← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 2895–2934 · переход к 2900.

стр. 2895

وظاهر حديث جابر (١) وحديث ابن عمر (٢) أنه يجوز للرجل أن يقعد في مكان غيره إذا أقعده برضاه. ولعلّ امتناع ابن عمر (٣) عن الجلوس في مجلس من قام له برضاه كان تورعًا منه، لأنه ربما استحيا منه إنسان فقام له بدون طيبة من نفسه. ولكن الظاهر أن من فعل ذلك قد أسقط حقّ نفسه، وتجويز عدم طيبة نفسه بذلك خلاف الظاهر. ويكره الإيثار بمحلّ الفضيلة كالقيام من الصفّ الأوّل إلى الثاني؛ لأن الإِيثار وسلوك طرائق [الآداب] (٤) لا يليق أن يكون في العبادات والفضائل، بل المعهود أنه في حظوظ النفس [وأمور] (٥) الدنيا، فمن آثر بحظه في أمر من أمور الآخرة فهو من الزاهدين في الثواب. ٣٦/ ١٢١٤ - (وَعَنِ ابْنِ عمَرَ قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : "إذَا نَعَسَ أحَدُكُمْ في مَجْلِسِهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّلْ إلى غَيْرِهِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ) (٧). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا أبو داود (٨) عن هناد عن عبدة بن سليمان، وفي إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن (٩). وقد أخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه (١٠) معنعنًا.

стр. 2896

وأما ابن العربي (١) فمال إلى ضعف الحديث لذلك. وفي الباب عن سمرة عند البزار (٢) والطبراني في الكبير (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا نعس أحدكم يوم الجمعة فليتحوّل إلى مكان صاحبه ويتحوّل صاحبه إلى مكانه". وهو من رواية إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن سمرة. قال البزار (٤): إسماعيل لا يتابع على حديثه، انتهى. وفي سماع الحسن من سمرة خلاف قد تقدم ذكره. وللحديث طريق أخرى عند البزار (٥) وفيها خالد بن يوسف السمتي (٦) وهو ضعيف. وفيها أيضًا أبو يوسف بن خالد، وهو هالك، وبقية السند مجهولون كما قال ابن القطان. قال الذهبي في الميزان: وبكل حال هذا إسناد مظلم. قوله: (إذا نعس أحدكم يوم الجمعة) لم يرد بذلك جميع اليوم، بل المراد به إذا كان في المسجد ينتظر صلاة الجمعة كما في رواية أحمد في مسنده (٧) بلفظ: "إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة"، وسواء فيه حال الخطبة أو قبلها، لكن حال الخطبة أكثر.

стр. 2897

قوله: (يوم الجمعة) يحتمل أنه خرج مخرج الأغلب لطول مكث الناس في المسجد للتبكير إلى الجمعة ولسماع الخطبة. وأن المراد انتظار الصلاة في المسجد في الجمعة وغيرها كما في رواية أبي هريرة (١) لحديث الباب بلفظ: "إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحوّل من مجلسه ذلك إلى غيره". فيكون ذكر يوم الجمعة من التنصيص على بعض أفراد العامّ. ويحتمل أن المراد يوم الجمعة [فقط] (٢) للاعتناء بسماع الخطبة فيه. والحكمة في الأمر بالتحوّل: أن الحركة تذهب النعاس. ويحتمل أن الحكمة فيه انتقاله من المكان الذي أصابته فيه الغفلة بنومه وإن كان النائم لا حرج عليه، فقد أمر النبيّ ﷺ في قصة نومهم عن صلاة الصبح في الوادي بالانتقال منه كما تقدم (٣). وأيضًا من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة. والنعاس في الصلاة من الشيطان، فربما كان الأمر بالتحوّل لإذهاب ما هو منسوب إلى الشيطان من حيث غفلة الجالس في المسجد عن الذكر، أو سماع الخطبة أو ما فيه منفعة. ٣٧/ ١٢١٥ - (وَعَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ الجُهَنِيّ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الحَبْوَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ والإِمامُ يَخْطُبُ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وأَبُو دَاوُدَ (٥) وَالتّرْمِذِيُّ (٦) وَقالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ). [حسن]

стр. 2898

٣٨/ ١٢١٦ - (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قالَ: شَهِدْتُ مَعَ مُعاوِيَةَ فَتْحَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَجَمَّعَ بِنَا، فإذَا جُلُّ مَنْ في المَسْجِدِ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَرأيْتُهُمْ مُحْتَبِينَ والإِمامُ يَخْطُبُ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (١). [ضعيف] حديث معاذ بن أنس هو من رواية ابنه سهل بن معاذ (٢)، وقد ضعفه يحيى بن معين وتكلم فيه غير واحد. وفي إسناده أيضًا أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون مولى بني ليث، ضعفه ابن معين. وقال أبو حاتم الرازي (٣): لا يحتجّ به. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو عند ابن ماجه (٤) قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الاحتباء يوم الجمعة"، يعني والإِمام يخطب. وفي إسناده بقية بن الوليد (٥) وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة عن شيخه، عن عبد الله بن واقد.

стр. 2899

قال العراقي: لعله من شيوخه المجهولين. وعن جابر عند ابن عديّ في الكامل (١): "أن النبيّ ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإِمام يخطب". وفي إسناده عبد الله بن ميمون القداح، وهو ذاهب الحديث كما قال البخاري (٢). والأثر الذي رواه يعلى بن شدّاد عن الصحابة سكت عنه أبو داود (٣) والمنذري (٤). وفي إسناده سليمان بن عبد الله بن الزبرقان، وفيه لين، وقد وثقه ابن حبان (٥). قال أبو داود (٦): وكان ابن عمر (٧) يحتبي والإِمام يخطب وأنس بن مالك (٨)،

