يقدح في حمله على الجمع الصوري؛ لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج. فإن قلت: الجمع الصوري هو فعل لكل واحدة من الصلاتين المجموعتين في وقتها فلا يكون رخصة بل عزيمة، فأيّ فائدة في قوله ﷺ : "لئلا تحرج أمتي" مع شمول الأحاديث المعينة للوقت للجمع الصوري، وهل حمل الجمع على ما شملته أحاديث التوقيت إلا من باب الاطراح لفائدته وإلغاء مضمونه. قلت: لا شك أن الأقوال الصادرة منه ﷺ شاملة للجمع الصوري كما ذكرت، فلا يصحّ أن يكون رفع الحرج منسوبًا إليها بل هو منسوب إلى الأفعال ليس إلا لما عرّفناك من أنه ﷺ ما صلى صلاة لآخر وقتها مرّتين، فربما ظنّ ظانّ أن فعل الصلاة في أوّل وقتها متحتم لملازمته ﷺ لذلك طول عمره، فكان في جمعه جمعًا صوريًا تخفيف وتسهيل على من اقتدى بمجرّد الفعل. وقد كان اقتداء الصحابة بالأفعال أكثر منه بالأقوال، ولهذا امتنع الصحابة ﵃ من نحر بدنهم يوم الحديبية بعد أن أمرهم ﷺ بالنحر حتى دخل ﷺ على أم سلمة مغمومًا، فأشارت عليه بأن ينحر ويدعو الحلاق يحلق له ففعل، فنحروا أجمع (٣) وكادوا يهلكون غمًا من شدّة تراكم بعضهم على بعض حال الحلق.

стр. 2785

ومما يدلّ على أن الجمع المتنازع فيه لا يجوز إلا لعذر: ما أخرجه الترمذي (١) عن ابن عباس عن النبيّ ﷺ قال: "من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر". وفي إسناده حنش بن قيس وهو ضعيف (٢). ومما يدلّ على ذلك ما قاله الترمذي في آخر سننه في كتاب العلل (٣) منه ولفظه: جميع ما في كتابي هذا من الحديث [هو] (٤) معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم، ما خلا حديثين: حديث ابن عباس (٥): "أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب العشاء من غير خوف ولا سفر". وحديث أنه قال ﷺ : "إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه" (٦). انتهى. لا يخفاك أن الحديث صحيح، وتَرْكُ الجمهور للعمل به لا يقدح في صحته ولا يوجب سقوط الاستدلال به. وقد أخذ به بعض أهل العلم كما سلف وإن كان ظاهر كلام الترمذي أنه لم يأخذ به أحد. ولكن قد أثبت ذلك غيره، والمثبت مقدّم، فالأولى التعويل على ما قدمنا

стр. 2786

من أن ذلك الجمع صوري، بل القول بذلك متحتم لما سلف. وقد جمعنا في هذه المسألة رسالة مستقلة سميناها: تشنيف السمع بإبطال أدلة الجمع (١)، فمن أحبّ الوقوف عليها فليطلبها. قال المصنف (٢) ﵀ [تعالى] (٣) بعد أن ساق حديث الباب ما لفظه: قلت: وهذا يدل بفحواه على الجمع للمطر، وللخوف وللمرض، وإنما خولف ظاهر منطوقه في الجمع لغير عذر للإِجماع ولأخيار المواقيت [فتبقى] (٤) فحواه على مقتضاه، وقد صحّ الحديث في الجمع للمستحاضة، والاستحاضة نوع مرض. ولمالك في الموطأ (٥) عن نافع أن ابن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم. وللأثرم في سننه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: "من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء" (٦). اهـ.

стр. 2787

[الباب الثالث] باب الجمع بأذان وإقامتين من غير تطوع بينهما ٢٢/ ١١٧٦ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أن النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بالمُزْدَلِفَةَ جَمِيعًا كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُما بإقامَةٍ وَلم يُسَبِّحْ بَيْنَهُما، وَلا عَلى أَثَرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُما. رَوَاهُ البُخارِيُّ (١) وَالنَّسائيُّ) (٢). [صحيح] ٢٣/ ١١٧٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ أن النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ بأذانٍ وَاحِدٍ وَإقامَتَيْنِ، وأتى المُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِها المَغْرِبَ وَالعِشَاء بأذَانٍ وَاحِدٍ وإقامَتَيْنِ وَلَمْ يُسبِّحْ بَيْنَهُمَا، ثُم اضْطجَعَ حتَّى طَلَعَ الفَجْرُ. مُخْتَصَرٌ لأحْمَدَ (٣) وَمُسْلِمٍ (٤) وَالنَّسَائي) (٥). [صحيح] ٢٤/ ١١٧٨ - (وَعَنْ أُسَامَةَ: أن النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأ فأسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمّ أنَاخَ كُلُّ إنْسانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِه، ثُمَّ أُقِيمَتِ العِشاءُ فَصَلَّاها ولَمْ يُصَل بَيْنَهُمَا شَيْئًا. مُتفقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح] وفِي لَفْظ: رَكِبَ حتَّى جِئْنا المُزْدَلِفَةَ فأقامَ المَغْرِبَ، ثُمَّ أناخَ النَّاسُ فِي مَنازِلِهِمْ، ولَمْ يَحُلُّوا حتَّى أقامَ العِشاء الآخِرَةَ فَصَلَّى ثُمَّ حَلُّوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٧)

