← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 2790–2829 · переход к 2795.

стр. 2790

وإمَّا في الصحيحين (١) عن ابن عمر أنه قال: "صحبت النبي ﷺ فلم أره يسبح في السفر". وفي رواية (٢): "صحبت رسول الله ﷺ وكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك". [فقال] (٣) النووي (٤): لعلّ النبيّ ﷺ كان يصلي الرواتب في رحله ولا يراه ابن عمر، فإن النافلة في البيت أفضل، ولعله تركها في بعض الأوقات تنبيهًا على جواز تركها. وأما ما يحتجّ به القائلون بتركها من أنها لو شرعت لكان إتمام الفريضة أولى. فجوابه أن الفريضة متحتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها. وأما النافلة فهي إلى خيرة المكلف، فالرفق به أن تكون مشروعة، ويتخير؛ إن شاء فعلها وحصل ثوابها، وإن شاء تركها ولا شيء عليه. وقال ابن دقيق العيد (٥): إن قول ابن عمر: "فكان لا يزيد في السفر على ركعتين"، يحتمل أنه كان لا يزيد في عدد ركعات الفرض.

стр. 2791

ويحتمل أنه كان لا يزيد نفلًا. ويحتمل أعمّ من ذلك. قال في الفتح (١): وبدلّ على الثاني رواية مسلم (٢) بلفظ: "صحبت ابن عمر في طريق مكة فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا لأتممت" ثم ذكر الحديث. قال ابن القيم في الهدي (٣): وكان من هديه ﷺ في سفره الاقتصار على الفرض، ولم يحفظ عنه أنه ﷺ صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها إلا ما كان من سنة الوتر والفجر، فإنه لم يكن يدعها حضرًا ولا سفرًا انتهى. وتعقبه الحافظ (٤) بما أخرجه أبو داود (٥) والترمذي (٦) من حديث البراء بن عازب قال: "سافرت مع النبيّ ﷺ ثمانية عشر سفرًا، فلم أره ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر". قال: وكأنه لم يثبت عنده، وقد استغربه الترمذي (٧)، ونقل عن البخاري أنه رآه حسنًا. وقد حمله بعض العلماء على سنة الزوال لا على الراتبة قبل الظهر، انتهى. وقد ذكر ابن القيم (٨) هذا الحديث الذي تعقبه به الحافظ في الهدي في هذا البحث وأجاب عنه وذكر حديث عائشة (٩): "أن النبيّ ﷺ كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين بعدها" وأجاب عنه.

стр. 2792

واعلم أنه لا بدّ من حمل قول ابن عمر: فلم أره يسبح، على صلاة السنة، وإلا فقد صحّ عنه (١) أنه كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه. وفي الصحيحين (٢) عن ابن عمر قال: "كان النبيّ ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به". وفي الصحيحين (٣) عن عامر بن ربيعة: "أنه رأى النبيّ ﷺ يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته". قال في الهدي (٤): وقد سئل الإِمام أحمد (٥) عن التطوّع في السفر فقال: أرجو أن لا يكون بالتطوّع في السفر بأس. قال (٥): وروي عن الحسن (٦) أنه قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها. قال (٥): وروي هذا عن عمر (٧) وعلي (٨) وابن مسعود (٩) وجابر (١٠)

стр. 2793

وأنس (١) وابن عباس (٢) وأبي ذرّ (٣). قوله: (بأذان واحد وإقامتين) فيه أن السنة في الجمع بين الصلاتين الاقتصار على أذان واحد، والإِقامة لكل واحدة من الصلاتين. وقد أخرج البخاري (٤) عن ابن مسعود أنه أمر بالأذان والإقامة لكل صلاة من الصلاتين المجموعتين بمزدلفة. قال ابن حزم (٥): لم نجده مرويًا عن النبيّ ﷺ ، ولو ثبت لقلت به. ثم أخرج من طريق عبد الرزاق عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق في هذا الحديث. قال أبو إسحاق (٦): فذكرته لأبي جعفر بن محمد بن عليّ فقال: أما نحن أهل البيت فهكذا نصنع. قال ابن حزم (٧): وقد روي عن عمر من فعله وأخرجه الطحاوي (٨) بإسناد صحيح عنه، ثم تأوّله بأنه محمول على أن أصحابه تفرّقوا عنه فأذن لهم ليجتمعوا ليجمع بهم. قال الحافظ (٩): ولا يخفى تكلفه، ولو تأتى له ذلك في حقّ عمر لكونه كان الإِمام الذي يقيم للناس [حجتهم لم يتأتّ] (١٠) له في حقّ ابن مسعود.

стр. 2794

وقد ذهب إلى أن المشروع أذان واحد في الجمع وإقامة لكل صلاة الشافعي في القديم (١)، وهو مرويّ عن أحمد (٢) وابن حزم وابن الماجشون (٣)، وقوّاه الطحاوي (٤) وإليه ذهبت الهادوية (٥). وقال الشافعي في الجديد (٦) والثوري وهو مرويّ عن أحمد (٧): إنه يجمع بين الصلاتين بإقامتين فقط. وتمسك الأوّلون بحديث جابر (٨) المذكور في الباب. وتمسك الآخرون بحديث أسامة (٩) المذكور في الباب أيضًا لأنه اقتصر فيه على ذكر الإِقامة لكل واحدة من الصلاتين. والحق ما قاله الأوّلون؛ لأن حديث جابر مشتمل على زيادة الأذان وهي زيادة غير منافية فيتعين قبولها. قوله: (ثم أناخ كل إنسان بعيره) فيه جواز الفصل بين الصلاتين المجموعتين بمثل هذا. [وظاهر قوله] (١٠): "ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا" المنافاة لقوله في الرواية الأخرى: "ثم حلوا رحالهم وأعنته ثم صلى العشاء". فإن أمكن الجمع إما بأنه حلّ بعضهم قبل صلاة العشاء وبعضهم بعدها أو بغير ذلك فذاك، وإن لم يمكن فالرواية الأولى أرجح لكونها في صحيح مسلم. ويرجحها أيضًا الاقتصار في الرواية المتفق عليها على مجرّد الإناخة فقط.