стр. 2900

وشريح (١)، وصعصعة بن صوحان، وسعيد بن المسيب (٢)، وإبراهيم النخعي، ومكحول (٣)، وإسماعيل بن محمد بن سعد، ونعيم بن سلامة قال: لا بأس بها. قال أبو داود (٤): لم يبلغني أن أحدًا كرهها إلا عبادة بن نُسي. قوله: (عن الحبوة) هي أن يقيم الجالس ركبتيه ويقيم رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشدّ عليهما ويكون أليتاه على الأرض وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب (٥). يقال: احتبى يحتبي احتباء، والاسم الحبوة بالضم والكسر معًا، والجمع حُبى وحِبى بالضم والكسر. قال الخطابي (٦): وإنما نهى عن الاحتباء في ذلك الوقت لأنه يجلب النوم ويعرّض طهارته للانتقاض. وقد ورد النهي عن الاحتباء مطلقًا غير مقيد حال الخطبة ولا بيوم الجمعة؛ لأنه مظنة لانكشاف عورة من كان عليه ثوب واحد. وقد اختلف العلماء في كراهية الاحتباء يوم الجمعة؛ فقال بالكراهة قوم من أهل العلم كما قال الترمذي (٧)، منهم عبادة بن نسي المتقدم. قال العراقي: وورد عن مكحول وعطاء والحسن أنهم كانوا يكرهون أن يحتبوا والإِمام يخطب يوم الجمعة. رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨).

стр. 2901

قال: ولكنه قد اختلف عن الثلاثة فنقل عنهم القول بالكراهة ونقل عنهم عدمها. واستدلوا بحديث الباب وما ذكرناه في معناه، وهي [تقوّي] (١) بعضها بعضًا. وذهب أكثر أهل العلم كما قال العراقي إلى عدم الكراهة منهم من تقدم ذكره في رواية أبي داود (٢). ورواه ابن أبي شيبة (٣) عن سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وعطاء، وابن سيرين، والحسن، وعمرو بن دينار وأبي الزبير وعكرمة بن خالد المخزومي. ورواه الترمذيّ (٤) عن ابن عمر وغيره. قال (٥): وبه يقول أحمد (٦) وإسحاق. وأجابوا عن أحاديث. الباب أنها كلها ضعيفة وإن كان الترمذي قد حسن حديث معاذ بن أنس وسكت عنه أبو داود فإن فيه من تقدم ذكره. ٣٩/ ١٢١٧ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقابَ النَّاسِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : "اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٧) وَالنَّسائِيُّ (٨) وأحْمَدُ (٩)، وَزَادَ: "وآنَيْتُ"). [صحيح]

стр. 2902

٤٠/ ١٢١٨ - (وَعَنْ أرْقَمِ بْنِ أبي الأرْقَمِ المَخْزُومِيّ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "الَّذِي يَتَخَطَّى رِقابَ النَّاسِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيُفَرّقُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ بَعْدَ خُرُوجِ الإِمامِ، كالجارِّ قُصْبَهُ في النَّارِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (١). [إسناده ضعيف جدًّا] ٤١/ ١٢١٩ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحارِثِ قالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ الله ﷺ بالمَدِينَةِ العَصْرَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقابَ النَّاس إلى بَعْضِ حُجَرِ نِسائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَرَأى أنهُمْ قَدْ عجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، فَقالَ: "ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ كانَ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أنْ يَحْبِسَني فأمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ". رَوَاهُ البُخارِيُّ (٢) وَالنَّسائيُّ) (٣). [صحيح] حديث عبد الله بن بسر سكت عنه أبو داود (٤) والمنذري (٥)، وصححه ابن

стр. 2903

خزيمة (١) وغيره (٢)، وهو من رواية أبي الزاهرية (٣)، وقد أخرج له مسلم (٤). وحديث أرقم أخرجه أيضًا الطبراني في الكبير (٥)، وفي إسناده هشام بن زياد، ضعفه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم. وقد اضطرب فيه، فرواه مرّة عن عثمان بن الأرقم عن أبيه، ومرة عن عمار بن سعد عن عثمان بن الأزرق كما سيأتي (٦). وفي الباب عن معاذ بن أنس عند الترمذي (٧) وابن ماجه (٨) قال: قال رسول الله ﷺ : "من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرًا إلى جهنم"، وهو من رواية سهل بن معاذ عن أبيه. وقد تقدم الكلام على سهل في شرح الحديث الذي قبل هذه الأحاديث (٩).

стр. 2904

وفيه أيضًا رشدين بن سعد (١) وفيه مقال. وعن جابر عند ابن ماجه (٢) "أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب، فجعل يتخطى الناس، فقال رسول الله ﷺ : اجلس فقد آذيت وآنيت". وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي (٣) وهو ضعيف. وقد رواه بأطول من هذا ابن أبي شيبة في المصنف (٤). وعن عثمان بن الأزرق عند الطبراني في الكبير (٥) بنحو حديث أرقم المذكور في الباب، وفي إسناده هشام بن زياد (٦) وقد تقدم أنه ضعيف. وعن أبي الدرداء عند الطبراني في الأوسط (٧) قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 2905

"لا تتخطى رقاب الناس يوم الجمعة"، قال الطبراني (١): تفرّد به أرطاة (٢) انتهى. وفي إسناده أيضًا عبد الله بن زريق، قال الأزدي (٣): لم يصحّ حديثه. وعن أنس عند الطبراني في الصغير (٤) والأوسط (٥): "أن رسول الله ﷺ قال لرجل: قد رأيتك تتخطى رقاب الناس وتؤذيهم، من آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ". وفي إسناده موسى بن خلف العجلي (٦) والقاسم بن مطيب العجلي (٧) ضعفهما ابن حبان. واختلف قول ابن معين في موسى؛ فقال مرّة: ضعيف، ومرّة: ليس به بأس. وفي الباب أحاديث غير هذه قد تقدم بعضها في باب التنظيف. قوله: (يتخطى رقاب الناس) قد فرّق النووي (٨) بين التخطي والتفريق بين الاثنين. وجعل ابن قدامة في المغني (٩) التخطي هو التفريق. قال العراقي: والظاهر الأوّل؛ لأن التفريق يحصل بالجلوس بينهما وإن لم يتخطّ.