стр. 2788

وَمُسْلِمٌ (١) [صحيح] وَفِي لَفْظٍ: أتى المُزْدَلِفَةَ فَصَلَّوا المَغْرِبَ، ثم حَلُّوا رحالَهُمْ وأعَنْتُهُ ثُمَّ صَلَّى العِشاءَ. رَوَاهُ أحْمَدَ (٢). [صحيح] وَهُوَ حُجةٌ فِي جَوَازِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ المَجْمُوعَتَيْنِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ). قوله: (صلى المغرب والعشاء) في رواية للبخاري (٣): "جمع النبيّ ﷺ المغرب والعشاء". وفي رواية له (٤): "جمع بين المغرب والعشاء". قوله: (بإقامة) لم يذكر الأذان وهو ثابت في حديث جابر (٥) المذكور بعده. وفي حديث عبد الله بن مسعود عند البخاري (٦) بلفظ: "فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلًا فأذنّ وأقام ثم صلى المغرب" الحديث. قوله: (ولم يسبح بينهما) أي لم يتنفل بين صلاة المغرب والعشاء ولا عقب كل واحدة منهما. قال في الفتح (٧): ويستفاد منه أنه ترك النفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرّح بأنه لم يتنفل بينهما، بخلاف

стр. 2789

العشاء فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها، لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل. ومن ثم قال الفقهاء: [تؤخر] (١) سنة العشاءين عنهما. ونقل ابن المنذر (٢) الإِجماع على ترك التطوّع بين الصلاتين بالمزدلفة لأنهم اتفقوا على أن السنة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفل بينهما لم يصحّ أنه جمع بينهما. ويعكر على نقل الاتفاق ما في البخاري (٣) عن ابن مسعود: "أنه صلى المغرب بالمزدلفة وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعش ثم أمر بالأذان والإِقامة ثم صلى العشاء. وقد اختلف أهل العلم في صلاة النافلة في مطلق السفر. قال النووي (٤): قد اتفق الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في السفر. واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فتركها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي وأصحابه (٥) والجمهور (٦). ودليلهم الأحاديث العامة الواردة في ندب مطلق الرواتب (٧)، وحديث صلاته ﷺ الضحى في يوم الفتح (٨)، وركعتي الصبح حين ناموا حتى طلعت الشمس (٩)، وأحاديث أخر صحيحة ذكرها أصحاب السنن، والقياس على النوافل المطلقة.

стр. 2790

وإمَّا في الصحيحين (١) عن ابن عمر أنه قال: "صحبت النبي ﷺ فلم أره يسبح في السفر". وفي رواية (٢): "صحبت رسول الله ﷺ وكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك". [فقال] (٣) النووي (٤): لعلّ النبيّ ﷺ كان يصلي الرواتب في رحله ولا يراه ابن عمر، فإن النافلة في البيت أفضل، ولعله تركها في بعض الأوقات تنبيهًا على جواز تركها. وأما ما يحتجّ به القائلون بتركها من أنها لو شرعت لكان إتمام الفريضة أولى. فجوابه أن الفريضة متحتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها. وأما النافلة فهي إلى خيرة المكلف، فالرفق به أن تكون مشروعة، ويتخير؛ إن شاء فعلها وحصل ثوابها، وإن شاء تركها ولا شيء عليه. وقال ابن دقيق العيد (٥): إن قول ابن عمر: "فكان لا يزيد في السفر على ركعتين"، يحتمل أنه كان لا يزيد في عدد ركعات الفرض.