стр. 2795

[عشرون] أبواب الجمعة [الباب الأول] باب التغليظ في تركها ١/ ١١٧٩ - (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الجُمُعَةِ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمرَ رَجُلًا يُصَلِّي بالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرّقُ على رِجالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَن الجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) ومُسْلِمٌ) (٢). [صحيح] ٢/ ١١٨٠ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ وابْنِ عمَرَ أنَّهُما سَمِعَا النَّبِيَّ ﷺ يَقُول على أعْوَادِ مِنْبَرِهِ: "لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعاتِ أوْ لَيَخْتِمَن الله عَلى قُلُوبِهِمْ، ثمَّ لَيَكُونُن مِنَ الغَافِلِينَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] وَرَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَالنَّسائيُّ (٥) مِنْ حَديثِ ابْنِ عمَرَ، وابْنِ عَبَّاسٍ). [صحيح] ٣/ ١١٨١ - (وَعَنْ أبي الجُعْدِ الضمَرِيّ - وَلَهُ صُحْبَةٌ - أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ

стр. 2796

قالَ: "مَنْ تَرَكَ ثَلاثَ جُمَعٍ تَهاوُنًا طَبَعَ الله عَلى قَلْبِهِ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ (١). [صحيح] ولأحْمَدَ (٢) وابْنِ ماجَهْ (٣) مِنْ حَدِيثِ جابِرٍ نَحْوَهُ). [صحيح لغيره] حديث أبي الجعد أخرجه أيضًا ابن حبان (٤) والحاكم (٥) والبزار (٦) وصححه ابن السكن (٧). وأبو الجعد، قال الترمذي (٨) عن البخاري: لا أعرف اسمه، وكذا قال أبو حاتم (٩). وذكره الطبراني في الكنى من معجمه (١٠)، وقيل: اسمه أدرع، وقيل: جنادة، وقيل: عمرو. وقد اختلف في هذا الحديث على أبي سلمة، فقيل: عن أبي الجعد. قال الحافظ (١١): وهو الصحيح. وقيل: عن أبي هريرة وهو وهم، قاله الدارقطني في العلل (١٢).

стр. 2797

ورواه الحاكم (١) من حديث أبي قتادة وهو حسن وقد اختلف فيه. وحديث جابر الذي أشار إليه المصنف أخرجه أيضًا النسائي (٢) وابن خزيمة (٣) والحاكم (٤) بلفظ: "مَنْ تَرَكَ الجمعةَ ثلاثًا من غيرِ ضرورَةٍ طُبعَ على قَلْبِهِ". قال الدارقطني: إنه أصحّ من حديث أبي الجعد. ولجابر حديث آخر بلفظ: "إن الله افترض عليكم الجمعة في شهركم هذا، فمن تركها استخفافًا بها وتهاونًا ألا فلا جمع الله له شمله، ألا ولا بارك الله له، ألا ولا صلاة له"، أخرجه ابن ماجه (٥). وفي إسناده عبد الله [العدوي] (٦) وهو واهى الحديث (٧). وأخرجه البزار (٨) من وجه آخر وفيه عليّ بن زيد بن جدعان. قال الدارقطني: إن الطريقين [كلاهما] (٩) غير ثابت. وقال ابن عبد البرّ (١٠): هذا الحديث واهي الإسناد انتهى. وفي الباب عن ابن عمر حديث آخر غير ما ذكر المصنف عند الطبراني في الأوسط (١١)

стр. 2798

بلفظ: "إن رسول الله ﷺ قال: أَلا [هل] (١) عَسَى أحَدٌ منكم أنْ يَتَّخِذ [الضِّبنة] (٢) من الغَنَمِ على رأس ميلينِ أو ثلاثة [تأتي] (٣) الجمعةُ فلا يشهدُها ثلاثًا، فيطبعُ اللهُ على قلبِهِ". وسيأتي (٤) نحوه في الباب الذي بعد هذا من حديث أبي هريرة. والضِّبْنة (٥) بكسر الضاد المعجمة ثم باء موحدة [ساكنة ثم نون] (٦): هي ما تحت يدك من مال أو عيال. وعن ابن عباس حديث آخر غير الذي ذكره المصنف عند أبي يعلى الموصلي (٧): "مَنْ تركَ ثلاثَ جُمَعِ متوالياتٍ فَقَدْ نبذَ الإِسلامَ وراءَ ظهرِهِ". هكذا ذكره موقوفًا، وله حكم الرفع، لأن مثله لا يقال من قبل الرأي كما قال العراقي. وعن سمرة عند أبي داود (٨) والنسائي (٩) عن النبيّ ﷺ : "من ترك الجمعة

стр. 2799

من غير عذر فليتصدّق بدينار، فإن لم يجد فنصف دينار". وعن أسامة بن زيد عند الطبراني في الكبير (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك ثلاث جمع من غير عذر كتب من المنافقين". وفي إسناده جابر الجعفي (٢)، وقد ضعفه الجمهور. وعن أنس عند الديلمي في مسند الفردوس (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك ثلاث جمع متواليات من غير عذر طبع الله على قلبه". وعن عبد الله بن أبي أوفى عند الطبراني في الكبير (٤) قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمع النداء يوم الجمعة ولم يأتها ثم سمع النداء ولم يأتها ثلاثًا طبع على قلبه فجعل قلب منافق"، قال العراقي: وإسناده جيد. وعن عقبة بن عامر عند أحمد (٥) في حديث طويل فيه: "أناس يحبون اللبن

стр. 2800

[ويخرجون] (١) من الجماعات ويدعون الجمعات"، وفي إسناده ابن لهيعة (٢). وعن أبي قتادة عند أحمد (٣) أيضًا بنحو حديث جابر الأوّل. وعن كعب بن مالك عند الطبراني في الكبير (٤) بنحو حديث أبي هريرة وابن عمر المذكور في الباب. قوله: (يتخلفون عن الجمعة) قال في الفتح (٥): قد اختلف في تسمية اليوم بالجمعة مع الاتفاق على أنه كان يسمى في الجاهلية: العَرُوبة، بفتح العين وضم الراء وبالموحدة.