стр. 2906

قوله: (وآنيت) (١) بهمزة ممدودة: أي أبطأت وتأخرت. قوله: (قُصْبه في النار) بضمّ القاف وسكون الصاد المهملة، واحد الأقصاب وهي المعي كما في القاموس (٢) وغيره (٣). قوله: (ففزع الناس) أي خافوا وكانت تلك عادتهم إذا رأوا منه ما لا يعهدون خشية أن ينزل فيهم شيء يسوؤهم. قوله: (من تِبْر) بكسر التاء المثناة وسكون الموحدة: الذهب الذي لم يصفّ ولم يضرب (٤). قوله: (فكرهت أن يحبسني) أي يشغلني التفكر فيه عن التوجه والإِقبال على الله، كذا قال الحافظ (٥). وفهم منه ابن بطال (٦) معنى آخر فقال فيه: إن المعنى أن تأخير الصدقة يحبس صاحبها يوم القيامة. قوله: (فأمرت بقسمته) في رواية: "فقسمته". وأحاديث الباب تدلّ على كراهة التخطي يوم الجمعة، وظاهر التقييد بيوم الجمعة أن الكراهة مختصة به. ويحتمل أن يكون التقييد خرج مخرج الغالب لاختصاص الجمعة بكثرة الناس، بخلاف سائر الصلوات فلا يختصّ ذلك بالجمعة، بل يكون حكم سائر الصلوات حكمها، ويؤيد ذلك التعليل بالأذية، وظاهر هذا التعليل أن ذلك يجري في مجالس العلم وغيرها.

стр. 2907

ويؤيده أيضًا ما أخرجه الديلمي في مسند الفردوس (١) من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "من تخطى حلق قوم بغير إذنهم فهو عاص". ولكن في إسناده جعفر بن الزبير (٢)، وقد كذّبه شعبة وتركه الناس. وقد اختلف أهل العلم في حكم التخطي يوم الجمعة، فقال الترمذي (٣) حاكيًا عن أهل العلم إنهم كرهوا تخطي الرقاب يوم الجمعة وشدّدوا في ذلك. وحكى أبو حامد في تعليقه عن الشافعي التصريح بالتحريم. وقال النووي في زوائد الروضة: إن المختار تحريمه للأحاديث الصحيحة. واقتصر أصحاب أحمد (٤) على الكراهة فقط. وروى العراقي عن كعب الأحبار أنه قال: لأن أدع الجمعة أحبّ إليّ من أن أتخطى الرقاب. وقال ابن المسيب (٥): لأن أصلي الجمعة بالحرّة أحبّ إليّ من التخطي. وروي عن أبي هريرة (٦) نحوه، ولا يصحّ عنه لأنه من رواية صالح مولى

стр. 2908

التوأمة (١) عنه. قال العراقي: وقد استثني من التحريم أو الكراهة الإِمام أو من كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي. وهكذا أطلق النووي في الروضة (٢)، وقيد ذلك في شرح المهذّب (٣) فقال: إذا لم يجد طريقًا إلى المنبر أو المحراب إلا بالتخطي لم يكره لأنه ضرورة. وروي نحو ذلك عن الشافعي (٤). وحديث عقبة بن الحارث (٥) المذكور في الباب يدلّ على جواز التخطي للحاجة في غير الجمعة. فمن خصص الكراهة بصلاة الجمعة فلا معارضة بينه وبين أحاديث الباب عنده. ومن عمم الكراهة لوجود العلة المذكورة سابقًا في الجمعة وغيرها فهو محتاج إلى الاعتذار عنه. وقد خصّ الكراهة بعضهم بغير من يتبرّك الناس بمروره، وشرّهم ذلك ولا يتأذّون لزوال علة الكراهة التي هي التأذّي (٦).

стр. 2909

[الباب السابع] باب التنفل قبل الجمعة ما لم يخرج الإِمام [وأن انقطاعه] (١) بخروجه إلا تحية المسجد ٤٢/ ١٢٢٠ - (عَنْ نُبَيْشَةَ الهُذَلِيّ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "إِنَّ المُسْلِمَ إذَا اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثُمَّ أقْبَلَ إلى المَسْجِدِ لا يُؤْذِي أحَدًا، فإنْ لَمْ يَجِدِ الإِمامَ خَرَجَ صَلَّى ما بَدَا لَهُ، وَإِنْ وَجَدَ الإِمامَ قَدْ خَرَجَ جَلَسَ فاسْتَمَعَ وأنْصَتَ حتَّى يَقْضِيَ الإِمامُ جُمُعَتَهُ وكَلامَهُ، إنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِي جُمُعَتِهِ تِلْكَ ذُنُوبُهُ كُلُّها أنْ تَكُونَ كَفَّارَةً لِلْجُمُعَةِ الَّتي تَلِيها"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (٢). [صحيح لغيره] الحديث في إسناده عطاء الخراساني (٣) وفيه مقال، وقد وثقه الجمهور ولكنه قيل: إنه لم يسمع من نبيشة.

стр. 2910

وفيه مشروعية الغسل في يوم الجمعة وترك الأذية، وقد تقدم الكلام على ذلك. وفيه أيضًا مشروعية الاستماع والإِنصات وسيأتي البحث عنهما. وفيه مشروعية الصلاة قبل خروج الإِمام والكفّ عنها بعد خروجه. وقد اختلف العلماء هل للجمعة سنة قبلها أو لا؟ فأنكر جماعة أن لها سنة قبلها وبالغوا في ذلك، قالوا: لأن النبي ﷺ لم يكن يؤذّن للجمعة إلا بين يديه ولم يكن يصليها، وكذلك الصحابة؛ لأنه إذا خرج الإِمام انقطعت الصلاة (١).

стр. 2911

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2912

وقد حكى ابن العربي (١) عن الحنفية (٢) والشافعية (٣) أنه لا يصلي قبل الجمعة. وعن مالك (٤) أنه يصلي قبلها. واعترض عليه العراقي بأن الحنفية (٢) إنما يمنعون الصلاة قبل الجمعة في وقت الاستواء لا بعده.