стр. 2791

ويحتمل أنه كان لا يزيد نفلًا. ويحتمل أعمّ من ذلك. قال في الفتح (١): وبدلّ على الثاني رواية مسلم (٢) بلفظ: "صحبت ابن عمر في طريق مكة فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا لأتممت" ثم ذكر الحديث. قال ابن القيم في الهدي (٣): وكان من هديه ﷺ في سفره الاقتصار على الفرض، ولم يحفظ عنه أنه ﷺ صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها إلا ما كان من سنة الوتر والفجر، فإنه لم يكن يدعها حضرًا ولا سفرًا انتهى. وتعقبه الحافظ (٤) بما أخرجه أبو داود (٥) والترمذي (٦) من حديث البراء بن عازب قال: "سافرت مع النبيّ ﷺ ثمانية عشر سفرًا، فلم أره ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر". قال: وكأنه لم يثبت عنده، وقد استغربه الترمذي (٧)، ونقل عن البخاري أنه رآه حسنًا. وقد حمله بعض العلماء على سنة الزوال لا على الراتبة قبل الظهر، انتهى. وقد ذكر ابن القيم (٨) هذا الحديث الذي تعقبه به الحافظ في الهدي في هذا البحث وأجاب عنه وذكر حديث عائشة (٩): "أن النبيّ ﷺ كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين بعدها" وأجاب عنه.

стр. 2792

واعلم أنه لا بدّ من حمل قول ابن عمر: فلم أره يسبح، على صلاة السنة، وإلا فقد صحّ عنه (١) أنه كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه. وفي الصحيحين (٢) عن ابن عمر قال: "كان النبيّ ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به". وفي الصحيحين (٣) عن عامر بن ربيعة: "أنه رأى النبيّ ﷺ يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته". قال في الهدي (٤): وقد سئل الإِمام أحمد (٥) عن التطوّع في السفر فقال: أرجو أن لا يكون بالتطوّع في السفر بأس. قال (٥): وروي عن الحسن (٦) أنه قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها. قال (٥): وروي هذا عن عمر (٧) وعلي (٨) وابن مسعود (٩) وجابر (١٠)

стр. 2793

وأنس (١) وابن عباس (٢) وأبي ذرّ (٣). قوله: (بأذان واحد وإقامتين) فيه أن السنة في الجمع بين الصلاتين الاقتصار على أذان واحد، والإِقامة لكل واحدة من الصلاتين. وقد أخرج البخاري (٤) عن ابن مسعود أنه أمر بالأذان والإقامة لكل صلاة من الصلاتين المجموعتين بمزدلفة. قال ابن حزم (٥): لم نجده مرويًا عن النبيّ ﷺ ، ولو ثبت لقلت به. ثم أخرج من طريق عبد الرزاق عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق في هذا الحديث. قال أبو إسحاق (٦): فذكرته لأبي جعفر بن محمد بن عليّ فقال: أما نحن أهل البيت فهكذا نصنع. قال ابن حزم (٧): وقد روي عن عمر من فعله وأخرجه الطحاوي (٨) بإسناد صحيح عنه، ثم تأوّله بأنه محمول على أن أصحابه تفرّقوا عنه فأذن لهم ليجتمعوا ليجمع بهم. قال الحافظ (٩): ولا يخفى تكلفه، ولو تأتى له ذلك في حقّ عمر لكونه كان الإِمام الذي يقيم للناس [حجتهم لم يتأتّ] (١٠) له في حقّ ابن مسعود.

стр. 2794

وقد ذهب إلى أن المشروع أذان واحد في الجمع وإقامة لكل صلاة الشافعي في القديم (١)، وهو مرويّ عن أحمد (٢) وابن حزم وابن الماجشون (٣)، وقوّاه الطحاوي (٤) وإليه ذهبت الهادوية (٥). وقال الشافعي في الجديد (٦) والثوري وهو مرويّ عن أحمد (٧): إنه يجمع بين الصلاتين بإقامتين فقط. وتمسك الأوّلون بحديث جابر (٨) المذكور في الباب. وتمسك الآخرون بحديث أسامة (٩) المذكور في الباب أيضًا لأنه اقتصر فيه على ذكر الإِقامة لكل واحدة من الصلاتين. والحق ما قاله الأوّلون؛ لأن حديث جابر مشتمل على زيادة الأذان وهي زيادة غير منافية فيتعين قبولها. قوله: (ثم أناخ كل إنسان بعيره) فيه جواز الفصل بين الصلاتين المجموعتين بمثل هذا. [وظاهر قوله] (١٠): "ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا" المنافاة لقوله في الرواية الأخرى: "ثم حلوا رحالهم وأعنته ثم صلى العشاء". فإن أمكن الجمع إما بأنه حلّ بعضهم قبل صلاة العشاء وبعضهم بعدها أو بغير ذلك فذاك، وإن لم يمكن فالرواية الأولى أرجح لكونها في صحيح مسلم. ويرجحها أيضًا الاقتصار في الرواية المتفق عليها على مجرّد الإناخة فقط.
следующие страницы →