стр. 2801

فقيل: سمي بذلك لأن كمال الخلق جمع فيه، ذكره أبو حذيفة (١) عن ابن عباس وإسناده ضعيف. وقيل: لأن خلق آدم جمع فيه (٢). وردّ ذلك من حديث سلمان عند أحمد (٣) وابن خزيمة (٤) وغيرهما (٥)، وله شاهد عن أبي هريرة ذكره ابن أبي حاتم (٦) موقوفًا بإسناد قويّ. وأحمد (٧) مرفوعًا بإسناد ضعيف، وهذا أصحّ الأقوال. ويليه ما أخرجه عبد بن حميد (٨) عن ابن سيرين بسند صحيح إليه في قصة

стр. 2802

تجميع الأنصار مع أسعد بن زرارة وكانوا يسمونه يوم العروبة، فصلى بهم وذكَّرهم فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه. وقيل: لأن كعب بن لؤيّ (١) كان يجمع قومه فيه ويذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم، ويخبرهم [بأنه] (٢) سيبعث منه نبيّ. روى ذلك الزبير في كتاب النسب (٣) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مقطوعًا، وبه جزم الفرّاء وغيره (٤). وقيل: إن قُصيًا هو الذي كان يجمعهم، ذكره ثعلب في أماليه (٥). وقيل: سمي بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه، وبهذا جزم ابن حزم (٦) فقال: إنه اسم إسلامي لم يكن في الجاهلية، وأنه كان يسمى: يوم العروبة. قال الحافظ (٧): وفيه نظر، فقد قال أهل اللغة (٨): إن العروبة اسم قديم كان للجاهلية.

стр. 2803

وقالوا في الجمعة: هو يوم العروبة، فالظاهر أنهم غيروا أسماء الأيام السبعة بعد أن كانت تسمى: أوّل. أهون. جُبار. دُبَار. مونس. عَرُوبة. شِيّار. قال الجوهري (١): [وكانت] (٢) العرب تسمي يوم الاثنين: أهون، في أسمائهم القديمة، وهذا يشعر بأنهم أحدثوا لها اسمًا، وهي هذه المتعارفة كالسبت والأحد، إلخ. وقيل: إن أوّل من سمى الجمعة العروبة كعب بن لؤيّ (٣)، وبه جزم بعض أهل اللغة (٤). والجمعة بضم الميم على المشهور وقد تسكَّن، وقرأ بها الأعمش (٥)، وحكى الفراء (٦) فتحها، وحكى الزجاج (٧) وكسرها. قال النووي (٨): ووجهوا الفتح بأنَّها تجمع الناس ويكثرون فيها كما يقال: هُمزة ولُمزة، لكثير الهمز واللمز ونحو ذلك. قوله: (لقد هممت، إلخ) قد استدلّ بذلك على أن الجمعة من فروض الأعيان (٩). وأجيب عن ذلك بأجوبة قدّمنا ذكرها في أبواب الجماعة، وسيأتي بيان ما هو الحقّ. قوله: (وَدْعِهم) أي تَرْكِهم. قوله: (أو ليختمنّ الله تعالى) الختم: الطبع والتغطية (١٠). قال القاضي عياض (١١): اختلف المتكلمون في هذا اختلافًا كثيرًا، فقيل: هو إعدام اللطف وأسباب الخير.

стр. 2804

وقيل: هو خَلْقُ الكفر في صدورهم، وهو قول أكثر [متكلِّمي] (١) أهل السنَّة، يعني [الأشعرية] (٢). وقال غيرهم: هو الشهادة عليهم. وقيل: هو علامة جعلها الله في قلوبهم [ليعرف] (٣) بها الملائكة من يمدح ومن يذّم (٤). قال العراقي: والمراد بالطبع على قلبه أنه يصير قلبه قلب منافق (٥)، كما تقدم في حديث ابن أبي أوفى (٦). وقد قال تعالى في حقّ المنافقين: ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]. قوله: (ثلاث جمع) يحتمل أن يراد حصول الترك مطلقًا سواء توالت الجمعات أو تفرّقت، حتى لو ترك في كل سنة جمعة لطبع الله على قلبه بعد الثالثة وهو ظاهر الحديث. ويحتمل أن يراد ثلاث جمع متوالية كما تقدم في حديث أنس (٧)؛ لأن موالاة الذنب ومتابعته مشعرة بقلة المبالاة به. قوله: (تهاونًا) فيه أن الطبع المذكور إنما يكون على قلب من ترك ذلك تهاونًا (٨).

стр. 2805

فينبغي حمل الأحاديث المطلقة على هذا الحديث المقيد بالتهاون. وكذلك تحمل الأحاديث المطلقة على المقيدة بعدم العذر كما تقدم. وقد استدلّ بأحاديث الباب على أن الجمعة من فروض الأعيان. وقد حكى ابن المنذر (١) الإِجماع على أنها فرض عين. وقال ابن العربي (٢): الجمعة فرض بإجماع الأمة. وقال ابن قدامة (٣) في المغني: أجمع المسلمون على وجوب الجمعة. وقد حكى الخطابي (٤) الخلاف في أنها من فروض الأعيان أو من فروض الكفايات، وقال: [قال] (٥) أكثر الفقهاء: هي من فروض الكفايات، وذكر ما يدلّ على أن ذلك قول للشافعي (٦)، وقد حكاه المرعشي عن قوله القديم.

стр. 2806

قال الدارمي: وغلّطوا حاكيه. وقال أبو إسحاق المروزي (١): لا يجوز حكاية هذا عن الشافعي. وكذلك حكاه الروياني (٢) عن حكاية بعضهم وغلطه. قال العراقي: نعم هو وجه لبعض الأصحاب. قال: وأما ما ادّعاه الخطابي (٣) من أن أكثر الفقهاء قالوا: إن الجمعة فرض على الكفاية ففيه نظر، فإن مذاهب الأئمة الأربعة (٤) متفقة على أنها فرض عين لكن بشروط يشترطها أهل كل مذهب. قال ابن العربي (٥): وحكى ابن وهب عن مالك (٦) أن شهودها سنة، ثم قال: قلنا: له تأويلان؛ أحدهما: أن مالكًا يطلق السنة على الفرض. الثاني: أنه أراد سنة على صفتها لا يشاركها فيه سائر الصلوات حسب ما شرعه رسول الله ﷺ وفعله المسلمون. وقد روى ابن وهب عن مالك (٧): "عزيمة الجمعة على كل من سمع النداء" انتهى.