стр. 2913

وبأن الشافعية (١) تجوّز الصلاة قبل الجمعة بعد الاستواء، ويقولون: إن وقت سنة الجمعة التي قبلها يدخل بعد الزوال. وبأن البيهقي (٢) قد نقل عن الشافعي أنه قال: من شأن الناس التهجير إلى الجمعة والصلاة إلى خروج الإِمام. قال البيهقي في المعرفة (٢): هذا الذي أشار إليه الشافعي موجود في الأحاديث الصحيحة، وهو أن النبيّ ﷺ رغب في التبكير إلى الجمعة والصلاة إلى خروج الإِمام. فمن الأحاديث الدالة على ذلك حديث الباب (٣) وحديث أبي هريرة الآتي (٤). (ومنها) حديث ابن عباس عند ابن ماجه (٥) والطبرانى (٦) قال: "كان النبيّ ﷺ يركع قبل الجمعة أربعًا لا يفصل بينهنّ". وقد ضعف النووي في الخلاصة (٧) رجال إسناده وقال: إن مُبَشِّر بن عُبيد (٨) أحد رجال إسناده وضاع صاحب أباطيل. (ومنها) حديث عبد الله بن مغفل عن النبيّ ﷺ عند الستة بلفظ: "بين كل أذانين صلاة" (٩).

стр. 2914

(ومنها) حديث عبد الله بن الزبير عند ابن حبان في صحيحه (١) والدارقطني (٢) والطبراني (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان". وهذا والذي قبله تدخل فيهما الجمعة وغيرها. (ومنها) الأحاديث الواردة في مشروعية الصلاة بعد الزوال وقد تقدَّمت، والجمعة كغيرها. (ومنها) حديث استثناء يوم الجمعة من كراهة الصلاة حال الزوال وقد تقدَّم. قال العراقي: لم ينقل عن النبيّ ﷺ أنه كان يصلي قبل الجمعة؛ لأنه كان يخرج إليها فيؤذّن بين يديه ثم يخطب. وقد استدلّ المصنف (٤) ﵀ بحديث الباب على ترك التحية بعد خروج الإِمام فقال: وفيه حجة بترك التحية كغيرها اهـ. وسيأتي الكلام على هذا.

стр. 2915

٤٣/ ١٢٢١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كانَ يُطِيلُ الصَّلاةَ قَبْلَ الجُمُعَةِ وَيُصلِّي بَعْدَها رَكْعَتَيْنِ، وَيُحَدِّثُ أن رَسُولَ الله ﷺ كانَ يَفْعَلُ ذَلكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (١). [صحيح] ٤٤/ ١٢٢٢ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ثُم أتى الجُمُعَةَ فَصَلَّى ما قدّرَ لَهُ ثُم أنْصَتَ حتَّى يَفْرُغَ الإِمامُ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُم يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى وَفَضْلَ ثَلاثةِ أيَامٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (٢). [صحيح] حديث ابن عمر قال العراقي: إسناده صحيح، وأخرجه النسائي (٣) بدون قوله: "يطيل الصلاة قبل الجمعة". قال المنذري (٤): وأخرجه مسلم (٥) والترمذي (٦) والنسائي (٧) وابن ماجه (٨) من وجه آخر بمعناه اهـ. والحديثان يدلان على مشروعية الصلاة قبل الجمعة، ولم يتمسك المانع من ذلك إلا بحديث النهي عن الصلاة وقت الزوال، وهو مع [كون] (٩) عمومه مخصصًا بيوم الجمعة كما تقدم ليس فيه ما يدلّ على المنع من الصلاة قبل الجمعة على الإِطلاق، وغاية ما فيه المنع في وقت الزوال وهو غير محلّ النزاع.

стр. 2916

والحاصل أن الصلاة قبل الجمعة مرغب فيها عمومًا وخصوصًا، فالدليل على مدّعي الكراهة على الإِطلاق. قوله: (فصلى ما قدّر له) فيه أن الصلاة قبل الجمعة لا حدّ لها. قوله: (ثم أنصت) في رواية "ثم انتصت" بزيادة تاء فوقية، قال القاضي عياض (١): وهو وهم. وقال النووي (٢): ليس هو وهمًا بل هي لغة صحيحة. قوله: (حتى يفرغ الإمام) قال النووي (٣): هو في الأصول بدون ذكر الإِمام وعاد الضمير إليه للعلم به وإن لم يكن مذكورًا. قوله: (وفضل ثلاثة أيام) هو بنصب فضل على الظرف كما قال النووي (٤). قال: قال العلماء: معنى المغفرة له ما بين الجمعتين وثلاثة أيام: أن الحسنة بعشرة أمثالها، وصار يوم الجمعة الذي فعل فيه هذه الأفعال الجميلة في معنى الحسنة التي تجعل بعشر أمثالها. قال بعض العلماء: والمراد بما بين الجمعتين: من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل ذلك الوقت حتى يكون سبعة أيام بلا زيادة ولا نقصان، ويضمّ إليها ثلاثة فتصير عشرة. ٤٥/ ١٢٢٣ - (وَعَنْ أبي سَعِيدٍ: أن رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَرَسُولُ الله ﷺ يَخْطُبُ عَلى المِنْبَرِ، فأمَرَهُ أنْ يصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلا أبا دَاوُدَ (٥).

стр. 2917

وَصحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١) وَلَفْظُهُ: أن رَجُلًا جاءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي هَيْئَةٍ بذَّةٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فأمَرَهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ. قُلْتُ: وَهَذَا يُصَرّحُ بِضَعْفِ ما رُوِي أنَّهُ أمْسَكَ عَنْ خُطْبَتِهِ حتَّى فَرَغَ مِنَ الركْعَتَيْنِ). [حسن] ٤٦/ ١٢٢٤ - (وَعَنْ جابِرٍ قالَ: دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَة وَرَسُولُ الله ﷺ يَخْطُبُ، فَقالَ: "صَلَّيْتَ؟ "، قالَ: لا، قالَ: "فَصَلّ رَكْعَتَيْنِ"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ (٢). [صحيح] وفِي رِوَايَةٍ: "إِذَا جاءَ أحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإمامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَمُسْلِمٌ (٤) وَأَبُو دَاوُدَ (٥). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ: "إِذَا جاءَ أحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَقَدْ خَرَجَ الإمامُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). (٦) [صحيح] وفي الباب عن سهل بن سعد عند ابن أبي حاتم في العلل (٧). وأشار إليه الترمذي (٨) بنحو حديث أبي سعيد.