стр. 2807

ومن جملة الأدلة الدالة على أن الجمعة من فرائض الأعيان قول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩]. ومنها حديث طارق بن شهاب الآتي (١) في الباب الذي بعد هذا. ومنها حديث حفصة الآتي (٢) أيضًا. ومنها ما أخرجه البخاري (٣) وغيره (٤) عن أبي هريرة: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحنُ الآخرونَ السابِقُونَ يومَ القيامةِ، بَيْدَ أنهم أوتُوا الكتابَ من قَبْلِنا، ثم هذا يومُهم الذي فَرض الله عليهم واختلفوا فيه فهدانا اللهُ له فالناس لنا تبعٌ فيه" الحديث. وقد استنبط منه البخاري فرضية صلاة الجمعة وبوّب عليه باب فرض الجمعة (٥)، وصرّح النووي (٦) والحافظ (٧) بأنه يدلّ على الفرضية، [قالا] (٨) لقوله: "فرض الله عليهم فهدانا له"، فإن التقدير: فرض عليهم وعلينا، فضلوا وهدينا. وقد وقع عند مسلم (٩) في رواية سفيان عن أبي الزناد بلفظ: "كتب علينا". وقد أجاب عن هذه الأدلة من لم يقل بأنها فرض عين بأجوبة: إما عن حديث أبي هريرة الذي ذكره المصنف فيما تقدم في الجماعة (١٠). وإما عن سائر الأحاديث المشتملة على الوعيد (١١)، فبصرفها إلى من ترك الجمعة تهاونًا حملًا للمطلق على المقيد، ولا نزاع في أن التارك لها تهاونًا مستحقّ للوعيد المذكور، وإنما النزاع فيمن تركها غير متهاون. وأما عن الآية فبما يقضي به آخرها، أعني قوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الجمعة: ٩]، من عدم فرضية العين.

стр. 2808

وأما عن حديث طارق (١) فبما قيل فيه من الإِرسال وسيأتي. وأما عن حديث أبي هريرة (٢) الآخر فبمنع استلزام افتراض يوم الجمعة على من قبلنا افتراضه علينا. وأيضًا ليس فيه افتراض صلاة الجمعة عليهم [و] (٣) لا علينا. وقد ردّت هذه الأجوبة بردود. والحقّ أن الجمعة من فرائض الأعيان على سامع النداء، ولو لم يكن في الباب إلا حديث طارق (١) وأمّ سلمة (٤) الآتيين لكانا مما تقوم [به الحجة] (٥) على الخصم. والاعتذار عن حديث طارق بالإِرسال ستعرف اندفاعه. وكذلك الاعتذار بأن مسجد النبيّ ﷺ كان صغيرًا لا يتسع هو ورحبته لكل المسلمين، وما كانت تقام الجمعة في عهده ﷺ بأمره إلا في مسجده، وقبائل العرب كانوا مقيمين في نواحي المدينة مسلمين ولم يؤمروا بالحضور مدفوع بأن تخلف المتخلفين عن الحضور بعد أمر الله به وأمر رسوله والتوعد الشديد لمن لم يحضر لا يكون حجة إلا على فرض تقريره ﷺ للمتخلفين على تخلفهم واختصاص الأوامر بمن حضر جمعته ﷺ من المسلمين، وكلاهما باطل. أما الأوّل: فلا يصحّ نسبة التقرير إليه ﷺ بعد همه بإحراق المتخلفين عن الجمعة وإخباره بالطبع على قلوبهم وجعلها كقلوب المنافقين. وأما الثاني: فمع كونه قصرًا للخطابات العامة بدون برهان، تردّه أيضًا تلك التوعدات للقطع بأنه لا معنى لتوعد الحاضرين ولتصريحه ﷺ بأن ذلك الوعيد للمتخلفين. وضيق مسجده ﷺ يدلّ على عدم الفرضية إلا على فرض أن الطلب

стр. 2809

مقصور على مقدار ما يتسع له من الناس أو عدم إمكان إقامتها في البقاع التي خارجه وفي سائر البقاع، وكلاهما باطل. أما الأوّل فظاهر. وأما الثاني فكذلك أيضًا لإِمكان إقامتها في تلك البقاع عقلًا وشرعًا. لا يقال عدم أمره ﷺ بإقامتها في غير مسجده يدلّ على عدم الوجوب. لأنا نقول: الطلب العام يقتضي وجوب صلاة الجمعة على كل فرد من أفراد المسلمين، ومن لا يمكنه إقامتها في مسجده ﷺ لا يمكنه الوفاء بما طلبه الشارع إلا بإقامتها في غيره، وما لا يتمّ الواجب إلا به واجب كوجوبه، كما تقرّر في الأصول (١). [الباب الثاني] باب من تجب عليه ومن لا تجب ٤/ ١١٨٢ - (عَنْ عَبْدِ الله بن عَمْرو [﵁] (٢) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "الجُمُعَةُ على مَنْ سَمِعَ النِّداءَ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٣) وَالدَّارقُطْنِيُّ (٤) وقالَ فيه: "إِنَّمَا الجُمُعَةُ على مَنْ سَمِعَ النِّداءَ". [ضعيف والصحيح وقفه] الحديث قال أبو داود في السنن (٥): رواه جماعة عن سفيان مقصورًا على عبد الله بن عمرو ولم يرفعوه وإنما أسنده قبيصة انتهى. وفي إسناده محمد بن سعيد الطائفي، قال المنذري (٦): وفيه مقال. وقال في التقريب (٧): صدوق. وقال أبو بكر بن أبي داود (٨): هو ثقة.

стр. 2810

قال: وهذه سنة تفرّد بها أهل الطائف، انتهى. وقد تفرّد به محمد بن سعيد، عن شيخه أبي سلمة (١)، وتفرّد به أبو سلمة عن شيخه عبد الله بن هارون (٢). وقد ورد من حديث عبد الله بن عمرو من وجه آخر أخرجه الدارقطني (٣) من رواية الوليد (٤) عن زهير بن محمد (٥) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه مرفوعًا، والوليد وزهير كلاهما من رجال الصحيح. قال العراقي: لكن زهير (٥) روى عن أهل الشام مناكير منهم الوليد (٤)، والوليد مدلس وقد رواه بالعنعنة فلا يصحّ.

стр. 2811

ورواه الدارقطني (١) أيضًا من رواية محمد بن الفضل بن عطية عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ ، ومحمد بن الفضل ضعيف (٢) جدًّا، والحجاج هو ابن أرطاة (٣)، وهو مدلس مختلف في الاحتجاج به. ورواه أيضًا البيهقي (٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا. والحديث يدلّ على أن الجمعة لا تجب إلا على من سمع النداء، وإليه ذهب الشافعي (٥) وأحمد (٦) وإسحاق (٧)، حكى ذلك الترمذي (٨) عنهم. وحكاه ابن العربي (٩) عن مالك (١٠)، وروي ذلك عن عبد الله بن عمرو راوي الحديث.

стр. 2812

وحديث الباب وإن كان فيه المقال المتقدم فيشهد لصحته قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] الآية. قال النووي في الخلاصة (١): إن البيهقي قال: له شاهد (٢)، فذكره بإسناد جيد. قال العراقي: وفيه نظر. قال: ويغني عنه حديث أبي هريرة عند مسلم (٣) وغيره (٤). قال: "أتى النبيّ ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب". وروى نحوه أبو داود (٥) بإسناد حسن عن ابن أمّ مكتوم. قال: فإذا كان هذا في مطلق الجماعة فالقول به في خصوصية الجمعة أولى. والمراد بالنداء المذكور في الحديث هو النداء الواقع بين يدي الإِمام في المسجد لأنه الذي كان في زمن النبوّة لا الواقع على المنارات (٦) فإنه محدث كما سيأتي.

стр. 2813

وظاهره عدم وجوب الجمعة على من لم يسمع النداء، سواء كان في البلد الذي تقام فيه الجمعة أو في خارجه. وقد ادّعى في البحر (١) الإِجماع على عدم اعتبار سماع النداء في موضعها واستدلّ لذلك بقوله: إذا لم تعتبره الآية، وأنت تعلم أن الآية قد قيد الأمر بالسعي فيها بالنداء لما تقرّر عند أئمة البيان (٢) من أن الشرط قيد لحكم الجزاء، والنداء المذكور فيها يستوي فيه من في المصر الذي تقام فيه الجمعة ومن خارجه، نعم إن صحّ الإِجماع كان هو الدليل على عدم اعتبار سماع النداء لمن في موضع إقامة الجمعة عند من قال بحجية الإِجماع. وقد حكى العراقي في شرح الترمذي عن الشافعي (٣) ومالك (٤) وأحمد بن حنبل (٥) أنهم يوجبون الجمعة على أهل المصر وإن لم يسمعوا النداء. وقد اختلف أهل العلم فيمن كان خارجًا عن البلد الذي تقام فيه

стр. 2814

الجمعة، فقال عبد الله بن عمر (١) وأبو هريرة (٢) وأنس (٣) والحسن (٤) وعطاء (٥) ونافع (٦) وعكرمة (٧) والحكم (٨) والأوزاعي (٩) والإِمام يحيى إنها تجب على من يؤويه الليل إلى أهله، والمراد أنه إذا جمع مع الإِمام أمكنه العود إلى أهله آخر النهار وأوّل الليل. واستدلوا بما أخرجه الترمذي (١٠) عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: "الجمعة على من آواه الليل إلى أهله"، قال الترمذي (١١): وهذا إسناد ضعيف إنما يروى من حديث مُعَارك بن عبَّاد عن عبد الله بن سعيد المقبري، وضعَّف يحيى بن سعيد القطان عبد الله بن سعيد المقبري (١٢) في الحديث انتهى.

стр. 2815

وقال العراقي: إنه غير صحيح فلا حجة فيه. وذهب الهادي والناصر (١) ومالك (٢) إلى أنها تلزم من سمع النداء بصوت الصيِّت من سور البلد. وقال عطاء (٣): تلزم من على عشرة أميال. وقال الزهري (٤): من على ستة أميال. وقال ربيعة (٥): من على أربعة. وروي عن مالك (٦): ثلاثة. وروي عن الشافعي: فرسخ، وكذلك روي عن أحمد. قال ابن قدامة (٧): وهذا قول [أصحاب] (٨) الرأي. وروي في البحر (٩) عن زيد بن علي والباقر والمؤيد بالله وأبي حنيفة (١٠) وأصحابه أنها لا تجب على من كان خارج البلد. وقد استدلّ بحديث الباب على أن الجمعة من فروض الكفايات حتى قال في ضوء النهار (١١): إنه يدلّ على ذلك بلا شكّ ولا شبهة.

стр. 2816

وردّ بأنه ليس في الحديث إلا أنها من فرائض الأعيان على سامع النداء فقط، وليس فيه أنها فرض كفاية على من لم يسمع، بل مفهومه يدلّ على أنها لا تجب عليه لا عينًا ولا كفاية. ٥/ ١١٨٣ - (وَعَنْ حَفْصَةَ [﵂] (١) أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "رَوَاحُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ على كُل مُحْتَلِمٍ"، رَوَاهُ النَّسائيُّ) (٢). [صحيح] ٦/ ١١٨٤ - (وَعَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ على كُل مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا أرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أو امْرأةٌ، أوْ صَبِيٌّ، أوْ مَرِيضٌ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣). [صحيح] وَقالَ (٤): طارِقُ بْنُ شِهابٍ قَدْ رأى النَّبِيَّ ﷺ ولَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا) (٥). الحديث الأوّل رجال إسناده رجال الصحيح إلا [عياش بن عَبَّاس] (٦) وقد وثقه العجلي (٧). والحديث [الآخر] (٨) أخرجه أيضًا الحاكم (٩) من حديث طارق هذا عن أبي موسى.

стр. 2817

قال الحافظ (١): وصححه غير واحد. وقال الخطابي (٢): ليس إسناد هذا الحديث بذاك، وطارق بن شهاب لا يصحّ له سماع من النبيّ ﷺ ، إلا أنه قد لقي النبيّ. قال العراقي: فإذا قد ثبتت صحبته، فالحديث صحيح، وغايته أن يكون مرسل صحابي وهو حجة عند الجمهور (٣)، إنما خالف فيه أبو إسحاق الإسفراييني، بل ادّعى بعض الحنفية الإِجماع على أن مرسل الصحابي حجة اهـ. على أنه قد اندفع الإِعلال بالإِرسال بما في رواية الحاكم (٤) من ذكر أبي موسى. وقد شدّ من عضد هذا الحديث حديث حفصة (٥) المذكور في الباب. ويؤيده أيضًا ما أخرجه الدارقطني (٦) والبيهقي (٧) من حديث جابر بلفظ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة، إلا امرأة أو مسافرًا أو عبدًا أو مريضًا"، وفي إسناده ابن لهيعة (٨) ومعاذ بن محمد الأنصاري (٩) وهما ضعيفان. وفي الباب عن تميم الداري عند العقيلي (١٠) والحاكم أبي أحمد وفيه أربعة ضعفاء على الولاء، قاله ابن القطان (١١).