стр. 2918

وعن أبي قتادة عند الأئمة الستة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين" وقد تقدم (١). وعن أنس عند الدارقطني (٢) قال: "جاء رجل ورسول الله ﷺ يخطب، فقال له النبيّ ﷺ : قم فاركع ركعتين، وأمسك من الخطبة حتى فرغ من صلاته". قال الدارقطني (٣): "أسنده عبيد بن محمد العبدي عن معتمر عن أبيه عن قتادة عن أنس، ووهم فيه، والصواب: عن معتمر عن أبيه [مرسل] (٤)، كذلك رواه أحمد بن حنبل وغيره عن معتمر". ثم رواه من طريق أحمد مرسلًا. وعبيد بن محمد هذا روى عنه أبو حاتم، وإنما حكم عليه الدارقطني بالوهم لمخالفته من هو أحفظ منه، أحمد بن حنبل وغيره، وهذا الحديث هو الذي أشار إليه المصنف. وفي الباب أيضًا عن سليك عند أحمد (٥) قال: قال النبيّ ﷺ : "إذا جاء أحدكم والإِمام يخطب فليصلّ ركعتين خفيفتين". ورواه أيضًا ابن عديّ في الكامل (٦). قوله: (أن رجلًا) وكذلك قوله: "دخل رجل" هو سُلَيك، بمهملة مصغَّرًا، ابن هَدِيَّة، وقيل: ابن عمرو الغطفاني، وقع مسمى في هذه القصة عند مسلم (٧) وأبي داود (٨) والدارقطني (٩).

стр. 2919

وقيل: هو النعمان بن قوقل، كذا وقع عند الطبراني (١) من رواية منصور بن أبي الأسود عن الأعمش. قال أبو حاتم الرازي: وهم فيه منصور. ووقع عند الطبراني (٢) أيضًا من طريق أبي صالح عن أبي ذرّ: "أنه أتى النبيّ ﷺ وهو يخطب فقال له: صليت ركعتين" الحديث، وفي إسناده ابن لهيعة. قال الحافظ (٣): المشهور عن أبي ذرٍّ أنه جاء إلى النبيّ ﷺ وهو جالس في المسجد، كذا عند ابن حبان (٤) وغيره (٥). وعند الدارقطني (٦): "جاء رجل من قيس المسجد" فذكر نحو قصة سليك. قال الحافظ (٧): لا يخالف كونه سليكًا، فإن غطفان من قيس. قوله: (صليت) قال الحافظ (٨): كذا للأكثر بحذف همزة الاستفهام، [وثبت] (٩) في رواية الأصيلي. والأحاديث المذكورة في الباب تدلّ على مشروعية تحية المسجد حال الخطبة.

стр. 2920

وإلى ذلك ذهب الحسن (١) وابن عيينة (٢) والشافعي (٣) وأحمد (٤) وإسحاق (٥) ومكحول (٦) وأبو ثور (٧) وابن المنذر (٨). وحكاه النووي (٩) عن فقهاء المحدّثين. وحكى ابن العربي (١٠) أن محمد بن الحسن حكاه عن مالك (١١). وذهب الثوري (١٢) وأهل الكوفة إلى أنه يجلس ولا يصليهما حال الخطبة، حكى ذلك الترمذي (١٣). وحكاه القاضي عياض (١٤) عن مالك والليث وأبي حنيفة وجمهور السلف من الصحابة والتابعين. وحكاه العراقي (١٥) عن محمد بن سيرين وشريح القاضي والنخعي وقتادة والزهري. ورواه ابن أبي شيبة (١٦) عن علي وابن عمر وابن عباس وابن المسيب ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير. ورواه [النووي] (١٧) عن عثمان، وإلى ذلك ذهبت الهادوية (١٨).

стр. 2921

وأجابوا عن أمره ﷺ لسليك بأن ذلك واقعة عين لا عموم لها، فيحتمل اختصاصها بسليك. قالوا: ويدلّ على ذلك ما وقع في حديث أبي سعيد (١): "أن الرجل كان في هيئة بذّة، فقال له: أصليت؟ قال: لا، قال: صلّ الركعتين، وحضّ الناس على الصدقة"، فأمره أن يصلي ليراه الناس وهو قائم فيتصدقون عليه. ويؤيده أن في هذا الحديث عند أحمد (٢): "أن النبيّ ﷺ قال: إن هذا الرجل دخل في هيئة بذّة، وأنا أرجو أن يفطن له رجل فيتصدّق عليه". ويؤيده أيضًا قوله ﷺ لسليك في آخر الحديث: "لا تعودنّ لمثل هذا" أخرجه ابن حبان (٣). وردّ هذا الجواب بأن الأصل عدم الخصوصية، والتعليل بكونه ﷺ قصد التصدّق عليه لا يمنع القول بجواز التحية، فإن المانعين لا يجوّزون الصلاة في هذا الوقت لعلة التصدّق، ولو ساغ هذا لساغ مثله في سائر الأوقات المكروهة ولا قائل به، كذا قال ابن المنير (٤). ومما يردّ هذا التأويل ما في الباب من قوله ﷺ : "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة" (٥)، فإن هذا نصّ لا يتطرّق إليه التأويل. قال النووي (٦): لا أظنّ عالمًا يبلغه هذا اللفظ صحيحًا فيخالفه اهـ. قال الحافظ (٧): والحامل للمانعين على التأويل المذكور أنهم زعموا أن ظاهره معارض لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وقوله ﷺ : "إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإِمام يخطب فقد لغوت"، متفق عليه (٨).