стр. 2818

وعن ابن عمر عند الطبراني في الأوسط (١). وعن مولى لآل الزبير عند البيهقي (٢). وعن أبي هريرة ذكره الحافظ في التلخيص (٣) وذكره صاحب مجمع الزوائد (٤)، وقال: فيه إبراهيم بن حماد ضعفه الدارقطني. وعن أم عطية بلفظ: "نهينا عن اتباع الجنائز ولا جمعة علينا"، أخرجه ابن خزيمة (٥). وقد استدل بحديثي الباب على أن الجمعة من فرائض الأعيان، وقد تقدم الكلام على ذلك. قوله: (عبد مملوك) فيه أن الجمعة غير واجبة على العبد. وقال داود (٦): إنها واجبة عليه لدخوله تحت عموم الخطاب. قوله: (أو امرأة) فيه عدم وجوب الجمعة على النساء، أما غير العجائز فلا خلاف في ذلك. وأما العجائز فقال الشافعي (٧): يستحبّ لهنّ حضورها. قوله: (أو صبيّ) فيه أن الجمعة غير واجبة على الصبيان وهو مجمع عليه.

стр. 2819

قوله: (أو مريض) فيه أن المريض لا تجب عليه الجمعة إذا كان الحضور يجلب عليه مشقة. وقد ألحق به الإِمام يحيى (١) وأبو حنيفة (٢): الأعمى وإن وجد قائدًا لما في ذلك من المشقة. وقال الشافعي (٣): إنه غير معذور عن الحضور إن وجد قائدًا. وظاهر حديث أبي هريرة وابن أمّ مكتوم المتقدمين في شرح الحديث الذي في أوّل هذا الباب (٤) أنه غير معذور مع سماعه للنداء وإن لم يجد قائدًا لعدم الفرق بين الجمعة وغيرها من الصلوات. وقد تقدم الكلام على الحديثين في أوّل أبواب الجماعة (٥). واختُلف في المسافر هل تجب عليه الجمعة إذا كان نازلًا أم لا؟ فقال الفقهاء وزيد بن عليّ والناصر والباقر والإِمام يحيى (٦): إنها لا تجب عليه ولو كان نازلًا وقت إقامتها. واستدلوا بما تقدم في حديث جابر (٧) من استثناء المسافر. وكذا استثناء المسافر في حديث أبي هريرة (٨) الذي أشرنا إليه. وقال الهادي والقاسم أبو العباس (٩) والزهري (١٠) والنخعي (١١): إنها

стр. 2820

تجب على المسافر إذا كان نازلًا وقت إقامتها، لا إذا كان سائرًا. ومحل الخلاف هل يطلق اسم المسافر على من كان نازلًا أو يختص بالسائر، وقد تقدم الكلام على ذلك في أبواب صلاة السفر. ٧/ ١١٨٥ - (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "ألا هَلْ عَسَى أحَدُكُمْ أنْ يَتَّخِذَ الصُّبَّةَ مِنَ الغَنَمِ على رأسِ ميلِ أوْ مِيْلَيْنِ فَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الكَلأُ فَيَرْتَفعُ، ثُمَّ تَجِيءُ الجُمُعَةُ فَلا يَجِيءُ وَلا يَشْهَدُها، وَتَجِيءُ الجُمُعَةُ فَلا يَشْهَدُها، وَتَجِيءُ الجُمُعَةُ فَلا يَشْهَدُها، حتَّى يَطْبَعَ الله على قَلْبِهِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) (١). [حسن] الحديث هو عند ابن ماجه (١) كما ذكر المصنف من رواية محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة. وأخرجه الحاكم (٢) أيضًا وفي إسناده معدي بن سليمان (٣) وفيه مقال. وروى نحوه الطبراني (٤) وأحمد (٥) من حديث حارثة بن النعمان. وروى أيضًا نحوه الطبراني (٦) من حديث ابن عمر وقد تقدم. قوله: (أن يتخذ الصُّبَّة) بصاد مهملة مضمومة وبعدها باء موحدة مشددة. قال في النهاية (٧): هي من العشرين إلى الأربعين ضأنًا ومعزًا، وقيل:

стр. 2821

معزًا خاصة، وقيل: ما بين الستين إلى السبعين. ولفظ حديث ابن عمر: "أن يتخذ الضّبنة" (١)، قال العراقي: بكسر الضاد المعجمة ثم باء موحدة ساكنة ثم نون: هي ما تحت يدك من مال أو عيال اهـ. وفي القاموس (٢) في فصل الصاد المهملة من باب الباء الموحدة ما لفظه: والصبة بالضم: ما صبّ من طعام [وغيره] (٣). ثم قال (٤): والسُّرْبَة من الخيل والإِبل والغنم، أو ما بين العشرة إلى الأربعين أو هي من الإبل ما دون المائة. وقال (٥) في فصل الضاد المعجمة من حرف النون: الضبنة مثلثة كفرجة؛ العيال ومن لا غناء فيه ولا كفاية من الرفقاء. والحديث فيه الحثّ على حضور الجمعة والتوعد على التشاغل عنها بالمال. وفيه أنها لا تسقط على من كان خارجًا عن بلد إقامتها وإن طلب الكلأ ونحوه لا يكون عذرًا في تركها. ٨/ ١١٨٦ - (وَعَنِ الحَكَمِ عَنْ مُقسّمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ عبْدَ الله بْنَ رَوَاحَةَ في سَرِيَّةٍ فَوَافقَ ذلكَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، قال: فَتَقَدَّمَ أصْحابهُ وَقَالَ: أتَخَلَّفُ فأُصَلِّي مَعَ النَّبِيّ ﷺ الجُمُعَةَ ثُمَّ ألْحَقُهُمْ؛ قالَ: فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ الله رآهُ، فَقالَ: "ما مَنَعَك أنْ تَغدُوَ مَعَ أصْحابِكَ؟ " فَقالَ: أرَدْتُ أنْ أُصلِّيَ مَعَكَ الجُمُعَةَ ثُمَّ ألْحَقُهُمْ، قالَ: فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْ أنْفَقْتَ ما فِي الأرْضِ جَمِيعًا ما أدْرَكْتَ غُدْوَتَهُمْ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وَالتِّرْمِذِيُّ (٧). [ضعيف]