стр. 2922

قالوا: فإذا امتنع الأمر بالمعروف وهو أمر اللاغي بالإِنصات فمنع التشاغل بالتحية مع طول زمنها أولى. وعارضوا أيضًا بقوله ﷺ للذي دخل يتخطى رقاب الناس وهو يخطب: "قد آذيت" وقد تقدم (١). قالوا: فأمره بالجلوس ولم يأمره بالتحية. وبما أخرجه الطبراني (٢) من حديث ابن عمر رفعه: "إذا دخل أحدكم المسجد والإِمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإِمام". ويجاب عن ذلك كله بإمكان الجمع وهو مقدّم على المعارضة المؤدّية إلى إسقاط أحد الدليلين: أما في الآية فليست الخطبة قرآنًا، وما فيها من القرآن الآمر بالإنصات حال قراءته عامّ مخصص بأحاديث الباب. وأما حديث: "إذا قلت لصاحبك أنصت" (٣)، فهو وارد في المنع من المكالمة للغير، ولا مكالمة في الصلاة، ولو سلم أنه يتناول كل كلام حتى الكلام في الصلاة لكان عمومًا مخصصًا بأحاديث الباب. قال الحافظ (٤): وأيضًا فمصلي التحية يجوز أن يطلق عليه أنه منصت؛ لحديث أبي هريرة المتقدم (٥) أنه قال: "يا رسول الله سكوتك بين التكبيرة والقراءة ما تقول فيه؟ " فأطلق على القول سرًا السكوت. وأما أمره ﷺ لمن دخل يتخطى الرقاب بالجلوس (١) فذلك واقعة عين ولا عموم لها. فيحتمل أن يكون أمره بالجلوس قبل مشروعيتها، أو أمره بالجلوس بشرطه

стр. 2923

وهو فعل التحية وقد عرفه قبل ذلك، أو ترك أمره بالتحية لبيان الجواز، أو لكون دخوله وقع في آخر الخطبة وقد ضاق الوقت عن التحية. وأما حديث ابن عمر (١) فهو ضعيف لأن في إسناده أيوب بن نهيك (٢). قال أبو زرعة وأبو حاتم: منكر الحديث، والأحاديث الصحيحة لا تعارض بمثله. وقد أجاب المانعون عن أحاديث الباب بأجوبة غير ما تقدم، وهي زيادة على عشرة أوردها الحافظ في الفتح (٣)، بعضها ساقط لا ينبغي الاشتغال بذكره، وبعضها لا ينبغي إهماله. فمن البعض الذي لا ينبغي إهماله قولهم: "إنه ﷺ سكت عن خطبته حتى فرغ سليك من صلاته"، قالوا: ويدلّ على ذلك حديث أنس المتقدم (٤). ويجاب عن ذلك بأن الدارقطني (٥) وهو الذي أخرجه قال: إنه مرسل أو معضل. وأيضًا يعارضه اللفظ الذي أورده المصنف عن الترمذي (٦) على أنه لو تمّ لهم الاعتذار عن حديث سليك بمثل هذا لما تمّ لهم الاعتذار بمثله عن بقية أحاديث الباب المصرّحة بأمر كل أحد إذا دخل المسجد والإِمام يخطب أن يوقع الصلاة، حال الخطبة. ومنها أنه لما تشاغل ﷺ بمخاطبة سليك سقط فرض الاستماع، إذ لم يكن منه ﷺ خطبة في تلك الحال. وقد ادّعى ابن العربي (٧) أن هذا أقوى الأجوبة. قال الحافظ (٨): وهو أضعفها لأن المخاطبة لما انقضت رجع رسول الله ﷺ إلى خطبته وتشاغل سليك بامتثال ما أمره به من الصلاة، فصحّ أنه صلى حال الخطبة.

стр. 2924

ومنها أنهم اتفقوا على أن الإِمام يسقط عنه التحية مع أنه لم يكن قد شرع في الخطبة، فسقوطها على المأموم بطريق الأولى. وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار. (ومنها) عمل أهل المدينة خلفًا عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك أن التنفل [في] (١) حال الخطبة ممنوع مطلقًا. قال الحافظ (٢): وتعقب بمنع اتفاق أهل المدينة، فقد ثبت فعل التحية عن أبي سعيد. روى ذلك عنه الترمذي (٣) وابن خزيمة (٤) وصححاه وهو من فقهاء الصحابة من أهل المدينة. وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة. ولم يثبت عن أحد من الصحابة صريحًا ما يخالف ذلك. وأما ما نقله ابن بطال (٥) عن عمر (٦) وعثمان (٧) وغير واحد من الصحابة من المنع مطلقًا، فاعتماده في ذلك على روايات عنهم فيها احتمال (٨)، على أنه لا

стр. 2925

حجة في فعل أهل المدينة ولا في إجماعهم على فرض ثبوته، كما تقرّر في الأصول (١). قوله: في حديث الباب (وليتجوّز فيهما) فيه مشروعية التخفيف لتلك الصلاة ليتفرّغ لسماع الخطبة، ولا خلاف في ذلك بين القائلين بأنها تشرع صلاة التحية حال الخطبة. قوله: (فليصلّ ركعتين) فيه أن داخل المسجد حال الخطبة يقتصر على ركعتين. قال المصنف (٢) ﵀: ومفهومه يمنع من تجاوز الركعتين بمجرّد خروج الإِمام كان لم يتكلم. وفي رواية عن أبي هريرة وجابر قال: "جاء سليك الغطفاني ورسول الله ﷺ يخطب، فقال له: أصليت ركعتين قبل أن تجيء؟ قال لا، قال فصلّ ركعتين وتجوّز فيهما"، رواه ابن ماجه (٣) ورجال إسناده ثقات. وقوله: "قبل أن تجيء" يدلّ على أن هاتين الركعتين سنة للجمعة قبلها وليس تحية للمسجد اهـ. حديث ابن ماجه هذا هو كما قال المصنف وصححه العراقي. وقد أخرجه أيضًا أبو داود (٤) من حديث أبي هريرة.

стр. 2926

والبخاري (١) ومسلم (٢) من حديث جابر. وقد ذهب إلى مثل ما قال المصنف الأوزاعي (٣) فقال: إن كان صلى في البيت قبل أن يجيء فلا يصلي إذا دخل المسجد. وتعقب بأن المانع من صلاة التحية لا يجيز التنفل حال الخطبة مطلقًا. قال في الفتح (٤): ويحتمل أن يكون معنى قبل أن تجيء: أي إلى الموضع الذي أنت فيه. وفائدة الاستفهام احتمال أن يكون صلاها في مؤخر المسجد ثم تقدّم ليقرب من سماع الخطبة كما تقدم في قصة الذي تخطى. ويؤيده أن في رواية لمسلم (٥): "أصليت الركعتين" بالألف واللام وهو للعهد، ولا عهد هناك أقرب من تحية المسجد. [الباب الثامن] بابُ ما جاءَ في التَّجْمِيْعِ قبلَ الزَّوالِ وبَعْدَهُ ٤٧/ ١٢٢٥ - (عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَميلُ الشَّمْسُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦) وَالبُخارِيّ (٧) وأبُو دَاوُدَ (٨) وَالتِّرْمِذِيُّ) (٩). [صحيح] ٤٨/ ١٢٢٦ - (وَعَنْهُ قالَ: كُنَا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيّ ﷺ الجُمُعَةَ ثُم نَرْجعُ إلى

стр. 2927

القائِلَةِ فَنَقِيلُ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالبُخَارِيُّ) (٢). [صحيح] ٤٩/ ١٢٢٧ - (وَعَنْهُ أيضًا قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا اشْتَدَّ البَرْدُ بَكَّرَ بالصَّلاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ أبْرَدَ بالصَّلاةِ، يَعْنِي الجُمُعَةَ، رَوَاهُ البُخارِيُّ (٣) هَكَذا). [صحيح] ٥٠/ ١٢٢٨ - "وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قالَ: كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ نَرْجِعُ نتَتَبَّعُ الْفَئءَ، أَخْرَجاهُ) (٤) [صحيح] ٥١/ ١٢٢٩ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: ما كُنَّا نَقِيلُ وَلا نَتَغَدَّى إلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ. رَوَاهُ الجَماعَةُ (٥)، وَزَادَ أحْمَدُ (٦) وَمُسْلِمٌ (٧) وَالتِّرْمِذِيُّ (٨): فِي عَهْدِ النَّبِيّ ﷺ ). [صحيح] ٥٢/ ١٢٣٠ - (وَعَنْ جابِرٍ: أن النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ ثُمَّ نَذَهْبُ إلى جمالنا فَنُرِيحُها حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، يَعْني النَّوَاضِحَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٩)

стр. 2928

وَمُسْلِمٌ (١) وَالنَّسَائِيُّ) (٢). [صحيح] ٥٣/ ١٢٣١ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَيْدَانَ السُّلَمِيّ قالَ: شَهِدْتُ الجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَتْ خُطْبَتُه وَصَلاتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهارِ، ثمَّ شَهِدْتها مَعَ عمَرَ فَكانَتْ صَلاتُه وَخُطْبَتُه إلى أن أَقُولَ: انْتَصَفَ النَّهارُ، ثمَّ شَهِدْتها مَعَ عثمانَ فَكَانَتْ صَلاتُه وَخُطْبَتُه إلى أن أقُولَ زَالَ النَّهارُ، فَمَا رأيْتُ أَحَدًا عابَ ذلكَ وَلا أنْكَرَه. رَوَاهُ الدَّارقُطْنِيُّ (٣)

стр. 2929

والإِمامُ أحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ الله (١). [أثر ضعيف] وَاحْتَجَّ بِهِ وَقالَ: وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (٢) وَجابِرٍ (٣) وَسَعِيدٍ (٤) وَمُعَاوِيَةَ (٥): أنَّهُمْ صَلَّوْها قَبْلَ الزَّوَالِ). أثر عبد الله بن سيدان السلمي فيه مقال؛ لأن البخاري (٦) قال: لا يتابع على حديثه. وحكى في الميزان (٧) عن بعض العلماء أنه قال: هو مجهول لا حجة فيه. قوله: (حين تميل الشمس) فيه إشعار بمواظبته ﷺ على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس.

стр. 2930

قوله: (كنا نصلي الجمعة مع النبيّ ﷺ ثم نرجع إلى القائلة فنقيل). وفي لفظ للبخاري (١): "كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة". وفي لفظ له (٢) أيضًا: "كنا نصلي مع النبيّ ﷺ الجمعة ثم تكون القائلة"، وظاهر ذلك أنهم كانوا يصلون الجمعة باكر النهار. قال الحافظ (٣): لكنَّ طريق الجمع أولى من دعوى التعارض، وقد تقرّر أن التبكير يطلق على فعل الشيء في أوّل وقته أو تقديمه على غيره وهو المراد هنا. والمعنى: أنهم كانوا يبتدءون بالصلاة قبل القيلولة، بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في الحرّ، فإنهم كانوا يقيلون ثم يصلون لمشروعية الإبراد اهـ. والمراد بالقائلة المذكورة في الحديث: نوم نصف النهار. قوله: (إذا اشتدّ البرد بكَّر بالصلاة)، أي صلاها في أوّل وقتها. قوله: (وإذا اشتدّ الحر أبرد بالصلاة، يعني الجمعة) يحتمل أن يكون قوله: "يعني الجمعة" من كلام التابعي أو من دونه، أخذه قائله مما فهمه من التسوية بين الجمعة والظهر عند أنس. ويؤيده ما عند الإسماعيلي (٤) عن أنس من طريق أخرى وليس فيه قوله: "يعني الجمعة". قوله: (نجمِّع) هو بتشديد الميم المكسورة. قوله: (نتتبع الفيء) فيه تصريح بأنه قد وجد في ذلك الوقت فيء يسير. قال النووي (٥): إنما كان ذلك لشدّة التبكير وقصر حيطانهم. وفي رواية للبخاري (٦): "ثم ننصرف وليس للحيطان ظلّ نستظلّ به". وفي رواية لمسلم (٧): "وما نجد فيئًا نستظلّ به"، والمراد نفي الظلّ الذي