стр. 2822

وَقالَ شُعْبَةُ: لَمْ يَسْمَعِ الحَكَمُ مِنْ مُقَسّمٍ إلَّا خَمْسَةَ أحادِيثَ وَعدَّها، وَلَيْسَ هَذا الحَديثُ فِيما عَدَّهُ). ٩/ ١١٨٧ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّه أبْصَرَ رَجُلًا عَلَيْهِ هَيْئَةُ السَّفَرِ فَسَمِعَهُ يَقُولُ: لَوْلا أن اليَوْمَ يَوْمُ جُمعَةٍ لَخَرَجْتُ، فَقَالَ عُمَرُ: اخْرُج فإنَّ الجُمُعَةَ لا تَحْبِسُ عَنْ سَفَرٍ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ في مُسْنَدِهِ) (١). [موقوف صحيح] أما حديث ابن عباس فقال الترمذي (٢): إنه غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ثم قال (٣): قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: وذكر الكلام الذي ذكره المصنف. وفي إسناده الحجاج ابن أرطاة. قال البيهقي (٤): انفرد به الحجاج وهو ضعيف. وقال العراقي في شرح الترمذي: ضعفه الجمهور. ومال ابن العربي (٥) إلى تصحيح الحديث. وقال: ما قاله شعبة لا يؤثر في الحديث. وقال: هو صحيح السند صحيح المعنى؛ لأن الغزو أفضل من الجماعة في الجمعة وغيرها، وطاعة النبيّ ﷺ في الغزو أفضل من طاعته في صلاة الجماعة. وتعقبه العراقي فقال: هذا الكلام ليس جاريًا على قواعد أهل الحديث (٦). ولا يلزم من كون المعنى صحيحًا أن يكون السند صحيحًا، فإن شرط صحة الإسناد اتصاله، فالمنقطع ليس من أقسام الصحيح عند عامة العلماء، وهم الذين

стр. 2823

لا يحتجون بالمرسل، فكل من لا يحتجّ بالمرسل لا يحتجّ بعنعنة المدلس. بل حكى النووي في شرح المهذّب وغيره اتفاق العلماء، على أنه لا يحتجّ بعنعنة (١) المدلس مع احتمال الاتصال، فكيف مع تصريح شعبة وهو أمير المؤمنين في الحديث [بأن] (٢) الحكم لم يسمعه من مقسم. فلو ثبت الحديث لكان حجة واضحة، وإذا لم يثبت فالحجة قائمة بغيره من حيث تعارض الواجبات وأنه يقدم أهمها. ولا شكّ أن الغزوّ أهمّ من صلاة الجمعة، إذ الجمعة لها خلف عند فوتها، بخلاف الغزو خصوصًا إذا تعين فإنه يجب تقديمه. وأيضًا فالجمعة لم تجب قبل الزوال، وإن وجب السعي إليها قبله في حقّ من سمع النداء ولا يمكنه إدراكها إلا بالسعي إليها قبله. ومن هذه حاله يمكن أن يكون حكمه عند ذلك حكم ما بعد الزوال اهـ. وأما الأثر المرويّ عن عمر فذكره الحافظ في التلخيص (٣) ولم يتكلم عليه. وروى سعيد بن منصور (٤) أن أبا عبيدة سافر يوم الجمعة ولم ينتظر الصلاة. وأخرج أبو داود في المراسيل (٥) وابن أبي شيبة (٦) عن الزهري أنه أراد أن يسافر يوم الجمعة ضحوة، فقيل له في ذلك، فقال: إن النبيّ ﷺ سافر يوم الجمعة. وفي مقابل ذلك ما أخرجه الدارقطني في الإفراد (٧) عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "مَنْ سافرَ يوم الجمعة دَعَتْ عليه الملائكةُ أن لا يُصْحَب في سفرِهِ"، وفي

стр. 2824

إسناده ابن لهيعة (١) وهو مختلف فيه. وما أخرجه الخطيب في كتاب أسماء الرواة (٢) عن مالك من رواية الحسين بن علوان عنه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال النبيّ ﷺ : "من سافر يوم الجمعة دعا عليه ملكاه أن لا يصاحب في سفره ولا تقضى له حاجة"، ثم قال الخطيب: الحسين بن علوان (٣) غيره أثبت منه. قال العراقي: قد ألان الخطيب الكلام في الحسين، هذا وقد كذّبه يحيى بن معين ونسبه ابن حبان إلى الوضع، وذكر له الذهبي في الميزان (٤) هذا الحديث، وأنه مما كذب فيه على مالك. وقد اختلف العلماء في جواز السفر يوم الجمعة من طلوع الفجر إلى الزوال على خمسة أقوال: (الأوّل): الجواز، قال العراقي: وهو قول أكثر العلماء. فمن الصحابة عمر بن الخطاب (٥)، والزبير بن العوّام، وأبو عبيدة بن

стр. 2825

الجرّاح (١) وابن عمر. ومن التابعين الحسن (٢) وابن سيرين (٣) والزهري. ومن الأئمة أبو حنيفة (٤) ومالك (٥) في الرواية المشهورة عنه والأوزاعي وأحمد بن حنبل (٦) في الرواية المشهورة عنه وهو القول القديم للشافعي (٧)، وحكاه ابن قدامة (٦) عن أكثر أهل العلم. (والقول الثاني): المنع منه، وهو قول الشافعي في الجديد (٨) وهو [إحدى] (٩) الروايتين عن أحمد (١٠) وعن مالك (٥). (والثالث): جوازه لسفر الجهاد دون غيره، وهو إحدى الروايات عن أحمد (١١). (والرابع): جوازه للسفر الواجب دون غيره، وهو اختيار أبي إسحاق المروزي (١٢) من الشافعية. ومال إليه إمام الحرمين. (والخامس): جوازه لسفر الطاعة واجبًا كان أو مندوبًا وهو قول كثير من الشافعية وصححه الرافعي (١٢). وأما بعد الزوال من يوم الجمعة فقال العراقي: قد ادّعى بعضهم الاتفاق على عدم جوازه وليس كذلك، فقد ذهب أبو حنيفة (١٣) والأوزاعي (١٤) إلى جوازه