стр. 2931

يستظلّ به، لا نفي أصل الظلّ كما هو الأكثر الأغلب من توجه النفي إلى القيود الزائدة. ويدلّ على ذلك قوله: "ثم نرجع نتتبع الفيء"، قيل: وإنما كان كذلك لأن الجدران كانت في ذلك العصر قصيرة لا يستظلّ بظلها إلا بعد توسط الوقت، فلا دلالة في ذلك على أنهم كانوا يصلون قبل الزوال. قوله: (ما كنا نقيل ولا نتغدّى إلا بعد الجمعة). فيه دليل لمن قال بجواز صلاة الجمعة قبل الزوال. وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل (١): واختلف أصحابه في الوقت الذي تصحّ فيه قبل الزوال هل هو الساعة السادسة أو الخامسة أو وقت دخول وقت صلاة العيد. ووجه الاستدلال به أن الغداء والقيلولة محلهما قبل الزوال. وحكوا عن ابن قتيبة أنه قال: لا يسمَّى غداءً ولا قائلة بعد الزوال. وأيضًا قد ثبت أن النبيّ ﷺ كان يخطب خطبتين ويجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس كما في مسلم (٢) من حديث أمّ هشام بنت حارثة أخت عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: "ما حفظت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا من فيِّ رسول الله ﷺ وهو يقرؤها على المنبر كل جمعة. وعند ابن ماجة (٣) من حديث أبيّ بن كعب: "أن النبي ﷺ قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم يذكر بأيام الله، وكان يصلي الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين". كما ثبت ذلك عند مسلم من حديث عليّ (٤) وأبي هريرة (٤) وابن عباس (٥)،

стр. 2932

ولو كانت خطبته وصلاته بعد الزوال لما انصرف منها إلا وقد صار للحيطان ظلّ يستظلّ به وقد خرج وقت الغداء والقائلة. وأصرح من هذا حديث جابر (١) المذكور في الباب، فإنه صرّح بأن النبيّ ﷺ كان يصلي الجمعة ثم يذهبون إلى جمالهم فيريحونها عند الزوال. ولا ملجئ إلى التأويلات المتعسفة التي ارتكبها الجمهور، واستدلالهم بالأحاديث القاضية بأنه ﷺ صلى الجمعة بعد الزوال لا ينفي الجواز قبله. وقد أغرب ابن العربي (٢) فنقل الإِجماع على أنها لا تجب حتى تزول الشمس، إلا ما نقل عن أحمد (٣) وهو مردود فإنه قد نقل ابن قدامة (٤) وغيره عن جماعة من السلف مثل قول أحمد. وأخرج ابن أبي شيبة (٥) من طريق عبد الله بن سلمة أنه قال: صلى بنا عبد الله بن مسعود الجمعة ضحى وقال: خشيت عليكم الحرّ. وأخرج (٦) من طريق سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية الجمعة ضحى. وكذلك روي عن جابر (٧) وسعيد بن زيد (٨) كما في رواية أحمد التي ذكرها المصنف. وروى مثل ذلك ابن أبي شيبة في المصنف (٩) عن سعد بن أبي وقاص. قوله: (وعن عبد الله بن سيدان السُلَميِّ) أخرج هذا الأثر أيضًا أبو نعيم شخ البخاري في كتاب الصلاة (١٠) وابن أبي شيبة (١١).

стр. 2933

قال الحافظ (١): ورجاله ثقات إلا عبد الله بن سيدان فإنه تابعي كبير إلا أنه غير معروف العدالة. قال ابن عدي (٢): يشبه المجهول. وقال البخاري (٣): لا يتابع على حديثه، وقد عارضه ما هو أقوى منه. وروى ابن أبي شيبة (٤) من طريق سويد بن غفلة أنه صلى مع أبي بكر وعمر حين تزول الشمس، وإسناده قويّ. [الباب التاسع] باب تسليم الإِمام إذا رَقَى المنبر والتأْذِينِ إِذا جَلَسَ عليهِ واستقبالِ المأمومينَ لهُ ٥٤/ ١٢٣٢ - (عَنْ جابِرٍ أن النَّبِيَّ ﷺ كانَ إِذَا صَعِدَ المِنْبَرَ سَلَّمَ. رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ (٥)، وفِي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَة. [حسن] وَهُوَ لِلأَثْرَمِ فِي سُنَنِهِ عَنِ الشَّعْبِي عَنِ النَّبِيّ ﷺ مُرْسَلًا) (٦). الحديث أخرجه الأثرم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة عن مجالد عن الشعبي قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس فقال: السلام عليكم". وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٦) عن الشعبي مرسلًا.

стр. 2934

وإسناد ابن ماجه فيه ابن لهيعة (١) كما قال المصنف وهو ضعيف. وفي الباب عن ابن عمر عند ابن عديّ (٢) "أن النبيّ ﷺ كان إذا دنا من المنبر سلَّم على من عند المنبر ثم صعد، فإذا استقبل الناس بوجهه سلَّم ثم قعد"، وأخرجه أيضًا الطبراني (٣) والبيهقي (٤)، وفي إسناده عيسى بن عبد الله الأنصاري، وقد ضعفه ابن عديّ (٢) وابن حبان (٥). وفي الباب أيضًا عن عطاء (٦) مرسلًا، كذا قال الحافظ في التلخيص (٧). وقال الشافعي (٨): (بلغنا عن سلمةَ بن الأكْوَع أنه قال: "خطب رسول الله ﷺ خطبتين وجلس جلستين"، وحكى الذي حدثني قال: "استوى ﷺ على الدرجة التي تلي المستراح قائمًا، ثم سلم ثم جلس على المستراح حتى فرغ المؤذّن من الأذان، ثم قام فخطب ثم جلس، ثم قام فخطب الثانية".
следующие страницы →