стр. 2826

كسائر الصلوات، وخالفهم في ذلك عامة العلماء، وفرّقوا بين الجمعة وبين غيرها من الصلوات بوجوب الجماعة في الجمعة دون غيرها، والظاهر جواز السفر قبل دخول وقت الجمعة وبعد خروجه لعدم المانع من ذلك. وحديث أبي هريرة (١) وكذلك حديث ابن عمر (٢) لا يصلحان للاحتجاج بهما على المنع لما عرفت من ضعفهما ومعارضة ما هو أنهض منهما ومخالفتهما لما هو الأصل فلا ينتقل عنه إلا بناقل صحيح ولم يوجد. وأما وقت صلاة الجمعة فالظاهر عدم الجواز لمن قد وجب عليه الحضور إلا أن يخشى حصول مضرّة من تخلفه للجمعة كالانقطاع عن الرفقة التي لا يتمكن من السفر إلا معهم وما شابه ذلك من الأعذار. وقد أجاز الشارع التخلف عن الجمعة لعذر المطر، فجوازه لما كان أدخل في المشقة منه أولى (٣). [الباب الثالث] باب انعقاد الجمعة بأربعين وإقامتها في القرى ١٠/ ١١٨٨ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وكان قَائِدَ أبِيهِ بَعْدَ ما ذَهَبَ بَصَرُهُ عَنْ أَبِيهِ كَعْبٍ أَنَّهُ كانَ إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ تَرَحَّمَ [لأسْعَدَ] (٤) بْنِ زُرَارَة، قالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إذَا سَمعتَ النِّداءَ تَرَحَّمْتَ [لأسْعَدَ] (٤) بْنِ زُرَارَةَ؟ قالَ: لِأَنَّهُ أوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بنا فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَياضَةَ فِي نَقيعٍ يُقالُ لَهُ: نَقيعُ

стр. 2827

الخَضِماتِ، قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمئِذٍ؟ قالَ: أرْبَعُونَ رَجُلًا. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (١)، وابْنُ ماجَهْ (٢) وَقالَ فِيهِ: كانَ أوَّلَ مَنْ صَلَّى بِنا صَلاةَ الجُمُعَةِ قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا ابن حبان (٣) والبيهقي (٤) وصححه. قال الحافظ (٥): وإسناده حسن اهـ. وفي إسناده محمد بن إسحاق وفيه مقال مشهور (٦). قوله: (هَزْم النبيت) هو بفتح الهاء وسكون الزاي: المطمئنّ من الأرض (٧). والنَّبِيْت بفتح النون وكسر الباء الموحدة وسكون الياء التحتية وبعدها تاء فوقية. قال في القاموس (٨): هو أبو حيّ باليمن اسمه عمرو بن مالك اهـ. والمراد به هنا موضع من حرّة بني بياضة، وهي قرية على ميل من المدينة. وبنو بياضة بطن من الأنصار.

стр. 2828

قوله: (في نقيع) هو بالنون ثم القاف ثم الياء التحتية بعدها عين مهملة (١). قوله: (الخضِمات) بالخاء المعجمة وكسر الضاد المعجمة موضع معروف (٢). قوله: (أربعون رجلًا) استدلّ به من قال: إن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين رجلًا. وإلى ذلك ذهب الشافعي (٣) وأحمد (٤) في إحدى الروايتين عنه، وبه قال عُبيدِ الله بن عبدِ اللهِ بن عتبة (٥)، وعمر بن عبد العزيز (٦). ووجه الاستدلال بحديث الباب أن الأمة أجمعت على اشتراط العدد، والأصل الظهر، فلا تصحّ الجمعة إلا بعدد ثابت بدليل، وقد ثبت جوازها بأربعين فلا يجوز بأقلّ منه إلا بدليل صحيح. وثبت أن النبيّ ﷺ قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٧) قالوا: ولم تثبت صلاته لها بأقل من أربعين. وأجيب عن ذلك: بأنه لا دلالة في الحديث على اشتراط الأربعين؛ لأن هذه واقعة عين. وذلك أن الجمعة فرضت على النبيّ ﷺ وهو بمكة قبل الهجرة كما أخرجه الطبراني (٨) عن ابن عباس، فلم يتمكن من إقامتها هنالك من أجل الكفار، فلما

стр. 2829

هاجر من هاجر من أصحابه إلى المدينة كتب إليهم يأمرهم أن يجمعوا فجمعوا، واتفق أن عدّتهم إذن كانت أربعين، وليس فيه ما يدلّ على أن من دون الأربعين لا تنعقد بهم الجمعة. وقد تقرّر في الأصول (١) أن وقائع الأعيان لا يحتجّ بها على العموم. وروى عبد بن حميد (٢) وعبد الرزاق (٣) عن محمد بن سيرين قال: جَمَعَ أهل المدينة قبل أن يقدم النبيّ ﷺ ، وقبل أن تنزل الجمعة، قالت الأنصار: لليهود يوم يجمعون فيه كل أسبوع، وللنصارى مثل ذلك، فهَلُمّ فلنجعل يومًا نجمع فيه فنذكر الله تعالى ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذٍ ركعتين وذكرهم فسموا الجمعة حين اجتمعوا إليه، فذبح لهم شاة فتغدّوا وتعشوا منها، فأنزل الله في ذلك بعد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] الآية. قال الحافظ (٤): ورجاله ثقات إلا أنه مرسل. وقولهم: لم يثبت أنه ﷺ صلى الجمعة بأقلّ من أربعين. يردّه حديث جابر الآتي (٥) في باب انفضاض العدد لتصريحه بأنه لم يبق معه ﷺ إلا اثنا عشر رجلًا. وما أخرجه الطبراني (٦) عن ابن مسعود الأنصاري قال: أوّل من قدم المدينة من المهاجرين: مصعب بن عمير، وهو أوّل من جمع بها يوم الجمعة قبل أن يقدم النبيّ ﷺ وهم اثنا عشر رجلًا، وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر وهو ضعيف (٧).
следующие страницы →